← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

نكوص العلماء عن قول الحق السبب الحادي عشر: نكوص العلماء عن قول الحق: يعني: أن يسكت العلماء، وأن يخرس الدعاة، وألاَّ يتكلم أحد، يعني: قل الحق بسلامة، قل الحق بأسلوب، قل الحق بحكمة، لا أن تسكت ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:٦٣] فهذا سكوت أهل العلم أن يخرسوا ويسكتوا وألاَّ يتكلموا وألاَّ يبينوا للناس، يقول : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠] الآن من يحفظ حديثاً، أو آية، يجب عليه أن يبلغها بالحكمة كما سمعها، يقول ﵊: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ ويقول: ﴿نضر الله امرءاً سمع مني مقالة فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع﴾ إن مسألة نفسي نفسي ليست في الدنيا هي في الآخرة يقولها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أما في الدنيا فلا تقل نفسي نفسي، أنت والناس، أنت مسئول عن حيك، وعن جارك، وعن بيتك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] أما أن يسكت الناس بحجة أنهم لا دخل لهم بذنوب الناس، فهذا ليس بصحيح، يقول ﷺ في الصحيح: ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان﴾ والساكت عن الحق شيطان أخرس، ويوم سكت عن المعاصي استمرأها أهلها وتجرءوا عليها وأصبحوا يجاهرون بها مجاهرةً. حدثنا بعض العلماء في الرياض: أن رجلاً كان يحمل مسجلاً جعل فيه شريط أغنية وخرج، وكان مفتي الديار الشيخ: محمد بن إبراهيم ﵀ موجوداً في الرياض، فأتى هذا يجاهر في السوق بهذه الأغنية نصحه الناس فما انتصح، فأخذه رجل من الهيئة وذهب به إلى الشيخ: محمد بن إبراهيم وأقيمت الدنيا وأقعدت وأخذ مسجله وأحرقه أمام الناس وكتب فيه تشهيراً، وقرئ بعد صلاة الجمعة، وعزر تعزيراً بالغاً. الآن أصبح هذا الفعل نضحك منه، تمر بالشارع والأغاني من كل جهة وبالمحلات وبالسيارات، وأنت لا تستطيع أن تقول اترك الأغنية، لأنه تدخل في الحريات، الآن العلمانيون يقولون: ما لله لله وما لقيصر لقيصر، ويقولون: الدين مسألة شخصية لك أنت وحدك لا تتدخل في حريات الآخرين، ولا تجرح شعور الآخرين، والله يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].

стр. 6932

طول الأمد في المعصية السبب الثاني عشر: طول الأمد في المعصية: بعض الناس له سنوات في المعصية، ولا يريد أن يتوب، وبعضهم عنده خطط خمسية في المعاصي تقول له: تب إلى الله، قال: إذا تزوجت إن شاء الله، فيتزوج، تقول: ما لك لم تتب؟ قال: أحج وأتوب، فمن يوم إلى يوم حتى يلقى الله وهو عاصٍِ متهتك لحدود الله ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦] لا يعود ولا يتوب، ولا يدري متى يؤخذ، ولكن هكذا يستمر، وهذا موجود في الناس، فإن بعضهم يخطط للتوبة ويسوف فيها حتى يلقى الله وهو نادم خاسر والعياذ بالله! طول الأمد يجعل على القلب راناً عليه من كثرة الذنوب والخطايا، ولذلك الشاب الذي في العشرين الهداية أسهل له من الشيخ العاصي الذي في الستين. الرسول ﵊ استجاب له الشباب؛ لأنهم كانوا قريبين من الحق، لكن الكبار كـ أبي جهل والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف الذين ران عليهم الكفر والجاهلية، واشتعل في قلوبهم النفاق والإلحاد، رفضوا أن يستجيبوا له ﵊. فألله الله في المبادرة في الشباب وصرفه في مرضاة الله ، وتمثل مدحه في الفتية: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ [الكهف:١٣]. شباب الحق للإسلام عودوا فأنتم فجره وبكم يسود وأنتم سر نهضته قديماً وأنتم فجره الباهي الجديد

стр. 6933

التذبذب في المواقف السبب الثالث عشر: التذبذب في المواقف، كيف يكون التذبذب في المواقف؟ إنه عدم معرفة المنهجية، يقول : ﴿لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣] مرة مستقيماً ومرة منحرفاً، فلا يدرى من أين هو، وهذا من علامة النفاق، وتجده لا يحمل منهج الله في قلبه، يرضي الناس بسخط الله، وفي الحديث عن عائشة ﵂ تقول: قال رسول الله ﵊: ﴿من أرضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أسخط الناس برضا الله، ﵁ وأرضى عليه الناس﴾ مثل ماذا؟ مثل: أنك تمزح وتستهزئ بالآيات، أو بالرسول، أو بالإسلام حتى تضحك جلساءك، هذا سخط لله وإرضاء للناس، فيسخط الله ويسخطهم عليك -ونعوذ بالله من الخذلان- قال : ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٤ - ١٥] والاستهزاء وإرضاء الناس بسخط الله ظاهرة منتشرة بين أهل النفاق. كان مع الرسول ﵊ منافقون في تبوك، فجلسوا يسمرون في الليل، فيقول أحدهم: ما وجدنا كقرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أجبن عند اللقاء -يقصد الصحابة- يقول: كثرة أكل وجبن في اللقاء، فالله- أخبر رسوله بهذا فدعاهم ﷺ وأخبرهم أنهم خرجوا من الملة وكفروا بالدين وعارضوا الله، يقول : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] ويقول : ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩] وللآية قصة: جاء رجل من المؤمنين بصدقة كثيرة عند الرسول ﵊ ألوف من المال فوضعها أمامه، فتغامز المنافقون في المسجد -انظر في المسجد يصلون، يقول : ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢]- فتغامزوا في المسجد، قالوا: صاحب هذا المال ما أراد إلا رياء وسمعة، وجاء رجل من المؤمنين بحفنة من التمر صدقة فوضعها في المسجد، فقالوا: ماذا تغني هذه الحفنة عن جيش كامل يجهزه الرسول ﷺ ؟! فالله قال: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩]. يقول : ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٤ - ١٥]. العرب كانت تحب الصراحة، وتكره المجاملة والنفاق ولو في الجاهلية، يقول أحدهم: فإما أن تكون أخي بصدقٍ فأعرف منك غثي من سميني وإلا فاطرحني واتخذني عدواً أتقيك وتتقيني فإني لو تخالفني شمالي ببغضٍ ما وصلت بها يميني إذاً لقطعتها ولقلت بيني كذلك أجتوي من يجتويني

стр. 6934

نسيان ذكر الله السبب الرابع عشر: نسيان ذكر الله : يقول سبحانه عن بني إسرائيل وعن أمثالهم: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ [الأنعام:٩١] يعني: الشريعة تجعلونها قراطيس، فالمصحف أصبح عندنا أو عند الكثير مثل القراطيس، مظاهر فقط. القرآن -يا أيها الإخوة الكرام- ما أنزل إلا ليعمل به، ما أنزل إلا ليحكم به ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] القرآن ليس رقى فقط للمصاريع إذا صرع علينا مصروع فيه جان نقرأ عليه فقط، أو يقرأ في حفلات الزواج مثلما يفعل بعض الناس، أو على الأموات. القرآن للحياة، والعجب أن يترك على الرف وأن يهجر، وأن يستبدل به غيره، هذا من الخزي والعار والشنار والله المستعان. يقول سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٤ - ٤٥]. نسيان الذكر عقوبة يعاقب بها الله من شاء من عباده لانحرافهم عن منهجه .

