← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

تنبيهات

стр. 632

لا وطنية في الإسلام لا وطنية في الإسلام, وليس بين المسلمين وطنية, فكل أوطان الله أوطاننا، وكل بلد يُذكر فيها اسم الله هي بلادنا, أما جعل الإقليمية والوطنية فهذا مبدأ وشعار مرفوض, فلا وطنية في الإسلام, جمعنا الدين ولم يجمعنا الدم, لأن هؤلاء العلمانيين يقولون: أُخوة الدم أُخوة اللغة أُخوة الضاد!! وهذه الشعارات كلها خطأ، هذه كلها أصنام وطواغيت, نحن أُخوة لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ فلا وطنية في الإسلام.

стр. 633

عدم اهتمام كثير من الناس بالتوحيد ولذلك نجدهم في الأزمات لا يتذكرون التوكل، تجد كثيراً من الشباب يختلفون في تحريك الأصبع، مع أن إخلاص التوحيد وأعمال القلوب قد ركز عليها دعاة الإسلام مثل ابن تيمية، فقد ألفَّ في الخوف والرجاء مجلداً, بينما تحريك الأصبع أتى بها في سطر, والشباب عندنا يتكلمون عنها في مجلدات، والتوكل لا يذكرونه أبداً. أعمال القلوب ممن يخاف من يحب الرجاء في الله الولاء لله التوكل على الله الرهبة الخشوع الخشية هذه لا تدرس إلا القليل النادر في المقررات. نحن مقصرون في تعليم الناس التوحيد الصحيح, وتضخيم المسائل الفرعية الجزئية وينتجح عنه تصغير مسائل المعتقد, وهناك من يقول: " لا نحتاج التوحيد!! الله على العرش استوى درسناه في أول ابتدائي!! ". التوحيد تدرسه حتى تدخل قبرك، مع المحبرة حتى المقبرة. الأمة الإسلامية الآن لم يتجلّ لها التوحيد الصحيح، ولم تعرف الله حقيقة إلى اليوم إلا من رحم ربك, فواجبنا أن نوضح التوحيد الصحيح للناس, فنعرض عليهم كتب أهل العلم: العقيدة الطحاوية , كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومنها كتاب التوحيد , وكتب ابن تيمية وابن القيم , هذه نعرضها للناس. ابن تيمية لم يؤلف في الفرعيات كثيراً, أظنه ألف فقط كتيباً صغيراً، وأكثر كتب ابن تيمية في الإيمانيات، في الأصول، والمعتقد, قالوا له: ما لك لا تؤلف في الفروع؟ قال: الفروع أمرها سهل، وإن عبد العابد ربه على مذهب أبي حنيفة أصاب, وإن عبد على مذهب مالك أصاب، أو الشافعي، أو أحمد، لكن مسألة الإيمان والتوحيد والمعتقد, لا يقبل فيها قولان، بل قول واحد. يسأل عن وجود الله؟ فيقول: فيه قولان!! وعندما يسأل عن الأسماء والصفات؟ يقول: الأمة كلها سواء؛ المعتزلة والأشاعرة والجهمية والمعطلة كلهم من أهل السنة، وهذا خطأ فإن الطائفة المنصورة هي أهل السنة والجماعة فقط.

стр. 634

جهل مكانة العلماء عدم معرفة مكانة العلماء عند كثير من الناس: ففي بعض البلدان العالم ليس له وزن ولا قيمة، ولا يسمع له، ولا يصغى لقوله، ولا ينزل منزلته, وهو أهان نفسه بأمور منها: أنه لم ينشر علمه, أو ما دعا إلى الله, أو ما غضب لانتهاك محارم الله, أو ما حصل التحصيل اللازم واتقى الله فيما عنده. ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما ولكن أذلوه جهاراً ودنسوا محياه بالأطماع حتى تجهما إما أن يستخذي إلى الدنيا، وإما أن يجبن عن قول كلمة الحق، والمناصحة واردة, ومن هدي ولاة الأمر في بلاد المسلمين من السلف والخلف أن يقبلوا النصيحة, ونحن أمة النصيحة, كما قال رسول الله ﷺ : ﴿الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم﴾.

стр. 635

حقيقة الحكمة كلمة الحكمة وكيف تعرف: بعض الناس يستخدم كلمة الحكمة خطأً, فإذا نهيت عن شرب الخمر, قال لك: لا. عليك بالحكمة، لا تجرح مشاعر الناس, وإذا غضبت من انتهاك حرمات الله, فيقول: الحكمة والأسلوب، لا تجرح المشاعر. وهذا لا يعلم ما هي الحكمة؟ فبعضهم يجعل الحكمة أن تموت ولا تتكلم أبداً, يقول: لا تؤذ، لا تكن متزمتاً اتركنا عليك أن تتقي بنفسك نفسي نفسي أما أن تأمر فإنك تأخذ عداوة الناس تجرح مشاعر الناس!! وهذا كله خطأ بل الحكمة توضع في موضعها, فقد يكون من الحكمة أن تغضب, وقد يكون من الحكمة أن تشكوه إلى ولي الأمر, وقد يكون من الحكمة أن ترفع عليه قضية وتجلسه أمام القاضي, فرجل يسب الله تسمعه في الشارع أتنصت وتذهب وتقول: لا يكلف الله نفساً إلا وسعها؟ لا. ارفعه إلى السلطان, والله! لو أحدنا سرقت منه عشرة ريالات لغضب, أو أخذ من عرضه لأقام الدنيا وأقعدها, لكن في حدود الله كثير من الناس يسمع ويرى ولا ينكر.

стр. 636

التطرف اللاديني هم يقولون: أهل الصحوة أهل تطرف, لكنهم ليسوا متطرفين، وهؤلاء الزنادقة والملاحدة وأهل الحداثة هم المتطرفون؟ من المسئول عن الخمر؟ من المسئول عن المخدرات؟ من المسئول عن الفواحش؟ من المسئول عن تضييع الجيل؟ هم. هذا هو التطرف. أما نحن فليس عندنا تطرف, وإن كان فصور نادرة شاذة, يأتي واحد بها من الألف, أما الكثرة الكاثرة فلا يوجد تطرف, بل استقامة في الجميع، فهؤلاء الذين أمامي والألوف المؤلفة من غيرهم من الشباب من أهل السنة والجماعة يعرفون الولاء لله ولرسوله ولأئمة المسلمين، ويعرفون الطاعة، ويعرفون الانضباط والحكمة, وأحدهم تثق بعقله ودينه وعلمه؛ لكن يأتي شاب فيسيء التصرف فيقولون: كل الشباب متطرفون هذا خطأ!!

стр. 637

الأسئلة

стр. 638

قصيدة في طاغية العراق السؤال هناك سؤال تكرر بأكثر من صيغة يطالب الشيخ بإلقاء القصيدة التي قالها في طاغية العراق مؤخراً؟ الجواب عنوان هذه القصيدة " هتلر الشرق" وقد ذُكرت ليلة أمس: أذاك صدام أم هذا أبو لهب تبت يدا عصبةٍ حمالة الحطب يا حية الحقد يا نار الضغينة كم أبكيت من مقلة في ساعة الحرب يا قاتل المجد يا سفاك ما برحت كفَّاك في دمنا عاثت بلا سبب روعت يا مجرم التاريخ أمتنا هِجْتَ الأرامل بل أفزعت كل صبي يا هتلر الشرق إسرائيل رغت لها وهبتها ونصبت الموت للعرب صغت الصواريخ ألغاماً مفجرة أجريتها في دماء السادة النجب أكلما قام سفاح بأمتنا أفنى الأقارب في ليل من الرهب خطوت خطو جمال في تهوره أذاق صنعاء مر العلقم الوصب يا خائن الشعب يا من باع عزته يا محرق الأمة العرباء بالعطب سيحفظ الدهر والتاريخ ما فعلت يمينك الشؤم أو ما قلت من كذب صه يا عدو العلا ما أنت من دمنا نسلاً وما أنت من أبطالنا النجب لا ينصر الله إلا مؤمناً بطلاً له من الطهر ذكر عامر القرب سجوده في ظلام الليل قوته هزيجه الحلو تسبيح من الحجب إمامه أحمد المختار قدوته أنسابه في الهدى من أشرف النسب والسلام عليكم ورحمته وبركاته.

