Полный текст (10 391 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.
стр. 6896
حكم حلق شعر الغلام
السؤال
ما حكم حلق شعر الغلام؟
الجواب
السنة حلقه، فمن فعل فهو مأجور مشكور، ومن لم يفعل فلا شيء عليه، وقد خالف السنة.
стр. 6897
شفاعة الغلام لأبيه
السؤال
هل الشفاعة معلقة بالعقيقة؟
الجواب
يشفع لوالديه -إن شاء الله- ولو بدون عقيقة، وما ذكره الإمام أحمد ليس عليه دليل.
стр. 6898
حكم العقيقة إذا مات الغلام بعد السابع
السؤال
إذا مات بعد السابع فهل يعق عنه؟
الجواب
يعق؛ لأنه مكث إلى السابع.
стр. 6899
حكم القرعة في الاسم
السؤال
هل يجوز فعل القرعة عند الاختلاف في الاسم؟
الجواب
لا بأس بذلك؛ فإذا اختلف أهل البيت وأرادوا أن يفعلوا قرعة فلهم ذلك.
وقد ذكر الله تعالى المساهمة فقال: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات:١٤١] وفي الصحيح يقول ﷺ : ﴿لو يعلم الناس ما في الأذان والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا﴾ فلا بأس بالاستهام؛ أن تكتب أسماء ويُقرع بينها.
стр. 6900
حكم حلق بعض الرأس
السؤال
هل يجوز حلق بعض الرأس؟
الجواب
يحلق الرأس كله ولا يترك بعضه؛ لأن هذا قزع منهي عنه.
стр. 6901
حكم قراءة القرآن في أذن المولود
السؤال
ما حكم قراءة القرآن في أذن المولود؟
الجواب
قراءة القرآن في الأذن لم يأت بها نص، ونحن نتعبد بالنصوص، قال الله وقال رسوله ﷺ ، فلا يقرأ، لكن يدعو وينفث عليه، ويقرأ المعوذات ويسمي ويبرك، أما أن يقرأ في أذنه القرآن فليس هناك نص.
стр. 6902
حكم حلق رأس المولود بغير رضا أمه
السؤال
إذا لم ترضَ الأم بحلق الرأس فهل يُحلق؟
الجواب
لهم ذلك ما دام أن الأم ما ترى هذا، لأنهم إن فعلوا فهم مأجورون ومشكورون، وإن لم يفعلوا فقد تركوا السنة وليس عليهم إثم، وهو خلاف الأولى، فإذا فعلوا فيتصدقوا بوزنه فضة.
стр. 6903
وقت الحلق
السؤال
متى يُحلق الشعر؟
الجواب
يحلق الشعر في اليوم السابع.
стр. 6904
وقت التحنيك
السؤال
متى يكون التحنيك؟
الجواب
التحنيك يكون في يوم ولادة المولود، قبل أن يأكل أو يشرب شيئاً.
стр. 6905
الحكمة من العقيقة
السؤال
ما الحكمة من العقيقة؟
الجواب
أولاً: الاستبشار بولود هذا المولود، وتصدقاً عنه، وعسى الله أن يزحزح عنه السوء؛ لأن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وكلما تُصُدِّق عن العبد أو دُفع عنه؛ دفع الله عنه الضراء والبأساء، والذي يقيك من مصارع السوء هي الأعمال الصالحة قال الله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] وخديجة ﵂ تقول للرسول ﵊ لما خاف: ﴿كلا والله لا يخزيك الله أبداً -لماذا؟ - فإنك تقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتصل الرحم﴾ فانظر كيف استدلت بالأفعال الجميلة.
فإن المحسن، وقائم الليل، والكريم، ومقري الضيفان، والودود بالجيران، والبار بوالديه، وواصل الرحم لا يخزيه الله أبداً، حتى موته يأتي موتاً طبيعياً حبيباً.
стр. 6906
حكم المولود الذي لم يتبين حاله
السؤال
إذا لم يتبين المولود أنه ذكر أو أنثى، فما الحكم؟
الجواب
يبقى حتى تقوم البينة، ويشهد عدلان من المسلمين أنه ذكر أو أنثى.
стр. 6907
حكم المولود الذي ليس له شعر
السؤال
إذا كان المولود ليس له شعر فهل يمر الموس على رأسه؟
الجواب
إذا ولد وليس له شعر -فالله المستعان- لا يمر الموس على رأسه، فإن هذا تمويه وحلم!
стр. 6908
حكم أكل الأهل من العقيقة
السؤال
هل يجوز للأهل أن يأكلوا من العقيقة؟
الجواب
نعم.
بل لهم العقيقة، يطبخونها ويأكلون ما شاءوا، وإذا أرادوا دعوا الجيران، وإن لم يستطيعوا فالله المستعان.
стр. 6909
حكم التسمي بهدى وإيمان
السؤال
هل يكره اسم هدى وإيمان؟
الجواب
من كره اسم هدى وإيمان فليس له دليل، بل هو طيب -إن شاء الله- وفيه تفاؤل؛ فلا يكره إلا بدليل.
стр. 6910
الحكمة من حلق الشعر
السؤال
ما الحكمة من حلق شعر المولود؟
الجواب
لحكمة أرادها الله عزوجل.
ونحن أننا نصلي الظهر أربعاً والمغرب ثلاثاً والفجر ركعتين، وما ندري ما الحكمة لكن سبحان الخالق!
стр. 6911
ذبح الأنثى أو الذكر من الشياه
السؤال
هل تكون الشاة ذكراً؟
الجواب
الشاة قد تطلق مجازاً على الذكر، لكن نص أهل العلم على أنها تكون ذكراً، وهذا قيد أغلبي، فغالباً تسمى شاة، مثل أن يقال: العمرين، أي: أبو بكر وعمر، والقمرين: الشمس والقمر.
стр. 6912
الأسماء المنهي عنها
السؤال
هل الأسماء المنهية هي الواردة في الحديث فقط؟
الجواب
لا أدري، لكن الحديث نص على هذه الأسماء، فإذا زدنا على هذه الأسماء مثل: سعيد وغيره، فسوف تصبح عندنا مشكلة، لكن الأسماء مقيدة.
لكن أقول: الوارد عنه ﷺ أنها أربعة أسماء، أما غيرها فلا.
وغالب الأسماء الآن في المجتمع طيبة، وليس كل اسم طيب، فالمنهي عنه اسم يسار، لأن يسار اسم جنس عام في يسر الناس، وأفلح فلاح، ونجيح ورباح، أما غيرها فلا بأس.
стр. 6913
حكم التسمي بضيف الله
السؤال
ما حكم التسمي بضيف الله وما شابهها؟
الجواب
ضيف الله وجار الله وزبن الله وغيره هذه أسماء ما عرفنا معانيها، فأنا لا أفتي في شيء لا أعرفه حتى نتبين منه، وأما ضيف الله فلا بأس به؛ تفاؤلاً أنه من ضيوف الله عزوجل، وجار الله كذلك، وقد سمي كثير من السلف جار الله، والعائذ بالله عزوجل فهذا لا بأس به.
стр. 6914
حكم حديث: (احترسوا من الناس بسوء الظن)
السؤال
ما صحة هذا الحديث: ﴿احترسوا من الناس بسوء الظن﴾؟
الجواب
لا يصح هذا الحديث مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وإنما روي موقوفاً من كلام عمر بن الخطاب.
