← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

حال السلف وحال الخلف في العبادة الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً، وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً. والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً؛ بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً؛ أمَّا بَعْد: أيها الناس! فقد أُثر عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أن المار إذا مر بهم في السحر سمع لبيوتهم دوياً كدويِّ النحل من البكاء، ومن قراءة القرآن، والدعاء، هذا في مدينة الرسول ﵊؛ دعاءٌ، وبكاءٌ، ومناجاةٌ وقت السحر، فما هو حالنا مع حالهم، وكيف نعيش بالنسبة إليهم. إن تلك التلاوة، وذاك الدعاء، وذاك البكاء من خشية الله أبدل في البيوت -إلا في بيت من رحم الله- بالغناء والموسيقى والعود والوتر. روى ابن أبي حاتم ﴿: أنه ﷺ كان يمر في ظلام الليل يتفقد أصحابه -كيف كانوا يصلون؟! كيف كانوا يدعون؟! كيف كانوا يبكون؟! - فسمع عجوزاً تقرأ من وراء الباب وتبكي -عجوز مسنة، طاعنة في السنة- تقرأ قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] وهي تبكي، وتعيد الآية، وتقول: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] فوضع رأسه على الباب ويردد معها نعم أتاني، نعم أتاني﴾ هذه وهي عجوز، فأين شباب الأمة؟! أين أهل القوة والعضلات؟! أين أهل البروز والإجادة؟! إن القوي هو القوي في طاعة الله، وإن المفلح الناجي هو الناجي المفلح في طاعة الله، وإن المتقدم هو المتقدم في طاعة الله. إذا علم هذا فإنه ﷺ في جانب الذكر؛ كان أكثر الناس ذكراً لله ﵎؛ نفسه ذكر لله، وفتواه ذكر، وخطبه ذكر، وكلامه وليله ونهاره وحركاته وسكناته ذكر لله ﵎.

стр. 7037

دعاء النبي ﷺ في السحر قال ابن عباس: ﴿نمت عند رسول الله ﷺ فاستيقظ من الليل -في قصة طويلة، الشاهد فيها- قال: فتوضأ ثم أتى إلى القبلة وهو يتسوك ويقول: لا إله إلا الله، اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت فاطر السموات والأرض ومن فيهن، أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن، أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، والجنة حق، والنار حق، والنبيُّون حق، ومحمد ﷺ حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت؛ فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت﴾. هل سمعتم بعد كلام الله أحسن من هذا الكلام؟! ما أجمل وقت السحر! يوم تناجي الله، يوم يتنزل إلى السماء الدنيا، فيقول: ﴿هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفرٍ فأغفر له، هل من داعٍ فأجيبه﴾. يقول محمد إقبال؛ الشاعر المشهور: يا ربِّ! لا تحرمني أنة السحر، يا ربِّ! اجعلني من البكَّائين الخاشعين لك في السحر، يا ربِّ إذا أحرمتني جلسة السحر فإن قلبي يقسو فلن يلينه أي شيء.

стр. 7038

الرسول ﷺ هو القدوة عباد الله: هذا هو الرسول ﵊ في عبادته؛ في صلاته وصيامه، في قراءته وذكره، وهو أسوتكم، وهو قائدكم إلى الجنة، ونجاتكم مرهونة باتباعه، وأخذكم وسيركم إذا لم يكن على سيرته وسنته؛ فهو الهلاك والدمار، والعار، والنار في الدنيا والآخرة ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. فيا من أراد الجنة! يا من أراد النجاة، يا من أراد الفلاح! يا من أراد الخير والعدل والسلام! والله ليس لك قدوة؛ لا زعيم، ولا ملك، ولا مصلحٌ، ولا إمامٌ، ولا هادٍ ولا منقذ، ولا مكتشف إلا رسول الله بعد الله. عباد الله: صلوا وسلموا على من عطرنا المجلس بذكره، ﷺ ، فقد أمركم الله بذلك؛ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلَّى عليَّ صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين! اللهم ارض عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسانك إلى يوم الدين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا. اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم ردهم إليك رداً جميلاً، اللهم كفِّر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم، وأخرجهم من الظلمات إلى النور يا رب العالمين! اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، ولرفع رايتك. اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان وفي فلسطين، وفي كل بقعة من بلادك يا رب العالمين! اللهم ثبت أقدامهم، وأنزل السكينة عليهم، واكتب لهم النصر يا رب العالمين! ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 7039

