← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

الإسراف في النوم ويقع الإسراف -يا أيها الإخوة- في النوم، فبعضهم يصوم وهو في الحلم، هل تدري كيف يعمل؟ بعض الشباب سل بهم خبيراًَ: يصلي الفجر ثم ينام إلى الظهر، ثم يواصل النوم على بركة من الله إلى صلاة العصر، ثم ينام من العصر إلى الغروب، فتوقظه أمه ليفطر فما أحس جوعاً ولا ظمأ ولا عاش عبادة ولا قرآناً ولا نوافل ولا تسبيحاً، يأكل التمر متناولاً كأنه أتى من القرون التي قبل الإسلام، لا حلاوةً، ولا رقةً، ولا شعوراً، ولا خلوداً، ولا طعماً لأسرار الصيام. إن أسرار الصيام معناها: أن تشعر بالجوع؛ لأن الله يقول: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] وأنا لا أقول: لا تنام؛ لكن لماذا يُعْكس البرنامج في النهار، فيصبح نوماً كله والليل سهراً، ونعود إلى عمر الخيام -عليه من الله ما يستحقه- حيث يقول: فما أطال النوم عمراً وما قصر في الأعمار طول السهر وهذا البيت يُنْشَد، وكثير من الشباب على الرصيف يصفقون لهذا البيت، وما يعلمون أن هذا البيت فيه كفر، وما قاله إلا زنديق، يقول: نم أو قم في الليل فإنه ليس وراءك إلا نوم في القبر لا بعث بعده -عليه من الله ما يستحقه- ولذلك يقول بعضهم الآن في بعض الصحافة: انتقل إلى مثواه الأخير، وليس المثوى الأخير هو القبر -كما يقول القنوي وهو ممن اتهم بالزندقة وبالتصوف- إنما المثوى الأخير: إما إلى جنة وإما إلى نار: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمْ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢]. يقول الغزالي: "من عمره ستون سنة ينام منها عشرين سنة، والتفصيل في ذلك أنك تنام في الأربع والعشرين الساعة ثمان ساعات، فإذا نمت ثمان ساعات في كل أربع وعشرين ساعة فقد نمت في الستين سنة عشرين سنة، ثم صفي من غيرها للأكل وللشرب ولدورات المياه والاغتسال، فبعضهم إذا دخل دورة المياه مكث فيها ساعتين، وبعضهم إذا اغتسل يأخذ في الغسل ساعة ونصف؛ لأن الحياة معقدة، وإذا أكثر الجسم من الترفيه تعقدت الروح، تعقيد في اللباس وتعقيد في الغسل وتعقيد في الطعام؛ وهذه هي المضرة بعينها: يا كثير الرقاد أكثرت نوماً إن بعد الحياة نوماً طويلاً وبعد النوم يقظة إلى حساب ومعاد، ثم إلى جنة أو نار، وهذه هي وقت الصيحة التي يصيح بها الملك يوم يجمع الله الأولين والآخرين.

стр. 6232

اللعب واللهو ومن الظواهر اللهو واللعب في رمضان عند كثير من الشباب، فالآن يعلن عن دورات الرياضة المكثفة إعلاناً واستعداداً لشهر رمضان، استعداد رياضة لشهر رمضان حتى يقضى في الدورات، وأصلاً ما كان هذا إلا صدَّاً عن العبادة التي يريدها الله وأنا أعرف من الشباب من يترك صلاة التراويح لأجل الكرة إلى السحر. وأنا أقول: الكرة ليست حراماً إذا أتت بضابطها الشرعي وأصلها الجائز في سنة محمد ﵊ الموافقة للنصوص، ولكن أمة محمدية تلعب الكرة من العشاء إلى السحر، أمة تريد رضوان الله تبقى مع الكرة ومع الأهداف والمرمى والأشواط إلى السحر، شباب يراد منهم أن يكونوا حملة القرآن والرسالة والنصر لهذه الأمة ودعاة وعلماء يبقون أربع ساعات مع الغبار ومع الخسران والدمار والعار، فيأتي أحدهم يصلي الفجر وقلبه كالحجر من لعب الكرة، يقرأ الإمام والبعض منهم لا يدري في أي سورة، ملطخ بالتراب على وجهه وأذنيه ثم ينام نومة أهل الكهف إلى صلاة الظهر، فأين الإيمان؟! وهل هذه أسرار الصيام؟! وقد كان الصحابة كما قال ابن القيم: في الليل رهبان وعند لقائهم لعدوهم من أشجع الفرسان إي والله! في الليل رهبان، كانت مدينة الرسول ﵊ عاصمة الإسلام تتراد بصوت القرآن والتلاوة الحية، وكانت نسمات القرآن عابقة، وكان محمد ﵊ يمر فيسمع دوي القرآن، واسألوا تفسير ابن أبي حاتم والعجوز تقرأ قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] فيسمعها النبي ﷺ ويبكي ويقول: ﴿نعم أتاني، نعم أتاني﴾ اسألوا صحيح البخاري فهذا أبو موسى يقرأ في البيت أو في المسجد وقد أوتي مزماراً من مزامير آل داوُد فيعيش معه محمد ﵊. ولكن تعال اليوم واهبط إلى الأسواق واسمع ما يدار من نغمات، وموسيقى، وغناء ماجن، وتمثيليات فاسقة، يستحي الشيطان أن ينظر إليها، وكلمات بذيئة ربتها العلمنة، وفحش في القول والفعل، وخروج على مراسم الشريعة من بعض الناس، فمتى كانت المرأة المسلمة المتحجبة تجوب الأسواق؟! ومتى كانت تعرض نفسها على الخياط السيخي والزنديق؟! إن هذا حصل يوم انطفأت معالم الرسالة، وأصبحت الأمة لاعبة، فأصبحت أمة بلوت وتريد النصر، لكن النصر على من؟! فإسرائيل أربعين سنة تهاجم العالم الإسلامي، وَعددنا مليار لكن مثل الخفافيش، والأصفار على اليسار: عدد الحصى والرمل في تعدادهم فإذا حسبت وجدتهم أصفارا وأخبر بذلك محمد ﵊ فيما صح عنه: ﴿قالوا: أمِنْ قلة يا رسول الله؟ قال: بل أنتم كثير، لكنكم غثاء كغثاء السيل﴾ فالشاب عمره ثلاث عشرة سنة ويحفظ ثلاث عشرة أغنية، ولكنه يخطئ في سورة المسد، يقدمونه يصلي بالناس فيقول: لا. لا تحرجوني بدون إحراج، لكنه في الكرة وفي البلوت وفي حفظ الأغاني جيد. وأسامة عمره ثلاث عشرة سنة، ويتولى جيشاً فيه عمر وعثمان وعلي، ثم يأتي على فرسه بعد وفاة الرسول ﵊ ليودعه أبو بكر وأبو بكر آخذ بلجام الفرس، والفرس كأنه طائرة، وأسامة كأنه أسد على الفرس، فأراد أسامة أن يهبط ليركب الخليفة، فقال أبو بكر: [[والله لا تنزل، ووالله لا أركب، وما علي أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله؟]] فكأن أبا بكر ما اغبرَّت قدمه قبلها، والله إنها اغبرَّت قدمك منذ أسلمت، لكن نحن متى اغبرَّت أقدامنا؟ ولقد غبرنا أيادينا في الأرز والكبسات، يقول الأول: سل الرماح العوالي عن معالينا واستشهد البِيْض هل خاب الرجا فينا فقال الأخير: سل الصحون التباسي عن معالينا واستشهد البَيْض هل خاب الرجا فينا غفرانك يا رب! لكن هذه الطلعات والإشراقات، وهذه الصحوة المباركة هي من تلك السلالة العظيمة من سلالة أبي بكر ومن عرين عمر ومن مدرسة أسامة: لكن أبشر هذا الكون أجمعه أنا صحونا وسرنا للعلا عجبا بفتية طهر القرآن أنفسهم كالأُسْد تزأر في غاباتها غضبا عافوا حياة الخنى والرجس فاغتسلوا بتوبة لا ترى في صفهم جنبا فالذي يسجد هنا هو الذي انتصر على العمالة والعلمنة والحداثة، وانتصر على الإلحاد والشهوة، لأنك مهاجم من كل جهة، ولكن سجدتك هنا انتصار لك، ومن لا يسجد لله فإنه يسجد لجزمته ولطاغوته وشهوته، والله المستعان!