стр. 639

المفسدون في الأرض إن الله حين خلق آدم وأخرجه من الجنة، قدر أنه لا بد من صراع بين الحق والباطل، لحكم كثيرة ومنافع عظيمة تعود على أهل الإسلام والإيمان. وأوجب سبحانه على أهل الحق أن يجاهدوا لإعلائه، وأن يقمعوا الباطل وحزبه، وقد بعث الله الرسل وأقام المجددين لدحر أهل الباطل من أهل الشرك والبدعة والفسق والمحادة لأمر الله.

стр. 640

صور من الطعن في حدود الإسلام الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذّكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: أيها الناس: لقد واجه الإسلام تهماً فظيعةً، وطعوناً شنيعةً من أعدائه سلفاً وخلفاً، اتهموه بالرجعية والتأخر، واتهموه بالهمجية في تطبيق الحدود وسن الشرائع وتنفيذ الفرائض. فلنأتِ لنستقرئ أحوال هؤلاء الطاعنين، وموقف الإسلام من هذا الطعن الفضيع. عباد الله: إن الحدود نعمة من نعم الله ﵎، سنها لحفظ الإنسان، ولحمايته ورعايته، واعتبر الله من عطل حدوده في الأرض كافراً ظالماً فاسقاً، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. يقول جل ذكره: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٤ - ٤٥] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]. وعندما أتى القرن الثالث، قامت هناك نعرةٌ عدائيةٌ للإسلام، أسسها المذهب الباطني الذي امتد اليوم إلى المذهب الخميني، وما يبثه في الأرض من عداء ضد هذا الدين، واشتركت معه اليهودية والصهيونية العالمية في العداء للإسلام، لكنه لم يظهر العداء كما أظهروه، فإن مذهبه التقية، يتقي ويظهر أنه ناسك عابد وهو الذئب العادي على الاسلام، وهو المنفذ الوحيد للصهيونية، وهو العميل الإرهابي والمدمر للإسلام.

стр. 641

أبو العلاء المعري واستهزاؤه بالدين وكان من أجداد المذهب الباطني، الزنديق أبو العلاء المعري الشاعر الفيلسوف المحسوب على الإسلام، الذي امتهن دين الله، وضحك على شريعته، واستهزأ بآياته في أبياته التي يقول من ضمنها، وهو يعترض على قطع يد السارق: يدٌ بخمس مئينِ عسجدٍ وديت ما بالها قطعت في ربع دينار يقول: هذه اليد ديتها في الإسلام خمس من المئين العسجد الذهب -فإذا سرقت ربع دينار قطعت، فكيف تقطع؟ تناقض ما لنا إلا السكوت له ونستعيذ بمولانا من النار يقول: هذا تناقض في دين الله. وما التناقض إلا في عقله وقلبه يوم طبع الله عليه، وفضحه وأخزاه، فاعترض على شريعة الله ، ولذلك رد عليه جهابذة الإسلام، وقال أحدهم: عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري وقال له عبد الوهاب المالكي العالم الكبير وهو يحاكمه عند الله، ويقول له: قل للمعري عار أيما عار جهل الفتى وهو عن ثوب التقى عاري لا تقدحن بنود الشرع عن شبهٍ شرائع الدين لم تُقدح بأشعار فابتلاه الله بعمى القلب والبصر وأخزاه الله، حتى قال المؤرخون: ما دفن أبو العلاء ووضع في قبره إلا والتقمت لسانه حية لها ذنبان اثنان كما قال ابن كثير وغيره، وهذا خزي الدنيا، وللآخرة أشد خزياً وعاراً ونكالاً.

стр. 642

موقف ابن سينا وابن الراوندي من الدين إن الملاحدة الذين طعنوا في دين الله كثر، فمنهم ابن سينا المحسوب على الإسلام، والذي سُمي في بعض الأقسام العلمية في جامعتنا: الأسطول، ويسمى: الذكي الفاره، والعبقري المدره، وسميت به كتب وله أقسام، والإسلام منه -إن لم يكن تاب- بريء؛ لأنه اعترض في بعض الأمور على الشرائع وأنكر بعض الأسس اليقينية من دين الله . ومعه ابن الراوندي الكلب المعفر الذي ألف كتاب الدامغ على القرآن يقول: أدمغ به القرآن والسنة، قال ابن تيمية: إن كان ثبت ذلك عنه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

стр. 643

عداء الغرب للإسلام وأهله ثم أتت الدعوات المغرضة تترى حتى وصلنا اليوم إلى أعداء الإسلام، فألفوا الكتب، وعقدوا المؤتمرات، وصرحوا بالرسائل والفتيا، وانتقدوا على الإسلام، وقالوا: دين همجية. كيف يسرق السارق سرقة فتقطع يمينه؟! أهذا من العقل والنقل؟! كيف يقتل القاتل؟ ونقول لهم: يا سبحان الله! نسيتم الشعوب التي دمرتموها، والشيوخ الذين قتلتموهم، والأطفال الذين أبدتموهم، واعترضتم على قتل مجرم بقتله تحيا الأنفس، والله يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:١٧٩]. قتل مجرم واحد يحيا به شعب يدين لله ، وقطع يد سارق واحد، تبقى أموال الناس مأمونة مخزونة محفوظة، ويبقى الناس بسلام، وجلد زانٍ واحد، تبقى أعراض الناس سليمة معافاة محماة، فما لكم أنتم لا تفتشون عن أخباركم وصحفكم السود؟ راجعوا سجلاتكم ماذا فعلتم بالشعوب؟ قالوا: هم البشر الأرقى، وما أكلوا شيئاً كما أكل الإنسان أو شربوا، من الذي قتل شعب فلسطين شعباً كاملاً بأطفاله ورجاله ونسائه؟! من الذي هدم مساجده؟! من الذي لعب بأعراض نسائه؟! من الذي مزق كتبه وضيع معالمه وشتت أهله شذر مذر في الأرض؟! أليست هي الصهيونية العالمية ومن ورائها أمريكا التي تدَّعي حقوق الإنسان وحفظه ومناعته وهي عدوة الإنسان؟ من ضرب العمال في بولندا ومن أتى بالرق من يوغندا من دمر البيوت في نزاكي من ضرب اليونان من أتراك من الذي ناصر إسرائيل حتى تصب عنفها الوبيلا؟ إنهم يقتلون الملايين ولكنهم لا يسألون أنفسهم، وأما الإسلام فيتهمونه إذا قتل مجرماً واحداً: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] يستخدمون حق الفيتو إذا وقف بعض الناس بحماسة ورحمة الإنسانية للشعب المضطهد، ولا يأخذون حق الفيتو ضد من قتل الناس وأرهبهم ودمر بيوتهم. أخرج شعب أفغانستان -وهو ثمانية مليون- إلى باكستان لاجئين يموتون جوعاً، لا يجدون ورق الشجر، ولم يستخدموا حق الفيتو، وأخرج شعب فلسطين من خمس وعشرين سنة، وفرق بين الابن وأبيه، وبين الأخ وأخيه، وبين الأم وولدها، فما استخدموا حق الفيتو. فإذا شخص مجرم انتهك أعراض المسلمين على أنه زانٍ، قالوا: همجية وبشاعة وأنه لا يناسب رحمة الإنسان. ما هذا الورع المظلم؟!! وما هذه اللعنة العمياء التي أصيبوا بها في سمعهم وأبصارهم؟ ونرد عليهم أيضاً بواقعهم، فانظروا إلى بلادهم، وانظروا إلى ولاياتهم كيف تعيش الدمار والعار. إن عيد الكرسمس في الولايات المتحدة تغلق فيه الكهرباء وتطفأ لمدة عشر دقائق، وأحصي في بعض الولايات في الشمال كولاية أوكلاهوما أن بعض السرقات بلغت في عشر دقائق ألف سرقة، أما في الإسلام فإننا -والحمد لله- نعيش في أمان، يذهب الذاهب بماله، فلا تتعرض له عصابة ولا مجرمون، ولا يتعرض له قطاع طريق، لأنهم علموا أن الحد سوف يصيبهم، ولذلك وقف ﵊ بقوةٍ أمام كل من عطل الحدود، وبين أن من عطلها فهو ملعون في الدنيا والآخرة، وأن من عطلها فقد غضب الله عليه، لا يقبل الله من صرفاً ولا عدلاً، ولا كلاماً، ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.

