← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

الأسئلة

стр. 6302

من صلى بغير وضوء ناسياً السؤال يقول: رجل صلى في المسجد ثم خرج وتذكر أنه على غير طهارة هل صلاته صحيحة أم يعيدها؟ الجواب بل يعيد الصلاة وجوباً وصلاته تلك باطلة، وما دام علم أنه صلى بلا طهارة وجب عليه أن يعيد صلاته؛ لقوله ﵊ عند البخاري من حديث أبي هريرة: ﴿لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ﴾.

стр. 6303

كتب تميز الحق من الباطل السؤال نريد أن تعرفنا على كتب في الساحة تعرفنا العدو من الصديق، وبعض الدواوين لشعراء الإسلام؟ الجواب من الكتب التي تعرفك العدو من الصديق، أولها: كتاب الله ، الفرقان، والنور، والهداية، والروح، والحياة، والرسالة الخالدة، هذا الكتاب العظيم الذي من استكفى بغيره فلا كفاه الله، ومن استشفى بغيره فلا شفاه الله، ومن اتبع سواه أضله الله، ومن طلب الهداية في غيره أعمى الله بصيرته وخذله ولعنه، فعليك بكتاب الله. أما ما يتعلق بأمور الحوادث والأفكار المستجدة: فإني أرشدك إلى كتاب طيب لعالم وداعية غفر الله ذنبه لـ سيد قطب في ظلال القرآن، فإني أطلب منك أن تقرأ كثيراً في هذا الكتاب، لأن هذا الرجل قرأ ثقافة الشرق والغرب، فقد بقي أربعين سنة يقرأ حتى عرف ماذا كتب الغرب. يحدثنا أحد الأساتذة يقول: أرسل رجل انجليزي يحضر الدكتوراه في التفسير -مستشرق في التفاسير الإسلامية- واشترطت عليه اللجنة في لندن أن يقرأ كل التفاسير إلا تفسير في ظلال القرآن لـ سيد قطب، وأحب شيء إلى الإنسان ما منع الناس، فهم مجبولون على حب الممنوع. يقول علي بن أبي طالب: [[لو منع الناس من فت البعر لفتوه]] يعني: جبلة فينا، فذاك أخذ في ذهنه! لماذا منعوني من الظلال لـ سيد قطب؟ لا بد أن ذلك لشيء، ولما وصل إلى القاهرة بحث عن الظلال، وأخذ يقرأ فيه حتى وصل إلى سورة الأنفال، ثم أعلن إسلامه، هو سيد قطب إذا أتى إلى ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ:١] لا يقول: (عن وما) هذا علم النحو لا بد منه وكفى فيه السلف، لكن يتكلم عن تجربة، وعن حياة، رجل ذهب إلى موسكو وذهب إلى دنفر وعرف الحضارة وشمها وأكلها وشربها وعاشها، فهو يتكلم لك بحرارة الإيمان، ويكتب من دمه، فيرد على مفكري الغرب، ويتكلم عن قضية الإيمان ودوره في الحياة، ويدخل معك حتى في جزئيات العلوم التي مهروا فيها، أتى في آية ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] فذكر كلام كريسي موريسون في النحلة من يهديها، أعندها أريال؟ يقول الأمريكي: لماذا تذهب النحلة مسافة ألف كيلو ثم تعود إلى الخلية، من يخبرها؟ قال سيد قطب: ليس عندها أريال ولكن عندها ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل:٦٨] رجل ينطلق من القرآن، وأنا أعرف له قضايا. وميزة الظلال ثلاث أمور: أولاً: الأسلوب الجميل البديع، يقول في سورة محمد عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:١] قال: هذا هجوم أدبي على المشركين، يقول في قوله : ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية:١٨] قال: أفلا ينظر أهل الصحراء إلى السماء؟ والسماء في الصحراء لها طعم ومذاق، فكأنه لا سماء إلا في الصحراء. الميزة الثانية: أنه رجل كما قلت عرف الواقع. الثالثة: أنه رجل يحمل روحه بين يديه أمام الطغاة، يقولون له: اكتب رسالة اعتذار لـ جمال عبد الناصر ليعفو عنك؟ قال: " إن إصبعي التي شهدت لله بالوحدانية كل يوم خمس مرات تأبى أن تكتب لطاغية، إن كنت أقتل بباطل، فأنا أكبر من أن أستخذل الباطل، وإن كنت أقتل بحق؛ فأنا أصغر من أن أعترض على الحق ". وقتل وهو يتبسم. يا شهيداً رفع الله به جبة الحق على طول المدى سوف تبقى في الحنايا علماً قائداً للجيل رمزاً للفدا ما بكينا أنت قد علمتنا بسمة المؤمن في وجه الردى لكن أقول لك يا من يقرأ الظلال! لا تظن أنك أمام كتاب عقيدة، العقيدة تجدها في الطحاوية وكتب ابن تيمية؛ لأن الرجل لا يريد أن يعطيك عقيدة يريد أن يحدثك بأشياء وخواطر وظلال وأسرار الله أعلم بها، وكذلك لا يحدثك عن الأحكام، اذهب إلى ابن كثير والقرطبي. الأمر الثالث: ربما توقف في بعض المسائل على عقيدة الأشاعرة ونحن نقول: غفر الله له ﴿وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث﴾ دعها سماوية تجري على قدر لا تفسدنها برأي منك منكوس جمعنا الله به في دار الكرامة، وتغمدنا وإياكم بالرضوان، وشكر الله لكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 6304

أربعة أمور مهمة تحدث الشيخ في هذه المحاضرة عن أربعة أمور: أولها: القرآن الكريم وحالنا معه، وواجبنا نحوه. ثانيها: الرسول ﷺ وواجبنا تجاهه. ثالثها: الوقت واستغلاله وعدم تضييعه فيما لا ينفع. رابعها: المعاصي وخطرها، وأثرها على المجتمع، والتخلص منها بالتوبة والرجوع إلى الله تعالى.

стр. 6305

علاقتنا بكتاب الله اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثل ما نقول. لك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بمحمد ﷺ . عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت. والصلاة والسلام على من أرسلته معلماً للبشرية، وهادياً للإنسانية، ومزعزعاً لكيان الوثنية. أدَّى الرسالة، وبلَّغ الأمانة، ونصح الأمة، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، سلام عليكم يوم تواضعتم واجتمعتم منصتين لتسمعون ماذا يُقال، وسلام عليكم يوم حييتم من أتاكم زائراً ومحباً. وإن كان هناك من شكر فإني أتوجه بالشكر إلى الله العلي العظيم، الذي وفقنا لأن نجتمع بهذه الوجوه المباركة الخيرة النيرة، ثم أشكر أستاذ ومدير هذه المدارس الأستاذ الكريم: محمد الزيداني، وهيئة التدريس، وأشكركم أيها الإخوة الأخيار. واعلموا -بارك الله فيكم- أن موضوعنا ليس بجديد، إنه قديم في الأخوة وقديم في العراقة في النصوص، لكنه جديد في الإلقاء، وتدور هذه الكلمة على أربعة عناصر لا خامس لها، هي مفاد كلمة هذا اليوم إليكم أيها الأخيار: العنصر الأول: علاقتنا بكتاب الله . العنصر الثاني: المعاصي التي دمرت علينا مستقبلنا، وضيعت أعمارنا، وذكاءنا، وأفكارنا، وإنتاجنا، وجعلت منا تلك الثلة التي انحرفت عن منهج الله تعالى. العنصر الثالث: الوقت وحياتنا وأعمارنا في ماذا نصرفها. العنصر الرابع: موقفنا من الرسول ﷺ .

стр. 6306

حالنا قبل الإسلام اعلموا -بارك الله فيكم- أننا كنا قبل القرآن، وقبل محمد ﷺ ، أمة أعرابية بدوية، لا تعرف شيئاً، كانت تتقاتل على موارد الماء، وكانت تتنازع، كان الزنا والفحش والعهر متفشياً، حتى إن الأمم غير أمة الإسلام -كما تعرفون في التاريخ- ما كانت تعرف الإسلام، وما كانت تعرف الأمة العربية، ولو قال أهل القومية: إن تاريخنا بدأ من فجر البشرية، فما صدقوا في ذلك؛ بل كذبوا، لأن تاريخنا ما بدأ إلا من رسول الله ﷺ ، فلذلك أثبت التاريخ أن الأمم لم تكن تعترف بنا. دخل ربعي بن عامر على رستم قائد فارس في معركة القادسية، فلما دخل ربعي -وهو مجاهد من المجاهدين- بثياب ممزقة، وبفرس هزيل، وبرمح مثلَّم، ضحك رستم، لأن ربعياً أرسله سعد بن أبي وقاص ﵁ قائد المسلمين، أرسله يفاوض رستم، وقبل المعركة، قال رستم: لماذا جئتم؟ أجئتم تفتحون الدنيا بهذا الفرس الهزيل، وهذا الرمح المثلم؟ قال ربعي: [[إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]]. قال رستم: والله لا تخرج حتى تأخذ تراباً على رأسك من تراب بساطي. فحمل التراب على رأسه، ولما خرج من عنده، قال المنجمون: هذه علامة أنه سوف يسلب ملكك وملك آبائك وأجدادك. فخرج رستم ينظر إلى المسلمين وهم يصلون صلاة الظهر، فوجدهم يركعون بعد سعد ﵁ ويرفعون بعده، إذا قال: الله أكبر، كبروا بعده، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، قالوا: ربنا لك الحمد. فعض رستم الكلب أنامله وقال: علَّم محمد الكلاب الأدب. كانوا يتصورون أن العرب قبل الإسلام كالكلاب، لم تكن لهم حضارة ولا معرفة ولا أدب، حتى يقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] فأتى ﷺ بالقرآن.

стр. 6307

واجبنا تجاه القرآن ومطالب القرآن التي تتجه إلينا ثلاثة مطالب: الأول: أن نعده أعظم ثقافة عرفتها البشرية، وأن نقرأه آناء الليل وأطراف النهار. الثاني: أن نحفظ ما تيسر منه. الثالث: أن نجعله تعاليم سلوكية أدبية اجتماعية، نعمل بها ونلقى الله بها. يقول ﵊: ﴿اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه﴾ ويقول: ﴿اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان كغيايتين أو غمامتين أو كفرقان من طير صواف﴾ أو كما قال ﷺ . وكان ﷺ يجلس مع تلاميذه الأخيار، الذين تأثروا بالقرآن، فيقول: ﴿أريد أن أسمعه من غيري﴾ يقول هذا لـ ابن مسعود، وكلكم يعرف ابن مسعود، ولستم أنتم فحسب في أبها يعرف ابن مسعود، بل يعرفه أهل الجزيرة العربية، ويعرفه أهل الدول العربية، وأهل الشرق الأوسط، ومسلمو اليابان والصين وأمريكا، كلهم يعرفون ابن مسعود؛ لأن ابن مسعود اتجه بهذا القرآن ورفع الله قدره بالقرآن، كانت قامة ابن مسعود على قدر جلوس الرجل، أي أنه يوازيك وأنت جالس برأسه، من نحافته ومن هزاله وضعفه، لكن القرآن لما دخل قلبه جعله أمة من الأمم، حتى إن الصحابة عندما صعد شجرة ﵁، ضحكوا من دقة ساقيه، كاد أن يسقط على غصن من أغصان الشجرة كأنه طائر، فقال ﷺ : ﴿أتضحكون من دقة ساقيه، والله إنهما في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد﴾ يقول ﷺ لـ ابن مسعود: ﴿اقرأ علي القرآن. فيقول ابن مسعود: يا رسول الله! أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟! -يستحي أن يقرأ على معلم البشرية، وهادي الإنسانية، يستحي أن يقرأ القرآن على من رفع رءوسنا بعد أن كانت في التراب، وأنار قلوبنا بعد أن كانت مطموسة، وفتح عيوننا بعد أن كانت مغلقة- فقال ﷺ : إني أحب أن أسمعه من غيري، فاندفع ابن مسعود يقرأ، قال: فلما بلغت قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] قال: حسبك الآن، فنظرت فإذا عيناه تذرفان﴾. تأثر أيما تأثر بهذا القرآن، ولذلك ليس لنا ثقافة نقدمها، ولا تاريخ نقدمه، ولا معرفة ولا تربية، ولا علم نفس نقدمه على القرآن. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من ظن أنه سيهتدي بهدىً غير هدى القرآن، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين". ويقول: "كل أرض لم تشرق عليها شمس القرآن فهي أرض ملعونة، وكل قلب لم يشرق عليه هدى هذا القرآن، فهو قلب مغضوب مسخوط عليه". فأنت أيها الأخ الكريم! إذا غربت عليك شمس يوم لم تقرأ فيه آيات أو لم تعش فيه مع المصحف، أو لم تتدبر فيه آيات، اعتبر ذلك اليوم منسياً من عمرك، وأنك خسران مغبون في هذا اليوم، لأن ثقافتنا نأخذها من القرآن. يقول سيد قطب، صاحب ظلال القرآن، هذا الكتاب الذي أرشدكم لاقتنائه وشرائه، الذي يعلمك حياة الواقع وكيفية ردها إلى القرآن الكريم، صاحب هذا الظلال عاش أربعين سنة في الضلال، أي: في الضياع كما يضيع الكثير منا الآن، يضيعون ويتيهون بلا رسالة، في الشوارع، في الذهاب والإياب، في المقاهي، مع جلساء السوء، لا يعلمون أنهم من خير أمة أخرجت للناس، لا يعلمون أن أجدادهم فتحوا الدنيا، وأنهم عمروا التاريخ، وأنهم بنوا منابر الحق، سلوا كل سماء عنا، وسلوا كل أرض في الأرض عنا، ما أوجد العدل في الدنيا إلا أجدادنا، فهذا الشاب الذي يضيع كأنه يتناسى ويكذب ما فعل أجداده. سيد قطب يقول: "عشت أربعين سنة في الضياع، فلما عدت للقرآن؛ تهولت من القرآن أن يخاطبني من فوق سبع سماوات، من أنا؟ العبد الضعيف المسكين، قال: وكنت أقرأ أن الصحابة يتأثرون ويبكون من القرآن، فما شعرت بذلك حتى سافرت مرة من المرات، يقول: سافر في سفينة من مصر إلى أوروبا، قال: وكان معي شباب من العرب يريدون أوروبا، فركب معنا جاريات، منهن جارية يوغسلافية، فرت من يوغسلافيا، قال: فلما أتت صلاة الجمعة، قمت فصليت بزملائي، وقرأت بعد الفاتحة: (سبح اسم ربك الأعلى) و (هل أتاك حديث الغاشية) فلما انصرفت من الصلاة، التفت فإذا هذه المرأة اليوغسلافية التي لا تعرف اللغة العربية تبكي، فقلت للترجمان حولي: ما لها تبكي؟ فقال: إنها تبكي لأنها سمعت إيقاعاً منك خاصاً، أثر في قلبها -إيقاعاً من القرآن- فهي تسألك كلام من هذا؟ قلت: أخبرها أنه كلام رب السماوات والأرض، فلما أخبرها قال: زاد بكاؤها بكاءً ونحيبها نحيباً". ثم يورد سيد قطب، قصة الرسول ﷺ مع الصحابة، يقول: كان من هديه ﷺ وهذا ثابت في الحديث الصحيح، كان يدور على أصحابه من آخر الليل، ﷺ ؛ ليسمع من يقرأ القرآن، فاستمع مرة من المرات إلى عجوز تقرأ وراء الباب، فوضع ﷺ رأسه على الباب، فسمع العجوز تقرأ وتبكي وتقول: ﴿هل أتاك حديث الغاشية، هل أتاك حديث الغاشية، وترددها فأخذ يبكي ويردد معها ويقول: نعم أتاني، نعم أتاني﴾ لأنه يعرف ﵊ فيم أنزل هذا القرآن، ومن أنزله. فالذي أدعو نفسي وإياكم يا شباب الإسلام! يا أيها الأخيار! يا أيها الأحبة! لأنكم أنتم أمل الأمة؛ أن تجعلوا وقتاً من أيامكم لهذا الكتاب الكريم، واعتبر يومك إذا لم تقرأ فيه القرآن؛ أنه يوم ضائع مغضوب عليه. يقول الحسن البصري ﵀: [[كل يوم تشرق فيه الشمس يقول لابن آدم: اغتنمني يا بن آدم، فوالله لا أعود إليك أبد الدهر]].