стр. 6233

برنامج الصائم في رمضان العنصر السادس: برنامج الصائم في رمضان، وهذا البرنامج مجرد وجهة نظر واقتراح، ولكل أن يستحسن ما كان أقرب إلى الكتاب والسنة، وأن يستخير الله، لكنه مقترح، وهو خطوط عريضة أو مسارات واسعة يمكن للإنسان أن يختار منها ما يشاء. أقول أيها الإخوة: مما يعلم أن هذا البرنامج يتفق مع أوقات الصلاة؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣]. أقول: الأمر الأول: صلاة الفجر في جماعة: أول ما يبدأ به العبد: صلاة الفجر في جماعة، قال ﵊ في الصحيح: ﴿من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فالله الله لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من طلبه أدركه، ومن أدركه كبه على وجهه في النار﴾. ويقول ﵊: ﴿أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر﴾ فهم لا يستطيعونها، فصلاة الفجر محك بين المؤمن والمنافق، فأول ما يبدأ به الصائم أن يصلي الفجر في جماعة. الأمر الثاني: المكث في المسجد حتى طلوع الشمس، ثم الصلاة ركعتين: وبعض العلماء -أثابهم الله- يصححون حديث: ﴿من صلى الفجر في جماعة، ثم جلس في مجلسه يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت كعدل حجة وعمرة تامة تامة تامة﴾ والبعض يضعف هذا الحديث، ونرجو لمن يفعل ذلك الإثابة الوعدية، الموعودة من معلم الخير ﵊، وهو وقت يسير، وخاصة هذه الأيام، لكنه وقت نور ووقت غذاء للقلب ووقت فرح وسرور للخاطر، فتمكث في هذا الوقت العظيم الذي يزيدك من طاقات الإيمان ويغنيك عن كثير من التأليفات، وهذا الوقت أمره عجيب، ثم الصلاة ركعتين كما سلف. الأمر الثالث: صلاة الضحى: أقترح لإخوتي ما دعا إليه ﵊ من ركعتي الضحى، ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: ﴿أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لا أدعهن حتى أموت: وذَكَر: ركعتي الضحى﴾ أو أربع أو ست أو ثمان خاصة في رمضان، فهي أحسن ما يكون، وهي صلاة الأوابين، حين ترمض الفصال، فإذا ارتفعت الشمس في أعلى الضحى قم فتوضأ فهو وقت غفلة، الناس في متاجرهم وحراجهم وأسواقهم، وأنت تسبح الله. الأمر الرابع: الراحة للنوم: ومنها: الراحة للنوم؛ لأن كثيراً من الناس يسهر في الليل فيرتاح إلى العاشرة ثم يذهب إلى عمله أو وظيفته أو مدرسته. الأمر الخامس: صلاة الظهر مع رواتبها: ثم استقبل صلاة الظهر وصلِّ قبلها أربعاًَ وبعدها أربعاً، فقد صح عن عنبسة بن أبي سفيان أن أخته رملة - أم حبيبة - حدثته أن الرسول ﵊ قال: ﴿من صلى أربعاً قبل الظهر وأربعاً بعدها حرمه الله على النار. وفي مسند أحمد: ﴿أن عَنْبَسة هذا لما حضرته سكرات الموت كان أميراً، فبكى وتقلب على وجهه من البكاء، قالوا: ما لك؟ قال: حديث سمعته من أختي رملة ما عملت به، قالوا: ما هو؟ قال: من صلى أربعاً قبل الظهر وأربعاً بعدها حرمه الله على النار﴾ ثم صلاة الظهر، ثم صلاة أربع بعدها كما أسلفت. الأمر السادس: القيلولة: ثم القيلولة لمن استطاع أن يقيل. الأمر السابع: صلاة العصر مع راتبتيها: ثم يصلي أربعاً قبل صلاة العصر، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿رحم الله امرءاً صلى قبل العصر أربعاً﴾. الأمر التاسع: قراءة القرآن، والدعاء: وبعد صلاة العصر إلى صلاة المغرب هذا وقت القرآن، وهذا وقت الاتصال بالمصحف العظيم، ووقت الجلوس في الأدعية والأذكار، وأرى أن يخصص الوقت الأوفر لقراءة القرآن، ويبقى وقت بين المغرب وقراءة القرآن للذكر والدعاء. الأمر العاشر: إيحاءات قبل صلاة المغرب:- فإذا حل الإفطار كانت هناك إيحاءات ومشاعر فياضة، وأشواق، فمن الإيحاءات: الأول: أن انصرام هذا اليوم يذكرك بانصرام العمر. الثاني: أنه كما ذهب منك هذا اليوم فسوف يذهب عمرك من بين يديك. الثالث: أن الناس في حياتهم وحسابهم كما هم عند إفطارهم، فمقبول منه مشكور سعيه، ومتبر سعيه باطل ما عمل. الرابع: أنك تقدم يدك للإفطار وأنت جائع ظامئ الكبد، وتقول ما روي وما ذكر في السنة من الدعاء الذي ذكر: ﴿ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله﴾ وهو حديث في سنده كلام، وتدعو بما تيسر، فقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿للصائم دعوة لا ترد﴾ وأحسن دعوات الصائم قبل أن يأكل شيئاً وقبل أن يشرب شيئاً؛ لأنه في حالة من الانكسار والعوز والذلة والخشوع والمسكنة، فيرفع كف الضراعة في صلاح نفسه، وقلبه وأسرته وأهله ومجتمعه، ثم يأكل ما تيسر من الرطب، وقد ورد في الحديث: ﴿فإن لم يجد فتمر فإن لم يجد فماء﴾ سبحان الله! أي سر في هذا الدين! ولماذا التمر؟! لقد اختاره ﵊ وهو طعام الحامل يوم تضع ولدها، فهو أحسن شيء، وهو ما فعله ﵊ يوم حنك الأطفال، فأول ما يولدون، وقبل أن يشربوا لبناً أو يذوقوا شيئاً كان يحنكهم ﵊ بالتمر فيتلمظونه. وقد أتى أنس بأخيه من أم سليم وهو طفل صغير ما رضع، فحنكه ﵊ بالتمر، فأخذ يتلمظ الطفل فتبسم ﵊، وقال: ﴿انظروا إلى حب الأنصار للتمر﴾ فالتمر فيه سر عجيب، يقولون: البطن الخاوي أحسن ما يصادفه الحلو، فإن لم يجد فماء. الأمر الحادي عشر: صلاة المغرب مع راتبته: ثم يصلي المغرب مع راتبته. الأمر الثاني عشر: العَشاء: ثم يعود فيأخذ ما تيسر ولا يجحف إجحافاً عظيماً، فإن بعض الناس يأكل أكلاً ذريعاً، فيأتي إلى التراويح وكأنه مصاب ببنج، حتى أن بعضهم يصلي العشاء وبعض التراويح وهو جالس؛ لأن بينه وبين أضلعه مخلاة -الله أعلم بها- قد عبئت بأنواع الأطعمة والأشربة ومن السوبر ماركت مباشرة، فلا يستطيع أن يصلي، حتى يقال: إن بعضهم يشرب من هذه الشربة حتى لو غمز بمسمار في قدمه لخرجت الشربة من أذنه. وعلى كل حال التخفيف وارد؛ ليستطيع أن يواصل الإنسان العبادة، ثم يكمل بعد العِشاء، ومن جرب عرف. الأمر الثالث عشر: صلاة العِشاء وراتبتيها، والتراويح: ثم يصلي مع المسلمين العِشاء وراتبتيها، وليحافظ على التراويح. يا أيها الإخوة! التسيب في صلاة التراويح ليس بجيد، خاصة من طلبة العلم والأخيار، بل يقفون وراء الإمام حتى يقضي الصلاة ويكثرون من الدعاء والاستغفار؛ فإن دعاءهم مع المؤمنين أعظم من دعائهم وحدهم. الأمر الرابع عشر: السمر مع الأهل وزيارة الأحبة:- ثم يعودون للسمر مع الأهل أو زيارة الأحبة ولو ساعة أوساعتين. الأمر الخامس عشر: النوم:- ثم أحبذ أن ينام المسلم ولو ساعة في الليل، فنوم الليل لا يعوضه شيء، والله قد جعل الليل لباساً والنهار معاشاً، ولذلك أثبت الطب هذه الآيات البينات بل أتى بما يوافقها، ونحن نأخذ بالآيات ولو خالفها الطب، لكن قالوا: إن الخلايا لا تنام في الضوء، ولذلك إذا أرادوا أن ينوِّموا رجلاً في المستشفى أغلقوا النوافذ والنور، فجعل الله هذا الليل هدوءاً للجسم ليرتاح ويهدأ، فسبحان الله الحكيم بعباده! وسبحان الذي جعل النهار نشوراً! الأمر السادس عشر: الصلاة والدعاء قبل الفجر:- ثم يستيقظ قبل الفجر فيصلي ما تيسر: ركعتين، أو أربعاً، ويدعو ويستغفر. الأمر السابع عشر: السحور:- ثم يتسحر فقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿تسحروا فإن في السحور بركة﴾ فالسحور بركة، و: ﴿فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر﴾ ثم يَكُفُّ عن السحور قبل أذان الفجر ولو بمقدار خمسين آية؛ لحديث زيد بن ثابت في صحيح البخاري في ذلك. الأمر الثامن عشر: الاستغفار والتهيؤ لصلاة الفجر:- ويبدأ يستغفر ويتهيأ لصلاة الفجر. فإذا فعل ذلك فإن حياته وصيامه مقبول بإذن الله. فهذا برنامج مقترح وهو يقبل التعديل من أصحاب الخبرات وأهل التجارب.

стр. 6234

شذرات وقطوف العنصر السابع: شذرات وقطوف.

стр. 6235

انتصار المسلمين في بدر ففي رمضان انتصاراتنا -كما أسلفت- فيوم بدر وقع في السابع عشر من رمضان، يوم تجلى الله للصحابة وقال: ﴿اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم﴾ يوم قدموا دماءهم رخيصةً في سبيل الله، يوم ركزوا علم الحق الذي بقي إلى الآن وسوف يبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يوم كتبوا لا إله إلا الله في الأرض، وكان ذلك في رمضان، يقول ﷺ : ﴿يا أهل بدر! والله ما بينكم وبين الجنة إلا أن يقتلكم هؤلاء﴾ فيأتي عمير بن الحمام؛ لأن الرسول ﷺ أفطر هو وأصحابه في ذلك اليوم، فيرمي بالتمرات ويقول: [[والله! إنها لحياة طويلة إذا بقيت حتى آكل هذه التمرات]] ثم يقاتل حتى يقتل فإلى رحمة الله.

стр. 6236

فتح مكة، وفتح القدس وكان فتح مكة في رمضان، وأذان بلال يوم طلع من عند الحجر الأسود ليرتقي على الكعبة وليؤذن في الخالدين في رمضان. وبلال أذن في الفتح مرتين: المرة الأولى: في فتح مكة:- يوم انتصر ﷺ وأعلن كلمة التوحيد، فقال لـ بلال: أذِّن، واختار بلالاً بالذات؛ ليبين أن هذا المولى الذي أتى من أثيوبيا رفعه الإسلام فأصبح سيداً من السادات؛ وأن أبا جهل وأبا طالب والأصنام والأوثان أهل العروبة المزعومة والتراب السحيق قد ذهبوا إلى جهنم، فبدأ يطلق الصوت في الدنيا ليسمع الدنيا الأذان: قم يا بلال أعد نشيدك في الورى للعالمين وسجل الإنذارا ودع التماثيل التي قد صورت جذذاً ومزق عبدها الخوارا فقام فأذن، فيقول صفوان بن أمية -وهو مشبوه الإسلام في تلك الفترة-: لطف الله بـ أمية مات قبل أن يسمع الغراب الأسود هذا على الحجر، وهو ليس بغراب أسود ولكنه منادي الأرض يستقبل نور السماء. المرة الثانية: في فتح القدس:- وأذن بلال مرة ثانية عندما دخل عمر بيت المقدس فاتحاً -كما يذكر بعض المؤرخين- يوم أخذ القدس السليبة، التي هي طعنة في قلب كل مسلم، والتي هي دمعة في عين كل مسلم. القدس التي ضيعناها يوم ماتت في قلوبنا لا إله إلا الله. أيا عمر الفاروق هل لك عودة فإن جيوش الروم تنهى وتأمرُ رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم وجيشك في حطين صلوا وكبروا نساء فلسطين تكحلن بالأسى وفي بيت لحم قاصراتٌ وقُصَّرُ وليمون يافا يابس في أصوله وهل شجر في قبضة الظلم يثمرُ خرج عمر ﵁ وأرضاه ليأخذ مفاتيح بيت المقدس، فأخذ راحلة واحدة ومولاه، فقال: أنت تركب عقبة، وأنا أركب عقبة -أي: أنت مرة وأنا مرة- قال المولى: كيف وأنت أمير المؤمنين؟! قال: والله لتركبن وقتاً وأنا وقتاً، فإذا ركب المولى قاد عمر الجمل، وإذا نزل يقود ركب عمر، واقتربوا فقال عمرو بن العاص: خيبتنا يا أمير المؤمنين - عمرو بن العاص كان أمير إقليم - وقال له: أين الخدم؟ أين الحشم؟ أنت خليفة، والنصارى ينتظرونك؛ لأنه دوخ الدنيا، فالنصارى على أسطح المنازل. وقد كان عمر يحكم من المحيط إلى الخليج بضعاً وعشرين دولة، فلما اقترب عمر من بيت المقدس أتت نوبة المولى ليركب، قال: يا أمير المؤمنين! وصلنا، فيقول عمر للمولى: أهي عقبتك أو عقبتي؟ قال: هي عقبتي، قال: والله لتركبن. وأتى عمر يقود الجمل، والتفت النصارى وقالوا: من هذا؟ قالوا: الخليفة فبكوا. فهذا منظر يبكي وهو منظر يقوي الإيمان في القلوب، وهو منظر أعظم من آلاف المحاضرات والكتابات والرسائل، فأخذ عمر يخوض في طين عند مدخل بيت المقدس يرفع ثيابه ويقود الجمل ثم دخل فصلى ركعتين، وقال: يا بلال! أذِّن، قال: يا أمير المؤمنين! ما أذنت لأحد بعد الرسول ﷺ ، قال: عزمت عليك أن تؤذن فقام فرفع الصوت بالأذان فبكى الناس. إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى فهذا أذان بلال.

стр. 6237

معركة شقحب والمقصود أن انتصاراتنا في رمضان: فـ شقحب التي حضرها أبو العباس ابن تيمية، وخاض غمارها بسيفه المسلول، رفع القلم والمحبرة والكتب في المدرجة، وأتى بالسيف، فرفع الكوب أمام الناس، وقال: أفطروا، فشرب الناس وخرجوا على أعداء الله التتار، فأقبلت كتائب التتار مثل الجبال، فقالوا لـ ابن تيمية: "نخاف، قال: والله لننتصرن". فهو موحد من الدرجة الأولى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤] فقالوا له: "قل: إن شاء الله" قال: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً، وقاتل حتى رُئِيَت الدماء على ثيابه، وتكسر سيفه في المعركة، فكان مجاهداً ومفتياً وخطيباً. دخل ابن تيمية على قازان، فهزه بموعظة ما سمع الناس بمثلها، فأخذ هذا التتري الذي لا يعرف شيئاً، ولا يعرف قطرة من الإسلام، قال: "ادعُ لي يا بن تيمية إنك رجل صالح"، فقال الترجمان: "ادع له"، فالتفت ابن تيمية إلى القبلة وقال: "اللهم إن كان هذا العبد يريد صلاحاً للإسلام والمسلمين، فانصره وأيده، وإن كان يريد تدمير المسلمين فاجعل تدميره في تدبيره"، ويقول التتري: "آمين" يحسبه أنه دعاء للوالي آمين آمين حتى انتهى، ثم قام ابن تيمية. وهذه كانت في رمضان.