стр. 644

صور من إقامة الحدود في عهد النبوة .

стр. 645

قصة المرأة المخزومية سرقت امرأة مخزومية كانت تجحد العارية وبنو مخزوم أسرة فارهة ضخمة من أسر قريش المشهورة، فلما جحدت هذه المرأة الحلي، رفع أمرها إلى رسول الهداية ﷺ ، فقال: حكم الله ؛ قطع يدها، فقامت قيامة بني مخزوم، وقالوا: توسمنا العرب بأن امرأة منا سرقت، لا. والله لا يكون هذا، واجتمعوا وسهروا الليالي الطويلة، وأداروا الرأي، وفي الأخير من الذي يشفع لهم عند الرسول ﵊، من الذي ينشر القضية؟ ارتبكوا أيما ارتباك، وفي الأخير قالوا: نذهب إلى أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ وابن حبه، ونعرض عليه القضية؛ عله أن يرفعها إلى الرسول ﷺ . أتوا إلى علي بن أبي طالب فغضب ورفض واحمر وجهه، وقال: ويلكم أتشفعون في حد من حدود الله، فأتوا إلى فاطمة الزهراء بنت المصطفى ﷺ ، فأخبروها الخبر، فقالت: ويلكم وغضبت وتحرك إيمانها في قلبها، وقالت: من يشفع في حدود الله؟! وفي الأخير ذهبوا إلى أسامة ﵁ وأرضاه، وهو شاب غر فطن في الثالثة عشر من عمره، فعرضوا عليه الرأي، فاستحسن الفكرة وذهب إلى الرسول ﵊ فجلس أمامه، فقال له ﷺ وأسامة خجول لا يستطيع أن يتكلم بما في صدره، فقال له ﷺ : ماذا في صدرك؟ قال: يا رسول الله! المرأة المخزومية التي حكمت عليها بقطع يدها نريد أن تعفو عنها، فغضب ﵊ وقام على ركبتيه ورفع صوته على أسامة، وقال: ويحك! وجئت تشفع في حد من حدود الله. وفي أثر عنه ﷺ أنه قال: ﴿إذا بلغت الحدود الإمام فلعن الله الشافع والمشفع﴾ إذا بلغت السلطان أو القاضي الحدود كحد الزنا، أو حد شرب الخمر، أو حد القتل، أو حد السرقة، فأتى أناس يتشفعون من الوجهاء والمسئولين، فلعن الله هذا الشافع الذي تشفع ولعن الله من قبل الشفاعة، ثم قام ﵊ فجمع الناس، وأتى الصوت يدوي في المدينة " الصلاة جامعة، الصلاة جامعة"، ولا يجتمع الناس إلا لأمر فظيع خطير في الإسلام، فلما اجتمعوا قام ﵊ على المنبر ليبين أن هذا حكم الله، وأن هذه فريضة الله، وأن هذه شريعة الله، وقال: ﴿يا أيها الناس! إنما أهلك الذين كانوا من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله ووالله وتالله وبالله لو أن فاطمة بنت محمد سرقة، لقطعت يدها﴾. نعم. ليفهم من يفهم، لو أنها فاطمة الزهراء بنت المصطفى ﷺ ، سيدة نساء العالمين: هي بنت من؟ هي أم من؟ هي زوج من؟ ماذا يساوي في الأنام علاها أما أبوها فهو أشرف مرسل جبريل بالتوحيد قد رباها لو سرقت -والله- لقطع رسول الهدى ﷺ يدها. قال الزهري: وحاشاها أن تسرق، ولكن أراد ﷺ أن يبين للناس أنه لا تأخذه هوادةٌ في دين الله، وأن الوساطات والشفاعات في تغيير الحدود، أو إرباكها، أو تعطيلها معناها اللعنة والغضب من الله ﵎، ومعناه السخط، والخروج عن شريعته.

стр. 646

إقامة الحد على اليهوديين وبنو إسرائيل واليهود يعلمون أن الله فرض عليهم ذلك، لكنهم نقضوا عهد الله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣] أتوا إلى رسول الله ﷺ ، والرسول ﵊ مخير بين أن يحكم بينهم في دين الله، أو أن يعرض عنهم، يقول سبحانه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة:٤٢] فلما أتوا بالزانيين- الرجل والمرأة- فقال اليهود: يا رسول الله! هذا الرجل زنا بهذه المرأة، فقال ﵊: ﴿ماذا تجدون في كتابكم﴾ في التوراة، والرسول ﵊ يعلم أن في التوراة حكم الله وأنه جلد الزاني البكر ورجم الزاني المحصن، فقالوا: نجد في التوراة، أن نحمم وجه الزاني بالفحم، وأن نركبه على حمار ونوجه رأسه إلى دبر الحمار، وأن نعرضه على الناس، فقال الله لرسوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:٩٣] تعالوا بالتوراة نقرؤها سوياً هل نجد هذا الحكم في توراتكم وكتابكم، فأتوا بها، وهم حيات أخدع وأمكر خلق الله، وهم أساس كل جريمة وكذب ودجل وخيانة في العالم، فأتوا بالتوراة وجاءوا برجل اسمه ابن صوريا منهم، أعور لا يقرأ إلا بعين واحدة، فقالوا: إذا استدعاك محمد لتقرأ عليه التوراة، فاقفز من هذه الآية -آية الرجم- اقرأ ما قبلها وما بعدها واتركها، فأتى فلما رأى الرسول ﷺ التوراة قام حفياً لها؛ لأن فيها شيئاً من الحق، ولأنها أنزلت على موسى ﵇، وجعلها ﷺ على وسادة عنده، ورسول الله ﷺ أمي لا يقرأ ولا يكتب لكنه أعلم خلق الله بشرع الله، فقال للقارئ: اقرأ، وحوله اليهود يتناخرون كالخنازير والقردة، فبدأ القارئ يقرأ وقفز من هذه الآية وقرأ ما قبلها وما بعدها وجعل يده عليها، فقال عبد الله بن سلام اليهودي الذي أسلم وهو من أهل الجنة، والذي قال الله فيه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف:١٠] فالشاهد عبد الله بن سلام فقال: ﴿يا رسول الله! والذي بعثك بالحق نبياً إن فيها الرجم، ولكنه غطى بيده عليها، فكشف ﷺ عن الآية وقرأت، فقام ﵊ فرجم هذا الرجل ورجم هذه المرأة﴾ قال ابن عمر ﵄: [[لقد رأيت الرجل وهو يجنأ على المرأة يحميها من الحجارة، فعلمنا أنه زنا بها]] وهذا حكم الله وشريعته في الأرض فلابد أن تنفذ، ومن عطلها فهو أساس تعطيل الرزق من السماء، والقطر من الفضاء، والغيث الذي يصب على القلوب، يقول تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] والعجب ممن يعترض على دين الله ، ثم يقتل عباد الله في الأرض ويسعى في الأرض فساداً ويؤيد الطغيان والاستبداد واستحلال الشعوب وقتل الأرواح والضمائر. قتل امرئ في غابة جريمةٌ لا تغتفر وقتل شعبٍ كاملٍ مسألةٌ فيها نظر ولكننا نرجع حكمهم إلى الله، ونعتز بهذا الدين الذي جعله الله حفظاً للأرواح وللأنفس وللأعراض وللأنساب وللأموال، فالحمد لله الذي شرح صدورنا للإسلام يوم ضيق صدور الآخرين وجعلها كأنما يصعدون في السماء، والحمد لله الذي هدانا لهذا الدين وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، رب زدنا فقهاً في ديننا وثبتنا على ملة رسولنا حتى نلقاك، وافتح قلوبنا لهداك، ولا تزغ قلوبنا بعد إذا هديتها وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

стр. 647

فوائد إقامة الحدود الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين وقدوة الناس إلى الله أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: عباد الله: إن من النعم الجليلة أن يطبق حكم الله في البلاد، وأن تنفذ حدوده، ولا يعطل منها شيء، فإن معنى ذلك الاستقرار والأمن والازدهار، ورضى الله ، وإنزال سكينته على عباده. والحدود في الإسلام لم تشرع ولم تسن عبثاً، وإنما لها حِكُم وفوائد ومنافع:

стр. 648

طهارة من الذنوب أنها مطهرة لمن اقترف هذه الذنوب والخطايا: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦] ويوم يذنب العبد ويطوف به طائف من الشيطان فينسى ربه فيقع في الجريمة حينها يطبق عليه الحد، فيكون مطهراً له من الذنوب فيُقبل على الله طاهراً مغفوراً له ذنبه مع توبته مع الله ، ولقد بلغ هناك من المشاهد والنماذج في حياة الرسول ﵊ ما يعجب له قلب المؤمن. زنت امرأة في عهده ﷺ فلما ارتكبت الفاحشة تذكرت ذنبها وخطيئتها وإجرامها، وتذكرت القدوم على الله : ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] فأتت إلى رسول الهدى ﷺ فاعترفت بالزنا، وطلبت منه أن يطهرها فأعرض عنها؛ لأنه لا يريد أن يستجلي أخبار من استتر بستر الله، أتت عن ميسرته فشهدت بالزنا، فأعرض عنها حتى شهدت على نفسها أربع شهادات، حينها رأى ﷺ أنها حامل، فقال: ﴿اذهبي حتى تضعي ثم تعالي﴾ فذهبت وهي صابرة محتسبة تتفكر في يوم العرض على الله وتريد الحد في الدنيا، فوضعت طفلها. قال سهل بن سعد: والله لا أنسى يوم أتت بطفلها في لفائف من قماش، وهي تطلب التطهير منه ﷺ ، فيقول رسول الله ﵊: ﴿اذهبي حتى ترضعيه وتفطميه، ثم تعالي﴾ وانظر إلى صبرها طول هذه المدة واحتسابها الأجر والمثوبة في تنفيذ الحق، فتذهب فتفطمه بعد سنتين، وتأتي به وفي يده كسرة من الخبز، فيقول ﵊: من يكفل هذا الطفل؟ فأخذه أحد الأنصار وذهبوا بالمرأة وهي مقبلة على الله متوضأة بوضوء التوبة وقد فتحت لها أبواب الجنة الثمانية يقول سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] واجتمع عليها المؤمنون ليقيموا شريعة الله، وليظهروا تطبيق حدود الله وانهالت عليها الحجارة، وهي صابرة محتسبة مقدمة روحها إلى الله. يجود بالروح إن ضن البخيل بها والجود بالروح أغلى غاية الجود وتنتثر دماؤها على الناس، فيسبها أحد الصحابة، فيقول له ﷺ : ﴿مهلاً يا فلان، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو وزعت على أهل المدينة لوسعتهم﴾ وفي لفظ: ﴿والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس، لوسعته أو لو وزعت على سبعين بيتاً من بيوت أهل المدينة، لوسعتهم﴾ وهل رأيتم أجود منها يوم جادت بنفسها، ثم يقول ﵊: ﴿والذي نفسي بيده لقد رأيتها تنغمس في أنهار الجنة﴾ فأول هذا أنه طهارة لمن أقيم عليه الحد، وقد تاب ما بينه وبين الله، فإن الحدود كفارات وجوابر وزاجر.

стр. 649

استقرار الأمن في البلاد والمنفعة الثانية من تطبيق الحدود: أنه استتباب للأمن في البلاد، وقطع لدابر المجرمين والمفسدين في الأرض، وقطاع الطرق وعصابات الإفساد، وعصابات الإرهاب التي تفسد في الأرض، وتعرض الأمة للدمار وللنار، وتزعزع البيوت الآمنة والآهلة بالسكان، فإن الأمن في تطبيق الحدود، وهذا معنى قوله ﵎: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) [البقرة:١٧٩] ونكّر (حياة) ولم يقل (الحياة) لتكون حياة بمعنى مفهوم الحياة العامة الشاملة الثابتة.

стр. 650

زاجر للمعتدين والمنفعة الثالثة: أنها زواجر للمعتدين، وأنها دواحض للمرتابين، وأنها موانع لمن يريد أن ينتهك حرمة عباد الله ، فإن من مقاصد الإسلام حفظ النفس، والمال، والعرض، وحفظ النسب، والعقل، فجعل الله لهذه الأمور الخمسة موانع وحواجز تحفظها من كل من يريد أن يعتدي عليها.

стр. 651

رضا الله وتنزل نعمائه والمنفعة الرابعة: أنها إرضاءٌ لله ، والله يرضى يوم يرى حدوده تطبق في الأرض، ويوم يرى شريعته تنتشر في الناس، ويوم يرى القائمين بالحدود من سلطان وأمير وقاض ومسئول ينفذ حد الله، حينها ينزل الله القطر من السماء، ويؤلف بين القلوب، ويحمي البلاد من اعتداء المعتدي، ويرد عنها كيد الكائدين وضغينة الضاغنين، وما اعتدي على كثير من البلاد، وما أرهبت كثير من الشعوب إلا بمعاملتها مع الله يقول سبحانه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢] ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾ [الطلاق:٨ - ٩] فانظروا إلى جيراننا والشعوب التي تلينا كيف عاشت الدمار والحروب والمجاعة، وكيف عاشت الاختلاف، وكيف عاشت التمزق يوم أعرضت عن شرع الله ، وأخذت قوانين نابليون وجعلتها مكان القرآن، وادعت أن شريعة الله لا تسير العصر، فأصابهم الله بلعنة وخزي في الدنيا ونار تلظى في الآخرة. فنسأل الله لنا ولكم الفقه في دينه، والثبات على أمره، والرشد فيما يعنينا، وأن يؤلف بين قلوبنا، ويصلح ذات أنفسنا، وأن يهدينا سواء السبيل. عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صل على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم اجمع كلمة المسلمين ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وأرهم الحق حقاً وارزقهم اتباعه، وأرهم الباطل باطلاً وارزقهم اجتنابه. اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحينا ما علمت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان وثبت أقدامهم وأقم علم الجهاد بهم ووحد كلمتهم، واجمع صفهم يا رب العالمين! اللهم انصر المجاهدين المسلمين في فلسطين على أعدائك أعداء الدين، أبناء القردة والخنازير، الذين قتلوا رسلك، وكذبوا بشريعتك، وآذوا أنبياءك، اللهم رد لنا أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين يا رب العالمين. ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا، لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 652

أمانة الكلمة نبي الله يوسف ﵇ وهو يعاني من السجن والغربة والقذف لعرضه والإيذاء لشخصه، ومع ذلك لم يتخل عن الدعوة إلى الله، وحمل الأمانة التي كلف بتبليغها إلى الناس، وقد ضرب لنا نبينا محمد ﷺ أروع الأمثلة في التضحية من أجل إيصال كلمة التوحيد إلى قلوب الناس إن كلمة التوحيد هي أعظم الأمانات فهل بلغناها كما أراد الله؟!

стр. 653

كلمة التوحيد إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ تسليماً كثيراً. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أيها الشعر أنت أنت الحداءُ غنِّ شعراً تصغي إليه السماءُ رتل الحق ساطعاً يفضح البهـ ـتان فالحق عزة شماءُ لا تراء يا شعر واسكب شجوناً فقبيح لدى الكرام الرياءُ مرحباً يا دمَّام جئت وبعضٌ من البكاء غناءُ مرحباً مرحباً أتعرف وجهاً نحتته الأنواء واللأواء فجراح الحسين بعض جراحي وبقلبي من الأسى كربلاءُ أيها الاخوة الكرام! أقول كما قال الشيخ عمر الدويش للمتزوج: بارك الله لك وبارك عليك، وجمع بينكما في خير، ليلة مباركة وعرس مبارك واجتماع حافل، ثلاثة أنوار: نور هذا الزواج الإسلامي السني الخالد. ونور ليلة حفتكم وحضرتم أنتم بها. ونور الكلمات العطرة التي تنبعث فتشدو بإذن الله وتشدو بحول الله وقوته. أمانة الكلمة. ما هي الكلمة؟ وما هي الأمانة؟ ومن يحملها؟ ومن هم روادها؟

стр. 654

عظمة الدين أما الكلمة: فلا إله إلا الله، محمد رسول الله، الكلمة التي قامت عليها الأرض والسماوات، والتي خلقت من أجلها الجنة والنار، الكلمة التي نصب عليها الصراط وأقيم الميزان، ومن أجلها تتطاير الصحف، دكدكت الدنيا من أجل هذه الكلمة خمس مرات، بالطوفان، والصاعقة، والصرصر، والزلزال، والخسف، لتستقر هذه الكلمة في قلوب الموحدين، فكأن أصوات المدافع في قلوب المؤمنين الروح والريحان.

