← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

حديث اتخاذ النبي ﷺ خاتماً عن أنس بن مالك، قال: ﴿كتب النبي ﷺ كتاباً، أو أراد أن يكتب فقيل له: إنهم لا يقرءون كتاباً إلا مختوماً، فاتخذ خاتماً من فضة، نقشه: محمد رسول الله، كأني أنظر إلى بياضه في يده، فقلت لـ قتادة: من قال لك: نقشه محمد رسول الله؟ قال: أنس﴾.

стр. 6197

محل لبس الخاتم وحكم لبسه أولاً هناك مسائل: أين يلبس الخاتم؟ الصحيح عن أهل العلم من المحققين كـ ابن القيم وغيره، أن الأحاديث في لبسه باليمنى وباليسرى صحيحة، فلك أن تلبسه في يسراك ولك أن تلبسه في يمناك، وصحت أحاديث اللبس في اليمنى، وصحت أحاديث اللبس في اليسرى، وأورد ابن تيمية في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم حديثاً فيه زيادة، وصححه، هو ولا جدال في تصحيحه، وكفى به حفظاً وعلماً وهو أن الرسول ﷺ : ﴿نهى أن يلبس الخاتم إلا لذي سلطان﴾ أي: السلطان له أن يلبس الخاتم، أما غيره فمنهي عنه. وحمل هذا النهي على الكراهة، والصحيح أنه قد لبسه كثير من الصحابة وليس عندهم سلطان، لبسه أنس، ولبسه البراء، ولبسه الحسن والحسين، وغيرهم من الصحابة والتابعين، فما أظن أن في ذلك حسبما قال أهل العلم إلا الكراهة إن صحت الزيادة التي أتى بها ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم. أما خاتم الذهب فحرام على الرجال، وتدخل في الحرمة دبلة الذهب؛ لحديث علي في المسند، وعند أبي داود بأسانيد صحيحة، قال: ﴿أخذ ﷺ قطعة من ذهب وقطعة من حرير ووقف على المنبر، فقال: هذان حرام على ذكور أمتي حلال لإناثهم﴾ فالذهب والحرير حرام على رجال أمة محمد ﷺ إلا ما خصه الدليل، وبعض أهل العلم -وهي رواية عن الشافعية- على أنه يجوز للصبيان، والصحيح أنه لا يجوز للصبيان، وتجوز منه سن الذهب، فقد اتخذ عثمان ﵁ ذهباً شد به أسنانه، وكذلك عبد الرحمن بن عوف، وكثير من التابعين. وقد اتخذ ابن عرفجة أنفاً من ذهب، والتداوي بالذهب في الجسم واردٌ للضرورة ولا شيء فيه إن شاء الله، كعملية الأنف، أو عملية الرجل. أما في غيرها كالحلية والزينة فإنه حرام لا يستخدم للرجال، ولا يلبس، فإن الله حرمها في الدنيا على الرجال، وأحلها في الآخرة لهم، ومن تقلَّد دبلة من ذهب فكأنما تقلد جمرة من نار، وهي محرمة باتفاق جمهور أهل العلم وخاصة منهم المحدثين، من نصوص الرسول ﷺ في ذلك.

стр. 6198

لبس خاتم الحديد أما خاتم الحديد فالظاهر من كلام أهل العلم والذي دلت عليه الأحاديث أنه حرام كذلك، رأى ﷺ رجلاً عليه خاتم من حديد، قال: ﴿ما لي أرى عليك حلية أهل النار﴾ فألقاه الرجل، وهذا الحديث في سنن أبي داود بسند مقبول، فقال أهل الظاهر: هذا لفظ يفيد بمفهومه التحريم، فيحرم أخذ دبلة، أو حلقة، أو خاتماً من حديد. لكن الذين جوزوه -وهم طائفة قليلة من أهل العلم- استدلوا بحديث سهل بن سعد في البخاري أن الرسول ﷺ لما أتاه الرجل يخطب المرأة قال: ﴿التمس ولو خاتماً من حديد﴾ فقالوا: مادام أنه قال: خاتماً من حديد، فيكون مباحاً؛ لأنه لا يجعل المحرم مهراً، والصحيح أن هذا ليس بنص، ولا يفيد بمنطوقه أنه حكم في المسألة، لأنها قد تلبسه أو تبيعه، أو أنه جائز للمرأة وليس بجائز للرجل، فليس حكماً في هذا موطن النزاع، فيبقى على التحريم. وأما خاتم الفضة فجائز ووارد، ومباح، وهو الذي لبسه ﷺ .

стр. 6199

نقش الخاتم بآية أو ذكر لله ومن نقش خاتمه بآية أو كلام فيه ذكر الله ، فلا يدخل به الحمام، لحديث معاذ أن الرسول ﷺ ﴿كان إذا أراد أن يدخل الحمام خلع خاتمه﴾ رواه أبو داود، وهذا الحديث معلول، قيل سبب العلة: أن الزهري لم يلق معاذاً. وقيل: فيه راوٍ ضعيف فالحديث لا يصح، ويرى الإمام أحمد أن يجعل فص الخاتم في جهة الكف إذا كان فيه شيء مكتوب، وأن يقبض إذا دخلت الخلاء، ذكره صاحب المغني وغيره من أهل العلم، وورد فيه حديث هو أحسن سنداً من ذاك الحديث الذي فيه خلع الخاتم، فإن خلعه فلا بأس به على فرض صحة الحديث وللتأدب عند دخول الخلاء، وإن وضع الفص داخل كفه فلا بأس بذلك إن شاء الله. ونقش الرسول ﷺ على خاتمه (محمد) في سطر، و (رسول) في سطر، و (الله) في سطر، وكان يختم رسائله ﷺ بذلك، ويبعثها إلى الناس فيقبلونها؛ لأنها من الرسول ﷺ ، فلك أن تنقش على خاتمك آية أو حديثاً كما فعل بعض أهل العلم، ولا شيء في ذلك، والعجيب أن عمران بن الحصين كان نقش خاتمه صورة أسد كما يقول صاحب سير أعلام النبلاء: وبعضكم يتساءل: كيف يضع صورة أسد على الخاتم؟ والصحيح أن هذا من الصور الممتهنة التي لا تضر إن شاء الله فيها. لأن عائشة تقول كما في صحيح البخاري: ﴿كان لي نمرقة فيه صور، فهتكه ﷺ فجعلناه وسادتين يتكئ عليها ﷺ ﴾ فإذا كانت الصورة مما يمتهن كالخاتم أو كالوسادة أو البطانية أو ما يقاربها، فالظاهر أنه لا شيء فيها، وتعودون إلى قصة عمران فإنه فعل ذلك. والعجيب أن خاتم رسول الله ﷺ مكث معه، فلما مات أخذه أبو بكر وجعله في يده الشريفة. فلما مات أبو بكر، أخذه عمر وتقلده، تشريفاً وتكريماً وتوقيراً، فلما مات عمر أخذه عثمان وجعله في يده، وبقي ست سنوات من حياته، فوقف عند بئر أريس فسقط منه الخاتم في البئر، فأمر بنزح بئر أريس فنزح الماء فما وجدوه أبداً، فبكى عثمان وقال: الله المستعان! فبدأت المشاكل والفتن من ذلك اليوم، حتى انتهت بقتله، وارتفع السيف في المسلمين، وتقلد كثير من الصحابة خواتيم في أيديهم للسنة، وتشريفاً لهم، ومن باب الجمال، ولا شيء فيه إن شاء الله.

стр. 6200

شرح حديث أبي واقد الليثي وما يستفاد منه ثم قال البخاري: باب من قعد حيث ينتهي به المجلس، ومن رأى فرجة في الحلَقة -بفتح اللام وسكونها- جلس فيها. عن أبي واقد الليثي أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأما أحدهم فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفه، وأما الثالث فأدبر ذاهباً، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: ﴿ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فاوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض، فأعرض الله عنه﴾. هؤلاء ثلاثة نفر دخلوا والرسول ﷺ عنده حلقة في المسجد، فأما أحدهم فذهب معرضاً وهو الأخير في الترتيب، وأما الثاني فوجد فرجة في الحلقة فدخل فيها، وأما الثالث فما وجد مكاناً فاستحيا أن يذهب، واستحيا أن يزاحم فجلس خلف المجلس، ولما انتهى ﷺ من حديثه وقد لمح الثلاثة، قال: ﴿أما ذاك فاوى إلى الله فآواه الله إليه -أي: رحمه وأدخله في كنفه وفي رحمته وبره- وأما الثاني فاستحيا من الله -ثم استحيا من الناس أن يزاحم- فجلس حيث انتهى به المجلس، وأما الثالث -فغلب عليه مزاجه المريض فأعرض، فأعرض الله عنه﴾ هذا هو مفاد الحديث أو جملة ما في الحديث. أما سند هذا الحديث فيكفينا فيه النجم العلم مالك بن أنس الذي لا يسأل عن مثله، مالك الذي يقول ﷺ كما في الترمذي: ﴿يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل فلا يجدون أعلم من عالم المدينة﴾ أو كما قال ﷺ . قال عبد الرزاق: أرى أنه مالك بن أنس، رفعه الله بتقواه وبعلمه وبزهده وبورعه، وقد مر معنا في مناسبات وتحدثنا عنه. وأما الحديث ففيه قضايا:

стр. 6201

السلام على الجالسين في درس ونحوه الأولى: يقول ابن حجر: لماذا لم يُسَلَّم الثلاثة؟ لماذا لم يذكر الراوي أن الثلاثة دخلوا المسجد ما سلموا؟ لأنه يقول: دخل ثلاثة والرسول ﷺ جالس، وما ذكر التسليم، ويعتذر لهم بثلاثة أعذار: إما أنهم سلموا ولم ينقل، وإما أنهم استحيوا ورأوا ألا يقطعوا على الرسول ﷺ الحديث، فما سلموا استحياءً، وإما أنهم لم يعرفوا الحكم، أي: لم يعرفوا الحكم في أنه ينبغي ويسن أن يسلم على من في المجلس فما سلموا، وحكم هذه المسألة أنه لا بد أن يسلم على من في المجلس، فإذا أتيت وفي المجلس علم، أو في فصل، أو حلقة دراسية، أوحلقة ذكر ووعظ، فسلم عليهم بلا شك. لأن الأدلة دلت على أن السلام سنة، منها: الحديث الذي رواه أهل السنن عن ابن عمر ﵄، قال: ﴿سألت بلالاً كيف كنتم تسلمون على رسول الله ﷺ في الصلاة وكيف كان يرد عليكم؟ قال: كنا إذا سلمنا عليه بسط يده -هكذا- رداً علينا﴾ وسند هذا صحيح، ودل عليه حديث خباب كما عند الحاكم، وأصله في صحيح مسلم، من حديث صهيب أن الرسول ﷺ كان إذا سلم عليه رد، قالوا: كان يرد إما بالسبابة هكذا، وإما بالكف هكذا في الصلاة. ولا يعترض معترض بحديث ابن مسعود الصحيح، أنه يقول: كنا نسلم على رسول الله ﷺ فيرد علينا، فلما قدمنا من الحبشة سلمنا عليه فمارد علينا، ثم قال: ﴿إن في الصلاة لشغلاً﴾ وهذا الحديث صحيح، ومعناه: أننا كنا نسلم عليه فنقول: السلام عليكم ورحمة الله، فيقول ﷺ : وعليكم السلام ورحمة الله وهو في الصلاة، فنسخ هذا الحكم، وقال ﷺ : ﴿إن في الصلاة لشغلا﴾ وبقيت الإشارة، ولذلك جاء في صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: ﴿قدمت على رسول الله ﷺ المدينة والناس يصلون، فلما دخلت في الصف، سمعت رجلاً عطس في آخر المسجد، فقلت: يرحمك الله، فسبح الناس، فعطس ثانية، فقلت: يرحمك الله، فقالوا: سبحان الله! قلت: مالكم ويل أمي؟ فلما سلم رسول الله ﷺ ، دعاني رسول الله ﷺ ، بأبي هو وأمي ما رأيت معلماً ألطف ولا أرحم ولا أحلم منه! فما كفرني، ولا كهرني -كفرني: قطب في وجهي وعبس، وكهرني: أي: انتهرني- وقال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي للذكر والتسبيح وقراءة القرآن﴾. قال أهل العلم: فأما الكلام في الصلاة فهو على ثلاثة أظرف: من تكلم عامداً بطلت صلاته، ومن تكلم ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه، كأن يأتي إنسان من البادية لا يعرف الحكم، فأتى في المسجد وتكلم، وقال: كيف حالك يا شيخ وهو يصلي معه الظهر؟! فلا شيء عليه إن كان جاهلاً أو ناسياً. وكذلك إذا تفكر في دينه، فرأى أنه عليه خمسة عشر ألفاً، فقال: الحمد لله! اللهم اقض عنا الدين وأغننا من الفقر، فلا شيء عليه، أما رد السلام فيكون بالإشارة، ومن باب أولى أن يسلم على أهل الحلقات في حلقاتهم، وأهل الدروس في دروسهم، وللمعلم أن يرد السلام، وله أن يكتفي برد الناس، لأنه يكفي -كما في الصحيح- أن يرد عليهم واحد ويسلم عليهم واحد.