стр. 6238

موقعة حطين وقالوا عن حطين: إنها في رمضان، وهذه لما فتحت بيت المقدس من قِبَل صلاح الدين، وأوقع صلاح الدين بالنصارى موقعة في رمضان، وأفطر الناس يوم الجمعة، وترك الناس في المعركة حتى أصبح الخطباء على المنابر، ثم بدأ باسم الله يقتل أعداء الله، ولما فتح البيت أتاه رجل وقال: تلك المكارم لا قعبان من لبن وهكذا السيف لا سيف ابن ذي يزن وارتفع صوت الأذان، وما بقي مسلم في بيت المقدس إلا بكى، وبيت المقدس ينتظر أذاناً ثالثاً، نسأل الله أن نصلي في بيت المقدس نحن وإياكم، يوم نعود إلى الله. أيها الإخوة هذه محاضرة: (كيف نستقبل شهر رمضان؟) والله الموفق.

стр. 6239

الأسئلة .

стр. 6240

قيام ليلة القدر السؤال كيف يكون قيام ليلة القدر؟ الجواب طلب ﵊ تحري ليلة القدر في العشر الأواخر، وهي في الوتر منه، وفي ليلة سبع وعشرين آكد، وكاد ﷺ أن يعلم الناس لكن اختلف رجلان، فقال: ﴿رفعت، ولعله أن يكون خيراً فالتمسوها في السابعة والعشرين، في التاسعة والعشرين، في الخامسة والعشرين﴾. فأقول: تُلْتَمس في العشر الأواخر، خاصة في الأوتار منها: ليلة الواحد والعشرين، أو الثالثة والعشرين، أو الخامسة والعشرين، أو السابعة والعشرين، أو التاسعة والعشرين، فالتمسوها بالذكر والدعاء والتلاوة، عل الله أن يوفقكم بها، وورد في الأحاديث أن في فجرها في اليوم التالي تكون الشمس صافية لا شعاع لها، وكثير من المحدثين صحح هذا الحديث.

стр. 6241

موعد إمساك الصائم السؤال متى يمسك الصائم؟ أفي أذان الفجر، أم بعده، أم قبله؟ الجواب بل قبل أذان الفجر على الصحيح، فإذا أذن الفجر فمعناه: أنه علامة لطلوع الفجر، والله قيد الأمر بطلوع الفجر فقال : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] فقبل أن يؤذن بقليل يقوم، أما إذا رفع شيئاً في يده ثم أذن فعليه أن يأكله، وهذا موجود عند أبي داوُد والحاكم: ﴿إذا رفع أحدكم الإناء وأصبح في يده فلا يضعه حتى يقضي نهمته﴾ أو كما قال ﵊.

стр. 6242

حكم قضاء صلاة التراويح السؤال هل تقضى الركعات إذا فاتت في التراويح؟ الجواب لك أن تتنفل مكانها، وليكن من باب قضاء النوافل.

стр. 6243

وصية لمن يعتمر في رمضان السؤال بماذا توصيني في عمرة رمضان؟ الجواب صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿عمرة في رمضان كحجة معي﴾ وهذا حديث صحيح، فأوصيك -يا أخي- أن تحرص على العمرة، خاصة في العشر الأواخر، إذا لم يكن عليك مضرة في أهلك أو عبادتك من زحام أو غيرها أو مشقة أو عدم خشوع أو فتنة نظر أو نحوها، فأرى أن تكثر من النوافل في الحرم، وأن تحضر صلاة التراويح والقيام في تلك البقعة الطاهرة المشرفة التي ما خلق الله أشرف منها.

стр. 6244

حكم صلاة التراويح مع أكثر من إمام السؤال هل يجوز أن نصلي صلاة التراويح مع أكثر من إمام؟ الجواب إن كان قصدك صلاة التراويح في الليلة الواحدة، أي: تصلي هنا ثم مع إمام آخر ثم ثالث، فلا، بل صلِّ مع إمام واحد في الليلة. وإن كان قصدك ليلة هنا وليلة هناك فلك أن تبحث عن إمام حسن الصوت تخشع معه، ولا أعلم في ذلك نهي، بل رأيت في ترجمة ميمون بن مهران أنه قال: كان السلف يحبون حسن الصوت، ويتتبعونه في المساجد؛ ولا أعلم في ذلك ما يمنع هذا. هذا -أيها الإخوة- ما تيسر لي في هذه الليلة، وأسأل الله التوفيق والهداية والسداد والرشد. وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

стр. 6245

خطر ممنوع الاقتراب إن هذا الدين دين شامل لكل جوانب الحياة، وقد حذرنا الله من مخالفة أحكام الدين ومخالفة الرسول ﷺ ، وحذرنا من التلاعب بالدين وأمرنا أن نوقر الدين ونأخذه بجميع أحكامه في كل أمورنا، وحذرنا من الشبه التي يبثها أعداء الدين ليفسدوا جمال الدين وأحكامه، ووعدنا بأننا إذا التزمنا الدين، وحكمناه في جميع مجالات حياتنا رزقنا الله النصر والأمان والاطمئنان.

стр. 6246

التحذير من التلاعب بالشريعة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره نستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد شكري للواحد الأحد الذي جمعني بكم أشكر مكتب التوعية بـ جدة، على تنظيمه لهذه المحاضرات واللقاءات والأنشطة، وقبل أن أبدأ في المحاضرة كما أعلن عن عنوانها: خطر ممنوع الاقتراب. لا يتصور متصور أني أنذركم بحرب ضروس سوف تطحن المنطقة، فأنتم أهل الحروب وأنتم أهل بدر وأحد، وأهل حطين والقادسية، وأهل اليرموك وعين جالوت، وأهل أفغانستان، ثم إني أعلم أن سندكم الله ﵎ تتوكلون عليه، وتفوضون أمركم إليه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] فإذا توكل الفاني القصير الضعيف على الحي الذي لا يموت، فلماذا يخاف؟ أحد أصحاب الرسول ﷺ يقول في ابتهالات من الشعر يوم كان الشعر موحداً ومؤمناً، يوم كان ينطلق من المسجد يقول: أيا رب لا تجعل وفاتي إن أتت على شرجع يعلى بخضر المطارف ولكن شهيداً ثاوياً في عصابة يصابون في فج من الأرض خائف إذا فارقوا أوطانهم فارقوا الأذى وصاروا إلى موعود ما في المصاحف ما معنى الكلام؟ يقول: يا رب! إذا حانت ساعة منيتي فأسألك ألا تقتلني على فراشي، بل ارزقني الشهادة في سبيلك، واجعلني أموت تحت صقع السيوف وضرب الرماح. فهذه كانت نفسية المسلم يوم كان يحمل لا إله إلا الله، ويحمل حسبنا الله ونعم الوكيل، ويحمل إياك نعبد وإياك نستعين. ثم يقول المسلم الأول: إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا صدود الخدود وازورار المناكب صدود الخدود والقنا متشاجر ولا تبرح الأقدام عند التضارب يقول: إذا أردنا أن نفر في المعركة صدت فقط خدودنا وبقينا ثابتين نطلب النصر من الله.

стр. 6247

تعددت الأسباب والموت واحد ثم لا أخوفكم الموت وما يتكلم به المهرجون من تخويف البشر؛ فليس عندنا من ذلك شيء، والله يقول: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة:٥٢] فلماذا الخوف؟ ولماذا الهلع؟ ولماذا الجبن؟ أما مات كثير من الناس حبطاً؟ أما مات كثير من الناس بجرعات من الخمر؟ أما تزلج بعضهم على الثلج فانكسر ظهره فمات؟ أما وجد أن بعضهم مات على بعض الجرائم؟ فقضية أن يموت المسلم على لا إله إلا الله ليس في ذلك من خطر، ولكن للمحاضرة معنىً آخر ومساراً آخر، وأعلم أن الذين أمامي هم أحفاد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وصلاح الدين وطارق بن زياد، وهؤلاء علَّموا الناس الموت، ولقنوا الناس دروس الهلاك، ووزعوا المنايا على النفوس التي لا تؤمن بالله، فما الخوف وما الجبن وما الرعب وما شبح الموت الذي نصب أمام الناس إلا شيء من أساطير الأولين وخرافات العاجزين الجبناء. نعم: (خطر ممنوع الاقتراب) إنه إنذار لكل من تسول له نفسه أن يقترب، إنها كلمة يعتادها رجال المرور والمشاة، ولكنها بمعنىً إسلامي خالد يعتادها المؤمنون بالله ألا يقتربوا من حدوده . وإن لهذه الكلمة دلالة خاصة يعرفها المسلم يوم يطالع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . إن (خطر ممنوع الاقتراب) هبطت مع الإنسان يوم هبط من بطن أمه، ونزلت معه يوم رسا على الأرض، وأتت مع النداء العلوي: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨]. أمر ﵊ -كما في سنن أبي داود بسند صحيح- أن يؤذن في أذن الطفل إذا ولدته أمه لينشأ على لا إله إلا الله من أول لحظة، وقد فعلها ﷺ مع الحسن بن علي فما ولدته أمه حتى أخذ أذنه وأذن في أذنه بالنداء العلوي: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لينشأ مؤمناً موحداً من أول لحظة. ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا ونزلت هذه الكلمة العلوية مع قوله سبحانه تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:١ - ٣] وتواكب هذه الكلمة خطر ممنوع الاقتراب قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]. يا أيها الإنسان الضعيف! اتصل بالقوي. يا أيها الإنسان الفاني! اتصل بالباقي. يا أيها الإنسان الفقير! اتصل بالغني. ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران:٢٦ - ٢٧] من يسمع ويطالع ويقرأ يرى أن الناس جعلوا مقاليد الأمور بيد البشر، وكأنه ليس على العرش إله استوى، يتصرف في الأمور كل يوم هو في شأن، يخلع ويولي، ويفقر ويغني، ويهدي ويضل، ويحي ويميت، ويضر وينفع، فما هو أثر هذا التوحيد في كتابات الناس، وفي صحفهم وإذا عاتهم؟ ما أثر لا إله إلا الله؟ وما أثر حسبنا الله ونعم الوكيل؟ وما أثر إياك نعبد وإياك نستعين؟ في مقدرات الأمة وما تقرأ وما تسمع لتتصل بالباري: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣] فالأمر من عند فاطر السماوات والأرض، فهو الذي يقرر مصائر الشعوب ويقرر الحروب، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون. وهذه المحاضرة على فصلين: الفصل الأول: خطورة للتقدير والتوقير. والفصل الثاني: خطورة للإنذار والتحذير.