стр. 6915
حكم حديث: (يا بن آدم جعلت لك قراراً)
السؤال
حديث قدسي: ﴿يا بن آدم، جعلت لك قراراً في بطن أمك، وغشيت وجهك بغشاء لئلا تنفل من رائحة رحم أمك، وجعلت وجهك إلى ظهر أمك لئلا تؤذيك رائحة الطعام، وجعلت لك متكئاً عن يمينك ومتكئاً عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فالكبد وأما الذي عن شمالك فالطحال، وعلمتك القيام﴾ ما حال هذا الحديث؟
الجواب
هذا حديث لا يصح عنه ﷺ ، فكلامه ركيك، ولم يرفع إليه ﷺ ، ولم يصح بسند صحيح.
وكلامه ﷺ أغلى من الدر، وعليه نور، والكلام الموضوع عليه ظلمة، وكلامه ﷺ : ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥] فلا يصح هذا الحديث، وما يعلقون على المساجد إلا الموضوعة أما الصحيحة فلا يعلقونها، وبعض الناس يحفظ الأحاديث الموضوعة ولا يحفظ الصحيحة.
وقد سئل بعض الناس: ماذا تحفظ من الأحاديث؟ فقال: أحفظ حديث: ﴿تأخر الرسول ﷺ فقالوا: ماذا أخرك يا رسول الله؟ قال: أصنع لكل حق طبق﴾.
حتى اللفظ ركيك، ما يصح.
ولماذا لا يحفظ حديثاً من البخاري؟!
стр. 6916
حكم القرعة
السؤال
هل القرعة سنة؟
الجواب
القرعة ليست بسنة، إنما من باب الجواز فحسب، أما أنه ورد أنها سنة فلم يرد.
стр. 6917
حكم من لم يعق عن ولده
السؤال
هل يأثم من لم يعق عن ولده؟
الجواب
ليس عليه شيء أبداً، ولا يخرج من دائرة أهل السنة والجماعة.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 6918
المخرج من الفتنة
هذه المادة ترتكز على الإجابة على سؤالين:
السؤال الأول: ما هي أسباب الفتن؟
السؤال الثاني: ما المخرج من الفتن؟
وكان السائل والمجيب هو الشيخ، فأسباب الفتن خمسة عشر سبباً، وأسباب الخروج من الفتن أربعة عشر سبباً كل هذا ذكر في هذه المادة بشيء من التفصيل.
стр. 6919
الابتلاء بالفتن سنة الله
الحمد لله، الحمد لله ولي الصالحين، رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على رسول رب العالمين، وحجة الله على الناس أجمعين، وخاتم المرسلين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
أشكركم شكراً جزيلاً على هذا الاجتماع، وأشكر إمام هذا المسجد الشيخ: يحيى بن موسى حامل القرآن على تفضله بهذا التقديم، وأسأل الله أن يجمعنا وإياكم في دار الكرامة.
عنوان هذا اللقاء " المخرج من الفتنة " وهي الثامنة بعد الثلاثمائة، وأسأل الله أن يخرجنا وإياكم من الفتن سالمين، وأن يردنا بالإيمان غانمين، وإذا أراد بقومٍ فتنة أن يقبضنا إليه مؤمنين مسلمين ثابتين على الحق.
أنذرنا الفتن، وأخبرنا أنها أنواع، وبيَّن أن من سننه أنه يبتلي بالفتن ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥].
وأخبرنا أنه لا بد من الفتن للمؤمنين ليمحصهم ويقبلهم فيمن قَبِلَ ﵎.
وللفتن أسباب ونحن نعيش فتناً، لأننا متأخرون عن الرسالة الخالدة، وعن صاحبها ﷺ ، ليس بيننا رسول الهدى ﵊، كان نوراً يمشي في الأرض، نوراً يمشي بين أصحابه، كان يكلمهم ويكلمونه، ويحدثهم ويحدثونه، وهذا أمر افتقدناه نحن.
إذاً: من الفتن التي نعيشها: عدم وجود القدوة الذي فاتنا منذ زمن إلا من رحم ربك، والقدوة هو محمد ﵊.
الأمر الثاني: كثرة منافذ الشر علينا، فنحن اليوم أصبحنا كقرية بين هذا العالم المترامي الأطراف، قرية ليس إلا، من كثرة ما يعج ويضج به العالم من الفتن والمغريات، والغزو والأحدوثات والأطروحات، أصبحنا في فتنة لا يعلمها إلا الله .
والسؤالان المطروحان هما:
س١) ما هي أسباب الفتن؟
س٢) ما المخرج من الفتن؟
وهذا اللقاء يدور على هذين السؤالين، أسأل الله أن يسدد في الإجابة عليهما إنه ولي التوفيق والقادر عليه.
стр. 6920
أولاً: أسباب الفتن
.
стр. 6921
الإعراض عن آيات الله
السبب الأول: الإعراض عن آيات الله .
أكبر فتنة أن يعرض الإنسان عن آيات الله، وعن بيته، وعن رسوله، وعن منهجه، فإذا أصيب بالإعراض رماه الله بالخزي والعذاب في الآخرة، يقول : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦] وأهل العلم يقولون: من أراد الهداية وجدها، ويقول ابن القيم: من أصلح في شبابه تغمده الله في شيخوخته بالرضوان، ويقول المثل الصيني: الخط الذي طوله ألف ميل يبدأ بخطوة، أي: تمشي أنت فيه بخطوة.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] والله يقول: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] كيف يهتدي من لا يأتي إلى المسجد؟!
كيف يهتدي من يسمع آيات الله ويعرض عنها؟!
إذاً: أخبر أن من أسباب الفتن ومن أعظمها: الإعراض عن منهجه وعن آياته، قال في قرية آمنة مطمئنة: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ:١٥ - ١٦] ونحن أشبه ما نكون بتلك القرية، نحن في نعيم لا يقدره إلا من كتبه وأنزله، نحن في رخاء وفي أمن وأمان، فكيف نحفظ هذا الأمن والرخاء؟ نحفظه في طاعة الله، بشكر الله وبعدم الإعراض عن منهجه، يأتيك أحياناً معرض أصابه قلق ويأسٌ ويشكو إليك يأسه وقلقه، فتقول: هل تصلي الفجر في جماعة؟ يقول: لا.
فتقول له: قرأت القرآن؟ يقول: لا.
فتقول: هل لك اطلاع على السنة؟ فيقول: لا.
فكيف يهتدي؟! أليس هو المعرض؟!
стр. 6922
نقض العهد
السبب الثاني: نقض العهد مع الله.
كيف؟ الأمة التي عاهدت الله أن تنصر دينه، ثم نقضت عهدها بأن تولت إلى حطام الدنيا وإلى الشهوات والمغريات والنزوات، ولم تشكر الله، ولم تقم بميثاقه، هذا نقض.
من نقض ميثاق الله: استبدال شريعة الله بشريعة أخرى.
من نقض ميثاق الله: موالاة أعداء الله.
من نقض ميثاق الله: الركون إلى أهل المعصية وتقديمهم على أهل الطاعة، قال سبحانه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣].
يقول الحسن البصري: [[يا من دائماً ينقض الميثاق مع ربه: أما تخشى أن يقول لك في يوم من الأيام: هذا فراق بيني وبينك]].
