Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.
стр. 6336
معجزة الرسول مع أبي سفيان
أورد ابن كثير قوله: ومر ﵊ وإذا بـ أبي سفيان جالس عند المقام، لما فتح الله على رسوله ﷺ بعد الصلح والعفو وبعد الدخول والخطبة، جلس أبو سفيان يقول في نفسه: كيف تجتمع العرب على محمد هذا الاجتماع؟! لأغزونه بالجيش مرة ثانية -يقول في نفسه، لم يحدث أحداً- فأتى ﷺ فقال: أما آن لك يا أبا سفيان؟ قال: وماذا فعلتُ يا رسول الله؟ قال: تقول لنفسك: كذا وكذا، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله.
стр. 6337
بعض الفوائد من فتح مكة
في هذه القصة -كما قلنا- دروس وفوائد:
стр. 6338
كشف خبر حاطب
الفائدة الأولى: معجزةٌ لرسولنا ﷺ في كشف خبر حاطب:-
فإن الله أطلعه على بعض علم الغيب، والله هو الذي يطلع على علم الغيب من يريد، ولا يطلع على علم الغيب أحداً غير الأنبياء والأولياء الصالحين.
وأما غيرهم من المشعوذين والكهنة، فقد يأتيهم من الجن، ومن خدامهم، والذين يتولونهم من الشياطين؛ فإن الكاهن يأتي إليه الشيطان، ويأتي إليه وليه، فيخبره، فيكذب معها مائة كذبة، كما قال ﷺ .
وفي حديث في (سنن أبي داوُد): قال: ﴿ويقرها في أذنه كما تقر الدجاجة، فيأخذها فيزيد عليها مائة كذبة﴾.
أما الرسول ﵊ فيأتيه الخبر صافياً نقياً، لا شائبة فيه، من السماء.
стр. 6339
قبول عذر المسلم
الفائدة الثانية: قبول معذرة المسلم:
فقد كاد حاطب ﵁ وأرضاه أن يُودي بالإسلام والمسلمين في داهية، ولكن مع ذلك قَبِل ﷺ معذرته.
ومن حسن إسلام المرء أن يقبل اعتذار من يعتذر إليه؛ فإنه ما اعتذر إليك إلا لجلالتك في قلبه، ولمحبتك إليه، والله سِتِّيْرٌ يحب الستر، وعذر العاذرين في الدنيا، ويسامح المسامحين، وييسر على الميسرين، والجزاء من جنس العمل.
فإذا اعتذر إليك مسلم قد أخطأ، فاقبل عذره، واحمله على أتم المحامل فإن هذا من شيم الصالحين، بل إنه من شيم العرب من قبل ذلك.
فـ النابغة الذبياني لما أساء مع النعمان بن المنذر، قبل النعمان معذرته، فيقول:
لئن كنتَ قد بلغت عني وشايةً لمبلغك الواشي أغش وأكذبُ
فقَبِل النعمان عذره، فيقول:
حلفتُ فلم أترك لنفسك ريبةً وليس وراء الله للمرء مذهبُ
والرسول ﵊ قبل أعذار الناس، حتى الذين كادوا له، والذين دبروا اغتياله، وأخرجوه من دياره.
وفي حديث في سنده نظر: أن كعب بن زهير قدم على الرسول ﵊ وقد أساء، وأهدر دمه، فلما وصل إلى المدينة قال للصحابة: ماذا أفعل؟ والرسول ﵊ قد أهدر دمي، والله ما تهنيتُ بطعام ولا شراب، ولا اكتحلتُ بنوم؛ لأنه كان يمضي في الليل وينام في النهار، قالوا: أنت شاعر مجيد، اصنع لك أبياتاً وقدمها للرسول ﵊، فأتى في صلاة الفجر، فلما صلى ﷺ ألقى عليه تلك المقطوعة الرائعة:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ مُتَيَّمٌ إِثْرَها لَمْ يُفْدَ مكبولُ
إلى أن يقول:
نبئتُ أن رسول الله أوعدني والوعد عند رسول الله مأمولُ
مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة الـ ـقرآن فيها مواعيظٌ وتفصيلُ
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم أذنب ولو كثُرَت فيَّ الأقاويلُ
فعفا عنه ﷺ وسامحه، ومع ذلك حَطَّ له جُبَّتَه من عليه، فبِيْعَت بأربعين ألفاً في عهد معاوية، وبقيت يتداولها خلفاء الدولة العثمانية في الأتراك، وقيل في بعض الروايات: إنها لا تزال في المتحف في اسطنبول، والله أعلم.
стр. 6340
غضب الصحابة لله
الفائدة الثالثة: غضب عمر لله ولرسوله ﷺ :
الغضب للنفس ردى، والغضب للناس علياء، والغضب لله علياء وأجر.
ولذلك يقول بعض أهل العلم: طابع أصحاب محمد ﷺ أنهم يغضبون لله، ويرضون لله؛ فلا يغضبون لأنفسهم.
فـ عُمَر كان يُسَب أمام الصحابة من بعض الناس، ويُسَب أمام الناس، فما يغضب، فإذا سمع أن دين الله أو رسالة الله، أو شيئاً من مبادئ الدين الخالد يناله شيء، غضب وأصبح كالأسد.
فهذا هو الغضب لله، والرضا له .
ثم هناك حول الغضب لله مسائل:
ورد من الغضب لله : أن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه طارد مجرماً كافراً مشركاً، فلما طارده وقع المجرم على ظهره، فأتى علي ﵁ يطعنه بالسيف، فبَصَق هذا المشرك في وجه أبي الحسن، فكَفَّ ﵁ وأرضاه عن قتل المشرك.
قال الصحابة: ما لك؟ قال: أولاً كنتُ أريد قتله لوجه الله، والآن أردت أن أقتله لنفسي، فترك ما لنفسه لله .
فيا لتلك القلوب! كيف بلَغَت من التربية ومن الصدق؟!
وهم كما قال ابن مسعود: [[أخلص الأمة إيماناً، وأعمقها علماً، وأبرها قلوباً، وأقلها تكلفاً]].
ولذلك يقول الله فيهم يوم الفتح: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحَاً قَرِيباً﴾ [الفتح:١٨].
قال ابن القيم: علم ما في قلوبهم من اليقين والإيمان، ومن التقوى والبر، فهم أتقى الناس، وأبر الناس، وأصدق الناس، وأخشى الناس.
فسبحان الذي اختارهم لصحبة رسوله ﷺ .
стр. 6341
فضل أهل بدر
الفائدة الرابعة: فضل أهل بدر:
حيث أنهم أفضل الناس بعد العشرة المبشرين بالجنة.
стр. 6342
الفطر في السفر
الفائدة الخامسة: الفطر في السفر، وأنه أفضل لمن شق عليه الصوم:-
وذلك بدلالة هذا الحديث، الذي أفطر فيه ﷺ وهو مسافر إلى مكة لَمَّا شق على الناس، ولما خالفه بعض الناس، قال: ﴿أولئك العصاة، أولئك العصاة﴾.
فمن شق عليه الصيام في السفر، فالأفضل في حقه أن يفطر؛ لهذا الحديث ولغيره.
стр. 6343
إرهاب العدو بالقوة
الفائدة السادسة: إرهاب العدو بالقوة:
وفيها معلم من معالم الإسلام وهو أن الواجب على المسلمين أن يظهروا التكاتف والتعاون، وأن يظهروا المراسيم الإسلامية بقوة، حتى يرهبوا أعداء الله، خاصة في الأعياد، وفي الجمع، ومناسبات الخير.
فمن إرهاب العدو:-
حمل ذلك بعض الصحابة رضوان الله عليهم على لبس الحرير في المعركة؛ ليرهبوا أعداء الله: فإذا رأى المسلم أن من اللباس ما يغيظ به الكافر والمنافق فله أن يلبسه.