стр. 655

حملة كلمة التوحيد كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله من حملها؟ إنه محمد ﵊، حملها بدمه وبدموعه وبجراحه وبوقته وبجهده، حملها والدنيا كل الدنيا تتحداه، فأوقف قدمه ورفع يده وقال للشرك: ﴿والذي نفسي بيده لو وضعتم الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، ما تركته أو أهلك دونه﴾. أمانة الكلمة: يحملها يوسف ﵇ الصديق ابن الصديق، الكريم ابن الكريم ابن الكريم، في الحبس وداخل الزنزانة يسأل عن فتيا ورؤيا، فلا يجيب عن الرؤيا ولا عن الفتيا حتى يقول: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩]. فإذاً الله معه، وإذا هو ملء جوانحه وملء إدراكه وجفونه ومعتقده، فقبل أن يجيب وأن يفتي فإنه يوضح لمن يسأل عن الرؤيا العقيدة الإسلامية الخالدة، التي ترافق المحبوسين في حبسهم، والمسجونين في سجنهم، وأهل المعاناة مع معاناتهم، والتجار في تجارتهم، والفلاحين في فلاحتهم، والأساتذة في مدارسهم، والعلماء في مجامعهم، وكل أحد ترافقه كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإذا يوسف وهو محبوس ينبعث منطلقاً مشتعلاً بلا إله إلا الله، وإذا هو ينادي إلى معتقد التوحيد الأول الذي نادى به الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. ومؤمن آل فرعون يكتم إيمانه، ولكنه ينبعث في فجوة من فجوات الغيظ والمعاناة فيقول: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر:٢٨] وهي أمانة لا بد أن يحملها الإنسان يوم أن يشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، يسأل عنها، فإذا هو أمام الله قد أدى أمانته، وقد سلم جهده، وقد برئت عهدته إذا هو قام بها. ليست الحياة التي يتصورها السادرون المخمورون؛ حياة الأكل والشرب، والشهوة، والظهور، والشبهة، والسيارة، والوظيفة، والقصر، والحديقة، والمنصب، لا: خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريبا فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا أتى الطفيل بن عمرو الدوسي من زهران إلى محمد ﷺ يسمعه يشعُّ بلا إله إلا الله، يسمعه يتفجر بلا إله إلا الله، يسمعه يحيي القلوب بلا إله إلا الله، قال: يا رسول الله! ادع الله على دوس، كفرت دوس، عصت دوس يقصد قبيلته، فأتى الرحيم العطوف الحنون ﷺ ذو الخلق العظيم فرفع يديه، قال الطفيل: هلكت دوس! وظن أنه سوف يسحقها بكلمة يبيدها عن بكرة أبيها، فقال: ﴿اللهم اهد دوساً وأت بهم﴾ فانطلق داعية مؤثراً، فأسلموا عن بكرة أبيهم.

стр. 656

مسئولية الجميع إن الدعوة دور المجاهد المسلم الباحث عن الحقيقة، المستنير بنور الله، لا الخامل الذي يظن أنه أتى هنا موظفاً فحسب، تاجراً فحسب، جندياً فحسب، أستاذاً فحسب، معلماً فحسب، لا. بل جاء أستاذاً وداعية، جندياً وداعية، تاجراً وداعية، فلاحاً وداعية، موجهاً وداعية، مفتشاً وداعية، وإلا فلا يتبوأ صهوة البراءة الأصلية عند أهل العلم ولا يكون من أهل الميثاق: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران:١٨٧] فنبذوا الرسالة وراء ظهورهم: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧] قال الحسن: [[الثمن القليل الدنيا وما فيها!]] ماذا تجدي الدنيا عن رجل غضب الله عليه، ونقض ميثاق الله؟! لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا يوجه ولا يؤثر ولا يوزع ولا يخطب ولا يغار ولا يغضب، إنما هو جثمان يأكل ويشرب ثم يموت، والله ذكر أعداءه أنهم ينفقون الأوقات والأموال والجهد قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] وهم يألمون ويخططون ويعملون ويشتغلون، لكن يقول المولى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [النساء:١٠٤] ويقول الشاعر: سقيناهم كأساً سقونا بمثلها ولكننا كنا على الموت أصبرا فنحن أهل عقيدة ورسالة، حملناها من القدم يوم أعلنها فينا ﵊، ووجه كل إنسان ليحمل أمانة الكلمة لا إله إلا الله. يفور دمي وأنا أطالع تراجم أصحابه، وهم أمامه كالكواكب في المسجد، وهو شاخص على المنبر يتدفق بالكلمات ﵊، ثم يثير في قلوبهم لا إله إلا الله من جديد، كل يوم وهو يحرق في قلوبهم عناصر الوثنية. يقول: ﴿من يقتل خالد بن سفيان الهذلي فله الجنة، فيقول الشاب ابن أنيس: أتضمن لي الجنة؟ قال: نعم. ﴾ فيقتله ويدخل الجنة بإذن الله، فليس عنده إلا الجنة، وهذه هي قيمة الكلمة التي أتى بها ﵊، قيمة لا إله إلا الله وثمنها، والبيعة الأولى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١].

стр. 657

عمر واهتمامه بالدعوة وانظر إلى عمر وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، مطعون سرى دمه في الأرض، باع الدنيا وترك الخلافة وانتهى، وأسلم روحه إلى الله، ولكن همه في الدعوة ما زال قائماً، يأتيه غلام يجر قميصه أمامه، فقال: [[يا بن أخي! تعال، ارفع إزارك؛ فإنه أتقى لربك وأنقى لثوبك]] فلله دره! أي هم هذا الهم في وقت ينسى الإنسان فيه أخاه وأخته، وأباه وأمه، وابنه وأهله، وكيانه وجيرانه، وإخوانه وخلانه؟! ومع ذلك يأمر في مسألة نظنها نحن جزئية، أية حياة لمن لم يشتغل بهذا الدين؟! أي نفع له؟! وأية خارطة يشكلها؟! أنا لست مهتماً بأصل قبيلتي ورائي قريش أو ورائي تغلبُ فليست بلادي بيرقاً أو خريطةً ولكن بلادي حيث أسطيع أكتبُ فلتؤثر ولتنشر ولتأمر ولتنه، وإلا فتوقع الغضب المقيت، الحال المحتوم من الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠].

стр. 658

الهدهد يحمل هم الدعوة وليستح الإنسان أن يكون الهدهد أعز منه جانباً وأقوى همة وأكثر حماساً لدين الله، هدهد يطير من اليمن من سبأ ويقع إلى أرض كنعان أو إلى فلسطين في كلام بعض أهل العلم، فيتأخر على سليمان، ويريد سليمان أن يأخذ منه ضريبة التأخر، فيجيب: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢] ولكن اللافت للنظر أنه يقول عن المرأة تلك: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل:٢٤]. هدهد نقم عليهم عملهم الخاطئ الوثني وأتى يخبرهم بعقيدة التوحيد لا إله إلا الله، ثم قال: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل:٢٥] وانظر إليه كيف التفت إلى الخبء! لأنه هدهد ورزقه دائماً يخبئه، وأعظم معجزة عند الهدهد تخبئة الرزق، فمن يكشف رزقه إلا الله! فأشار أي: بلسان الوحدانية، وبفم الصمدانية إلى رب السماوات والأرض، ثم أخبر أن هذه العقيدة بائرة خاسرة لا تصلح، وأن الأحسن منها عقيدة التوحيد، أما أدى دوره؟! أما حمل أمانة الكلمة؟! أما قام بها؟! والله إن منا من هم أبخس حظاً من الهدهد، وأقل حماساً وغيرة، يرون المنكرات والمخالفات والتعديات، ثم لا يغضبون ولا تتمعر وجوههم، ولا يشاركون ولا يؤثرون ولا يتحمسون، فأنى لهم النجاة؟! كيف ينجون من غضب الله والله يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣]؟! أمانة الكلمة أمانة الميثاق: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢].