موسى رافق الخضر ﵉، فاعترض عليه ثلاث مرات، قال له أولاً لما خرق السفينة: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ [الكهف:٧١ - ٧٣] فعذره، ثم مشى معه، فلما قتل النفس، قال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ [الكهف:٧٤ - ٧٦].
لأنه قال له هنا: ألم أقل لك؟ وقبل قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ﴾ [الكهف:٧٢] فزاد الجار والمجرور تأكيداً له وتبييناً -لام العهد- أما قلت لك قبل قليل ونسيت ﴿قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ [الكهف:٧٣] قال بعدها: ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ [الكهف:٧٦] فلما بنى الجدار الذي يريد أن ينقض، اعترض عليه؛ فقال: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:٧٨].
وقف ﵊ عند هذه، وكان يتابع القصة بشغف وبعاطفة، ويتابعها بحياة، قال: ﴿رحم الله موسى استعجل ليته صبر حتى يقص علينا من خبرهما﴾.
كان ﵊ مشتاقاً وشغوفاً ومتولهاً لأن يسمع كثيراً من القصة، لكن موسى ﵇ استعجل ولم يصبر، قال ﷺ : ﴿ليته صبر حتى يقص علينا من خبرهما﴾.
الشاهد: قال الخضر: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:٧٨] فيقول الحسن: [[الخضر لم يتحمل ثلاث مرات، فأنت يا من ينقض عهده مع الله في كل يوم مرات أما تأمن من الله أن يقول: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:٧٨]]] وهذا للناقضين عهد الله.
يقول الله عن بني إسرائيل: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:١٣].
هنا عقوبات، ولكن كيف نقضوا؟ قال أهل العلم:
أولاً: أول نقض مخالفة نبيهم موسى ﵇.
ثانياً: عاهدوا الله في ترك الربا، ثم أكلوا الربا جهاراً نهاراً.
ثالثاً: فشا فيهم الزنا، وما أنكر منهم منكر.
رابعاً: توعدهم الله في عدم الصيد يوم السبت، فصادوا يوم السبت وأخذوا السمك يوم الأحد، وقالوا: لا صيد.
خامساً: حرم الله عليهم شحم الميتة، فجملوه وباعوه وأكلوا ثمنه.
إلى غير ذلك من نقض العهود.
قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ [المائدة:١٣] فهم ملعونون على كل لسان نبيٍ مرسلٍ، وكل ملكٍ مقربٍ، وكل وليٍ صالحٍ.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة:١٣] يقول أهل العلم: اليهود المخالفون لو تناطحت جبال الدنيا أمام أعينهم ما اتعظوا!! ولذلك تجد من يقع في المعاصي، ومن يتهتك في الحرمات، والله لو أنذرته بالكتاب والسنة ليلاً نهاراً ما ارتدع.
ويقبح بالفتى فعل التصابي وأقبح منه شيخٌ قد تفتى
إذا ما لم يزدك العلم خيراً فليتك ثم ليتك ما علمتا
وإن ألقاك فهمك في مغاوٍ فليتك ثم ليتك ما فهمتا
مشيت القهقرى وخبطت عشوا لعمرك لو وصلت لما رجعتا
стр. 6923
ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
السبب الثالث: ترك الاحتساب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
من أسباب الفتن: أن تصدف الأمة وتترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ظهرياً، ويعتذر جمهور الناس بأن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هيئة مسئولة تقوم بذلك، ويقول أحدهم: نفسي نفسي، ولا دخل لي في أمر الناس، والله يقول: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩].
أخبر ﵊ ﴿أن الرجل من بني إسرائيل يلقى الرجل في أول النهار، فيقول: اتق الله لا تفعل هذه -يعني: المعصية- قال: ثم لا يمنعه أن يكون أكيله وشريبه من آخر النهار﴾ وهذا كفعل بعض الناس: يرى أحدهم الآخر على المعصية والانحراف ولا يمنعه أن يكون صديقه وجليسه، وسميره وحبيبه وقريبه.
ويقول : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] لماذا؟
﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
يقول عمر ﵁ وأرضاه: [[والله لا يتم أول الآية حتى يتم آخرها]] يعني: لا نكون خير أمة حتى نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونؤمن بالله.
يقول ﵊ لـ أبي ثعلبة الخشني: ﴿مر بالمعروف، وانه عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، ودنيا مؤثرةً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك خاصة نفسك ودع أمر العوام﴾.
والمقصود من هذا: أن على المسلم أن يأمر بالمعروف بجهده وطاقته، لكن بالحكمة ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] لماذا يموت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟!
لماذا يُرى أهل المعاصي على الأرصفة وفي السكك والشوارع؟!
المساجد تشكو إلى الله من كثرة قطيعة المصلين، الحي الواحد يكتظ فيه مئات السكان ولا يصلي فيه إلا الأفراد، خاصةً في صلاة الفجر.
بعض البيوت فيها ثمانية أو أكثر أو أقل، ولا يصلي إلا الواحد والاثنان، أليس هذا منكراً؟
أما يعلم الجار بجاره أنه لم يصل في المسجد؟!
أما يعلم الجار أن جاره أكل الربا، واستمع الغناء، وخالف منهج الله؟!
فما أمره ولا نهاه.
من أعظم الفتن التي نعيشها نحن الآن: موت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان أجدادنا -كما تعلمون- على قلة علمهم، وقلة الوسائل التي توعيهم، يأمرون وينهون، ولكن أتينا في فترةٍ لا أمر ولا نهي فيها، وانحصر الأمر والنهي حتى فشت المعصية.
قبل سنوات، ما يقارب العشرين سنة فيما أخبرنا به، أو أكثر كان شارب الدخان إذا مر بإحدى المدن يوصم بوصمة من الناس ويوقف ويحاسب على فعله هذا، لأنه خالف منهج الله، والآن أصبح أمراً سهلاً عادياً يتناوله الناس في المجالس والسيارات وفي المكاتب وفي بعض الفصول، وأصبح من ينهى عن الدخان كأنه معتوه.
كان قديماً حلق اللحية يعتبر كأنه من الكبائر، لكن استَمرت الأمة على هذا وأصبحت ذنوب الأمة أعظم من حلق اللحية، الربا والزنا، موالاة أعداء الله والتشبه بأعداء الله، الإعراض عن منهج الله، ترك الصلوات كل هذا أصبحت بجانبه هذه الأمور من الصغار، حتى إن الدعاة الذين يتكلمون -مثلاً- في تطويل الثياب، وفي حلق اللحى يقال لهم: لا يعرفون إلا هذه المسائل، ويقال لهم: ليس عندهم فقهٌ ولا بصيرةٌ؛ بسبب موت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد وصف ﵊ أن الأمة يوم لا تأمر بالمعروف ولا تنهى عن المنكر كمثل من ركب سفينة، وقام بعضهم بخرق السفينة، فإن تركوهم هلكوا وهلكوا جميعاً، وإن نهوهم، نجوا ونجوا جميعاً.
стр. 6924
الغفلة من أسباب الفتن
السبب الرابع: الغفلة عن آياته ، أي: عدم تدبر آياته في الكون، والآيات قسمان:
كونية وهي: آيات الله في الكون.
وشرعية وهي: آيات القرآن.