стр. 6248

الفصل الأول: خطورة التقدير والتوقير أما خطورة التوقير والتقدير فهي خطورة أن يقترب الإنسان من انتهاك سياج الشريعة، والشريعة مكرمة معظمة لا ينتهكها إلا من باع حظه من الله ، لماذا؟ لئلا يلغو فيها البشر، فلا يحق للبشر أن يلغوا في الشريعة، ولا أن يتكلموا في المنهج الرباني بمنطق أن نجعله للحوار فنقبل ما شئنا، ونرد ما شئنا، ونرضى بما شئنا، ونغضب على من نشاء! فهذا لا يجوز، وهذا حرام حرام حرام: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥]. لماذا؟ لأنه: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]. لماذا؟ لأنه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] ويقول سبحانه عن أناس جعلوا الشريعة مجالاً للقبول والرفض: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ [النور:٥٠] أفي قلوبهم زيغ يوم شككوا في مصداقية رسالة رسول الهدى ﵊ أنها تصلح للإنسان وتهديه، أم ارتابوا في صدقه ﷺ ؟ بل هم ظلمة وفسق والعياذ بالله. وقوة المنهج الرباني تأتي من أن منرِّل المنهج الرباني هو الله والمتكلم بالقرآن هو الله، وقوة القرآن لا تأتي من كلماته فحسب بل تأتي من مسألة: أن الذي تكلم به هو الذي على العرش استوى. والآن أنا أضرب لك مثلاً، ولله المثل الأعلى: جاءك خطاب وبأسلوب واحد من سلطان من السلاطين، ومثله خطاب بنصه وبأسلوبه وبلفظه من رجل عادي من الناس، أيهما أوقع في القلب؟ إنه خطاب السلطان، مع العلم أن الكلمات هي الكلمات، والعبارات هي العبارات لكن ذاك اكتسب قوة لأن السلطان كتبه وأرسله، فكيف برب العالمين مالك يوم الدين؟! وكيف بالإله الحق الذي بيده مقاليد كل شيء؟! وهو الذي أنزل هذا الوحي واكتسب هذا الوحي قوة من قوة منزله.

стр. 6249

دعامات حماية المنهج الرباني وأنا أريد أن أمهد لمسألة: أن هذا الوحي شيء خاص، ليس للإنسان مهما بلغ أن يجترئ ليتعدى على سياج هذا الشرع، بل حينها يكفر ويرتد عن دين الله إذا كان مستهزئاً مستهتراً لا متأولاً.

стр. 6250

الرقابة أولاً: من دعامات حماية هذا المنهج الرباني؛ الرقابة، وإني أطالب الجميع برقابة الواحد الأحد، وهي الرقابة التي ما وجدت في أي دستور ولا في أي قانون لا غربي ولا شرقي إلا في كتاب الله، يقول في كتابه: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام:١٢٠] هل سمعتم بقانون أرضي يقول: وذروا ظاهر الإثم وباطنه؟ من الذي يقول: باطنه إلا الله؛ لأن الذي يعلم السر وأخفى هو الله، أما البشر فيستطيعون محاربة الجريمة بالحديد والنار والسياط والحبس، ولكن لا يستطيعون باطن الناس. وما هو باطن الإثم؟ قالوا: فواحش القلب وبواطنه التي لا يعلمها إلا الله. فالتعاليم الغربية والشرقية تمنع الجرائم الظاهرة في الغالب كالمخدرات والسرقة وقطع الطريق والنهب، لكنها لا تمنع جرائم القلب كالكبر والرياء والحسد والتهتك في حدود الله؛ لأنها لا تعلم شيئاً من قلب الإنسان ولا من علم الإنسان، وما يعلم ذلك إلا فاطر السماوات والأرض. والرسول ﷺ ربىَّ الناس على ذلك، والله ﵎ يقول: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧]. يجلس صفوان بن أمية مع عمير بن وهب تحت ميزاب الكعبة قبل أن يسلما، فيقول صفوان بن أمية لـ عمير بن وهب والرسول ﷺ في المدينة وهما في مكة عند الكعبة، فيقول صفوان لـ عمير: أما ترى ماذا فعل محمد بنا في بدر؟ أما قتل آباءنا، وسفَّه أحلامنا، وسب آلهتنا؟ قال عمير بن وهب: وددت أن أحداً يقوم بأهلي وأطفالي وأذهب إليه وأقتله في المدينة. يعني: القتل سهل، واغتيال الرسول ﷺ في ذهنه أمر عادي، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] وفي الصحيح أنه ﷺ كان يُحرس حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] فحرسته عناية الله كما يقول شوقي: وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالحوادث كلهن أمان وأما إذا لم تلاحظك عناية الله فأول من يقتلك هو حارسك، كما فعل بالمجرم شاوسسكو في رومانيا فقد جنَّد سبعين ألف جندي من الشرطة ليحرسوه، فكانوا سبباً في ذبحه كما تذبح الدجاجة في الشارع، وكان الشاه عند استافاك فما أغنى عنه سافاكه، وذهب شريداً طريداً وقتل مغضوباً عليه في الدنيا والآخرة. قال عمير بن وهب: من يضمن لي ذلك؟ قال صفوان: الدم دمي والهدم هدمي، اذهب إليه فاقتله. فذهب عمير بن وهب وتسلل بالسيف، فرآه عمر فجذبه وشده وخنقه وأتى به إلى الرسول ﵊، قال: ﴿يا رسول الله! خذ هذا الشيطان، قال ﵊: ماذا أتى بك يا عمير بن وهب؟ قال: أتيت أفتدي -اسمع الكذب المدبلج- أسارى بدر بالمال، قال ﷺ : كذبت بل جلست أنت وصفوان بن أمية تحت ميزاب الكعبة فقال لك: كذا، وقلت له: كذا ثم جئت لتقتلني، وما كان الله يسلطك علي. قال عمير بن وهب: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله وأسلم﴾ الدخول إلى الدين بمعجزة. تقول عائشة ﵂: [[سبحان من وسع سمعه كل شيء، والذي نفسي بيده! إني كنت مع الرسول ﷺ في بيته، وخولة بنت ثعلبة بجانب البيت تساره وتحاوره لا أسمع كلامها، فسمع الله كلامها من فوق سبع سماوات، فأنزل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة:١]]] رقابة تستحضر عظمة الله لئلا تتعدى على المنهج الرباني. وبائعة اللبن التي يذكرها ابن الجوزي في ترجمة عمر ﵁ ويذكرها السيوطي وغيره: مر عمر ﵁ وهو يجوب الليل في المدينة، فقد كان يشتغل في العسة. وكان هو الشرطي والجندي المجهول، يؤدب وينصح ويحرس ويسهر، فمر بباب فسمع امرأة تقول لابنتها: امزجي اللبن بالماء عله يكثر، فقالت البنت: إن عمر منع الناس من ذلك، أي: أن عمر أصدر مرسوماً بالمنع أن يمزج اللبن بالماء، حتى لا يُخدع الناس ويغشوا. قالت الأم: وهل يعلم بنا عمر؟ وهو يسمع من وراء الباب. قالت البنت: فإن لم يعلم بنا عمر أما يعلم بنا رب عمر؟! فبكى عمر عند الباب وأوسم الباب وخط عليه خطاً، ثم عاد في الصباح وطرق الباب وخطب البنت لابنه عاصم فتزوجها، وأنجب من تلك السلالة الطاهرة عمر بن عبد العزيز الخليفة الرائد الراشد، والشاب المجاهد الذي أعاد الأمة الإسلامية إلى الله في رأس القرن الأول، وهو المجدد والمجتهد الأول، فهو ابن بائعة اللبن التي تقول: فإن لم يعلم عمر أما يعلم رب عمر، هذه مدرسة عمر مدرسة الرقابة، ويراها عمر مع راعي الغنم، يقول: بعني شاة، فيقول راعي الغنم: الشاة لسيدي، قال: قل: أكلها الذئب، قال: الله أكبر! أين الله يا عمر فجلس عمر يبكي ويقول: إي والله أين الله؟ وجدها هذا الإمام المعتبر مع راعي الغنم وبائعة اللبن ولم توجد الآن مع كبار الناس ووجهائهم ومع أناس لهم كلمتهم؛ لأن لا إله إلا الله لم تؤثر أثرها في حياة الجيل ولم تفعل فعلها كما فعلت في جيل محمد ﵊، وكان ﷺ يردد على أسماع أصحابه: ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك﴾.

стр. 6251

إقامة الحدود الدعامة الثانية: دعامة الحدود: الرجم، الجلد، القطع، فأي أمة هذه الأمة المسلمة يوم خرجت مهللة مكبرة متوضئة طاهرة! يزني أحد الناس في عهد الرسول ﷺ ماعز بن مالك - فلما اعترف بالخطأ ورأى أنه أساء وأخطأ وأذنب أتى إلى الرسول ﵊ والحديث في الصحيحين، فيأتيه من أمامه -انظر إلى المشهد- فيخبره أنه زنى، فيعرض عنه ﷺ ؛ لأن الرسول ﷺ يحب الستر ولا يكشف النقاب عن ذنوب الأمة، ما دامت الأمة مستترة ومتحشمة، فيأتي عن يمينه ويخبره أنه زنى فيشيح ﷺ يوجهه إلى يساره، فيأتيه من الجانب الأيسر فيخبره أنه زنى فيلتفت ﷺ ، فيأتيه من ورائه ويخبره أن زنى. قال ﷺ : أبك جنون؟ قال: لا. قال: أحصنت؟ قال: نعم. فأمر صحابته أن يستنكهوه هل به رائحة الخمر، فلعله يكون سكران. فشموا رائحته فما وجدوا رائحة الخمر، لكن وجدوا إيماناً في الداخل يريد أن يرده إلى الله، وقد كان ماعز يعلم ما هي النتيجة، إنها حجارة تنصب عليه من كل جهة حتى يموت، ولكن لماذا؟ لئلا يتعرض مرة أخرى للنكبة والسخط في يوم العرض الأكبر والغضب من الله. فقال ﷺ : اذهبوا به فارجموه، فذهبوا به فرجموه وأتوا إلى الرسول ﷺ فأخبروه، قال: ﴿والذي نفسي بيده، لقد رأيته ينغمس في أنهار الجنة﴾. وتأتي امرأة وتعلم أنها زنت، وتطلب التطهير، وهي هكذا تسميه، ليس تعذيباً، وتعزيراً بل تطهيراً فالحدود مطهرات وبلسم وعلاج للأمة، ويوم تترك الأمة الحدود تنهار وتصبح أمة فاسقة بعيدة عن الله مغضوب عليها، ويوم تترك الأمة إقامة الحد على الشريف وتقيمه على الوضيع؛ تصبح أمة مخذولة في حياتها ومنهجها، وفي ربانيتها ولا يقبلها الله. وكان ﵊ يقول على المنبر كما في الصحيحين: ﴿والذي نفسي بيده! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها﴾ فهذا إعلان للبشر أنه لا مداجاة ولا محاباة. ويذكر في الحديث، وفي سنده نظر: ﴿حد يقام في الأرض خير للأمة من أن تمطر أربعين صباحاً﴾ وعند عبد الرزاق في المصنف: ﴿إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع﴾ فملعون من يذهب يشفع في حدود المسلمين لكيلا تقام؛ لأن معنى ذلك: خيانة (لا إله إلا الله) واعتراض على لا إله إلا الله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]. فتأتي هذه المرأة وهي حامل من الزنا فتطلب التطهير، انظر إلى الإيمان! فيقول ﷺ : حتى تضعي، فتذهب لأن في بطنها نفس معصومة، فتذهب وتبقى حتى تضع وهي صابرة مصلية محتسبة تريد التطهير، وتأتي بالطفل في لفائف وتطلب إقامة الحد، فيقول ﷺ : أرضعيه حتى تفطميه، فتذهب وتفطمه وتأتي به وفي يده كسرة خبز، فيقول ﷺ لأحد الناس: من يكفل هذا؟ -أي: الطفل- فيقول أحد الأنصار: أنا يا رسول الله! فيأخذ الطفل وترجم المرأة، ويقول خالد وقد أتاه دم منها: ما لها لو استترت؟ أو قال كلمة مؤذية عنها، قال ﷺ : ﴿مهلاً يا خالد! والذي نفسي بيده! لقد تابت توبة لو وزعت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم﴾. وفي لفظ: ﴿والذي نفسي بيده! لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له﴾ أو كما قال ﷺ . فهذه توبة التائبين، وهذه هي الحدود والدعائم التي جعلت لهذا الدين مكانة وعزة في قلوب المسلمين. ينسب لـ عمر في التاريخ ويذكره ابن الجوزي أنه أقام الحد على ابنه. أحد أبنائه أخذ نبيذاًَ في مصر متأولاً فيه، فسكر وهو عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب ويثبتها بعض المحدثين؛ فأتى عمرو بن العاص الأمير ورأى أن ابن عمر لا يمكن أن يجلد في السوق، هكذا تأول وإلا فما الفرق ابن عمر يجلد كأبناء الناس؛ لأن لا إله إلا الله لـ ابن عمر ولغير ابن عمر، فأتى به في دار السلطان وفي الديوان الداخلي وجلده، فسمع عمر فاستدعى ابنه واستدعى عمرو وأدب عمرو بن العاص وجلد ابنه - أي: ابن عمر بن الخطاب - أمام الناس، لماذا؟ ليعلم عمرو وليعلم الناس أن هذه الشريعة ربانية كونية تحوي جميع الناس وسيطرتها على كل البشر. ولـ عمرو بن العاص وابنه قصة مع عمر. فقد حصل أن تسابق محمد بن عمرو بن العاص مع رجل من أهل مصر، فسبقه المصري، فلما سبقه قال ابن عمرو بن العاص: أتسبقني وأنا ابن الأكرمين؟ فيذهب هذا المصري إلى عمر فيخبره، قال: أخبره من هو ابن الأكرمين؟ عليَّ به وبـ عمرو بن العاص؟ فأتيا من مصر فلما رآهما قال: والله لا يحول بيني وبينهما أحد من الناس، وأتى بالدرة، وقال: [[متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!]] والشاهد هنا: أن من الدعائم التي أقامها هذا الدين حفظاً لكرامته ولاستقراره في الأرض؛ الحدود.