стр. 6202

تحية المسجد وأحكامها الأمر الثاني الذي يتساءل عنه أهل العلم في هذا الحديث: لماذا لم يذكر الراوي تحية المسجد؟ قال القاضي عياض المالكي ﵀: الوقت وقت كراهة فما صلوا تحية المسجد، وهذا فيه احتمال، وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال، وليس للقاضي عياض دليل قاطع على هذه المسألة فلا يقبل؛ لأنه يريد أن يستدل بهذا الحديث على المذهب المالكي؛ لأن المالكية يقولون: إذا دخل بعد العصر أو بعد الفجر في المسجد فلا يصل التحية وليجلس. والصحيح أنه يُعتذر لهم بثلاثة أعذار: الأول: أنها ربما لم تكن قد شرعت -قاله ابن حجر - فجلسوا. والأمر الثاني: أنهم يمكن أنهم صلوا ركعتين فما ذكرها الراوي لاشتهارها بين الناس. والأمر الثالث: ربما لم يكونوا على وضوء، دخلوا المسجد وليسوا على وضوء، ولك أن تدخل المسجد على غير وضوء، ولك أن تدخل -إذا أردت أن تجلس في المسجد أو تذاكر من غير أن تقرأ القرآن أو تصلي- لك أن تدخل على غير وضوء، لأن في سنن أبي داود بسند حسن، قال ﷺ : ﴿إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب﴾. فلما منع ﷺ من دخول الحائض والجنب المسجد، دل على أن غيرهم لهم ذلك، فمن انتقض وضوءه فله أن يدخل المسجد، وكان ابن عمر -كما في الصحيح-: ينام في المسجد. ومن نام في المسجد فقد يحدث وهو نائم، وينتقض وضوءه، فهذا دليل على أنه يجوز للإنسان أن يدخل وهو منتقض وضوءه لا أن يكون عليه جنابة، فصاحب الجنابة لا يدخل المسجد إلا عابر سبيل، يدخل من هذا الباب، ويخرج من الباب الآخر، أما أن تدخل وتجلس وأنت جنب فليس لك ذلك. وقد أورد صاحب المغني رأياً وهو: أن الجنب يتوضأ وله بعد ذلك أن يجلس في المسجد، والصحيح الأول كما قال الله : ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء:٤٣] فيعبر ولا يجلس، وكذلك الحائض من النساء، وسوف يمر معنا باب الحيض، لندرك عظمة الإسلام في حياة المرأة، وكيف عاش الإسلام معها، وكيف لبَّى طلبات المرأة، وكيف حل مشكلات المرأة، وكيف اعتنى بها، ورفع قيمتها؟! فالحائض والنفساء من النساء لا يقربن المساجد، وإنما يعتزلن المساجد، ولهن أن يحضرن مجالس العلم إذا كانت في غير المسجد، فتجلس ولو كانت حائضاً أو جنباً، لحديث أم عطية أن الرسول ﷺ أمر العواتق وذوات الخدور أن يحضرن صلاة العيد ودعوة المسلمين، ويعتزلن المصلى؛ للبركة وللمنفعة من حضور مجالس العلم، هذه قضية دخول المسجد بلا وضوء. والصحيح أن ركعتي تحية المسجد سنة مؤكدة، ولا بد من أدائها، لحديث أبي قتادة في الصحيحين، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من دخل المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين﴾ وسواء كان في وقت نهي أو في غير وقت نهي؛ لأن هذا حديث خاص، وأما الحديث العام أن الرسول ﷺ قال: ﴿لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس﴾ فهو عام في الأوقات، يخصصه حديث ذوات الأسباب، كأن نمت عن صلاة فتصليها متى ذكرتها، ولو بعد الفجر أو بعد العصر، لقوله ﷺ فيما صح عنه: ﴿من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها متى ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك، ثم تلا قوله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤]﴾. فالذي يدخل المسجد لا يجلس حتى يصلي ركعتين، ولو كان الخطيب يخطب يوم الجمعة، لحديث جابر الصحيح، قال: ﴿دخل سليك الغطفاني والرسول ﷺ يخطب الناس، فجلس، فقال: أصليت؟ قال: لا، قال: قم فصل ركعتين -وفي رواية-: وأوجز فيهما، أو خفف فيهما﴾ فأقامه ﷺ في الخطبة، فمن باب أولى أن يصلي القادم الداخل في أي وقت، وإن دخل والناس في فريضة فيكفيه دخول الفريضة، وإن دخل والناس يصلون على جنازة فيكفيه صلاة الجنازة. وإن دخل والوقت ضيق ولا يتسع له أن يصلي ثم يدخل مع الإمام في صلاة الجمعة، فلينتظر ويدخل معه في الصلاة، هذا ما يتعلق بذكر تحية المسجد في الحديث.

стр. 6203

كيفية الجلوس في مجالس العلم القضية الثالثة: استحباب التحلق: من السنة في مجالس العلم أن تكون حلقة، أي: دائرة، لكن إذا كان هناك كلفة على الناس، أو لم يتسع المكان فلا بأس أن يجلسوا صفوفاً، لأنه ثبت أن الصحابة جلسوا مع النبي حلقاً، وثبت أنهم جلسوا صفوفاً، وثبت أنهم جلسوا وبعضهم ولى بظهره إلى القبلة. بل بعض الصحابة كان في عهد أبي بكر وعمر، يسمع الخطبة وظهره إلى جهة القبلة، فإذا قامت الصلاة استقبل القبلة فليس في الأمر شيء، فهذا إن شاء الله وارد، لكن أورده ابن حجر فأحببت أن أنبه عليه. والقضية الرابعة: يقول ﷺ : ﴿فاستحيا فاستحيا الله منه﴾ فيه إثبات صفة الحياء لله ، وصرفها ابن حجر عن ظاهرها لأنه أشعري في الصفات كما يظهر، ولذلك تجدون سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز يتعقبه في الصفات في الحاشية. يقول ابن حجر: استحيا الله منه أي: رحمه ولم يعاقبه، فأوَّل الصفة، والصحيح أننا نثبت صفة الحياء لله كما تليق بجلاله لا نشبه ولا نمثل ولا نكيف، لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً﴾ [البقرة:٢٦] فلما نفى الاستحياء عن نفسه في ضرب المثل عن البعوضة، دل على أنه تعالى يستحيي من أشياء أخرى. فعلم بمفهوم المخالفة أنه يستحيي ، ولذلك ورد حديث سلمان في السنن بسند حسن، قال: يقول ﷺ : ﴿إن الله يستحيي من أحدكم إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا﴾ الله الذي خلق السماوات والأرض وخلقنا وخلق الناس أجمعين يستحيي منك أيها العبد الضعيف أن يرد يديك صفراً بلا عطاء منه. لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه من جود كفيك ما علمتني الطلبا يقول أهل العلم: في هذا الحديث فضل سد الفرجة، ووصل الصفوف، لأن هذا الأول رأى فرجة فدخل فيها، فدل على فضل من عمل هذا العمل، وهو أحسن الثلاثة عند الله قال النبي: ﴿أوى فآواه الله﴾ وآوى الأولى تنطق: بالمد، وبالقصر، والأرجح أنها بالقصر لقوله تعالى: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف:١٦] ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون:٥٠] فلكم المد ولكم القصر، والقصر أولى. ورد حديث في سد الفرجة وهو قوله ﷺ : ﴿من وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله﴾ وهو صحيح، واعلموا أن من أتى والصفوف قد اكتملت فإنه لا يجر رجلاً من الصف، والحديث الذي فيه ذلك حديث باطل، فيه السري بن إسماعيل وهو متروك، يقول الناظم: والطبراني قد روى جر الرجل فيه السري ضعفوا ما قد نقل فهو متروك ولا يصح أن يستشهد به. فلك أحد الحلول الثلاثة: إما أن تدخل مع الإمام، وإما أن تراص الصفوف مراصة، فتدخل فيها وتصلها، وإما أن تنتظر قليلاً؛ فإذا لم يأت أحد فتصل وصلاتك صحيحة، ولا شيء فيها إن شاء الله، لقوله : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] وهذا هو الموافق لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية.

стр. 6204

الأسئلة

стр. 6205

الجلوس وسط الحلْقة سؤال يقول: من جلس في وسط الحلقة هل هو ملعون؟ الجواب نعم، إذا تحلقت الحلقة وجلس وسطهم فهو ملعون، وقد صح الحديث عن حذيفة أن رجلاً جلس في وسط الحلقة، قال: ﴿قم، فإن رسول الله ﷺ لعن من جلس في وسط الحلق﴾ والحديث صحيح.

стр. 6206

حرمة الذهب والحرير على الرجال السؤال ما حكم أقلام الذهب؟ الجواب أقلام الذهب يحرم استعمالها؛ لأنها من باب الزينة، واستعمالها يدخل فيما نهى عنه ﷺ ؛ لأنه ﷺ قال: ﴿حرام على ذكور أمتي﴾ فأطلق التحريم، ولم يقيده إلا في حديث حذيفة وأم سلمة في الشرب والأكل، فعلم أن الأقلام والأزرار والساعات وما يدخل في حكمها، إذا كانت من ذهب فهي حرام على الرجال، وتدخل في الوعيد الشديد الذي ورد في حق من استعمل الذهب، فليعلم هذا بارك الله فيكم. أما الحرير: فيجوز للحاجة، لأني قلت لكم: الذهب يجوز للحاجة، وكذلك الحرير، فمن كان فيه حكة في جسمه، وقال أهل الطب: عليه ألا يلبس إلا الحرير، فله أن يلبس حريراً. ويجوز مقدار إصبعين وثلاث إلى أربع أصابع مطلقاً، ويجوز أن يكون في حاشية اللباس القليلة من إصبعين أو أقل من الحرير. أما غير ذلك فلا يجوز فإنه محرم على الرجال حلال للنساء. والسبب في حله للنساء وحرمته على الرجال؛ أن الزوجة مطلوب منها التجمل في بيت زوجها؛ لأن من أدب الإسلام للمرأة أن تكون جميلة في بيتها، وألا تستصحب الجمال إذا خرجت من بيتها، بل عليها أن تخرج في ثياب بيتها ومنزلها التي لا تجلب النظر، وتتحجب وتحتشم، ولا تتطيب في طريقها لئلا تفتن الناس.