стр. 6935

تقديم الدنيا على الآخرة السبب الخامس عشر: تقديم الدنيا على الآخرة: يقول ﵊: ﴿والذي نفسي بيده ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فتتنافسوا فيها، فتهلككم كما أهلكت الذين من قبلكم﴾ ووالله لقد وقع هذا، هل سمعت بالجدال والشجار بين الأرحام إلا يوم فتحت الدنيا؟ هل كان الرحم يجلس مع رحمه والصهر مع صهره والجار مع جاره بين يدي القاضي في مشكلة قبل أن تفتح الدنيا؟ هل كان الناس يتجادلون على الأراضي وعلى الأموال، وعلى خصومات السيارات، وعلى المعارض، وعلى الدنيا إلا يوم فتحت الدنيا؟ نعرف ونحن شباب أن الناس قبل عشرات السنوات كانوا أصفياء أحباء يجتمعون في بيت واحد ويجتمعون على سمر، وعلى حب ويتزاورون، فلما فتح الله عليهم الدنيا تهالكوا، لم يكن عندهم أراض، كان الإنسان عنده بيت وعنده دابة -حمار- وبقرة وثور، ويذهب في الصباح يحرث في مزرعته، ويأتي في المساء ويجلس مع جيرانه سمر وحب وصفاء ومزاح ووداد وزيارات وإخاء، فلما فتح الله عليهم بقطع الأراضي والأموال، تذابحوا وتناحروا، وسجن الكثير منهم، وتقاطعوا في الأرحام، وجلسوا في المشكلات. مررنا بقرية من قرى الجنوب، وقال لنا أحد الناس في القرية: والله إن صاحب هذا البيت وهذا ما بينهم إلا خط مزفلت لا يسلم على أخيه شقيقه من عشرين سنة، بسبب قطعة أرض. أين الإيمان؟ أين معنى الصلاة؟ أين معنى الخوف من الله؟ بعضهم -أقولها صراحة- يقول: والله لقد هممت أن أذبح فلاناً، لماذا؟ قال: لمزارع أخذها علي حسيبه الله، تجد المزارع ليست له ولا لذاك، لكن يخطط أن يغتاله في سبيل الله!! أسد علي وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر لذلك الفقر لا يُخاف منه، إنما يُخاف من الغنى. والتشاحن لم يأت إلا من انفتاح الدنيا، حتى كلام الناس أصبح في الدنيا إذا دخلت المجالس الآن، أصبح التكلم عن الأسعار، حتى أصبح الناس الآن مع أسعار البترول، يعني: الأزمة الآن رفعت سعر البرميل، فأصبح حتى الذي لا يعرف أن يقرأ الفاتحة يلاحق سعر البرميل بسبب تعلق الناس بالدنيا وعدم تعلقهم بما يقربهم من الله , وإلا فلن يموت أحد جوعاً ما دام رزق الله وافراً، ولكننا نخاف -والله- من الدنيا أن تشتت فيما بيننا كما حدث، ونعوذ بالله من الخذلان والنكوص على الأعقاب. يقول : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ [النحل:١٠٧] أحبوا الدنيا على الآخرة، تجد الشيخ في السبعين من عمره لا زال يبني ويراقب البنائين ويقف بنفسه على حسن العمارة وحسن الصياغة كأنه يعيش بعد السبعين سبعين أخرى، فماذا قدم للآخرة؟ أنا رأيت في صحيفة مقابلة مع شيخ عمره (١٢٥سنة) من قرية من القرى ربما رأيتموها ماذا قدم هذا لعمره؟ سألوه: تزوج أكثر من ثلاثين امرأة، ما الفائدة؟ وعنده أبناء كثير، لكن لم يسألوه عن الدين، كم تصلي من النوافل؟ كم تذكر الله ؟ ما هو عملك اليومي؟ هل استفدت شيئاً من تجاربك في طول الحياة؟ ما هو الفرق بين الصُّفَّة التي عشتها فيها وهذه الصُّفَّة؟ الشكر لنعم الله ؟ كيف حالة الفقر الذي عشته وهذه الحالة؟ كيف الناس الذين عاهدتهم وهؤلاء الناس؟ هذه هي الأسئلة، أما أن تسأله ماذا يفطر في الصباح؟ يفطر بخبزه في الصباح فيها ثلاثة كيلو بر ويقول: لا يأكل من هذه المعلبات شيئاً لا من الصلصلة ولا شيء، ولذلك يقول: عظمي كالحجر ولا زال يصعد الجبل، هذا طيب، لكن ما هي الدروس والعبر من (١٢٥سنة). ابن تيمية عمره ٦٣سنة قدم للأمة أكثر من ٣٠٠ مجلد، قدم للأمة دمه، قدم للأمة علمه، وكثير من الناس ما هو ذكره؟ عبادته؟ صلاته؟ صلاحه؟ أثره في المجتمع؟ إصلاحه بين الناس؟ هذا هو الصحيح. يقول : ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ [الإنسان:٢٧] واليوم الثقيل هو: الآخرة. فنحن أحببنا -صراحة لا يسلم من هذا أحد- الدنيا ورسخت في أذاهننا واستولت بحديثها على مجالسنا، وأصبحنا نخاف. لما جاءت فتنة الخليج هذه هرع الناس إلى الأسواق، إلى الرز والسكر وكدسوها في المخازن كأنهم لا يموتون، ونحن - الحمد لله- من أكثر الشعوب منافذ على البحر من كل جهة. والأمر الثاني -كما قيل-: لن تأكل أنت وجارك جائع، إذا قامت المشكلة أصبح الناس سواسية. والأمر الثالث: أين الثقة بموعود الله- ؟ والواجب أنا نكدس للآخرة من العمل الصالح كما كدسنا للدنيا.

стр. 6936

ثانياً: المخرج من الفتن أيها الفضلاء: ما هي أسباب الخروج من الفتنة بعدما سمعنا أسباب الفتن؟

стр. 6937

السبب الأول: التضرع إلى الله وصدق الدعاء ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠] والفرار لا يكون إلا إليه بالتوبة النصوح وبالاستغفار دائماً وأبداً. حدثنا بعض كبار السن من الجنوب يقول: أتتنا سنة قحط حتى ما بقي لا سمينة، ولا خضراء، ولا زهر، ولا شيء، قال: فخرجنا يوماً من الأيام بالدواب نتضرع إلى الله ، قال: والله الذي لا إله إلا هو لم نعد من المصلى إلا والسيل يطم الأودية، بسبب أنهم تضرعوا وصدقوا مع الله، لكن نحن الآن صلينا صلاة الاستسقاء، ولا نيئس من روح الله، صلينا مرات كثيرة، لكنا خرجنا مقصرين مذنبين وخرجنا نلبس اللباس الجميل، والرسول ﷺ خرج متبذلاً متضرعاً متمسكناً، خرجنا بالسيارات الفاخرة كأننا في يوم عيد، وخرجنا نتضاحك في المصلى، والرسول ﷺ خرج مستغفراً داعياً متبتلاً إلى الله، وخرجنا وكثير منا أمواله في البنوك الربوية، وكثير كان يستمع الأغاني الماجنة، والكثير ربما ما صلى الفجر في المسجد تلك اللحظة، والكثير عق والديه وهجر والدته، أو أساء، فما كان لصلاة الاستسقاء أثر فكان الحال هو هو لم يتغير، ونحن نرجو من الله أن يغير الحال إلى الأحسن، وأن يردنا إليه رداً جميلاً، ولا نيئس من روحه . يقول : ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٣] ويقول عز من قائل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]. أنا أذكر لكم فكاهة وقعت في بعض الأماكن: أناس يعرفون من صلاة الاستسقاء -حدثنا بعض الدعاة بهذا من حديث هذه القبيلة- يعرفون من صلاة الاستسقاء أنهم إذا استسقوا الله أنه ينزل الغيث بإذن الله، لكنهم ليس فيهم إمام، وليس فيهم طالب علم لا يعرف أحد كيف يصلي بهم، فخرجوا بعد القحط فجلسوا في الصحراء في وادٍ من الأودية، وقالوا: يا ربنا نسألك أن تسقينا ظمئنا يا رب وانقطعت المياه ومواشينا، يعني: عرضوا الشكوى على الله ، وقالوا: والله الذي لا إله إلا هو لو كنت مكاننا وكنا مكانك لم نرض لك هذا الحال، ثم أخرجوا غترهم، قال: فأخذوا غترهم من على رءوسهم، قالوا: هذا بين يديك يا رب، أن تسقينا، قالوا: والله لقد نزل الغيث ذاك اليوم، وهذا برحمة الله ، فأخذهم الله بنياتهم ﵎ لأنهم صدقوا مع الله ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢] ويقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦].