وقفة مع معاذ بن جبل العلماء هم ورثة الأنبياء، وفي سيرهم وحياتهم تجد المواعظ؛ لأنهم إنما يقتفون نهج النبي ﷺ . وفي هذا الدرس المبارك وقفات مع سيرة عظيم من عظماء الصحابة؛ بل إمام العلماء يوم القيامة، إنه معاذ بن جبل ﵁.

стр. 7040

مبدأ تاريخ الأمة الحمد لله القائل: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧]. وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، شهادة أدخرها ليوم الدين: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] وأصلي وأسلم على رسول البشرية ومعلم الإنسانية، وهادم كيان الوثنية، ﷺ ، يقول: ﴿ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع -ثم يقول:- الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً -أي: هدفاً للسباب والشتام- فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد أذاني، ومن أذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله أخذه ثم لا يفلته ﴾ وعلى آله وصحبه كلما لمع نجم ولاح، وكلما غرد حمام وناح، وعلى من سار على هديه إلى يوم الدين. أمَّا بَعْد: أيها المسلمون! فإننا نسير ونعيش مع سيرة المصطفى ﷺ ، نأخذ حلول مشاكلنا وقضايانا من تلك السيرة، واليوم نعيش مع نجم من أولئك النجوم، فأصحاب محمد ﷺ كلهم نجوم. من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري ، والذين يقولون من القوميين ودعاة التضليل والتبعية والضلالة إن تاريخنا يبدأ من الجاهلية فقد كذبوا على الله، بل تاريخنا يبدأ من بداية دعوة محمد ﷺ . تاريخنا من رسول الله مبدؤه فما عداه فلا ذكر ولا شان

стр. 7041

حب النبي ﷺ لمعاذ صاحبنا هذا اليوم هو معاذ بن جبل ﵁ وأرضاه: فالسلام عليك يا معاذ بن جبل، السلام عليك يوم ولدت ويوم أسلمت ويوم مُتّ ويوم تبعث حياً، السلام عليك يوم دعوت إلى الله في اليمن، فأسلم معك أهل اليمن، واستضاءوا بنورك. عرف معاذ محمداً ﷺ فأحبه كل الحب، والرسول ﷺ كان يستأسر الأرواح بالحب لا بالسوط أو السيف، أرأيتم المغناطيس كيف يجر الحديد، إنه حب أدهى من ذلك وأعلى. ما بنى جملة من اللفظ إلا وابتنى اللفظ أمة من عفاء يخرج ﷺ فيشبك يده الطاهرة الشريفة التي ما سفكت دماً ولا عاثت بمال حرام، ولا مست جسماً مشبوهاً ولا خانت عهداً ولا خاست بوثيقة، يشبكها في يد معاذ ﵁، ويقول: ﴿يا معاذ! والذي نفسي بيده إني لأحبك، لا تدع في دبر كل صلاة إلا تقول: اللهم أعني على ذكرك شكرك وحسن عبادتك﴾ يا لروعة الكلام! فأخذها معاذ ﵁ وأرضاه ليقولها دائماً، وإذا لم يعنك الله ويساعدك على العبادة، فلا عبادة ولا قوة ولا هداية لك، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤] ولذلك يقول ﵊ مادحاً معاذاً ﵁: ﴿أعلم أمتي بالحلال والحرم معاذ﴾ ويقول فيه: ﴿يأتي معاذ ﵁ يوم القيامة أمام العلماء برمية حجر﴾ حسناته فائضة، وقد كان ذكياً يعرف من أين يحفظ، ومن أين يبدأ وإلى أين سينتهي.