стр. 659

النملة تلقي درساً في الدعوة قال بعض المتأخرين لما جمع مذكرة في أمانة الكلمة: وأمانة الكلمة التي حملتها النملة فأنذرت قومها، وأنذرت صويحباتها: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨] فأنذرت وبشرت وأخبرت، وأنكرت وحذرت؛ لأنها تعيش مبدأ حماية النملات مبدأ المسئولية وهي أمانة الكلمة.

стр. 660

الجن يدعون إلى الله وفد الجن إلى الرسول ﷺ في ليلة المعاناة، بعد أن أغلقت مكة أبوابها في وجه ابن مكة البار والراشد، والطائف أغلقت أبوابها، فنزل في وادي نخلة يبتهل إلى الله وتصعد أنفاسه: محمدٌ في فؤاد الغار يرتجف في كفه الدهر والتأريخ والصحفُ مزمَّل في رداء الوحي قد صعدت أنفاسه في ربوع الكون تأتلفُ من الصفا من سماء البيت جلله نور من الله لا صُوف ولا خزفُ والكفر يا ويحه غضبان من أسف لم يبقه القهر في الدنيا ولا الأسف ولا رعته سيوف كلها كذب في صولة الحق والإيمان تنتسفُ فماذا قال؟! نادى ربه وشكى إليه وبكى، فاستمع له الجن، ولكن هل كانوا سلبيين؟ هل سمعوا المحاضرة والدرس ثم خرجوا وهم في عزلة وانطواء، وفي نظرة سوداوية وتشاؤم؟! هل تركوا الميدان لأعداء الله من العلمانيين والمنافقين والكفرة والملحدين؟! لا. بل قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٣١]. وهي مسئولية الإنسان أن يحترم نفسه وأن يحترم مبادئه مستقبلاً، وأن يؤثر؛ وكم نحضر من المحاضرات! كم هي الألوف التي تحف بالمحاضر! وكم هي الألوف التي تحضر الجمعات! وكم هم طلائع الصحوة الذين يزينون شرفات المجامع العامة! أين تأثيرهم؟! أين أمرهم ونهيهم؟! أين توزيعهم للشريط الإسلامي وللكتيب الإسلامي؟! أين دروسهم؟! أين مشاركاتهم؟! أين نصائحهم؟! أين وعظهم؟! لو اشتغل منهم العشر لصلحت الدنيا، لو تأثر منهم العشر وقاموا وأخذوا بحديث: ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ لأصلح الله بهم الجيل والأمة.

стр. 661

جد أهل الباطل في دعوتهم وانظر إلى أهل الباطل وأهل الوثنية وأهل الانحراف، كيف يخططون ويقررون وينفذون ويسهرون ويتألقون، ويلمعون بمبادئهم الباطلة ويتحمسون لها ويشاركون، فأين أهل الحق؟! قال عمر شاكياً إلى الله: [[اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر ومن عجز الثقة]] جلد الفاجر: أن يكون الفاجر جلداً قوياً حازماً داهية في أمره، وأن يكون الثقة كسولاً فتوراً متخاذلاً، إنها قاصمة الظهر! حين تكون الأمة أعداداً هائلة لكنهم كما قال الشاعر: عدد الحصى والرمل في تعدادهم فإذا حسبت وجدتهم أصفارا من كل مفتون على قيثارة كلٌ وجدت بفنه بيطارا أو كاذب خدع الشعوب بدجله عاش السنين بعمره ثرثارا أو عالم لو مالقوه بدرهم رد النصوص وكذب الأخبارا

стр. 662

الأمة بين عهدين هذه أمة لا تستحق الريادة، ولا تستحق أن تكون الأمة الوسط، أمة الخلافة، الأمة التي تحمل المنهجية والميثاق في العالم، الأمة التي تتسلم قيادة البشرية، فهي قبلة وكعبة. كعبة للأفكار فتؤخذ أفكار الدنيا من أفكارها، وكعبة للشريعة فشريعة الناس من شريعتها السماوية، من الوحي الصافي الذي نزل من فوق سبع سماوات. وقبلة في الريادة، وقبلة في الأدب وفي الفن، وفي الطموح وفي الإدراك، وفي التربية وفي التعليم، هذه أمة تستحق، أما أمة عاطلة ينزوي صالحوها بحجة ركعتي الضحى وصيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ فلا يأمرون ولا يدرسون، ولا يتكلمون ولا يخطبون، وعندهم وسوسة الخوف من غير الله فيحجمون، لا والذي لا إله إلا هو حتى يذوق الإنسان الأمرين من غير أن يقول: آح. إذا سألت الله في كل ما أملته نلت المنى والفلاح بهمة تذهب ماء الحصى وعزمة ما شابها قول آحْ فليس في الطريق آه ولا آح، وإنما في الطريق صبر ومواصلة ومصامدة للباطل ومراغمة؛ حتى تكون العاقبة للمتقين، والخاتمة لأولياء الله، والنصرة لمن يهتدي بهدى محمد ﷺ ومن يحمل الكتاب والسنة ومن يقوم على هذا المبدأ، ويقدم رأسه ودمه وكل ما يملك، ليرضى الواحد الأحد، فإذا رضي الله فهو المغنم. وأنا أخبركم بكلمة وهي سر بيني وبينكم، والمجالس بالأمانات، والذي نفسي بيده لو دفع أهل الدنيا ذهبهم وفضتهم وقناطرهم المقنطرة وخيولهم المسومة والأنعام والحرث، ثم غضب الله عليهم فإنها لا تنفعهم شيئاً، وهي خزي في الدنيا والآخرة، فوالذي نفسي بيده لو عاش الإنسان فقيراً مسكيناً، شريداً طريداً، حبيساً مقيتاً مريضاً، ثم ﵁ إنها سعادة الدنيا والآخرة، وهي الرضوان، ولذلك منى الله الصحابة ووعدهم بذلك، وكان وعده حقاً، وبشرهم وهم تحت الشجرة يبايعون: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]. تخيل أني أنا وأنت تحت الشجرة نسمع قول هذا النداء الحبيب، والله ينادينا أنه رضي عنا، ثم ننفض ثيابنا من الغبار، ثم نقوم وقد رضي الواحد الأحد عنا، أي فوز وأي مغنم هذا؟!