стр. 6938

السبب الثاني: الاهتداء بنور الوحي أي نور أتى به محمد ﷺ وفجَّره في الدنيا!! أي نور بثه للقلوب! أي نور سار في الدنيا من نوره ومشكاته ﷺ ! أين ما يدعى ظلاماً يا رفيق الليل أين إن نور الله في قلبي وهذا ما أراه قد مشينا في ضياء الوحي حباً واهتدينا ورسول الله قاد الركب تحدونا خطاه ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] أين النور؟ نور الله الذي أتى به ﷺ ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥] هذا النور وليس نور الكهرباء، ولا نور الشمس، ولا الضياء، إنما هو نور الرسالة، أن تهتدي بالإيمان، وأن تسلك سبيل القرآن، وأن تكون ولياً للواحد الديان، هذا هو النور. يقول سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢] الله يخاطب الرسول ﵊، يقول: أعطيناك روحاً فقد كنت ميتاً في أمة ميتة، أمة الصحراء، أنا وأنت، وأبي وأبوك، وجدي وجدك كنا نرعى البقر والإبل وجمالاً في الصحراء، فأتى ﷺ وبعد (٢٥سنة) انطلق المسلمون بهذه الرسالة، ملكوا ثلاثة أرباع الدنيا، كان عمر بن عبد العزيز يحكم في دمشق، وكان واليه في سمرقند وفي طاشقند وفي السند، وثلاثة أرباع روسيا كانت لنا. كم صرفتنا يد كنا نصرفها وبات يملكنا شعب ملكناه قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢] أي: كنا جثة هامدة فأرسل الله فينا روحاً وهو القرآن والإيمان ﴿رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢] حتى الرسول ﵊ كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب ولا يعرف أن يكتب اسمه، لكن العجيب أن القرآن كله في صدره والسنة كلها في صدره، وهو أخطب خطيب وأكبر مفتٍ، وأحسن قائد، أليس هذا معجزة؟ ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨ - ٤٩] فيقول : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢] من أمرنا يعني: من شرعنا. أربعون سنة يعيشها ﷺ في مكة مع قوم فقراء أشبه شيء بالبدو، لا تعلم ولا قرأ ولا كتب ويأتيه في غار حراء النور هذا الذي قصده الله بقوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢] سبحان من يهدي! يهدي من يشاء ويضل من يشاء، يهدي ابن الفاجر فيصبح الابن هذا ولياً لله، ويصبح الأب شقياً من الأشقياء، ويضل ابن الرجل الصالح فيصبح الابن شقياً والوالد صالحاً ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس:٣١] حكمة بالغة وقدرة نافذة، فسبحان المصرف! ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] إلى طريق الجنة التي هي من أسباب الخروج من الفتن الاهتداء بنور الله نور الوحي، الكتاب والسنة، الدروس والمواعظ والخطب ميراث محمد ﷺ كلام العلماء.

стр. 6939

السبب الثالث: الاقتداء بالمعصوم ﵊ يقول ﷺ في صحيح مسلم: ﴿والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بما أرسلت به، إلا دخل النار﴾ أليس بصحيح هذا؟ لا يسمع بدعوته ﷺ يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن به إلا دخل النار. يقول : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] وقد تكرر قول ابن تيمية: من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدى غير هدى الله الذي أرسل به محمداً ﵊ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. يقول الشيخ: محمد بن عبد الوهاب مجدد الدعوة ﵀ رحمة واسعة وجمعنا به في الجنة- يقول: عامي موحِّد يغلب ألف مخلط، ولذلك كان العوام في دعوة الشيخ: محمد بن عبد الوهاب يهزمون الجيوش، كان يخافهم الإنجليز على حدود العراق، يحمل أحدهم المصحف والتوحيد ولا يعرف إلا لا إله إلا الله، ومحمداً رسول الله، ومنهج الله، فيغلب أعداء الله حتى يقولون: حامت عليهم مرة طيارة، فقال لهم القائد العسكري: ادخلوا الخيام، قالوا: الله فوق الطيارة أم الطيارة فوق الله؟ قال: لا. الله فوق الطيارة، قالوا: توكلنا على الله، فأسقطوها بإذن الله. ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤] يقول: كانوا قبل المعركة يتطيبون ويلبسون أكفانهم، ويقول أحدهم: هبت هبوب الجنة، أين أنت يا باغيها؟ لا غنائم، ولا قصور، ولا سيارات، ولذلك في كل عصر كل من صدق مع الله واتبع المعصوم، أنقذه الله من الفتن.

стр. 6940

السبب الرابع: اجتناب التشبه بأعداء الله يقول ﵊ فيما صح عنه: ﴿من تشبه بقومٍ فهو منهم﴾ وأكثر ما نحذره على أنفسنا التشبه، وقد وقع هذا في قطاع كبير من المسلمين التشبه بأعداء الله، التشبه في المظهر وفي الكلام، التشبه في الجلوس، وفي الأخذ والعطاء حتى أثر ذلك في معتقداتهم، ونحن قدوتنا وحبيبنا رسول الهدى ﵊، فلماذا هذا التشبه؟ ولماذا هذا الانحراف؟ حتى دخل التشبه في صفوف النساء فيتشبهن بالرجال، والرجال يتشبهون بالنساء، يقول ﵊: ﴿لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال﴾. في الرجال: كأن يلبس كلباس المرأة، أو يمشي كمشيتها، أو إذا تحدث رقق حديثه كالمرأة، أو يظهر في زيه زي المرأة، أو يلبس مثل لباس المرأة كالذهب والحرير. أو المرأة تفعل كفعل الرجل تزاول العمل الذي زاوله الرجل، وتتكلم بجرأة كجرأة الرجل، وتظهر بمظهر رجل، هذه ملعونة، فالعياذ بالله من الفتن: التشبه بين المؤمنين والكافرين وبين الصنفين من الرجال والنساء.

стр. 6941

السبب الخامس: اليقين أمام الشبهات اليقين: أن يكون عندك علم راسخ أمام كل شبهة، قال : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] أن تكون صاحب يقين، واليقين يحصل بأن تكون متأملاً دائماً ومتفكراً في آيات الله الكونية والشرعية، واليقين هذا هو العلم كله، وهو الرسوخ، يقول حافظ الحكمي ﵀: وهو رسوخ القلب في العرفان حتى يكون الغيب كالعيان وفسره ﵊ بقوله: ﴿هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك﴾. وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني

стр. 6942

السبب السادس: الصبر أمام الشهوات هذا عصر الفتن وعصر عدم الوازع الديني عصر قلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعصر الوسائل التي تبث بكل لغة وبكل أسلوب وبكل بهرج الفتنة، فكيف تقف؟ تقف صابراً محتسباً. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤] فالصبر حتى تلقى الله .

стр. 6943

السبب السابع: قصر الأمل ألا تطول أملك في الحياة، وأن تعرف أنك اقتربت، وأن أجلك قد قرب، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح.

стр. 6944

السبب الثامن: تجديد التوبة والإنابة إلى الله والعودة إليه قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ [المائدة:٧٤] ﴿جددوا إيمانكم، قالوا: كيف؟ قال: بلا إله إلا الله والاستغفار﴾ وفي حديث عند أبي يعلى في سنده كلام: ﴿يقول الشيطان أهلكتُ الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار﴾ ﴿وجاء عبد الله بن حريث إلى الرسول ﵊، قال: يا رسول الله! إني أذنب، ثم أتوب، قال: تب إلى الله يتب الله عليك، قال: ثم أذنب قال: تب إلى الله، قال: ثم أذنب، قال: تب إلى الله، قال: إلى متى يا رسول الله؟ قال: إلى أن يكون الشيطان هو المدحور، وفي بعض الآثار: تب إلى الله ولو أذنبت في اليوم سبعين مرة﴾. يذكره ابن رجب وغيره.