стр. 6207

زينة المرأة وضوابطها السؤال هل المرأة التي تلبس الزينة ملعونة؟ وهل يجب عليها أن تتعلم العلم؟ وما مقدار ما تحتاجه من العلم؟ الجواب هناك آثار تدل على أن من تطيبت بقصد الفتنة فإنها ملعونة -نسأل الله العافية- فعلى المسلمة أن تنتبه لهذا الأمر، إذا خرجت من بيتها، لأن الزينة إنما هي للزوج، أما للأجانب فلا، فإن فعلت فقد انتهكت حرمات الله ، وتعدت حدود الله، ولو كان أخا الزوج؛ لأن أخا الزوج اشتهر عند الناس أنه من أهل البيت، أي: أن له الحق في أن ينظر لأنه أمين، والحقيقة أنه هو الموت كما قال رسول الله ﷺ : ﴿الحمو الموت﴾ لأنه قد يتسبب في مشاكل وفتن عظيمة، فالواجب عليه ألا ينظر إلى امرأة أخيه، ولا تنظر إليه أبداً. وهذه حالات تحدث في المجتمع كثيرة، وتسمعون عنها. فإذا اضطر الشاب أن يسكن مع أخيه أو مع إخوانه في بيت، وعندهم زوجات، فلتكن له غرفة واحدة، ويؤتى بأكله فيها، ولا يرى زوجة أخيه، ولا زوجات إخوانه، ولا يرونه أبداً؛ لأن هذا يحرم عليه. إن السلامة من سلمى وجارتها ألا تمر على حال بواديها ويجب على المرأة وجوباً أن تتعلم من العلم ما ينفعها، من أمر دينها بادئ ذي بدء، لأنه لا يطلب منها أن تفتي المسلمين، يطلب منها أن تتعلم الصلاة، وما يتعلق بالصلاة، وحق الزوج، وما يجب عليها تجاه بيتها وأطفالها، فإذا تعلمت ذلك واتقت الله فهي المؤمنة الصالحة، قال النبي ﷺ : ﴿إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها﴾ فهذه هي المرأة التي يرفع الله ميزانها يوم القيامة، وهي التي تربي الرجال. فالأم مدرسة إن أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق وللمرأة أن تحضر مجالس العلم، والذكر، وتستفيد كما كانت النساء في عهده ﷺ ، فقد حضرن مجالس العلم، وخصص لهن يوماً من أيامه المباركة هو يوم الإثنين، يلتقي بهن فيجدهن وهو المعصوم، وربما ما زحنه من حسن خلقه وكن عنده في يوم من الأيام وكن يرفعن أصواتهن، فأتى عمر فلما سمع النساءُ عمر، ابتدرن الحجاب، وكدن يتكسرن في الطريق من مخافة عمر، فقال عمر: يا عدوات أنفسكن الرسول ﷺ معكن لا تهبنه وتهبنني، ظن عمر أنها من منزلته ﵁، فخرجت امرأة عاقلة رشيدة منهن، فقالت: ﴿أنت أفظ وأغلظ من رسول الله والرسول ﷺ رحيم رءوف بالمؤمنين﴾ أو كما قالت. فكان ﷺ يجلس معهن، فمن واجب المرأة أن تحضر وأن تحرص على ما ينفعها. وأحسن ما أرشد المرأة إليه (برنامج نور على الدرب) لأن فيه الفقه في الدين، وفيه تعليم للمرأة، وأن تحرص على العلم الذي ينفعها في حياتها، فإننا لا نطلب من المرأة أن تكون مهندسة ولا طيارة، ولا جندية، ولا تظنوا أن الإسلام ينتقص المرأة، أو يحرم المرأة حقها حين يمنعها من الاختلاط، نحن في الإسلام نكرم المرأة، ونعظم المرأة، ونشرف المرأة، فنقول: تبقين في بيتك شريفة موقرة، تربين أبناءك ولك كل الحقوق كاملة. أما أن تصارع المجتمع، وتبقى سكرتيرة على المكتب، وتستقبل وتودع، فليس في الإسلام هذا، لأن الرسول ﷺ يقول: ﴿ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة﴾ أن ترأس مكتباً أو أن تكون مسئولة، فليست بمفلحة لا في الدنيا ولا في الآخرة، والذين تتولاهم المرأة هم أنقص منها حظاً ونصيباً، ولذلك ألقى السباعي محاضرة في مصر، فقال: إن الإسلام وفىَّ المرأة حقها، فقامت امرأة مصرية، فقالت: كيف وفّى الإسلام حقها، والرسول ﷺ يقول: ﴿إنهن ناقصات عقل ودين﴾. قال السباعي وكان سريع البديهة ذكياً: نعم يقول ﷺ : ﴿إنهن ناقصات عقلٌ ودين﴾ وهذا في نساء الصحابة، أما أنتن فلا عقل ولا دين، فقامت أخرى، وقالت: كيف لا تلطفون بنا في محاضراتكم؟ وكانت هذه المرأة لما قامت كانت سمينة، وقامت من آخر الحفل، وقالت: إن الرسول ﷺ قال: ﴿رفقاً يا أنجشه بالقوارير﴾؟ فقال السباعي: نعم! يقول: رفقاً بالقوارير، ولم يقل: رفقاً بالبراميل. نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يرشدنا لما يحبه ويرضاه، وأن يتقبل أعمالنا، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يأخذ بأيدينا وأيديكم لما يحب ويرضى، وأن يلهمنا رشدنا، ويقينا شر أنفسنا، وأن يتولانا في الدارين، وأن يفقهنا في دين وميراث محمد ﷺ . سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 6208

كيف نستقبل رمضان ؟ رمضان وما أدراك ما رمضان؟! إنه شهر تغلق فيه أبواب النيران، وتفتح فيه أبواب الجنان، وهذا الشهر له فضائل ومزايا ومكانة في قلوب المسلمين الموحدين. فيا ترى كيف يُسْتَقْبَل هذا الشهر الكريم؟! أيُسْتَقْبَل بالسهر في معصية الله؟! أيستقبل بالنوم والكسل؟! بماذا يستقبل هذا الشهر؟! وكيف كان حال النبي ﷺ والسلف الصالح في رمضان؟ كل هذا ستعرفه في هذا الدرس إن شاء الله.

стр. 6209

مميزات رمضان الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، أتى بالإسلام، خير من صلى وصام، وطاف بالبيت الحرام، وبنى دولة الإسلام، وكسر دولة الأصنام. عنوان هذه المحاضرة: كيف نستقبل شهر رمضان؟ مرحباً أهلاً وسهلاً بالصيام يا حبيباً زارنا في كل عام قد لقيناك بحب مفعم كل حب في سوى المولى حرام فاغفر اللهم ربي ذنبنا ثم زدنا من عطاياك الجسام لا تعاقبنا فقد عاقبنا قلق أسهرنا جنح الظلام ولهذه المحاضرة قطوف وشذور ولها عناصر: ١ - محاسبة النفس على عام انصرم، لا ندري ما الذي فعل به، إما حسنة سجلت في ميزان الحسنات، أو سيئة كتبت في ميزان السيئات. ٢ - تذكر لقاء الله ، والإعداد لذاك اليوم العظيم الذي تتفطر له القلوب من رعبه وخوفه. ٣ - اغتنام هذه النفحة الربانية، والعطية الإلهية، التي قد لا تعود على الإنسان مرة ثانية. ٤ - الإكثار من الطاعات والمسارعة في الأعمال الصالحات. ٥ - التخلي عن العادات الجاهلية والمخالفات الشرعية. ٦ - جَدْوَل المسلم في شهر رمضان، كيف يقضي شهر رمضان؟ ٧ - شذرات وقطوف مع محمد ﵊ في بستانه وروضه. من زار بابك لم تبرح جوارحه تروي أحاديث ما أوليت من منن فالعين عن قرة والكف عن صلة والقلب عن جابر والسمع عن حسن أيها المسلمون! أطل عليكم شهر مبارك، وهو فرصة ثمينة لا تقدر بالأموال، بشر به رسول الهدى ﵊، وهتفت له قلوب الموحدين، وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنان، وغلِّقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين﴾. إذا جاء رمضان تهيأت جنة الرحمن للطائعين. إذا جاء رمضان أغلقت أبواب النار ليتوب العصاة. إذا جاء رمضان صفدت مردة الشياطين، فلا يغوون عباد الله. فرمضان له مميزات عند المسلمين:

стр. 6210

نزول القرآن في رمضان أولها: أن هذا القرآن العظيم الذي بأيدينا -وهو الوثيقة الربانية التي فضحت أدمغة البشر- نزل في رمضان، نزل مرة واحدة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في رمضان. هذا القرآن الذي وقف أساطين الدنيا وهم يتحدثون عن معجزاته، فتاهوا ومزقوا وسحقوا. الشيوعية المنهارة عمرها اثنتان وسبعون سنة، أما القرآن فعمره ما يقارب ألفاً وخمسمائة سنة، وهو يزداد نوراً ويزداد عمقاً وأصالة: سمعتك يا قرآن والليل واجم سريت تهز الكون سبحان من أسرى والقرآن أنزل في رمضان، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥].

стр. 6211

رمضان شهر التقوى الأمر الثاني: أن رمضان شهر للتقوى، فالنفس تذوب في رمضان وتكف جماح المعصية، وتلجم العين، وتنكسر الأذن، فلا تسمع الخنا، فالأعواد والموسيقى تسكت في رمضان ليتكلم القرآن، والبيوت تؤسس على نقاء في رمضان، والأكباد تجوع وتظمأ للسلسبيل الذي يشربه الصائمون إن شاء الله. يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] فالسر في رمضان أنه تقوى، وأنه يثمر الخشية في قلب المسلم، وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿يا معشر الشباب! -وإنما وجه الخطاب للشباب؛ لأنهم أهل الثوب القشيب وأهل القلوب الحية، وأهل الطاقة الكامنة التي إن وجهتها إلى الطاعة أفادت، وإلى المعصية عربدت- يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء﴾ ووجاء: أشبه بالخصاء، لأنه يذوب معه البطن والكبد فلا تبقى نوازع الشر؛ لأن نوازع الشر في الدم، والشيطان يجري في الإنسان مجرى الدم، والدم إنما يغذى بالطعام والشراب، ولا يقلص الطعام والشراب إلا الصيام.

стр. 6212

رمضان شهر التوبة أيها الإخوة! ومن مميزات رمضان أيضاً: أنه شهر للتوبة فقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿رمضان إلى رمضان والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينها إذا اجتنبت الكبائر﴾ أو كما قال ﵊.

стр. 6213

محاسبة النفس على عام مضى العنصر الأول: محاسبة النفس على عام انصرم، فقد مضت سنة كاملة لا ندري ما عملنا بها، إنما علمها عند ربي في كتاب: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢] وهذا هو الخطاب العجيب! وهو الجواب الأريب الذي سُدد له موسى ﵇ وهو يتكلم مع فرعون، ففرعون الطاغية المجرم يقول لموسى: ما بال القرون الأولى؟ ما لهم لا يتكلمون، ولا يتحدثون، ولم يخرجوا إلينا؟ فرد عليهم بجواب -يقول الزمخشري: لله دره من جواب- قال تعالى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥١ - ٥٢] لأن الشعور الإلحادي والمتزندق في الساحة ينظر إلى القبور فيجدها هامدة فيقول: لا بعث، فيقول: أتيتُ القبور فناديتها أين المعظم والمحتقر؟! تفانوا جميعاً فما مخبر وماتوا جميعاً ومات الخبر لكن -والله- ليبعثرن ما في القبور، وليحصلن ما في الصدور. يقول الحسن البصري ﵀ -والكلام إليه صحيح- لما قرأ قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:١ - ٢] قال معلقاً على النفس: "لا تجد المسلم إلا لوَّاماً لنفسه، يقول: ماذا فعلت بأكلتي؟ وماذا أردت بكلمتي؟ فهو يلوم نفسه دائماً. أما الفاجر فيعربد ولا يلوي على شيء، غره منصبه ووظيفته وقصره وسيارته: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] وقال تعالى أيضاً: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] وهي حياة الإنسان يوم يبلغ مبلغ البهيمة، ويوم يسير في مسلاخ الدابة لا يرى نوراً ولا إيماناً ولا استقامة.

стр. 6214

النفوس في القرآن ثلاث والنفوس في القرآن ثلاث: ١ - نفس أمارة: وهي نفس الجاهل المعربد الفاجر. ٢ - نفس لوامة: وهي نفس المؤمن الذي يخطئ ويخلط عملاً صحيحاً وآخر فاسداً. ٣ - ونفس مطمئنة: وهي نفس المؤمن الذي يبلغ درجة الإحسان ويطمئن إلى درجة البر: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]. وآخر آية من القرآن -على القول الصحيح من أقوال أهل العلم- هي قوله : ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١] وتسمى آية المحاسبة، وآية التنقير؛ لأنها تلاحق العبد ليحاسب نفسه وينظر إلى مستقبله، وفي حديث حسن عند الترمذي عن شداد بن أوس ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني﴾ وهذه الكلمة إنما تخرج من شفاه محمد ﷺ . والناس فريقان: قوم حاسبوا أنفسهم وتزينوا للعرض الأكبر فخفف عنهم الحساب، وقوم أقبلوا بالجرائم والفواحش فسوف يرون يوم العرض الأكبر، كما قال : ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨].

стр. 6215

ابن مسعود ومحاسبة النفس في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه -وكان من المحاسبين لنفسه كثيراً- قال: [[المؤمن يرى ذنوبه كأنها جبل يريد أن يسقط عليه، والمنافق يرى ذنوبه كأنها ذباب وقع على أنفه فقال به: هكذا]] ابن مسعود هذا العلامة، داعية أهل العراق يروي عنه الإمام أحمد في كتاب الزهد: أن تلاميذه مشوا وراءه فالتفت وقال: [[عودوا، والله لو تعلمون ذنوبي وخطاياي لحثوتم على رأسي التراب]]. كيف به لو رآنا وذنوبنا وخطايانا؟! كيف به لو عاش في عصرنا وحالنا ووضعنا! كيف به لو دخل بيوتنا ورأى -والعياذ بالله- البعد عن منهج الله ؟! فبدل القرآن؛ المجلة الخليعة، وبدل التلاوة؛ نغمة فاجرة، وبدل السواك؛ سيجارة، وبدل الجلسة النبوية؛ جلسة مع البلوت إلا من رحم ربك. فهذه فرصة لهذه البيوت والقلوب والأجيال أن تعي مدلول رمضان. إن رمضان لا يقدر بالأثمان، إنه فرصتنا وذكرياتنا، انتصرنا في رمضان على الشيطان والطغيان وننتصر بإذن الله على النفس. فـ بدر والفتح في رمضان، وقالوا: حطين وشقحب في رمضان. فكانت غزواتنا دائماً في رمضان، ويسجل النصر بإذن الله للمسلمين، ولكن قبل أن يأتي رمضان، لا بد أن نقف وقفة جادة مع المحاسبة، وننظر ماذا فعلنا في هذه السجلات فإن الله يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] وقد صح عن الفضيل بن عياض الذي وعظ الخلفاء فأبكاهم -عابد الحرمين- أنه قال: "والله إني أعرف من يُعَد كلامُه من الجمعة إلى الجمعة"، قال أهل العلم: "ربما يقصد نفسه"؛ لكنه كتم أنفاسه فما أخبر باسمه ورسمه وإلا فاسمه معروف في القلوب، هو الذي يعد كلماته، لأن الله يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨].

