Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.
стр. 6161
أعداء الله لا يجدون العزة أبداً
وقوله: ﴿ولا يعز من عاديت﴾:
أما من عادى الله فلا يعز أبداً، تقول لي: أناس يعادون الله مع أننا نراهم في عزة، ونراهم في صولة وصولجان وأبهة، ونراهم في مظهر عظيم، دندنة وهمهمة ومع ذلك هم أعداء لله، قال الحسن البصري مجيباً على هذا السؤال، وقد مر به ابن هبيرة أحد الأمراء وقد لبس حريراً وعنده بغال وموكب، قال: [[والله! إن ذل المعصية في قلوبهم ولو هملجت بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال، أبى الله إلا أن يذل من عصاه]].
ف
الجواب
قال أهل السنة: هؤلاء الذين يظهرون بالعزة وهم أعداء لله أو عصاة لله في قلوبهم انكسار وخوف لا يعلمه إلا الله، فقلوبهم مكسورة من داخل، فيها حقارة وشناعة مستترة:
من تداجي يا بن الحسين أداجي أوجهاً تستحق ركلاً ولطما
стр. 6162
قصة عطاء مع سليمان بن عبد الملك
فمعنى: ﴿لا يعز من عاديت﴾ أنه لا يجد العزة أبداً، فالعزة محصورة لله ولرسوله وللمؤمنين، وهذه العزة يجدها العبيد والموالي في أبسط صور الحياة.
عطاء بن أبي رباح مفتي مكة، كان مولى مفلفلاً مهلهلاً أعتق من امرأة، فأتى سليمان بن عبد الملك يريد أن يستفتيه قال لـ سليمان: انتظر مع الناس حتى يأتي دورك، فقال سليمان لأبنائه: تعلموا العلم واتقوا الله، فوالله! ما أذلني أحد من الناس إلا هذا العبد هذا اليوم.
لماذا؟ ﴿إنه لا يعز من عاديت﴾ ولماذا؟ ﴿إنه لا يذل من واليت﴾ وهذا أمر معلوم بالفطر والأخبار والواقع والتاريخ: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٦٢].
قال وزاد: ﴿وصلى الله على النبي ﵊﴾ ونحن نصلي عليه دائماً، فالدعاء لا بد أن تطعمه بالصلاة عليه، وهذه رواية يضعفها بعض العلماء ولكن: المعنى صحيح، فالصلاة تقدم في أول الدعاء وفي أوسطه وآخره، صلاة على النبي ﷺ .
قال الحاكم وابن حبان: في رواية الحسن: ﴿علمني رسول الله ﷺ في وتري إذا رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود﴾ والمعنى: في آخر ركعة إذا رفعت من السجود وقلت: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، حمداً طيباً مباركاً فيه، أن ترفع يديك ثم تبدأ بهذا الدعاء العطر، وإذا كان معك أناس وأنت تدعو بهم، فقل: اللهم اهدنا في من هديت، وعافنا في من عافيت، وهو من أجمل الدعاء! ولا يصوغه إلا محمد ﷺ ، ولا يستطيع لهذه الجوامع من الكلم إلا هو، فإنه غذي بهدي النبوة ﷺ وشرب رحيقها، وعاش في حديقتها، وابتنى دارها، فهو يقول: ﴿أوتيت جوامع الكلم وفواتحه وخواتمه، واختصر لي الكلام اختصاراً﴾ أما حديث: ﴿أنا أفصح من نطق بالضاد﴾ فلا يصح: ﴿بيد أني من قريش﴾ لا يصلح، بل هو أفصح من تكلم بالضاد ﵊ وأفصح الناس جميعاً.
وفي هذا تتجلى أسرار البلاغة والعمق في كلامه ﵊، فإنك إذا قارنت كلامه بكلام غيره، بان لك الخلل والبون الشاسع، فانظر كيف حوى سعادة الدنيا والآخرة في هذه الكلمات! فبدأ بالهداية، ثم الولاية، ثم الرعاية، ثم الكفاية، ثم أتى ﷺ بالعافية، ثم ذكر الأبدان، ثم الأموال، ثم ذكر المستقبل في الآخرة، ثم أمر الدنيا، ثم ختم ﵊ بالصلاة عليه ليرتفع الدعاء.
стр. 6163
أصناف المهتدين
أما قوله: ﴿اللهم اهدني في من هديت﴾ فإن الله هدى أربعة أصناف من الناس لا خامس لهم، والذي لا يسلك مسلكهم فليس من الهداية في شيء: الأنبياء، والشهداء، والصديقون والصالحون.
أما الأنبياء والرسل فهم قادة العالم، وهم الذين يسيرون سفينة الحياة، ويوصلون الخلق بالخالق، وهم الذين يعلِّمون أسرار الوحي للبشرية، وهؤلاء انتهى أمرهم وخاتمهم وخيرهم محمد ﷺ ، فلا يجوز لك أن تقول: اللهم اجعلني من الأنبياء أو الرسل، فإن هذا من التعدي في الدعاء.
وأما الصديقون: فهم أناس كدرجة أبي بكر الصديق، أصبحت أنفاسهم لله، ودموعهم ودماؤهم وأموالهم لله، فليلهم ونهارهم لله، فهم لله، فبه يسمعون، وبه يبصرون، وبه يبطشون فهم كلهم: حركاتهم وسكناتهم لله:
يطالب بالأوراد من كان غافلاً فكيف بشهم كل أيامه ورد
إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم
وقال آخر:
متيم بالندى لو قال قائله هب لي فديت كرى عينيك لم ينم
وقال آخر في معالي الدنيا فكيف بمعالي الآخرة:
أتاني المعالي وهو ضيف أحبه فأطعمته لحمي وأسقيته دمي
وهذا من الأولياء كما فعل أبو بكر الصديق، فإنه أطعم الإسلام لحمه، وسقى الإسلام دمه، وكان في كل لحظة مع الإسلام فالإسلام أبو بكر وأبو بكر هو الإسلام، فأصبح صديقاً، رجف جبل أحد ورسول الله ﷺ عليه ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فقال: ﴿اثبت أحد فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد﴾ فكان النبي هو ﷺ ، والصديق أبو بكر، والشهيد عمر وعثمان.
وأما الشهداء فأناس أتوا إلى الله بأرواحهم في أكفهم، فباعوها في سوق الربح، بأغلى الأثمان، فعوضهم الله الجنة، وجازاهم أنه يكلمهم كل جمعة في الجنة، وهم يجلسون إما على منابر من نور أو على كثبان المسك، فيخاطبهم مباشرة ويتعرض لأيامهم في الدنيا، فيذكرهم بأيامهم وأزواجهم وأبنائهم في الدنيا كل يوم جمعة، وهو يوم المزيد.
وأما الصالحون فهم: المصلون، الصائمون، العاكفون على طاعة الواحد الأحد، أولياء الله الذين يحبون دينه وأولياءه وينصرونه ويغضبون له، ويغتاظون على محارمه، ويحبون أن ينتشر الإسلام، وأن ترتفع كلمة الله، أما غيرهم فخاسرون.
وانقسم الناس أمام الهداية في قوله: ﴿اهدنا فيمن هديت﴾ إلى أربعة أقسام:
الأول: قوم فعلوا المأمور وتركوا المحذور وهم أولياء الله.
الثاني: قوم فعلوا المأمور والمحذور وهم الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً.
الثالث: قوم تركوا المأمور والمحذور وهم الصابئة والمجوس.
الرابع: قوم تركوا المأمور وفعلوا المحذور وهم الزنادقة والملاحدة.
هذا في مسألة: ﴿اهدنا في من هديت﴾.
стр. 6164
كيفية زيادة الهداية
وأما مسيرة اهدنا في من هديت، فهي تبدأ من نوح ﵊، بل قال أهل العلم: من آدم ﵇.
والله وصف نفسه أنه على صراط مستقيم، فقال: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦] فهو الذي يهدي ومنه الهداية: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] ولتعلم أنه قال للرسول ﷺ في أمور التشريع: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] ثم قال له: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] قال أهل العلم: أي: تدل وترشد وتنصح، تقول الجنة من هنا والنار من هنا، الصلاة والمسجد هنا، والمصحف هنا، مع العلم أنك لا تهدي، أي: لا توجه القلوب، فالذي يوجه القلوب هو الله ، وهو الذي يرشدها ويدلها.
ومن اللطائف أيضاً: أن رسول الله ﷺ دائماً يصعد في درجات الكمال، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات.
فأنت لا تفكر باليوم، فربما تكون الليلة ناقص الإيمان، وربما يكون إيمانك مزعزعاً، ربما تكون عندك شهوات وشبهات، ولكن انتظر يوم تسقي شجرة قلبك بماء الطاعة، كيف تأتي أكلها كل حين بإذن ربها، وانتظر مستقبلك بعد عشر سنوات أو مثلها، فـ أبو بكر لما أسلم لم يكن مثله لما مات، يوم أسلم كان يعرف مجمل الدين، فلما مات كان صديقاً من الصديقين الكبار، وهكذا يبدأ الإيمان يزرع، ويسقى بماء التوبة، وسماع الدروس وحضور المحاضرات وحب الصالحين، ويسقى بماء الغضب لله والوقوف مع (لا إله إلا الله) بماء الانتصار لـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] بماء الغضب على العصاة والفجرة والمردة والفسقة الذين يعادون لا إله إلا الله والعلماء والصالحين والدعاة، فهذه إذا سقيتها آتت أكلها كل حين.
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الفتح:٢٩] قالوا: زرعوا لا إله إلا الله؛ فأتت بالصلاة والزكاة والصيام والحج، فلما أخرجت شطأها واستوت: آزرت بالنوافل وحب الصالحين، وبالدعوة، وبالفقة في الدين، فلما آزرتها بالثمار، آتت بحلاوة لا إله إلا الله محمد رسول الله وهو الموت في سبيل الله، فلما أتت الحلاوة ذاقوها، قال ﷺ : ﴿ذاق طعم الإيمان: من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً﴾.
واختلفوا بين الذوق والحلاوة، قالوا: الحلاوة تأتي بثلاث وهي في أصل الثمرة، يقول ﷺ : ﴿ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان﴾ وقال عند مسلم من حديث العباس: ﴿ذاق طعم الإيمان﴾ فاختلف أهل السنة من الشراح هل يذوق الحلى قبل أن يذوق الوجد أم لا، والصحيح أن الحلى آخر شيء، وأن من بلغ منزلة: ﴿ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان﴾ وعسى أن يكون هناك محاضرة لشرح هذا الحديث الضخم العجيب: ﴿ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواها، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار﴾ متفق عليه من حديث أنس.
فالمقصود هنا: أن رسول الله ﷺ بلغ غاية الولاية لله ، وغاية المنزلة، وفي قوله طلب الهداية وأنه سيد المهتدين، رداً على طوائف: كطائفة الصوفية الغلاة، الذين قالوا: إن الولي أعظم من النبي، وكذبوا -لعنهم الله-.
وبعض الناس قالوا: الأئمة معصومون وهم أفضل من الأنبياء -عليهم غضب الله- بل الأنبياء أفضل عباد الله، فقد اصطفاهم الله واختارهم واجتباهم وجعلهم قدوة وصفوة للناس.
هذه من منازل الهداية ومن منازل: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] وتحتاج: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] إلى كلمة ومحاضرة وشرح عن هذه الكلمة المباركة وعن الصراط وعن المستقيم ومن هم سالكوه ومن هو إمامه، وهل هناك سبل أخرى؟ وما صفات هذه السبل؟ وكيف يتجنب العبد هذه السبل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣].