стр. 6945

السبب التاسع: القيام بشكر المنعم شكر اللسان: الثناء على الله، وشكر العين: البكاء من خشية الله، وشكر الجوارح: الحياء من الله بألا تفعل المعاصي ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢] ومن عصى الله فما شكره، ومن جعل نعم الله محاربة لله فقد كفر به ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ:١٥ - ١٦].

стр. 6946

السبب العاشر: الدعوة إلى منهج الله كلنا دعاة، والواجب علينا إذا أردنا أن نحافظ على أمتنا، وعلى بلادنا، وعلى إيماننا، أن نكون دعاة ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران:٧٩]. فالله الله بنشر هذا الخير، كلٌ بحسبه، وكلٌ بقدرته كما كان يفعل أجدادنا وأسلافنا من قبل، والله معنا.

стр. 6947

السبب الحادي عشر: محاربة البدع والمحدثات البدع هذه حرب لرسالة الرسول ﵊، كلما رأيت مبتدعاً حاول أن تقنعه بترك بدعته، البدع في المعتقدات، البدع في العبادات، وما انهار كثير من العالم الإسلامي إلا بسبب البدع. طرق صوفية ضالة ما أنزل الله بها من سلطان، ومن يخرج إلى بعض الدول في الخارج يجد الأمر العجيب، يأتي المؤذن يؤذن -رأيناه في بعض البلاد- فقبل أن يؤذن يقرأ: قل هو الله أحد في الميكرفون ثلاث مرات ويصيح: صلوا على حبيبي، صلوا على حبيبي، فيصلي أهل المسجد، فإذا أذن مسح عينيه وقبل كفيه، أو إصبعيه، لأنه مسح عينيه، وبعد الصلاة يقوم الإمام ويقول: قراءة الفاتحة على روح المصطفى، ويبدءون يقرءون الفاتحة، ثم يقول حزبكم من القرآن. هذا خلاف سنة الرسول ﵊ ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ ومن أعظم الفتن: البدع ووجودها، وانتشارها، والسكوت عليها -أعاذنا الله وإياكم منها- وما أتت رسالة أو تجديد دعوة الشيخ: محمد بن عبد الوهاب ﵀ إلا لتجميد هذا المسار البدعي. كانوا يطوفون بالقبور، وكانوا يعوذون بالجن من بعض الناس، كانوا يأتون باللحوم ويعلقونها بالأشجار وكانوا يذهبون إلى الكهنة، وكان الرجل إذا لم تحمل امرأته؛ يذهب إلى شيخ القرية ويهدي له، وكانت هداياهم التيوس والدجاج -وهي منتشرة الآن في بعض النواحي والعياذ بالله- يقول ﵊: ﴿من أتى كاهناً، أو عرافاً فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد﴾ ومن أتى عرافاً فهو ملعون والعراف ملعون، ومن أتى كاهناً فهو ملعون والكاهن ملعون، وكذلك الساحر. ولا يزال بين الفينة والأخرى من يأتي فيخبرنا ببعض الأمور التي حدثت ورأينا كتاباً اسمه" الحرز " وكتاباً اسمه" الحجاب "فعله بعض المشعوذين عليهم غضب الله، وهم أعداء الرسل، ومن وجدهم فليبلغ بهم، وليرفع للمسئولين، وليكتب للعلماء، ومن سكت فهو مشارك لهم في الإثم، والعياذ بالله.

стр. 6948

السبب الثاني عشر: إيجاد البدائل الإسلامية أوجد بدل الأغنية الشريط الإسلامي وأدخله بيتك، بدل المجلة الخليعة تأتي بالمجلة الإسلامية والكتاب الإسلامي، بدل الجلسات التي جلست في العمر المنصرم والشباب الضائع في المقاهي اجلس مع الصالحين في المحاضرات والدروس وجلسات الخير، بدل الغيبة التي سلفت اذكر الله كثيراً، هذه البدائل الإسلامية.

стр. 6949

السبب الثالث عشر: تعرية الباطل وإظهار عوار الجاهلية وهذا يطلب من الأساتذة والدعاة والعلماء والمربين أن يبينوا عور الجاهلية، وأن يبينوا خبث الحضارة المادية، والكفر، وأن يبينوا للناس مزايا الإسلام في المحاضرات والندوات.

стр. 6950

السبب الرابع عشر: نشر علم الشريعة عسى الله أن يقيم هذه الشريعة وأن ينصرها وأن يرفع ميزانها، فإن سعادتنا مرهونة بالشريعة، نشر علم الشريعة أن تشجع ابنك وبيتك على سماع الشريعة، وحضور مجالسها التي يعرض فيها الفقه والتفسير، والحديث والعقيدة الموروثة عن معلم الخير ﵊، لأن أهل الباطل ينشرون باطلهم -الكفر- يعني: من يذهب إلى بلاد الكفر يجد محاضرات الكفر يحضرها إلى مائتي ألف وثلاثمائة ألف، لها دعايات وقنوات، وصحف ومجلات، ووكالات ووسائل، فأهل الخير جديرون أن يتعاونوا، لأن هذه البلاد ما قامت إلا على الشريعة، ولن تصلح إلا بنشر الشريعة، فالله الله في نشر ميراث محمد ﷺ وبالتواصي بالحق.

стр. 6951

الأسئلة

стр. 6952

حتمية الصراع بين الحق والباطل السؤال لي حلقة قرآن أشرف عليها في إحدى القرى وأكثرهم من صغار السن، ولكنهم يشكون علي وجود شباب يضايقوننا في حلقات القرآن فماذا نفعل؟ الجواب قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١]. الإنسان لا يجلس على طريق الحق إلا بأعداء، ومن سنة الله في الكون أن يجعل للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وللصالحين وللأولياء أعداء، ولا يصلح الإنسان إلا بعد الصراع بين الحق والباطل، وقال : ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١] وفي قراءة مشهورة ﴿وَلَوْلا دِفَاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١] هذا يدفع هذا، وهذا يضر هذا، وهذا ينكد على هذا، وهذا يعلق على هذا، وهذا يؤذي هذا ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ [الفرقان:٢٠] هذا امتحان حتى يعلم الله الصادق من الكاذب، لكني أوصيك أن تتعامل معهم بالسماحة واللين، وأن تخبر أهل الخير في القرية علهم أن يكونوا معك، لأن الخير لا ينقطع، وحاول أن تعرض عليهم هذه المسألة ليحلوها فيما بينهم خاصة كبار أهل القرية، وإمام المسجد، وأهل الفضل من الأعيان.

стр. 6953

الغناء كله حرام السؤال ورد في كلامك أن الغناء إذا وجه ورشد كان خيراً وخاصة بعد ذكرك للغناء فما معنى ذلك؟ الجواب قد يلتبس هذا على بعض الناس، وأنا لم أقصد هذا، وربما إن كنت أخطأت لفظاً فأستغفر الله، بل الغناء كله محرم كما نص على ذلك علماؤنا وتعرفون أن الآجري والشوكاني قد نقلوا الإجماع عن أهل العلم بتحريم الغناء عن رسول الله ﵊، ولكثير من العلماء رسائل في ذلك، وفتاوى كسماحة الشيخ: عبد العزيز بن باز، وفضيلة الشيخ: محمد بن صالح بن العثيمين، بل هيئة كبار العلماء بالإجماع يرون تحريمه كما حرمه الإمام مالك وأحمد والشافعي وأبو حنيفة، والصحابة مجمعون على ذلك وكذا التابعون، ولم يحله إلا بعض العقلانيين الذين لا يعرفون من الأحاديث ولا من السنة شيئاً.