стр. 6216

عمر بن الخطاب يحاسب نفسه وفي الصحيح أن عمر لما فاوض الرسول ﵊ في الحديبية، وقال: -في كلام طويل-: ﴿كيف نرضى الدنية في ديننا؟!﴾ أخذ عمر هذا الموقف فما نسيه من نفسه؛ لأنه ما كان يليق به ﵁ قال: [[فعملت لهذا الموقف أعمالاً]] أي: أعمالاً صالحة تكفر عنه تلك الخطايا التي هي بجانب حسناته إنما هي قطرات في بحر. وعند ابن كثير في حديث أنس بسند صحيح: [[أن عمر وقف وراء حائط وأخذ يحاسب نفسه ويقول: والله يا عمر! إن لم تتق الله ليعذبنك الله]].

стр. 6217

من مواقف العلماء في المحاسبة وذكر ابن الماجشون في ترجمة ابن المبارك عن الحسن بن عرفة من تلاميذ ابن المبارك بسند جيد قال: أتى ابن المبارك من خراسان إلى بغداد ومعه قلم استعاره من رجل في خراسان ونسي القلم على أذنه حتى دخل بغداد فرأى القلم وقال: سبحان الله! نرد القلم إلى صاحبه، ثم ركب بغلته أياماً حتى رد القلم إلى صاحبه. إن من يبلغ هذه الشفافية والمحاسبة والدقة لجدير أن ينال رضوان الله ورحمته. يقول بعضهم: "ما بال السلف يشكون الذنوب وما بال الخلف لا يشكونها". قال أحد العلماء: "مثلنا كرجل له ثوب أبيض وأسود، فإذا لبس الأسود فما عليه ما تلطخ به، فتجده ينام في المزبلة ويخرج وثوبه كما كان، ومثل السلف كمثل رجل لبس ثوباً أبيض فهو يتأثر بأي شيء، ولذلك صح عنه ﵊ أنه قال في دعاء الاستفتاح: ﴿ونقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس﴾ لأن الثوب الأبيض لا يقبل، وهذا هو مثل السلف. جاء شيخ صوفي خرافي إلى ابن تيمية وقال: "يا بن تيمية كراماتنا تفسد عندك وتنجح عند التتار، فيعجب التتار من الكرامات التي نأتي بها وأنت إذا أتينا إليك أبطلت كراماتنا. قال ابن تيمية: مثلك كفرس أبلق، والتتار كأن أفراسهم سود ونحن أفراسنا بيض، فالأبلق إذا دخل بين السود أصبح أبيض، وإذا دخل بين البيض أصبح أسود، فأنت إذا ذهبت إليهم أصبحت أبيض بما عندك من بقية إسلام؛ لأنهم معرضون، وإذا دخلت بيننا أصبحت أسود لما عندك من بدعة"، وهذا مثلنا وحالنا وقد خلطنا، لكن يقول الله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٠٢]. قال ابن عباس: [[(عسى) في القرآن للتحقيق]] فأسأل الله تعالى أن يحقق لنا ولكم التوبة، فوالله! إنا معترفون بالذنب والخطيئة، وإنا نعترف بالتقصير والندم يوم نقارن أعمالنا بأعمال الصحابة، يوم نقرأ تراجم السلف، من الصحابة والتابعين لا ننظر إلى واقعنا؛ لأن الجيل والشباب المستقيم يوم نظروا إلى واقعنا، رأوا واقعاً مزرياً فعدوا أنفسهم كأنهم من الصحابة، ولو نظروا للأخيار لنقص عندهم المقدار.

стр. 6218

تذكر لقاء الله العنصر الثاني: تذكر لقاء الله والإعداد لذاك اليوم العظيم، فلم يفطر قلوب الموحدين إلا لقاء الله، وكان عمر يقسم قسماً وقد صح عنه هذا: [[لولا القيامة لكنت غير ما ترون]] والله! ما رد كثيراً من الأقوياء من المسلمين عن بعض الأفعال إلا يوم القيامة. ويوم القيامة كان في ذاكرة السلف الصالح كالصداع، يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَد﴾ [الحشر:١٩] المهدي الخليفة العباسي، وهو جيد بالنسبة للجرح والتعديل، فهو خير من أبيه في المعتقد، وكان مترفاً، قصور هائلة وأموال طائلة وكنوز وذهب وفضة، ولكن لما جاءه الموت ما أغنت عنه قصوره، نظم فيه أبو العتاهية قصيدة رائعة رائدة، وقد أتى الموت فافترس المهدي وسقاه كأس المنون. وأتى الوزراء يحملون جثمانه، فقد أصبح جثة هامدة لا يسمع ولا يرى، يقودونه إلى حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة، يقول أبو العتاهية وهو يشيع الجثمان: نح على نفسك يا مسكـ ـين إن كنت تنوح لتموتن وإن عمرت ما عمر نوح ثم التفت إلى بنات المهدي ووجدهن يبكين -وقد كانوا في القصر- والدموع تسيل على الخدود قال: رحن في الوشي وأصبحن عليهن المسوح إلى إن قال: كل بطَّاح من الناس له يوم بطوح ستر الله بنا أن الخطايا لا تفوح كل من يبطح الرجال يبطحه الله، كان هذا الخليفة يبطح الملوك، ولكنه أتاه بطاح الملوك، الذي بيده مقاليد السموات والأرض: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣]. دس ملك الملوك في أنف فرعون الطين، وقتل النمرود ببعوضة، ودكدك سد مأرب بفأرة. كان سحبان بن وائل يفتخر عند معاوية ويقول: نحن أهل اليمن ونحن كيت وكيت، فقام له رجل من المسلمين، وقال له: اسكت! دل عليكم هدهد، وهدم سدكم فأرة، ونغص عيشكم وزغة، فلماذا تفتخرون؟! ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣].

стр. 6219

من صور تذكر الآخرة عند السلف دخل ابن السماك الواعظ على أبي جعفر المنصور، فأراد أبو جعفر المنصور أن يشكل عليه بمسألة، وكان على أبي جعفر مهابة، وهو الذي قتل أبا مسلم الخراساني، الذي قتل ألف ألف من المسلمين - (مليون) مسلم- فقتله أبو جعفر وافترسه. وقتل أبو جعفر أيضاً: عبد الله بن علي، وقتل هرثمة، والوزراء، بدَّدهم وقطَّع رءوسهم، فدخل ابن السماك والمجلس قد اكتمل، فأتى ذباب من خلق الله فوقع على أنف أبي جعفر، ضاقت به الدنيا إلا على أنف أبي جعفر فرماه بيده فطار الذباب، ثم هبط بحفظ الله ورعايته على أنف أبي جعفر مرة أخرى فطيره وهشه، فرجع على أنفه، فطيره مرة ثالثة، وتكرر ذلك، حتى أنه غضب على الذباب وأراد أن يحكم عليه بالإعدام لكنه لا يستطيع أن يصيده ولا يستطيع أن يذبحه، قال: "يا بن السماك، لماذا خلق الله الذباب؟ " قال: "ليذل به أنوف الطغاة". هذه محاضرة ابن السماك الشهيرة التي حُفِظَت له في التاريخ. وأعود إلى المهدي بن أبي جعفر. فهذا المهدي دخل مسجد الرسول ﵊ فلما رآه الناس مقبلاً قاموا جميعاً إلا ابن أبي ذئب المحدِّث فما قام، بل جلس في مجلسه، فقال الخليفة المهدي: "قام لي الناس إلا أنت يا بن أبي ذئب "، فقال: "أرت أن أقوم لك، فتذكرت قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] " قال: "اجلس والله ما بقيت شعرة في رأسي إلا قامت"، فذكَّره بذلك اليوم. ومحمد بن واسع الأزدي المحدث الكبير يقولون له: "اتكئ على اليمين أو اليسار" قال: "لا، لا يتكئ إلا الآمن، وأنا ما جزت الصراط حتى أتكئ". وقالوا عن حماد بن سلمة راوية مسلم الشهير: "ما تبسم"، والتبسم سنة، ولكن هكذا، قيل له: "ما لك؟ "، قال: "كلما أردت أن أتبسم تذكرت الميزان والصراط"، أو كما قالوا عنه، وهذه موجودة في ترجمته. وعلى كل حال يجب الاستعداد للقاء الله، فوالله ما الاستعداد للقاء الله بكثرة الأموال، ولا الأولاد، ولا المناصب؛ لكنه بالعمل الصالح: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧] وفي ترجمة سلمان الفارسي - سلمان الذي أتى بـ (لبيك اللهم لبيك) سلمان عصاه: لا إله إلا الله، وقعبه: التوكل، وفراشه: الزهد، ولحافه: آمنا بالله، وأما سجيته: فحسبنا الله ونعم الوكيل، بيته: المسجد، وإمامه: محمد ﷺ ، ومؤذنه: بلال. وأبو جهل الطاغية أشرف نسباً من سلمان لكن إمامه: إبليس، ومؤذنه: فرعون، وبيته: الخمارة، وأستاذه: الصنم، ومصيره: إلى النار، قال لـ سلمان: من أبوك؟ قال: أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم صلى سلمان إلى القبلة، فقال لسان الحال: سلمان منَّا آل البيت، وقدم روحه رخيصة في سبيل الله، دخلوا عليه في سكرات الموت فوجدوا عنده شملة وقعباً وعَصَاً، أين الدنيا -وأنت أمير العراق - قال: [[أوصانا ﷺ أن يكون قوتنا من الدنيا قليلاً -أو كما قال- وأن أمامنا عقبةً كئوداً لا يجوزها إلا المخف، وقد أكثرت من الدنيا. قالوا: غفر الله لك! وهل أكثرت من الدنيا؟! قال: نعم أكثرت. ]].

стр. 6220

أقسام المحاسبة فهذه معلومات عن السلف الصالح يوم حاسبوا أنفسهم. يقول بعض أهل الرقاق: المحاسبة على ثلاثة أقسام: القسم الأول: حساب قبل العمل: وهذا مثلٌ يذكره الغزالي وهي: أن توجه نيتك إلى العمل الذي تريد أن تفعله فتستخير الله فيه، وتسأل الله فيه القبول، وتطلب من الله أن يوفقك إليه، فهذه أول محاسبة. وابن الجوزي كانوا يقولون عنه: "إذا أراد أن يعظ الناس مرَّغ وجهه في التراب وسأل الله أن يفتح له القلوب"، فمن الذي يفتح القلوب إلا الله؟ ومن الذي يفتح البصائر إلا الواحد الأحد؟ فـ ابن الجوزي كما في طبقات الحنابلة أخبروه أن الخليفة موجود في مجلس الوعظ، فمرغ وجهه في التراب، وقال: يا رب! أسألك التوفيق والفتح، ثم قال على المنبر: ستنقلك المنايا من ديارك ويبدلك البلى داراً بدارك ودود القبر في عينيك يرعى وترعى عين غيرك في ديارك يقولون: فبكى الخليفة بكاءً عظيماً. القسم الثاني: المحاسبة أثناء العمل: والمحاسبة أثناء العمل بأن توقعه على شرطين: ١ - إخلاصٌ لله. ٢ - واتباعٌ لسنة رسول الله ﷺ . قال : ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود:٧] قال الفضيل: [[أصوبه وأخلصه: أن يكون خالصاً لوجه الله وعلى سنة رسول الله ﵊]]. القسم الثالث: المحاسبة بعد العمل: وهي أن تنظر لعملك وتستغفر الله مما شابه من رياء وسمعة، وأن تردد قوله ﷺ في الحديث الحسن: ﴿اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه﴾ وقد ذكر وكيع في كتاب الزهد بسند صحيح أن ابن عمر كان يقرأ قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] فبكى حتى كادت أضلاعه تختلف، وقال ابن عمر: [[يا ليت أن الله تقبل مني مثقال ذرة، فإن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]]]. فنسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح العمل، وأن يغفر لنا ولكم الخطايا والزلل.