стр. 6308

الفساد وأسبابه ولذلك نعجب كيف ساءت أخلاقنا، وكيف فسدت بيوتنا، وكيف فسد شبابنا، لماذا؟ لأننا أخذنا تعاليمنا من غير القرآن، أخذناها من المجلة الخليعة، من الأغنية الماجنة، من جلساء السوء، حتى إن أحدهم يعرف المغنين والمغنيات، والفاجرين والفاجرات، الأحياء منهم والأموات، ولا يعرف حياة صحابة محمد ﷺ ، الذين فتحوا الدنيا، وعمروا المعمورة، ونوروا عقول البشرية، وحتى إن أحدنا لا يتحاشى أن يحفظ الأغنية، بحروفها وبلحنها وبطولها وعرضها وقصائدها، ومن لحنها ومن أنتجها، ولا يحفظ سورة من كتاب الله . أي خيبة وصلنا إليها بعد تلك الخيبة، وأي حسرة وصلنا إليها بعد تلك الحسرة، بعد حياة كنا فيها أرقى الأمم، حتى إن الصحابي كان يقف عند الرسول ﷺ ، الشاب مثلكم أنتم، كان يأتي في معركة أحد فيقول: يا رسول الله! إنني ذاهب إلى الجنة، والله لا أعود، جزاك الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. يأتي عبد الله بن عمرو الأنصاري، فيستشهد ويقطع بالسيف أمام الرسول ﷺ ، فيأتي ابنه يبكي، فيعزيه النبي ﷺ : ﴿إن الله كلم أباك كفاحاً -أي: بلا ترجمان- فقال له: تمن يا عبدي! قال: أتمنى أن أعاد إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية. قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فتمنَّ. قال: أن ترضى عني فإني قد رضيت عنك. قال: فإني أحللت عليك رضواني لا أسخط عليك أبداً، فجعل الله روحه في حواصل طير ترد ماء الجنة فتشرب منه، وتأكل من شجر الجنة، وتأوي إلى قناديل معلقة في السماء﴾. ويأتي شاب آخر، ويقول: يا رسول الله! والله إني لأجد ريح الجنة من دون أحد. فيقتل ويضرب بالسيف ثمانين ضربة، حتى إنه لم تعرفه إلا أخته ببنانه. ويأتي شاب ثالث، ابن الزبير فيدخل على الرسول ﷺ في حديث صحيح: ﴿والرسول ﷺ يحتجم، ويخرج دم الحجامة -الحجامة: إخراج الدم الفاسد من الرجل أو من المرأة- فأخرج منه ﷺ ، ووضع في طست، فقال: يا بن الزبير! اذهب بهذا الدم فضعه في مكان لا يراه أحد -فيذهب ابن الزبير، وعمره عشر سنوات- فلما اختفى في سكة من سكك المدينة؛ شرب دم الرسول ﷺ ويعود، فيقول ﷺ : أين وضعت الدم؟ قال: وضعته في مكان لا يراه أحد، فتبسم ﷺ وقال: ويل لك من الناس وويل للناس منك لا تمسك النار﴾ هل عرف التاريخ شباباً مثل هذا الشباب؟ هل عرفوا إقداماً مثل هذا الإقدام؟ إنهم شباب محمد ﷺ الذين رباهم بالقرآن. أما نحن فكثير منا تربى -إلا من رحم الله- على الأغنية الماجنة، وعلى المجلة الخليعة، وعلى جلساء السوء، فأخرجت هذا الإنتاج العجيب، المعاصي والسجون المليئة، والمخدرات، والانحراف عن منهج الله، والشرود عن آيات الله، التي نراها في مجتمعاتنا، ونسمع قضاة يتحدثون عنها صباح مساء، التي يندى لها جبين المسلم، وفي الأخير نقول: ما لنا ما فعلنا مثل الصحابة، وما لنا ننحرف، وما لنا ليس عندنا استقامة ولا عندنا منهج قويم؟! السبب أننا لم نعش مع القرآن ولم نتأثر به.

стр. 6309

الانتهاء عن المعاصي سائل نفسك، واعرف أنه لا يدمر مستقبلك وينهي عمرك ووقتك إلا المعصية، إذا عصيت الله فقد اقترفت في حقك وفي حق أمتك وأسرتك أكبر جريمة في تاريخ الإنسان، ولذلك ينادي الله عباده، وينادي كل الأمة شباباً وشيوباً وكباراً وصغاراً وذكراناً وإناثاً أن يتوبوا إلى الله، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] ويقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]. يقول ﵊ في حديث صحيح: ﴿أن رجلاً من بني إسرائيل لما حضرته الوفاة قال لأبنائه: إذا أنا مت فاجمعوا حطباً، ثم أشعلوه بالنار، ثم أحرقوني فيه، فإذا أصبحت فحماً فاسحقوني وذروني علَّ الريح أن تذهب بي؛ لئلا يجدني الله -سبحان الله! أليس الله قادر على أن يجمعه كما جمعه أول مرة، أليس الله يستطيع أن يقول للشيء: كن فيكون- فلما توفي هذا الرجل أحرق بالنار، فلما أصبح حمماً سحق وذري في يوم ذي ريح، فلما ذري ذهبت به الريح يمنة ويسرة، فجمعه الذي بدأه أول مره، فلما أصبح أمامه رجلاً، قال الله : يا عبدي! ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب! خشيتك وخفت ذنوبي. قال الله : يا ملائكتي! أشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة﴾ قال ابن تيمية: لما شك في القدرة، غفر الله له بسبب أنه خاف من لقاء الله ".

стр. 6310

مراقبة الله تعالى يقول أحد شعراء الإسلام: وإذا دعيت لريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني إذا أتيت لريبة في ظلمة، أي أنك وحدك لا يراك إلا الله وما معك إلا الله، ولا يشاهد حركاتك وسكناتك إلا الله، تظن أنك خلوت، وأنك انفردت، وأنك أصبحت في مكان فريداً، ووالله ما انفردت، بل معك رقيب وعتيد، ومعك الذي لا ينام، ومعك الذي لا يغفل، ومعك الذي لا ينسى ، فاعلم أنه يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين. ولذلك ورد في بعض الآثار: أن رجلاً اختفى في غابة وهمَّ بمعصية، فقال: لا يراني أحد، أنا في غابة وحدي، وقد تسنت لي المعصية، فسمع هاتفاً يهتف: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] ولذلك يقول ابن مسعود: [[الله الله في السرائر، الله الله إذا خلوت]] يقول الإمام أحمد وقد أغلق عليه البيت -وهو الإمام أحمد الزاهد الكبير، والعالم النحرير- فقال تلاميذه: فوالله إنا نسمعه يبكي من وراء البيت، وهو يقول: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب وصاحب هذا البيت أبو نواس، الذي تسمعون عنه والذي عندما توفي رئي في المنام، كما في البداية والنهاية قالوا: ما فعل الله بك يا أبا نواس؟ قال: غفر لي وأدخلني الجنة. قالوا: بماذا؟ قال: وصفت الزهرة. -قصيدة اسمها: القصيدة النرجسية، في ديوانه- ورددت أمرها إلى الله ، وقلت: إنه هو الذي أبدعها وزينها، وحلاها وجملها، فغفر الله له بذلك السبب؛ ولذلك بعض الأسباب السهلة في حياتك تستطيع أن تدخل بها الجنة. رجل من بني إسرائيل، رأى غصن شوك من شجرة في طريق الناس، فرفعه عنهم، فأدخله الله بذلك الجنة. ويقول ابن كثير في البداية والنهاية: رئي جرير بن عطية الشاعر المشهور في المنام بعد أن توفي، قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأدخلني الجنة. قالوا: بماذا؟ قال: أذنت وحدي في البادية حيث لا يراني إلا الله. أذن في البادية للصلاة الأذان الذي فتحنا به الدنيا، الأذان الذي أرسلناه نغماً في آذان البشرية، الأذان الذي تهاوت به أصنام الوثنية، وأصبح شبابنا الآن يخجلون إذا ذهبوا في رحلة من الرحلات وفي سفر من الأسفار أن يؤذنوا، يقول أحدهم: أنا لو أذنت أصبحت مطوعاً وأنا لست مطوعاً، وبمفهوم المخالفة أنه عاصٍ، يقول محمد إقبال شاعر الباكستان: بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا شباب الصحابة كادوا يقتتلون في معركة القادسية على الأذان؛ لأن مؤذنهم، عبد الله بن أم مكتوم قتل في المعركة وهو أعمى، وقد عذر الله الأعمى أن يحضر المعركة، فقال: والله لا بد أن أحضر المعركة، فلما حضر المعركة قتل في سبيل الله، فكاد شباب الصحابة أن يقتتلوا على الأذان؛ لكننا الآن أصبحنا نخجل أن نتقدم وأن نؤم الناس، وأن نصلي بهم على المنابر، وأن نؤذن بالناس، ونقول: نحن لسنا مطاوعة، نحن شباب متطور أو متهور، فألغينا هذه الوظائف التي رفعت رءوسنا بين الأمم. الشاهد هو: أن المعصية دمار لمستقبل الإنسان، وأنها إنهاء وعقاب وغضب من الله. خرج موسى ﵇ الأمين القوي، صاحب أكبر صراع في تاريخ الإنسان مع فرعون، خرج يستسقي لبني إسرائيل، فلما استسقى لهم قال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا. أوحى الله إليه: يا موسى! عد ببني إسرائيل، فبعزتي وجلالي لئن لم تعد بهم لأرمينهم بالحجارة على رءوسهم، أكلوا الربا، وفشا فيهم الزنا، وتواصوا بالفحش والعهر، فبكى موسى ﵇، وقال: يا بني إسرائيل! عودوا لا يلقين الله عليكم الحجارة على رءوسكم. فلما انتشرت فينا المعاصي قلَّت بركاتنا، وقل ذكاؤنا وفهمنا، حتى أصبح أهل الدنيا أكثر إنتاجاً منا، أيُّنَا أكثر؟ نحن أو أوروبا إنتاجاً وتصديراً وتوريداً؟ وأمريكا هم أكثر منا؛ لأننا تساوينا نحن وإياهم في المنهج، فغلبونا في أسباب الدنيا والله يقول فيهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧].

стр. 6311

التوبة إلى الله يا أيها الأحبة! يجب أن نفهم من العنصر الثاني: أن نتوب إلى الله ، وأن نستغفره دائماً وأبداً، وأن تجعل في ذهنك دائماً مراقبة الله الحي القيوم. كان عمر بن الخطاب إذا خرج وحده في الصحراء أخذ عصا، فضرب رجليه وبكى، وقال: [[يا عمر! والله إن لم تتق الله ليعذبنك الله عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين]] وقال عبد الرحمن بن عوف: [[رأيت عمر دخل المقبرة يسلم على الأموات، فرأى قبراً محفوراً، فدخل فيه فسمعت بكاءه وأنا وراء السور، وهو يقول: ويل أمي إن لم يرحمني ربي ]] هذا وهم مبشرون بالجنة، فكيف بنا ونحن ما بشرنا بالجنة، ونحن تحت رحمة الله ، لكن معاصينا ومخالفاتنا وأوقاتنا الضائعة، تشهد علينا أننا ما تأثرنا بالإسلام. فيا إخوتي! الله الله في ترك المعاصي والانتهاء عنها بترك المخالفات.