يقع زلزال في الكون أو بركان أو ريح شديدة أو مرض في الناس ويؤلونه إلى الطبيعة.
تقضون والفلك المقدر ساخرٌ وتقدرون فتضحك الأقدار
دمرت بعض المدن مما انتشر فيها من الفساد بزلزال وهلكوا في ثوانٍ، ولما نظروا إلى الرأي العام قالوا -حتى بعض المسلمين-: انكسار في القشرة الأرضية، فمن كسرها؟
ومن قدرها؟
ومن أرسلها؟
ومن أنشأها؟
ومن بدأها؟ ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢] ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩].
هذه الآيات من آياته جعلها ردعاً للناس، يقول : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١] إنه السبب، وتأتي الغفلة عن آيات الله في الكون يوم يصدق هؤلاء الملاحدة الذين بنوا قواعدهم على هذا الأمر حتى فصلوا -مثلاً- مادة الجغرافيا عن الإيمان، وفصلوا التربية عن الإيمان، وفصلوا علم النفس عن الإيمان، وجعلوا كل ما يحدث للعبد من الطبيعة وفعل الحوادث والأيام، ونسوا الله عن ذلك.
قال : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] والغفلة مرض نسأل الله أن يعافينا وإياكم منه وهو من أعظم علامات النفاق، فإن المنافق قد يسمع الحديث والموعظة والآية، لكن لا يستفيد، ولا يفهم، ولا يعقل.
كان بعض المنافقين يصلي مع الرسول ﵊ ومات على الكفر، كان عبد الله بن أبي يصلي في الصف الأول يوم الجمعة، لكن ختم الله على قلبه ومات كافراً، ولم تنفع فيه شفاعة الرسول ﵊، إنه غفل عن طريق الهداية، وأصبح غير مستعد لأن يفهم الإسلام والإيمان وهو فعل بعض الناس، فكيف يهتدي من لا يستعد للفهم، ولا يستعد للتوجه؟!
إن بعض الناس بصير بأمور الدنيا وعلومها وحضارتها، لكن لا يعرف في الدين شيئاً.
يقول الرسول ﵊ -كما في الصحيحين: - ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾ والذي لا يريد الله به خيراً لا يفقهه في دينه، ولا يهديه كتابه، ولا يعلمه سنة رسوله ﵊.
стр. 6925
الترف والبذخ من أسباب الفتن
السبب الخامس: الترف والبذخ المنسي، فالأمة اليوم تعيش بذخاً وترفاً، الترف المتجاوز للحدود، ترف مالي وفكري ومادي، وترف حتى في الفراغ، فنحن نعيش حياة الترف، ومن يقارن بين حالتنا هذه وبين حالة آبائنا وأجدادنا يجد البون الشاسع، الترف في المساكن، والترف في المطاعم والمشارب، حتى أصبحت من مقاصد الأمة، وأصبح كثير من الناس يعمل لهذا الترف، يقول : ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦].
أين الذين يملكون الملايين المملينة؟
هل صحيح أن جميعهم اتبع منهج الله في أمواله؟
هل صحيح أن كثيراً منهم اتقى الله في هذا المال الذي يكسبه؟
هل صحيح أن كثيراً منهم أرشد الإنفاق في الأموال هذه وأنفقها في سبيل الله؟
والله لو فعلوا ذلك لم يبق فقير ولا مسكين ولا أرملة، لكن انظر إلى الفقر، تجد هنا أناساً يعيشون الثراء، الثراء إلى النجوم، وأناس يعيشون الجوع، الجوع إلى التراب، ومن يدخل قرى مثل: قرى تهامة -وقد رأيتها بعيني- يجد هذا، يجد بعضهم لا يجد السكر الذي أصبح الآن من الكماليات، وبعض البيوت لا يغادره اللحم في الوجبات جميعاً، ولا يمكن أن ينفصل بيت بعضهم من اللحم، ولكن وجدنا في بعض القرى التي دخلناها أنا وثلة أكثر من ستين داعية وطالب علم من بعض المؤسسات التعليمية، وجدنا بعضهم لا يرى هذا السكر الذي معنا ونعتبره نحن سهلاً ميسراً.
فأين الملايين؟
وأين البذخ؟
وأين الترف؟
تجد هذا الترف والبذخ الذي انحرف عن منهج الله أصبح شيكات سياحية إلى بانكوك وباريس ليُعصى الله ، أصبح رباً، سيارات من الربا، وفللاً من الربا، وبيوتاً من الربا، وملابس من الربا، أصبح هذا محاربة لله في مثل ماذا؟ في مثل بيوت للغناء الماجن، وبيوت للفيديوهات المنحرفة، أصبح هذا المال يوم ما أرشد بتقوى الله والخوف منه مالاً يتبع سنة قارون، وإلا فالمال والغنى إذا أرشد ووجه كان خيراً.
دخل عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه الجنة بماله، لأنه أنفقه في سبيل الله، وكان ابن عوف يملك الألوف المؤلفة، لكن أرضى ربه بماله، وأنقذ الأكباد الظامئة والبطون الجائعة.
الترف هذا إن لم يوجه كان انتكاساً للشخصية، وكثير من الشباب بالاستقراء من أحوالهم وجد أن سبب إعراضهم عن طاعة الله هو الترف، حتى ترك بعضهم مزاولة الأعمال الدنيوية مثل: العمل، والوظيفة بسبب أنه مترف.
إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة
فتصور شاباً ليس عنده إيمان، ولا يعرف المسجد ولا المصحف، ولا يتقي ربه، وعنده مال في جيبه، وعنده سيارة فاخرة، وعنده أموال مكدسة، وفلة بهية، كيف يكون ضائعاً!!
حتى أننا عجزنا أن نقدم من أمتنا ومن بلادنا عمالاً لنا، وأصبح العمل عند بعض الناس عاراً، الدخول إلى المنجرة، إلى الخشابة، إلى تقديم الخدمات للناس أصبح كأنه عار عند بعض الناس من البذخ والترف، وإلا فزكريا ﵇ كان نجاراً، وداود ﵇ كان حداداً، وما من نبي إلا رعى الغنم، ولكن هكذا يضيع الترف الجيل، ويجعلهم متهرولين كسولين خاملين في الدنيا والآخرة.
فمن أسباب الفتنة بل من أعظمها: الترف إذا لم يوجه لطاعة الله ولرضوانه.
стр. 6926
عدم أخذ العبر
السبب السادس: عدم أخذ العبر من المثلات؛ فنحن نعيش ونحن شباب الآن، لكن نجد المثلات والعبر في من حولنا، في الشعوب، انظر الآن إلى الخارطة! وانظر إلى الشعوب حتى في الشرق الأوسط والأدنى! كم من المثلات، وكم من الحروب والنزلات؟
كم من الغارات! وكم من المشاكل! أمة بينما هي نائمة سليمة وفي الصباح تُجتاح بجيش جرار، دولة من الدول ينقسم أفرادها وطوائفها إلى جيوش مجيشة تُرمى منازلها وتنسف وتحرق، ويقتل أطفالها، غارات، ريح شديدة يسلطها الله فتقتلع المدن، أليست هذه مثلات؟ ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف:٢٧] ويقول سبحانه: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم:٤٥] ومن يعرف تاريخ الأمم والشعوب، يعرف كيف نكبهم الله نكبات، وأنزل بهم مثلات، لأنهم غيروا منهجه، وما استفادوا من آياته البينات، لكن المشكلة في من لم يعتبر، وكثير من الناس الآن يعيش في الفتنة ولا يعتبر، وليس مستعداً لأن يعود إلى الله، ولا أن يغير ولو قلامة الظفر من حياته، هكذا رسخ على مبدئه الضال المنحرف.