وبعضهم مشى مشية الخيلاء: كـ أبي دجانة، الفارس المشهور؛ فإنه أخذ يتبختر يوم أحد، فقال ﵊: ﴿إن هذه مشية يبغضها الله؛ إلا في مثل هذا الموطن﴾ حيث أراد أن يغيظ بها الكفار.
وإذا كان من القوة والاجتماع ومن الشيء أن يغيظ به أعداء الله فإن الدين -كما يقول ابن القيم - يكون على المراغمة: أي: أن تراغم أعداء الله، فما أحسن المراغمة! وأعظم ما يُراغَم الشيطان، فإنك كلما عصيتَه أرغمت أنفه في التراب.
ولذلك كان ﵊ متعمِّداً لهذا العدو، فإنه دخل بعشر كتائب، وزعها على أربعة جيوش، وأشعل كل جندي ناراً، حتى أخذت جبال مكة تلتهب، فأدخل الله الرعب في قلوب الكفار.
نصرت بالرعب شهراً قبل موقعة كأن خصمك قبل القتل في حُلُمِ
إذا رأوا طائراً في الجو أذهلهم ظنوك بين بنود الجيش والحشمِ
стр. 6344
قراءة القرآن على الدابة
الفائدة السابعة: قراءة القرآن على الدابة:
فهذا جائز، ولا بأس به، فالرسول ﵊ في قصة الفتح، قرأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ [الفتح:١] وأخذت تُهَوْجِلُ به الدابة، فأخذ صوتُه يتردد ﷺ ، قال أحد الصحابة: ﴿والله لولا أن يجتمع عليَّ الناس لرَجَّعْتُ بكم بصوتي كما رَجَّعَ رسول الله ﷺ بصوته﴾.
فإذا ركبتَ السيارة، أو الطائرة، أو أي دابة فلك أن تقرأ كتاب الله ، فإنه نعم الأنيس؛ لأن بعض الناس يتحرج؛ لأنه راكب أو ليس مستقراً في مكان.
وورد عنه ﵊: ﴿أن داوُد ﵇ سهل الله عليه الزبور﴾ وفي لفظ آخر: (القرآن) لكن حَمَلَه بعض المحدثين على أنه الزبور: ﴿فكان يقرأه قبل أن تُسْرَج له الدابة﴾.
فهذا دليل على أنهم كانوا يقرءون في أسفارهم، فلا بأس من القراءة على الدابة، ولا بأس أن تقرأ وأنت تمشي، إذا كان هذا أصلح لقلبك وأفيد وأحفظ لوقتك.
كان بعض الصالحين إذا رأى الشباب يتوجهون إلى المساجد قال: تفرقوا من طريقكم إلى المسجد وفي رجوعكم.
قالوا: لماذا؟ قال: لأنكم إذا سرتم سوياً تحدثتم, وإذا تفرقتم قرأتم القرآن وذكرتم الله.
стр. 6345
طمس الصور
الفائدة الثامنة: طمس الصور، وإخراجها:
فالرسول ﵊ لما دخل البيت، طمس صورة إبراهيم وإسماعيل ﵉، وهذا واجب المسلم ألاَّ يبقي في بيته صورة، خاصة تلك التي تعلق، فإن الرسول ﷺ قال: ﴿لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة﴾ وفي لفظ: (ولا جُنُب) أو كما قال ﷺ .
فعلى المسلم أن يكون بيته نظيفاً من هذه الصور، خاصة الخليعة منها، أو التي تُعَلَّق للذكرى وللتعظيم، فهذه محرمة.
أما الضرورية التي في الحفائظ والمستندات فلا بأس بها للضرورة.
стр. 6346
عدم موالاة المشرك ولو كان قريباً
الفائدة التاسعة: عدم موالاة المشرك ولو كان قريباً:
فإن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان لما دخل عليها أبوها، سَحَبَتْ عنه فراش رسول الهدى ﷺ .
فعلى المسلم أن ينتبه لهذه، وألاَّ يوالي مشركاً ولو كان ابناً أو أباً أو أخاً إذا كان يحاد الله ويعارض كتابه وسنة رسوله ﷺ بل يعاديه، فإن هذا هو الإيمان.
стр. 6347
كتمان الأمور الهامة
الفائدة العاشرة: الكتمان للأمور المهمة:
فإن الرسول ﵊ كتم أمره.
فالواجب على المسلم إذا أراد أمراً في مصلحة لنفسه في الدنيا والآخرة لا إضرار على المسلمين أن يكتب هذا الأمر.
وهناك أثر يرفعه بعض أهل العلم، يقول: ﴿استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان﴾ وقال عمر: [[من كتم أمره كان الخيار في يده]].
فأنت إذا كتمتَ أمرك فالخيار في يدك أن تمضي هذا الأمر أو تسحبه.
فواجب المسلم أن يكتم أموره إلاَّ عن صديق محب يستشيره في ذات الله .
стр. 6348
رعي النبي ﷺ للغنم
الفائدة الحادية عشرة: أن النبي ﷺ رعى الغنم:
فقد كان سيد المتواضعين، وكان يعلن حالات الفقر والذكريات الأولى التي مرت به في أول حياته؛ فإن بعض الناس إذا رفعه الله في الدنيا وتولى منصباً أو تصدر في الناس أو توجه، لا يذكر ذاك الماضي، كأنه نشأ في هذا النعيم منذ نعومة أظفاره، وكأنه ما عرف البؤس ولا الجوع؛ لكن الرسول ﵊ كان يقول: ﴿رعيت الغنم على قراريط لأهل مكة لـ ابن أبي مُعَيط﴾.
وعمر بن الخطاب خطب في الناس، فلما خطب فيهم قال: [[من أنا؟ قالوا: أنت أمير المؤمنين، قال: أنا عمر بن الخطاب، كنتُ أُدْعَى في الجاهلية عميراً، كنتُ أرعى على قراريط لآل أبي مُعَيط الغنم، فلما انصرف قال ابنه عبد الله: ما حملك على ما فعلتَ؟ قال: لما رأيتُ الجموع أمامي أعجبتني نفسي، فأردتُ أن أكسرها]].
وفي فتح مكة أتت بنت قيلة إلى الرسول ﷺ ، فرأت الرسول ﵊ فأُرْعِدت فرائصُها، وخافت من هيبته، فقال: ﴿هَوِّنِي عليكِ﴾ وعند أحمد: أنه رجل، قال له: ﴿هَوِّنْ عليكَ، فإني ابن امرأة كانت تأكل القَدِيْدَ بـ مكة﴾ ﵊.
نعم، كانت تأكل القديد بـ مكة؛ لكن أصلح الله على يديك البشرية، ورفع على يديك معالم الإنسانية، وزعزع بفضله ثم بإرسالك معالم الوثنية.
ذكروا عن الإمام أحمد: أنه خرج إلى السوق، فأراد الناس أن يحملوا الحطب عنه، وكان على ظهره، فقال: نحن قوم مساكين، لولا ستر الله لافتضحنا.
стр. 6349
قبول الهدية ولو كانت يسيرة
الفائدة الثانية عشرة: قبول الهدية ولو كانت يسيرة:
فإن الرسول ﵊ وهو قائد الجيش ومعلم البشرية أُرسِلت له فخذ أرنب طُبِخَت، فَقَبِلَها ﷺ ودعا لـ أبي طلحة.
فالمسلم يقبل الهدية، ويقبل ما عرض له سواء كان كثيراً أو قليلاً؛ لأنه لا قيمة للمسلم عند نفسه؛ لأن الذي يرفع ويكرم ويسدد ويوفق هو الحي القيوم، أما الناس فليس لأحد عندهم قدر إلا ما قدروه لأسباب دنيوية.