﴿اللهم اهدنا في من هديت، وعافنا في من عافيت، وتولنا في من توليت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت﴾ وزاد بعض العلماء: ﴿اللهم لك الحمد على ما قضيت، ولك الشكر على ما أعطيت﴾ إلى غيره من الدعاء، ولكن وقف الحديث الحسن إلى هذا المعنى الحسن، وهي جمل باهرة في معالم التوحيد، وعلى العبد إذا أراد أن يوتر في الليل أن يستفتح وتره بهذه الكلمات بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ثم يزيد ما شاء الله له من الكلام الطيب العجيب، وأراد رسول الله ﷺ بهذا للحسن أن يحبوه، فلم يكن ﷺ يملك دنيا ولا ديناراً ولا درهماً، وليس عنده توزيع المناصب، ولكن عنده توزيع الهدايا:
المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء
أتته فاطمة ابنته، أمُّ هذا الرجل الصحابي الذي معنا - أم الحسن - أتته في ظلام الليل فقالت: ﴿يا رسول الله! عندك سبي -والسبي الخدم والجواري من بعض المعارك- فأعطني خادماً يخدمني، فردها إلى البيت ثم زارها وزار علياً -والحديث في الترمذي - قال: ألا أدلكما على خير لكما من خادم؟ قالا: بلى.
قال: إذا أتيتما مضجعكما -يعني في النوم- فسبحا ثلاثاً وثلاثين، وتحمدان الله ثلاثاً وثلاثين، وتكبران أربعاً وثلاثين فذلكما خير لكما من خادم﴾ فانظر كيف وجههم إلى الذكر.
وجاءه العباس يسأله مالاً وعمه العباس هو جد الدولة العباسية، جد ستة وثلاثين خليفة، ملكوا ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، يريد مالاً، قال: ﴿يا عم! ألا تريد أن أحبوك؟ قال: بلى، قال: قل: اللهم إني أسألك العفو والعافية﴾.
وعند الترمذي أن أعرابياً أتى عنده جمل وعليه عيبة، يريد أن يملأه تمراً وزبيباً ودقيقاً، فقال: ﴿يا رسول الله! أريد سفراً؟ فزودني﴾ ولم يكن عند رسول الله ﷺ شيئاً، فالنبي ﵊ الذي فتح الدنيا لأتباعه، وفتح القصور والذهب والفضة، مات وهو لم يشبع من كسرة خبز، وما شبع من طعام بر ثلاث ليالٍ متتابعات، تقول عائشة: ﴿والذي أخذ رسوله ﵊، ما شبع ﷺ ثلاثة أيام متتابعة من خبز بر، وإنه كان يمر بنا الهلال والهلالان لا يوقد في بيته ﷺ نار -يعني ما يجدون شيئاً يطبخونه- قالوا: فما طعامكم؟ قالت: الأسوادن: التمر والماء﴾ ومع ذلك مات في هذه الحالة.
فأتى هذا الأعرابي فقال: ﴿أريد سفراً؟ فزودني، قال: زودك الله التقوى -فترك طلب الزاد لما سمع هذا الكلام- وقال: زدني، قال: وغفر ذنبك، قال: زدني، قال: ويسر لك الخير حيثما كنت﴾ وهذه من أجمل ما قيل! ومن يستطيع أن يصوغ هذه العبارات، فلم يحضر لها ﷺ ولا أعد، ولكن: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٤ - ٥].
أيها الإخوة: هذه محاضرة (اللهم اهدنا فيمن هديت) ونسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 6165
الأسئلة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 6166
هل تتكرر هذه المخيمات ؟
السؤال
في العام الماضي حجزنا مع مخيمات السبعان، ووجدنا راحة عجيبة في هذه المخيمات، لما فيها من توجيه، وما فيها من ثقافة ووعي، وما فيها من علم نافع وفقه وصحبة للصالحين، فهل تتكرر هذه المخيمات في هذه السنة، والحج فيها للمنطقة الجنوبية؟
الجواب
الذي أعلمه أنها سوف تتكرر هذه المخيمات، وقد وجهت دعوة لبعض الدعاء: ووافقوا على مصاحبة هذه الرحلة، ووافق الشيخ سعيد بن مسفر، وأكون كذلك معه، وكذلك -إن شاء الله- الشيخ أحمد القطان، في هذه القافلة ولا أدري هل بدءوا الآن بالالتقاء بالناس الذين يريدون الحج، أم لا؟ وسوف تكون قافلة -إن شاء الله- تتوجه من أبها إلى مكة، وسوف يكون هناك برنامج ثقافي ودروس ووعظ، وعسى الله أن ينفع بها، فهي مخيمات للسبعان، موجود مقرها في أبها، بجانب مسجد النمصاء، مسجد الشيخ سعيد بن مسفر.
стр. 6167
كتاب في التربية النبوية
السؤال
تفتقر المكتبة الإسلامية العربية اليوم إلى الاهتمام بالجانب التربوي المستمد من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فما هو تعليقكم على هذا؟ وهل هناك كتب في الساحة توصي بها طلاب العلم وشباب الإيمان؟
الجواب
نعم أيها الإخوة: إن جانب التربية النبوية لم يكن عندنا فيه ما يغطي ذلك النقص الكبير الذي عاشه المسلمون، وعاشه طلاب العلم في الجامعات والمدارس، ولكن -الحمد لله- الآن ورد خير كثير، وفضل عميم، ومن أحسن ما رأيت وطالعت، بحكم أنه طلب مني أن أنظر في هذا الكتاب وأقدمه، وكذلك قدمه فضيلة الشيخ عبد الرحيم الطحان، وبعض الدعاة.
كتاب: دروس تربوية نبوية، وهذا لأحد الأساتذة الدعاة من مدينة أبها، وهو الأستاذ صالح أبو عراد الشهري مدرس في الكلية المتوسطة، كلية المعلمين، وكتابه قد نزل الآن في المكتبات، وسوف تجدون فيه تربية الرسول وهديه ﷺ التربية النبوية ودروس تربوية نبوية، هديه ﷺ في كل دقيقة وجليلة، وأظن في الكتاب ما يقارب عشرين درساً، وهي ممتعة كل المتعة، وتغني عن كتب هؤلاء التي ليس فيها تربية، بل فيها هدم للتربية وهدم للسلوك وللعقل؛ لأنها تخالف الوحي.
فالحمد لله الذي جعل منا من يكتب في هذه الموضوعات، ويستلهم رشده من الكتاب والسنة، ويسد هذا الجانب.
стр. 6168
حقيقة إيليا أبو ماضي وقصيدة للشيخ عائض
السؤال
ما رأيك في الشاعر إيليا أبو ماضي؟
الجواب
هذا شاعر نصراني من المسيحيين اللبنانيين، وله الخمائل والجداول ثلاثة دواوين، وله ترب وترب، وهذا الشاعر نصراني -كما قلت- منحرف، وله قصائد تعارض لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفيها تهكم بالشرع، وهو صاحب:
جئت لا أعلم من أين! ولكني أتيت!!
ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت!!
وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت!!
كيف جئت كيف أبصرت طريقي لست أدري!!
ولماذا لست أدري؟!! لست أدري!!
وهو صاحب البيت السائر المشهور، وهو في شعره قوة يقول:
أحبابنا ما أجمل الدنيا بكم لا تقبح الدنيا وفيها أنتم
ومطلع القصيدة:
لم تشتكي وتقول إنك معدم والأرض ملكك والسما والأنجم
وله قصيدة أخرى قال:
قلت ابتسم ولئن جرعت العلقما
على كل حال أغنانا الله عنه وعن شعره بما آتانا من شعراء الإسلام، ومن شعراء الوحي، وبالمناسبة أنا أتلو عليكم قصيدة هنا حتى يختم وكان ابن عباس يرى أن يختم المجالس بمثل هذه الملح، وقال العراقي:
واستحسنوا الإنشاد في الأواخر
يعني في أواخر المجلس أن ينشد فيه شيء من الشعر، وهذه القصيدة عنوانها: (محمد في فؤاد الغار) وهو الرسول ﷺ صاحب الكلام هذه الليلة والمنهج الرباني:
محمد في فؤاد الغار يرتجف في كفه الدهر والتاريخ والصحف
مزمل في رداء الطهر قد صعدت أنفاسه في ربوع الكون تأتلف
من الصفا من سماء البيت جلله نور من الله لا صوف ولا خزف
والكفر يا ويحه غضبان من أسف لم يبقه الحقد في الدنيا ولا الأسف
ولا حمته سيوف كلها كذب في صولة الحق والإيمان تنقصف
أتى الرسول إلينا والربى جثث مطمورة وعليها يضحك القرف
والظالم المارد المعتوه محترم جماجم الجيل في أسيافه نطف
نجوع نأكل موتانا وسهرتنا أكل الضياع وليل أحمر دنف
جباهنا قبله تحنو إلى حجر وحفنة من لفيف التمر نعتلف
أعرابُ! ويحكم ماذا يقيمكم قومية ليس في آنافها أنف
على موائد كسرى كسرت همم من العروبة واندكت لنا كتف
فأشرقت بسمات الوحي وانقشعت تيجان من قتلوا الأحرار واعتسفوا
وحررت من بلاد الحق مهجته وضل ما نسج الباغون واقترفوا
وعاد أعظم قد لفت عمامته على الشريعة يحويها ويلتحف
أنا الجزيرة في عيني عباقرة الفجر والفتح والرضوان والشرف
أنا الجزيرة في أعماقها رقدت أشلاء أحمد تحوي نورها الغرف
أنا الجزيرة بيت الله قبلتها وفي حمى عرفات دهرنا يقف
جبريل يروي لنا الآيات في حلل من القداسات والأملاك قد دلفوا
من السماوات تهمي كل غادية على ديار بنوها بالعلا شغف
سكان دار العلا رواد كعبتها حجاب وجه الحيا والحق قد عرفوا
من الحثالات طهرنا مرابعها هزت مدافعنا الباغين فانصرفوا
وغسلت أدمع الأبرار تربتها الدر يبقى ويفنى الطين والخزف
الساكبون دماء الحق ما ظمئت روح ومن دمنا الموار تغترف
والساجدون ونجم الليل يشهد ما أضعنا فيه كمن غنوا ومن عزفوا
وقاتلت معنا الأملاك في أحد تحت العجاجة ما حادوا وما انكشفوا
سعد وسلمان والقعقاع قد عبروا إياك نعبد من سلسالها رشفوا
أكفانهم بدماء البذل قد صبغت الله أكبر كم في ساحها هتفوا
أملاك ربي بماء المزن قد غسلوا جثمان حنظلة والروح تختطف
وكلم الله من أوس شهيدهم من غير ترجمة زيحت له السجف
العرش يهتز من هول ومن حزن لـ سعد إذ سُفراء الوحي قد وقفوا
وسدرة المنتهى غريدة بسمت لأمة الضاد تهمي عندها التحف
لا اللوح ينسى ولا التاريخ يغفل عن مسيرة النور تروي مجدها السقف
سل المجرة هل نامت على حلم أحلى لها يوم أعلى نجمها السلف
وسل سهيلاً مع الزهراء هل نظرت أبهى من الثلة الأخيار يوم صفوا
كل البرايا على أصنامها عكفت وقومنا عند بيت الله قد عكفوا
جبلة العدل نيطت في تمائمنا إذا تظاهر دجال ومحترف
وهالة النور شعت بين أضلعنا وغيرنا عن سناء النور قد ضعفوا
ثوب من الهدي والفاروق ينسجه فيه صلاح ومأمون ومنتصف
هل أذن الفجر إلا في منائرنا والشرق والغرب بالطغيان ملتحف
ذابت عيون وأسماع وأفئدة حباً لمن حبه في الغار مكتنف
اقرأ فأنت أبو التعليم رائده من بحر علمك كل الجيل يغترف
إن لم تصغ منك أقلام معارفها فالزور ديدنها والظلم والصلف
تاريخنا أنت أمهرناك أنفسنا نمضي على قبسات منك أو نقف
على جماجمنا خُضْ كل ملحمة أغلى الرءوس التي في الله تقتطف
في كفك الشهم من حبل الهدى طرف على الصراط وفي أرواحنا طرف
فكن شهيداً على بيع النفوس فما تحوي الضمائر منا فوق ما نصف
اللهم صل وسلم وبارك عليه، صلاةً وسلاماً تعرضها الآن عليه في الروضة، وتبلغه سلامنا الآن وأشواقناوتحياتنا جزاء ما قدم لهذه المسيرة، ولهذه الأمة والملة، جزاء ما رفع من هذه الرءوس التي كانت مخفوضة، وشرح من هذه الصدور التي كانت ضيقة، وبصر من هذه العيون التي كانت عمياً، وأسمع من هذه الآذان التي كانت صماً.