стр. 6927
لبس الحق بالباطل
السبب السابع: تلبس الحق بالباطل ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام:٩] بعض الناس يعيش في غبش، مرة يصلي ومرة يترك الصلاة، مرة مع أولياء الله ومرة مع أعداء الله، مرة يتلو كتاب الله باكياً خاشعاً ومرة يستمع الأغنية الماجنة معربداً، مرة بالسواك مع أولياء الله ومرة بالسيجارة مع المنحرفين، هذا من اللبس، فليس عنده منهج، ولا طريق، وهذه يشكوها كثير من البادئين في الهداية، تجده أحياناً في المسجد في المحاضرات والدروس، واليوم الآخر مع الشلل في المقاهي في الفراغ والضياع، مع البلوت والكيرم، مع الأغنية الماجنة والمجلة الساقطة، ما سبب هذا؟
إن سببه عدم اهتدائه وسلوكه وعدم جديته في الاهتداء، فإنه لو صدق مع الله؛ صدق الله معه ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [محمد:٢١] ويُتحدى أن يوجد هناك مهتد يريد الله ويخيبه الله أبداً، ولكن الزيغ يأتي من القلوب ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥].
هذا اللبس يعيشه كثير من الناس، حتى تجد أحياناً الكثير منهم، ولو كان أحدهم مستقيماً، لكنه ينال من الصالحين، وربما يستهزئ ببعض السنن، لأن في عقله لبساً، وفي قلبه مرضاً والناس ثلاثة أصناف:
١/ كافر، ومعه المنافق.
٢/ مؤمن سديد.
٣/ والوسط رجل في قلبه مرض.
يعني: لم يشفَ قلبه، ليس عنده تصور سليم للهداية، وأنت تحتار فيه، وهذا ملبس فيه، وهو في فتنة الله أعلم بها! لا يُدرى هل هو إلى اليمين أم إلى اليسار.
стр. 6928
العجب بحضارة الكافر
السبب الثامن: العجب بحضارة الكافر: نحن الآن في هذا القرن لم نقدم للبشرية شيئاً، لا قدمنا الإيمان للناس، ولا قدمنا لهم من التكنولوجيا شيئاً.
أما الإيمان فانحسرنا نحن في أنفسنا، وعجزنا أن نستقيم على منهج الله، فكيف نقدم الإيمان للناس، أصحاب الرسول ﵊ قدموا دين الله للناس ولم يكونوا يملكون وسائل، من الذي نشر الإسلام في أسبانيا؟
ومن الذي أوصل الإسلام إلى الهند؟
ومن الذي بلَّغ دين الله إلى السند؟
من الذي أدخل لا إله إلا الله إلى كابل؟
ومن الذي نشر التوحيد في أفريقيا؟
إنهم أصحاب الرسول ﵊، لم يكونوا يملكون طائرات، ولا سيارات، ولا هواتف، ولا أجهزة اتصال، ولا تسهيلات، ومع ذلك بلغوا دين الله ، ونحن نملك القدرات، ولكن عجزنا في أنفسنا أن نستقيم على منهج الله فضلاً على أن ندعو الأمم لمنهج الله، الأمم ينادوننا صباح مساء أن نعرض عليهم بضاعتنا من الإيمان، لكننا لم نفعل، وأما في عالم المادة فلم نقدم شيئاً، كل شيء عندنا مستورد حتى الطباشير ومساحة السبورة والفوانيس!!
نحن نعرف نأكل ونشرب ونرقد، ونغني ونرقص، أما أن نقدم للبشرية شيئاً فلا، فماذا قدمنا للبشرية؟
هم قدموا في عالم المادة وينتظرون منا عالم الروح، ولكن لم نفعل شيئاً، يقول الله : ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] ويقول سبحانه: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦] فالعجب بحضارة الكافر هو من أسباب الفتن، حتى وجد من هزيمتنا الروحية أننا نرى الخواجة فنعده كأنه ملك نزل من السماء إلا من رحم ربك.
الآن الاحترام المتبادل لأعداء الله كأنك إذا رأيته رأيت الحضارة والسمو والثقافة، وقد ركبت مع أحد الناس من أبناء هذه البلاد، وكان قد سافر إلى الخارج، وفي قلبه مرض وعقدة نفسية من البلاد، ويقول: إننا لا نزال متخلفين رجعيين، أنا رأيت الخارج ورأيت الحضارة، لكن نحن مظاهرنا غير حضارية، مثل ماذا عنده؟
مثل: لِبْسَتنَا هذه، يرى الزي هذا أنه مظهر غير حضاري، يرى أن نخلع هذه الغترة والطاقية ونمشي هكذا في الأسواق، لأنه يقول: العالم كله توحد على هذا الأمر وهو من المظاهر الحضارية، وهو في قلبه مرض، أن يجلس الرجل بجانب المرأة، يقول: أيأكلها إن جلس بجانبها! وأين الشريعة؟
لكنه نسي أنهم لما أتوا بالمظاهر الحضارية التي يزعم وقد رأيناهم نسوا منهج الله، أصبح الزنا عندهم بشكل رهيب، تعدٍ على حدود الله، أكل للربا، اختلاط للأنساب، الانفصام بالعلاقات الاجتماعية، والله إنك ترى السيارات بالمئات، ولا ترى ثلاثة في سيارة، وسألناهم ما السبب؟
قالوا: لأنه لا يوجد هناك علاقة بين الأسر، بينهم طلاق وانفصام وابتعاد، لأنهم لم يجدوا روح الإيمان.
أمن المناظر الحضارية أن تقوم المرأة في الصباح إلى الكلب وتغسله بالصابون وتجلسه بجانبها في السيارة؟!
أمن المناظر الحضارية أنك ترى الفتى يقبل الفتاة على الرصيف ولا يستنكر الناس؟!
أمن المناظر الحضارية أن تمر بعشرات الناس في الحدائق العامة يبولون وقوفاً؟!
أمن المناظر الحضارية أن ترى الواحد منهم لا يتطهر ولا يتطيب ولا يستنجي ولا يستجمر ولا يأخذ خصال الفطرة؟!
أمن المناظر الحضارية أن تراه يأكل كالكلب بيساره ويجلس الكلب معه على المائدة؟!
أمن المناظر الحضارية أن يمر عليه الشهران والثلاثة لا يغتسل من الجنابة؟!
لكن هذا الذي يعجب بحضارة المادة وينسى حضارة الروح، وقد سبق في بعض اللقاءات أني ذكرت قصيدة لـ محمد إقبال اسمها: " بحثت عنك يا رسول الله! في ألمانيا " محمد إقبال شاعر الهند وباكستان
هو لم يبحث عن الرسول ﷺ ، لكنه شاعر متخيل مؤمن، ذهب يدرس الفلسفة وكان عنده دكتوراه في الفلسفة في بون، قال: بحثت عنك يا رسول الله! في ألمانيا فلم أجدك، وجدت السيارات والقاطرات والطائرات والبنات، ولكن ما وجدت الرحمة والعدل، أين أنت يا رسول الله؟
يقول: حضارة موجودة: سيارات وقاطرات وطائرات، لكن، ليس عندهم عدل، ولا رحمة، ولا حنان، ولا حب، ولا سلام انتحار وإزهاق للدماء، وزنا وربا، وبعد ذلك يعجب بهم بعض المفتونين من أبنائنا ويقلدونهم ويتشبهون بهم، والرسول ﵊ يقول: ﴿من تشبه بقومٍ فهو منهم﴾.