قال ابن تيمية في المجلد الأول وهو يتحدث عن العقيدة: إن الناس إذا أكرموا الإنسان فإنما يكرمونه لأسباب أكثرها دنيوية.
حتى أنه قيل: من استغنيتَ عنه فأنتَ نظيره، ومن احتجتَ إليه فأنتَ أسيره، ومن احتاج إليك فأنت أميره فأنت بين أمير أو أسير أو نظير.
стр. 6350
الأمان للمشرك
الفائدة الثالثة عشرة: الأمان للمشرك؛ حتى يسمع كلام الله :
فإن الرسول ﵊ ما باهَتَ المشركين وما عاجَلَهُم حتى أسْمَعَهم داعي الله وكلامه، كما فعل بـ أبي سفيان يوم أتاه في الخيمة.
стр. 6351
صلاة الضحى
الفائدة الرابعة عشرة: صلاة الضحى:
وهي من أعظم النوافل التي يتقرب بها المتقربون إلى الله، وهي صلاة الأوابين، صلاها ﷺ ثماني ركعات يوم الفتح، وقيل: صلاها ستاً، في بعض الأوقات، وقيل: صلاها أربعاً، وأكثر ما أوصى ﷺ أن تصلى ركعتين اثنتين، فإنه أوصى أبا هريرة كما في (الصحيح) قال: ﴿أوصاني خليلي ﷺ بثلاث، لا أدعهن حتى أموت: بركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام، وبصيام ثلاثة أيام من كل شهر﴾ وعند أحمد في (المسند) في رواية أخرى: ﴿وبغسل يوم الجمعة﴾.
فعلى المسلم أن يفرغ من وقته دقائق في النهار، ليصلي ركعتي الضحى؛ فإنها تعادل أجر ثلاثمائة وستين صدقة، فالتسبيحة بصدقة، والتحميدة، والتكبيرة، والتهليلة، وإصلاح بين الناس، وأمر بمعروف ونهي عن منكر صدقة، على كل مفصل وكل سُلامَى، وفي الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلاًَ، فيغني عن ذلك كله ركعتان من الضحى.
ووقت صلاة الضحى: بعد طلوع الشمس، من ارتفاعها إلى قريب الظهر، سبحاً طويلاً، فمن أراد أن يتقرب فليتقرب.
وقل لـ بلال العزم مِن قلب صادقٍ أرِحْنا بها إن كنت حقاً مُصَليا
توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترق أبواب الجِنان الثمانيا
стр. 6352
الصلاة داخل الكعبة
الفائدة الخامسة عشرة:- الصلاة داخل الكعبة:
وذلك خلافاً لما ذهب إليه بعض أهل العلم، حيث قالوا: لا يُصلَّى داخل الكعبة، والصحيح أن الرسول ﵊ صلى داخل الكعبة، وأنه لا بأس به.
وأما الأمر الممنوع: فهو الصلاة على ظهر الكعبة، فوق السطح؛ لحديث الترمذي عن ابن عمر قال: ﴿سبع مواطن نهى ﷺ عن الصلاة فيها: ظهر الكعبة، ومعاطِن الإبل، والمقبرة، والمجزرة، وقارعة الطريق﴾ إلى آخر تلك السبعة؛ لكن هذا الحديث في سنده زيد بن جبيرة الأنصاري، وهو ضعيف عند أهل العلم.
стр. 6353
قبول إجارة المرأة
الفائدة السادسة عشرة: قبول إجارة المرأة:
فإن الرسول ﷺ قبل إجارة أم هانئ لـ ابن هبيرة لَمَّا أجارت ابن هبيرة من علي بن أبي طالب.
стр. 6354
الكلام في المغتسل للحاجة
الفائدة السابعة عشرة: الكلام في المُغْتَسَل للحاجة:
فيجوز لك للحاجة وأنت تغتسل أن تتكلم، إلاَّ إذا كان في مكان تُقضَى فيه الحاجة فكره أهل العلم ذلك، لكن المكان الذي يُغْتَسَل فيه، فلك أن تتكلم ولا بأس؛ لأنه لم يَرِدْ مانع من ذلك.
فالرسول ﵊ وفاطمة تستره، قال: ﴿من هذه؟ قالت: أم هانئ، قال: مرحباً بـ أم هانئ﴾ فتكلم معها ﵊ وهو في المغتسل.
стр. 6355
عودة حرمة مكة
الفائدة الثامنة عشرة: عودة حرمة مكة كما كانت عليه:
فإنه لما خطب ﷺ الجموع يوم مكة، خاف أن يُتَوَهَّم أنه يجوز استحلال مكة دائماً، والدخول بالجيوش والمقاتلة، فقال: ﴿يا أيها الناس! إنما أُحِلَّت لي مكة ساعة من نهار، ثم عادت حُرمتُها كما كانت يوم خلق الله السموات والأرض، لا يُعْضَدُ شوكُها، ولا يُخْتَلَى خلاها، ولا ينفر صيدُها، فمن فعل ذلك - في بعض الروايات - فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾.
ولذلك في صحيح البخاري: عن أبي شريح قال: لما حزَّب عمرو بن سعيد الأشدق -وهو أموي، وهو أول مَن رَعَفَ على منبر الرسول ﵊ حيث يقول ﷺ في أثر فيه ضعف: ﴿كأني ببني أمية يتَنازَون عن منبري كما تتَنازَى القردة، يَرْعُفُون﴾ أي: يَرْعُفُون بالدم، فأتى عمرو بن سعيد، وكان جباراً بائساً ظلوماً غشوماً، دخل المدينة وخطب على المنبر، ثم سَعَل، ثم رَعَفَ، نزل الدم من أنفه، فعرف الصحابة أن هذا منهم.
فأتى عمرو بن سعيد هذا فحزَّب الجيوش، يريد بها مهاجمة ابن الزبير في مكة، فأتى أحد الصحابة وهو أبو شريح، فقال: يا أيها الأمير! اسمع مني كلاماً، قال: ما هو؟ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ غداة الفتح، سمعته أذناي، ورأته عيناي، ووعاه قلبي، يقول: ﴿إن مكة أُحِلَّت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتُها كما كانت يوم خلق الله السماوات والأرض، لا يُخْتَلَى خلاها، ولا يُعْضَدُ شوكُها، ولا يُنَفَّر صيدُها، فَبَسَرَ الأميرُ في وجهه، وكََلَحَ، وقال: نعم أعلم بهذا منك، يا أبا شريح! والله ليس بأعلم ولا أدرى، لكن هكذ ثم قال: الحرم لا يُعِيْدُ فارَّاً بِخَرِبَة﴾ هذه رواية، بمعنى أنه لا يعيد هذا.
فليُعْلَم هذا.
стр. 6356
لا يرث المسلم الكافر
الفائدة التاسعة عشرة: لا يرث المسلم الكافر:
وهذا هو الصحيح؛ إلا ما خالف معاذ ﵁ وأرضاه جمهور أهل العلم في المسألة، وقال: المسلم يرث من الكافر؛ لكن الكافر لا يرث من المسلم، واستدل معاذ أبو عبد الرحمن، وهو سيد العلماء بقوله ﷺ : ﴿الإسلام يعلو ولا يُعلَى عليه﴾ فيقول: المسلم يرث من الكافر، والكافر لا يرث من المسلم.
لكن جماهير أهل العلم، وهذا هو الصحيح، يقولون: لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم.
فالرسول ﵊ ترك أملاكَه وتَرِكَتَه لما دخل؛ لأن الكفار أخذوها، ولأن الذي ورث طالب بن أبي طالب، وميراث الرسول ﷺ كان عند عمه أبي طالب، فأخذها طالب، فأصبحت ميراث مشرك.