أيها الإخوة: هذا الدرس -إن شاء الله- سوف يستمر مساء كل سبتٍ -ببركة الله وعونه- وهناك درس مساء كل جمعة سبق أن أعلن عنه في جامع الملك فهد، ولكن أطلب منكم هذه الجمعة التوقف، حتى ينسق مع مكتب الدعوة بـ أبها.
وأما هذا الدرس فسوف يستمر -إن شاء الله- حتى يأتي إعلان آخر عن درس مساء الجمعة، وسوف يكون في مادة التفسير بإذن الواحد الأحد، ويبدأ من أول سورة الفاتحة، فنسافر نحن وإياكم مع كتاب الله ، عله أن يكون نوراً لنا في القبور، ونوراً لنا يوم الحشر والنشور، وممضياً لنا على الصراط، ودافعاً لنا إلى الجنة بحول الواحد الأحد، أشكركم شكراً لا ينتهي، وأسأل الله أن يثيبكم على هذا الحضور، وأن يكرمكم بكرامة مدخرة عنده، وأن يكافئكم لحضوركم هنا، وترككم أعمالكم وأشغالكم وارتباطاتكم، ومشاغل الدنيا، وأعمالها وهمومها، وكلامها؛ لتجلسوا هنا في روضة تحفكم الملائكة، وتغشاكم السكينة، ويباهي الله بكم ملائكته الآن في السماوات العلى: ﴿يا ملائكتي! انظروا عبادي أتوني يريدون ذكري وتسبيحي أشهدكم أني غفرت لهم﴾.
فأسأل الله أن يتمم لكم هذا الأجر، ويكافئكم جزاء ما أتيتم، وغيركم أتى إلى البارات، ومجالس اللهو، والأندية الحمراء والضياع، والملاعب اللاهية، وإلى الوتر والعود، فأنتم خير فريق وأزكى عملاً وأصوب رأياً، وأسدد منهجاً وأعلى سنداً:
هم القوم يروون المكارم عن أب وجدٍ كريم سيد وابن سيد
وهزتهم يوم الندى أريحيةٌ كأن شربوا من طعم صهباء صرخد
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣].
اللهم من جلس في هذا المجلس يريد رضاك، وجنتك ورحمتك ويريد أن يتفقه في الدين، وأن يستمع الموعظة، فأثبه واشرح صدره ويسر أمره، واستره في الدنيا والآخرة، وارفع منزلته، ومن جلس في هذا المجلس مستمعاً لا قاصداً وإنما رأى قوماً جلسوا فجلس فأدخله في كرامة هذا المجلس، فإنك قلت: ﴿هم القوم لا يشقى بهم جليسهم﴾ فلا تخرج من هذا المجلس شقياً ولا محروماً، واجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 6169
صبر الرسول ﷺ
يجب على المسلم أن يجعل له شخصاً يقتدي به، وخير من يقتدى به المسلم هو رسول الله ﷺ ، وقد جعل الله لنا نحن المسلمين من نقتدي به، وهو الرسول ﷺ .
وإن مما يقتدى به ﵊ في جوانب حياته: جانب الصبر، فقد تعرض النبي ﷺ لأشياء لو حصلت لأحدنا لانهار أمامها، لكن الرسول ﷺ صبر لأن الله يقول له: (فاصبر صبراً جميلاً).
وفي هذا الدرس تفصيل لبعض مواقف صبره ﵊.
стр. 6170
الصبر في القرآن
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير، الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكراً، الحمد لله عبوديةً واعترافاً، الحمد لله استخذاءً وذلة، والصلاة والسلام على معلم البشرية، وهادي الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية، صلى الله وسلم على محمد ما اتصل مرأى بنظر، وما اتصلت أذنٌ بخبر، وما هتف وُرْقٌ على شجر، وما نزل المطر، وما تلعلع الظل على الشجر، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أشهد أن لا إله إلا الله، على رغم من تجبر وكفر، وعلى رغم من جحد واستكبر، وعلى رغم من بعُد وتنكر.
أيها المسلمون!
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركناً غير منهدم
لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم
أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم
مولاي صلِّ وسلم ما أردت على نزيل عرشك خير الرسل كلهم
لا يزال الحديث عن جانب من جوانب عظمته ﷺ ؛ وعظمته تبهر العقول، وتخلب الألباب، وتحير الأفكار.
إنه عظيم لأنه عظيم، وإنه صادقٌ لأنه صادق، بنى رسالة أرسى من الجبال، وأسس مبادئ أعمق من التاريخ، وبنى جداراً لا يخترقه الصوت.
إنه ﷺ حيثما توجهت في عظمته وجدت عظمته.
فهيا بنا إلى جانب الصبر في حياته ﷺ .
ذكر الصبر في القرآن في أكثر من تسعين موضعاً؛ مرةً يمدح الله الصابرين، ومرةً يخبر الله بثواب الصابرين، ومرةً يذكر الله عزوجل نتائج الصابرين، يقول لرسوله ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
إذا رأيت الباطل يتحدى، وإذا رأيت الطغيان يتعدى ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
إذا قلَّ مالك، وكثر فقرك وعوزك، وتجمعت همومك وغمومك ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
إذا قتل أصحابك، وقلَّ أحبابك، وتفرق أنصارك ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
إذا كثر عليك الأعداء، وتكالب عليك البغضاء، وتجمعت عليك الجاهلية الشنعاء ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
إذا وضعوا في طريقك العقبات، وصنفوا لك المشكلات، وتهددوك بالسيئات، وأقبح الفعلات ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
إذا مات أبناؤك وبناتك، وتفرق أحباؤك وأقرباؤك: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
فكان مثالاً للصبر ﵊.
стр. 6171
صور من صبره ﵊
سكن في مكة فعاداه الأقرباء والأحباء، ونبذه الأعمام والعمومة، وقاتله القريب قبل البعيد؛ فكان من أصبر الناس.
افتقر، واشتكى، ووضع الحجر على بطنه من الجوع، وظمأ؛ فكان من أصبر الناس.
стр. 6172
موت أقاربه ﷺ
مات ابنه بين يديه؛ وعمر ابنه سنتان، فكان ينظر إلى ابنه الحبيب القريب من القلب، ودموع المصطفى ﷺ الحارة تتساقط كالجمان، أو كالدر على خد ابنه، وهو من أصبر الناس يقول: ﴿تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون﴾.
ماتت خديجة امرأته، وزوجته العاقلة الرشيدة، الحازمة، المرباة في بيت النبوة، التي كانت تؤيده وتنصره، ماتت وقت الأزمات، ماتت في العصر المكي، يوم تألبت عليه الجاهلية، وكانت ساعده الأيمن، يشتكي إليها من كثرة الأعداء، ومن الخوف على نفسه، فتقول: ﴿كلا والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتعين الملهوف، وتقري الضيف، كلا والله لا يخزيك الله أبداً﴾ فتموت في عام الحزن، فيكون من أصبر الناس؛ لأن الله يقول له: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
تجمع عليه كفار مكة؛ أقاربه وأعمامه، فرصدوا له كميناً ليقتلوه وليغتالوه، فدخل داره، وأتى خمسون من الشباب، كل شابٍ معه سيفٌ يقطر دماً، وحقداً، وحسداً، وموتاً، فلما طوقوا داره كان من أصبر الناس، خرج من الدار، وهم في نعاسٍ وسبات، فحثا على رءوسهم التراب؛ لأن الله يقول له: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥] ولما حثا التراب على رءوسهم وكانوا نياماً؛ تساقطت سيوفهم من أياديهم، والرسول ﵊ يتلو عليهم: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩].
стр. 6173
ملاحقة قريش للنبي ﷺ
خرج إلى غار ثور؛ ليختفي من الأعداء، فتألب عليه الأعداء، وتجمعوا، وصعدوا على سطح الغار، ونزلوا في ميمنة الغار، وأحاطوا بميسرته، وطوقوه، وأرادوا أن يدخلوا الغار؛ فسلط الله وسخر عنكبوتاً وحماماً فعششت تلك وباضت تلك:
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحمِ
عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عالٍ من الأطمِ
فما دخلوا الغار، يقول أبو بكرٍ وهو في الغار مع المصطفى: ﴿يا رسول الله، والله لو نظر أحدهم وهو فوق الغار إلى موطن قدميه لرآنا﴾ فيتبسم ﵊ -يتبسم الزعيم العالمي، والقائد الرباني، الواثق بنصر الله- ويقول: ﴿يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما﴾ ويقول: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] وهي دستورٌ للحياة.
إذا ظمئت وجعت، فلا تحزن، إن الله معك.
وإذا مات أبناؤك وبناتك، فلا تحزن، إن الله معك.
وإذا أرصدت في طريقك الكوارث، والمشكلات، فلا تحزن، إن الله معك.
فكان ﵊ من أصبر الناس.
ويخرج من الغار، ولا يدري الكفار أنه كان في الغار؛ فينسلُّ إلى المدينة، وليتهم تركوه بل يعلنون عن جائزةٍ عالميةٍ لمن وجده، جائزة الدمار، والعار، وقلة الحياء والمروءة، مائة ناقةٍ حمراء لمن يأتي به حياً، أو ميتاً؛ فيلاحقه سراقة بن مالك بالرمح والسيف؛ فيراه ﷺ ، والرسول يمشي على الصحراء جائعاً، ظمآناً، فارق زوجته، وفارق بناته، وفارق بيته، وفارق جيرانه وأخواله، وأعمامه وعمومته، ليس له حرس ولا جنود، لا رعاية ولا موكب، وسراقة يلحقه بالسيف، فيقول أبو بكر: [[يا رسول الله والله لقد اقترب منا]] فيتبسم ﵊ مرةً ثانية؛ لأنه يعلم أن رسالته سوف تبقى ويموت الكفار، وسوف تبقى دعوته حية، ويموت المجرمون، وسوف تنتصر مبادئه وتنهزم الجاهلية، فيقول: ﴿يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما﴾.