стр. 6929
عدم إخلاص الولاء والبراء
السبب التاسع: عدم إخلاص الولاء والبراء: من هو ولينا؟ هو الله ، هو الذي كرمنا بهذه الرسالة ورفع رءوسنا بين الناس ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١] هذا نسب ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] والولاء لله .
والله يخبرنا من هم أولياؤه؟
وما هي مواصفاتهم؟
وما هي شهاداتهم؟
وما هي ألوانهم؟
يقول : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] مؤمن متقٍ، ثم اسكن في خيمة، أو في قصر، أو في بيت من طين، أو في عش، لكن كن ولياً لله، كن مصلياً صائماً صادقاً متجهاً إلى الله، فأنت ولي الله والله وليك، يقول : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ - ٥٦] وتفاجأ أحياناً يوم تجد بعض الناس يرافق رجلاً كافراً لا يصلي ولا يصوم، لماذا ترافقه؟
قال: صديقي.
قلت: أترافقه وتحبه وتأكل معه وتنام معه وهو كافر!؟
قال: زميلي في العمل وأنا إذا انفصلت عنه جرحت مشاعره!
سبحان الله! عدو لله وأنت تتولاه! بغيض إلى الله وأنت تحبه! متهتك في حدود الله وأنت تتقرب منه! يعني: ليس عندنا ولاء ولا براء.
كان السلف الصالح إذا ترك الرجل المسجد هجروه ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر﴾ ﴿بين المسلم والكافر ترك الصلاة﴾.
إلى عهد قريب كان في بعض المدن والقرى إذا ترك الرجل منهم الصلاة في المسجد حاسبوه، حتى يذكر أنه في ناحية من النواحي كان إمام المسجد يحضر الجماعة بعد صلاة الفجر، فلان حاضر، فلان حاضر، فأتى رجل فترك الفجر يوم جمعة فلم يصل معهم، فلقيه الإمام بعد الجمعة، قال: لم تصل معنا الفجر يا فلان اليوم، قال: والله أخبرني الجماعة أنكم لا تُحضِّرون يوم الجمعة، يعني: كأنه لم يحضر إلا للتحضير.
وفيها قصص طويلة، وكان فيها تعزير وتأديب، ولكن تفصمت المسألة حتى أن الإنسان يمر ببيت جاره ويراه ويصلي ويعود وهو في بيته ولا يقول: أف، بسبب موت القلوب، هذه هي الفتن.
التاسع -كما قلت- عدم إخلاص الولاء والبراء، حتى تجد الناس لا ينزلون بحسب إيمانهم، ولي الله ولو كانت وظيفته قليلة فالواجب أن يحترم ويقدر، لكن الناس الآن ينزلون بحسب مراتبهم في الدنيا، ولو كانوا أعداء الله يقدر لمنزلته لا لدينه، يعظم ويحترم ويصدر في المجلس بينما ولي الله يجلسونه آخر الناس، لأنه ليس لولائه ولا لحبه ولا لقدره قدر.
دخل مجموعة من الشباب على عمر بن عبد العزيز -والقصة مكررة، لكن أعرضها الآن لمعرفة الولاء وقيمة الناس- دخل عليه مجموعة من الشباب وعمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد مجدد القرن الأول كان يحكم اثنتين وعشرين دولة إسلامية بلا إله إلا الله، كان في بيت من طين، كان عمر بن عبد العزيز ليس عنده إلا ثوب يغسله يوم الجمعة ويبقى في فراشه حتى يجف الثوب، ثم يقوم ويخطب في الناس، كان ينادي: من عنده مظلمة؟
من الذي ظلم؟
يقول أحد ولاته: والله إني بحثت في الصدقة -يعني: الزكاة- في بيوت لعلي أجد فقيراً، والله لم أجد فقيراً، لقد أغنى الناس، كان يقول: أين المقعدون؟
أين الفقراء؟
ينادى كل جمعة أين طلبة العلم؟
ومع ذلك رزقه الله رزقاً حلالاً واسعاً في ميزانية الدولة الإسلامية في عهده حتى قالوا: إن الفضة والذهب تصبر صبراً في المسجد ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف:٩٦] وهذه بركات الله .
المقصود: دخل عليه مجموعة من الشباب، قال لأحدهم: من أنت؟ قال: أنا ابن الأمير في عهد عبد الملك بن مروان -عهد الخليفة السابق- فسكت، سواء ابن أمير أو غيره، والثاني قال: أنا ابن قائد الجيش في عهد الوليد بن عبد الملك، فسكت، قال للثالث: وأنت؟
قال: أنا ابن قتادة بن النعمان الصحابي في عهد الرسول ﵊ الذي ضربت عينه بالسيف فسالت عليه إلى خده، فردها ﵊ بيده، ثم قال الشاب:
أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أحسن الرد
فبكى عمر بن عبد العزيز والتفت إلى الشاب، قال: حياك الله.
تلك المكارم لا قعبان من لبنٍ شيبا بماءٍ فعادا بعد أبوالا
يقول: هذه المكارم، وهذه المواصفات والمؤهلات التي يفتخر بها الإنسان.
стр. 6930
استصغار الذنوب
السبب العاشر: استصغار الذنوب، إن استصغار الذنوب من علامة الفتنة والعياذ بالله! ذنوب كالجبال وتُستصغر، ولذلك تجد بعض الناس إذا حدثته عن ذنب، قال: هذا سهل وبسيط تحدثني عن هذا، وهل هذه قضيتنا؟ الأمر أسهل مما تتصور، والله غفور رحيم، وتجد أهل المعصية آمن الناس من الله، وأهل الطاعة أخوف الناس من الله.
يقول الحسن البصري عن النفاق: [[ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق]] كيف هذا؟
أي: لا يخاف من المعاصي والنفاق إلا المؤمنون، وأما الفجرة فهم يأمنون من النفاق حتى يزكي أحدهم نفسه.
الآن تارك الصلاة -مثلاً- تعال وقل له -والعياذ بالله-: فاسق، مع العلم أنه كافر، لأن من يترك الصلاة ليس فاسقاً فحسب عند أهل السنة والجماعة بل هو كافر خارج من الملة، وأفتى أهل العلم أنه لا يصلى عليه إذا مات، ولا يكفن، ولا يغسل، ولا يدفن في مقابر المسلمين، وأن زوجته تخرج من عصمته ولو لم يطلقها، ولا يجوز لها أن تبقى معه ما دام يترك الصلاة.
هو كافر ومع ذلك إذا قلت له: يا فاسق، ذابحك وقاتلك، ثم إذا ذكرت له تقصيره، قال: لا.