стр. 6221

ضرورة اغتنام هذه النفحة الربانية العنصر الثالث: اغتنام هذه النفحة الربانية والعطية الإلهية، في حديث صحيح عنه ﵊ في المسند وغيره: ﴿أنه قام على المنبر فقال: آمين﴾ وكان منبره ﷺ ثلاث درجات، وهو منبر الهداية ومنبر النور، وهو المنبر الذي أعتق الإنسانية من رق العبودية، وكان قبل هذا المنبر الخشبي أجدادنا عبدة طاغوت، ما كان عندهم إلا سيف عنترة، وصحفة حاتم، فهم ضائعون مردة. والقوميون والوطنيون الآن يقولون: "نحن أهل تاريخ من قبل الإسلام، ما هو تاريخكم قبل الإسلام؟! إنه وأد البنات، وعبادة الأصنام، والكفر بالله الواحد الأحد، والربا، والزنا، والغِش، والخيانة، بل يبدأ إسنادنا من منبر محمد ﷺ ، منذ أن وقف على الصفا وقال: ﴿يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا﴾ أما قبله فلا شيء: تاريخنا من رسول الله مبدؤه وما عداه فلا ذكر ولا شان وهذا المنبر حنَّ لذكره ﷺ لما عزله وأخذ منبراً آخر، فأخذ الجذع يبكي من الشوق واللوعة - والحديث عند البخاري - فنزل يسكِّنه ويسكِّته. ونعود للحديث: ﴿فارتقى ﵊ المنبر، وقال: آمين، ثم قال: آمين، ثم قال: آمين﴾ وفي رواية في غير المسند: ﴿أنه ارتقى الدرجة الأولى فقال: آمين، ثم ارتقى الثانية وقال: آمين، ثم ارتقى الثالثة وقال: آمين﴾ اللهم استجب. وأحد الماجنين يقول: يا رب لا تسلبني حبها أبداً ويرحم الله عبداً قال آمينا ﴿ثم قال: أتاني جبريل فقال لي: رَغِم أنفُ امرئٍ ذُكرتَ عنده ولم يصلِّ عليك ﷺ قل: آمين، فقلتُ: آمين، ثم قال: رَغِم أنفُ امرئٍ أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخل الجنة، قل: آمين، فقلتُ: آمين، ثم قال: رَغِم أنفُ امرئٍ أدركه رمضان ولم يُغفَر له، قل: آمين، فقلتُ: آمين﴾. أيها الناس! رمضان فرصة لا تتكرر، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة عنه ﵊ أنه قال فيما يرويه عن ربه ﵎: ﴿كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي﴾ وما أحسن كلمة (لي)! ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا فنسبتنا نحن إلى الله، فنحن أمة ربانية تتصل بالله مباشرة، فيأتي البراء بن مالك في المعركة ويلتفت إلى السماء ويقول: [[يا رب! أقسم عليك أن تنصرنا هذا اليوم، وأن تجعلني أول شهيد]] فيُقتل وينتصر المسلمون. فأي أمة كانت؟! إنها أمة ربانية. ومعنى ربانية أي: أنها متصلة بالله مباشرة في قضية السؤال والاستغاثة والطلب، وأما في قضية التبليغ فيبلغها رسولها ﵊. ﴿كل عمل ابن آدم له﴾ لأن عمل ابن آدم: الصلاة، والزكاة، والحج، وغيرها يكتشفها الناس، فأنت تتوضأ أمام الناس، وتصلي مع الجماعة، وتزكي على مرأىً ومسمع من الناس، لكن الصيام من يدري عنك إذا تسترت بالحيطان، هل يكتشفك أحد وأنت بين الجدران؟ قد تشرب ماءً أو تأكل وجبةً، ولا يدري عنك إلا الله. فالصيام سر بين العبد وربه: ﴿كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، يدَع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي﴾ من أجل الله الواحد الأحد: ﴿للصائم فرحتان: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه﴾. وفي الحديث: ﴿ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك﴾ سبحانك اللهم! ما أجمل هذه العبارات! خلوف فم الصائم الذي يخرج من آثار الجوع أطيب عند الله من ريح المسك! وهذا تشريف للصائمين، ولا يناله إلا الصُّوَّام. وفي الصحيحين عنه ﵊ أنه قال: ﴿إن في الجنة باباً يُدعى: الريان، يدخل منه الصائمون، فإذا دخلوا أغلق فلا يدخل أحد غيرهم﴾ والريان للصائمين فقط يدخل منه من صام في الحياة الدنيا وجاع وظمئ لمرضاة الله ﵎. وقد سبق معنا أن الرسول ﷺ قال في الصحيح: ﴿إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وأغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين -وفي رواية-: مردة الشياطين﴾ أما الذي يصاحب العبد فهو معه، أما الشيطان المارد الغاوي فيصفد ويغل فلا يتحرك. ولذلك تجد السيئات والجرائم تقل في رمضان، وتجد كثيراً من الناس أقبلوا زرافاتٍ ووحداناً إلى المساجد يحملون المصاحف، يبكون ويندمون ويحافظون على الجماعات، وهذا طيب جميل لو أنه يستمر، لكن بعضهم يخلع جلباب الحياء يوم العيد على المسجد ويقول: إلى لقاء آخر في رمضان آخر، وهو لم يفعل شيئاً، وقد أساء كل الإساءة. فإن رب رمضان هو رب شعبان، ورب شعبان هو رب رمضان، والأيام أيام الله كلها، وهو الواحد الأحد الذي يعلم السر وأخفى. فهذه النفحة الربانية التي في رمضان قد لا تتكرر، والعمر -يا أيها الإخوة- غال عند المؤمن، ولكنه رخيص عند الفاجر. فهذا الفاجر المعرض عمر الخَيَّام شاعر الغزل والمجون، وليته غزل فحسب لكن مع إلحاد، يقول في قصيدة له تغنَّى وتنشر في أشرطة الكاسيت على أصحابها من الله ما يستحقونه: لبستُ ثوبَ العمر لم أسْتَشَر وحُرْتُ فيه بين شتى الفكر يقول: ما استشارني الله يوم خلقني، لا إله إلا الله! أيستشيرك يا حشرةً يا رِعديد؟! ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:١ - ٢]. إن الإنسان لا شيء قبل أن يخلق، وإنما هو مضغة أو قطعة لحم فإذا خلق لا يعلم شيئاً، ويسقط على الأرض قطعة لحم يحركها الله بالروح الذي ينفخها في هذا الإنسان، ثم يأتي هذا الإنسان يطلب من الله أن يشاوره قبل أن يخلقه ويفاوضه ويطلب منه: هل ينزل من بطن أمه أم لا؟ ولذلك أبو العتاهية يتكلم في هذه القضايا يقول: الطفل ينزل باكياً من بطن أمه؟ لأنه جاء في الصحيحين عنه ﵊: ﴿ما من مولود إلا ونزغه الشيطان إلا مريم وابنها ﵇﴾ فأول ما ينزل الطفل يبكي، هل سمعتم طفلاً يضحك، حتى طفل الأنبوب ما سمعنا ذلك، حتى الطفل الذي نشر في فنزويلاَّ أنه يتبسم كان خرافة، بل أول ما ينزل الطفل يبكي: ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا فهل تعلم ماذا يفعل ﵊ بالطفل؟ أول ما يفعل به ﷺ أنه يأتي إليه ويؤذن في أذنه، لا موسيقى أو صياح الهلوسة أو فلسفة المجانين والمعرضين عن الله، بل يقول في أذنه: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، ثم يتلو عليه كلمات التوحيد فتدخل هذه الكلمات حية إلى القلب مباشرة فتتمكن في السويداء، وهو مولود على فطرة التوحيد، ويأتي الأذان ليزيد التوحيد توحيداً: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] لكن علماء النفس المهلوسون يقولون: "إذا ترجرج الطفل فأعطِه موسيقى فإنه يهدأ" هل نسمعه موسيقى يا أعداء الله؟! سوَّد الله وجوهكم!! إنهم يريدون موسيقى في بلاد الإسلام، أما نحن فعندنا: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:١ - ٢] وعندنا صحيح البخاري وصحيح مسلم. ما افتُتِحت المستشفيات النفسية إلا بعد القرن السابع، في باريس وواشنطن، فلم يكن عندنا مستشفيات نفسية بل كان عندنا أوراد وأذكار وتسبيح وماء زمزم، وعندنا سجدات ودعاء، فندعو الله فيصلح -إن شاء الله- الحال؛ ولكن لما أتى ديكارت وكانت قالوا: "الموسيقى تهدئة"؛ وذلك لأنهم لا يعرفون معنى الحياة، ويتعاملون كالدواب؛ لأن الفِيَلة أصبحت في البرازيل ترقص على الموسيقى، والجِمال في السويد تلعب، فتجدها إذا سمعت العود تبدأ تراوح بين أرجلها لاعبة فأصبحوا مثلها.

стр. 6222

أهمية حفظ الوقت في رمضان إن عمر الإنسان يحاسب عليه منذ عصر التكليف، وفي صحيح البخاري عنه ﵊ قال: ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ﴾ لكن الغبن الآن عند الناس ليس في المال، فلو بحثت في شوارعهم ما وجدت ريالاً مرمياً، وأتحداك أن تمر الليلة لتجد ريالاً على رصيف أو عند باب بقالة أو نافذة، فالناس أحرص على المال من الدماء، لكن تعال إلى الأوقات، نتكلم في أربع ساعات من صلاة العصر إلى صلاة المغرب أو العشاء كلها شذر مذر، كلها شرب شاي وكلام فيما لا ينفع. ابن تيمية ألَّف كتاب التدمرية من صلاة الظهر إلى صلاة العصر، لوى رجله وليس عنده مراجع، بل مراجعه في رأسه: ﴿دعها فإن معها سقاءها وحذاءها ترد الماء وترعى الشجر﴾ ثم سل قلمه. وهل تظن أنه مثل تأليف بعض الناس؟! بل تأليف وعلم، فـ التدمرية قواعد، كتبها إلى صلاة العصر، ودرسناها في كلية أصول الدين، ورسب فيها ثلثَي الطلاب، فهذا وقت السلف الصالح. وابن عقيل كان يأكل الكعك ولا يأكل الخبز، قالوا: "مالك؟ " قال: "حسبت ما بين المسافتين وجدت ما بين أكل الكعك وأكل الخبز قراءة خمسين آية، لكن بعض الناس في هذه المسافة يردد ثلاث أغانٍِ من حفظه، أطفالنا في السابعة يحفظون عشرين أغنية ويعرف المغني وأغنيته، ويعرف الدبلجة في الغناء والفن والموسيقى وهذه الأمور، ولكنا سوف نعود -إن شاء الله- يوم أن نعرف مستقبلنا مع الله، وسوف ننتهي من هذا الدجل والخرافة. فالشيوعيون الآن يعودون إلى الله، فكيف بالمسلم الذي نشأ في البلاد الإسلامية، وشرب ماء الإسلام. وأقصد بهذا أن فرصة رمضان لا تتكرر أبداً، وعند الترمذي بسند حسن قوله ﷺ : ﴿اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك﴾ فالشباب فرصة لا تتعوض، فتجد الشاب يلهو ويلعب ويشرد عن الله، فإذا أصبح في المستشفى ذكر الله، تكسرت ظهور بعض الشباب في حوادث، ودخلت مع بعض الإخوة إليهم ووجدناهم قد عادوا إلى الله، لكن متى؟ لو عادوا وقت الصحة لكان ذلك أفضل، فقد أصبحوا يصلون وهم مكتفو الأيدي، وهم على ظهورهم، فلو صلوا وهم قيام لكان أحسن، ويبكون على تلك الساعات الغالية، التي صرفت في اللهو والعبث، فأحفاد سلمان ومعاذ وطارق وصلاح الدين أصبحوا في الملاهي. هل كان في معجم المسلمين ملاهي من صلاة العشاء إلى السحر؟ فأي أمة تقدم؟ وماذا يراد من هذه الأمة أن تفعل مع التاريخ؟ قال: ﴿وغناك قبل فقرك﴾ الأموال الطائلة التي تذهب في البنوك الربوية، في المعصية والفاحشة والرحلات الأجنبية التي تخزي أصحابها، فيصرف هذا المال إلى الخير. ﴿وصحتك قبل سقمك، وحياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك﴾. وأقول: إن رمضان فرصة لا تتكرر، فابدأ برمضان لتجعله موسماً للعبادة، علَّ الله أن يتقبل منا ومنكم.

стр. 6223

الإكثار من الطاعات العنصر الرابع: الإكثار من الطاعات والمسارعة في الأعمال الصالحات.