стр. 6312

بعض المعاصي والمعاصي سواءً كانت معاصي بصر وهي النظر إلى المحرمات، والنظر إلى الأفلام الخليعة الماجنة، والنظر إلى الصور العارية، والنظر إلى حرمات المسلمين هذه هي عيب البصر وذنب العينين. وعيناك إن أبدت إليك معايباً لقوم فقل يا عين للناس أعين يسألك الله يوم القيامة، بعد أن يختم على فمك، فتتكلم عينك، ولسانك، ويدك، ويتكلم جلدك، فيشهد عليك بما فعلت. ولذلك أوصي نفسي وإياكم بالتوبة وترك المعاصي ما ظهر منها وما بطن، واصرف نفسك أيها الأخ الكريم! فيما ينفعك ويقربك من الله .

стр. 6313

أهمية الوقت أهمية الوقت الذي ضيعناه والعمر الذي صرفناه، يقول ﷺ : ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ﴾ تجد الشاب صحيحاً معافى، من أسرة غنية، عنده كل أسباب الحياة، عنده سيارة وبيت، وملابس وطعام وشراب، ومكتبة ومرفهات، فتأتيه فإذا هو أكسل الناس، خاملاً لا يصرف وقته إلا في كل لهو ولعب، يتحدث مع فلان وعلان، ويركب مع من شاء، ويجلس مع من شاء، ويستمع ما يشاء، فهذا الذي خسر عمره في الدنيا والآخرة، يقول الله : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] أتحسب أن الوقت هذا الذي تصرفه، أن الله لا يسألك عنه، ولا يوقفك يوم القيامة؟ يقول ﷺ فيما صح عنه: ﴿لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع -وذكر منها- وعمره فيما أبلاه﴾ عمرك والله لتسأل عنه دقيقةً دقيقة وثانيةً ثانية. دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان مجلسنا الذي جلسناه، من يوم بدأنا إلى الآن، لا يعود هذا الوقت الذي صرف فيه، ولو اجتمع أهل العالم أن يعيدوا هذا الوقت لا يعيدوه أبداً، لأنه انتهى من أعمارنا نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجة من عاش لا تنقضي تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقي ولذلك نحن نتقدم خطوة خطوة إلى الموت، وإلى الهلاك والفناء، ونحن لا نشعر. فلا إله إلا الله كم من ساعة ضيعناها، وكم من يوم صرفناه في المعصية، وفي اللهو واللغو والإعراض عن الله، وبعدها ندَّعي أننا نحن شباب الإسلام, ونحن أمل الأمة؟! أمل الأمة أن تقرأ وتحقق، وأن تواظب وتجد وتجتهد، ليس أمل أمة أن تقضي ساعاتك الطويلة في اللهو واللغو واللعب والغناء، ومع كل من هب ودب.

стр. 6314

اغتنام الأوقات فيا أيها الإخوة: أوصي نفسي وإياكم باغتنام الوقت، وصرفه فيما ينفعك عند الله، وأن يكون عندك برنامج يومي، تعرف حياتك على منواله وعلى ضوئه، وتسير حتى تلقى الله ، للقرآن وقت تقرأ القرآن فيه، لمذاكرة دروسك وقت، وقت الصلاة لا تتخلف ولو تخلفت الشمس فأتت من المغرب ولم تأت من المشرق، والزيارات والجلوس مع الإخوان لها وقت خاص، وقت مطالعتك في مكتبتك وجلوسك مع كتبك، الكتب الصفراء، الكتب المجلدة كتب العلم، كتب السلف الصالح، التي عندما تركناها ورجعنا إلى المجلات الخليعة التي تعرفونها، مثل روز اليوسف وأمثالها من المجلات؛ هبطت عقولنا، وسخفت أرواحنا، وضاعت بيوتنا، ودمرت عقولنا، وساءت أخلاقنا، لما تركنا كتب التراث المجيد، كتب السلف الصالح، لما تركنا الإنتاج الهائل الذي تركه أجدادنا لنا. من حفظ أجدادنا لنا -وتعرفون ماذا فعلوا- يقول الذهبي عن ابن عقيل أحد علماء الأمة: ألف كتاباً عدده ثمانمائة مجلد، ثمانمائة مجلد مخطوط موجود، كما يقول أهل العلم في مكتبة بون في ألمانيا، لا نستطيع نحن أن نقرأ منه مجلدات. فالإنسان منا يعيش ويموت ولا يُشعر به؛ لأنه لم يحفظ وقته، يقول ابن عقيل: إني آكل الكعك ولا آكل الخبز. قيل له: لماذا تأكل الكعك ولا تأكل الخبز؟ قال: " بين أكل الكعك والخبز قراءة خمسين آية". فهم يحسبون بالآيات.

стр. 6315

المحافظة على الصلاة واعلموا -أيها الأحبة- أن تارك الصلاة كافر، يستتاب فإن تاب وإلا قتل نسأل الله العافية، لا يصدَّق ولا يصاحَب، ولا يؤاكل ولا يشارب، ولا يؤتمن، ولا يستشهد، بل زد على ذلك أن ابن تيمية يقول: "من ترك العشر -الركعات التي هي السنن الرواتب، التي هي قبل الصلاة وبعدها- فهو فاسق ترد شهادته" والعشر الركعات: ركعتان بعد الظهر، وركعتان قبله، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر. يقول: من داوم على ترك هذه العشر الركعات النوافل التي جعلها ﷺ سنناً راتبة، فهو فاسق ترد شهادته، نسأل الله العافية. فليت ابن تيمية علم أن منا من يترك الصلاة، وأن منا من يتهاون بالصلاة، وأن منا من يدخل عليه الوقت ويخرج وهو ما اهتم بالصلاة، ولا انضبط مع أمر الله ، مسلم يسمع الله أكبر، ولا يقوم ويتحرك ويتوضأ، أي مسلم هذا؟! يقول الله في المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢] فإذا أردت أن تعرف المنافق، لا تعرفه بشكله أنه أحمر أو أسود أو أصفر، ولا بلونه، ولا بعضلاته، بل تعرفه بموقفه من الصلاة، إذا أذن المؤذن، ثم تكاسل وتهاون؛ فاعلم أن فيه نفاقاً، تقول عائشة: ﴿كان ﷺ إذا سمع الأذان أو النداء للصلاة، قام إلى الصلاة كأننا لا نعرفه ولا يعرفنا﴾ يقطع أعماله وأشغاله ﷺ ويقوم إلى الصلاة. حتى إن الذهبي يذكر عن عامر بن ثابت بن عبد الله بن الزبير أحد الصالحين الأخيار، يقول: أُذن لصلاة المغرب وهو في سكرات الموت، حضره الموت، وأصبح في آخر ساعة من ساعات الدنيا قال: احملوني إلى المسجد. قالوا: إن الله عذرك وسامحك وعفا عنك، وأنت في سكرات الموت. قال: والله لا أسمع الله أكبر الله أكبر ثم أبقى على فراشي، فحملوه وهو في سكرات الموت، فصلى وهو معتمد على رجلين، ثم توفي وقبض الله روحه وهو في السجدة الأخيرة، فلما أخبروا أهله قالت زوجته: والله لقد علمت أن الله سوف يتوفاه ساجداً، لأنه كان يقول كلما أصبح: [[اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، اللهم إني أسألك الميتة الحسنة]] فرزقه الله الوفاة وهو ساجد. وذكر ابن الجوزي في صفة الصفوة، أن أحد الصالحين كان يشتغل نجاراً، حين كان النجار في عهد السلف أتقى لله منا ونحن طلبة علم الآن، كان الخياط في عهد السلف الصالح أتقى لله منا ونحن طلبة علم، ونسمي أنفسنا طلبة علم وواجهة للمجتمع، كان البائع التاجر أتقى لله في عهد السلف، كانوا كلهم أخياراً إلا ما شذ منهم، حتى إن عمر عينه أبو بكر ﵁ قاضياً، قال: [[فبقيت سنه في المدينة ما أتاني خصم أبداً]]. بقي سنة ما أتاه خصم؛ لأنهم عرفوا الحق. ولذلك قال ابن الجوزي: أتى أحد النجارين كان يعمل، فكان إذا رفع المطرقة يضرب بها المسمار وسمع الله أكبر لا يردها ثانية، يلقيها ويطرحها وراء ظهره ويقوم إلى الصلاة. واعرف إيمان المؤمن من قيامه للصلاة ومن استعداده لهذه الصلوات. إخواني في الله: يومنا هذا أو غيره من الأيام، يسدد فيه الإنسان بسبب حضوره لصلاة الفجر، واسأل نفسك وأنت جالس الآن، إن كنت صليت صلاة الفجر في جماعة؛ فأنت في ذمة الله وفي حفظه وفي رعايته، ففي صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: ﴿من صلى الفجر في جماعة؛ فهو في ذمة الله، فالله الله لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإن من طلبه أدركه، ومن أدركه كبع على وجهه في النار﴾. لماذا امتلأت السجون من الشباب الذين يتعاطون المخدرات؟ لماذا امتلأت السجون من الشباب الذين زاولوا الزنا والمخالفات والشذوذ الجنسي؟ لماذا هتكت المحرمات؟ بسبب تركنا للصلوات، حتى يقول العلماء: إن من حافظ على الصلوات الخمس في جماعة؛ لا يصاب بكبيرة بإذن الله -لا يقترف كبيرة بإذن الله- ولا يمكن أن تتعرض له كبيرة من كبائر الذنوب. يقول أحد الناس: كنت حارساً في سجن في الشمال في القرن الرابع، فدخل عليَّ في سبع سنوات ما لا أحصي ولا أعد من المسجونين من أهل المعاصي، فكنت أسألهم بعد صلاة العشاء، وكانوا يأتون بهم بعد صلاة العشاء، قلت: أسألكم بالله! أصليتم العشاء اليوم في جماعة؟ قالوا: لا. فابتلاهم الله بالفواحش وبالمنكرات والكبائر، فضربت ظهورهم وسجنوا، وذهبت عقولهم بالمخدرات بسبب تركهم للصلوات. فالله الله -يا شباب الإسلام- في الصلوات الخمس! الصلوات الخمس التي لمَّا تركناها رأيت كثيراً من الأجيال المنحرفة عن منهج الله ، ورأيت البيوت المهدمة على أعقابها، ورأيت التربية السيئة، ورأيت العصيان من الولد للوالد، يقول الله في حديث قدسي: ﴿أبي تغترون أم عليَّ تجترئون! فبي حلفت لأنزلن فتنة تدع الحليم حيران﴾.

стр. 6316

المعاصي تسبب المصائب إن الله تعالى لا يرحمنا إلا بسبب الطيور، بسبب الشيوخ الذين يركعون ويسجدون، بسبب الأطفال البريئين الذين لا ذنب لهم، أما نحن فنسأل الله العافية، فقد ورد في الحديث القدسي أن الله يقول: ﴿والله، لولا شيوخ ركع، وأطفال رضع، وبهائم رتع؛ لخسفت بكم الأرض خسفاً﴾. زلزلت المدينة في عهد عمر ﵁ -أصابها زلزال سهل ليس بكبير- حتى تساقطت بعض الجدران وبعض البيوت، فجمع عمر الناس في المسجد، فلما اجتمعوا رجالاً ونساءً وأطفالاً؛ بكى عمر ﵁، ثم قال: [[والذي نفسي بيده! إن وقع زلزال مرة ثانية في المدينة، ما أجاوركم في المدينة وإنه لآخر العهد بي وبكم، قالوا: فما علاقتنا -يا أمير المؤمنين- بالزلزال؟ قال: أنتم الذين أوقعوا الزلزال ولم يقع الزلزال إلا بذنوبكم، فوالله إن وقع مرة ثانية لا أجاوركم أبداً. فبكى المسجد حتى ضج بالبكاء، وقالوا: تبنا إلى الله ]] فنحن ما وقعت بنا المصائب التي حلت بالأمة؛ إلا بذنوبنا وإعراضنا عن الله.