стр. 6252

الوعيد الأخروي الدعامة الثالثة: الوعيد الأخروي. لقد ذكر الله ناراً تلظى، وتوعد القاتلين والمفسدين في الأرض والسارقين والزناة والخونة بوعيد شديد، لتعلم أن هناك ناراً، وأن هناك حساباً وعذاباً، يقول عمر: [[والذي نفسي بيده! لولا الآخرة لكان غير ما ترون]] لولا أن هناك حساباً من الله لفتك القوي بالضعيف، ولاعتدى الظالم على المظلوم واجتاحه، لكن هناك يوم آخر، يوم يكون الناس كالفراش المبثوث. وإحياء اليوم الآخر في أذهان الناس؛ لا يكون بالتضييع، وأن تحيا الأمة على الخواء العقدي، والتلوث الفكري، وإبطال الهوية، والتخلف الحضاري، فهذا كله مما أصيبت به الأمة يوم تركت لا إله إلا الله، فلا بد من إرساء العقيدة في النفوس، وذكر الجنة والنار، حتى تعيش الأمة حياة العبودية التي أرادها الله لها. وهنا يذكر الذهبي في المجلد الثامن من السير أن عبد الله بن وهب العالم المصري والمحدث الكبير الشهير، وهو علامة مصر في الحديث في عصره، يقول: ألف كتاب أهوال يوم القيامة، فطلب الناس منه أن يقرأ عليهم كتاب أهوال يوم القيامة، فاعتذر! فألحوا عليه، فقرأ الكتاب فأغمي عليه، وبقي مغمى عليه ثلاثة أيام ومات في اليوم الرابع، وذكر عنه أنه قبل هذه القصة أراد أن يصلي الجمعة فسمع طفلاً يقرأ في بيت وهو في طريقه إلى المسجد: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر:٤٧] فأغمي في الشارع وحمل إلى بيته. فهذه النفس التي أحياها علم الكتاب والسنة، وأحياها تذكر لقاء الله كانت نفساً تعيش لله ، وترجو ثواب الله، وتتذكر الوعيد الأخروي. ويذكر وكيع في كتاب الزهد أن ابن المبارك ﵁ وعن أبيه قرأ: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] فبكى حتى كادت أضلاعه تختلف، وقيل: قال: إني أخشى أن يبدو لي من الله ما لا أحتسب.

стр. 6253

خطر الاستهزاء بالدين و (خطر ممنوع الاقتراب) لأن مسألة الاقتراب في بعض الزوايا تصل بصاحبها إلى الكفر البواح، فإن من يقترب من هذا المنهج الرباني مستهزئاً يكفر بالإجماع عند أهل العلم. والاستهزاء في مسائل بسيطة أوصلت بعض الناس إلى درجة الكفر، وعجباً لهذه الأمة أن تأخذ من الدين ما اشتهت وتترك ما اشتهت! والعجب أنها تحكم الدين إذا كان في التيمم وصلاة الجنازة والحيض والغسل من الجنابة، لكنها لا تحكم الدين في حياتها ومستقبلها.

стр. 6254

أنواع من الاستهزاء بالدين في بعض الصحف رأيت شيخاً من الفضلاء سئل في عمود المرأة: عن سحَّاب المرأة هل يجوز أن يكون من أمامها -صدرها- أو من خلفها فأجاب فضيلته بما هو مأجور عليه، لكن في الصفحة الأخرى دغل على الشريعة واستهزاء بالرسالة وبشباب الصحوة. فانظر إلى هذا السؤال، يعني: هل انتهت مسائلنا وحياتنا وطموحاتنا ومعطياتنا إلى أن وصلنا إلى أن نستفتي ورعاً هل يجوز أن يكون سحَّاب المرأة من أمامها أو من خلفها. مع العلم أن لا إله إلا الله تسحب على التراب، فما هي الكارثة على المرأة لو جعلت سحابها من صدرها أو من قفاها والشريعة تسحب على الأرض! وأنا لا ألوم الشيخ، لكني أود أن يأتي الشيخ إذا أراد أن يكتب في مثل هذا بشيء من العقيدة أو بشيء من المنهج الرباني، أو من رسالة الأمة، أو في إياك نعبد وإياك نستعين. ابن تيمية لما ألف كتبه كانت ثلاث أرباعها في العقيدة، في لا إله إلا الله، في الحاكمية، في الولاء والبراء، حتى سئل -يذكرها عنه الذهبي وغيره- سئل: لماذا لا تؤلف في الفروع؟ ولذلك لم يؤلف كثيراً في الفروع، أي: لم يشرح كتاباً في الفروع شرحاً مستفيضاً. قال: الفروع أمرها سهل، والعبد إن عبد الله على مذهب مالك أصاب، أو مذهب أبي حنيفة أصاب، أو مذهب أحمد أصاب، أو مذهب الشافعي أصاب، لكن أمور الأصول مهمة لابد للأمة أن تركب على أصول من المعتقد والتوحيد والمنهجية الربانية حتى تحيا حياة خاصة أرادها الله لها. ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥] فالتربية الغربية والشرقية هي التي أخرجت الإنسان في البلاد العربية كافراً بالله فهذا بدر شاكر السياب يقول في قصيدته: منطرح أمام بابك الكبي يا مفجع النساء يا ميتم الأطفال يا عالماً دبيب النمل على الرمال أتستجيب؟ أتسمعني يا مبارك؟ يخاطب الله . اسمع الكلام! أمة تركت كتاب الله للمآتم، وللقراءة على المصروع إذا ركبه جان، قالوا: تعالوا بالقرآن، أسمعونا آية الكرسي، لكنه ما داخلها القرآن والسنة في حياتها حتى يوصلها إلى رضوان الله ، فأنتج هذا الهشيم والركام والفحش والبذاءة والتعدي على المنهج الرباني. ويذكر عن هؤلاء (خطر ممنوع الاقتراب) لكم أن تضحكوا بما شئتم إلا بالشريعة، والكتاب والسنة، والأخيار والصالحين والعلماء. ليس لكم أن تمزحوا، امزحوا في مستهلكات الحياة، امزحوا في المأكولات والمشروبات، امزحوا في الماجريات ولكن في الآيات البينات، وفي شريعة رب الأرض والسماوات فخطر ممنوع الاقتراب. حدثني بعض الشباب الثقات يقول: حضرت جلسة مع ماجن معربد في الفسحة وكان يدرس في جامعة في أحد الأقسام قال: يجلس يقضي وقته ويضحك زملاءه بالتندر على الرسول ﷺ والصحابة، يقول هذا المجرم -أسأل الله أن يهديه ولعل الله هداه أو أخذه- يقول: حدثنا فلان عن أبي هريرة قال: كنا جلوساً مع رسول الله ﷺ قال: فقال: أتدرون ما الببسي؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أتدرون ما السيكل؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قوموا عني لا تعلمون الببسي ولا السيكل. وهذه كلمة كفر ومثل هذا حقيق أن يقطع رأسه قطعاً بيناً، ورأيت أحدهم ولا أسميه في هذا المقام تشريفاً للمسجد يقول: جدتي حدثتني عن خالتي أن عمته حدثتها ثم ساق سنداً كسند البخاري ومسلم. يا مغفل! سند البخاري ومسلم أحيا أمة. يا مغفل! أنت لما تركت سند البخاري ومسلم كنت عقيماً على موائد الغرب، لفيقاً صفيقاً ذليلاً على موائد الشرق والغرب، ملحقاً لا هوية لك. يا مغفل! سند البخاري ومسلم أخرج خالد بن الوليد وعقبة بن نافع الذي وقف على الأطلنطي وهو يقول: والله يا بحر! لو أعلم أن وراءك أرضاً لخضتك بفرسي هذا؛ لأرفع لا إله إلا الله. فـ البخاري في بخارى كان يقرأ الحديث هناك ويحيي أمة، والولايات الإسلامية التي أخذها المد الكافر الإلحادي يوم اشتغل الناس بالموسيقى الإيطالية الحالمة، والعزف على الناي، والمراسلة، وجمع الطوابع ولعب البلوت إلى الساعة الثانية ليلاً، والوقوف على الشواطئ متفرجين متبرجين ذكراناً وإناثاً، فضاعت مقدرات الأمة. كنا نحكم ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، وكان هارون الرشيد في بغداد يقول للسحابة: امطري حيث شئت فإن خراجك سوف يأتي إليَّ. وهذا المعتصم تضرب امرأة على وجهها وتقول: وامعتصماه، فيجهز جيشاً جراراً ويفتح عمورية ويدكدك حصونها ويفتح قلاعها. لكن الآن كم تضرب من امرأة مسلمة؟! وكم يعتدي اليهود على أعراض المسلمين ومقدراتهم؟! رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم لا مست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم

стр. 6255

حكم الإسلام في المستهزئين بالشريعة يقول سبحانه عن هؤلاء الشرذمة الباطلة التي تتعدى على الشريعة في جلساتها: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٤ - ١٦]. أعرف أحد الناس دائماً يستهزئ بالشرع، جلس مع بعض المشايخ، فقال: يا شيخ! هل كل أحاديث رياض الصالحين صحيحة سليمة؟ قال: نعم. إلا أن بعضها ضعيف. قال: الحمد لله، أريد أن أعتمد عليها، يعني: من باب المناورات، من الورع يريد ألا يعمل بحديث ضعيف مع العلم أنه يطعن في الحديث الصحيح، ويطعن في الآيات، وبعضهم -إي والله- وهو لا زال حياً يرزق ونعرفه، يقول لأحد المشايخ: الآن تقولون: إن الله يعلم ما في الأرحام، وخمسة استأثر الله بعلمها مع العلم أن الأمريكان والفرنسيين والبريطانيين علموا ما في الأرحام، فكيف أنتم دائماً تتكلمون بهذا؟ الواجب أنكم تقفون مع العلم الحادث، وهذه تكفي في كفره. والآية ليست تقصد ما قصد هو لا من بعيد ولا من قريب، لكن هكذا تفعل التربية التي لا تكون على المسجد، ولا على القرآن والسنة والطهر والعفاف، يقول سبحانه: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩] والمنافقون يقولون: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الأحزاب:١٢] وقد فعلوها وكرروها دائماً مرات كثيرة، وأذكر على سبيل المثال: أن الإنسان إذا دعى إلى التبرع للمجاهدين الأفغان فيلتقي بأحد الناس يقول: هؤلاء المجاهدون الذين تطلب التبرع لهم هل يغلبون روسيا؟ أنت مجنون أو عاقل؟! أو يغلبون الاتحاد السوفيتي؟! لقد جعلوا هذه الأصنام البشرية كأنها لا تغلب أبداً، وقد كلموا بعض قادات الجهاد مباشرة، وقالوا: لا يمكن أن المجاهدين يغلبون الروس، لكن المجاهدين أروهم أن الإيمان يغلب الكفر، وأن لا إله إلا الله تدكدك مستعمرات الجاهلية وتخرب ديار الذين انحرفوا عن منهج الله، وخرج الروس البلاشفة الحمر وهو يعلنون إشارة الخزي والعار على رءوسهم: فروا على نغم البازوك في غسق فقهقهت بالكلاشنكوف نيرانُ والأكراد ضربوا بالكيماوي وما غضب أحد، أبناء صلاح الدين وأبناء صاحب لا إله إلا الله، وانظر ترجمة صلاح الدين، فهو مسلم موحد أشعري العقيدة، شافعي المذهب، لكن إذا قارنَّا أشعريته مع إلحاد الملحدين وزندقة المتزندقين عذرناه، لأننا أقررناه، ولكنا نحبه؛ لأنه نَصرَ لا إله إلا الله، ونعلم أن هذه الجزئيات خطأ في حياته، ولكنه مع ذلك يتمسك بحبل الله. كان يبدأ هجومه في الساعة السادسة ظهراً، فجعلها تبدأ مع صلاة الجمعة، إذا بدأ الخطباء أعلنت حالة الاستنفار وساعة الصفر. فلماذا اختار الساعة السادسة؟ قال: إذا صعد الخطباء في العالم الإسلامي رجوت دعوتهم من الله فنصرت بإذن الله، وحضر المعركة وبدأ، ولما صعد الخطباء على المنابر يدعون الله لـ صلاح الدين، لأن معركة حطين هزت العالم الإسلامي، فمعنى حطين نكون أو لا نكون. معنى حطين: إما أن تكون أمة إسلامية في الأرض أو يسحقها الصليبيون ويضربون عليها أبد الدهر. لما تولى العرب إلى الغانيات والجواري وعزف الوتر، وما يطلبه المستمعون وافتح يا سمسم؛ أتى صلاح الدين الكردي تحت مظلة: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩] والشريعة ليست ملكاً لي ولا لك، متى ما نتخلى عنها يحملها الهنود أو الأتراك أو الأفغان أو الأكراد، كل من يحمل لا إله إلا الله فهو مرشح لها، لأن الجد أبو جهل الخاسئ الذي لا نعترف به أنه جد؛ كفر بلا إله إلا الله عند الحطيم والحجر الأسود، يشرب الخمر في المسعى، لماذا؟ لأنه لا يعترف بلا إله إلا الله، لكن بلال الحبشي يأتي من الحبشة وهو يقول: لبيك اللهم لبيك، وصهيب يأتي من الروم، يقول: الله أكبر، وسلمان يأتي من أرض فارس وهو يقول: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. وبدأ صلاح الدين وأشعل المعركة وانتصر وفتح بيت المقدس، وصلى الجمعة الثانية في الصف الأول، وكان القادة الأكراد بجانبه، يقول المترجمون: قبل المعركة قرأ قليلاً من سورة الأنفال وكان يبكي ويقول: يا حي يا قيوم! ثم قرئ عليه من موطأ مالك فهو يحب الموطأ كثيراً، وهذا موجود في ترجمته، فقرأ أحاديث الجهاد من كتاب الجهاد، ثم بدأ الهجوم، وفي الجمعة الثانية قام شمس الدين الحلبي الخطيب الشهير، وكان خطيباً ذاك اليوم وارتقى المنبر ليحيي صلاح الدين في أول جمعة بعد أن سقط بيت المقدس في يديه من بعد فتح عمر، يحييه في هذا الفتح العظيم، أتدرون بماذا يفتتح الخطبة؟ اسمع، يقول: الحمد لله مجري السحاب، منزل الكتاب، هازم الأحزاب. الحمد لله وحده، الذي نصر عبده، وهزم الأحزاب وحده وأعز جنده، ثم قال: تلك المكارم لا قعبان من لبن وهكذا السيف لا سيف ابن ذي يزن يقول: هكذا سيفك لا سيف ابن ذي يزن حاكم اليمن الوثني: تلك المكارم لا قعبان من لبن وهكذا السيف لا سيف ابن ذي يزن وهكذا يفعل الأبطال إن غضبوا وهكذا يعصف التوحيد بالوثن فالأبطال إذا غضبوا لاينددون ويشجبون فقط. بل يغضبون غضباً كغضب صلاح الدين. ثم وأقام صلاح الدين الفتوى وفتح المدارس في المسجد الأقصى فرحمه الله كما يقول ابن كثير: سقى الله تلك العظام شآبيب الرضوان، وجمعنا به في دار الكرامة. والمقصود: أن المنافقين يقولون: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [الأحزاب:١٢] ويعيشون حالة من الرعب والرهق، أما فنلتجئ إلى الله، إذا التجأ البعثي إلى البعث وميشيل عفلق، التجأنا إلى الواحد الأحد، إذا التجئوا إلى: آمنت بـ البعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثاني التجأنا إلى حسبنا الله ونعم الوكيل. فهذه هي مصداقية العقيدة متى أرادها الناس. أيها الناس: إنه خطر على المتهوكين في الشريعة الخائضين فيها أن يرتدوا عن هداية الله ودينه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٥٤].

стр. 6256

ضرورة أخذ الدين كاملاً من مميزات الإسلام أنه لا يقبل خلط الأمزجة، فكيف يجتمع مسجد وخمارة، وساعة للغناء وساعة للقرآن؟! امرأة سافرة ومتبرجة تحت مظلة الحرية هذا لا يصح. أخذ شيء من الشريعة وأخذ شيء من القانون الفرنسي هذا لا يصح، فلا إله إلا الله فقط، فإما الدين كله أو اترك الدين كله: يا مدعٍ حب طه لا تخالفه فالخلف يحرم في دنيا المحبينا أراك تأخذ شيئاً من شريعته وتترك البعض تهويناً وتدوينا خذها جميعاً تجد فوزاً تفوز به أو فاطرحها وخذ رجس الشياطين

стр. 6257

من مواقف عمر في أخذ الدين كاملاً أيها الإخوة: عند النسائي بسند صحيح أن عمر ﵁ ذهب إلى بعض بيوت اليهود فوجد صحيفة من التوراة، فأتى بها إلى الرسول ﷺ مستبشراً. أي: أنها فرصة أنه وجد صحيفة فيها كلام أصله من الوحي والتوراة، فأراد أن ينفع بها الرسول ﷺ ، وقال: إنها مكسب، وهي مخطوطة جديدة والكتب والمخطوطات، والأمة أمية: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢] فأتى إلى الرسول ﷺ فأعطاه الصحيفة، وقال: خذ هذه يا رسول الله فقد وجدتها، فغضب ﵊، وقال: ﴿أمتهوكون فيها يـ ابن الخطاب؟! والذي نفسي بيده! لو أن موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي، أما أتيت بها بيضاء نقية كالشمس، فجلس عمر على ركبته وقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً﴾ ومزقت الصحيفة وأحرقت، لماذا؟ سيد قطب يقول في معالم في الطريق: السبب القوي في اتجاه الصحابة أنهم خلعوا كل ثقافة من ثقافات الجاهلية ودخلوا في الإسلام من عتباته، وهذا صحيح، فلو دخلت مكتبة عمر ماذا تجد في بيته؟ تجد المصحف والسيف معلق، ليس عنده دوريات ولا مجلات ولا صحف ولا مؤلفات ولا مصنفات، لكنه هو نفسه قرآن يمشي على الأرض، وتعال إلى الشاب منا الآن فتجد مكتبته ملأت مجلسه وغرفته وأدراجه وليس عنده منها شيء، ربما لا يعرف العناوين، فالأمة شيء والثقافة شيء والعلم شيء آخر: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] وقد يكون الكافر أكثر ثقافة من المؤمن لكن العلم لا يكون إلا لمن هداه الله . - وهذا الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد، عن عمر أنه قتل منافقاً وسنده فيما يظهر لي في الشواهد حسن ولو أن فيه انقطاعاً في السند الذي ذكر. فيجلس عمر ﵁ في عهد الرسول ﷺ ، فيقول أحد اليهود لأحد المنافقين المتخاصم معه: نذهب إلى محمد ﷺ فإن أعطانا ما أردنا رضينا وإن لم يعطنا ذهبنا إلى غيره، فذهبوا إلى الرسول ﷺ فحكم بينهم بحكم لم يناسب المنافق: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] فلم يناسبه الحكم، ولم يرغب فيه، فهو متهتك، فذهب إلى أبي بكر عله يجد عند أبي بكر الرجل الثاني ما يصلح، فذهبوا إلى أبي بكر فأخبرهم بفتوى الرسول ﷺ ، وكان أبو بكر رحيماً حبيباً لا يستجلي الأخبار، وذهبوا إلى عمر فسألوه قال: أحكم بينكم أحد؟ قال المنافق: نعم! الرسول، ﷺ . قال: بماذا؟ قال: بكذا وكذا. قال: ومن؟ قال: وأبو بكر، قال: انتظروني قليلاً، فظنوا أنه سيراجع مخطوطة بولاق، أو دار الشروق، فذهب إلى السيف البتار الذي صند به الملاحدة والفجرة وأتى به، فدخل عليهم فقتل الاثنين، وهذه قصة ثابتة والحمد لله، وهي من ميز عمر ﵁: رمى بك الله جنبيها فحطمها ولو رمى بك غير الله لم يصب تدمير معتصم بالله منتقم لله مرتقب في الله محتسب وهذه هي حرارة لا إله إلا الله، فماذا بعد هذا من كفر؟ وهل بعد الحق إلا الضلال؟! إنسان يريد أن يأخذ من الشريعة ما أراد ويترك ما أراد، في قلبه زيغ وليس له إلا السيف. - يذكر الدارمي قصة صبيغ بن عسل مع عمر في أول السنن بسند صحيح، فيأتي أحد الصحابة إلى عمر ﵁ ويقول: عندنا رجل قارن بين الآيات وما استطعنا أن نجيبه، وكان صبيغ في الجيش يقول: كيف تجمعون لي بين قوله : ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوا * فَالْحَامِلاتِ وِقْراً﴾ [الذاريات:١ - ٢] وبين قوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً﴾ [النازعات:١] وبين قوله: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ [المرسلات:١] وبين قوله كذا وكذا؟ فأخبر عمر قال: عليَّ به، وجهز له عمر دواءً شافياً بإذن الواحد الأحد، عصا من النخل القوي الخضراء، فأتى الرجل، وكان عمر ضليع الجسم قوي البنية هماماً: قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها فأتى بالرجل فضربه ضربة حتى أغمي على الرجل، قال: رشوه بالماء، فهذه أول عملية في غرفة الإنعاش، يطرد بها الشياطين، واستفاق الرجل بعد هذه النومة الهانئة، يقول: أصبحنا وأصبح الملك لله، قال: فلما قال عمر: أعقلت؟ قال: نعم. فضربه حتى أغمي عليه. فقال: رشوه بالماء، فرشوه فأصبح ورأى الفجر والنور، قال: يا أمير المؤمنين! إن كنت تريد قتلي فاقتلني، وإن كنت تريد دوائي فقد داويتني دواء يبرئني إن شاء الله، فهذا علاج يخرج الشياطين من الرءوس، فاشترط عليه عمر ألا يكلم أحداً من المسلمين، ولا يكلمه أحد، ولا يجلس مع أحد، ويبقى منفرداً حتى تصح توبته. قال بعض أهل العلم: جلس سنة، وقال بعضهم: ستة أشهر، فجلس منزوياً حتى تاب وذهبت الشياطين وعرف أنه المنهج الرباني، وأن الله هو الذي أنزل: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً﴾ [الذاريات:١] وأنزل: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً﴾ [النازعات:١] وليس له أن يتكلف ولا يدخل بعقله في مسارات الوحي؛ لأن الوحي أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض، ليس بكلام مسيلمة. أتدرون ماذا يقول مسيلمة المجرم؟ سُئل عمرو بن العاص، ماذا كان يقول مسيلمة قال: كان يقول: والطاحنات طحناً، والعاجنات عجناً، والخابزات خبزاً، وكان يقول: يا ضفدع نقنقي ما تنقنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين. هذا كلامه ولذلك ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥].