стр. 6357
تغيير الشيب بغير السواد
الفائدة العشرون: تغيير الشيب بغير السواد:
وقد مرت قصة، لكني صدفت عنها، وهي: أن أبا قحافة والد أبي بكر ﵁ وأرضاه أبو أبكر اسمه: عبد الله بن عثمان بن أبي قحافة، فـ أبو قحافة هو أبوه- كان يوم الفتح موجوداً، أتدرون أين كان؟ كان يرعى الغنم في جبل من جبال مكة، ولم يسلم حتى ذلك اليوم، وقيل: أسلم، فقال لابنته، أخت أبي بكر: ماذا ترين؟ قالت: يا أبتاه! إني أرى سواداً يَنْقاد، قال: المَحِي، هل هو ثابت أولا؟ قالت: لا.
ثابتٌ بالأرض، قال: هذا الخيل.
أترين شيئاً؟ قالت: أرى رجلاً يصعد وينزل أمام الخيل، قال: هذا الخيال يَرُدُّ الخيلَ ويصُفُّها أي: خيل الرسول ﵊، فلما قدم الرسول ﵊ من تواضعه ﷺ ومن معرفته لمكان أبي بكر ولمقامه في الإسلام، قام ﷺ وذهب ليزور أبا قحافة هذا، فقال أبو بكر ﵁ وأرضاه: نحن نأتي به يا رسول الله، أي: لمكانة الرسول ﵊ فأتوا به وهو شيخ كبير، ولحيته كالثغامة البيضاء، أي: أنها بيضاء كلها ليست مُغَيَّرة، لا بأسود ولا بأحمر ولا أصفر، فقال ﷺ : ﴿غيروا هذا وجنبوه السواد﴾ وجنبوه السواد: ليست ضعيفة، بل هي صحيحة، وليست مُدْرَجة بل هي متصلة في المتن.
فالصحيح أن السواد لا يصبغ به، وأنه منهي عنه؛ ولكن يغير الشيب إما بأحمر أو بحناء، أو بكَتَم، أو بشيء من الأصفر.
وعند أبي داود في سننه حديث فيه كلام: يقول ﷺ : ﴿ليكونن أقوام من أمتي في آخر الزمان لحاهم كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة يوم القيامة﴾ أو كما قال ﷺ ، قيل: هؤلاء الذين يغيرون بالسواد؛ لأن فيه خديعة.
واستثنى بعضُ العلماء -كما يقول ابن حجر - استثنوا ذا السلطان؛ فإن ذا السلطان يغير بالسواد؛ لكن هذا الاستثناء ينبغي أن يتوقف إلى الدليل، وقالوا: إن الحسن والحسين غيرا بالسواد.
لكن الأولى للمسلم أن يجتنب هذه الأمور التي فيها مخالفة؛ لأنها ظهرت النصوص فيها.
стр. 6358
أداء الأمانة إلى أهلها
الفائدة الحادية والعشرون: أداء الأمانات إلى أهلها:
فإن الرسول ﵊ أخذ مفاتيح الكعبة، فأتى علي بن أبي طالب فقال: ﴿سلم لنا المفاتيح يا رسول الله! فقال: لا، اليوم وفاء وبر، ثم دعا عثمان بن طلحة، وقال: خذها تالِدَة ووالِدَة في يديك، لا ينزعها منكم إلا ظالم﴾ أي: مفاتيح الكعبة، فأخذها، وهي ما زالت في أيديهم إلى اليوم.
стр. 6359
لبس السواد للحاجة
الفائدة الثانية والعشرون: لبس السواد للحاجة:
فإن بعض أهل العلم كره السواد؛ لكن لا بأس به، فالرسول ﵊ لبس ثوباً مُرَحَّلاًَ من شعر أسود، ولبس عمامة يوم الفتح سوداء.
ولذلك لما أتى أبو مسلم الخراساني، الطاغية الظالم، الذي قاد حملة دولة بني العباس ودخل إلى بغداد، وهو الذي أسقط دولة بني أمية، وقتل مليوناً من المسلمين، أي: ألف ألف - كما يقول الذهبي - وهو مسلم في الظاهر، وأظنه مسلماً، لما أتى ووقف على المنبر يوم الجمعة وعليه عمامة سوداء، وقف أحد المسلمين وقال: ما لي أراك تلبس السواد؟ قال أبو مسلم الخراساني: حدثني فلان عن فلان عن أبي الزبير عن جابر ﴿أن الرسول ﵊ دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء﴾ يا غلام! تناوله فاضرب عنقه، فضرب عنقه وسط الصف.
هذا أبو مسلم.
فالرسول ﷺ لبس السواد صراحةً،؛ ولكن أحسن اللباس هو البياض: ﴿البسوا البياض وكفنوا فيه موتاكم﴾.
стр. 6360
لبس أدوات السلاح داخل الحرم
الفائدة الثالثة والعشرون: لبس أدوات السلاح داخل الحرم:
فلا كراهة في ذلك، وإنما كره أهل العلم ذلك لغير الحاجة، أما للحاجة فيجوز لبس السلاح داخل الحرم؛ وهي مسألة عالجها البخاري في (صحيحه) وتطرق إليها.
стр. 6361
عدم عودته ﷺ بعد الهجرة إلى مكة
الفائدة الرابعة والعشرون: عدم عودته ﷺ بعد الهجرة إلى مكة:-
فإن الرسول ﵊ ما عاد إلى مكة، وما لبث فيها بعد الهجرة.
هذا، ونسأل الله أن يفقهنا وإياكم في سنة رسوله ﷺ وفي سيرته، وأن يحشرنا في زمرته، وأن يأخذ بأيدينا لكل خير.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 6362
الدعاء هو العبادة
الدعاء هو العبادة، هكذا قال ﵊، وللدعاء شروط وآداب لابد من مراعاتها ليكون الدعاء أحرى بالإجابة.
وفي هذه المادة تحدث الشيخ عن هذه الشروط والآداب، وعن حكم التعدي والاستبطاء فيه، وطلب الدعاء من الصالحين.
وتطرق فيها إلى ذكر بعض أدعية الأنبياء والرسل كنوح وإبراهيم وموسى وغيرهم.
стр. 6363
الحث على الدعاء
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
رأيت أن نتحدث هذه الليلة عن موضوع خطير وكبير ومهم، وهو موضوع الدعاء وعنوان هذا الدرس: الدعاء هو العبادة.
يقول : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] ويقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] وصح عنه ﷺ ، أنه قال: ﴿الدعاء هو العبادة﴾ رواه الحاكم بسند صحيح.
وعند الترمذي في سننه: ﴿الدعاء مخ العبادة﴾ لكن فيه ضعف، فيه دراج أبو السمح يروي عن أبي الهيثم وهو ضعيف.
فإذا علم هذا -أيها الأخيار- فموضوعنا هذه الليلة: الدعاء هو العبادة يندرج فيه عناصر:-
أولها: الحث على الدعاء.
الثاني: دعاء الأنبياء في القرآن عليهم الصلاة والسلام.
ثالثاً: أعظم الأدعية في السنة.
رابعاً: أدعية نبوية عامة صحت عنه ﷺ .
خامساً: سيد الاستغفار وشرحه.
السادس: الاستعاذة من الهم والغم وما في حكمهما، أي: الأمور التي استعاذ منها ﷺ .
المسألة السابعة: نماذج في استجابة الله لأوليائه، يوم تنقطع بهم الحبال ويبقى حبل الله، ويوم تنقطع بهم الأسباب ويبقى سبب الله، ويوم توصد أمامهم الأبواب، فيبقى باب الله، نورد قصصاً ونماذجاً من دعاء الأخيار والأبرار والصالحين الذين التجئوا إلى الله في وقت الحرج، فأجابهم الله فكشف كربهم، وأزال همهم وغمهم، وكان معهم ، على حد قوله ﵎: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل:٦٢].