стр. 6317

موقفنا من الرسول ﷺ العنصر الرابع بعد حفظ الوقت، وحفظ نفسك من المعاصي، وحفظ الله بالطاعات، هو: أن تعرف موقفك من الرسول ﷺ . واعلم -يا أخي- أن الله لم يخلق أشرف ولا أكرم ولا أرحم ولا أجل من الرسول ﷺ ، ولذلك أغلق الله أبواب الجنة أن تدخل إلا من بابه، فمن أتى من غير باب الرسول ﷺ احرمه الله من دخول الجنة، قال الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١]. وموقفك من الرسول ﷺ يدور على ثلاث قضايا: القضية الأولى: أن تعيش معه في السيرة، أن تعرف سيرته وحياته، جليلها وحقيرها، كبيرها وصغيرها، وما أعلم كتاباً أحسن من زاد المعاد لـ ابن القيم يقول أبو الحسن الندوي: ما دبجت يد مسلم أفضل من زاد المعاد. فأوصي نفسي وإياكم باقتنائه، أو كتاباً آخر في السيرة كـ سيرة بن هشام، وأجلها زاد المعاد لـ ابن القيم تستصحبونه معكم، وتقرءونه وتتدبرون ما فيه، علَّكم أن تعرفوا سيرة محمد ﷺ وحياته، وعلكم أن تعرفوا هذا الإنسان العظيم، الذي زكاه الله من فوق سبع سماوات فقال فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]. وقراءة السيرة ليس للتسلية ولا للسمر، لكن لنقتدي به ﷺ ، فإنه ورد في حديث: ﴿والله لا يسمع بالرسول ﷺ سامع، يهودي ولا نصراني ولا مجوسي، ثم لم يسلم إلا أدخله الله النار﴾ فوالله لا يسمع بالرسول ﷺ سامع، ثم لا يقتدي به ولا يسلك مسلكه إلا دخل النار. يا مدعي حب طه لا تخالفه فالخلف يحرم في دنيا المحبينا أراك تأخذ شيئاً من شريعته وتترك البعض تدويناً وتهوينا خذها جميعاً تجد خيراً تفوز به أو فاطرحها وخذ رجس الشياطينا تأخذ كل صغيرة وجليلة وكبيرة أتى بها محمد ﷺ ، فتحكمه في نفسك، يقول الله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] كان محمد ﷺ يصلي كذا، تصلي مثلما صلى، يقول: ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾ كيف ندعي أننا طلبة علم ولا نعرف كيف كان يصلي ﷺ ؟ صحيح أننا أجدنا علم الدنيا، وعرفنا وأتقنا علم الجغرافيا والتاريخ والتربية، لكن علم السيرة، وعلم الأثر، وعلم الحديث، ما أنتجناه ولا أجدناه كما ينبغي، يقول ﷺ : ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾ فتعرف كيف كان يصلي وكيف كان يشرب، وكيف كان يأكل. وأوصي نفسي وأوصي الأساتذة والمربين والموجهين، أن يتقوا الله في شباب المسلمين، ويتقوا الله في هذه الفلذات التي عرضت أمامهم على كراسي الدراسة، أن يمنحوها علماً، وأن يحضروا علماً نافعاً، وأن يخلصوا لله ، ولا يكن هم الأستاذ أن ينهي الخمس والأربعين دقيقة هذه، ثم يخرج من الفصل ويعتبرها وظيفة لا والله، والله ليسألنه الله يوم القيامة عن هؤلاء، ليسألنه الله ماذا فعل فيهم، ليسألنه الله في هذا المرتب، وهذا المعاش الذي قبضه، وهذه الأكباد والوجوه والقلوب ماذا فعل فيهم. ثم أوصي نفسي وهؤلاء الشباب، أن يتقوا الله في أيامهم وفي جلوسهم على مقاعد الدراسة، أن يستفيدوا علماً من أساتذتهم، وأن يحترموهم ويوقروهم؛ لأنهم يهدونهم إلى الصراط المستقيم إن شاء الله. فيا أيها الإخوة: موقفنا من الرسول ﷺ أولاً: أن نعيش سيرته. والأمر الثاني: أن نتأدب بأدبه. والأمر الثالث: أن نكثر من الصلاة والسلام عليه ﷺ . واعلموا أنكم لن تجدوا في العالم أزكى منه قلباً، ولا أطهر ولا أوضح منهجاً، ولا أحسن سيرة منه ﷺ ، يقول الله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣].

стр. 6318

خاتمة يا أيها الإخوة الكرام: هي أربع نقاط، أحببنا أن نتدارس مع هذه الوجوه الخيرة النيرة فيها، وهي: موقفنا من الكتاب العظيم، من القرآن الذين أهملناه وما حفظناه، وموقفنا من الرسول ﷺ ، وموقفنا من أوقاتنا وأيامنا الغالية. والعجيب أن أحد الأمريكان له كتاب موجود في السوق، اسمه: دع القلق وابدأ الحياة هذا الكاتب مؤلفه اسمه: دايل كارنيجي أمريكي، يقول: الأمريكان يقرءون في اليوم والليلة ست عشرة ساعة، من أربع وعشرين ساعة، أمريكان لا يعتقدون أن الله يبعث الناس يوم القيامة، ونحن الذين من سلالة أبي بكر وعمر، وعثمان وعلي، ونحن الذين نقول: إننا فتحنا العالم، وكلما أتانا إنتاج قلنا: هذه بضاعتنا ردت إلينا، ونقول: نحن في مهبط الوحي، لا يقرأ الواحد منا إلا من رحم الله في اليوم ساعة أو ساعتين، وإذا قرأ ساعة ذهب يخبر جيرانه وإخوانه أنه قرأ ساعة، ويقول: سئمت ومللت وأصابني النعاس وأصابني كذا وكذا. فلذلك كيف يكون أهل الكفر والذين لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة أكثر منا قراءة، يقول موشي ديان وزير حرب العدو الميت الهالك إلى نار جهنم: العرب لا يقرءون. يقولون: نشرتم أسراركم في صحفكم، فكيف لم يقرأها العرب؟ قال: العرب لا يقرءون. وهذا موجود فينا وأكثر ما يوجد في بلادنا نحن، فالعرب أسهل أو أيسر لكن يقرءون أكثر منا، ونحن أقل الناس قراءة. فالذي أريد أن أنبهكم إليه هو أن تقبلوا على مكتباتكم، وأن تستشيروا أساتذتكم في الكتب الجيدة، فليس كل ما يعرض في السوق يشرى، بل تأخذون الكتب النافعة الطيبة، كـ الصحيحين، وكتب ابن القيم، وابن تيمية، وكتب ابن كثير، وكتب التفاسير التي تزيدكم علماً وتقوى ويقيناً، وتهديكم إلى الصراط المستقيم. ثم أدلكم على الشريط الإسلامي، أن تقتنوه في سياراتكم وفي بيوتكم بدل شريط الأغنية، مسلم ويستمع إلى الغناء؟! مسلم ويستمع العهر ويستمع الفجور؟! مسلم ويستمع ما يقال في الفحش؟! حتى يقول عمر بن عبد العزيز لأبنائه: الله الله لا تستمعوا الغناء، فوالله ما استمعه مستمع إلا حبب إليه الفاحشة. ويقول عقبة بن عامر، القائد المسلم الكبير فاتح أفريقيا لأبنائه: أسأل الله أن يعصمكم من الغناء، فوالله إن استمعتموه لا تحفظون كتاب الله أبداً. فالغناء هو سبب تضييعنا للقرآن، وسبب ضياع أوقاتنا، وسبب إنهاء علمنا من رءوسنا. أيها الإخوة الفضلاء: لا أريد أن أطيل عليكم، وإلا فالحديث كثير، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، لكني أشكركم شكراً جماً على تواضعكم، وعلى جلوسكم، وعلى تحملكم حرارة وتوقد الشمس؛ لتستمعوا فجزاكم الله خير الجزاء، وشكراً لكم الشكر الكثير، وأسأل الله الذي بيده مفاتيح القلوب أن يفتح على قلوبنا وقلوبكم، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل، وأن يجعل منا ومنكم مفاتيح للخير هداة مشاعل حق، نقود أنفسنا وبيوتنا ومجتمعاتنا إلى سواء السبيل، نعرض عمن أعرض عن الله، ونتحاكم إلى شرع الله، ونستروح إلى هدى الله، ونسير على منهج الله ومنهج رسول الله ﷺ . اللهم فافتح علينا من فتوحاتك، واهدنا سواء السبيل، وتقبل منا ما قلنا وما استمعتم. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 6319

مكة في يوم الميلاد هذا درس يتناول فتح مكة، وقد أفتتح الشيخ درسه بذكر حديث علي في قصة حاطب في صحيح البخاري. ثم ذكر سبب فتح مكة ومسير أبي سفيان إلى المدينة ومحاولته تأكيد الهدنة، وعرض قصة العباس مع أبي سفيان عند دخول الجيش مكة، ومقتل عبد الله بن خطل، واغتسال الرسول ﷺ يوم الفتح، وإسلام بعض الوجهاء من كفار مكة كصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام، وما وقع من معجزات يوم الفتح.

стр. 6320

اكتشاف الرسول ﷺ رسالة حاطب إلى قريش إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً. اللهم لك الحمد خيراًَ مما نقول، وفوق ما نقول، ومثلما نقول، لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ومع (مكة في يوم الميلاد) يوم أن أذَّن بلال ﵁ وأرضاه يوم الفتح الذي يقول الله فيه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [الفتح:١ - ٢].

стр. 6321

رسل رسول الله لاستخراج رسالة حاطب يقول الإمام البخاري باب غزوة الفتح، قال: عن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه قال: ﴿أرسلني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد إلى روضة خاخ، فقال لنا: انطلقوا إلى روضة خاخ، فإن فيها ظعينة لـ حاطب بن أبي بلتعة، قد كتب كتاباً إلى كفار قريش يخبرهم أنا قادمون عليهم، قال علي ﵁: فانطلقت أنا والزبير والمقداد، وكلنا فارس تعدو بنا خيولنا، حتى أتينا روضة خاخ وهي قريبة من المدينة، قال: فالتفتنا فإذا الظعينة بين الشجر، قال: فقلنا لها: أعطينا الكتاب، قالت: ما معي من كتاب، قال علي: والله لَتُسَلِّمِنَّ الكتاب أو لَنُجَرِّدَنَّكِ، فقالت: اختفوا عني لأخرجه من بين ضفائري، -كان في رأسها- فأخرجت الكتاب، فأخذه علي ﵁ والزبير والمقداد، وعادوا إلى المدينة، ففتحه ﵊، وقرأه، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة، إلى أهل مكة. أمَّا بَعْد: فإن محمداً -يقصد رسول الله ﷺ قادم عليكم بجيش كالسيل، أقبل يتلو بعضه بعضاً كالليل، فأنقذوا أنفسكم. والسلام.

стр. 6322

موقف النبي ﷺ من حاطب استدعى رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة، وقال: ما حمَلك على ما فعلتَ؟ -كيف خنتَ الله ورسوله- فقال حاطب: والله يا رسول الله! ما تبدلت بالكفر بعد الإيمان، ولكني رجل حليف لقريش، ولستُ من أنفس قريش، وأطفالي وأهلي ومالي عند قريش، وأصحابك كل منهم من قريش، فخفت على أهلي ومالي، فأردت أن أتخذ يداً عندهم، فهذا الذي حملني على ما صنعتُ، فقام عمر فقال: يا رسول الله! دعني لأضرب عنق هذا المنافق، فإنه خان الله ورسوله، فقال ﵊: يا عمر! أما تدري لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم -وكان حاطب من أهل بدر - فبكى عمر، وقال: الله ورسوله أعلم، فأنزل الله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة:١]﴾ وهذا الحديث اتفق البخاري ومسلم على إخراجه، وهو يشتهر بحديث حاطب بن أبي بلتعة، وله أسباب أوردها أهل العلم. ثم أخذ الإمام البخاري يستطرد بقصة الفتح، والكتائب التي جمعها ﷺ .