стр. 6224

تلاوة القرآن وأعظم طاعة -يا أيها الإخوة- بعد الفرائض هي: تلاوة القرآن، قلت وأسلفت: القرآن يحب رمضان وهو شهر القرآن. كان الإمام مالك إذا دخل رمضان أغلق على كتبه وأتى بالقرآن ففتحه. وكان السلف يجلسون في المسجد بعد الصلوات يقرءون في كتاب الله حال مرتحل، كلما انتهى من سورة الناس عاد من أول القرآن: سمعتك يا قرآن والليل واجم سريت تهز الكون سبحان من أسرى فتحنا بك الدنيا فأشرق نورها وسرنا على الأكوان نملؤها أجرا ويقول : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] وقال تعالى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]. وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿كان رسول الله أجود الناس -هذا موجز والتفصيل سوف يأتي- قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان﴾ فهي أمة عربية تفهم، أمة عاشت القرآن، ومزقت بين يدي القرآن لترفع القرآن، لكننا لَمَّا بعُد بنا الحال أصبحنا نقرأ القرآن فلا نعي كثيراً منه، وكان الأعرابي يهتز من سماع القرآن. فهذا جبير بن مطعم القرشي أقسم باللات والعزى أنه لا يدخل في الإسلام، وحاول المسلمون معه ودعوه، فأقسم وصمم ألاَّ يدخل في الدين، لكن هذا القرآن أقوى من كل شيء، فهو يخترق الصوت والزجاج، يدخل القلوب التي هي أقسى من الحديد، قام ﵊ يقرأ: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور:١ - ٢] وجبير بن مطعم خارج المسجد فسار الصوت حتى دخل أذنه وقلبه، والقرآن لا يمانع، من يستطيع منكم وهو يعي هذا القرآن أن يقول: هذا كلام بشر؟ فسمع قوله : ﴿* * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور:٣٦ - ٣٨] من يقول: إنه قول بشر؟ أتى يشق الصفوف حتى أتى إلى الرسول ﵊ وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله. قال: ﴿كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان﴾ فلن تجد أجود من محمد ﵊، وما كعب بن مامة وأجواد العرب عنده. خذ ما رأيت ودع شيئاً سمعت به في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل والله لا يبلغون عشر معشار جوده ﷺ : ﴿وكان أجود ما يكون حين يلقاه جبريل في رمضان ويدارسه القرآن﴾ وهذه عبارة لا بد أن نتأملها وأن نتأنق في معناها، كيف يدارسه؟ يجلس جبريل هنا ومحمد هنا ﵈، فيدرس هذا على هذا وهذا على هذا: ﴿كان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة﴾. وقد ذكر ابن حجر في ترجمة الشافعي أنه كان يختم القرآن في رمضان ستين مرة، وهذا سنده جيد إلى الشافعي، ولا يستغربن منكم مستغرب، يقول: يختمه في الليل مرة وفي النهار مرة، وهل هذا هو السنة؟ أنا لا أقول بذلك، لكن أورده إلى الإمام الشافعي من باب شحذ الهمم، وليست المسألة بالكثرة، بل المسألة بالتدبر والتمعن. فهذا القرآن موسمه هذا الشهر، لمن أحب أن يتزود من تلاوته، يقول ﵊ في صحيح مسلم: ﴿اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه﴾ وفي ترجمة عبد الله بن عمرو الأنصاري -وهو غير عبد الله بن عمرو بن العاص - أنه لما دفنه ﷺ ، وقف على قبره وقال: ﴿رحمك الله! لقد كنت تَلاَّء لكتاب الله﴾ ووقف على ذي البجادين فذكره بذلك ﵊.

стр. 6225

المحافظة على صلاة الجماعة ومن عبادة رمضان وهي أروع من عبادة التلاوة: المحافظة على صلاة الجماعة، وبعض الناس يركز على النوافل لكنه يهمل الفرائض، والعبادة -يا إخوتي- الصلاة جماعة، قال ابن المسيب: [[من صلى في جماعة فقد ملأ البر والبحر من البر]]. إن مصداقية المؤمن تظهر في صلاة الجماعة. فإذا أردت أن تعرف المؤمن من المنافق فانظر إليه في صلاة الجماعة.

стр. 6226

ذكر الله ومنها -يا أيها الإخوة- الذكر والتسبيح، فإن القلوب تمرض وتقسو وتصبح بعيده حتى يذوبها ذكر الله، فإذا مرضت فلا علاج لها إلا ذكر الله ولا يصرف العلاج إلا محمد ﷺ . إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحياناً فننتكس ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. فيا أهل الزجل المحبب إلى الملك! عليكم بذكر الله ، ويا أهل الكلمات النافعة الطيبة والألسنة الفصيحة! استغلوا هذا الشهر وغيره في ذكر الواحد الأحد، وفي أوراد هائلة وتسبيحات ترتفع إلى السماء: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]. كان أبو مسلم الخولاني لا يفتر لسانه من ذكر الله، قال له أحد السلف: "أمجنون أنت؟ " قال: "لماذا؟ " قال: "نراك تتمتم بلسانك بشيء ما ندري ماذا تقول"، قال: "عندي دواء المجانين"، فهو ليس مجنوناً، لكن عنده دواء المجانين، الذي يعالج به المجنون فيشفى بإذن الله. ولما تركنا تمتمة الألسن وتحريك الشفتين أصبح قطاع هائل من الناس يصابون بالصرع، حتى تجد المشايخ يبركون على الصدور ويقرءون آية الكرسي، وهذا وارد، وقد فعله ﷺ . وأقصد لماذا لا نتعالج قبل أن نقع في مثل هذا؟ لماذا قبل أن يُبرك على صدر الإنسان ويلطم على وجهه ويقال له: اخرجي يا عدوة الله وتكلمي، فإذا هي تخرج عليه وهي تتكلم بالإنجليزي -فلبينية- فعلينا أن نذكر الله بالأوراد وبالسور، ونذكره بالأحاديث قبل أن نمرض، أما نتحرى إذا مرضنا ونقول: دواؤه الرُّقْيَة، فلا. عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ومن لا يعرف الشر جدير أن يقع فيه ويحق للمصاريع أن يركبهم الجن الفلبينيين، لأنهم أصبحوا في البيت والسيارة وفي الدكان والخياطة وفي السوق فلا تجد موضع قدم إلا وفيه فلبيني، ونحن لا نستزري بأحد من الناس، لكن متى كانت العمالة الأجنبية الكافرة هي غذاء الجيل؟! ومتى كان الكافر صاحب المسلم؟! فأصبح الطفل ينشأ ويرى السائق والخادم والسائقة والخادمة والخياط كلهم من جنس آخر، فيركبه الجن نعوذ بالله من الجن ونسأل الله أن يثبتنا. لكن أهل آية الكرسي لا تركبهم الجن، فهي تحرق الجن إحراقاً، حتى الشيطان يوصي بها، فعميد وأستاذ الشياطين أوصى أبا هريرة بذلك- والحديث في الصحيحين - عندما أعطاه الرسول ﷺ كمية كبيرة من التمر ليحفظها، فأتى الشيطان إلى أبي هريرة في صورة شيخ، وأخذ من التمر، فأمسكه أبو هريرة وقال: ﴿لأرفعنك، فقال: اعف عني فإن لي عيالاً، فعفا أبو هريرة عنه، وفي الليلة الثانية جاء فأخذ من التمر، فأراد أن يرفعه، فقال: اعف عني، وأتى في الثالثة، فصمم أن يرفعه، وقال: اعف عني، وإني أخبرك بشيء إذا قلتَه لا يزال عليك من الله حافظ، قال: وما هو؟ قال: آية الكرسي، فأخبر الرسول ﷺ أبو هريرة بما حدث، فقال له الرسول ﷺ : أتدري من تحدث يا أبا هريرة منذ ثلاث؟ قال: من؟ قال: إنه الشيطان، صدقك وهو كذوب﴾ قال: صدقك هذه المرة، وهو كذاب في كل مرة، فما دام أنه جاء بها الشيطان، فهو أعرف بما يشينهم ويحرقهم. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً﴾ [آل عمران:١٩١] ويقول : ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] ويقول جل اسمه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٢] والذكر الكثير: أن تذكر الله قائماً وجالساً وعلى جنبك، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من ذكر الله بالأذكار الشرعية المأثورة فهو من الذاكرين الله كثيراً"، وقد ذكر ذلك في المجلد العاشر في وصية لـ أبي القاسم المغربي.

стр. 6227

الإنفاق في سبيل الله أيها الإخوة الكرام! ومن الطاعات العظيمة في رمضان التي يفعلها أهل رءوس الأموال والتجار وهي مواسمهم، يوم يكونون تجاراً مؤمنين مسلمين؛ الإنفاق، وإطعام الجائعين، وتقديم الصدقات؛ لأنا رأينا الكفرة النصارى والشيوعيين ينفقون أكثر -أحياناً- مما ينفق المسلمون، لكن الآن موسمكم يا أهل رءوس الأموال! الآن تفطير الصائم، وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من فطر صائماً فله مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيء﴾ أي: من أجر الصائم، مذقة لبن، أو شيء من تمر، أو قطعة خبز، يتوهم الذي يصف الأشكال والأنواع والحلو والحامض والبارد من الأطعمة أنه لا يوجد في الناس فقير. امرأة الملك الإنجليزي، عندنا تظاهر الإنجليز في لندن يريدون الخبز، وقد ماتوا من فقد الخبز، فأخذوا يكسرون زجاج القصر، خرجت من الشرفة وقالت: "لماذا لا يأكلون كعكاً أو بسكويتاً؟ لو وجدوا كعكاً وبسكويتاً لكان الخبز متوفراً، فالناس فقراء، ونعرف أن في الناس من لا يجد إفطاراً، وهذا أمر معلوم لمن كان متصدراً لأمور الناس أو إمام مسجد أو مؤذناً أو نحو ذلك من الأمور التي تناسب العامة أو تتداخل مع العامة. فالآن أتى موسم الصدقات والعطيات، فليفعلوا كما فعل محمد ﷺ ، حيث كان أجود بالخير من الريح المرسلة. يقولون: إن ابن المبارك كان يعرض سفرته من كل ما لذ وطاب ويفطر الناس ويباشر عليهم - ابن المبارك علاَّمة المسلمين، أمير المؤمنين في الحديث، وصاحب الكتب المؤلفة التي كأنها الديباج، المجاهد إذا طلبت الجهاد، والزاهد إذا بحثت عن الزهاد، والعابد إذا فتشت في صفوف العبَّاد- كان يفطِّر الناس ويباشر عليهم بالإفطار، لماذا؟! ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ [الإنسان:٨ - ١١]. ابن هبيرة الوزير الحنبلي، حج فكان يصوم في السفر، كان يطعم الناس الفالوذج ﵁ وأرضاه، ولما قحط الناس في مِنَى أو عرفة واشتد الحر بالناس وانتهى الماء رفع يديه وبكى فنزل الغيث، قال: "يا ليتني أني سألت الله المغفرة! " فرحم الله الوزير العادل ابن هبيرة وابن تيمية عندما يذكره يسميه: الوزير العادل، والإمام العلامة الحنبلي، فهذا هو ابن هبيرة الحنبلي، غفر الله لنا وله.

стр. 6228

صلاة التراويح ومن عبادات رمضان: قيام الليل، ومن أعظمها: صلاة التراويح، ذاك التضامن العالمي الهائل، يوم نجتمع صفوفاً وراء إمام واحد، يوم نتعلم الأدب والنظام، يوم نسكت لكلام الله وهو يتلى علينا في هذه الوثيقة الربانية، يوم طأطأنا رءوسنا لنسمع كلام الحق لا كلام غيره، كما تعرفون في ميدان العدل بل ميدان الظلم في موسكو يقولون: كان قبل جرباتشوف إذا قرئت وثيقة لينين نكس الزعماء الروس في الكرملن رءوسهم حتى تنتهي الوثيقة ثم يخنسون كأنهم الضفادع -عليهم لعنة الله- لكن لما جاء هذا صاحب الانفتاح سحقها بجزمته: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨]. لما رأت أختها بالأمس قد خربت كان الخراب لها أعدى من الجرب ونحن نقف خاشعين إذا سمعنا كلام الواحد الأحد، كما يقول سيد قطب عمر الله حياته في الجنة: "نحن أعلى الناس سنداً لأن الله يقول: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] ". فسندنا يأتي من جبريل إلى رب السماوات والأرض، أما سندهم فمن استالين إلى لينين إلى الشيطان إلى النار والعياذ بالله. فنحن نقف خاشعين لنسمع التلاوة في قيام رمضان، وليس قيام رمضان معناه عادة يتخذها الناس ولا تهيئات وأشواق تبث في الهواء فقط، وليست مسارح يبري الإنسان موهبته في التلاوة أو الدعاء أو يحفظ قصصاً عجيبة في الدعاء حتى إن بعضهم يجيد في الدعاء أكثر من القرآن، لكن إذا أتى الدعاء بكوا بكاءً عظيماً لأنه يحكي ملاحم مثل خطب ابن نَباتَة كأنه من كتاب بدائع الزهور في وقائع الدهور، فيقفي بالراء فيقول: اللهم يا عالم ما في الصدور، ويا غافر الذنوب ويا كاسر الظهور، ويبدأ في الراء نصف ساعة، ثم يأتي بالدال ثم بالحاء، فيذهب الخشوع ولو بكت العيون. والسلف كانوا على السجية، ولم يكونوا يتكلفون -وهذا استطراد- وقد نبه عليه بعض العلماء -أثابهم الله- لنحيا مع القرآن، وقبل عامين اهتز الحرم هزة هي خير من ألف محاضرة، إمام وقف يقرأ في سورة محمد فقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] فرفع صوته: فاهتز الحرم بالبكاء. فعِش مع القرآن خاصة إذا كان المقرئ صاحب نسك وعنده صوت جميل، فإنه التوفيق إذا حضرت القلوب الواعية. أيها الإخوة! يقول ﵊ في الصحيحين: ﴿من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه﴾ كيف إيماناً واحتساباً؟ أي: يكون مؤمناً لا يكون منافقاً ولا يكون كافراً، واحتساباً: يطلب الأجر من الله، لا رياء ولا سمعة، فبعضهم قد يأتي مجاملة في صلاة التراويح، يجامل الجيران أو الخلان أو الإخوان، فليس له إلا الخسارة والندم يوم العرض الأكبر. وفي حديث صحيح عن أبي ذر ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له أجر تلك الليلة﴾ فتبقى مع الإمام حتى ينصرف من صلاة التراويح يكتب لك أجر تلك الليلة. يا إخوتي في الله! وفي السحر ركعتان جميلتان أو أربع أو أكثر. يا إخوتي في الله! إنه وجد من الجيل من تسيب في رمضان وجعلوها لعب كرة وسوف أبين هذا في النقاط الآتية.