المسألة الثامنة: طلب الدعاء من الصالحين، هل لك أن تقول لرجل صالح: لا تنسانا من دعائك يا أخي أم ماذا؟! وتفصيل القول في ذلك، بإذن الله.
التاسع: التعدي في الدعاء وكيف يكون التعدي؟
المسألة العاشرة: الملل والسأم والضجر والانقطاع عن الدعاء واستبطاء الإجابة؛ فإن كثيراً من الناس يدعون فيستبطئون الإجابة، فيتركون الدعاء ويوقِّتون الأمر لله، ويحددون إجابة دعواتهم بالزمن بشهر أو سنة، فإذا ما أتى مطلوبهم كرهوا الدعاء، وسئموا منه، وانصرفوا عن باب الواحد الأحد، فوقعوا في شر مما فروا منه.
الحادية عشرة: الاستثناء في الدعاء: إن شاء الله، وما في حكمها.
الثانية عشرة: الأوقات الفاضلة للاستجابة، ما هي الأوقات التي إذا دعوت الله فيها أجاب الله دعوتك؟ وما هي الأوقات التي تفضل غيرها، بالاستجابة وبالتحري؟
أما آخر المسائل وهي الثالثة عشرة: فالدعاء والقضاء، وهي مسألة تطرح عند كثير من الناس، كيف أدعو الله أن ينجحني وقد كتب علي أني راسب؟ كيف أدعو الله أن يشفي ابني وقد كتب عنده أن ابني يبقى مريضاً؟ يجاب عن هذه الأسئلة وعن غيرها -إن شاء الله- في غضون هذا البحث.
- الحث على الدعاء، كما سمعتم قوله ﵊: ﴿الدعاء هو العبادة﴾.
وبعض الناس يجعل الدعاء باباً ثانوياً، حتى تجد بعضهم يقول: لا بأس أن تدعو، وكأن الدعاء أمر سهل إن أتى وإن ذهب، وما علموا أن الدعاء سهام الليل.
стр. 6364
سهام الليل
دخل أحد الصالحين على ظالم من الظلمة، فقال السلطان الظالم: والله لأقتلنك قتلة ما قُتلها أحد من الناس، فقال الرجل الصالح: عندك الجنود -يقول للسلطان- والبنود والسيوف والرماح وأما أنا فعندي سهام الليل، قال: ما هي سهام الليل؟
قال: أوتار أمدها بخشوع وأرسلها بدموع مع السحر فيرفعها الحي القيوم، يقول لها: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين، فقال السلطان -وهو يرتعد-: مادام أنك التجأت إلى الحي القيوم فلا أمسك.
من الذي التجأ إليه فلم ينصره؟!
دخل البرامكة وزراء بني العباس السجن، بطروا وأكلوا وشربوا وضحكوا، وعمروا ورفعوا القصور حتى بلغ من إعجابهم بأنفسهم أن أخذوا ماء الذهب وطلوا به القصور بطراً.
وأخذوا عبيد الله عبيداً وخولاً، وسفكوا الدم، وكان هناك شيخ كبير مسن ظلموه، فرفع يديه في السحر وقال: يا قاصم الجبابرة! خذ البرامكة، فأخذهم العزيز المقتدر، الذي يمهل ولا يهمل، وإذا أخذ فإن أخذه أليم شديد: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢].
أليم يصل إلى القلوب، وشديد لا يطاق على الأرواح، فغضب عليهم الخليفة أقرب الأقرباء إليهم، لأنه يقال: من اعتمد على غير الله جعل خوفه من هذا المأمن، فيقطعهم من المكان الذي استأمنوا منه.
ومن تعلق بحبل غير حبل الله انقطع به الحبل، ومن ركن إلى صديق وإلى صاحب ورضي به من غير الله، لا تأتيه الحية أو العقرب إلا من هذا الصاحب.
فأخذهم الله، فغضب عليهم هارون الرشيد، فقتل شبابهم في صباح النهار، وأتى إلى شيوخهم فأوقعهم في السجن، ثم أخذ قصورهم.
دخلوا على شيخ من البرامكة، وهو شيخ كبير سقط حاجباه على عينيه، قالوا له: كيف حالك؟
قال: لست بميت من أهل الآخرة، ولست بحي من أهل الدنيا، ما رأيت الشمس ثمان سنوات، قالوا: ما هو السبب؟
قال: دعوة من مظلوم سرت في ظلام الليل غفلنا عنها وما غفل الله عنها.
ولذلك الدعاء ليس أمراً ثانوياً عند المسلم، بل هو أمر أكيد، وإنما يفعل ذلك الحمقى، يقول ابن الجوزي في كتاب الحمقى قالوا لأحمق: ندعو لك، -وقد أراد سفراً- قال: لا أحتاج إلى دعاء فالمكان قريب.
سبحان الله قريب أو بعيد! فالله هو الحافظ وهو الراعي وهو الرائد، وهم الذين عطلوا مشيئة الله، وأنتم تسمعون إلى الأحمق الآخر الذي قال له الناس: إلى أين تذهب؟ قال: إلى السوق، قالوا: ماذا تفعل؟ قال: أشتري حماراً، قالوا: قل: إن شاء الله، قال: لماذا أقول: إن شاء الله؟ الدراهم في الجيب والحمار في السوق، فضاعت دراهمه وعاد في المساء، فقالوا: أين الحمار؟ قال: ضاعت الدراهم إن شاء الله، قالوا: نفاها في موضعها واستخدمها في غير موضعها.
стр. 6365
قصة الحسن مع الحجاج
وذلك من الذين لا يتعلقون بحبل الله، ولا يلجئون إلى حبل الله.
أتى الحجاج بن يوسف فمر بـ الحسن البصري - الحسن البصري أمة من الأمم، وعالم من العلماء، وموجه من الموجهين، عرف الله- فمر به الحجاج والحسن يظن أن الحجاج ليس موجوداً -والي العراق - فمر الحسن بجمع من القراء وطلبة العلم، عند قصر الحجاج، قال: أين تذهبون؟
قالوا: نذهب إلى الحجاج لنأخذ أعطياتنا، فغضب الحسن وقام فألقى خطبة، وقال: هذا الحجاج بن يوسف، يقرأ القرآن على لخم وجذام، ويلبس لباس الفاسقين، ويعظ وعظ المعتبرين، ثم دعا على الحجاج.
فدخل الحجاج القصر وقال: علي بـ الحسن البصري، قال له وزراؤه ماذا تريد منه؟ قال: أريد قتله.
فذهبوا إلى الحسن في بيته، وقال الجنود للحسن: اذهب إلى الحجاج، قال: فأمهلوني قليلاً، فدخل واغتسل ولبس أكفانه من تحت الثياب وقال: يا حي يا قيوم،! يا ذا العزة التي لا تضام والركن الذي لا يرام! أسألك أن تقصم الحجاج وأن تسخره لي هذا اليوم.
ثم خرج، وفي أثناء الطريق وإذا بـ الحجاج قد تغير وهو على الكرسي قبل أن يدخل عليه الحسن البصري غيره الذي يغير الليل والنهار، والذي قلوب العباد بين يديه: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣].
فلما دخل أخذ يرتعد الحجاج، ثم قام إلى الحسن وأخذ قارورة من الطيب فطيب لحية الحسن، وأجلسه بجانبه، وقال: لعلنا أزعجناك يا أبا سعيد! قال: نعم أزعجتني، قال: عد سالماً مكرماً، فلما خرج قال له مقربوه: ماذا حدث بك؟ قال: والله ما أن خرج من بيته إلا وأوقع الله هيبته في قلبي، حتى ما هبت أحداً من الناس كهيبته، وإنني خفت منه يوم دخل قصري أن يبطش بي.
يقول : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] ويقول : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤].