стр. 6323

نقض قريش للصلح وفتح مكة كان في السنة الثامنة للهجرة، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وذلك أنه عاد ﷺ من صلح الحديبية، ولما اصطلحوا كان من ضمن بنود الصلح: أن تضع الحرب أوزارها عشر سنوات، ولكن كفار قريش غدروا، وأتوا إلى حلفاء رسول الله ﷺ ، وكان من حلفائه خزاعة، فكانت بطن نصحٍ للرسول ﵊، وبنو بكر كانوا حلفاء لقريش. فقام بنو بكر بقتل رجال من خزاعة، وهذا معناه نقضٌ للصلح الذي تم ووقع عليه كلا الطرفين، طرف الرسول ﵊، والطرف الآخر طرف المشركين ووقع عنهم سهيل بن عمرو. فلما قتلوا هذا القتيل خاف أبو سفيان وهو في مكة أن يأتي الخبر رسول الله ﷺ في المدينة، وإذا أتى الرسولََ ﷺ الخبرُ بأن أحلاف قريش قتلوا رجالاً من حلفائه، فسوف يغضب ﵊، ويعلن الحرب على أبي سفيان وعلى القرشيين. فسبق بُدَيْل بن وَرْقاء إلى الرسول ﵊ فوصل إلى المدينة في الليل وأخبره، قال: ﴿يا رسول الله! نقضت قريش عهدك ووعدك، وقتلوا رجالاً منا فسكت ﵊ واحمر وجهه مُغْضَباً﴾ فرجع بُدَيْل بن وَرْقاء مندوب خزاعة، فلقيه أبو سفيان، وقال له: من أين أتيت؟ -وأبو سفيان كان ذكياً من أذكياء الناس، ورجلاً داهيةً- قال: من أين أتيتَ يا بُدَيْل؟ قال: كان لي مال بالغابة ذهبت إليه، ثم مررت على خزاعة أسلم عليهم -يعني: قبيلته- فنزل أبو سفيان إلى بَعَر بَعِير جمل بُدَيْل، ففَتَّه، فوجد النوى فيه، قال: كذبتَ؛ ولكنك كنتَ في المدينة تخبر محمداً. ثم ركب أبو سفيان ناقته وذهب إلى محمد ﵊ فوصل إلى المدينة، فلم يجد أحداً في البيوت، حيث كانوا في اجتماع مع الرسول ﵊ في المسجد، فدخل على ابنته -وابنته كانت زوجة الرسول ﵊ فلما رأته ما استقبلته ذاك الاستقبال الحافي، وما رحبت به، وما هشت وبشت في وجهه؛ لأنه كافر، وهذه علامة الموالاة والصدق مع الله ، فدخل وبيده عصا، وقد ربط ناقته، فأتى إلى مجلس الرسول ﷺ وإلى فراشه، فسبقته إلى الفراش فلفَّتْه وسحبته عنه، فقال: لقد أصابك بعدي شر، كيف تسحبين عني فراش زوجك؟ قالت: هو طاهر وأنت مشرك نجس، فأخبرها الخبر، فقالت: ما أجد لك إلا هؤلاء النفر يشفعون عند الرسول ﵊، قال: من هم؟ قالت: اذهب إلى أبي بكر ليشفع لك؛ لأنه خاف أن يهاجمه ﷺ بجيش في مكة. فذهب أبو سفيان إلى أبي بكر فأخبره الخبر، قال: وتظنني يا أبا سفيان أشفع لك عند الرسول ﵊؟ قال: نعم، قال: والله ما أنا بفاعل، فذهب إلى عمر ﵁ وأرضاه فأخبره الخبر، وأبو سفيان عنده، قال عمر: ماذا تريد؟ قال: تشفع لي عند الرسول ﵊، قال: اللهم ما كان بيننا وبينك من عهد نسأل الله أن يقطعه، وما كان بيننا وبينك من حبل نسأل الله ألا يتمه، والله لو أني لا أجد إلا الذر لحاربتكم بالذر، فقال أبو سفيان: جزاك الله من رحم شراً، ثم خرج من عنده فوصل إلى عثمان، فأخبره، قال: لا أشفع، فذهب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عن الصحابة أجمعين فوصل إلى علي فوجده في البيت، فأخبره الخبر، قال: ما أجترئ، فقام أبو سفيان إلى فاطمة بنت الرسول ﵊، فقال: يا فاطمة! اشفعي لي إلى أبيكِ ألا يطأنا بالخيل بكرة النهار، قالت: ما أجرؤ، قال: فقومي بابنك الحسن، فضعيه في حِجْر جده؛ ليكون هذا الحسن سيداً أبد الدهر ليشفع بين الناس، قالت: ما بلغ السن أن يشفع، فقال: يـ ابن أبي طالب: أنت أقرب الناس مني رحماً -وهذا صحيح؛ لأنهم أبناء عم، هؤلاء من بني عبد شمس. من الأعياص أو من آل شمس أغَر كغُرَّة الفرس الجواد وهؤلاء من بني هاشم -فقال علي: وجدتُ لك حلاً، قال: وما هو؟ قال: اذهب فإذا صلى الناس العصر، فقل: أجرتكم أيها الناس -وأراد علي أن يضحك عليه أمام الناس رضي الله عن علي -فلما صلى الرسول ﷺ بالناس العصر، قام أبو سفيان، فوقف في المحراب، والتفت إلى الناس -وهو لم يصل معهم- وقال: قد أجرتُ ما بينكم أيها الناس، فتبسم ﵊، وقال: ﴿أتقول ذلك يا أبا حنظلة؟﴾ قال: نعم، ثم ولى إلى مكة. وصل إلى أهل مكة، وأهل مكة على أحر من الجمر؛ لأنهم يعلمون أن الرسول ﵊ أتاه الخبر بقتل الخزاعي، وهذا معناه نقض الصلح وبداية المعركة. فوصل أبو سفيان إليهم، فقالوا: ما الخبر؟ فأخبرهم، قال: وجدتُ الناس قريبين إلا عمر فوجدته أدنى العدو، قالوا: فماذا فعلتَ؟ قال: تكلمتُ في الناس، فأجرتُ فيما بينهم، قالوا: فماذا؟ قال: محمد! يعنون: رسول الله ﷺ قال: تبسم، وقال: ﴿أهكذا تقول يا أبا حنظلة؟﴾ قالوا: قد ضحك عليك ابن أبي طالب، وما أجدى موقفُك منك شيئاً، فتَرَصَّدْ. صلى رسول الله ﷺ العصر في اليوم الثاني، فلما انتهى من الصلاة، وإذا رجل خزاعي اسمه: عمرو بن سالم، من القوم الذين قتل منهم القتيل، دخل بعصاه، وعقل ناقته في طرف المسجد، ورفع صوته ينشد، ويقول: يا رب إني ناشد محمدا حِلف أبينا وأبيه الأتلدا فانصر هداك الله نصراً أيدا وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا أبيض مثل البدر يسمو مصعدا إن سيم خسفاً وجهه تربدا في فيلق كالبحر يجري مزبدا إن قريشاً أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا وهم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالوتير هجدا وقتلونا ركعاً وسجدا فدمعت عيناه ﷺ ، وقال: ﴿نصرت يا عمرو بن سالم!﴾ ثم التفت ﵊ فوجد السحابة قد مرَّت من أمام المسجد متجهة إلى مكة -سحابة في السماء- فقال: ﴿هذا النصر على كفار قريش﴾ ثم التفت ﵊ ورفع يديه، ثم قال: ﴿اللهم خذ عليهم أسماعهم وأبصارهم، فلا يعلموا بنا حتى نطأ أرضهم﴾ فأخذ الله أسماعهم وأبصارهم. ولكن حاطب بن أبي بلتعة -وهو أحد الصحابة الأخيار من أهل بدر - تذكر أن له أطفالاً ونساءً في مكة، فأراد أن يمنعهم من كفار قريش؛ ليتخذ عند كفار قريش يداً، فكتب رسالة -الرسالة السابقة- وأتى الوحي من السماء على لسان جبريل، يخبر الرسول ﵊ أن حاطب بن أبي بلتعة قد كتب رسالة يخبر كفار قريش، ومعناه: إذا أخبرهم اعدوا واستعدوا وتواجهوا في الطريق، والرسول ﵊ يريد أن يفاجئهم فلا يشعرون به إلا وقد طوق مكة من كل جوانبها، فأخبره جبريل، فأرسل ﷺ علياً وهو فارس الطوارئ، هو والزبير بن العوام، البطل الحواري، والمقداد رضوان الله عليهم جميعاً، فأخذوا الرسالة، وعرضوها على الرسول ﵊، فاستدعى حاطباً، فأعلن معذرته، فصدَّقه رسول الله ﷺ ولكن عمر لحماسه للإسلام، ولغضبه لله ولرسوله ما صدَّقه، حتى أنه قال له ﷺ : ﴿أما تدري يا عمر! لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم﴾ فهذه من الذنوب التي غفرها الله لـ حاطب. ولذلك ضربَ حاطبٌ مولى له، فذهب هذا المولى إلى الرسول ﵊ فقال: ﴿ضربني حاطب، والله إن حاطباً لمن أهل النار، فقال رسول الله ﷺ : كذبتَ، كذبتَ، كذبتَ، حاطب من أهل الجنة، إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم﴾. وهذا ثبت، فإن الله تجلى للناس يوم بدر، يوم التقى الجمعان، يوم كان المسلمون بالعُدوة الدنيا، وهم بالعدوة القصوى، والركب أسفل منهم، فتجلى لهم الحي القيوم، وقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم. وفتح الله لهم أبواب الجنة؛ فهم من أفضل الناس، ومن أفضل أمة محمد ﷺ .

стр. 6324

التهيؤ لفتح مكة لما انتهى ﷺ من التحقيق مع هذا الصحابي الجليل عذره وعفا عنه، وأمر ﷺ أصحابه أن يتهيئوا، فكانوا عشر كتائب: سعد بن هُذَيْم، وجُهَيْنة، وأسد، ومُزَيْنة، وأشجع، وغِفار، وأسلم، ومَن لَفَّ لفَّهُم، والأنصار في كتيبة، والمهاجرون في كتيبة. ومضوا رضوان الله عليهم وأرضاهم والرسول ﷺ قائدهم، وقد أنزل عليه من ذي قبل: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١ - ٢] فقالوا: أي فتح يا رسول الله؟ فأخبرهم أنه فتح خيبر، ثم فتح مكة. وتحرك ﵊ هو والجيش وكان في رمضان، فلما بلغ الكديد شق الصيام على الناس، وكانوا ما يقارب عشرة آلاف، فدعا بالإفطار، فأفطر ﷺ وأعلن الإفطار في الناس، فأفطروا جميعاً إلا بعض الناس أبوا أن يفطروا، وتحرجوا وتأثموا. يا سبحان الله! أتقى الخلق لربه، وأخشاهم لمولاه، رسول الله ﷺ يفطر في رمضان، وهم يتحرجون؟! فلما سمع ﷺ أنهم لم يفطروا قال: ﴿أولئك العصاة، أولئك العصاة، أولئك العصاة﴾ وهذا في صحيح مسلم. فلما بلغوا مَرَّ الظهران قال أنس: ﴿فنزلنا، فأتى ﷺ في منزل، فمَرَّت أرْنَبَة، فأنفجناها -أي: طاردناها- ففرت فصدتُها، فأتيت بها أبا طلحة، الفار المشهور، فذبحها وطبخها، وأهدى وِركها لرسول البشرية ﷺ فقَبِلَه وأكله﴾. وهذه من الأحداث التي حدثت في الطريق، يرويها ابن كثير وابن حجر، متابَعةً لوقائع انتقال الرسول ﵊ من المدينة إلى مكة. ونزل ﷺ قبل الظهر، فوجد الأراك وعليه ثمرٌ أحمر، فبدأ يأكل ﷺ منه، فلما رآه الصحابة نزلوا يأكلون معه مشاركة له؛ لأنهم إذا رأوه في أمر شاركوه فيه من الحب ومن التوقير والاحتشام، فقال: ﴿عليكم بالأسود من الكُباث -أي: من الثَمَر- فتبسم الصحابة، وقالوا: كأنك رعيت الغنم يا رسول الله قال: نعم رعيتها. وما من نبي إلا رعى الغنم. ﴾ لأنه لا يعرف الثمر الأسود من الأحمر من الجيد من الكُباث إلا من رعى الغنم، فأخبرهم بذلك. وصل ﵊ إلى مشارف مكة، وما أتى قريشاً؛ لأنه دعا عليهم أن يأخذ الله أبصارهم وأسماعهم، فلا يأتيهم أي خبر، فما علموا أبداً أنه تحرك بجيش، وهذا خلاف ما أقره العقلاء - باستقراء من أحوال الأمم - أن الجيوش العظيمة إذا تحركت من مكان إلى مكان لا بد أن يأتي خبر، من التجار والرعاة، والمسافرين، والمتنقلين، والأعداء، ومن الجواسيس؛ لكن هؤلاء ما أتاهم أي خبر، وهم في مكة.

стр. 6325

تقسيم الجيش وعندما نزل ﵊ قسَّم جيشه إلى أربع كتائب: الكتيبة الأولى: يقودها سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه وهي (كتيبة الموت) كما سماها أبو سفيان -و (الموت الأحمر) كان كامناً في هذه الكتيبة كما يقول ابن حجر - وقائدها سعد بن عبادة الخزرجي ﵁ وأرضاه. الكتيبة الثانية: يقودها خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه ودخل من الخندمة، وهي التي قاتلت أشد القتال يوم الفتح. الكتيبة الثالثة: يقودها أبو عبيدة عامر بن الجراح ﵁ وأرضاه. الكتيبة الرابعة: يقودها الزبير بن العوام ﵁ وأرضاه حواريِّ الرسول ﵊ وقد أتت من جنوب مكة. فلما نزلوا طوَّقوا مكة من كل النواحي، وأمر الرسولُ ﵊ الجيشَ أن يشعل كل واحد منهم ناراً تتوقد، فقام كل جندي وجمع حطباً وأشعل ناراً، فأخذت جبال مكة تلمع في الليل، حتى أصبح كأنه نهار، فخرج أبو سفيان، وأخبره بعض الرعاة: أنهم يرون ناراً في جبال مكة، فقال للعباس: يا أبا الفضل! اخرج معي فإني سمعتُ أن هناك نيراناً في نواحي مكة، فخرجوا ومعهم حكيم بن حزام وبُدَيْل بن وَرْقاء، فنظروا إلى الجبال، قال أبو سفيان: ما هذه النيران؟ كأنها نيران عرفة، أي: يوم الحج، فقال حكيم: أظنها نيران بني عمرو، قال: بنو عمرو أذل وأقل من ذلك، قال: أظنها نيران خزاعة، قال: خزاعة أذل وأقل من ذلك، فقال العباس لما علم أنه الرسول ﵊: يا أبا سفيان، أنقذ نفسك، والله لئن دخل رسول الله ﷺ ليقتلنك بكرةً نهاراً، قال: وما الحل يا أبا الفضل! فداك أبي وأمي؟ قال: اركب معي، فهذه بغلة الرسول ﵊، وكانت بغلته شهباء، فركب في عجزها، ومر بالمخيمات والمعسكرات خيمة خيمة ومعسكراً معسكراً، لا يعرفه الأنصار، لا يعرفون أبا سفيان إلا النادر منهم، ولا تعرفه قبائل العرب. فلما مر بخيمة عمر، ثار عمر إلى خيمته فاختلع سيفه سالاًّ إياه، وأتى وراء البغلة، فلما رأى العباسُ أن عمر يطاردهم، حرك البغلة إلى الرسول ﵊، وعمر ينادي في الناس: عليكم بـ أبي سفيان، عدو الله، أمكن الله منه، فدخل أبو سفيان وراء العباس في خيمة الرسول ﵊ حيث القيادة، وحيث الحِلْم والكرم. من زار بابك لم تبرح جوانبه تروي أحاديث ما أوليتَ من مِنَنِ فالعين عن قرة والكف عن صلة والقلب عن جابر، والسمع عن حسنِ فنزل العباس، وأنزل أبا سفيان، فلما رآه ﷺ تربع، وقال: ﴿يا أبا سفيان! أما علمتَ إلى الآن أن (لا إله إلا الله)؟ أما علمتَ أنه لا أكبر من الله؟ فما لك تفر يا أبا سفيان؟ فدخل عمر ولم يَرُد أبو سفيان، فقال عمر: يا رسول الله! أمكني من عدو الله ومن عدو رسوله والمسلمين، هذا أبو سفيان أمكن الله منه، فقال الرسول ﷺ : اجلس يا عمر﴾ والسيف مسلول بيد عمر ﵁ وأرضاه. قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها فنزل وجلس، فأخذ عمر يُلِحُّ، لا يريد الصلح مع أبي سفيان، يريد قَتْله، فقال العباس غضباناً: ﴿هوِّن يا عمر! فوالله لو كان من بني عدي بن كعب ما فعلتَ ذلك -يقصد: أسرة عمر - فقال عمر: وهوِّن أنت يا عباس! فوالله لإسلامك أحب إلي من إسلام أبي الخطاب؛ لأن إسلامك أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام أبي، وما يحبه ﷺ أقدم مما أحبه أنا، ثم تكلم ﷺ مع أبي سفيان، فقال: ألا تقل: لا إله إلا الله؟ فقال أبو سفيان: ما أحلمك! وما أكرمك! وما أوقرك! وما أجلك! -ومن هذا الكلام الذي يريد أن يستدر عطف الرسول ﵊ به، فقال العباس: يا أبا سفيان، أسلم، لا يقتلك رسول الله ﷺ ، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: اشهد أني رسول الله، قال: أما هذه ففي النفس منها شيءٌ، قال العباس: يا أبا سفيان! أسلم، قال: وأشهد أنك رسول الله -دفعها؛ لأنه خاف من السيف المصلت- فقال ﵊ لما خرج أبو سفيان، وقد حقن دمه بالإسلام، قال لعمه العباس: يا عم! احبسه عند غدير الخُطَم﴾ وقيل: ﴿عند العُقُنْقُل﴾ وقيل: ﴿عند مجرى الوادي حتى تمر عليه الكتائب في الصباح﴾ لأن الرسول ﵊ خشي منه أن يذهب فيدبر جيشاً يصادم جيش الرسول ﵊ فيريد أن يرهبه برؤية الجيش يوم يَمُر، فذهب به العباس فأنزله عند الخُطُم، فأوقفه. ولما ظهر الصباح، وأشرقت الشمس أمر الرسول ﷺ الجيش أن يتحرك إلى مكة، لأن الله يقول: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ [الفتح:١]. واستفاقت على صباح جديد ملء آذانها أذان بلالِ فوقف أبو سفيان ومعه العباس فمرت (كتيبة جهينة) وهم ألف مقاتل، لا يرى منهم إلا الحدق، أي: مدجَّجون بالسلاح، قال: من هذه؟ قال: جهينة، قال: وما لي ولجهينة، بمعنى: هل أنا قاتلتُ جهينة؟ ثم مرت كتيبة غِفار فقال: من هذه؟ قال: غِفار، قال: وما لي ولغِفار، حتى مرت كتيبة الموت معها سعد بن عبادة، وهم الأنصار، وهي أعظم كتيبة وجدت في الجيش، فلما مرَّ سعد بن عبادة زاحم أبا سفيان عند مضيق الوادي، حتى كاد أن يُتْلِفَه من مكان هناك، ثم قال: يا أبا سفيان! اليوم يوم الملحمة، يقصد: يوم القتل، فصفَّق أبو سفيان بيديه، وقال: أُبيدت خضراء قريش، أي: معناه القتل، وذهب أبو هريرة يسعى إلى الرسول ﵊ وهو في آخر الجيش، وقال: يا رسول الله! أما سمعتَ ماذا يقول سعد بن عبادة؟ قال: ماذا يقول؟ قال: اليوم يوم الملحمة، قال: خذ الراية من سعد بن عبادة -كالمؤدِّب والمعزِّر له- واعطها ابنه قيس بن سعد، فانظر إلى الحكمة، لو أخذها منه إلى غيره لغَضِبَ سعد، ولو تركها عنده خاف أن يُفْشِي قتالاً؛ لأن الرجل جديرٌ وشجاع ومن أرهب الرجال، فأخذها منه تعزيراً له، ودفعها إلى ابنه لئلا يجد في نفسه، فأخذها قيس بن سعد، ومضى ﵊ فلما مرَّ بـ أبي سفيان قريباً منه، قال أبو سفيان: من هذا؟ قال: هذا رسول الله ﷺ ومعه المهاجرون، وكان بعيداً عنه قليلاً، فقال: من هذا الرجل الذي يتبسم إليه ويتبسم إليه أي: أن هذا يتبسم لهذا وهذا يتبسم لهذا، قال: هذا أبو بكر، قال: لقد عظم قدر ابن أبي قحافة، أي أنه كان في الجاهلية ما له ذاك الصيت كـ أبي سفيان، والآن هو من القواد الكبار مع الرسول عليه الصلاة والسلام