стр. 6258

خالد القسري وتضحيته بالجعد بن درهم من حماية الشريعة: ما يفعله العدول يوم يرون الشريعة تنتهك! فـ الجعد بن درهم يقول: لم يكلم الله موسى تكليماً ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، قالوا: يا مجرم! اتخذه. قال: يا ليتني أمحوها من المصحف بدمي، محا الله رسمه ومحاه الله من الأرض، فهو مبتدع، قائد الفرقة المبتدعة التي كونت حلفا استعمارياً في بلاد المسلمين، فهذا المبتدع أتى به خالد القسري -وهذه حسنة من حسناته -يوم عيد الأضحى، فخطب خطبة جليلة، فلما انتهى من الخطبة قال: أيها الناس! ضحوا تقبل الله منكم أضحياتكم، وذلك بعد أن بين لهم شروط الأضحية وأنه لا يقبل منها جدعاء ولا خرقاء ولا بهقاء ولا هزيلة، قال: فضحوا تقبل الله منكم أضحياتكم فإني مضحٍ بـ الجعد بن درهم. يقول: أما أنتم فضحوا بالتيوس وأما تيسي أنا فهذا المجرم، وهو مكتوف بجانب المنبر، ومع العلم أنهم طلبوا منه أن يتوب فرفض، وهو مبتدع، فانظر إلى صلابة بعض المجرمين والخرافيين كيف يصبرون إلى آخر لحظة، مع العلم أنه سوف يطعن بالخنجر من السلطان!! قال: ضحوا تقبل الله منكم أضحياتكم فإني مضحٍ بـ الجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً، ثم نزل وجهه إلى القبلة ووضع ركبته على صدره، وقال: باسم الله فذبحه، فحياه ابن القيم في منظومته الكافية الشافية لـ أهل السنة والجماعة قال: ولذاك ضحى خالد بـ الجعد يوم ذبائح القربانِ إذ قال إبراهيم ليس خليله كلا ولا موسى الكليم الدانِ شكر الضحية كل صاحب سنةٍ لله درك من أخي قربانِ يقول: شكراً لك يا بطل! أحسنت كل الإحسان، هكذا تذبح رءوس الملاحدة والزنادقة والعلمانيين والحداثيين؛ لأنهم تهتكوا في شرع الله، وفي لا إله إلا الله، وإلا فمتى ينسل السيف؟ ومتى تشتغل الخناجر والسكاكين إلا في هذه المواقف؟ وأظن هذا الموقف من أحسن ما يذكر لـ خالد القسري على ما فيه من ظلم وفجاءة وصلافة، وسوف يذكره الله بهذا الموقف الذي جمل فيه وجوه أهل السنة يوم عيد الأضحى.

стр. 6259

التهم التي ترمى بها الشريعة إنه خطر على من رمى هذا المنهج العفيف الطاهر أن يأخذ الله سمعهم وأبصارهم ويختم على قلوبهم. اسمعوا إلى التهم التي يرمون بها الشريعة، وأقول لهم وأكرر: خطر ممنوع الاقتراب!

стр. 6260

وصف الشريعة بالعقم قالوا: عقيمة لا توافق الزمن، سبحان الله! يقولون: الشريعة تصلح لـ أبي بكر وعمر أما عصر الذرة والضياء وعصر الطلوع على سطح القمر فلا تصلح له الشريعة. وشوقي يخاطب الرسول ﷺ ويقول: شعوبك في شرق البلاد وغربها كأصحاب كهف في عميق سبات بأيمانهم نوران ذكر وسنةٌ فما بالهم في حالك الظلمات يقول: عندهم الكتاب والسنة، لكنهم رفضوا منهج الكتاب والسنة إلا من رحم ربك. فيقولون: عقيمة لا تواكب الزمن، وقد أساءوا؛ فإن العقم في أذهانهم؛ لأن الشرائع الأرضية التي هي موجودة الآن وضعها البشر، أما شريعة الله فوضعها الله رب البشر، الذي يعرف حاجة الإنسان، وطموحه وأقصى ما يبلغه الإنسان.

стр. 6261

وصف الشريعة بأنها حجرت على الإنسان حريته ومن الاتهامات على الشريعة أنها حجرت على الإنسان حريته، ويقولون: تحرير المرأة وأنا أعارض هذه الكلمة، وتحرير المرأة كما يأخذها قاسم أمين في كتابه ورفاعة الطهطاوي ومحمد عبده ليس بصحيح. فتحرير المرأة ما أتى به الرسول ﷺ ، أما تعذيب المرأة، وخزي المرأة فهو ما أتى به أعداء الله من أذناب البشر وشراذمة البشر، يقولون: حجرت على الإنسان حريته، والله يقول: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧] فالأمة كانت مقتولة حتى رفع ﷺ الأغلال عنها، وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] وقال سبحانه: ﴿طه >مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه:١ - ٣] وقال سبحانه: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى:٨] وقال سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. فيا أيها الإخوة: لماذا هذا التهتك بالشريعة، بأنها غليظة وجافية وشديدة ولا يستطيع أن يحملها الإنسان؟ إن هذا -والله- هو الظلم بعينه.

стр. 6262

قولهم: إن الشريعة لا علاقة لها بالحياة ومنها: أنها خاصة بالفرد ولا تقحم في الحياة، وفي الموسوعة الميسرة للمذاهب المعاصرة يقول: ومن مبادئ العلمانية: أن الدين خاص بالفرد. يقول لك: الدين لك وحدك، صلِّ وحدك، واعبد الله ؛ لكن لا تدخل الدين في شئون الحياة، لا في الاقتصاد ولا في السياسة ولا في العسكرية ولا في الأدب ولا في الإعلام، والله يقول: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] فهو شرع للدنيا والآخرة، وشرع للاقتصاد والاجتماع، وشرع للأخلاق والسلوك، وهذا هو الخلاف الكبير بين أعداء الله ممن يريد حصر الدين بأنه مسألة شخصية كما يفعل بـ المسيحية الآن، فيحضرون في الكنيسة فقط ولا تخرج إلى الحياة.

стр. 6263

أقسام الناس أمام الشريعة الإسلامية وانقسم الناس أمام شرع محمد ﵊ إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: كفروا به جملة وتفصيلاً، وجحدوه وأنكروه، وما استضاءوا بنوره، واستحقوا غضب الله، قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة:١٦١ - ١٦٢]. القسم الثاني: وقوم آمنوا ببعض الشريعة وكفروا ببعض، وهؤلاء يلحقون بالصنف الأول، ولا يغنيهم الإيمان الذي أخذوه ببعض الشريعة: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٨٥]. والقسم الثالث: أنتم وأمثالكم من المهتدين -إن شاء الله- ممن قبل شرع محمد ﷺ ، واستجاب لرسالته، وعاش على نوره ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤] وقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣].

стр. 6264

أسباب أهمية رسالة محمد ﷺ والبشرية محذرة بخطر ممنوع الاقتراب: بالعقوبة على اللامبالاة برسالة محمد ﷺ : لماذا رسالة محمد ﷺ ؟ لماذا الشريعة وحدها؟ لثلاثة أسباب: أولاً: لأنها من عند الله، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:١ - ٣] ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧]. ثانياً: لأنها كاملة، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣]. يا أيها الإخوة: قفوا لحظة، فالله تعالى يقول لرسوله ﷺ في عرفة، وهو يقف أمام البشرية، ويتحدث عن حقوق الإنسان، وعن حقوق المرأة، فينزل الله عليه ويموت بعدها بأيام ﷺ قيل: بواحد وثمانين يوماً، وقيل: باثنين وثمانين يوماً، وقيل: باثنين وثمانين يوماً، فينزل الله عليه يوم عرفة قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] يقول الله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] وهذا الرسول ﷺ يضع الحجر على بطنه من الجوع. يقول: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] وهو يسكن بيت الطين. يقول: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] وهو يلبس الثوب الممزق. يقول: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] وهو لا يجد إلا حصيراً من سعف النخل ليجلس عليه. يقول: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] وهو لم يشبع ثلاثة أيام متوالية، فما هي النعمة؟ نعمة لا إله إلا الله نعمة الرسالة والإيمان نعمة الجنة نعمة البصر والبصيرة والمنهج الرباني الخالد نعمة الاستنقاذ من السجود للوثن وللصنم وللخمر وللتهتك في حرمات الله، هذه هي النعمة حقيقة. فلما تحول الناس وظنوا أن النعمة أن تكدس البطون من الأرزاق التي قد يأكلها الثور والحمار، وأن تبنى الفلل، وأن تركب السيارات الفاخرة، وأن تسكن القصور العامرة، ثم يتولون عن نعمة لا إله إلا الله، حينها أخفقت الأمة، ملكنا الدنيا فخسرنا الدين، وقبل كان معنا الدين وكنا بالثياب الممزقة نفتح العالم. فهذا ربعي بن عامر رمحه مثلم يوم دخل على رستم وعمر بن الخطاب بردته فيها أربع عشرة رقعة ويهدد امبراطورية كسرى وقيصر ويسقطها في لحظات. ويدخل سعد بن أبي وقاص بحذاء من جلد الجمل فيرى إيوان كسرى فيقول: الله أكبر! ويقول سعد وهو يبكي: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٧]. محمود بن سبكتكين كان جيشه ألف ألف مسلم -مليون مسلم- هذا محمود يوم فتح الهند أرادوا أن يعطوه ذهباً رشوة، وقالوا: اترك البلاد، وهذه أصنام من ذهب خذها واترك بلادنا، فقال: لـ إياس! مولاه الخادم: يا إياس! ما رأيك، أنأخذ هذه الأصنام ونعود إلى بلادنا سالمين غانمين ولا نقتل ولا نقاتل؟ قال إياس: أستغفر الله! وهذا إياس مسلم وكلهم عجم لكن حملوا لا إله إلا الله. قال إياس: أستغفر الله، قال: لماذا؟ قال: أتريد أن يدعوك الله يوم القيامة يا مشتري الأصنام؟ فكسر الأصنام واذبحهم عليها، أما تريد أن يدعوك الله يوم القيامة يا مكسر الأصنام، يعني: هذا كلام لا يصلح، هذا محمود وإياس نصروا الإسلام في فترة من فترات التاريخ. فمحياه محمود، فهو يريد أن يختبر إياس. وقال محمود لملك الهند: لا والله! لأكسرن رأسك على هذه الأصنام حتى يدعوني الله يوم العرض الأكبر: يا مكسر الأصنام. فابتدأ الهجوم وكسر رءوس ملوك الهند على الأصنام وأحرقها، وفتح الهند بلا إله إلا الله، فحياه محمد إقبال بقوله: محمود مثل إياس قام كلاهما لك بالعبادة تائباً مستغفرا العبد والمولى على قدم التقى فارحم بوجهك عبد سوء في الثرى أي: أن محمود مثل إياس كلهم مولى. ويقول في القصيدة الأخرى التي يحيي فيها محمود؛ لأنه من جماعة محمد إقبال وقد كان p=١٠٠٠٥٥٣>> محمود بن سبكتكين يسجد ويبكي، ويقول: اللهم اغفر لعبدك الكلب محمود، وهي مذكورة في التاريخ، هذا من التواضع وهو يقود ألف ألف، أي: مليون مقاتل. هذا محمود يقول عنه محمد إقبال: كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا لو كان غير المسلمين لحازها كنزاً أو صاغ الحلي والدينارا والأمر الثالث: أنها نزلت على معصوم لا ينطق عن الهوى ولا يتحدث عن خواطر النفس، ولا هواجس الرأس، ولا يكون له قرار اليوم وينقضه غداً أو ينقضه بعد غد، بل يتكلم بشريعة ربانية تستمر مع الإنسان حتى يلقى الله.