ويقترب سراقة، فيدعو عليه ﷺ ، فتسيخ أقدام فرسه، ويسقط، وينادي في فرسه فيقوم ويركب ويقترب، فيدعو عليه فيسقط، فيقول: يا رسول الله! أعطني الأمان، ويطلب أن يحقن دمه، والسيف معه وذاك بلا سيف، فرَّ من الموت وفي الموت وقع:
يا حافظ الآمال أنت حميتني ورعيتني
وعدا الظلوم علي كي يجتاحني فمنعتني
فانقاد لي متخشعاً لما رآك نصرتني
فيعطيه أماناً، يصل إلى المدينة ويشارك في معركة بدر، فيجوع حتى يجعل الصخرة والحجر على بطنه.
يا أهل الموائد الشهية! يا أهل التُخم والمرطبات! والمشهيات والملابس! رسول الإنسانية وأستاذ البشرية، يجوع حتى ما يجد دقل التمر وحشف التمر: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
تموت بناته الثلاث، واحدة تلو الأخرى، تموت الأولى فيغسلها ويكفنها، ويعود من المقبرة وهو يتبسم: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
وبعد أيام تموت الثانية، فيغسلها ويكفنها، ويعود وهو يتبسم ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
تموت الثالثة؛ فيغسلها ويكفنها ويدفنها، ويعود وهو يتبسم ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
يموت ابنه إبراهيم فيغسله ويكفنه ويدفنه، ويعود وهو يتبسم.
عجباً من قلبك الفذ الكبير، لأن الله يقول له: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
стр. 6174
صبره في غزوة أحد
يشارك في معركة أحد، فيهزم أصحابه، ويقتل من قرابته، ومن سادات أصحابه، ومن خيار مقربيه سبعون رجلاً أولهم حمزة، عمه، سيفه الذي بيمينه، أسد الله في أرضه، سيد الشهداء في الجنة.
ويقف على القتلى في معركة أحد، وينظر إلى حمزة وهو مقتولٌ مقطع، وينظر إلى سعد بن الربيع وهو ممزق، وأنس بن النضر، وأولئك النفر؛ فتدمع عيناه، وتسيل دموعه الحارة على لحيته الشريفة، ولكن يتبسم ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
ويعود ﵊، فيرسل قادته إلى مؤتة في أرض الأردن ليقاتلوا الروم؛ فيُقتل الثلاثة القواد في ساعةٍِ واحدة؛ زيد بن حارثة وجعفر الطيار ابن عمه، وعبد الله بن رواحة، ويراهم وينظر إليهم من مسافة مئات الأميال، ويرى أسرّتهم تدخل الجنة من ذهب فيتبسم وهو يبكي ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
стр. 6175
صبره في غزوة الأحزاب
يتجمع عليه المنافقون، والكفار، والمشركون، واليهود، والنصارى، ويحيطون بـ المدينة، فيحفر الخندق، فينزل إلى الخندق، ويرفع الثوب، وعلى بطنه حجران من الجوع، فيضرب الصخرة بالمعول؛ فيتفجر شظى النار في الهواء؛ فيقول: ﴿هذه كنوز كسرى وقيصر، والله لقد رأيت قصورهما، وإن الله سوف يفتحها عليَّ﴾ فيضحك المنافقون، ويقولون: ما يجد أحدنا حفنة من التمر، وهو يبشرنا بقصور كسرى وقيصر، فيتبسم؛ لأن الله يقول له: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
وبعد خمسٍ وعشرين سنة، تذهب جيوشه وكتائبه من المدينة فتفتح أرض كسرى وقيصر، وما وراء نهر سيحون وجيحون، وطاشقند، وكابول، وسمرقند، والسند، والهند وأسبانيا ويقف جيشه على نهر اللوار، وعلى شمال فرنسا، لماذا؟
لأن الله يقول له: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
يأتيه ابن عمه:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً على النفس من وقع الحسام المهند
فيدخل على الرسول ﵊ على معلم الخير، على هادي البشرية؛ فيتبسم، ولا يقول كلمة، ولا يغضب، ولا يتغير وجهه: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
يأتي أبو جهل فيأخذ ابنة المصطفى ﷺ ، طفلةٌ وديعة، أذكى من حمام الحرم، وأطهر من ماء الغمام، فيضربها على وجهها، ضربه الله، فيتبسم ﵊، ولا يقول كلمةً واحدةً: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
يأتي الأعرابي من الصحراء فيجرجره ببردته، ويسحبه أمام الناس، وهو يضحك: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
أيُّ صبرٍ هذا؟!! إنها والله دروس لو وعتها الأمم لكانت شعوباً من الخير، والعدل، والسلام، لكن أين من يقرأ سيرته؟!! أين من يتأمل معانيه؟!!
стр. 6176
صبره وزهده في الدنيا
تمر عليه الثلاثة الأيام والأربعة في بيته، فلا يجد ما يشبع بطنه لا يجد التمر، ولا يجد اللبن، ولا يجد خبز الشعير، وهو راضٍ برزق الله وبنعيم الله: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
ينام على الحصير، ويؤثر الحصير على جنبه، وينام على التراب في شدة البرد، ولا يجد كساءً: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
بيته من طين؛ إذا مد يده وصلت إلى السقف، وإذا اضطجع فرأسه في جدار، ٍ وأرجله في جدار، لأنها دنيا: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
فرعون على منبر الذهب، وفي إيوان الفضة، ويلبس الحرير، وكسرى في عمالة الديباج، وفي ميزانية الدرر والجواهر، ومحمد ﷺ ، على التراب: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
أتى جبريل بمفاتيح خزائن الدنيا، وسلمها إلى المصطفى ﷺ ، وقال: ﴿أتريد أن يحول الله لك جبال الدنيا ذهباً وفضة؟ قال: لا.
أشبع يوماً وأجوع يوماً حتى ألقى الله﴾.
حضرته سكرات الموت، قالوا: تريد الحياة؟ تريد أن تبقى؟ ونعطيك ملكاً عظيماً مثل ملك سليمان أو يقاربه، قال: ﴿لا.
بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى﴾.
أيُّ عظمةٍِ هذه العظمة!! أي إشراقٍ هذا الإشراق! أي إبداعٍ وروعةٍ هذا الإبداع والروعة!!
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركناً غير منهدم
لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
стр. 6177
الصبر الجميل
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.
والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة.
стр. 6178
ما هو الصبر الجميل
يقول الله له: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ [المزمل:١٠] ما هو الصبر الجميل الذي أمر الله رسوله ﷺ أن يصبره؟
الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه، أن تصبر ولا تشتكي إلى أحد، فالشكوى إلى الله، ولا يرفع الضر إلا الله، ولا يجيب دعاء المضطر إلا الله، ولا يغنيك من الفقر إلا الله، ولا يشافيك من المرض إلا الله، ولا يجبر مصيبتك إلا الله، فلذلك كان ﵊ لا يشكو همومه وغمومه إلا على الله.
стр. 6179
الصبر الجميل في مرضه ﷺ
دخل عليه ابن مسعود ﵁، قال: ﴿فوجدت الرسول ﷺ مريضاً على الفراش﴾ سيد البشر، خير من خلق الله، أصابته الحمى وصارعته على الفراش، مع مشاكل الدعوة، ومع هموم الدعوة، ومع محاربة الأعداء، والفقر، والجوع، ومع موت الأولاد والبنات تصيبه الحمى في جسمه.
قال: ﴿دخلت عليه وهو يوعك وعكاً شديداً﴾ أي: يضطرب ويتزلزل على الفراش، من شدة الحمى، قال: ﴿فوضعت يدي على جسمه الشريف، قلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي﴾ معناه: أفديك بأبي وأمي، وصدق، ﵃ فإنهم فدوه بالآباء والأمهات.
فِداً لك من يقصر عن مداكا فما ملك إذاً إلا فداكا
أروح وقد ختمت على فؤادي بحبك أن يحلَّ به سواكا
إذا اشتبكت دموعٌ في خدودٍ تبين من بكى ممن تباكى
قلت: ﴿يا رسول الله! فداك أبي وأمي، إنك توعك وعكاً شديداً، قال: نعم، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم -جمع الله عليه مرضين- قلت: ذلك بأن لك الأجر مرتين يا رسول الله، قال: أجل، ما من إنسان يصيبه مرضٌ، أو همٌ، أو حزنٌ؛ إلا كفَّر الله بهن الخطايا﴾.
في صحيح البخاري، باب: هل يقول الرجل: وارأساه؟ هل يتوجع؟ يعني: هل يقول: آه من المرض؟
دخلت عائشة ﵂ على الحبيب ﷺ قالت: ﴿يا رسول الله! -بها صداع- وارأساه، قال وهو في مرض الموت: وارأساه، والله لقد هممت أن أستدعي أباك وأخاك؛ لأكتب لهم كتاباً﴾ لأنه علم أنه سوف يموت بعد أيام، تأتيه الحُمَّى فتهزه هزاً عنيفاً في مرض موته، مرض مرضاً عجيباً، سمع بلالاً يطلق التكبير على المنارة، لكن لا يسمع بلالاً إلا أهل القلوب الحية، قال: ﴿اجعلوا لي ماءً في المخضب أغتسل لأصلي بالناس؟ قالوا: يا رسول الله! إنك مريض، قال: أسمع الأذان وأصلي في البيت!! فوضعوا له قربة فاغتسل، فلما قام ليذهب إلى المسجد أغمي عليه، فجعلوا له ماءً؛ فاغتسل؛ فأغمي عليه، وجعلوا له الماء ثالثة؛ فأغمي عليه، ورابعة وخامسة﴾ وفي الأخير لفظ أنفاسه، وقال ودموعه تهراق على خده، لأنه يريد الصلاة ﴿وجعلت قرة عيني في الصلاة﴾ كان يقول: ﴿أرحنا بالصلاة يا بلال﴾ أرحنا بها من هموم الدنيا، وتعب الدنيا، ومشاكل الدنيا، ومخالفات الدنيا:
وقل لـ بلال العزم من قلب صادقٍ أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا
توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترقَ أبواب الجنان الثمانيا
قال: ﴿مروا أبا بكر فليصل بالناس، فذهب بلال إلى أبي بكر فأمره أن يصلي بالناس، فبكى أبو بكر، وقال: الله المستعان، إنا لله وإنا إليه راجعون﴾.
فصبر ﷺ على هذه الأحداث ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
فيا أيها المسلمون! ويا أتباع الرسول! ويا تلاميذ الرسول ﵊! من أصيب منكم بمصيبة فليتعزَّ بالرسول ﵊.
إن هذا دين العظماء، إنه دين العقلاء، إنه دين الشرفاء، أهل المبادئ الأصيلة، والأهداف الجليلة، والأخلاق الجميلة.
يموت ابنك ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
تمرض زوجتك ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
تذهب عيناك، يصم سمعك: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
تصاب بمرض، بحادث، بكارثة، يزلزل بيتك، يدمر عقارك: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].
كل مصيبة تهون إلا مصيبة الدين، كل مصيبة سهلة إلا يوم يتخلى الله عنك، فتصبح بعيداً عن الله، كل شيء سهل إلا يوم يصبح الإنسان فاجراً متنكراً للمسجد، وللمصحف، ولذكر الله، كل شيء سهل إلا هذا الدين، لا يفوتك من قلبك.
عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾.