стр. 6326

فتح مكة ومرَّ ﵊ فقال: ﴿متى تسمعوا بأول راية تصل إلى الحرم فأخبرونا﴾ فكان الزبير بن العوام، أبو عبد الله، الحواريّ الكبير هو أول من كان له شرف السبق، نزل بجيشه بـ (ريع الحُجُون) قريباً من الحرم، فنصب رايته، فلما رآها ﷺ تلمع مع الهواء، دمعت عيناه فرحاً بنصر الله، ونكس رأسه تواضعاً لله . قال ابن كثير: فانظر إليه في وقت النصر، كيف يتواضع ويهضم نفسه ﵊؟! ثم مضى ﷺ وكان يسأل: ﴿هل هناك من قتال في أطراف الناس؟﴾ فيخبرونه أن لا قتال، ويلتفت ﵊ إلى جهة الخندمة، وهي مدخل من كِداء، فيجد السيوف تلمع في الضحى، والغبار ينقاد من على جبال مكة، فيسأل: ﴿من هذا؟ فيقولون: خالد بن الوليد يقاتل كفار قريش فاحمرَّ وجهه ﷺ ﴾ لأنه لا يريد القتال، فأرسل أناساً من الصحابة، اسألوا: ما الخبر؟ فأتوا وأخبروه: أن عكرمة بن أبي جهل رصد كميناً لـ خالد، فتقاتلوا معه، فعاد خالد إلى الصحراء، وهذا من دهاء خالد، ولذلك فإن من عباقرة العسكريين في تاريخ العقلاء وفي تاريخ العالم: خالد بن الوليد، وكتب عنه حتى أهل الغرب الأعداء، كتباً جردوها لسياسته، فإنه لما دخل في سكك مكة بالجيش، قام نساء مكة عليه بالحجارة من على السطوح، وخرج عليه مقاتلون من السكك والشوارع، فتظاهر بالانهزام، فانهزم معه الناس، فلما خرج إلى الصحراء، كرَّ عليهم فأباد خضراءهم. ولذلك روى ابن كثير والذهبي أن رجلاً من كفار قريش أخذ سيفه يسمُّه شهراً -يسقيه السم من رأس السيف- وكان يرقص عند زوجته ويتمدح عندها ويقول: هذا سلاحٌ كاملٌ وأَلَّه وذو غِرارَين سريع السله قالت: ماذا تفعل به؟ قال: أفتك بمحمد وأصحابه، وأقودهم لك خدماً يخدمونك في بيتك. وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا فأتت المعركة، فأتى هذا الرجل، فدخل مع صفوان وعكرمة يوم الخندمة، فقاتل فتظاهر خالد بن الوليد بالانهزام، فخرجوا له بنسائهم وأطفالهم، فكر عليهم، فأخذ المسلمون يضربونهم بالسيوف ضرباً لا مرحمة فيه، فدخل هذا الرجل وقد تثلم سيفه ولما دخل بيته أغلق على نفسه الباب وزوجته معه، هذا صاحب التمدح القائل: هذا سلاحٌ كاملٌ وألَّه وذو غِرارَين سريع السلَّه قالت: أين أنتَ؟ ما أجدى عنكَ سيفكَ؟ قال: إنكِ لو شهدتِ يوم الخندمه إذْ فرَّ صفوان وفر عكرمة يقول: إذا كان فر صفوان وعكرمة وهم القادات فأنا من باب أولى. والمسلمون خلفنا في غمغمه يلاحقونا بالسيوف المسلمة أي: أنهم لا يتكلمون مثل الناس. لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه ودخل خالد ﵁ وأرضاه، ولما وصل ﷺ إلى ريع الحجون - كما يقول ابن كثير - التَفَتَ فرأى الخيالة، -خيالة خالد - وقد دخلوا من سِكَّة من جانبه، وإذا النساء القرشيات الكافرات يلَطِّمْنَ بالخُمُر على وجوه الخيول، يُرِدْن رَدَّ الخيول، فتبسم ﵊ وقال لـ أبي بكر -وكان أبو بكر حفاظة نسابة علامة في الأشعار والأخبار- قال: ﴿يا أبا بكر! كيف يقول حسان؟﴾ لأن حسان يقول قبل ستة أشهر: عَدِمْنا خيلَنا إن لم تروها تثيرُ النَّقْع موعدها كِداءُ تظل جيادنا متمطرات تُلَطِّمُهُنَّ بالخُمُر النساءُ فوقع ما قال تماماً، فإنهم دخلوا من كِِداء، ولطمت النساء الخيل بالخمر، حتى أنه يقول: تظل جيادنا متمطرات تلطمهن بالخُمُر النساءُ يرد على أبي سفيان بن الحارث، يقول: هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه وعند الله في ذاك الجزاءُ أتهجوه ولستَ له بكفءٍ فشركما لخيركما الفداءُ فتبسم ﵊، وأشار وقال: ادخلوا من حيث يقول حسان، ثم دخل ﵊، والصحيح عند أهل العلم أنه دخل من باب بني شيبة، وقيل: من باب تجاه المروة؛ لكن لا يهمنا هذا. دخل ﵊ فلما رأى البيت كبر، وهلل اللهََ وأخذ المنادي ينادي: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن، ومن دخل بيته فهو آمن، ومن دخل الحرم فهو آمن، فأخذ كفار قريش يلقون السلاح، ويتكدسون في الحرم، ويغلقون عليهم بيوتهم ويدخلون في بيت أبي سفيان، وأخذت هند تتعلق برأس زوجها أبي سفيان، لأنها تقول: إنه هو الذي فشل الناس، أي: ما قاتل، وتقول: ماذا تغني عنك دارُك؟ لا أغناك الله، أو كما قالت.

стр. 6327

دخول الرسول ﷺ وأصحابه مكة دخل ﵊ مكة والصحيح أنه أول ما دخل لم يكن محرماً، بل كان في لباسه، وكان عليه الدرقة، وعمامة سوداء، أي: كانت عليه ﷺ الخوذة العسكرية، وكانت عليه عمامة سوداء، قد أرخى ذؤابتها من وراء كتفيه، وأخذ ﷺ يدعو الله، فلما رأى البيت هلل وكبر وسبح ثم بدأ يطوف. وأما الصحابة فأخذت جيوشهم تدخل من كل جهة، فدخل الزبير من جهة الحجون، فأخذ على الأبواب بجنوده، ودخل خالد بن الوليد ﵁ وسعد بن عبادة، وابنه قيس وأبو عبيدة، فلما تكامل الناس، أمر ﷺ بغلق الأبواب، ألا يمضي أحدٌ، ولا يدخل ولا يخرج، وقام ﵊ فدخل في نواحي البيت، ومعه قوس. وكان - كما قيل عند بعض أهل العلم - يطوف على ناقته، فأخذ على الأصنام وكانت ثلاثمائة وستون صنماً. وانظر إلى هذه الأصنام كيف تركها ﵊ ثلاث عشرة سنة في مكة، كان يدعوهم إلى (لا إله إلا الله) وأتى وهذه الأصنام في أماكنها، فما غير صنماً منها؛ لأن تغيير الباطل ليس بهذا الأسلوب، لأنه قد يكسرها من الواقع؛ لكن لا يكسرها من القلوب، وإذا كسرها وهاجمها يغضب إليها ألوف وألوف، فيقعون في إرباك ومشقة. فدخل ﵊ فأخذ يسدد رمحه، وقيل: سِيْتَه، وقيل: قوساً في يده، إلى وجوه الأصنام ويقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً﴾ فكان قبل أن يصل القوس إلى الصنم يسقط الصنم على وجهه، وربما سقط على قفاه، ودخل ﵊ فأمر بغلق باب الكعبة، ودخل معه أسامة وبلال بن رباح، وانظر إليه كيف يعظم ويوقر المعظمين في الإسلام، فإنه أدخل أسامة وبلالاً وهما من الموالي، ولم يدخل أبا بكر ولا عمر، فأتى ﵊ فوجد صورة إبراهيم ﵇ وابنه إسماعيل ﵉، وهما مصوران، وبأيديهما الأزلام يستقسمان بها، على مذهب الجاهليين الوثنيين، فقام ﷺ يمحو الصور ويقول يقصد كفار قريش: ﴿قاتلهم الله! لقد علموا إن استَقْسَما بالأزلام قط﴾ كيف يستَقْسِمُون بالأزلام، وإبراهيم أستاذ التوحيد في الدنيا، وهو الذي أتى بـ (لا إله إلا الله) وقررها في البشرية، ويظهرونه في مظهر المشرك، وهذه هي الدعايات الأثيمة، يوم يأتون ببعض الصور أو ببعض الدعايات عن الدعاة أو العلماء أنهم فعلوا كذا وكذا؛ ليغرروا بها الناس، فيقولون: هذه صورة إبراهيم، وهذه صورة إسماعيل، يسْتَقْسِمان بالأزلام. ثم أمر ﷺ بإخراج الأصنام من الكعبة، فأخرجت، فقام فصلى، وهذا على الصحيح؛ لأن بعض الحفاظ عند البخاري ومسلم أنكروا الركعتين داخل الكعبة, والصحيح: أنه ركع ﵊. ففي (الصحيح) من حديث ابن عمر، قال: ﴿دخلت بعدما خرج ﷺ ، فقلت لـ بلال: أين صلى ﷺ ؟ قال: صلى هنا، فوجدتُ أنه ترك عن يمينه عمودين, وعن يساره عموداً، ووراءه ثلاثة أعمدة، واستقبل الباب﴾ أي: استقبل ﷺ باب الكعبة -الآن من داخل الكعبة- وصلى ركعتين، ثم خرج وقد سكت الناس، وامتلأ الحرم بالناس، ما بين رجال من كفار قريش وأطفال ونساء، وأما المقاتلون فوقفوا عند الأبواب، من المهاجرين والأنصار، وقبائل العرب، فأخذ ﷺ بحلق الكعبة، فسكت الناس فقال: ﴿الحمد لله الذي نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، ثم التفت إلى كفار قريش، وقال: ما ترون أني فاعل بكم؟ -معناه: أنكم آذيتموني وشتمتموني وطردتموني وقاتلتموني، فاليوم هذا جيشي، والسيف بيدي، وما بأيديكم شيء، فما الذي تتوقعون أن أفعل بكم؟ - فارتفع البكاء حتى اختلط بكاء الرجال بالنساء والأطفال، وقال كبراؤهم: أخٌ كريم وابن أخٍ كريم -يقولون: اعفُ عنا، أنت أخونا، ولكنهم ما تذكروا في بدر كلمة أخ كريم وابن أخٍ كريم، ولا في أحد، ولا في الخندق، أما اليوم فتذكروا لما رأوا السيف الأملح أنه أخٌ كريم- فقال ﵊: اذهبوا فأنتم الطلقاء﴾ فتباكوا أكثر، فقام أبو سفيان فقال: ما أرحمك! وما أوصلك! وما أبركك! فنسي ﵊ كل ما ذاقه، فأنزل الله عليه قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] وقوله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] وقوله جل ذكره: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].