стр. 6265

الفصل الثاني: خطر ممنوع الاقتراب للإنذار والتحذير الفصل الثاني: وهو خطر ممنوع الاقتراب للإنذار والتحذير، وهو خطر للمتهتكين في الحرمات المتجاوزين للحدود: ﴿تلك حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧] يقول أحد الصالحين: لا تأمن من قطع في ربع دينار يد سارق أن يعاقب من سرق أمانة ربه بأعظم من قطع اليد. يقول: لا تأمن من الله؛ فقد قطع في ربع دينار، فكيف بمن سرق دينه؟! كيف بمن سرق صلاته؟! كيف بمن سرق توجهه إلى الكعبة في اليوم خمس مرات؟! ما هي عقوبته في الآخرة؟ إذا كان ربع دينار يعاقب عليه بقطع الكف، فكيف بمن بتر دينه من أول حياته إلى أن لقي الله؟ كان من حكمة الله أن يحمي أمة الإسلام بالحدود، وهي الضرورات الخمس: النفس، والعرض، والدين، والمال، والعقل، قلت: فالقاتل يقتل والمرتد عن دينه يعدم: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٩] والزاني يرجم أو يجلد، والسارق يقطع، والشارب يجلد والمفسدون في الأرض الذين يسرقون القيم ويضيعون رسالة الله ويهدمون شرعه عقوباتهم فضيعة، إنهم أخطر ممن يسرق شيئاً من المال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣]. إن سيادة لا إله إلا الله في الأرض حتمية الوقوع، ربانية المصدر، كونية الاهتمام، أرأيتم الذين رفضوا لا إله إلا الله ماذا كانت حياتهم ومستقبلهم وعزتهم؟ فرعون يغرق لهذا السبب وحده، وقارون يخسف به، وأمة تؤخذ بالصيحة وأمة بالنسف والإبادة، وأمة بالصاعقة، وأمة بالسنين والقمل والضفادع والطوفان والجراد، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾ [الكهف:٥٩] ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد:١٣]. إن لا إله إلا الله؛ تكون أو لا تكون الإنسانية، وهذا من المبادئ الكبرى، إما أن يكون في الناس بشر مع لا إله إلا الله أو لا بشر ولا يبقى مخلوق، وتصبح النتيجة والعاقبة على هؤلاء، تبقى أو لا يبقى أحد، يعيش أو لا يعيش أحد: ﴿يا معاذ! أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ألا يعذبهم﴾ فهذا ملخص رسالة الرسول ﷺ في لا إله إلا الله. إن لا إله إلا الله أعظم من أن تفسر نطقاً باللسان كما يقول المرجئة، ما أثر لا إله إلا الله إذا كان صاحب لا إله إلا الله يزني ويشرب الخمر، ويعربد ويضيع صلاة الفجر، ما أثر لا إله إلا الله في حياته؟ إذا كان الإيمان هو إيمان المرجئة إذاً فلماذا أرسل الله الرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام؟ ولماذا أنزل الله الكتب، وفرض الحدود، وجعل الجنة والنار؟ إذا كانت المسألة كلمة تنطق في أي مكان وأي مجال ثم لا يكون لها تأثير في حياة الناس، فما فائدتها؟ إن لا إله إلا الله عقيدة وعبادة، أخلاق وسلوك، دنيا وآخرة، غيب وشهادة، أدب وفن، إعلام وسياسة، اقتصاد واجتماع: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] أما لا إله إلا الله فهي ملخص رسالة الرسول ﷺ وكل رسول بعثه الله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]. ثم على الأمة أن تعيد تفكيرها في لا إله إلا الله، وقد اكتشفت الأمة مع هذه الأحداث خواءً عقدياً هائلاً، واكتشفت أنه ليس عندها توكل، وأنها تنطق لا إله إلا الله لكنها لا تعمل بدلالتها، ولا باستشعار عظمتها، واكتشفت أنها في زحمة الأحداث كانت تعيش على الموج، فلما أتتها الأحداث وداهمتها وجدناها تحمل شبح الموت وتخاف الرعب، وتهلع وتنصرع ويود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر، وتريد الأمة ألا تلاقي عدواً ولا ترفع راية جهاد، ولا تعلن إياك نعبد وإياك نستعين من جديد، وإلا فما هي النتيجة؟ ما هي الاحتمالات التي تقع بالأمة؟ أسوأ احتمال هو الموت، أما شرع الله فلا يستولى عليه أبداً، فهذا الدين لا بد أن يبقى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. أنا أقول لمعسكرين اثنين: خطر ممنوع الاقتراب، معسكر الإلحاد والزندقة والتعدي على الشرع والمنهج الرباني، ومعسكر أهل الشهوات والمجون أهل السخف والخلاعة، اتقوا الله! خطر ممنوع الاقتراب. وإن من يقف بسيارته عند إشارة المرور تحسباً للحادث لهو أهون وأسهل نتيجةً ممن يتعدى حدود الله وينتهك حرماته، وإن نتيجته أفظع وأعظم في الدنيا والآخرة. جعلنا الله وإياكم ممن يقف عند حدوده، وممن يحترم شرائعه وممن يوقر شرعه توقيراً، ويعزر رسوله تعزيراً، ويعلم منهجه ويتبع سنته، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 6266

الأسئلة

стр. 6267

حكم من قال: إن القلب آلة تضخ الدم وليس له علاقة بالإيمان والكفر السؤال بعض الأطباء يقولون عن القلب: إنه مجرد آلة لضخ الدم، ولا علاقة له بحب ولا كراهة ولا إيمان، وإنما كل هذا عن طريق الدماء، فكيف أرد؟ الجواب لأهل العلم ثلاثة أقوال في أيها المقصود بالقلب في القرآن: أهو هذا الجسم الصنوبري مخروطي الشكل أو المقروب هذا كلقمة الإنسان أو هو الدماغ. منهم من قال: الدماغ، ومنهم من قال: القلب، ومنهم من قال: إنه شيء مشترك بين القلب والدماغ، والله ذكر القلب بالقرآن أكثر من العقول؛ لأنه المصدر، ورسول الله ﷺ ذكره وأشار إلى صدره في الصحيح وقال: ﴿ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهو القلب﴾ وهذا يدلنا على أن القول الصحيح عند أهل العلم هو من قال: إنه القلب الذي في الشق الأيسر للإنسان، وأما الطبيب فهل يعرف هل هذا هو مستودع الحب والكراهة والإيمان أم لا؟ هو يرى دماً ويرى لحماً، ولذلك هو لا يدفع عن نفسه ضراً ولا يملك لها نفعاً. فهذا الطبيب الذي يداوي الأمراض يخنق ويصرع بالموت: مات المداوي والمداوى والذي صنع الدواء وباعه ومن اشترى فهذا لا يعرف شيئاً ولا يطلع علم الغيب، وهذا شيء أكبر من عقله، وأكبر من شهادته إن الله جعل الإيمان والكفر، وهي مسألة يقولها أهل الترف اللفظي، يقولون: لو نقلنا قلب خواجة كافر إلى جسد مسلم فهل يصبح هذا المسلم كافراً؟ أو قالوا: لو نقلنا قلب مسلم إلى كافر فهل يصبح الكافر مسلماً؟ ونقول: هذه خزعبلات. فإن الله هو الذي أودع الإيمان، وليس هو في هذا اللحم والدم، وليس بنقله ينتقل الدين من شخص إلى شخص، والله تعالى قد حدد هدف هذا الإنسان محمد بذاته لا جورج بذاته.

стр. 6268

موقف المؤمن من حرب الخليج السؤال ما موقفنا الآن من الحرب بين العراق والكويت؟ الجواب موقفك الآن أن تكثر من الاستغفار: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٧] وأن تكثر من التضرع: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٣] وأن تردد حسبنا الله ونعم الوكيل، فهذا وقتها ولها طعم في أوقات الأزمات: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤]. توكلنا على الرحمن إنا رأينا النصر للمتوكلينا وموقفك أن تجدد التوبة، وأن تؤثر في الناس وأن تطالبهم أن يكدسوا الحسنات والأجور مثلما كدسوا الأرز والسكر والأسرجة والغاز في بيوتهم، وأن يجهزوا عملاً صالحاً يقدمون به على الله . موقفك أن تأمر الناس أن يثبتوا في أماكنهم ولا يفروا من الموت: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة:٨] ما قال: مطاردكم، بل أمامكم ينتظركم، والجبان يموت في اليوم ألف مرة، والشجاع لا يموت إلا مرة واحدة.

стр. 6269

الاجتهاد في رفع الرياء السؤال أنا مؤذن ولكن بعض الشباب يقول: أنت إنسان تؤذن للرياء؟ الجواب أنت أعلم بقلبك فاستفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك، ولا تأتيك هذه الهواجس والوساوس حتى تترك الأذان؛ بل اجتهد أن تخلص وتقصد به وجه الله، وما عليك من كلام الناس، فإن هذه الخطرات التي أتى بها الخرافيون، والواردات التي يناقشها مثل الغزالي في الإحياء تبطل الإنسان أحياناً من العمل، الحارث المحاسبي صاحب كتاب الرعاية دخل في الخطرات والوساوس مثل هذا الكلام وقال: من يؤمن المؤذن إذا رفع صوته أن يأتيه الرياء فيحبط الله عمله أوله وآخره؛ فترك الناس الأذان، ثم قال: من يؤمن الإنسان إذا أتى إلى المسجد فرآه الناس وقد خرج من بيته متوضئاً يريد وجه الله أن يكون يريد الدنيا بصلاته فتركوا صلاة الجماعة. فيقول ابن القيم في أول مدارج السالكين: العاقل لا يبني قصراً ويهدم مصراً مثل ما فعل المحاسبي في كتاب الرعاية فإنه لما ألفه ترك الناس المساجد، وأنا أقول: ليتك يـ ابن القيم رحمك الله تركت مدارج السالكين، ليتك صرفت هذا الجهد في كتاب أروع وأبدع منه من كتبك الرائعة البديعة الحية، وقد قالها بعض العلماء قبلي، وما أنا إلا طويلب بالنسبة لهم، فقالوا هذه الكلمة: ليته صرف هذا الجهد في كتاب آخر، إنما أقول لأنه دخل في دقائق لا يعرفها الصحابة دقائق النفس، وعذَّر لـ عبد الله بن محمد الهروي شيخ الإسلام ﵀ مع أن ابن تيمية يقول: عمله خير من علمه، ومنازل السائرين ينتقدها ابن تيمية ويجرح فيها تجريحاً مع العلم أن ابن القيم تأتي الكلمة وهي أعدل من رجل الحمار فيمسحها ﵀ ويقول: لا يريد الشيخ كذا، فأنا لا أجادل في الكتب، وإنما قصدي أن تترك الواردات هذه والخواطر والوساوس واجتهد في الإخلاص وصدق اللجوء إلى الله .

стр. 6270

حكم مفارقة العاصي السؤال امرأة ذات ستة عيال أطفال وابنة صغيرة، وزوجها يروج المخدرات، فهل يجوز لها أن تعيش معه؟ الجواب لا. عليك أن تناصحيه، فإن أعلن توبته وعاهدك بالله على التوبة وعدم الرجوع إلى ما يفعل؛ فابقي معه والحمد الله ويتوب الله على من تاب، وإن رفض خذي أطفالك واذهبي إلى أهلك وتكون القاضية حتى يتوب ويعود إلى الله؛ لأنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين.
следующие страницы →