стр. 6954

فسوق من ترك صلاة الجماعة السؤال هل الذي لا يصلي الفجر يعتبر كافراً مع العلم أنه يصلي في وقت متأخر؟ الجواب لا. ليس بكافر، من يصلي ولو آخر الصلاة يعني: في وقتها ليس بكافر، لكنه فاسق إذا ترك صلاة الجماعة بدون عذر، من يترك صلاة الجماعة عند أهل السنة فاسق وليس بكافر، بل فاسق ترد شهادته، ولا يؤتمن ولا يصدق، ويعتبر فاسقاً، لكن لا يخرج من الملة، لأنه صلى لكن في بيته.

стр. 6955

وجوب الصلاة في جماعة السؤال هل يجوز الصلاة في البيت علماً أن العذر هو البرد في الفجر واللهو في الأوقات الأخرى؟ الجواب لا يجوز ترك الصلاة من أجل البرد، أو صلاتها بالبيت، وصلاة الجماعة عند أهل الحديث واجبة، صلاة الجماعة -أيها الإخوة الفضلاء- واجبة، وقد نص أهل العلم على ذلك وجمعوا ما يقارب أربعة عشر دليلاً على وجوب صلاة الجماعة في المسجد منها: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] ومنها قوله ﷺ في الصحيح: ﴿والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أخالف إلى أناس لا يشهدون الصلاة معنا فأحرق عليهم بيوتهم بالنار﴾ وقوله ﷺ للأعمى لما قال: أتجد لي رخصة؟ قال: ﴿أتسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح، قال: نعم. قال: فأجب، فإني لا أجد لك رخصة﴾ إلى غير ذلك من الأدلة، فهي واجبة.

стр. 6956

العمل بالسنة السؤال ما رأيك في إنسان إذا قلت له حينما يعطس يرحمك الله، قال: كويس صديق؟ الجواب يظهر أن هذا باكستاني، عليك أن تعلمه السنة، وبعضهم يقول: متشكرين، فعليك أن تعلمه سنة الرسول ﵊.

стр. 6957

وصول الأجر إلى الميت السؤال هل ثواب قراءة القرآن يصل إلى الميت؟ الجواب نعم. الصحيح من أقوال أهل العلم أن ثواب قراءة القرآن يصل إلى الميت، والاستغفار والدعاء والصدقة كما قال ﷺ : ﴿إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له﴾ حديث صحيح.

стр. 6958

الغناء يورث النفاق السؤال هل الغناء يورث النفاق في القلب؟ الجواب بلا شك، وهذا الذي حذر منه ابن القيم، وسماه رقية الشيطان، وقرآن الشيطان، وهو مكيدة ابتلي بها كثير من عباد الله حتى صرفهم عن منهج الله . شكر الله لكم إنصاتكم واجتماعكم، وتغمدنا الله وإياكم برحمته، وجمعنا بكم في دار الكرامة، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 6959

إنما المؤمنون إخوة الأخوة من أوثق عرى الإيمان, وقد جاء الإسلام والعرب متفرقون يتقاتلون على الشاة والبعير, وقد حث النبي ﷺ على الأخوة أيما حث, وامتن الله بها على المسلمين أيما امتنان, وللأخوة أسباب تزيدها قوة, وللشيطان في إفسادها وسائل, وفي هذا الدرس تفصيل لكل لذلك.

стр. 6960

المحبة والإخاء الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السمات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير. الحمد لله وحده, الحمد لله الكريم المتعال, ذي الجلال والكمال والجمال, والصلاة والسلام على معلم الخير, ما اتصلت أذن بخبر, وما تألقت عين لنظر, وما هتف الورق على الشجر, وما هطل المطر, والصلاة والسلام على محرر القلوب, وباني مجد الشعوب, وقائد القبائل إلى علام الغيوب, والصلاة والسلام على الإنسان العظيم, والزعيم الكريم, والشريف في الشرف الصميم, وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. يا رب حمداً ليس غيرك يحمد يا من له كل الخلائق تصمد أبواب كل ملوك الأرض قد أوصدت ورأيت بابك واسعاً لا يوصد العارفون بنور وجهك آمنوا عافوا بحبك نومهم فتهجدوا يا رب! يا من حببنا وحبب الناس إلينا! أسألك أن تجمع بيننا وبينهم في دار الكرامة. اللهم إنا التقينا من قبائل متعددة, ومن أسر متباينة, ومن شعوب ومن أودية, ما جمعتنا إلا (لا إله إلا الله) ولا أتت بنا إلا (لا إله إلا الله) ولا أجلسنا هنا إلا (لا إله إلا الله). اللهم إن الناس قد اجتمعوا علىالدنيا, وتآخوا علىالمنافع, وتصاحبوا على المصالح, أما نحن فمصلحتنا دينك, ومنفعتنا حبك, ونسبنا تقواك, يقربنا ما يقرب رسولك منك, ويباعدنا معصيتك يوم نعوذ بك من أن نعصيك, اللهم فاجمع بيننا وبينهم في دار الكرامة.

стр. 6961

مباهاة الله بعباده الذين اجتمعوا على محبته نعم أيها الأجلة يا حفظة الإسلام يا أيتها الأمة الخالدة التي تكرر في اجتماعها لتعلن توحيدها! الناس يجتمعون للطرب وللهو, وأنتم الآن وبعد الآن وقبل الآن تجتمعون لذكر الواحد الأحد. أما الله فقد باهى بكم هذه الليلة ملائكته, يعرف موقعكم ويعلم مكانكم سبحانه حيث قال: ﴿لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] وقال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] ويعلم أين اجتمعتم, ولماذا اجتمعتم؟ فيباهي بكم الملائكة يقول: ﴿انظروا لعبادي اجتمعوا على ذكري وحبي. أشهدكم أني غفرت لهم﴾ فغفرانك اللهم ورحمتك يا رب العالمين. ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا مني لعفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما

стр. 6962

المؤمنون إخوة وشرفهم في التقوى أيها الأجلة الكرام عنوان المحاضرة "إنما المؤمنون إخوة" قالها في كتابه, وأتى بها رسول الهدى ﵊ في الأرض, وآخى بين أصحابه, لا قبائل ولا حزبيات ولا عصبيات ولا ألوان؛ لا أحمر ولا أبيض ولا أسود, قال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣] هذا كلام الباري؛ أكرمنا أقربنا إلى الله, وليس أكرمنا فلان بن فلان, يقول ﵊ في حديث حسن: ﴿والذي نفسي بيده، لا يزال أقوام يفتخرون بآبائهم حتى يكونون جثى من جثى جهنم﴾ أو كما قال ﵊. لا تقل أصلي وفصلي يا فتى إنما أصل الفتى ما قد حصل ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتقى الله البطل أتى محمد ﵊ وأبو جهل يقول: أنا من بني مخزوم, أنا سيد قريش وأنا وأنا لكن لما كفر بلا إله إلا الله؛ أدخله الله على وجهه في النار فما نفعته أسرته. أما بلال العبد الرقيق المولى الأسود, لما آمن بلا إله إلا الله, وسجد لرب الناس, وأذن في الأرض لمنادي السماء أصبح سيداً من السادات, يقول عمر ﵁ وأرضاه: [[أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا]] يعني: بلالاً. وفي الصحيحين يقول ﵊: ﴿دخلت الجنة البارحة فسمعت دفي نعليك يا بلال , فماذا كنت تصنع؟ قال: يا رسول الله! ما أنا بكثير صيام ولا صلاة ولا صدقة, لكني ما توضأت في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت ركعتين﴾ هذا هو بلال.

стр. 6963

أخوة الإيمان وسلمان الفارسي أتى من أرض فارس فدخل في الدين, فيروى عنه ﵊ أنه قال: ﴿سلمان منا آل البيت﴾ لكن ما معنى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]؟ إنها أخوة أعظم من أخوة النسب, وأعظم من قرب الحسب؛ لأنها أخوة تصلهم بالله , يقول عز من قائل للمؤمنين: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣].