стр. 663

الجهاد والتضحية في عهد الصحابة كان ﷺ يقول لأحد أصحابه وقد مات في تبوك: ﴿اللهم إني أمسيت عنه راضياً فارض عنه﴾ ولا يتصور أحد أن رضا الله أمر سهل، من أجل رضا الله سالت دماء الصحابة وهم يقطعون أمام الرسول ﷺ ، أحدهم يأتيه السهم فيرفع يديه يتلقى السهم عن رسول الله ﷺ ، الثاني: يضربه الرمح فيمد يده، الثالث: تكسر جمجمته، الرابع: تذهب عينه وتنزل في الأرض، وكلهم يقول: اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى: سعد وسلمان والقعقاع قد عبروا إياك نعبد من سلسالها رشفوا وقاتلت معنا الأملاك في أحد تحت العجاج فما حادوا وما انكشفوا فأي جهد بذلناه؟! ماذا قدمنا لديننا؟! أنا أعلم أن فينا استقامة ظاهرية، والباطن خير إن شاء الله، لكن أيظن ظان أن من أطلق لحيته وقصر ثوبه وحمل سواكه واكتفى بالنوافل التعبدية القاصرة اللازمة لنفسه أنه سوف ينجو من المسئولية يوم العرض الأكبر؟! مسئولية أداء الكلمة وأمانة الرسالة وحمل الميثاق؟! أيظن أنه يعفى؟! كلا. والصحابة قدموا جماجمهم وحملوا دين الله إلى قرطبة والحمراء والسند والهند وكابل وكل بلد من أصقاع الدنيا، يحملون الرماح والسيوف، وينامون الليالي الطوال لا يجد أحدهم كسرة الخبز، ثم يدفنون في الصحراء هنا وهناك. قرأت قصة لـ عمر وقد أتته بشائر الجيش المنتصر مع الأحنف بن قيس، فوصلوا إلى المدينة فاستقبلهم بشغف، لكنه ما يسر جيوشاً كان يعرفها، قتلوا هناك: بـ قندهار ومن تكتب منيته بـ قندهار يرجم دونه الخبرُ خرجوا من المدينة إلى قندهار، بلا طائرة ولا سيارة ولا موكب ولا حشم، خرجوا على أقدامهم يحملون أرواحهم على أكفهم في سبيل الله، خرجوا فتركوا اللذائذ، خرجوا فتركوا الطعام، خرجوا فتركوا الشراب، خرجوا فتركوا البنات والأبناء، فلذات القلوب وشذا الأنفس، خرجوا وتركوها لله، ثم ذبحوا ودفنوا هناك، فقام عمر يعانق الجيش لكنه ما يسر البقية، فأخذ يبكي، القريب الراعي المشغول، قال: أين فلان؟ قالوا: قتل، فترحم عليه، وفلان: قتل، وفلان: قتل، قالوا: يا أمير المؤمنين! وقتل أناس لا نعرفهم، فبكى عمر وقال: [[لكن الله يعرفهم]]، إن لم تعرفوهم أنتم ولم يسجلوا في الدواوين ولم أر أسماءهم في الدفاتر فالله يعرفهم، الله يدري ويعلم من الذي يقتل في سبيله ويجاهد وينفق ويعطي. ونحن والحمد لله في مؤسسة نافعة، أعضاؤها أهل الخير من الأطهار الأخيار الأبرار الذين يتوضئون لصلاة الفجر، وينحدرون في البرد القارس إلى المساجد، فيضعون جباههم، وأبشرهم أنها لا تخزى يوم العرض الأكبر! فوالذي نفسي بيده لا نجعل أبداً رجلاً متمرداً جلس ونام على فراشه، وسمع الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ثم أعرض وسكت وخنع على فراشه كرجل مسلم متوضئ متطهر، سمع حي على الصلاة، حي على الفلاح، فانتفض من فراشه. وفي صحيح مسلم أن عائشة تقول: ﴿كان ﷺ إذا سمع الصارخ وثب، قال الأسود: -راوي الحديث- وأنا أعلم ما تعني وثب﴾ لم تقل: قام، ولم نقل: تحرك، بل وثب ﷺ حتى يسقط فراشه أو لحافه وهو واقف. والله لا نجعل هذا كهذا الذي يأتي إلى المسجد، فيصلي ويمرغ جبينه للواحد الأحد، هذه المؤسسة أعضاؤها الخيرون وهي مؤسسة محمد ﷺ أعضاؤها مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وزيد ومعاذ، فمن لم يكن على طريقتهم فليقدم الآن تنازله، ولا يدخل في هذه المؤسسة، وليعلم أنه سوف يندم في يوم من الأيام: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. يسمعني تاجر لعله يظن أنه بدرهمه ووسع بيته وبستانه سوف ينجو، لا. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ:٣٧]. إن الذي يقربكم زلفى عند الله: الإنفاق، بناء المساجد، الإصلاح، أن تدفع مالك سخياً للدعوة وللأمانة وللرسالة، وأن تكون متهيئاً في قبرك بمهاد أحسن من مهادك الذي مهدت في فلتك وفي قصرك، تذهب هناك لكنك تتركه هنا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤] فلا أعطيات ولا سيارات ولا فلل ولا قصور. وكلامي هذا لأستاذ يؤدي مادةً في فصل فيظن أن معنى ذلك: أن يتعاطى أعطية وأجراً في آخر الشهر، أو يقدم مادة سواء فهم الطلاب أم لم يفهموا، ونسي أنه داعية، وأنه خليفة للرسول ﷺ ، وأن الله سوف يسأله عن كلامه وعن عباراته وعن جمله، وهل أثر في الجيل والنشء الذي طرحناه أمامه وبين يديه؟! وكلامي هذا لجندي استأمنه الله ، وسهرت عينه لمصالح المسلمين، عسى عينه ألا تمسها النار! فيسأل نفسه: هل قمت بالجندية الإسلامية، وكنت حاملاً للا إله إلا الله محمد رسول الله؟ هل صدقت مع الله؟ هل كنت ساهراً في مرضاة الله؟ هل سهرت كما سهر سعد وعمار وعباد بن بشر؟ هل آمنت بهذه الكلمة الصادقة الحقة لا إله إلا الله؟ وكلامي كذلك لداعية أنفق جهده وساعاته في الدعوة إلى الله ، ألا يتعالى على الله ولا يتعزز ولا يمن على الله؛ فالفضل لله والعطاء من الله، والكلام والتوفيق والعلم منه فما لنا شيء: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧] ويمنون عليك أن أنفقوا، ويمنون عليك أن جاهدوا، ويمنون عليك أن وعظوا وخطبوا، قل لا تمنوا علي خطبكم ولا وعظكم، ولا دراهمكم ولا أموالكم، المنة لله الواحد الأحد، هو الذي أعطى ووهب ثم امتحن الناس: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة:٤٨]. فالإتيان منه، والعطاء منه، والبذل منه، والخير منه ، فيا أيها الإخوة! لا نبخل بعطاء الله الذي أعطانا فنكون نحن من الخاسرين.

стр. 664

من أحوال الأمة في هذا العصر أمر آخر -أيها الإخوة- وهو: أننا ننطلق من الجمعة إلى الجمعة والجمعات دائماً وأبداً، فنسمع الخطيب الذي يوجه الأمة، ثم نعود بعد أسبوع فما قدمنا في المسيرة شيئاً، ولكني أستثني الشرفاء، حملة الكلمة الحقة، الصادقين الصابرين، أستثنيهم، لكن الكم الهائل من أمة تعدادها مليار، أو مليار ومائتا مليون، أمة إسلامية تسمي نفسها أمة المليار، ثلث سكان الكرة الأرضية، ماذا قدمت للعالم الإسلامي؟ ما هو تأثيرها في القرار؟ ما هي مواقفها؟ وأعراض المسلمين في البوسنة والهرسك والصومال وأفعانستان وبورما وكشمير. وغيرها تنتهك، والجماجم تفصل عن الأعناق، والأطفال ينصرون ويهودون، ويحولون عن فطرة الله التي فطر الناس عليها، والصيحات والضجات والدموع والدماء، والأسر والفتك في هذه الأمة، أمة المليار ماذا قدمت لأنفسها؟ ما هو موقفها أمام الله ثم أمام التاريخ؟ هل سألت نفسها: هل قامت بجهد؟ إن بعض الناس من أهل الغنى أو الثراء أو الدعوة أو العلم يظن أنه إذا شحذه داعية وطلب منه أن يقدم شيئاً أنه أحسن لهذا الداعية أو أحسن للإسلام، أحسنت أنت لنفسك: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء:٧]. فالإحسان للنفس ليس إلا.

стр. 665

المسلمون ودراسة الإسلام إخوتي في الله! بقي هناك مسائل أعرضها قبل أن ألتفت إلى الأسئلة إن كان هناك أسئلة، ولا أريد أن أطيل عليكم، والحقيقة أن هذا الزواج يباركه الله لأنه زواج إسلامي، وفيه قال الله وقال رسوله ﷺ ، ولسنا بالذي يريد تحويل الزواجات إلى مآتم، فنذكر فيها القبر، وكيف يكفن الميت أو يغسل، وكيف يبكي عليه قرابته، وعذاب منكر ونكير، وموقف أهل السنة والجماعة من عذاب القبر ومن نعيمه، فهذا له مجال، وهذا له مجال، لكننا نفرح بلقاء أحبابنا وإخواننا الذين قد لا نجتمع معهم في صلاة أو في جمعة أو في عيد، فنتكلم لهم بقضيتنا وبهمنا وبرسالتنا الكبرى التي نُسأل عنها دائماً وأبداً.