стр. 6328

أمر الرسول بقتل ابن خطل ونزل ﵊ من عند باب الكعبة، وتوجه إلى سارية في آخر المسجد، فجلس وألقى خوذته في الأرض، ثم خلع العمامة ليبرك تحت السارية، وقام الصحابة والسيوف حوله، فقالوا: ﴿يا رسول الله! ابن خطل معلق بأستار الكعبة﴾ أي: ما الحل فيه؟ ابن خطل اسمه: عبد الله بن عبد العزى، ونعوذ بالله من الخذلان، يقول ابن تيمية: قد يوجد بعض الأسماء، مثل: بأن يُسمى: تقي الدين، أو صدر الدين، أو ظهير الدين، أو نجم الدين، ومع ذلك يكون من أعدى الأعداء لأهل الدين، وتجد من الناس من يكون اسمه: عبد الله، أو عبد الرحمن، أو عبد الرحيم، أو عبد السلام ويكون من أعداء الله. فهذا اسمه: عبد الله بن خطل أسلم وارتد على عقبه، أرسله ﷺ إلى مكة، وأعطاه خادماً معه، قال: ﴿هذا يخدمك﴾ انظر إلى الإحسان وحسن الخلق منه ﷺ ، وأمره أن يجبي بعض الزكوات أو في مهمة، وقال: ﴿هذا خادم يخدمك، وهذان تَيْسان معك، أحدهما غداء لك اليوم، والآخر غداء لك غداً﴾ فذهب فلما قرب من مكة، نام في الطريق، وقال للخادم: اذبح لنا هذا التيس غداءً ونام، والخادم كان كالاً ومالاً وفاتراً فنام أيضاً، فاستيقظ فإذا الخادم نائم وإذا التيس يقظان، فقام على الخادم فقتله. وارتد عن الإسلام, ولم يَكْفِه هذا بل أخذ عوداً ومغنية، وجلس عند الحجر الأسود لتغني له المغنية الشعر الذي يُهْجَى به ﷺ ، فلما أتى يوم الفتح، أراد أن يستنجد بأستار الكعبة، فتعلق بثياب الكعبة، وهو يقول: إنه يريد أن يعفو عنه ﷺ ، فأتى الخبر الرسولَ ﵊، قالوا: ﴿ابن خطل معلق بأستار الكعبة، قال: اقتلوه فتناوله الزبير بن العوام وأبو برزة، كلٌّ بيد، حتى طرحوه عند المقام وقتلوه﴾.

стр. 6329

إسلام بعض الوجهاء من كفار مكة ولما انتهى ﵊ قام وترك الناس مكانهم، ثم أخذ طريقه إلى بيت أم هانئ، وهي ابنة عمه -أخت علي بن أبي طالب - وكانت مسلمة، لكنها كانت في الحرم، فسبقها ﷺ إلى البيت، ومعه ابنته فاطمة، فدخلت فاطمة وراء الرسول ﵊، وأتى ﵊ ليغتسل، وهذا من نظافته واعتنائه بجسمه، حتى أن سعيد حوى يقول: مع هذه المشاغل، وهذه الدواعي، والأحداث لم يترك ﷺ الاعتناء بنفسه وبجسمه. تقدم ﵊ إلى البيت وأمر فاطمة أن تستره بثوب، فاغتسل ﵊، وبينما هو في المغتسل إذ دخلت أم هانئ، وقالت: السلام عليكم، فقال ﵊ وهو في المغتسل، وفاطمة تستره بثوب، وهي من وراء الثوب: ﴿من هذه؟ قالت: أم هانئ، قال: مرحباً بـ أم هانئ﴾. ولذلك يستدل به بعض أهل العلم في استخدام الألفاظ كمرحباً وأهلاً وسهلاً، وكلها واردة. فقالت أم هانئ: فجلستُ في البيت وخرج ﷺ فاستقبل القبلة وصلى ثمان ركعات ضحى، قالت: ما أدري هل يقرأ الفاتحة أم لا؟ من سرعة الركعات، قيل: هذه ركعات الضحى، وقيل: ركعات الفتح، فلما سلم ﵊ التفت إلى أم هانئ، وقال: ﴿ما الخبر؟ قالت: زعم ابن عمك أنه يقتل ابن هبيرة، وقد أجرتُه يا رسول الله! فتبسم ﵊ وقال: قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ﴾. وابن هبيرة هذا كافر، قريب لـ علي بن أبي طالب. ولما دخل علي ﵁ ذاك اليوم رأى ابن هبيرة بين الناس، فأخذ علي يتفلت عليه بالسيف يريد قتله في الحرم، فأخذ الناس يحولون بينه وبين علي ﵁ وعلي يأبى إلا أن يقتله، فأتى ابن هبيرة النساء، وهن عمات علي وخالاته ليمسكن علياً -لأن ابن هبيرة وعلياً أقارب- فيتفلت علي والسيف مسلول، ويقول: أقتله اليوم، فأتت أم هانئ تقول: أجرتُه أجرتُه، فما سمع لها علي حتى ذهبت إلى الرسول ﵊، فقال: ﴿قد أجرنا من أجرتِ﴾. فأتت وأخبرت علياً فسكت ﵁ وأرضاه.

стр. 6330

إسلام عبد الله بن سعد ونزل ﵊ فصلى بالناس الظهر، ثم جلس يسمع للناس، وأتاه من يتوب، وأتاه من يعلن الإسلام، فوصل إليه عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وكان كافراً، ملحداً بالله العظيم؛ لكن أعلن إسلامه في ذلك اليوم، وقد آذى الإسلام كثيراً، فشفع له عثمان بن عفان، أخوه من الرضاعة، فسكت ﷺ وعثمان يتكلم، والرسول ﵊ ساكت لا يجيب، يريد أن ينبري أحد الصحابة، ليضرب عنق هذا الفاجر؛ لكن سكتوا، فلما طال الكلام عفا عنه ﷺ فأخذه عثمان بيده وولى به؛ لأنه أخوه من الرضاعة، فقال ﵊ للصحابة: ﴿لِمَ لَمْ تقتلوه؟ قالوا: يا رسول الله! انتظرنا أن تومئ لنا بعينك أو تحدث لنا، قال: ما كان لنبي أن تكون له خائنة أعين﴾ إنما هي الصراحة والوضوح والصدق والإخلاص مع الله . وبعض الكفار من وجهاء مكة قد فروا، منهم:

стр. 6331

إسلام صفوان بن أمية صفوان بن أمية:- ركب إلى جِدَّة، وجِدَّة - والحمد لله - تُنْطق جِدَّة، وجَدَّة وجُدَّة، قالها أهل اللغة. فهو يريد الهجرة والذهاب إلى الحبشة. وقد عاد الناس من الحبشة، وهو بادئ في الهجرة؛ ولكن للشيطان, فوقف وراءه عمير بن وهب وقال: يا صفوان! لا تفجعنا بنفسك. وعمير بن وهب هذا صاحب قصة قديمة. أنه جلس مرة عمير بن وهب مع صفوان وغيره تحت ميزاب الكعبة، والرسول ﷺ في المدينة، بعد معركة بدر، فقال عمير بن وهب: يا صفوان! أما ترى ماذا فعل محمد بآبائنا وإخواننا يوم بدر قتلهم؟ قال: نعم. قال: لو وجدتُ أحداً يقوم بأهلي وأسرتي وأطفالي لذهبت إليه في المدينة فقَتَلْتُه، قال: أنا أبو أسرتك بعدك وأبو أطفالك، فاذهب إليه، فحمَّله بالمال، وأعطاه المِيْرة، وذهب إلى المدينة بسيفه، فلما اقترب من المسجد، رآه عمر، فقال: إني أرى الشر بين عينَي هذا الفاجر، فتقدم عمر إليه فأخذه بتلابيب ثيابه وبحميلة سيفه وأدخله على الرسول ﵊ في المسجد، فأجلسه، فقال الرسول ﷺ : ماذا أتى بك يا عمير بن وهب؟ قال: أتيتُ أفادي بعض الأُسارى من أسارى بدر عندك، قال ﵊: لا. والذي نفسي بيده، لكنك جلستَ أنت وصفوان تحت ميزاب الكعبة، وقلتَ: لو وجدتُ من يكفل أطفالي وأسرتي لذهبتُ إلى محمد أقتلُه، أما فعلتَ؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فرجع مسلماً منيباً إلى الله ، فهو من الداخلين في الإسلام. فلما فَرَّ أصبح صفوان في الميناء، قال له عمير: تعال يا صفوان! إنه من أحلم الناس، وأوقر الناس، قال: وما علامة ذلك؟ قال: هذا، أعطاني ﷺ أماناً قيل: من العمامة، وقيل: من الثوب. فأتى صفوان فوقف على رأس الرسول ﵊، فقال: أَصَدَقَ هذا أنك أمنتني؟ قال: كم تريد من الأمان؟ قال: أربعة أشهر -حتى يفكر في الإسلام، هل يدخل العقل أم لا؟ والناس قد دخلوا زرافات ووحداناً، وهو باقٍِ يستخير!! -فقال ﵊: خذ أربعة أشهر فأعطاه أربعة أشهر، فأسلم ﵁ قبل الأربعة.

стр. 6332

إسلام عكرمة بن أبي جهل عكرمة بن أبي جهل:- وأما عكرمة فذهب إلى أرض اليمن، فلَحِقَتْه زوجته، فأتت به -ابن الطاغية الكبير، ابن فرعون هذه الأمة: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٢٧]. فأتى عكرمة -فلما رآه الرسول ﵊ مقبلاً مع زوجته انظر إلى الاحتفاء والعفو والسماحة، لو كان غيره من الأقزام، كان تهدد عكرمة، وقال: انظر كيف فعلنا بكم وهزمناكم وسحقناكم؛ لكن لا، بل قام ﵊ يجر رداءه حتى لقيه على الفرس، قال: ﴿مرحباً بالراكب المهاجر﴾ -يقصد أنه راكب ومهاجر إلى الله ورسوله، لم يقل: إنك منهزم، وفار، وقال: ﴿مرحباً بالراكب المهاجر، فقال عكرمة: لا أترك موقفاً وقفت فيه ضدك أو مع من حاربك إلا وقفت معك فيه يا رسول الله﴾. فَصَدَقَ موعود الله، وبايع الله، فبقيت بيعة الإسلام في عنقه حتى يوم اليرموك، يوم انهزمت ميمنة المسلمين في عهد أبي عبيدة وخالد، فقام عكرمة وذهب إلى خيمته، فاغتسل وتحنط ولبس أكفانه، وسل سيفه، وقال: من يبايعني على الموت؟ فبايعه أربعمائة بطل، فشق بهم الصفوف، وقُتِلوا وأُتِي به إلى خالد، وقد تجندل، وكان قبلها يقرأ القرآن ويقبله ويبكي ويقول: [[كلام ربي كلام ربي]] واستدل بعض أهل العلم على جواز تقبيل المصحف من فعل عكرمة. ولا بأس بالاستطراد مع عكرمة. فلما أُتي به إلى خالد، وضعه خالد في حجره، ووضع ابن عكرمة وكان شاباً صغيراً في حجره كذلك؛ لأن خالد هو القائد، وأتى بـ الحارث بن هشام ﵁ وأرضاه. الحارث بن هشام: عم عكرمة، أخو أبو جهل، انظر كيف هدى الله حارثاً إلى الجنة، وأخذ أبا جهل إلى النار. والحارث بن هشام من أغنى أغنياء مكة، كان يطوف بجفنته على رأسه مكللة بالثريد كل صباح إلى الأيتام والمساكين. فلما خرج إلى الجهاد في الشام بكى أهل مكة جميعاً عليه، والحارث بن هشام، هو الذي هجاه حسان يوم بدر، لأنه فر من بدر، حين كان مع المشركين، فيقول حسان: إن كنتِ كاذبةَ الذي حدثْتِنِي فنجوتِ منجى الحارث بن هشامِ ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ونجى بفضل طمرَّةٍ ولجامِ فلما أتى يوم اليرموك صدقوا الله جميعاً فقُتِلوا، فكانوا أربعة: فقال خالد لـ عكرمة: ماذا تريدون؟ فما استطاع عكرمة أن يتكلم -لأن الموت قد داخَلَهُ، وموعود الله قد وصله، والعهد الذي قطعه مع الله قد ختمه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١]-. فظن خالد أنهم يريدون الماء، فَدُعِا بماء بارد من الخيمة، فقدمه لـ عكرمة فرفض، وأشار إلى عمه الحارث، ليشرب قبله -انظر إلى الإيثار حتى في سكرات الموت: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]. وكأن ظل السيف ظل حديقة خضراء تنبت حولها الأشجارا أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا فوصل الماء إلى الحارث، فقال: إلى عكرمة، فأعطوه عكرمة فرفض إلا أن يشرب المسلم الرابع قبله، فرفض المسلم، فعادوا إلى عكرمة، فوجدوه قد مات، ودفعوه إلى الحارث، فإذا هو قد فارق الحياة، وإلى الثالث فإذا به قد مات، وإلى الرابع فوجدوه ميتاً، فرمى خالد بالكوب، وقال: [[اسقهم في جنتك، زعم الناس أنا لا نموت، بلى والله نموت تحت قصع السيوف وضرب الرماح]].