اللهم صلِّ وسلم على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين!
وارض اللهم عن صحابته الأطهار، من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين!
اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه يا رب العالمين!
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه، اللهم أخرجهم من الظلمات إلى النور، اللهم اهدهم إلى سبل السلام.
اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق؛ أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا.
اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، ولرفع رايتك، في برك وبحرك يا رب العالمين!
ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 6180
آداب الرسالة في الإسلام
الرسالة وسيلة مهمة من وسائل الدعوة، وقد استخدمها النبي ﷺ في حياته في الدعوة إلى الله.
لكن لكتابة الرسالة أحكام وآداب، لابد من معرفتها، وفي هذه المادة تعرض لتلك الآداب والأحكام.
стр. 6181
حديث رسالة النبي ﷺ إلى كسرى
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فنسأل الله تعالى أن يجمعنا بكم وبكل مؤمن يريد الله والدار الآخرة في دار الكرامة، فإنه لا جمع في هذه الدار، وإنما هي دار الهم والحزن والغم، وما فيها أنس إلا بمثل هذه الوجوه الصالحة النيرة، وما هناك أنس إلا بسماع قول الله وقول الرسول ﷺ ، ولا أنزل نور مع هذا النور الوهاج الذي أرسله محمد ﷺ في الدنيا.
نور الهداية ونور الوحي ونور الرسالة، وكل أرض لا تشرق عليها شمس الرسالة فهي أرض ملعونة، وكل قلب لم يشرق بهذا الدين فهو قلب مغضوب ومسخوط عليه.
يحدثنا الإمام البخاري فيقول: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عبد الله بن عباس أخبره أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه رجلاً، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فحسبت أن ابن المسيب قال: "فدعا عليهم ﷺ أن يمزقوا كل ممزق".
هذا الحديث ذكره الإمام البخاري تحت (باب ما يذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان).
في هذا الحديث مسائل:
أولاً: ترجمة بعض الرجال الذين روى لهم البخاري ولا نأخذ رجال السند كله، لأننا أعفينا أنفسنا وأعفيناكم من طول السند، ولكن نذكر بعضهم، وأنتم تعرفون أن المقصد من عرض تراجم السلف الصالح هو التربية، وإثارة الحمية فينا أن نقتدي بآبائنا وأجدادنا الذين سلفوا.
стр. 6182
عبيد الله بن عتبة وطرف من أخباره
عبيد الله هو أمة من الأمم التي أوجدها الله لحفظ العلم، وهو من الفقهاء السبعة من أهل المدينة، بكى من قيام الليل حتى عمي، مر به أحد التلاميذ، قال: يا أبا عتبة أين العينان الجميلتان؟ قال: "ذهب بهما بكاء الأسحار" هو أستاذ عمر بن عبد العزيز، وكلكم يعرف عمر بن عبد العزيز، والذي لا يعرفه فالواجب أن يعرفه من الليلة، لأن اتصال سندنا بـ عمر بن عبد العزيز اتصال لا بد منه لمن أراد الله والدار الآخرة، فإن هؤلاء الأئمة جعلهم الله يهدون بأمره لما صبروا وكانوا بآياته يوقنون.
فـ عمر بن عبد العزيز الذي تقلد أمر الأمة، هو حسنة من حسنات عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، فقد كان شيخه في التدريس، وكان عمر شاباً يطلب العلم في المدينة المنورة، لأن أباه عبد العزيز بن مروان الذي كان والي مصر، أرسل ابنه ليتعلم العلم في المدينة، فكان عمر بن عبد العزيز وهو في ريعان الشباب يصلي العصر بحلة -أي: بلباس- ويصلي المغرب بلباس ثانٍ، ويصلي العشاء بلباس ثالث، هكذا لأن حياته وبيئتة سمحت له بذلك، وسنتعرض لموضوع اللباس -إن شاء الله- في صحيح البخاري، ونذكر ما يحمد وما يذم منه، وإنما الأعمال بالنيات.
سمع عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عمر بن عبد العزيز يتنقص علياً رضي الله عن علي، فاستدعاه، وأجلسه أمامه وهو يحاسبه حساباً عسيراً، فقال عبيد الله: يا عمر بن عبد العزيز! متى سمعت أن الله غضب على أهل بدر بعد أن رضي عنهم؟ متى سمعت أن الله غضب على أهل بيعة الرضوان بعد أن رضي عنهم؟
فبكى عمر وانكسر يبكي أمام عبيد الله، وقال: أعاهد الله ثم أعاهدك ألا أعود إلى ذلك، فلما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة كانت كلمات أستاذه مغروسة في ذهنه أبد الدهر، يقول وهو يبكي بعد صلاة العشاء في ليلة من الليالي: "والله لوددت أن لي ليلة من ليالي عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بالدنيا وما فيها".
والصحيح أنه تولى الخلافة وعبيد الله ما زال حياً.
أدرك ستة أشهر من الخلافة، فارتاح أن يتولى تلميذه العالم الإسلامي، فقادهم إلى الله .
وقد كان بنو أمية يسبون علياً ﵁ على المنابر، فجعل عمر بن عبد العزيز مكان هذا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠].
دخل عليه مرزوق مولى علي بن أبي طالب في عيد الفطر، فقال عمر: مولى من أنت؟ قال: فخفض صوته وقال: مولى علي حتى لا يسمع بنو أمية، فدمعت عينا عمر بن عبد العزيز وقال: ارفع صوتك وقل: مولى علي، وأنا مولى علي، لا تولى الله من لا يتولى علياً! ولا قبل منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً يوم القيامة! ثم قال: لك عندي مائتا درهم، أما مائة فلأنك مولى، وأما المائة الثانية فلأنك مولى علي.
لأنه استفاده من ذلك الأستاذ العظيم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود.
بكى عبيد الله حتى عمي -كما قلت لكم- وكان يقول الشعر الإسلامي الذي يحرك به القلوب، توفي عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز ابن الخليفة وهو شاب، فاجتمع أهل المدينة، قالوا: نريد أن نعزي عمر بن عبد العزيز، قال: أتريدون شعراً أم نثراً؟ قالوا: نريد شعراً:
باسم الذي أنزلت من عنده السور الحمد لله أمَّا بَعْد يا عمر
إن كنت تعلم ما تأتي وما تذر فكن على حذر قد ينفع الحذر
واصبر على القدر المحتوم وارض به وإن أتاك بما لا تشتهي القدر
فما صفا لامرئ عيش يسر به إلا سيتبع يوماً صفوه كدر
ويقول:
اتخذني خليلاً أو تخذ لك صاحباً خليلاً فإني مبتغٍ صاحباً مثلي
عزيز منالي لا ينال مودتي من الناس إلا مسلم كامل العقلِ
ولا يلبث الأخدان أن يتفرقوا إذا لم يؤلف روح شكل إلى شكل
توفي وبقي عمله وحديثه، وبقي اسمه يضوع في مساجد المسلمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
أما عبد الله بن عباس فهو الحبر الإمام المعتبر، بحر الأمة وترجمان القرآن، والخاشع المبتهل لله ، ولذلك كان الصحابة يقولون: [[إذا حدثكم البحر فحسبكم بالبحر]] أي: ابن عباس.
يقول عطاء: "رأيته في الحرم قبل العشاء، ثم مكث يصلي ويبكي حتى الفجر، فوالله لقد خشيت أن تختلف أضلاعه".
وكان إذا قرأ قول الله : ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] يبكي حتى يرثي له جلساؤه، وإذا تكلم قال: يوم الخميس، فيذكر موت الرسول ﷺ يوم الخميس فيبكي، كان يلبس مما آتاه الله، كان يلبس الحلة بألف دينار؛ ليظهر نعمة الله ، وليقدر العلم والصالحين، وليستقبل الناس، فرضي الله عنه وأرضاه وأكرم مثواه، وألحقنا به مع المؤمنين في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
стр. 6183
عبد الله بن حذافة حامل الرسالة
أخبر ابن عباس أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه رجلاً، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين -والبحرين هي الأحساء - فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه كسرى مزقه، فدعا عليهم ﷺ أن يمزقوا كل ممزق.
وبعد وصول هذه الرسالة إلى كسرى أرسل كسرى إلى واليه في اليمن، وأمره أن يرسل رجلين يأتيان بمحمد ﷺ مقيداً، فذهب الرجلان هذان حتى وصلا إلى الرسول ﷺ ، فقال: ماذا جاء بكما؟ قالا: أتينا نأخذك ونوصلك إلى كسرى.
بهذه البساطة يأخذون رسول البشرية ﷺ ، ويشاء الله أن يسحب آل كسرى من على كراسيهم، ويداسون بخيول المسلمين بعد أقل من خمسة عشر عاماً من هذه الرسالة، فيقول ﷺ : ﴿من أمركما بحلق لحاكما؟ قالا: ربنا أمرنا بذلك، قال: فإن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي﴾ ثم مكثا عنده، فقال ﷺ : ﴿إن ربي قتل ربكم البارحة﴾.
فأرخوا من تلك الليلة، فوجدوا أن كسرى قتل في تلك الليلة، وقاتله هو ابنه.
ومزق الله ملك الأكاسرة بدخول سعد المدائن، فدخل سعد إيوان كسرى وهو يتلو قول الله : ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِين َ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٩].
وهذا الرجل الذي بعثه ﷺ بالكتاب هو عبد الله بن حذافة، الرجل الدعوب المرح، القرشي المهاجري الكبير، الإمام الأمير، ولاه ﷺ على بعض السرايا، وكان فيه دعابة لما ودع الرسول ﷺ ، قال: يا رسول الله! مرهم أن يطيعوني، فقال ﷺ : أطيعوه ولا تعصوه، فأخذها فرصة ﵁، فقال لهم: اجمعوا حطباً، فجمعوه، قال: أشعلوا الحطب، فأشعلوه، قال: ادخلوا في النار! هكذا قال، فتهيبوا، قال: أما قال لكم الرسول ﷺ : أطيعوني، وهو ﷺ يريد الطاعة بالمعروف، لا على إطلاقها، قال: فَهَمَّ بعضهم أن يلقي بنفسه في النار، وأحجم بعضهم، فتم أمرهم بالإجماع الأخير أن يعرضوا الأمر على رسول الله ﷺ .
فإن أمرهم بذلك اقتحموا النار، فلما وصلوا المدينة، قالوا: يا رسول الله! أمرنا عبد الله بن حذافة الذي أمرته، فجمعنا حطباً وأشعلنا ناراً وهممنا أن نقع في النار، ولكن قلنا: نعرض الأمر عليك فما عصيناه، فتبسم ﷺ ، وقال: ﴿لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق﴾ ثم قال: ﴿لو دخلوها ما خرجوا منها﴾ وذلك جزاء لهم لأنها معصية، والله لا يريد من الإنسان أن يهلك نفسه، لكن كان عبد الله بن حذافة يمزح.
كان من مواقفه المشهودة أنه وقع أسيراً في الروم، وكان معه بعض الأسرى، فقال ملك الروم: أخرجوا لي أعقلهم وأذكاهم كي أكلمه فخرج عبد الله بن حذافة فقال له: يا عبد الله! أتريد أن أعطيك نصف ملكي وآبائي وأجدادي وتعود عن ملة محمد ﷺ ، قال: [[والله لو أعطيتني ملكك وملك آبائك وأجدادك على أن أعود عن دين رسول الله ﷺ طرفة عين ما فعلت]] قال: خذوه وألقوه في قدر يغلي، فلما ذهبوا به ووجد بعض الأسارى قد تفسخت لحومهم عن عظامهم، وهي تغلي بهم، بكى ﵁.