стр. 6964

سبب نزول آية: (واعتصموا بحبل الله) وسبب نزول هذه الآية؟ كما ذكر ابن جرير وغيره: أن الأوس والخزوج أنصار الرسول ﵊ في المدينة تآخوا وتآلفوا وتحابوا حتى أصبحوا أعظم محبة وإخاءً من إخوة الآباء والأمهات, فغاظ اليهود هذا الإخاء, وأتى يهودي مجرم هو " ابن شاس " من يهود المدينة , فدخل على الأوس والخزرج وهم في المسجد فقال: أنسيتم حروب الجاهلية؟ أنسيتم -يا أوس- مقتلة الخزرج فيكم؟ وأنتم يا الخزرج أنسيتم مقتلة الأوس فيكم؟ حتى أشعل الفتنة, فتذكروا الجاهلية وثارت الحمية -والرسول ﵊ في بيته- فقام شاب من الخزرج فسلَّ سيفه وقال: يا للطيمه يا للطيمه فقام أوسي, فتواعدوا إلى الحرة -ظاهر المدينة - وخرجت القبيلتان والموت يبرق من سيوفهم, لأن القبائل يوم تنسى (لا إله إلا الله). ويوم تنسى رسالة الرسول ﵊ ويوم تنسى الحب الذي أنزله الله في كتابه ويوم تنسى الجنة والنار والصراط والميزان تصبح كأنها قطيع من البهائم في الغابة, أخذوا السيوف, وصفوا الصفوف, وأرادوا أن يقتتلوا, وسمع ﵊ الخبر, فخرج من بيته وهو يقول: ﴿حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾ يقول أهل العلم: "خرج بلا حذاء يجر إزاره" ووصل بين الصفين والسيوف قد سلت, والموت الأحمر يتقاطر من رءوس السيوف, ووقف بين الصفين, وقال: ﴿يا أيها الناس: أما كنتم ضلالاً فهداكم الله بي؟ أما كنتم متفرقين فجمعكم الله بي؟ أما كنتم متحاربين فآخى الله بينكم بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله, قال: ألست فيكم؟ قالوا: بلى, قال: أما نزل الوحي عليّ وأنا بين أظهركم؟ قالوا: بلى, قال: فما هذا؟! فوضعوا السيوف على التراب, وقالوا: نستغفر الله, ثم أقبلوا يتباكون الصفوف بالصفوف وتعانقوا, وأخذ بعضهم يبكي وهو يعانق أخاه﴾ ويقول فيهم الشاعر: إذا اقتتلت يوماً ففاضت دماؤها تذكرت القربى ففاضت دموعها فأنزل الله أول الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران:١٠٠] أي: كيف تقتتلون؟ كيف تتباغضون؟ كيف تتناحرون؟ كيف تتقاطعون؟ كيف تسري فيكم الفتنة؟ ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران:١٠١] أليس فيكم القرآن؟ أليست فيكم الرسالة الخالدة؟ ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠١] وتعتصم بالله وبالتوجه إلى الكتاب والسنة, وأن تخلص قلبك لله, وتطهر قلبك وعينك وسمعك ويدك ورجلك لتكون عبداً لله. كان عمر يبكي في ظلام الليل وهو ساجد في البيت ويقول: [[اللهم اجعلني عبداً لك وحدك]] قال أهل العلم: "يعني عبداً لله لا عبداً لغيره" لأن بعض الناس عبد لله وعبد لوظيفته ومنصبه وماله؛ لكن المؤمن عبد لله وحده. يقول ﵊ في الصحيح: ﴿تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة, تعس عبد الخميلة, تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش﴾ ثم قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. كان سفيان الثوري إذا قرأ هذه الآية بكى حتى تكاد أضلاعه تختلف, قالوا: ما لك؟ قال: "أخشى أن أموت على غير الإسلام" ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] لأن الخاتمة عند الله , والخاتمة أمرها خطير, قال ابن القيم: "من شب على شيء؛ شاب عليه, ومن عاش على شيء؛ توفاه الله عليه, ومن أسعد شبابه وأسعد حياته بتقوى الله؛ سلمه الله حتى يلقى الله على لا إله إلا الله". ثم قال سبحانه بعدها: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٠٣] قال مجاهد: "حبل الله الإسلام" وقال غيره: "حبل الله الرسول ﷺ " وقال الثالث: "حبل الله القرآن" والصحيح أن حبل الله الإسلام والرسول والقرآن, هذا حبل الله الذي أنزله من السماء.

стр. 6965

الأخوة قبل البعثة وبعدها أيها الإخوة الكرام أيها الأماجد! يا حملة لا إله إلا الله! كانت الجزيرة قبل مبعث الرسول ﵊ جزيرة فقيرة مظلمة, لكل قبيلة صنم من الأصنام, لدوس في بلاد زهران صنم, وللأزد في هذه المنطقة صنم, ولقريش صنم, ولمذحج صنم, وللأوس والخزوج صنم, ولكل قبيلة خشبة أو شجرة أو صخرة يعبدونها من دون الله, سلب ونهب, زنا وكذب؛ غش وخيانة, كان الأخ يقتل أخاه على مورد الشاة, كانوا يرعون الغنم بوثنيتهم ويتذابحون على موارد المياه. فلما أراد الله أن يحيي هذه الأمة أرسل محمداً ﵊, فأخرجهم من الظلمات إلى النور؛ يقول سبحانه ممتناً على الناس: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] فلا إله إلا الله! كم لرسالته علينا من منة! أتى الإنسان وهو لا يعرف كيف يتوضأ, ولا يستنجي, ولا يتطهر, ولا يغتسل من الجنابة, ولا يقلم أظفاره, ولا يأخذ من شاربه, ولا يتطيب ولا يلبس الجميل, فجعله مؤدباً جميلاً محبوباً إلى الله, وقد كان الإنسان يقتل ابنته, ويزني, ويشرب الخمر, ويأكل الربا, فهذبه وحرم عليه هذه الأمور. أتى الإنسان, وكان كالبهيمة فعلمه أن هناك جنة وناراً وحسابا ًوميزاناً وصراطاً, وكان الإنسان ظالماً لا يعرف شيئاً, فعلمه آيات الله والحكمة حتى أحيا هذه الأمة. بعد خمس وعشرين سنة استولى الصحابة على العالم, اثنتان وعشرون دولة يحكمها عمر بن الخطاب وهو في المدينة , وكان عليه ثياب من الصوف مرقعة ممزقة فيها أربع عشرة رقعة, أرسل ملك فارس الهرمزان إلى عمر ليفاوضه, فكان الهرمزان معه وفد يلبس الذهب, كان في هم وغم كيف يقابل عمر , وكيف يستطيع أن يتكلم إلى عمر؟ فلما وصل إلى المدينة قال: أين قصر عمر؟ قالوا: لا قصر له, قال: أين حرسه؟ قالوا: لا حرس له, قال: أين مكانه؟ قالوا: هذا بيته. فأتوا فإذا بيته من طين, فطرق على الباب فخرج ابن لـ عمر صغير, قال: أين أبوك؟ أين الخليفة؟ قال: أبي خرج من عندنا, وقد يكون نائماً في المسجد. كان عمر ينام في الليل والنهار ساعتين, تقول له زوجته: لماذا لا تنام في الليل, تترك النوم في الليل والنهار, قال: [[لو نمت في الليل؛ لضاعت نفسي، ولو نمت في النهار؛ لضاعت رعيتي]]. قال ابنه: التمسوه في المسجد, خرج إلى المسجد فلم يجده, فبحث عنه مع بعض الصحابة فوجدوه نائماً تحت شجرة, أخذ حجراً تحت رأسه, وأخذ بردته الممزقة وعصاه بجانبه, قال: الهرمزان وهو يهتز: هذا عمر قالوا: هذا عمر , قال: هذا الخليفة؟ قالوا: هذا الخليفة, قال: هذا أمير المؤمنين؟ قالوا: هذا أمير المؤمنين, فقال وعمر نائم: "حكمت فعدلت فأمنت فنمت" يقول حافظ إبراهيم شاعر مصر: وراع صاحب كسرى أن رأى عمراً بين الرعية عطلاً وهو راعيها فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملاً ببردة كاد طول العهد يبليها فقال قولة حق أصبحت مثلاً وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها أمنت لما أقمت العدل بينهم فنمت نوم قرير العين هانيها رحم الله عمر , ورحم الله أولئك الملأ والأساطين الذين فتحوا الدنيا بالدين, يقول عمر في الإخاء: [[والله إنه ليطول عليَّ الليل إذا تذكرت أخي في الله فأتمنى الصباح فإذا أصبح الصباح، عانقته شوقاً إليه]] وورد في ترجمة عمر: "أنه تذكر معاذاً في الليل, ومعاذ يصلي معه دائماً, فما نام عمر من الشوق حتى صلَّى الفجر حتى قال: أين أخي معاذ؟ قال: أنا عندك, فعانقه وبكى! ". هؤلاء قوم صفَّى الله قلوبهم بالإخاء, وجعلهم الله ورثة الأرض, وليس ببعيد أن نشابههم عندما نعرف الدين, ومتى ما فقهنا كتاب الله, ومتى ما علمنا سنة رسول الله ﵊, يقول الله للرسول ﵊: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣] معنى الآية: والله الذي لا إله إلا هو, لو أنفقت الدنيا ذهبا ًوفضة, ما ألفت بين قلوبهم, ولا آخيت بينهم. ونحن نرى اليوم أن من يصلح صلحاً على غير الدين, وعلى غير لا إله إلا الله, أن الله يجعل صلحهم دماراً وخراباً, ويجعل اجتماعهم فتنة, ويجعل عزتهم ذلة, ويجعل غناهم فقراً, لأنهم اجتمعوا على غير طاعة الله. نرى القبائل يوم تتحزب على الشر والباطل والظلم؛ جعلها الله قبائل منكوبة, قبائل مهزومة فاشلة, لأنها تآخت على غير تقوى الله.