أنا والحمد لله لست مقصراً، ونحن في بلاد إسلامية، وأنت لو خرجت إلى بلاد الكفر، رأيت العجب العجاب نحن بخير، يعني: ما بقي إلا نحن لم نخلع الثياب، وهذا استصغار الذنوب والخطايا، حتى يوجد في بعض البلدان أنه ليس لك أن تتكلم -وهو صحيح هذا- يعني -مثلاً-: إذا ذهبت إلى بعض البلدان التي لا يصلون فيها هل لك أن تتكلم في حلق اللحى، أو في تقصير الثياب؟
هذه مسائلهم أصبحت وعمت وطمت، حتى المسائل التي تتحدث عنها عن الإيمان، بعض الشعوب العربية دخلت فيها الماركسية الكفر والإلحاد والاستهزاء بدين الله، بعض الجيوش العربية كانت تأخذ المصاحف وتمزقها بالأحذية وهو كتاب الله ، وقرأت في بعض المذكرات أن أحد المجرمين الكبار الملاحدة وهو عربي يقول لأحد الدعاة: اذهبوا به إلى الزنزانة، قال هذا الداعية: يا رب إني مغلوب فانتصر، قال: ربك لو نزل حبسته معك في الزنزانة، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤] هذا استصغار الذنوب ومجاهرة الله بالخطايا.
стр. 6931
نكوص العلماء عن قول الحق
السبب الحادي عشر: نكوص العلماء عن قول الحق: يعني: أن يسكت العلماء، وأن يخرس الدعاة، وألاَّ يتكلم أحد، يعني: قل الحق بسلامة، قل الحق بأسلوب، قل الحق بحكمة، لا أن تسكت ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:٦٣] فهذا سكوت أهل العلم أن يخرسوا ويسكتوا وألاَّ يتكلموا وألاَّ يبينوا للناس، يقول : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠] الآن من يحفظ حديثاً، أو آية، يجب عليه أن يبلغها بالحكمة كما سمعها، يقول ﵊: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ ويقول: ﴿نضر الله امرءاً سمع مني مقالة فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع﴾ إن مسألة نفسي نفسي ليست في الدنيا هي في الآخرة يقولها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أما في الدنيا فلا تقل نفسي نفسي، أنت والناس، أنت مسئول عن حيك، وعن جارك، وعن بيتك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] أما أن يسكت الناس بحجة أنهم لا دخل لهم بذنوب الناس، فهذا ليس بصحيح، يقول ﷺ في الصحيح: ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان﴾ والساكت عن الحق شيطان أخرس، ويوم سكت عن المعاصي استمرأها أهلها وتجرءوا عليها وأصبحوا يجاهرون بها مجاهرةً.
حدثنا بعض العلماء في الرياض: أن رجلاً كان يحمل مسجلاً جعل فيه شريط أغنية وخرج، وكان مفتي الديار الشيخ: محمد بن إبراهيم ﵀ موجوداً في الرياض، فأتى هذا يجاهر في السوق بهذه الأغنية نصحه الناس فما انتصح، فأخذه رجل من الهيئة وذهب به إلى الشيخ: محمد بن إبراهيم وأقيمت الدنيا وأقعدت وأخذ مسجله وأحرقه أمام الناس وكتب فيه تشهيراً، وقرئ بعد صلاة الجمعة، وعزر تعزيراً بالغاً.
الآن أصبح هذا الفعل نضحك منه، تمر بالشارع والأغاني من كل جهة وبالمحلات وبالسيارات، وأنت لا تستطيع أن تقول اترك الأغنية، لأنه تدخل في الحريات، الآن العلمانيون يقولون: ما لله لله وما لقيصر لقيصر، ويقولون: الدين مسألة شخصية لك أنت وحدك لا تتدخل في حريات الآخرين، ولا تجرح شعور الآخرين، والله يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
стр. 6932
طول الأمد في المعصية
السبب الثاني عشر: طول الأمد في المعصية: بعض الناس له سنوات في المعصية، ولا يريد أن يتوب، وبعضهم عنده خطط خمسية في المعاصي تقول له: تب إلى الله، قال: إذا تزوجت إن شاء الله، فيتزوج، تقول: ما لك لم تتب؟
قال: أحج وأتوب، فمن يوم إلى يوم حتى يلقى الله وهو عاصٍِ متهتك لحدود الله ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦] لا يعود ولا يتوب، ولا يدري متى يؤخذ، ولكن هكذا يستمر، وهذا موجود في الناس، فإن بعضهم يخطط للتوبة ويسوف فيها حتى يلقى الله وهو نادم خاسر والعياذ بالله!
طول الأمد يجعل على القلب راناً عليه من كثرة الذنوب والخطايا، ولذلك الشاب الذي في العشرين الهداية أسهل له من الشيخ العاصي الذي في الستين.
الرسول ﵊ استجاب له الشباب؛ لأنهم كانوا قريبين من الحق، لكن الكبار كـ أبي جهل والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف الذين ران عليهم الكفر والجاهلية، واشتعل في قلوبهم النفاق والإلحاد، رفضوا أن يستجيبوا له ﵊.
فألله الله في المبادرة في الشباب وصرفه في مرضاة الله ، وتمثل مدحه في الفتية: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ [الكهف:١٣].
شباب الحق للإسلام عودوا فأنتم فجره وبكم يسود
وأنتم سر نهضته قديماً وأنتم فجره الباهي الجديد
стр. 6933
التذبذب في المواقف
السبب الثالث عشر: التذبذب في المواقف، كيف يكون التذبذب في المواقف؟
إنه عدم معرفة المنهجية، يقول : ﴿لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣] مرة مستقيماً ومرة منحرفاً، فلا يدرى من أين هو، وهذا من علامة النفاق، وتجده لا يحمل منهج الله في قلبه، يرضي الناس بسخط الله، وفي الحديث عن عائشة ﵂ تقول: قال رسول الله ﵊: ﴿من أرضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أسخط الناس برضا الله، ﵁ وأرضى عليه الناس﴾ مثل ماذا؟
مثل: أنك تمزح وتستهزئ بالآيات، أو بالرسول، أو بالإسلام حتى تضحك جلساءك، هذا سخط لله وإرضاء للناس، فيسخط الله ويسخطهم عليك -ونعوذ بالله من الخذلان- قال : ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٤ - ١٥] والاستهزاء وإرضاء الناس بسخط الله ظاهرة منتشرة بين أهل النفاق.
كان مع الرسول ﵊ منافقون في تبوك، فجلسوا يسمرون في الليل، فيقول أحدهم: ما وجدنا كقرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أجبن عند اللقاء -يقصد الصحابة- يقول: كثرة أكل وجبن في اللقاء، فالله- أخبر رسوله بهذا فدعاهم ﷺ وأخبرهم أنهم خرجوا من الملة وكفروا بالدين وعارضوا الله، يقول : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] ويقول : ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩] وللآية قصة:
جاء رجل من المؤمنين بصدقة كثيرة عند الرسول ﵊ ألوف من المال فوضعها أمامه، فتغامز المنافقون في المسجد -انظر في المسجد يصلون، يقول : ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢]- فتغامزوا في المسجد، قالوا: صاحب هذا المال ما أراد إلا رياء وسمعة، وجاء رجل من المؤمنين بحفنة من التمر صدقة فوضعها في المسجد، فقالوا: ماذا تغني هذه الحفنة عن جيش كامل يجهزه الرسول ﷺ ؟! فالله قال: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة:٧٩].