فأعاده الجنود إلى العظيم، وقالوا: إنه بكى قال: لماذا بكيت؟ قال: [[أبكي على أنه ليس لي إلا نفس واحدة تُعذب؛ فليت لي بعدد شعر رأسي أنفساً تعذب في سبيل الله]] قال: والله لا أطلقك حتى تُقبِّل رأسي، فقبل رأسه وتفل عليه، فأطلقه وأطلق الأسارى معه، فلما وصل عبد الله بن حذافة إلى المدينة، ودخل المسجد، قال عمر: [[حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة]] فاجتمع عليه المسلمون في المسجد يقبلون رأسه، فكان يفر في ميمنة المسجد فيلحقونه إلى الميمنة، فيأخذ الميسرة، فيلحقونه إلى الميسرة ليقبلوا رأسه، فيمزح يقول: تريد يا أمير المؤمنين أن تجعل رأسي من التقبيل أصلع كرأسك؛ لأن عمر ﵁ ليس في رأسه شعر، ﵃ وأرضاهم، وقد مات عبد الله شهيداً ورفع الله درجته عنده ، نسأل الله أن يجمعنا بهم في مستقر رحمته.
стр. 6184
آداب الرسائل
وقبل أن ندخل شرح رسالة رسول الله ﷺ إلى كسرى، أحب أن أبين آداب الرسالة أو الكتابة في الإسلام.
стр. 6185
البسملة
ومن أدبها البسملة، أن تقول: بسم الله الرحمن الرحيم، وأما الحمدلة فليست واردة في الرسائل، بل واردة في الخطب، فمن السنة أن تكتب بسم الله، فتبتدئ بها ولا تبتدئ بالحمدلة، وفي الخطب تبدأ بالحمدلة ولا تبتدئ بالبسملة، والدليل على ذلك أنه ليس في رسائله ﷺ حمدلة، ولما أرسل إلى هرقل عظيم الروم، قال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله﴾.
стр. 6186
كتابة اسم المرسل
الأمر الثاني: أن تبدأ باسمك أنت، فلو كان اسمك محمد بن علي، فتقول: من محمد بن علي إلى فلان بن فلان، ولا تقل: حضرة جناب المكرم الأخ العزيز الموقر الإمام المجتهد الصائم القائم الزاهد، فهذه الألقاب لا تذكرها حتى تأتي على اسمك أولاً في أول الرسالة، قال ابن عمر: [[إلا الابن فإني أرى أن يقدم أباه في الرسالة]] وكذلك إذا أرسلت إلى عالم كبير، فتقول مثلاً: إلى فلان بن فلان من فلان بن فلان، فأجازه ابن عمر، وذكره ابن حجر وكأنه رجَّح هذا.
وابن عمر أراد أن يكتب لـ عبد الملك بن مروان، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن عمر، إلى عبد الملك بن مروان، فاجتمع أبناؤه في البيت، وقالوا: لا بد أن تبدأ باسمه هو قبله، لأننا نخاف عليك منه؛ لأنه خليفة، فما زالوا به حتى كتب إلى عبد الملك بن مروان، من عبد الله بن عمر.
стр. 6187
الإيجاز والوضوح
ومن آداب الرسائل في الإسلام الإيجاز:
أرسل ﷺ إلى هرقل رسالة فجعلها في أربعة أسطر، وأما الإسهاب فهو ضياع للوقت، يسأل الإنسان ويريد من أخيه أن يأتي من الرياض أو من جدة، فيكتب له كتيباً صغيراً يصلح أن يكون تأليفاً، يقرؤه في ساعة ونصف، وأخبارنا تسركم، وأمطارنا وأسعارنا، ثم يخبره بأسعار الهيل، وأسعار الموز، وأسعار البيبسي، وما حدث في المنطقة، ومن تزوج، ومن طلق، ومن مات، ومن عاش، فهذه مشغلة وضياع لوقت المسلمين.
إذا أراد الإنسان أن يكتب رسالة فليكتب أربعة أسطر أو خمسة أسطر وتكفي، يدعو له ولا يدعو عليه، ويختم الرسالة.
ومن آدابها -أيضاً- كما يقول أهل العلم: الوضوح، أي أن تكون واضحة المعاني والأساليب، فلا يكتب بالإنجليزي ليظهر للناس أنه يفهم الإنجليزي، لأن بعض الناس إذا تكلم معك يتكلم معك بها لتقول: هذا شاب متنورٌ متطور، ويظن أنه فهم وأنه تثقف، ويقول ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: المداومة على التحدث بلغة غير لغة العرب، والاسترواح بها من علامات النفاق -نعوذ بالله من ذلك- ولا أجمل ولا أفصح من لغة العرب أبداً.
стр. 6188
الحذر من التصحيف
ومن آداب الرسائل: رفع التصحيف، والتصحيف ثلاثة أقسام:
رفع التصحيف بأن توضح الخط حتى لا يتصحف، وإذا كتبت كتيباً صغيراً، أو رسالة، أو مذكرة، أو أردت أن تكتب شيئاً فعليك بتكبير الخط وبتوضيحه؛ لأن الخط الرديء يخونك يوماً ما، تقرؤه بعد فترة من الفترات فلا تفهم الخط، فلذلك يقول الأول في وصف طالب:
تقول له زيداً فيسمعه عمراً ويكتبه بكراً ويقرؤه فهرا
فهو يجمع تصحيف السماع وتصحيف الكتابة وتصحيف الفهم.
فتملي عليه في الفصل: اكتبْ زيداً، فيسمعه عمراً، ثم يكتبه بكراً، وبعد أن يكتب يفهمه فهراً.
والتصحيف كما قال أهل العلم من المحدثين على ثلاثة أقسام:
تصحيف القراءة: أن تقرأ شيئاً ليس بوارد، وأورد منه ابن الجوزي والعسكري والسيوطي أمراً عجيباً، حتى إن بعضهم كان يقرأ حديثاً قدسياً، يقول: عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، عن الله أي: حديثاً قدسياً فيما يرويه عن ربه، فقرأه محدث من المحدثين هكذا: عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه سلم، عن الله، عن رجل، فقال العسكري: من هذا الذي جعل لله شيخاً ، أي: أنه أوصل السند إلى الله ثم رده إلى رجل، فهذا تصحيف القراءة.
وأما تصحيف السماع: فهو كما قلت لكم، أن يقول الأستاذ في الفصل: حدثنا أبو هريرة، فيكتب الطالب حدثنا أبو ذر، أو تقول: كان عمر بن الخطاب، فيكتب: كان أبو بكر الصديق، وتقول: خرج إلى السوق، فيكتب دخل المسجد، فهذا تصحيف السماع.
وأما تصحيف الفهم: فإنه أخطر الأمور، أن يفهم الإنسان عبارة فيصحفها ثم يلقيها على الناس، ووجدنا في كتب التفسير، أموراً عجيبة، وفي بعض التفاسير، ما أورده على سبيل التنبيه: سئل أحد أهل العلم من المصحفين، ما هو اسم أخي يوسف الذي طلبه إلى مصر؟ قال: اسمه نكتل، قالوا: ما هو الدليل؟ قال: يقول : ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ [يوسف:٦٣].
ونكتل: فعل مضارع، أي: نكتال من الحب، لكنه جزمه لأنه جواب الطلب، فسماه باسم أخيه، فقال: أخانا نكتل.
وأفادني أحد المشايخ أن أحد الأساتذة صحف على نوح ﵇، فسمى ابنه عاصم، قال: والدليل على ذلك قول نوح: ﴿قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود:٤٣].
стр. 6189
من فوائد رسالة النبي ﷺ إلى هرقل
من فوائد الحديث أيضاً:
الأخذ بكتابة الكاتب وعمل القاضي بها، والشهود، وأخذ الوصاية منها، دل على ذلك كلام أهل العلم، قال الإمام مالك: "أقبل كتابة الصك يقرأ على الناس فيقر".
وأخذ أهل العلم بذلك، وأورده صاحب المغني في باب القضاء وأدب القضاء، قال: أخذ أهل العلم على أن الكتاب يؤخذ به، والدليل على ذلك أن سليمان ﵇ كتب إلى بلقيس عظيمة سبأ، فقال: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠].
وفي الآية كذلك: البدء بالمرسل، فأخذت بلقيس بكتابته وعرفتها، وأحاديث الرسول ﷺ عن ابن عمر في الصحيح: ﴿ما حق امرئ له شيء يوصي به يبيت إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه﴾ فكان ابن عمر دائماً يكتب وصيته عند رأسه، فمن السنة أن تكتب وصيتك وتجعلها عند رأسك، هذا إذا كان عليك دين أو شيء يحتاج، وإذا لم يحتج الأمر إلى كتابة فأخبر أهلك وتقول: الحمد لله ما علي من الدين إلا خمسون ألفاً، فيحفظونها ويعونها وينقلونها إلى الناس.
ومن الفوائد آداب الكتابة.
ومنها: أن الرسول ﷺ كان يدعو الناس إلى الله بالرسائل، ويدعوهم بالكلام، ويدعوهم بالخطب، ويدعوهم بالوفود، وإذا لم تجد الرسائل والخطب والوفود، دعاهم بالسيف عليه أفضل الصلاة والسلام، ولذلك لما مزق كسرى رسالة رسول الله ﷺ ، ذهب سعد بن أبي وقاص في ثلاثين ألفاً إلى القادسية، فمزق ملك هؤلاء تمزيقاً لا يرتقع أبد الدهر.
стр. 6190
حديث سرية عبد الله بن جحش
يقول البخاري: واحتج بعض أهل البخاري في المناولة بحديث النبي ﷺ حيث وكتب لأمير السرية، وقال: ﴿لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا﴾ فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبي ﷺ .
ومفاد هذه القصة: أن الرسول ﵊ أرسل رجلاً من الصحابة، فقال: اذهب إلى وادي نخلة، وائتني بخبر قريش، فذهب هذا الرجل، فلما جاع في الطريق عاد بالسرية، ودخل المدينة، قال رسول الله ﷺ : أين أرسلتك؟ قال: يا رسول الله! ذهبت فأصابني جوع وظمأ فعدت.
فقال رسول الله ﷺ : ﴿والله لأرسلن معكم رجلاً يصبر على الجوع والظمأ، أين عبد الله بن جحش؟﴾ القرشي الكبير الخطيب الذي قتل في أحد ﵁ وأرضاه، وهو أول أمير سمي في الإسلام، فأرسله ﷺ ، وكتب له كتاباً، وقال: ﴿لا تقرأ هذا الكتاب إلا بعد يومين، واقرأه على أصحابك ولا تُكره أحداً﴾ أي: بعد أن تقرأ الكتاب لا تكره أحداً على المضي معك، فلما ذهب ليومين يريد وادي نخلة جهة مكة، قرأ الرسالة وفضها، وقرأها على الناس، فعاد رجلان ممن كانا معه، وذهب الجميع معه ﵁ وأرضاه، فلما وصولوا إلى وادي نخلة، عرضت له قافلة لقريش فيها عمرو بن الحضرمي فقتلوه في رجب، وهو من الأشهر الحرم، فقالت قريش: كيف يستبيح محمد القتل في الأشهر الحرم؟
انظر ما أحسن ورعهم! يخرجون الرسول ﷺ من مكة، ويطردونه، ويبيعون أملاكه، ويفتون بالورع والزهد، يقولون: كيف تقتلون ابن الحضرمي في الأشهر الحرم؟ فأنزل الله : ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٧].