стр. 6966

العفو والتسامح قال الله : ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال:٦٣] أي: من الذي يحبب بعض القلوب لبعض إلا الله ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣]. قبائل العرب أكثر من ثلاثين قبيلة, لما آخى ﷺ بينهم أصبحوا أمة واحدة, يقاتلون في صف واحد, ويصلون في صف واحد. وأينما ذكر اسم الله في بلد عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني

стр. 6967

نموذج للعفو والتسامح عند البخاري في الصحيح: أن الصحابة اجتمعوا في مجلس يتشاورون في أمر الحرب, وكان معهم خالد بن الوليد سيف الله الذي خاض مائة معركة ما هزمت له راية أبداً, ومعهم بلال بن رباح , المولى العبد الذي رفعه الإسلام حتى أصبح سيداً من السادات, مؤذن الأرض لنداء السماء, ومعهم أبو ذر؛ فتكلم بلال فرد عليه أبو ذر قائلاً: حتى أنت يابن السوداء, وهذه الكلمة سيئة, ولا تغتفر في الإسلام إلا بالتوبة والاستغفار, لماذا أديننا دين الألوان؟ أديننا دين التحزبات والعصبيات الجاهلية؟ أديننا دين الأسر التي تبني مجدها على جماجم الناس؟ لا والله, ديننا دين إخاء وحب. فذهب بلال وقال: والله لأرفعنك إلى الرسول ﵊, وذهب إلى الرسول ﷺ وأخبره, وقال: يا رسول الله! تكلمت فقال لي كذا وكذا , فاحمر وجهه ﵊, فاستدعى أبا ذر , قال أبو ذر: ﴿والله ما علمت هل رد عليّ السلام أو لا من الغضب, ثم قال: أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية قال: يا رسول الله! أعلى كبر سني وشيبتي؟ قال: نعم إنك امرؤ فيك جاهلية﴾ فخرج أبو ذر وقال: لا جرم والله لأنصفن بلالاً من نفسي, وأقبل بلال يمشي في الطريق فوضع أبو ذر رأسه على التراب, وقال: طأ يا بلال رأسي برجلك, لا أرفع رأسي حتى تطأه برجلك, فرجلك أكرم من رأسي -فماذا فعل بلال؟ - فبكى بلال! وقال: والله لا أطأ رأسك أنت أخي وحبيبي, فتعانقا والتزما وبكيا. إذا اقتتلت يوماً ففاضت دماؤها تذكرت القربى ففاضت دموعها يقول سبحانه عن المؤمنين: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤] أذلة جمع ذليل, أي: أنه ذليل مع إخوانه, وأما مع الكفار فعزيز قوي, لكن الجاهلية عكس هذه الصورة؛ فإنها جعلت من الإنسان أسداً هصوراً على جيرانه وأرحامه وقبيلته, وذليلاً مخادعاً جباناً أمام الكفار والأعداء, فنسأل الله أن يصلح الحال. ويقول سحبانه في أصحاب الرسول ﵊: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩].

стр. 6968

المثل الأعلى في الذلة للمؤمنين والصفح عمن أساء يروى عنه ﵊ أنه قال: ﴿إن الله أمرني أن أصل من قطعني, وأن أعطي من حرمني, وأن أعفو عن من ظلمني﴾ أو كما قال ﵊. وفي البخاري: ﴿جاء رجل من الأعراب للرسول ﵊, وكان على الرسول ﷺ بردة نجرانية غليظة الحاشية, فجره الأعرابي من البردة حتى أثر في عنق المصطفى ﷺ ؛ فلما التفت إليه ﵊ قال الأعرابي البدوي: يا محمد! أعطني من مال الله الذي عندك, لا مال أبيك ولا من مال أمك؟ فتبسم ﵊! وأمر له بعطاء فأنزل الله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]﴾ يقول ﷺ : ﴿والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا, ولا تؤمنوا حتى تحابوا؛ أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم﴾ معنى ذلك: أن تسلم على من عرفت ومن لم تعرف من المسلمين. معنى ذلك: أن تتبسم في وجوه الناس, فإن تبسمك في وجه أخيك صدقة, والكلمة الطيبة صدقة, وسوف أذكر إن شاء الله أسباب الحب والألفة في آخر المحاضرة. يقول سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣] يقول ابن أبي حاتم: "كان الصحابة إذا اجتمعوا لا يتفرقون حتى يقرءوا هذه السورة".