стр. 6366
شروط استجابة الدعاء
يقول الصحابة: ﴿يا رسول الله! أربنا قريب فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ -يقولون: أين الله؟ هل هو قريب فنخفض الصوت ونتكلم معه، أم بعيد فنرفع أصواتنا- فأتى الجواب من الواحد الأحد فقال : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] قال أهل العلم: اشترط الله عليهم شرطين.
الأول: الاستجابة المطلقة لله ولرسوله، فمن لم يستجب لله ولرسوله، فلا يستجيب الله له أبداً، لأنه عطل طريق الإجابة، فكما تكونوا يول عليكم.
الأمر الثاني: أن يكون مؤمناً عاملاً الصالحات، ومهما طال المدى فإن العبد بين نعمة الدعاء، حتى يقول أحد الصالحين: والله! إني أريد أن يتأخر قضاء حاجتي أو أن تتأخر حاجتي لأجل ما أجد من لذة الدعاء.
فهو يريد أن يُفتح له باب في الدعاء، فيريد أن تتأخر حاجته؛ ليبقى داعياً مقبلاً على الله.
موسى ﵇، يقف ويرفع يديه وعنده هارون بجانبه، فيقول داعياً ربه: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس:٨٨] فقال هارون: آمين آمين آمين، فأنزل الله: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس:٨٩] فجعل المؤمِّن والداعي داعين، قال أهل العلم: بعد أربعين سنة أجاب الله دعوته، وما قنط وما هاب وما مل وما سئم.
يعقوب بكى أربعين سنة على يوسف، يقول بعض أهل التفاسير وأهل السير ولله الحكمة البالغة، يقولون: لما جاء إخوة يوسف في الصباح ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ * قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف:١١ - ١٣] فأوحى الله إليه: خفت الذئب وما رجوتني، فمن الذي بيده الذئب وتصرف الذئب إلا الله، فخاف أن يأكله الذئب فأتى الخوف من غير مأمنه.
يقول: ما كان في أذهان أولاد يعقوب أن يقولوا أكله الذئب، لكن فتح لهم الطريق، قالوا: يقول أبونا: أخاف أن يأكله الذئب، إذاً في المساء إذا أتينا نقول: أكله الذئب، فذهبوا به فألقوه في غيابة الجب، قال ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم: أسقطوا يوسف ﵇ في حبل فوقع في الماء على صخرة في الجب، فأخذ يسبح الله، يقول: تهدأ الحيتان والضفادع ولا يهدأ هو من التسبيح، حتى أوحى الله إليه: يا يوسف! لا تخف: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف:١٥].
يقول: سوف ننجيك، وأنا معك.
وعند الإمام أحمد في كتاب الزهد أن موسى ﵇ لما عبر أرض مدين وكشف الصخرة وردها وسقى تولى إلى الظل، ثم بكى فرفع يديه فقال: يا رب! فقير مريض جائع غريب، فأوحى إليه: يا موسى! الجائع: من لم أكن أنا مطعمه، والغريب: من لم أكن أنا مؤنسه، والفقير: من لم أكن أنا مغنيه، والمريض من لم أكن أنا طبيبه، ذكرها الإمام أحمد.
فأتى هؤلاء الأبناء -على سبيل الاستطراد- فقالوا: أكله الذئب، قال ابن عباس: خلعوا قميصه خلعاً ولم يشقوه والذئب لا يعرف خلع القميص، بل المعروف أنه إذا أكل أكل، فأتوا بالثوب سالماً معافى ولطخوه بدم، قال : ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف:١٨].
والقميص في سورة يوسف ثلاثة: قميص كذب، وقميص براء، وقميص شفاء.
أما قميص الكذب فهذا القميص، وأما قميص البراءة فهو: لما قد قميصه من دبر، وأما قميص الشفاء: فهو القميص الذي في قوله تعالى: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف:٩٣] فإذا علم هذا، فطالبنا الله بالدعاء وقال ﵊: ﴿الدعاء هو العبادة﴾.
وإذا أردت أن تعرف قوة إيمان العبد فانظر إلى دعائه، فإذا رأيت العبد يبتهل في أدبار الصلوات وبعد الفجر، وإذا قام من النوم وقبل الصلوات ويوم الجمعة، فاعرف أنه مؤمن، وإذا رأيت العبد كالاً فاتراً، ما يدعو إلا بسهو أو لهو فاعرف أن إيمانه على قدر دعائه.
стр. 6367
الإسرار بالدعاء
قال : ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥] وقال في الذكر : ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾ [الأعراف:٢٠٥] قال هناك: (وَخُفْيَةً) وقال هنا: (وَخِيفَةً) فما الفرق بينهما؟
فالذكر يدعى من الخوف فعلى الذاكر أن يكون خائفاً، وعلى الداعي أن يكون مخفياً فيخفي الداعي دعاءه لأمور:-
أولاً: لا يتشوش قلبه.
الأمر الثاني: لأنه أخلص للعبادة وأبعد عن الرياء والسمعة.
الأمر الثالث: أنه أبعد عن عين الحاسد، فإن الحاسد ينقم على النعمة، وأفضل النعم أن تدعو الله إلى أمور أخرى.
يقول أبو موسى الأشعري: ﴿كنا في ثنية مع الرسول ﵊، فأخذ الصحابة يرفعون أصواتهم بالذكر والتكبير والتهليل والتحميد والتسبيح، فقال ﵊: أيها الناس! أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، وإنما تدعون سميعاً بصيراً أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، ثم قال -لـ أبي موسى - يا عبد الله بن قيس! قلت: نعم.
يا رسول الله! قال: ألا أدلك على كنز من كنور الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله﴾ وكان أبو موسى يقولها في نفسه، فدله ﵊ على ذلك.
يقول : ﴿
الجواب
=٦٠٠٠١٩٢> وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦] وهو قرب العلم، وإلا فالله مستوٍ على عرشه بائن عن خلقه استواء يليق بجلاله، ولذلك ذكر الله معية العلم، فقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧] فهذا بالعلم ما يكون اثنان إلا والله ثالثهم ﵎ بعلمه، وإلا فهو مستوٍ على عرشه، قريب يسمع دعاء الداعي ويرى مخ النملة في عظمها الناحل، ويرى دبيب النمل ويسمعها وهي في حندس الظلام على الصفا السوداء في بقاع الأرض أو في قعر المعمورة، يقول تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] ويقول عن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام مادحاً لهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] فوصفهم بكثرة الدعاء، وما أتى مطلوب إلا بدعاء، وسوف نمر بنماذج من دعاء الأنبياء والرسل، ولا يستهين العبد بالغرض البسيط، فبعضهم لا يدعو في الأمر السهل، لأنه يقول: ما يحتاج هذا إلى دعاء، وهذا خطأ، بل قد صح في الحديث: ﴿ليدع أحدكم ربه، حتى في شسع نعله، فإنه إن لم ييسره لا يتيسر أبداً﴾.
стр. 6368
الذنوب والمعاصي وأثرها على الدعاء
والعجيب أن المعاصي تقلب مقاصد العبد عليه، حتى قال بعض أهل العلم: إني لأعرف معصيتي في خلق دابتي وامرأتي وفي لباسي، حتى في لبس الحذاء، فبعض السلف يقول: إذا لم تُلبس لك الحذاء من أول وهلة، فاعلم أنه لذنب ارتكبته.
وذكروا عن سهل التستري أو غيره: أنه ذهب إلى صلاة الجمعة فانقطعت حذاؤه، فقال: أتدرون لم انقطعت؟ قالوا: بقضاء وقدر، قال: لكني أظنها بسبب وهو أني تركت غسل الجمعة، ثم عاد واغتسل.
وأخبروا ابن الجوزي بهذه القصة فقال: قلت ذنوبهم فعرفوا من أين أتوا، وكثرت ذنوبنا فلا ندري من أين أُتينا.
تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد
فالثوب الأبيض إذا نقطت فيه نقطة سوداء عرفت من كل مكان، أما الثوب الأسود فلطخ فيه ما شئت، لا يظهر عليه الأسود ولا الديزل ولا الشحم ولا الأحمر ولا البنفسجي.
ولذلك يقول ﷺ : ﴿ونقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس﴾ فالثوب الأبيض مثل المؤمن، والثوب الأسود مثل الفاجر الذي تلطخ من كل جهة، حتى إن بعض الناس إذا قلت له: لا تستمع الغناء قال: ليس معكم إلا مسألة الغناء! والحديث عن الغناء! الناس معاصيهم مثل الجبال، وأنت مع الغناء! وذلك لأن معاصيه مثل الجبال، فأصبح الغناء عنده شيئاً طبيعياً، تحدثه عن إسبال الثوب، قال: ألا تعرفون إلا الثوب؟! الحمد لله نحن أحسن من غيرنا، لو ذهبت أوروبا لرأيت المنكرات والدواهي، لأنه يقيس نفسه على بوش، وريجن، فيرى أنه أفضل منهم، فهو يشهد أن لا إله إلا الله، وهو يصلي الخمس فيرى أن له ميزة أو مزية.
فإذا علم ذلك، فلا بد من الدعاء ولو بالأمر السهل، حتى الصالحون كانوا إذا خرجوا من بيوتهم يدعون الله أن يسهل لهم أمورهم، ويفتح قلوب الناس لهم ويسخر لهم مطالبهم، ويهيئها، فإنها إن لم يهيئها الله لا تتهيأ.
стр. 6369
دعاء الأنبياء في القرآن
الأمر الثاني: دعاء الأنبياء في القرآن.
стр. 6370
من أدعية إبراهيم ﵇
إبراهيم ﵇ كان يدعو حتى وصل إلى الذنب والخطيئة فقال: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢] احترام ووجل وخوف، ما قال: والذي يغفر لي خطيئتي يوم الدين، مع أن الله غفر له لأنه نبي، لكن قال حياء من الله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢] ثم دعا بدعوات صالحات: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء:٨٣] أمتني على لا إله إلا الله، وعلى الدين الخالص: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء:٨٣ - ٨٥].
ما هو لسان الصدق في الآخرين؟ الذكر الحسن، أن تموت ولك ذكر حسن في الناس:
وإنما المرء حديث بعده فكن حديثاً حسناً لمن وعى
علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، أتاه رجل أعرابي، فقال: أريد منك حاجة يا أمير المؤمنين! -وهذه يذكرها ابن قتيبة - فقال علي: اكتب حاجتك على الأرض لئلا تصب ماء الحياء والمروءة من وجهك -يقول: لا أريد أن أحرجك وأخجلك، فلعل هذه الحاجة طلب شيء، لأن بعض الناس يستحي أن يطلب- فكتب على الأرض حاجته، فأتى علي فقضى حاجته.
وقد كان أمير المؤمنين في الكوفة، فقال الأعرابي وقد أعطاه حلة ومالاً كما طلب:
كسوتني حلة تبلو محاسنها لأكسونك من حسن الثنا حللا
قال علي: ذلك خير، يقول: والله لأثني عليك في الناس أحسن من هذه الحلة التي أعطيتني، قال علي: ذلك خير.
أتى وفد غطفان إلى عمر وفيهم أبناء هرم بن سنان، شيخ قبائل غطفان، وهو الذي أصلح بين قبيلة عبس وذبيان في معركة استمرت أربعين سنة، حتى كانت ديات القتلى آلاف الإبل، وقد قالت قبيلة عبس وذبيان: لا نصطلح حتى تودي قتلانا أنت -شيخ قبيلة غطفان- قال: قتلاكم عندي أوديهم، فذهب هرم في قبائل العرب فجمع الديات وسلمها وأصلح بينهم، حتى يقول له زهير يمدحه:
تداركتما عبساً وذبيان بعدما تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم
يميناً لنعم السيدان وجدتما على كل حال من سحيل ومبرم
ثم مدحهم مدائح سارت بها الركبان، وكانت العرب تسمر عليها، فأتى أبناء هرم بعد موت زهير الشاعر وموت أبيهم، فقال عمر لأبناء هرم: ماذا أعطيتم زهيراً؟ قالوا: مدحنا فأعطيناه، قال عمر: ذهب والله ما أعطيتموه وبقي والله ما أعطاكم، وهو الذكر الحسن، والذكر الحسن لا يتأتى إلا للمؤمن، والله لو حاول الفاجر أن يجمع الدنيا ويجعل الدنيا صحفاً ويجعلها مجلات ودعايات، ويجعلها لوائح ولافتات، والله لا يقود القلوب إلا من خلق القلوب.
قال البخاري في الصحيح، في كتاب الرقاق: باب: المِقة من الله، أي: الحب من الله، كل شيء يستطيع أن يتصرف فيه العبد إلا الحب هذا، ثم أتى بحديث: ﴿إن الله إذا أحب عبداً قال لجبريل: إني أحب فلاناً فأحبه فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فتحبه الملائكة، ثم يضع الله له القبول في الأرض -حتى يشرب قبوله وحبه مع الماء البارد- وإذا أبغض عبداً قال لجبريل: إني أبغض فلاناً فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فتبغضه الملائكة، ثم ينزل له البغض والمقت﴾ حتى يشرب الناس بغضه وكراهيته مع الماء البارد.
فالحب من الله ﵎ وهو لسان الذكر في الخالدين، فيحرص عليه المؤمن بأن يحسن سريرته مع الله، وبالصدق مع الله ﵎.
стр. 6371
من أدعية نوح ﵇
وأما نوح ﵇، فإنه دعا بأدعية، لكن كانت أدعيته مؤثرة، فإن نوحاً ﵇ عاش ألف سنة في الدعوة إلا خمسين عاماً، تحمل وصبر ودعا ليلاً ونهاراً، سراً وعلانية، دعا بكل وسيلة، وفي الأخير ماذا يتحرى من هؤلاء الجثث الهامدة الفجرة، ماذا يتحرى؟ ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧].
يقول: يا رب! خذ أولادهم معهم، ما يأتي الولد إلا مثل أبيه.
تلك العصا من هذه العصية لا تلد الحية إلا حية
فيقول: يا رب! أخرجهم من الدنيا جميعاً، لا تترك حتى أطفالهم؛ لأنهم لا يهتدون، أنا جربتهم.
حتى يقول ﷺ : ﴿أما أنت يا عمر! فمثلك كمثل نوح﴾ لأنه استشارهم في أسارى بدر يقول: ما رأيكم؟ قال أبو بكر: احلم واعف عنهم يا رسول الله! إخواننا وأبناء عمومتنا وأقاربنا، قال: وأنت يا عمر؟ قال: يا رسول الله! ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض، هذا السيف واقتلهم، واعط العباس سيفه يقتل قريبه، وأعطني سيفاً أقتل أقاربي، فكان الرأي رأي عمر والإقرار على رأي أبي بكر، فتبسم ﵊، وقال: ﴿أما أنت يا أبا بكر! فمثلك كمثل إبراهيم ﵇، وكمثل عيسى، أما أنت يا عمر! فمثلك كمثل نوح ومثل موسى﴾ فنوح قال: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧].
стр. 6372
من أدعية موسى ﵇
ومن أدعيتهم، وينبغي على المسلم أن يجمعها وأن يحاول أن يتحفظها من القرآن، لأن أحسن الدعاء دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مثل دعاء موسى، فقد كان يرعى الغنم ويهش على ضأنه بالعصا وفجأة وهو بالصحراء وإذا بالله يناديه : ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤] فقال: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٨] إلى دعاء أخير أتى به ﵊، لكن هذا من أحسن الدعاء، حتى يمتن الله على رسوله ﵊ فيقول: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١].