أي: تخرجون الرسول ﷺ ، وتكفرون بالله، وتبصقون في المسجد الحرام، وتطردون أهل المسجد الحرام، وتستفتون الآن، أتى عندكم الورع؟ عجيب هذه الفتوى وهذا الذكاء، ويشبه هذا قول ابن عمر حين أتاه رجل من أهل العراق في الحج، قال: يا أبا عبد الرحمن ما حكم قتل البعوضة للمحرم؟ قال: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: [[قاتلكم الله يا أهل العراق! لطختم أصابعكم بدم الحسين ابن بنت رسول الله ﷺ وتسألون عن دم بعوضة]] يقتلون الحسين ويسألون عن البعوضة.
هذا مثل من يحافظ على الإبرة ويُضِّيع الجمل، فلما قتلوه رضوان الله عليهم وأرضاهم وعادوا، كانت معركة بدر بعدها، لأن هذا القتل كان في السنة الثانية، هذا مفاد هذا الحديث، وما هناك شيء يستوجب الإطالة والوقوف عنده، ولكن ننتقل إلى قضايا أخرى تمر بنا في السند.
стр. 6191
حديث نقش خاتم النبي ﷺ
قال البخاري ﵀: وعن قتادة عن أنس بن مالك، قال: كتب النبي ﷺ كتاباً، أو أراد أن يكتب، فقيل له: إنهم لا يقرءون كتاباً إلا مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضة نقشه محمد رسول الله كأني أنظر إلى بياضه في يده، فقلت: لـ قتادة، من قال: نقشه محمد رسول الله؟ قال: أنس.
стр. 6192
الكتابة صفة كمال في غير النبي ﷺ
أولاً: في هذا الحديث قضايا:
الأولى: هل كتب الرسول ﷺ بيده؟ أو هل يقرأ أو يخط؟
لأهل العلم في هذا نظرات، والصحيح أنه ما كتب ﵊ ولا قرأ، وأنه أمي لا يكتب ولا يقرأ قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨].
فالصحيح عند أهل العلم والجماهير، أنه ما كتب ﵊.
يقول القرطبي: صفة الكتابة صفة كمال في غير الرسول ﷺ ، وهي فيه صفة نقص، لوكان يكتب ﵊ لقالوا: اكتتب هذه الصحف وأتى علينا بصحف.
ولذا قالوا: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان:٥] كيف يكتتبها ﷺ وهو لا يكتب؟! والمعجزة فيه أن يكون أمياً، ولذلك يقول جولد زيهر هذا المستشرق الكلب، يقول: ليس العجب أن يبعث محمد ﷺ نبياً، فإن عيسى وموسى ﵈ أنبياء، لكن العجب أن يبقى أربعين سنة في مكة، وليس فيها مدرسة، ولا كلية، ولا جامعة، ولا كتاتيب، ولا عنده شيخ، ثم يظهر بعد الأربعين فإذا هو أعظم مفتٍ في الدنيا، وأعظم خطيب في المعمورة، وأعظم فصيح، وأعظم قائد، وأعظم مربٍّ، وأعظم إداري، وأعظم سائس، هذه هي العظمة، فلو أن الرسول ﷺ كان يقرأ ويكتب لقالوا: أنت اكتتبتها.
يقول الكفار بعضهم لبعض: الذي علم محمداً ﷺ الصحف هو مولى آل فلان، كان قيناً يشحذ لهم السيوف (يصقلها) فيذهب ﷺ يصقل بعض السيوف، قالوا: يذهب إليه يتعلم منه القرآن، عجيب! هذا المولى فارسي، يقول : ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣].
стр. 6193
قول النبي ﷺ : (نحن أمة أمية)
فالرسول ﷺ على الصحيح لا يكتب ولا يقرأ، وهو أمي، ولذلك يقول ﷺ : ﴿نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب﴾ ولذلك علق ابن تيمية في الفتاوى بما يقارب خمسين صفحة على هذا الحديث: ﴿نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب﴾ وقال: نحن لا نتعامل بالحساب ولا بعلم الفلك في مسألة رؤية الهلال، أو مسألة تقدم منازل الهلال، فإذا رأى الناس الهلال أفطرنا أو صمنا.
أما أن يأتي أهل الهيئة فيقولون: رأيناه في منزلة كذا، بمقياس كذا إلى كذا ليفطر الناس؛ فلا إفطار على مقياسهم، لأنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، إذا شهد الشهود أفطرنا، وإذا شهدوا صمنا، فهذا مفاده (أنَّا أمة أمية).
стр. 6194
دليل أبي الوليد الباجي على أن النبي كان يكتب
أما الذي أثار أن النبي ﷺ يكتب فهو أبو الوليد الباجي المالكي الأندلسي، وألف في ذلك كتاباً، وادعى أن الرسول ﷺ كتب، والسبب في ذلك أن الرسول ﷺ كان في معركة الحديبية يفاوض كفار قريش، فلما أراد ﷺ أن يفتح مكة، تمركز بجيشه العرمرم في الحديبية، فسمعت قريش أن الرسول ﷺ يريد أن يفتح مكة غصباً، فحلفوا باللات والعزى لا يفتحها، فخرجوا بسيوفهم، وقالوا: قبل أن نخرج نرسل إليه رجلاً يفاوضه، فأرسلوا مكرز بن حفص، فلما أتاه قال ﷺ : ﴿رجل فاجر﴾ فنزل فما تم الصلح، فأتى الحليس بن علقمة، فقال ﷺ : ﴿هذا رجل من أناس يعظمون النسك أو الهدي فابعثوا الهدي أمامه﴾ فبعثوا الغنم التي يريد ﷺ أن يهديها للبيت، فلما رآها ذاك قال: ما كان لهؤلاء أن يُصدون عن البيت وعاد.
فأرسلوا سهيل بن عمرو خطيب العرب، فوفد عند الرسول ﷺ ، فلما رآه ﷺ ، قال: ﴿قد سهل لكم أمركم﴾.
وقبل أن يأتي سهيل أرسل الرسول صلى الله عليه مفوضاً، قال لـ عمر: يا عمر! قم واذهب إلى هؤلاء النفر ففاوضهم على الصلح، فقال عمر: يا رسول الله! تعلم أني من أعدى قريش إلى قريش، أي: أكره رجل في قريش إلى قريش.
ولذلك يقول أبو سفيان لما عاد إليه: وجدت محمداً ﷺ قريباً، وأبا بكر وعلياً، وأما أعدى العدو فهو عمر، والله لو لم يجد إلا الذر ليقاتلكم به لقاتلكم بالذر.
فقال عمر: يا رسول الله: أنا ليس عندي أسرة تحميني -هو من بني عدي بن كعب- عشيرته تأتي في المرتبة الخامسة أو السادسة بعد بني هاشم، وبني أمية بن عبد شمس، وبعد بني مخزوم، وبني سهم، لكن أرسل عثمان يا رسول الله، فقال ﷺ : عليَّ بـ عثمان فأرسل عثمان.
فلما وصل عثمان أتاه أخوه أو قريب له، وقال: لا تذهب حتى نغديك، فأكرموه، فلما حبسوه، أتت الشائعة بين المسلمين قالوا: قتل عثمان، فانتفض ﷺ وغضب، وجمع الناس، وبايعهم على الموت تحت الشجرة، فبايعوه ﷺ ، فأنزل الله : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨] إلا رجلاً واحداً من المنافقين خرج معهم من المدينة في ظاهره أنه مسلم، فلما أراد ﷺ أن يبايعه، قال: أما أنا فوالله -يقول للمسلمين- لأن ألقى جملي الأحمر خيرٌ من أن أبايع محمداً، فقال ﷺ : ﴿كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر﴾ واسمه الجد بن قيس، فذهبوا إليه، فقالوا: اذهب إلى رسول الله ﷺ يستغفر لك، فلوى رأسه، وقال: ألقى جملي قبل أن يستغفر لي، قال : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون:٥].
وأتى سهيل بن عمرو فقال ﷺ : ﴿قد سهل لكم أمركم﴾ فنزل وجلس، وأخرج ﷺ الصحابة يحضرون المفاوضة، بين الرسول ﷺ وسهيل بن عمرو، فأخذ سهيل بن عمرو بلحية رسول الله ﷺ يمسها ويفاوضه، فقال المغيرة وكان مدججاً بالسلاح على رأس رسول الله ﷺ : اترك يدك فوالله لأن مددتها لا تعود إليك أبداً.
فأخذ سهيل بن عمرو يتكلم مع رسول الله ﷺ ، فقال سهيل بن عمرو: اكتب بيننا وبينك كتاباً على الصلح، فقال رسول الله ﷺ : أين علي بن أبي طالب؟ فأتى، فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: لا نعرف بسم الله الرحمن الرحيم، لا نعرف إلا رحمان اليمامة، اكتب باسمك اللهم، ورحمان اليمامة قيل: رئي من الجن.
وقلت لـ رحمان اليمامة عالجنْ مصابي فإني بالمصاب عليل
سمته العرب رحماناً، ليس مسيلمة؛ لأن مسيلمة ما أتى إلا متأخراً، فقال ﷺ لـ علي: ﴿اكتب باسمك اللهم﴾ ثم قال ﷺ لـ علي، ﴿اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله﴾ فكتب، قال سهيل بن عمرو: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، اكتب محمد بن عبد الله، قال ﷺ : ﴿أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله﴾ اكتب يا علي وامح، قال علي: والله لا أمحو اسمك من الصحيفة أبداً، فأخذها ﷺ ، فتفل على الكتابة، ومحاها ﷺ ؛ ثم أعاد الكتاب إلى علي، فقال أبو الوليد الباجي: ما دام أنه ﷺ غيَّر اسمه، فقد عرف مكان (رسول الله) في الصحيفة، فكيف عرفه وميزه؟ وليس في الحديث أن علياً أشار له، وقال: (هذا رسول الله، وهذا باسمك اللهم) قال ابن حجر: والذهبي وابن تيمية وهو الصحيح: الرجل الأمي من كثرة الكتابة يعرف اسمه، ولذلك بعض الناس الآن يعرف أن اسمه محمد مكتوب، من كثرة ما رأى اسمه، وبعضهم يوقع اسمه وهو لا يقرأ ولا يكتب، فالرسول ﷺ رأى موقعها من الكلام فمحاها.
فالشاهد أن الرسول ﷺ لا قرأ ولا كتب، وإنما محا ما عرف أنه رسول الله ﷺ في الرسالة.
стр. 6195
ترجمة رجال الحديث (قتادة)
وقتادة وهو قتادة بن دعامة السدوسي، والعجيب في أسماء المحدثين أن أكثرها على السجع، يقولون: إنه ولد أعمى فكان أحفظ أهل الدنيا.
يقول ابن المبارك: [[إذا غير الدهر حفظ أحد من الناس فما غير حفظ قتادة]].