стр. 666

مأساة الضياع والحياة بلا رسالة يقول أحد الفضلاء: اجعل هم الرسالة في رأسك كالصداع، أتنسى الصداع؟ رجل مصدوع يخرج إلى السوق أينسى صداعه؟ أينسى رسالته؟ أية هامشية يعيشها هؤلاء الذين يعيشون لأنفسهم ولبطونهم ولسياراتهم؟ وأية تفاهة هذه؟ أتعرف عالم التفاهة وعالم الهامشية وعالم الضياع؟ إنه يشكل خارطة كبرى من العالم الإسلامي: خارطة الكرة، والبلوت، والسيجارة، والمقهى، والمجلة، والشريط الكاسيت، والفيديو، خارطة الضياع بأنواعه، والأغنية والمجون والسفه والسقوط، ولا يسقط العبد بهذه حتى يسقط من عين الله، يوم ينظر الله إليه فلا يجد في قلبه مدافعة، ولا يجد في قلبه حباً، ولا تأثيراً بأن يكون عبداً لله ، لأنه كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] لو علم الله في هذا الجيل، ولا أقصد هؤلاء الفضلاء، ولا هؤلاء الشرفاء، ولا هؤلاء الأخيار، لو علم الله في ذاك الجيل الضائع الهامشي أنه يريد الدعوة والصلاح والاستقامة والتأثير في الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليدخل جنة عرضها السماوات والأرض، وليبيض وجهه يوم تسود وجوه وتبيض وجوه، وليعلي كعبه، وليدخل رضوان الله، لو علم الله في هؤلاء خيراً لأسمعهم الرسالة، فوقعت في قلوبهم، فأحبوا لقاء الله، فدفعوا العرق والدم والمال والوقت وكل شيء في سبيل الله. والله يقول عن أعدائه: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] وهذا الزياغ نسبي يزيغ به المنافق والكافر والفاسق، فالفاسق يزيغ، لأنه بدأ الزيغ فأزاغ الله قلبه، زاغ من المسجد إلى الملعب، وزاغ من المصحف إلى المجلة الخليعة، وزاغ من التلاوة الحقة والشريط الإسلامي إلى الأغنية، فأزاغ قلبه، وقال عن أوليائه وأحبابه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] تعبوا فينا، سهروا فينا، أعطوا فينا، تكلموا فينا، أنفقوا فينا، أي: من أجل الله ؛ ولقد أحسن من قال: ما أحسن الصبر الجميل بعاشقيك وأجملا إن تحم عيني أن تراك جعلت قلبي منزلا وحقك لو أدخلتني النار قلت للذين بها قد كنت ممن أحبهُ وأفنيت جسمي في علوم كثيرة وما منيتي إلا رضاه وقربهُ ثم يقول: أما قلتمُ من كان فينا مجاهداً سيحمد مثواه ويعذب شربهُ الشباب الآن، هؤلاء الألوف المؤلفة الذي يموت أحدهم وهو على كرة وتسلية وهواية، وحزبية لنادٍ على نادٍ، وتصفيق وزفير وشهيق، ثم يغسل ويكفن ويدفن، أية رسالة قدمها للأمة؟! أي جهد؟! هل كان طياراً؟! هل كان طبيباً؟! هل كان مهندساً مسلماً، داعية مؤثراً؟! أهذا الجهد من أجله خلقت السماوات والأرض؟! من أجله خلق الإنسان، من أجله خلف في الأرض! من أجله بعثت الرسل! أمن أجل هذه الهواية؟: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ [المؤمنون:١١٥] عبث صور، وعبث نماذج، وعبث ميادين، وعبث العقول، أحدهم يبلغ الستين وهو ما زال طفلاً عابثاً! وأحدهم يكون طويلاً متيناً قوياً وهو عابث! وأحدهم يدرك ويفهم ويعقل وهو عابث! وأحدهم عنده شهادة ومال ومنصب وهو عابث! فأي عبث؟ أهي رسالة العبث أم رسالة الحق المتلقاة عن معلم الخير ﷺ ؟

стр. 667

البشرية تتعطش إلى الإسلام إخوتي في الله! إنني أسأل مرة ثانية: ماذا قدمنا للناس في عالم الدنيا وفي عالم الآخرة؟ يتحرون منا أن نقدم لهم الإيمان والعمل الصالح، وأن نعيدهم إلى دين الله، فقد احترقت أوراق الباطل، لا الشيوعية العالمية ولا الصهيونية ولا الرأسمالية، ولا غيرها من الملل والنحل والأطروحات، وبقيت ملة الإسلام، وأصبح الإسلام يسير بنفسه بلا أهل، مسكين هو الإسلام! دين قوي صحيح أصيل ولكن لا يحمله أحد، مسكين هو الإسلام! حق ثابت مؤصل من الله، لكن ما له أحد، مسكين هو الإسلام، كم تلقى من الضربات من أعدائه! سحق مرة ولم ينسحق، استولى التتار على العالم الإسلامي، فعاد الإسلام وانتفض، فإذا هو أقوى مما كان. وأتى أهل الصليب فسحقوه ولم ينسحق، فخرج أقوى وأعتى مما كان، ووجهت له الشيوعية ضربة فانتفض وانتصر، والرأسمالية ضربة فانتصر، والصهيونية ضربة فانتصر، فسوف ينتصر، سواء نصرناه نحن وإياكم لم ننصره؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] أو نكون في ركام قائمة الهامشية، فلا نعد ولا نحسب، وما وفينا وما صدقنا مع الله وما قمنا بشيء. إن هذا الكلام ليس تنفيساً عاطفياً ليتكلم الإنسان بالكلمات الرنانة، ولكنه يطلب منه أثر وواقع، وأن تكون داعية إلى الله، غيوراً على محارم الله، تقوم بدين الله وبرسالته في الأرض، لتكون صادقاً مع الله ، وتحمل الميثاق.

стр. 668

المستقبل للإسلام أيها الاخوة الفضلاء: أشكر من شاركنا في هذا المكان الطيب من إخوتنا المشايخ والدعاة، والأخيار والقضاة والأحبة، وأسأل الله أن يجمعنا بهم في دار الكرامة، وقد ذكرنا هذا المجلس بأبيات زهير بن أبي سلمى: وفيهم مقامات الحسان وجوههم وأندية ينتادها النبل والفضلُ جزى الله رب الناس خير جزائه وأبلاهم خير البلاء الذي يبلو وما كان من خير أتوه فإنما توارثه آباء آبائهم قبلُ وهل ينبت الخطي إلا وشيجه وتغرس إلا في مغارسها النخلُ أباؤكم هم: معاذ، أُبي، سعد، سلمان، طارق، خالد بن الوليد، فلا عجب أن تنبعث طائفة من المؤمنين تقول: نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثلما فعلوا ونتكلم كما تكلموا، ونقرئ الناس ونعلمهم ونرشدهم كما فعل أولئك، وليس على الله بعزيز! وفي مسند أحمد عن أنس قال ﷺ : ﴿أمتي كالغيث لا يدرى الخير في أوله أم في آخره﴾ سبحانك ربي! أية أمة معطاءة! أو أية أمة مجيدة! كلما قالوا: خمدت، خرج منها آلاف الشهداء، وآلاف العظماء، وآلاف الخطباء، وآلاف الأدباء، وآلاف الدعاة. ضجت أفغانستان قبل ثلاث عشرة سنة، وظن الناس أن الشيوعية سوف تسحقها، فخرج الأبطال في شوارع كابل يحملون الكلاشنكوف ويقولون: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا فمن أخرجهم؟ أخرجتهم لا إله إلا الله، وأهل الصومال يخرجون من بين شجر الكاكاو يقولون: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا وفي سراييفو وفي بورما وفي كشمير وفي كل بلد، ميراث محمد ﷺ ودعاته وجيله وأحبابه الذين يريدون أن يركبوا في سفينته، ولن ينجو إلا من ركب في هذه السفينة. أما الذي لا يركب في سفينته فلا يطمع مرة من المرات أنه سوف ينجو، بل سوف يأخذه الطوفان ويهلك ويدمر: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥] إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على ألا تكون كمثله وأنك لم ترصد لما كان أرصدا سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 669

الأسئلة

стр. 670

الأنانية وحب الظهور السؤال نرجو منكم إلقاء كلمة حول الأنانية وحب الظهور؟ الجواب تتردد قضية بين النسوة والجيل والشباب وهي مسألة الأنانية وحب الذات، والأنا وحب الظهور ونحو ذلك كبار من أمراض القلوب، وإذا وجد في العبد (أنا ولي وعندي) فقد تلف! إلا أن يعصمه الله ويتوب عليه، فتجد بعضهم يحب كلمة "أنا" وأن يكون هو الذي في الصورة وغيره لا، فيتحقر الآخرين ويسخر بهم ويتعالى عليهم ويصادر طاقات الناس، سواء كانوا جماعات أو أفراداً، وتجده بعملية الإسقاط -عند أهل التربية- يسقط الآخرين، إن كان خطيباً أسقط الخطباء، وإن كان داعية سعى لإسقاط الدعاة ليبقى هو، وإن كان منفقاً سعى لإتلاف وإسقاط المنفقين، وهذا ذنب كبير عليه أن يتوب منه.
следующие страницы →