يقول : ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٤ - ١٥].
العرب كانت تحب الصراحة، وتكره المجاملة والنفاق ولو في الجاهلية، يقول أحدهم:
فإما أن تكون أخي بصدقٍ فأعرف منك غثي من سميني
وإلا فاطرحني واتخذني عدواً أتقيك وتتقيني
فإني لو تخالفني شمالي ببغضٍ ما وصلت بها يميني
إذاً لقطعتها ولقلت بيني كذلك أجتوي من يجتويني
стр. 6934
نسيان ذكر الله
السبب الرابع عشر: نسيان ذكر الله : يقول سبحانه عن بني إسرائيل وعن أمثالهم: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ [الأنعام:٩١] يعني: الشريعة تجعلونها قراطيس، فالمصحف أصبح عندنا أو عند الكثير مثل القراطيس، مظاهر فقط.
القرآن -يا أيها الإخوة الكرام- ما أنزل إلا ليعمل به، ما أنزل إلا ليحكم به ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] القرآن ليس رقى فقط للمصاريع إذا صرع علينا مصروع فيه جان نقرأ عليه فقط، أو يقرأ في حفلات الزواج مثلما يفعل بعض الناس، أو على الأموات.
القرآن للحياة، والعجب أن يترك على الرف وأن يهجر، وأن يستبدل به غيره، هذا من الخزي والعار والشنار والله المستعان.
يقول سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٤ - ٤٥].
نسيان الذكر عقوبة يعاقب بها الله من شاء من عباده لانحرافهم عن منهجه .
стр. 6935
تقديم الدنيا على الآخرة
السبب الخامس عشر: تقديم الدنيا على الآخرة: يقول ﵊: ﴿والذي نفسي بيده ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فتتنافسوا فيها، فتهلككم كما أهلكت الذين من قبلكم﴾ ووالله لقد وقع هذا، هل سمعت بالجدال والشجار بين الأرحام إلا يوم فتحت الدنيا؟
هل كان الرحم يجلس مع رحمه والصهر مع صهره والجار مع جاره بين يدي القاضي في مشكلة قبل أن تفتح الدنيا؟
هل كان الناس يتجادلون على الأراضي وعلى الأموال، وعلى خصومات السيارات، وعلى المعارض، وعلى الدنيا إلا يوم فتحت الدنيا؟
نعرف ونحن شباب أن الناس قبل عشرات السنوات كانوا أصفياء أحباء يجتمعون في بيت واحد ويجتمعون على سمر، وعلى حب ويتزاورون، فلما فتح الله عليهم الدنيا تهالكوا، لم يكن عندهم أراض، كان الإنسان عنده بيت وعنده دابة -حمار- وبقرة وثور، ويذهب في الصباح يحرث في مزرعته، ويأتي في المساء ويجلس مع جيرانه سمر وحب وصفاء ومزاح ووداد وزيارات وإخاء، فلما فتح الله عليهم بقطع الأراضي والأموال، تذابحوا وتناحروا، وسجن الكثير منهم، وتقاطعوا في الأرحام، وجلسوا في المشكلات.
مررنا بقرية من قرى الجنوب، وقال لنا أحد الناس في القرية: والله إن صاحب هذا البيت وهذا ما بينهم إلا خط مزفلت لا يسلم على أخيه شقيقه من عشرين سنة، بسبب قطعة أرض.
أين الإيمان؟
أين معنى الصلاة؟
أين معنى الخوف من الله؟
بعضهم -أقولها صراحة- يقول: والله لقد هممت أن أذبح فلاناً، لماذا؟ قال: لمزارع أخذها علي حسيبه الله، تجد المزارع ليست له ولا لذاك، لكن يخطط أن يغتاله في سبيل الله!!
أسد علي وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر
لذلك الفقر لا يُخاف منه، إنما يُخاف من الغنى.
والتشاحن لم يأت إلا من انفتاح الدنيا، حتى كلام الناس أصبح في الدنيا إذا دخلت المجالس الآن، أصبح التكلم عن الأسعار، حتى أصبح الناس الآن مع أسعار البترول، يعني: الأزمة الآن رفعت سعر البرميل، فأصبح حتى الذي لا يعرف أن يقرأ الفاتحة يلاحق سعر البرميل بسبب تعلق الناس بالدنيا وعدم تعلقهم بما يقربهم من الله , وإلا فلن يموت أحد جوعاً ما دام رزق الله وافراً، ولكننا نخاف -والله- من الدنيا أن تشتت فيما بيننا كما حدث، ونعوذ بالله من الخذلان والنكوص على الأعقاب.
يقول : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ [النحل:١٠٧] أحبوا الدنيا على الآخرة، تجد الشيخ في السبعين من عمره لا زال يبني ويراقب البنائين ويقف بنفسه على حسن العمارة وحسن الصياغة كأنه يعيش بعد السبعين سبعين أخرى، فماذا قدم للآخرة؟
أنا رأيت في صحيفة مقابلة مع شيخ عمره (١٢٥سنة) من قرية من القرى ربما رأيتموها ماذا قدم هذا لعمره؟
سألوه: تزوج أكثر من ثلاثين امرأة، ما الفائدة؟
وعنده أبناء كثير، لكن لم يسألوه عن الدين، كم تصلي من النوافل؟
كم تذكر الله ؟
ما هو عملك اليومي؟
هل استفدت شيئاً من تجاربك في طول الحياة؟
ما هو الفرق بين الصُّفَّة التي عشتها فيها وهذه الصُّفَّة؟
الشكر لنعم الله ؟
كيف حالة الفقر الذي عشته وهذه الحالة؟
كيف الناس الذين عاهدتهم وهؤلاء الناس؟
هذه هي الأسئلة، أما أن تسأله ماذا يفطر في الصباح؟
يفطر بخبزه في الصباح فيها ثلاثة كيلو بر ويقول: لا يأكل من هذه المعلبات شيئاً لا من الصلصلة ولا شيء، ولذلك يقول: عظمي كالحجر ولا زال يصعد الجبل، هذا طيب، لكن ما هي الدروس والعبر من (١٢٥سنة).
ابن تيمية عمره ٦٣سنة قدم للأمة أكثر من ٣٠٠ مجلد، قدم للأمة دمه، قدم للأمة علمه، وكثير من الناس ما هو ذكره؟
عبادته؟ صلاته؟ صلاحه؟ أثره في المجتمع؟ إصلاحه بين الناس؟
هذا هو الصحيح.
يقول : ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ [الإنسان:٢٧] واليوم الثقيل هو: الآخرة.
فنحن أحببنا -صراحة لا يسلم من هذا أحد- الدنيا ورسخت في أذاهننا واستولت بحديثها على مجالسنا، وأصبحنا نخاف.
لما جاءت فتنة الخليج هذه هرع الناس إلى الأسواق، إلى الرز والسكر وكدسوها في المخازن كأنهم لا يموتون، ونحن - الحمد لله- من أكثر الشعوب منافذ على البحر من كل جهة.
والأمر الثاني -كما قيل-: لن تأكل أنت وجارك جائع، إذا قامت المشكلة أصبح الناس سواسية.
والأمر الثالث: أين الثقة بموعود الله- ؟ والواجب أنا نكدس للآخرة من العمل الصالح كما كدسنا للدنيا.
следующие страницы →