стр. 6969

رجل من أهل الجنة واسمعوا إلى قصة طريفة مكررة, لكن كلما كررت كانت أحلى وأحلى, كان ﵊ جالساً مع أصحابه في المسجد, يذكرهم بالله, وكما يقول ابن القيم: "كانت مجالسه ذكراً لله" أنفاسه ذكر, وكلامه ذكر, ونومه ذكر, وأكله ذكر, وشربه ذكر, وممشاه ذكر لله , ولما جلس الصحابة, وإذا برجل كبير في سنه, دخل وماء الوضوء يتقاطر من لحيته, وحذاؤه تحت إبطه, وهذه علامة التوحيد والإيمان, والله يضحك إلى ثلاثة كما في الحديث عند الطبراني -ولله ضحك يليق بجلاله- لما قال ﵊: ﴿يضحك ربنا تبسم أعرابي بدوي, فقال له ﵊: ما لك تتبسم؟ قال: لا نعدم من رب يضحك خيراً -يقول: ما دام ربنا يضحك فهذا علامة على أنه سوف يرحمنا ويعطف علينا ويلطف بنا, وسوف يغفر لنا, وأملنا في الله كبير- يضحك الله إلى ثلاثة: أولهم: رجل خرج في الصحراء مع قافلة مسافرين معهم مطاياهم, سافروا من أول الليل إلى آخر الليل, فلما قرب الصبح نزلوا في مكان, وكانوا متعبين مجهدين من مشقة السفر فناموا جميعاً إلا رجل منهم ما نام -في قلبه حرارة لا إله إلا الله, في قلبه الحب لله, في قلبه وقود من الإيمان, في قلبه جذوة تتحرك بـ (الله أكبر) - قام إلى ماء عنده, فأخرجه من على ظهر مطيته, فتوضأ حتى تقاطرت لحيته وأعضاؤه بالماء, ثم استقبل القبلة يصلي ويبكي, فجمع الله الملائكة في السماء وقال: يا ملائكتي! انظروا لعبدي هذا ترك فراشه الوفير ولحافه الدفيء, وقام إلى الماء ليتوضأ, وقام يدعوني, أشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة﴾. هذا أعظم نموذج في الحياة, هذا قيام الليل, لكنني أسأل من يتأخر عن صلاة الفجر: ما هو عذره يوم يتأخر عن صلاة الفجر؟ كيف يلقى الله يوم القيامة؟ ماذا يقول لله يوم القيامة؟ إذا قال الله له: أما جعلت بدنك صحيحاً؟ أما أغنيتك؟ أما جعلت لك عينين؟ أما جعلت لك شفتين؟ أما هديتك النجدين؟ أما قومت لك رجلين؟ أما منحتك يدين؟ أما منحتك أذنين؟ أما أسمعتك الله أكبر الله أكبر, الله أكبر الله أكبر؟! أما جعلت لك الليل سباتاً لترتاح فيه؟ والنهار معاشاً لتطلب فيه؟! فما عذرك في ترك صلاة الفجر جماعة؟! يقول ﵊: ﴿من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله, فالله الله لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء, فإن من طلبه أدركه, ومن أدركه كبه على وجهه في النار﴾ يقول أهل العلم في النوم وغيره: "من صلَّى الفجر في جماعة حفظه الله, وإن وقعت عليه فتنة سلمه الله, وأخرجه الله محفوظاً منها, وإن وقع عليه من القضاء والقدر شيء لطف الله به" حتى ميتة الذين لا يصلون الفجر في جماعة تأتي معكوسة منكوسة, حوادثهم في السيارات, لا يموتون كما يموت الناس, يموتون بلا شهادة, يموتون بلا حفظ, يموتون بلا ذكر, لأنهم تركوا صلاة الفجر جماعة. هذه بمناسبة دخول هذا الرجل على الرسول ﵊, فقال ﵊: ﴿يدخل عليكم من هذا الباب رجل من أهل الجنة﴾ فدخل الرجل وصلَّى ركعتين, ومرة ثانية وثالثة يقول ﵊: ﴿يدخل عليكم رجل من أهل الجنة﴾ فخرج معه أحد الصحابة وبات عنده, فرأى صلاته كصلاة الناس, وصيامه كصيامهم, وذكره كذكرهم, قال: أسألك بالله! بم استحققت دخول الجنة, فقد أخبرنا ﵊ أنك من أهل الجنة؟! قال: لست بكثير صلاة ولا صيام ولا صدقة, ولكن والله ما نمت ليلة من الليالي وفي صدري غل لأحد أو غش على أحد أو حسد لأحد, وهذا هو الإيمان لا غل ولا حسد ولا حقد. ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] خرج ﵊ إلى الطائف فلما دعاهم إلى التوحيد كذبوه, ثم أرسلوا أطفالهم عليه ورجموه بالحجارة حتى سالت دماؤه, كان يمسح الدم من رجله ويقول: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون, فأتاه ملك الجبال فقال: هل تريد أن أطبق عليهم الأخشبين؟ قال: لا. لكني أسأل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً﴾.

стр. 6970

لا كمال للإيمان إلا بالتراحم والمؤاخاة أيها الفضلاء إن هذه المنطقة لا تكتمل, ولا يكمل إيمان أهلها, حتى تقضي على العصبية الجاهلية, والتحزب القبلي, ليبقى حبهم في الله, وإخاؤهم لله وفي الله حتى يصلون إلى رضوان الله، نحن كلنا لآدم، جمعنا كتاب وسنة, وإمامنا محمد ﵊ وآخى بيننا الله في ظل ولاة أمر يريدون الله إن شاء الله, ونسأل الله لهم الهداية. إن الذي يأتي ليفاضل بين القبائل, وليحزب للفتن, وليجهز المحن, إنما هو عدو لله ولرسوله ﵊, إن من يأتي ليفاضل بين الناس بسبب أسرهم, أو بسبب قبائلهم, أو ألوانهم إنما هو رجل متعد على حدود الله منتهك لحرمات الله. إن يختلف ماء الوصال فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد أو يفترق نسب يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالد يقول ﵊ كما في الصحيح: ﴿المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله ولا يحقره بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم, كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه﴾ وصح عنه ﵊ أنه رأى الكعبة فقال: ﴿ما أعظمكِ! وما أشد حرمتكِ! وما أعظمكِ عند الله! والذي نفسي بيده للمؤمن أشد حرمة منكِ﴾. أيها المسلمون الفضلاء يقول ﵊: ﴿لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه﴾ وهذا معنى: ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] كيف تحب لأخيك ما تحب لنفسك؟ قال أهل العلم: "أن تحب له من الخير مثلما تحب لنفسك من الخير" ومن أعظم الخير أن تحب أن يستقيم, وأن يهتدي, وأن يصلي الصلوات الخمس في جماعة, وأن يتفقه في الدين. قام أعرابي في الحرم عند ابن عباس , وابن عباس يفتي الناس, فقام الأعرابي يسب ابن عباس ﵁ وأرضاه, فقال له ابن عباس: [[أتسبني وفيَّ ثلاث خصال؟ قال الناس: ما هي يا ابن العباس؟ قال: والذي نفسي بيده ما نزل القطر في أرض إلا حمدت الله وسررت وليس لي في الأرض ناقة ولا جمل ما نزل القطر في أرض من الأراضي, أي: ما سمع بالمطر في الشمال أو في الجنوب, أو في الشرق أو في الغرب إلا سر وليس له ناقة ولا جمل- والأمر الثاني: والله ما سمعت بقاضٍ يحكم بكتاب الله إلا دعوت له وليس لي عنده قضية, والثالثة: والله ما فهمت آية من كتاب الله إلا تمنيت على الله أن يفهم الناس مثل ما فهمني هذه الآية]] يقول: كيف وأنا في هذا المستوى, وهو تواضع منه, وهي من أشرف الخصال. كانوا يقولون عن ابن سيرين: كان إذا أقبل على فراشه نفض فراشه ثم قرأ سورة الإخلاص ثلاثاً والمعوذات ثلاثاً ثم قال: "اللهم اغفر لمن شتمني، ولمن ظلمني، ولمن سبني؛ اللهم اغفر لمن فعل ذلك بي من المسلمين". وعند عبد الرزاق في المصنف: أن الرسول ﵊ قال للصحابة: ﴿من منكم يتصدق مثل أبي ضمضم؟﴾ أبو ضمضم من الصحابة كان فقيراً لا يملك حتى حفنة من التمر دعا ﷺ للصدقة فالتمس في البيت صدقة من دراهم أو دنانير أو شيء فما وجد شيئاً, فقام فصلَّى ركعتين في ظلام الليل, وقال: ﴿يا رب اللهم إن أهل الأموال تصدقوا بأموالهم, وأهل الخيل جهزوا خيولهم, وأهل الجمال جهزوا جمالهم, اللهم إنه لا مال لي ولا جمال ولا خيول, اللهم إني أتصدق إليك بصدقة فاقبلها, اللهم كل من ظلمني أو سبني أو شتمني, أو اغتابني من المسلمين فاجعله في عافية وفي حل وفي سماح﴾ فقبل الله صدقته, وأتى جبريل فأخبر الرسول ﷺ بذلك, وأخبره في الصباح فقال لـ أبي ضمضم: ﴿لقد تقبل الله صدقتك﴾ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧].
следующие страницы →