стр. 6229

التخلي عن العادات الجاهلية والمخالفات الشرعية فلا بد من التخلي عن العادات الجاهلية والمخالفات الشرعية، فبعض الناس تربى على عادات جاهلية حتى جعلها سنة وجعلها لوازم وكأنها فرائض، فلا يمكن أن ينتهي عنها ولا يتوب منها.

стр. 6230

الإسراف في إعداد الطعام ومن هذه العادات: الإسراف في إعداد الطعام، تعال وابحث في البيوت لترى، من صلاة الظهر يبدأ أهل البيت يصنعون الطعام، فيبدأ في المطبخ حريق، ولم يبق إلا أن يستدعى الدفاع المدني، فهذا قدر يفور، وهذا صحن يصيح، وهذا براد يولول، وأصبح البيت في همهمة! لماذا؟ قالوا: البطون جاعت، والإنسان إذا نزل في النهار ودخل السوق المركزي ظن أنه سوف يأكل ما في السوق، فعبأ الأكياس والأخراج وحمل في الأدراج ما الله به عليم، يصرف للأسرة الواحدة ما يكفي أسراً، وفي المسلمين ثلاثة عشر مليوناً مهددون بالمجاعة، ففي أفغانستان لا يجدون كسرة الخبز، وهؤلاء المجاهدون أهل الثياب المتمزقة، وأهل العزة الإيمانية الذين أرغموا وجه الكافر في التراب وردوه خاسئاً، وهم أهل الأذان في هيئة الأمم. واسمحوا لي أن أخرج قليلاً ثم أعود. كيف أذنوا في هيئة الأمم؟ حدثنا يوسف الحمدان بسند جيد "أن كثيراً من قادة المجاهدين حدثوه أن وفدهم لما ذهب إلى نيويورك مقر هيئة الأمم المتحدة، وقد دخل وفد المجاهدين أول مرة ليحضروا الهيئة العمومية لـ هيئة الأمم، فلما وفد المجاهدون المصلون المتوضئون في وفد هيئة الظلم والعمالة والخيانة، وأكل حقوق الإنسان وإرعاب الإنسان؛ وقف المجاهدون لما أتت صلاة الظهر وأوقفوا المؤتمرين وأطلق الأذان"، وقالوا: "خرج وفد إسرائيل إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم، ووفد آخر لا ندري من هو، وصلى المجاهدون والقادة. أذَّن هناك ليعلن أن المكان هناك لله ولرسوله وللمؤمنين، وأن الكافر دخيل وعميل، فأسمع تلك الهيئة الكافرة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا لم تنس إفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا كنا نقدم للسيوف رءوسنا لم نخش يوماً غاشماً جبارا وكأن لسان حال هؤلاء يقول: جرباتشوف طاردناك بالكلاشنكوف في أفغانستان، وطاردناك في هيئة الأمم بالأذان. وهذه فقط رحلة على شاطئ، وأعود بكم إلى الموضوع. قال ﵀: ومن الناس من يسرف في إعداد الطعام إسرافاً عظيماً فتجدهم لا يرضون إلا أن يملئوا النفايات بالطعام والشراب، فأين الأُسَر الجائعة؟! وأين الاقتصاد؟! يقول أهل الطب: "مَن أكثر من الأنواع أُصيب بالأوجاع". فالذي يأكل عشرين صنفاً أكثر مرضاً ممن يأكل صنفين، والسلف لم يكن عندهم مستشفيات لكن نحن في كل حارة مستشفى، وقسم الباطنية سبع غرف، حتى لا تجد في بعض المستشفيات قسم حنجرة، ولا عظام، بل كلها باطنية، الغرفة الأولى باطنية والثانية والثالثة والرابعة، وكلها مليئة ما شاء الله! وقسم الحنجرة لا تجد فيه أحداً، دكتور الحنجرة مسكين ينتظر كأنه حارس مرمَى، بينما صاحب الباطنية عرقه يتصبب في الأرض، في كل وقت يدخلون عليه رجلاً منتفخ البطن، مات شهيداً، مالَه ﵀؟ قالوا: أكل عصيدة في الظهر حارة، فلما وقعت في بطنه أصيب بإغماء، فما ندري هل قتل شهيداً أم قتل على خاتمة طيبة؟ فيشقوا بطنه فيموت، تغمده الله بواسع رحمته. يا مسلمون! قسم الباطنية مزدحم من كثرة ما أكلنا وشربنا، ما تركنا جديداً ولا قديماً ولا حديثاً إلا أكلناه، وأحياناً يدعى الإنسان إلى مأدُبة وما معه إلا أربعة وإنها لتكفي ثلاثين أو أربعين، فإلى متى هذه الطاقات هدراً وإسرافاً؟! إن الله لا يحب المسرفين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء:٢٧]. يقال: أحد الأَكَلة -ممن يأكل كثيراً- حضر إلى مأدبة فوجد الناس يأكلون، والطعام حار فرفع يده، فما وقفوا، فأخذ يبكي قالوا: "ما لك تبكي؟ " قال: "أكلتم عليَّ الطعام" قالوا: "كُل معنا" قال: "حار" وهذا البكاء لا يؤجر عليه لأنه ليس في عبادة.

стр. 6231

الإسراف في النوم ويقع الإسراف -يا أيها الإخوة- في النوم، فبعضهم يصوم وهو في الحلم، هل تدري كيف يعمل؟ بعض الشباب سل بهم خبيراًَ: يصلي الفجر ثم ينام إلى الظهر، ثم يواصل النوم على بركة من الله إلى صلاة العصر، ثم ينام من العصر إلى الغروب، فتوقظه أمه ليفطر فما أحس جوعاً ولا ظمأ ولا عاش عبادة ولا قرآناً ولا نوافل ولا تسبيحاً، يأكل التمر متناولاً كأنه أتى من القرون التي قبل الإسلام، لا حلاوةً، ولا رقةً، ولا شعوراً، ولا خلوداً، ولا طعماً لأسرار الصيام. إن أسرار الصيام معناها: أن تشعر بالجوع؛ لأن الله يقول: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] وأنا لا أقول: لا تنام؛ لكن لماذا يُعْكس البرنامج في النهار، فيصبح نوماً كله والليل سهراً، ونعود إلى عمر الخيام -عليه من الله ما يستحقه- حيث يقول: فما أطال النوم عمراً وما قصر في الأعمار طول السهر وهذا البيت يُنْشَد، وكثير من الشباب على الرصيف يصفقون لهذا البيت، وما يعلمون أن هذا البيت فيه كفر، وما قاله إلا زنديق، يقول: نم أو قم في الليل فإنه ليس وراءك إلا نوم في القبر لا بعث بعده -عليه من الله ما يستحقه- ولذلك يقول بعضهم الآن في بعض الصحافة: انتقل إلى مثواه الأخير، وليس المثوى الأخير هو القبر -كما يقول القنوي وهو ممن اتهم بالزندقة وبالتصوف- إنما المثوى الأخير: إما إلى جنة وإما إلى نار: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمْ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢]. يقول الغزالي: "من عمره ستون سنة ينام منها عشرين سنة، والتفصيل في ذلك أنك تنام في الأربع والعشرين الساعة ثمان ساعات، فإذا نمت ثمان ساعات في كل أربع وعشرين ساعة فقد نمت في الستين سنة عشرين سنة، ثم صفي من غيرها للأكل وللشرب ولدورات المياه والاغتسال، فبعضهم إذا دخل دورة المياه مكث فيها ساعتين، وبعضهم إذا اغتسل يأخذ في الغسل ساعة ونصف؛ لأن الحياة معقدة، وإذا أكثر الجسم من الترفيه تعقدت الروح، تعقيد في اللباس وتعقيد في الغسل وتعقيد في الطعام؛ وهذه هي المضرة بعينها: يا كثير الرقاد أكثرت نوماً إن بعد الحياة نوماً طويلاً وبعد النوم يقظة إلى حساب ومعاد، ثم إلى جنة أو نار، وهذه هي وقت الصيحة التي يصيح بها الملك يوم يجمع الله الأولين والآخرين.

стр. 6232

اللعب واللهو ومن الظواهر اللهو واللعب في رمضان عند كثير من الشباب، فالآن يعلن عن دورات الرياضة المكثفة إعلاناً واستعداداً لشهر رمضان، استعداد رياضة لشهر رمضان حتى يقضى في الدورات، وأصلاً ما كان هذا إلا صدَّاً عن العبادة التي يريدها الله وأنا أعرف من الشباب من يترك صلاة التراويح لأجل الكرة إلى السحر. وأنا أقول: الكرة ليست حراماً إذا أتت بضابطها الشرعي وأصلها الجائز في سنة محمد ﵊ الموافقة للنصوص، ولكن أمة محمدية تلعب الكرة من العشاء إلى السحر، أمة تريد رضوان الله تبقى مع الكرة ومع الأهداف والمرمى والأشواط إلى السحر، شباب يراد منهم أن يكونوا حملة القرآن والرسالة والنصر لهذه الأمة ودعاة وعلماء يبقون أربع ساعات مع الغبار ومع الخسران والدمار والعار، فيأتي أحدهم يصلي الفجر وقلبه كالحجر من لعب الكرة، يقرأ الإمام والبعض منهم لا يدري في أي سورة، ملطخ بالتراب على وجهه وأذنيه ثم ينام نومة أهل الكهف إلى صلاة الظهر، فأين الإيمان؟! وهل هذه أسرار الصيام؟! وقد كان الصحابة كما قال ابن القيم: في الليل رهبان وعند لقائهم لعدوهم من أشجع الفرسان إي والله! في الليل رهبان، كانت مدينة الرسول ﵊ عاصمة الإسلام تتراد بصوت القرآن والتلاوة الحية، وكانت نسمات القرآن عابقة، وكان محمد ﵊ يمر فيسمع دوي القرآن، واسألوا تفسير ابن أبي حاتم والعجوز تقرأ قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] فيسمعها النبي ﷺ ويبكي ويقول: ﴿نعم أتاني، نعم أتاني﴾ اسألوا صحيح البخاري فهذا أبو موسى يقرأ في البيت أو في المسجد وقد أوتي مزماراً من مزامير آل داوُد فيعيش معه محمد ﵊. ولكن تعال اليوم واهبط إلى الأسواق واسمع ما يدار من نغمات، وموسيقى، وغناء ماجن، وتمثيليات فاسقة، يستحي الشيطان أن ينظر إليها، وكلمات بذيئة ربتها العلمنة، وفحش في القول والفعل، وخروج على مراسم الشريعة من بعض الناس، فمتى كانت المرأة المسلمة المتحجبة تجوب الأسواق؟! ومتى كانت تعرض نفسها على الخياط السيخي والزنديق؟! إن هذا حصل يوم انطفأت معالم الرسالة، وأصبحت الأمة لاعبة، فأصبحت أمة بلوت وتريد النصر، لكن النصر على من؟! فإسرائيل أربعين سنة تهاجم العالم الإسلامي، وَعددنا مليار لكن مثل الخفافيش، والأصفار على اليسار: عدد الحصى والرمل في تعدادهم فإذا حسبت وجدتهم أصفارا وأخبر بذلك محمد ﵊ فيما صح عنه: ﴿قالوا: أمِنْ قلة يا رسول الله؟ قال: بل أنتم كثير، لكنكم غثاء كغثاء السيل﴾ فالشاب عمره ثلاث عشرة سنة ويحفظ ثلاث عشرة أغنية، ولكنه يخطئ في سورة المسد، يقدمونه يصلي بالناس فيقول: لا. لا تحرجوني بدون إحراج، لكنه في الكرة وفي البلوت وفي حفظ الأغاني جيد. وأسامة عمره ثلاث عشرة سنة، ويتولى جيشاً فيه عمر وعثمان وعلي، ثم يأتي على فرسه بعد وفاة الرسول ﵊ ليودعه أبو بكر وأبو بكر آخذ بلجام الفرس، والفرس كأنه طائرة، وأسامة كأنه أسد على الفرس، فأراد أسامة أن يهبط ليركب الخليفة، فقال أبو بكر: [[والله لا تنزل، ووالله لا أركب، وما علي أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله؟]] فكأن أبا بكر ما اغبرَّت قدمه قبلها، والله إنها اغبرَّت قدمك منذ أسلمت، لكن نحن متى اغبرَّت أقدامنا؟ ولقد غبرنا أيادينا في الأرز والكبسات، يقول الأول: سل الرماح العوالي عن معالينا واستشهد البِيْض هل خاب الرجا فينا فقال الأخير: سل الصحون التباسي عن معالينا واستشهد البَيْض هل خاب الرجا فينا غفرانك يا رب! لكن هذه الطلعات والإشراقات، وهذه الصحوة المباركة هي من تلك السلالة العظيمة من سلالة أبي بكر ومن عرين عمر ومن مدرسة أسامة: لكن أبشر هذا الكون أجمعه أنا صحونا وسرنا للعلا عجبا بفتية طهر القرآن أنفسهم كالأُسْد تزأر في غاباتها غضبا عافوا حياة الخنى والرجس فاغتسلوا بتوبة لا ترى في صفهم جنبا فالذي يسجد هنا هو الذي انتصر على العمالة والعلمنة والحداثة، وانتصر على الإلحاد والشهوة، لأنك مهاجم من كل جهة، ولكن سجدتك هنا انتصار لك، ومن لا يسجد لله فإنه يسجد لجزمته ولطاغوته وشهوته، والله المستعان!