стр. 6333

حب الأنصار للرسول ﷺ ووصل بعض الناس، وأسلموا عند الرسول ﵊ يوم الفتح، فقبل إسلامهم، وعاد ﵊ وإذا الأنصار قد اجتمعوا، فقال: ما لكم رحمكم الله؟ فإذا التأثر قد ظهر عليهم، وبعضهم قد دمعت عيناه، وقالوا: يا رسول الله! سمعنا أنك تقول: سوف تقيم في مكة وتتركنا في المدينة، وكان المتكلم سعد بن عبادة -كما قيل- وقال: يا رسول الله! نصرناك، وآويناك، وبعدها تقيم مع أهل مكة وتتركنا؟ قال ﵊: ﴿الحياة حياتكم، والموت موتكم﴾. ولذلك أكثر من يَرِدُ الحوض والرسول ﵊ واقف يسقي الناس جماعات، الأنصار، وهو يقول لهم في الدنيا: ﴿اصبروا حتى تلقوني على الحوض﴾ فهو العلامة الفارقة بين الأنصار والوعد، والرمز الذي جعله ﷺ هو الحوض المورود، وطوله شهر، وعرضه شهر، والرسول ﵊ على الصحيح يسقي الناس بيده ﷺ ، فهو يسقيهم بيده يوم القيامة، نسأل الله أن يسقينا بتلك اليد الشريفة، وبذاك الحوض المورود شربة لا نظمأ بعدها أبداً. ﴿فلما أقنعهم ﷺ فرحوا وارتاحوا، وأتى رجل آخر، فقال: أين تنزل غداً يا رسول الله؟ -يقصد: في مكة، هل لك أملاك تنزل فيها؟ - قال: وهل ترك لنا عقيل من رِباع؟﴾ وعقيل بن أبي طالب، ابن عم الرسول ﵊، أخو علي وأبو طالب مات مشركاً كما تعرفون وقد خلَّفَ أربعة أبناء: أما اثنان فسبقا إلى الإسلام، وكانا نجمين ساطعين في تاريخ الدعوة المحمدية والرسالة الخالدة: جعفر الطيار: الذي مُزِّق وقُطِّع في مؤتة، والذي ارتفع إلى الله وله جناحان، يطير بهما في الجنة حيث يشاء. أبو الحسن علي بن أبي طالب: الزاهد العابد، صانع الكلمة الحارة. وأما الآخران فكانا غير مسلمَين: طالب: مات مشركاً. عقيل: كان همه بيع الأملاك، أملاك الرسول ﵊ في مكة، وأملاك علي بن أبي طالب، يوزعها على الكفار، فباعها جميعاً. فهم جميعاً أربعة: طالب أكبر من عقيل بـ (١٠) سنوات. وعقيل أكبر من جعفر بـ (١٠) سنوات. وجعفر أكبر من علي بـ (١٠) سنوات. وعلي الأصغر. فبين الأكبر والأصغر (٤٠) سنة. فلما سُئِلَ الرسول ﷺ : أتنزل في دارك؟ -أي: قبل أن تهاجر- قال: ﴿وهل ترك لنا عقيل من رباع؟﴾ أي: ما أبقى لنا شيئاً، لا بيتاً ولا وادياً، والله المستعان. لما حانت صلاة الظهر سكت الناس جميعاً، وأمر ﷺ بلالاً أن يقوم فيؤذن على الكعبة. وكان يستطيع أن يؤذن على البساط أو بجانب سارية؛ لكن هكذا؛ ليكون صوت الحق عالياً، وكأنه يقول: هذا العبد الفقير الحقير الذي أخرجتموه، والذي ردَّد: أحدٌ أحد، يردد الآن صوت الحق. وكان بلالٌ قليل اللحم، فقيل: لَمَّا تسلق الكعبة كان كأنه صقر، لم يكن هناك سُلَّم، وإنما وثب وثباً حتى صعد. فلما صعد أخذ يصدح بصوته الندي الشجي الذي يأخذ بأطناب القلوب. فيقول عتاب بن أسيد، أحد سادات مكة: لقد كان من الفتح أن يموت أسيد قبل أن يسمع هذا الغراب يؤذن على هذا المكان. ويقول عمرو بن سعيد بن العاص: لقد كان سعيد موفقاً يوم أن لم ير هذا السواد على هذا البيت، وسعيد هو أبوه، وكان قد قتل في بدر. ويقول أبو سفيان: دعوه، فإن كان موفقاً أَتَمَّ، وإلا فسوف يخسف الله بهم الكعبة، بمعنى: أن الرسول ﷺ إن كان موفقاً في دعوته أَتَمَّ الله له، وإلا فسوف يخسف الله بهم الكعبة؛ لأنهم أطلعوا العبد على الكعبة، انظر إلى الورع والزهد!! يقول : ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال:٣٥] أي: هل هؤلاء أهل صلاة وأهل عبادة؟! إنهم لا يعرفون إلا تصفيقاً وغناءً. ويقول : ﴿سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون:٦٧]. ولذلك ليسوا بأوليائه؛ إنما أولياؤه: محمد ﵊ وأصحابه. فلما أذن ذلك اليوم، كان يوماً مشهوداً في تاريخ البشرية، وكان ميلاد مكة ذلك اليوم، وكان هو الفتح، فإنها - كما يقول أبو ريشة: فاستفاقت على صباح جديد ملء آذانها أذان بلالِ لأنه قبل هذا البيت قال: قال: ياعمِّ! لا تدعني هنا وحدي ما لي سواك من مفضالِ فتلقاه بالدموع وسارت بهما الخيل في شعاب التلالِ فاستفاقت على صباح جديد ملء آذانها أذان بلالِ فرضي الله عن بلال، وأكرم مثواه، وحشرنا معه، ومع كل صِدِّيق. وعاد ﵊ بعد هذا الفتح، وأحداثه تطول؛ لكن فيها دروس وعبر، وسيرته ﷺ مناطها يدور على ثلاثة أمور: الأمر الأول: العقيدة: فإن المعتقد يطلب من السيرة. الأمر الثاني: الأحكام: فإن السيرة مليئة بالأحكام. قال ابن سريج الشافعي: من أراد دقائق الأحكام فليقرأ السيرة. الأمر الثالث: الآداب والسلوك والتربية: فإنها في السيرة.

стр. 6334

بعض المعجزات التي حدثت في فتح مكة

стр. 6335

معجزة الرسول مع فضالة كان الرسول ﵊ يطوف بـ مكة فلما طاف يوم الفتح، أتى فضالة بخنجر معه، فقال: أريد أن أقاربه ثم أقتله، فأخذ ﷺ بيد فضالة، وقال: يا فضالة! ماذا تقول؟ قال: أسبح الله وأستغفر الله، يتمتم بلسانه وهو يطوف بالبيت، قال ﵊ وهو يتبسم: أستغفرُ الله! يا فضالة! ماذا تحدث به نفسك؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله؛ لأنهم لا يدرون أنه رسول حتى يتيقنوا بهذا الكلام.

стр. 6336

معجزة الرسول مع أبي سفيان أورد ابن كثير قوله: ومر ﵊ وإذا بـ أبي سفيان جالس عند المقام، لما فتح الله على رسوله ﷺ بعد الصلح والعفو وبعد الدخول والخطبة، جلس أبو سفيان يقول في نفسه: كيف تجتمع العرب على محمد هذا الاجتماع؟! لأغزونه بالجيش مرة ثانية -يقول في نفسه، لم يحدث أحداً- فأتى ﷺ فقال: أما آن لك يا أبا سفيان؟ قال: وماذا فعلتُ يا رسول الله؟ قال: تقول لنفسك: كذا وكذا، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله.

стр. 6337

بعض الفوائد من فتح مكة في هذه القصة -كما قلنا- دروس وفوائد:

стр. 6338

كشف خبر حاطب الفائدة الأولى: معجزةٌ لرسولنا ﷺ في كشف خبر حاطب:- فإن الله أطلعه على بعض علم الغيب، والله هو الذي يطلع على علم الغيب من يريد، ولا يطلع على علم الغيب أحداً غير الأنبياء والأولياء الصالحين. وأما غيرهم من المشعوذين والكهنة، فقد يأتيهم من الجن، ومن خدامهم، والذين يتولونهم من الشياطين؛ فإن الكاهن يأتي إليه الشيطان، ويأتي إليه وليه، فيخبره، فيكذب معها مائة كذبة، كما قال ﷺ . وفي حديث في (سنن أبي داوُد): قال: ﴿ويقرها في أذنه كما تقر الدجاجة، فيأخذها فيزيد عليها مائة كذبة﴾. أما الرسول ﵊ فيأتيه الخبر صافياً نقياً، لا شائبة فيه، من السماء.

стр. 6339

قبول عذر المسلم الفائدة الثانية: قبول معذرة المسلم: فقد كاد حاطب ﵁ وأرضاه أن يُودي بالإسلام والمسلمين في داهية، ولكن مع ذلك قَبِل ﷺ معذرته. ومن حسن إسلام المرء أن يقبل اعتذار من يعتذر إليه؛ فإنه ما اعتذر إليك إلا لجلالتك في قلبه، ولمحبتك إليه، والله سِتِّيْرٌ يحب الستر، وعذر العاذرين في الدنيا، ويسامح المسامحين، وييسر على الميسرين، والجزاء من جنس العمل. فإذا اعتذر إليك مسلم قد أخطأ، فاقبل عذره، واحمله على أتم المحامل فإن هذا من شيم الصالحين، بل إنه من شيم العرب من قبل ذلك. فـ النابغة الذبياني لما أساء مع النعمان بن المنذر، قبل النعمان معذرته، فيقول: لئن كنتَ قد بلغت عني وشايةً لمبلغك الواشي أغش وأكذبُ فقَبِل النعمان عذره، فيقول: حلفتُ فلم أترك لنفسك ريبةً وليس وراء الله للمرء مذهبُ والرسول ﵊ قبل أعذار الناس، حتى الذين كادوا له، والذين دبروا اغتياله، وأخرجوه من دياره. وفي حديث في سنده نظر: أن كعب بن زهير قدم على الرسول ﵊ وقد أساء، وأهدر دمه، فلما وصل إلى المدينة قال للصحابة: ماذا أفعل؟ والرسول ﵊ قد أهدر دمي، والله ما تهنيتُ بطعام ولا شراب، ولا اكتحلتُ بنوم؛ لأنه كان يمضي في الليل وينام في النهار، قالوا: أنت شاعر مجيد، اصنع لك أبياتاً وقدمها للرسول ﵊، فأتى في صلاة الفجر، فلما صلى ﷺ ألقى عليه تلك المقطوعة الرائعة: بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ مُتَيَّمٌ إِثْرَها لَمْ يُفْدَ مكبولُ إلى أن يقول: نبئتُ أن رسول الله أوعدني والوعد عند رسول الله مأمولُ مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة الـ ـقرآن فيها مواعيظٌ وتفصيلُ لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم أذنب ولو كثُرَت فيَّ الأقاويلُ فعفا عنه ﷺ وسامحه، ومع ذلك حَطَّ له جُبَّتَه من عليه، فبِيْعَت بأربعين ألفاً في عهد معاوية، وبقيت يتداولها خلفاء الدولة العثمانية في الأتراك، وقيل في بعض الروايات: إنها لا تزال في المتحف في اسطنبول، والله أعلم.

стр. 6340

غضب الصحابة لله الفائدة الثالثة: غضب عمر لله ولرسوله ﷺ : الغضب للنفس ردى، والغضب للناس علياء، والغضب لله علياء وأجر. ولذلك يقول بعض أهل العلم: طابع أصحاب محمد ﷺ أنهم يغضبون لله، ويرضون لله؛ فلا يغضبون لأنفسهم. فـ عُمَر كان يُسَب أمام الصحابة من بعض الناس، ويُسَب أمام الناس، فما يغضب، فإذا سمع أن دين الله أو رسالة الله، أو شيئاً من مبادئ الدين الخالد يناله شيء، غضب وأصبح كالأسد. فهذا هو الغضب لله، والرضا له . ثم هناك حول الغضب لله مسائل: ورد من الغضب لله : أن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه طارد مجرماً كافراً مشركاً، فلما طارده وقع المجرم على ظهره، فأتى علي ﵁ يطعنه بالسيف، فبَصَق هذا المشرك في وجه أبي الحسن، فكَفَّ ﵁ وأرضاه عن قتل المشرك. قال الصحابة: ما لك؟ قال: أولاً كنتُ أريد قتله لوجه الله، والآن أردت أن أقتله لنفسي، فترك ما لنفسه لله . فيا لتلك القلوب! كيف بلَغَت من التربية ومن الصدق؟! وهم كما قال ابن مسعود: [[أخلص الأمة إيماناً، وأعمقها علماً، وأبرها قلوباً، وأقلها تكلفاً]]. ولذلك يقول الله فيهم يوم الفتح: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحَاً قَرِيباً﴾ [الفتح:١٨]. قال ابن القيم: علم ما في قلوبهم من اليقين والإيمان، ومن التقوى والبر، فهم أتقى الناس، وأبر الناس، وأصدق الناس، وأخشى الناس. فسبحان الذي اختارهم لصحبة رسوله ﷺ .
следующие страницы →