يقول سيد قطب ﵀ معلقاً على الآية: فتش في جوانحك وابحث في خفاياك، أما شرحنا لك صدرك فكان واسعاً فسيحاً، وقد كان ضيقاً قبل أن تأتي النبوة، قال: شرحنا لك صدرك.
وشرح الصدر أعظم منة يمنها الله على العبد، تجد المسلم المؤمن في الزنزانة وصدره فسيح واسع، وتجد الفاسق في القصور وفي الدور، وفي السيارات والعمارات، و: ﴿صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] كأن اللعنة جمعت له، لماذا؟ لأن الله أخذ على نفسه ميثاقاً وعهداً بيَّنه في سورة "طه" فقال: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] في الدنيا ولا في الآخرة، قال ابن عباس: [[أخذ الله على نفسه، أن من اتبع هذا القرآن فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة]] ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] حتى كلمة ضَنْكاً لا تكاد تقرأ، فالضاد حرف ثقيل، ثم النون بين الضاد والكاف، فعيشته مثل نطق الكلمة: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].
стр. 6373
دعاء يونس بن متى
ومن الدعاء العظيم الذي وصفه ﵊ لأمته، دعاء يونس بن متى، يقول ﵊: ﴿دعاء الكرب، دعاء أخي يونس ما دعاه مكروب إلا فرج الله كربته﴾ أو كما قال ﵊، وهذا الدعاء هو: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] وفي هذا الدعاء ميزات ثلاث: -
أوله: أنه اعتراف بالتوحيد.
الأمر الثاني: أنه اعتراف بالتقصير.
الأمر الثالث: أنه استغفار.
فقال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فوجب على العبد إذا ضاقت به ضائقة وأتاه حادث، أو أتاه هم وغم، أن يكرر هذا الدعاء فإنه بإذن الله فتح عظيم، يقول الأندلسي يوصي ابنه:
وناد إذا سجدت له اعترافاً بما ناداه ذا النون بن متى
وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا
ذكر أهل التفسير وأهل السير: أن يونس بن متى غاضب قومه وخرج فأوقعه في البحر الربان وأهل السفينة، لأن القرعة وقعت عليه: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات:١٤١] ما معنى الآية؟
لما ركب في السفينة كانت تتموج، وثقلت وأصبحت على غير العادة، وكانت في العادة تمشي بحفظ وبراعية وبتؤدة وسكينة، لكنه لما ركب وهو لم يستأذن الله ترجرجت، وهذا فيه درس: أن من التعكير والشؤم وبعض الصعوبات والمشاق على المسافرين والمقيمين المعصية، فقال الربان: معنا رجل فيه معصية، لا بد أن نتساهم ونقرع قرعة فمن أتت فيه أنزلناه في البحر، فشرعوا في أول قرعة فوقعت على يونس، قال: نعيد القرعة، هذه خطأ، فاستهموا مرة ثانية فوقعت عليه، قال: الثالثة، فوقعت الثالثة عليه، فأخذوه بيديه -سبحان الله العظيم، أحبابه وأقاربه تخلوا عنه! لأنهم يهلكون لو لم يفعلوا ذلك- فأخذوه بيديه ثم رموا به في البحر، فأصبح في ظلمات ثلاث: ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة الحوت، فقد تلقفه حوت يوم وقع فابتلعه فأصبح في بطنه، انظر إلى الموقف! من يسمعه؟ حتى ولو كان هناك فرق إنذار، أو خفر سواحل أو طوارئ ما سمعوه في بطن الحوت، لكن إلى السميع المجيب، إلى الذي أقرب من حبل الوريد: ﴿
الجواب
=٦٠٠٠١٩٢> وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] فأتى بكلمة تنفجر من القلب من أعظم الكلمات عند أهل التوحيد، قال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] يقول أهل العلم: لما قالها، عبرت بصوته إلى السموات السبع تخترقها، فسمعتها الملائكة فبكت، وقالت: صوت معروف من عبد معروف، يا رب! أين فلان؟ قال: أنا أعلم به، سمعوا الصوت لكن ما يدرون هل هو في بحر قزوين أو في البحر الأحمر، فأنقذه الله، وأخرجه ونجاه لأنه التجأ إليه، فحق على المسلم أنه إذا ضاقت به الضائقة، أن يردد: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] وعند البخاري في الصحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿دعاء الكرب: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش العظيم﴾ فهذا دعاء الكرب الذي -بإذن الله- من دعا به استجيب له.
وذكروا عن العلاء بن الحضرمي أنه لما قحط الناس قال: يا علِيُّ! يا عظيم! يا حكيم! يا عليم! فأغاثه الله, وأغاث الصحابة معه.
стр. 6374
دعاء سليمان ﵇
ومن دعائهم دعاء سليمان ﵇، وقد أراد أن يدعو الله في ملك لا يكون لأحد من قبله، فعلم أن الملك ينتهي وأن الملك زائل، وأن الجنود منتهون، وأن الدور تخرب والقصور تهدم: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥] فلما أعطاه الله الملك واستعرض جيوشه، حتى كان الطير يحجب شعاع الشمس بالسماء، والبحار ممتلئة بالجن له، وأما الأرض فامتلأت بالجيوش، فسجد على الأرض وبكى: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠].
стр. 6375
دعاء يوسف ﵇
وأما يوسف ﵇ فقال في آخر حياته بعد ما تملك مصر: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١] ويقول: توفني مسلماً، هذه هي الأمنية العذبة والغاية المنشدودة وهوايتنا في الحياة.
يا معشر المسلمين! والله الذي لا إله إلا هو إن التربية الآثمة، والتربية الأوروبية تربية الخواجات التي أخرجت من شبابنا وفتياننا وأبنائنا من لا يتذكر لقاء الله ولا حسن الخاتمة ولا الموعود الذي وعده الله، ومن يبني مستقبله على هوايات آثمة تضحك العقلاء.
تجد في المجلات صور شباب في الخامسة عشرة من أعمارهم، هواية محمد بن سعيد بن طلال جمع الطوابع، وهواية علي بن محمود المراسلة، وهواية ذاك مطاردة الحمام وصيد الدجاج، أما يخجل الإنسان؟!
من هم أهل هذه الصور؟
إنهم أبناء أبي بكر وعمر، وأبناء عثمان، وعلي، وأبناء خالد وسعد، الذين فتحوا الدنيا، وأذنوا في سمع المعمورة وقدموا أرواحهم رخيصة لترتفع لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
فيربى الجيل على هذه الأمور! حتى إنه في بعض الطلبات في ما يطلبه المستمعون، هناك مريض على المستشفى مكسور الظهر والرأس، قال أهدي لأخواتي وعماتي أغنية عبد الحليم، أو فريد الأطرش، سبحان الله أصبحت في الآخرة وتهدي لأقاربك أغنية! تريد فساداً في الدنيا وفساداً في الآخرة، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٦].
سمعت داعية إسلامياً وخطيباً فارهاً، يقول على المنبر: بالأمس فقدوا مغنياً، فقامت فتاة تشيع جنازة المغني، ومعها مسجل فيه شريط للمغني، فلما وصلت إلى القبر، رفعت المسجل ففتحت الأغنية، قال: فكان اتفاقاً وفتحاً من الله، فكان هو صاحب الأغنية -ميت، أصبح تحت الثرى- يقول: نار يا حبيبي نار، قال: نار من فوقك ونار من تحتك لأنك تركت الأمة في نار، فهذه كلماتهم، ولكن كما أسلفنا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] لكن من عرفه الله وبصره ثم انحرف فقد قامت الحجة عليه مرتين.
следующие страницы →