стр. 6233

برنامج الصائم في رمضان العنصر السادس: برنامج الصائم في رمضان، وهذا البرنامج مجرد وجهة نظر واقتراح، ولكل أن يستحسن ما كان أقرب إلى الكتاب والسنة، وأن يستخير الله، لكنه مقترح، وهو خطوط عريضة أو مسارات واسعة يمكن للإنسان أن يختار منها ما يشاء. أقول أيها الإخوة: مما يعلم أن هذا البرنامج يتفق مع أوقات الصلاة؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣]. أقول: الأمر الأول: صلاة الفجر في جماعة: أول ما يبدأ به العبد: صلاة الفجر في جماعة، قال ﵊ في الصحيح: ﴿من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فالله الله لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من طلبه أدركه، ومن أدركه كبه على وجهه في النار﴾. ويقول ﵊: ﴿أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر﴾ فهم لا يستطيعونها، فصلاة الفجر محك بين المؤمن والمنافق، فأول ما يبدأ به الصائم أن يصلي الفجر في جماعة. الأمر الثاني: المكث في المسجد حتى طلوع الشمس، ثم الصلاة ركعتين: وبعض العلماء -أثابهم الله- يصححون حديث: ﴿من صلى الفجر في جماعة، ثم جلس في مجلسه يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت كعدل حجة وعمرة تامة تامة تامة﴾ والبعض يضعف هذا الحديث، ونرجو لمن يفعل ذلك الإثابة الوعدية، الموعودة من معلم الخير ﵊، وهو وقت يسير، وخاصة هذه الأيام، لكنه وقت نور ووقت غذاء للقلب ووقت فرح وسرور للخاطر، فتمكث في هذا الوقت العظيم الذي يزيدك من طاقات الإيمان ويغنيك عن كثير من التأليفات، وهذا الوقت أمره عجيب، ثم الصلاة ركعتين كما سلف. الأمر الثالث: صلاة الضحى: أقترح لإخوتي ما دعا إليه ﵊ من ركعتي الضحى، ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: ﴿أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لا أدعهن حتى أموت: وذَكَر: ركعتي الضحى﴾ أو أربع أو ست أو ثمان خاصة في رمضان، فهي أحسن ما يكون، وهي صلاة الأوابين، حين ترمض الفصال، فإذا ارتفعت الشمس في أعلى الضحى قم فتوضأ فهو وقت غفلة، الناس في متاجرهم وحراجهم وأسواقهم، وأنت تسبح الله. الأمر الرابع: الراحة للنوم: ومنها: الراحة للنوم؛ لأن كثيراً من الناس يسهر في الليل فيرتاح إلى العاشرة ثم يذهب إلى عمله أو وظيفته أو مدرسته. الأمر الخامس: صلاة الظهر مع رواتبها: ثم استقبل صلاة الظهر وصلِّ قبلها أربعاًَ وبعدها أربعاً، فقد صح عن عنبسة بن أبي سفيان أن أخته رملة - أم حبيبة - حدثته أن الرسول ﵊ قال: ﴿من صلى أربعاً قبل الظهر وأربعاً بعدها حرمه الله على النار. وفي مسند أحمد: ﴿أن عَنْبَسة هذا لما حضرته سكرات الموت كان أميراً، فبكى وتقلب على وجهه من البكاء، قالوا: ما لك؟ قال: حديث سمعته من أختي رملة ما عملت به، قالوا: ما هو؟ قال: من صلى أربعاً قبل الظهر وأربعاً بعدها حرمه الله على النار﴾ ثم صلاة الظهر، ثم صلاة أربع بعدها كما أسلفت. الأمر السادس: القيلولة: ثم القيلولة لمن استطاع أن يقيل. الأمر السابع: صلاة العصر مع راتبتيها: ثم يصلي أربعاً قبل صلاة العصر، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: ﴿رحم الله امرءاً صلى قبل العصر أربعاً﴾. الأمر التاسع: قراءة القرآن، والدعاء: وبعد صلاة العصر إلى صلاة المغرب هذا وقت القرآن، وهذا وقت الاتصال بالمصحف العظيم، ووقت الجلوس في الأدعية والأذكار، وأرى أن يخصص الوقت الأوفر لقراءة القرآن، ويبقى وقت بين المغرب وقراءة القرآن للذكر والدعاء. الأمر العاشر: إيحاءات قبل صلاة المغرب:- فإذا حل الإفطار كانت هناك إيحاءات ومشاعر فياضة، وأشواق، فمن الإيحاءات: الأول: أن انصرام هذا اليوم يذكرك بانصرام العمر. الثاني: أنه كما ذهب منك هذا اليوم فسوف يذهب عمرك من بين يديك. الثالث: أن الناس في حياتهم وحسابهم كما هم عند إفطارهم، فمقبول منه مشكور سعيه، ومتبر سعيه باطل ما عمل. الرابع: أنك تقدم يدك للإفطار وأنت جائع ظامئ الكبد، وتقول ما روي وما ذكر في السنة من الدعاء الذي ذكر: ﴿ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله﴾ وهو حديث في سنده كلام، وتدعو بما تيسر، فقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿للصائم دعوة لا ترد﴾ وأحسن دعوات الصائم قبل أن يأكل شيئاً وقبل أن يشرب شيئاً؛ لأنه في حالة من الانكسار والعوز والذلة والخشوع والمسكنة، فيرفع كف الضراعة في صلاح نفسه، وقلبه وأسرته وأهله ومجتمعه، ثم يأكل ما تيسر من الرطب، وقد ورد في الحديث: ﴿فإن لم يجد فتمر فإن لم يجد فماء﴾ سبحان الله! أي سر في هذا الدين! ولماذا التمر؟! لقد اختاره ﵊ وهو طعام الحامل يوم تضع ولدها، فهو أحسن شيء، وهو ما فعله ﵊ يوم حنك الأطفال، فأول ما يولدون، وقبل أن يشربوا لبناً أو يذوقوا شيئاً كان يحنكهم ﵊ بالتمر فيتلمظونه. وقد أتى أنس بأخيه من أم سليم وهو طفل صغير ما رضع، فحنكه ﵊ بالتمر، فأخذ يتلمظ الطفل فتبسم ﵊، وقال: ﴿انظروا إلى حب الأنصار للتمر﴾ فالتمر فيه سر عجيب، يقولون: البطن الخاوي أحسن ما يصادفه الحلو، فإن لم يجد فماء. الأمر الحادي عشر: صلاة المغرب مع راتبته: ثم يصلي المغرب مع راتبته. الأمر الثاني عشر: العَشاء: ثم يعود فيأخذ ما تيسر ولا يجحف إجحافاً عظيماً، فإن بعض الناس يأكل أكلاً ذريعاً، فيأتي إلى التراويح وكأنه مصاب ببنج، حتى أن بعضهم يصلي العشاء وبعض التراويح وهو جالس؛ لأن بينه وبين أضلعه مخلاة -الله أعلم بها- قد عبئت بأنواع الأطعمة والأشربة ومن السوبر ماركت مباشرة، فلا يستطيع أن يصلي، حتى يقال: إن بعضهم يشرب من هذه الشربة حتى لو غمز بمسمار في قدمه لخرجت الشربة من أذنه. وعلى كل حال التخفيف وارد؛ ليستطيع أن يواصل الإنسان العبادة، ثم يكمل بعد العِشاء، ومن جرب عرف. الأمر الثالث عشر: صلاة العِشاء وراتبتيها، والتراويح: ثم يصلي مع المسلمين العِشاء وراتبتيها، وليحافظ على التراويح. يا أيها الإخوة! التسيب في صلاة التراويح ليس بجيد، خاصة من طلبة العلم والأخيار، بل يقفون وراء الإمام حتى يقضي الصلاة ويكثرون من الدعاء والاستغفار؛ فإن دعاءهم مع المؤمنين أعظم من دعائهم وحدهم. الأمر الرابع عشر: السمر مع الأهل وزيارة الأحبة:- ثم يعودون للسمر مع الأهل أو زيارة الأحبة ولو ساعة أوساعتين. الأمر الخامس عشر: النوم:- ثم أحبذ أن ينام المسلم ولو ساعة في الليل، فنوم الليل لا يعوضه شيء، والله قد جعل الليل لباساً والنهار معاشاً، ولذلك أثبت الطب هذه الآيات البينات بل أتى بما يوافقها، ونحن نأخذ بالآيات ولو خالفها الطب، لكن قالوا: إن الخلايا لا تنام في الضوء، ولذلك إذا أرادوا أن ينوِّموا رجلاً في المستشفى أغلقوا النوافذ والنور، فجعل الله هذا الليل هدوءاً للجسم ليرتاح ويهدأ، فسبحان الله الحكيم بعباده! وسبحان الذي جعل النهار نشوراً! الأمر السادس عشر: الصلاة والدعاء قبل الفجر:- ثم يستيقظ قبل الفجر فيصلي ما تيسر: ركعتين، أو أربعاً، ويدعو ويستغفر. الأمر السابع عشر: السحور:- ثم يتسحر فقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿تسحروا فإن في السحور بركة﴾ فالسحور بركة، و: ﴿فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر﴾ ثم يَكُفُّ عن السحور قبل أذان الفجر ولو بمقدار خمسين آية؛ لحديث زيد بن ثابت في صحيح البخاري في ذلك. الأمر الثامن عشر: الاستغفار والتهيؤ لصلاة الفجر:- ويبدأ يستغفر ويتهيأ لصلاة الفجر. فإذا فعل ذلك فإن حياته وصيامه مقبول بإذن الله. فهذا برنامج مقترح وهو يقبل التعديل من أصحاب الخبرات وأهل التجارب.

стр. 6234

شذرات وقطوف العنصر السابع: شذرات وقطوف.

стр. 6235

انتصار المسلمين في بدر ففي رمضان انتصاراتنا -كما أسلفت- فيوم بدر وقع في السابع عشر من رمضان، يوم تجلى الله للصحابة وقال: ﴿اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم﴾ يوم قدموا دماءهم رخيصةً في سبيل الله، يوم ركزوا علم الحق الذي بقي إلى الآن وسوف يبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يوم كتبوا لا إله إلا الله في الأرض، وكان ذلك في رمضان، يقول ﷺ : ﴿يا أهل بدر! والله ما بينكم وبين الجنة إلا أن يقتلكم هؤلاء﴾ فيأتي عمير بن الحمام؛ لأن الرسول ﷺ أفطر هو وأصحابه في ذلك اليوم، فيرمي بالتمرات ويقول: [[والله! إنها لحياة طويلة إذا بقيت حتى آكل هذه التمرات]] ثم يقاتل حتى يقتل فإلى رحمة الله.
следующие страницы →