وفد قتادة على سعيد بن المسيب العالم الكبير الزاهد الذي دخله لا يكفيه ولا يكفي أحداً، فجلس عنده ثلاثة أيام، وبعد ثلاثة أيام قال سعيد بن المسيب: متى تخرج يا أعمى من بيتي فقد أنهكت مالي؟
لأن سعيد بن المسيب ليس عنده دخل ولا راتب، عنده قطعة من الخبز، وقليل من الزيت، وقليل من العدس، فكان دائماً إذا أتى الصبوح وإذا قتادة جالس، يأتي الغداء وإذا قتادة على المائدة، وكذلك العشاء، فقال: متى تخرج يا أعمى فقد أنهكت مالي؟ قال سعيد بن المسيب: ما رأيت أحفظ منه، سمعت له سورة البقرة فوالله ما أخطأ في حرف، وكان يقول: إذا نزلت السوق وضعت أصابعي في أذني حتى لا أسمع شيئاً فأحفظه.
ومن حفظه أمسكه عمران بن حطان الخارجي في السوق، وهو شاعر من الخوارج، وهو الذي يقول في مدح ابن ملجم الذي قتل علياً:
يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضواناً
إني لأذكره يوماً فأحسبه بين البرية أوفى الناس ميزانا
فَرُدَّ عليه:
يا ضربة من شقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش خسرانا
إني لأذكره يوماً فأحسبه من شر خلق عباد الله ميزاناً
وكان عمران بن حطان من أشعر العرب، فأمسك قتادة في السوق، فقال: احفظ مني يا أعمى بيتين لا تنساهما أبداً، قال: قل، قال:
أرى أشقياء الناس لا يسأمونها على أنهم فيها عراة وجُوَّع
أراها وإن كانت تسر فإنها سحابة صيف عن قريب تقشع
أي: الدنيا.
وللعلم فإن قتادة مدلس، إذا عنعن فانتبه له، إلا عند البخاري فإن البخاري يعرف من أين تؤكل الكتف، فلا يأتي بأحاديث مدلسة، لكن إذا قال (عن) في غير الصحيحين فانتبه للرجل فإنه يدلس، قد يكون بينه وبين هذا الرجل اثنين فيقول عنه، مثل أن ألقاك مثلاً فأروي عنك أحاديث، وبعد فترة آتي بأحاديث عن رجال عنك، وأقول: عن فلان، فيتوهمون أني رويته عنك، هذا هو التدليس.
стр. 6196
حديث اتخاذ النبي ﷺ خاتماً
عن أنس بن مالك، قال: ﴿كتب النبي ﷺ كتاباً، أو أراد أن يكتب فقيل له: إنهم لا يقرءون كتاباً إلا مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضة، نقشه: محمد رسول الله، كأني أنظر إلى بياضه في يده، فقلت لـ قتادة: من قال لك: نقشه محمد رسول الله؟ قال: أنس﴾.
стр. 6197
محل لبس الخاتم وحكم لبسه
أولاً هناك مسائل:
أين يلبس الخاتم؟ الصحيح عن أهل العلم من المحققين كـ ابن القيم وغيره، أن الأحاديث في لبسه باليمنى وباليسرى صحيحة، فلك أن تلبسه في يسراك ولك أن تلبسه في يمناك، وصحت أحاديث اللبس في اليمنى، وصحت أحاديث اللبس في اليسرى، وأورد ابن تيمية في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم حديثاً فيه زيادة، وصححه، هو ولا جدال في تصحيحه، وكفى به حفظاً وعلماً وهو أن الرسول ﷺ : ﴿نهى أن يلبس الخاتم إلا لذي سلطان﴾ أي: السلطان له أن يلبس الخاتم، أما غيره فمنهي عنه.
وحمل هذا النهي على الكراهة، والصحيح أنه قد لبسه كثير من الصحابة وليس عندهم سلطان، لبسه أنس، ولبسه البراء، ولبسه الحسن والحسين، وغيرهم من الصحابة والتابعين، فما أظن أن في ذلك حسبما قال أهل العلم إلا الكراهة إن صحت الزيادة التي أتى بها ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم.
أما خاتم الذهب فحرام على الرجال، وتدخل في الحرمة دبلة الذهب؛ لحديث علي في المسند، وعند أبي داود بأسانيد صحيحة، قال: ﴿أخذ ﷺ قطعة من ذهب وقطعة من حرير ووقف على المنبر، فقال: هذان حرام على ذكور أمتي حلال لإناثهم﴾ فالذهب والحرير حرام على رجال أمة محمد ﷺ إلا ما خصه الدليل، وبعض أهل العلم -وهي رواية عن الشافعية- على أنه يجوز للصبيان، والصحيح أنه لا يجوز للصبيان، وتجوز منه سن الذهب، فقد اتخذ عثمان ﵁ ذهباً شد به أسنانه، وكذلك عبد الرحمن بن عوف، وكثير من التابعين.
وقد اتخذ ابن عرفجة أنفاً من ذهب، والتداوي بالذهب في الجسم واردٌ للضرورة ولا شيء فيه إن شاء الله، كعملية الأنف، أو عملية الرجل.
أما في غيرها كالحلية والزينة فإنه حرام لا يستخدم للرجال، ولا يلبس، فإن الله حرمها في الدنيا على الرجال، وأحلها في الآخرة لهم، ومن تقلَّد دبلة من ذهب فكأنما تقلد جمرة من نار، وهي محرمة باتفاق جمهور أهل العلم وخاصة منهم المحدثين، من نصوص الرسول ﷺ في ذلك.
стр. 6198
لبس خاتم الحديد
أما خاتم الحديد فالظاهر من كلام أهل العلم والذي دلت عليه الأحاديث أنه حرام كذلك، رأى ﷺ رجلاً عليه خاتم من حديد، قال: ﴿ما لي أرى عليك حلية أهل النار﴾ فألقاه الرجل، وهذا الحديث في سنن أبي داود بسند مقبول، فقال أهل الظاهر: هذا لفظ يفيد بمفهومه التحريم، فيحرم أخذ دبلة، أو حلقة، أو خاتماً من حديد.
لكن الذين جوزوه -وهم طائفة قليلة من أهل العلم- استدلوا بحديث سهل بن سعد في البخاري أن الرسول ﷺ لما أتاه الرجل يخطب المرأة قال: ﴿التمس ولو خاتماً من حديد﴾ فقالوا: مادام أنه قال: خاتماً من حديد، فيكون مباحاً؛ لأنه لا يجعل المحرم مهراً، والصحيح أن هذا ليس بنص، ولا يفيد بمنطوقه أنه حكم في المسألة، لأنها قد تلبسه أو تبيعه، أو أنه جائز للمرأة وليس بجائز للرجل، فليس حكماً في هذا موطن النزاع، فيبقى على التحريم.
وأما خاتم الفضة فجائز ووارد، ومباح، وهو الذي لبسه ﷺ .
стр. 6199
نقش الخاتم بآية أو ذكر لله
ومن نقش خاتمه بآية أو كلام فيه ذكر الله ، فلا يدخل به الحمام، لحديث معاذ أن الرسول ﷺ ﴿كان إذا أراد أن يدخل الحمام خلع خاتمه﴾ رواه أبو داود، وهذا الحديث معلول، قيل سبب العلة: أن الزهري لم يلق معاذاً.
وقيل: فيه راوٍ ضعيف فالحديث لا يصح، ويرى الإمام أحمد أن يجعل فص الخاتم في جهة الكف إذا كان فيه شيء مكتوب، وأن يقبض إذا دخلت الخلاء، ذكره صاحب المغني وغيره من أهل العلم، وورد فيه حديث هو أحسن سنداً من ذاك الحديث الذي فيه خلع الخاتم، فإن خلعه فلا بأس به على فرض صحة الحديث وللتأدب عند دخول الخلاء، وإن وضع الفص داخل كفه فلا بأس بذلك إن شاء الله.
ونقش الرسول ﷺ على خاتمه (محمد) في سطر، و (رسول) في سطر، و (الله) في سطر، وكان يختم رسائله ﷺ بذلك، ويبعثها إلى الناس فيقبلونها؛ لأنها من الرسول ﷺ ، فلك أن تنقش على خاتمك آية أو حديثاً كما فعل بعض أهل العلم، ولا شيء في ذلك، والعجيب أن عمران بن الحصين كان نقش خاتمه صورة أسد كما يقول صاحب سير أعلام النبلاء: وبعضكم يتساءل: كيف يضع صورة أسد على الخاتم؟ والصحيح أن هذا من الصور الممتهنة التي لا تضر إن شاء الله فيها.
لأن عائشة تقول كما في صحيح البخاري: ﴿كان لي نمرقة فيه صور، فهتكه ﷺ فجعلناه وسادتين يتكئ عليها ﷺ ﴾ فإذا كانت الصورة مما يمتهن كالخاتم أو كالوسادة أو البطانية أو ما يقاربها، فالظاهر أنه لا شيء فيها، وتعودون إلى قصة عمران فإنه فعل ذلك.
والعجيب أن خاتم رسول الله ﷺ مكث معه، فلما مات أخذه أبو بكر وجعله في يده الشريفة.
فلما مات أبو بكر، أخذه عمر وتقلده، تشريفاً وتكريماً وتوقيراً، فلما مات عمر أخذه عثمان وجعله في يده، وبقي ست سنوات من حياته، فوقف عند بئر أريس فسقط منه الخاتم في البئر، فأمر بنزح بئر أريس فنزح الماء فما وجدوه أبداً، فبكى عثمان وقال: الله المستعان! فبدأت المشاكل والفتن من ذلك اليوم، حتى انتهت بقتله، وارتفع السيف في المسلمين، وتقلد كثير من الصحابة خواتيم في أيديهم للسنة، وتشريفاً لهم، ومن باب الجمال، ولا شيء فيه إن شاء الله.
стр. 6200
شرح حديث أبي واقد الليثي وما يستفاد منه
ثم قال البخاري: باب من قعد حيث ينتهي به المجلس، ومن رأى فرجة في الحلَقة -بفتح اللام وسكونها- جلس فيها.
عن أبي واقد الليثي أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأما أحدهم فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفه، وأما الثالث فأدبر ذاهباً، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: ﴿ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فاوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض، فأعرض الله عنه﴾.
هؤلاء ثلاثة نفر دخلوا والرسول ﷺ عنده حلقة في المسجد، فأما أحدهم فذهب معرضاً وهو الأخير في الترتيب، وأما الثاني فوجد فرجة في الحلقة فدخل فيها، وأما الثالث فما وجد مكاناً فاستحيا أن يذهب، واستحيا أن يزاحم فجلس خلف المجلس، ولما انتهى ﷺ من حديثه وقد لمح الثلاثة، قال: ﴿أما ذاك فاوى إلى الله فآواه الله إليه -أي: رحمه وأدخله في كنفه وفي رحمته وبره- وأما الثاني فاستحيا من الله -ثم استحيا من الناس أن يزاحم- فجلس حيث انتهى به المجلس، وأما الثالث -فغلب عليه مزاجه المريض فأعرض، فأعرض الله عنه﴾ هذا هو مفاد الحديث أو جملة ما في الحديث.
أما سند هذا الحديث فيكفينا فيه النجم العلم مالك بن أنس الذي لا يسأل عن مثله، مالك الذي يقول ﷺ كما في الترمذي: ﴿يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل فلا يجدون أعلم من عالم المدينة﴾ أو كما قال ﷺ .
قال عبد الرزاق: أرى أنه مالك بن أنس، رفعه الله بتقواه وبعلمه وبزهده وبورعه، وقد مر معنا في مناسبات وتحدثنا عنه.
وأما الحديث ففيه قضايا:
следующие страницы →