стр. 7042

دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني عن النار سافر مع الرسول ﷺ وكان رديفاً للرسول ﷺ ، فسأله سؤالاً هو أعظم سؤالٍ في تاريخ الإنسانية، قال: يا رسول الله! المسألة إليك، هل يسأله إمارة أن يؤمره، أو يسأله منصباً أو أرضاً يحييها، وقد أحيينا الأراضي وأمتنا القلوب، أمتنا قلوبنا فما أحييناها، ودمرنا بيوتنا فما ربيناها وما علمناها، ما تركنا شعباً إلا وأقمنا فيه قصوراً وبيوتاً، وتركنا قلوبنا وما أقمنا فيها لا إله إلا الله، قال ﷺ : ﴿سل ما بدا لك، قال: دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار﴾ هكذا يسأل العظماء، والذين يريدون الله والدار الآخرة فيجيبهم ﷺ ، قال: ﴿لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال: والصوم جنه -أي: وقاية من النار- والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل ثم تلا ﷺ قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] ثم قال ﷺ : ألا أدلك يا معاذ على ملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: كف عليك هذا، وأخذ بلسان نفسه، فقلت: يا رسول الله! أئنا لمؤاخذون بما نتكلم به، قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم أو على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم﴾ وصية جامعة مانعة فحفظها معاذ ﵁، فكانت في ذهنه دائماً، ولذلك قدم لنا معاذ أعظم حديث في العقيدة، يقول: ﴿كنت ردف رسول الله ﷺ على حمار﴾ ويا للأعجوبة! محمد ﷺ من علم الإنسان، وأيقظ الإنسان، ورباه يركب حماراً، ويردف معه معاذاً. يقول ﷺ : ﴿يا معاذ! قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله، قال: أتدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم -انظر إلى الأدب وعدم التدخل، وانظروا إلى السكينة والوقار والتثبت مع معلم البشرية- فقال: يا معاذ! حق الله على العباد، أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم مضى قليلاً، وقال: يا معاذ أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقهم إذا فعلوا ذلك ألا يعذبهم﴾ ونقلها معاذ ﵁ عند موته يوم صارعه الموت، يوم ازدحمت الزهقات عند حلقة، أداها للأمة لكي لا يموت وفي صدره حديث ما بلغه للأمة.

стр. 7043

معاذ وأهل اليمن وأتى أهل اليمن، فقال ﷺ : ﴿أتاكم أهل اليمن هم أرق قلوباً وألين أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة يمانية﴾ فطلبوا المعلم يعلمهم كتاب الله، وشرعه ورسالته أتدرون من يختار؟ ومن يرشح على هذه الأمة؟ جمع رسول الله ﷺ أصحابه واستقرأ في نفوسهم اليقظة والعلم وكمال الاهتمام، ومن يقوم بهذه المهمة، فقال: ﴿يا معاذ! قم واذهب مع أهل اليمن داعية ومعلماً، وقال له: يا معاذ! لعلك لا تراني بعد اليوم إلا عند الله، فبكى معاذ ﵁، وارتفع بكاؤه -وحق له أن يبكي- عند ساعة الفراق، فقال ﷺ : يا معاذ! لا تبكِ، ولا تجزع فإن الجزع من الشيطان، ثم قال له: أوصيك يا معاذ! أن تتقي الله، وتذكر الله عند كل شجر وحجر ومدر، ثم قال له: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن﴾ فأخذها معاذ وهو يبكي؛ وصية ما سمع التاريخ ولا سمعت الدنيا بمثلها: ﴿اتق الله حيثما كنت﴾ في أي مكان كنت وتحت أي سقف وجدت، وفي أي مكان عشت، لأن الله معك، قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة:٧] فاتق الله حيثما كنت. وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني إذا كانت النفس داعية إلى أن تقتحم حدود الله وتنتهك حرمات الله، فاستحي من نظر الإله وقل لها: إن الذي خلق الظلام يراني، ولذلك يقول سليمان ﵇: تعلمنا مما تعلم الناس، ومما لم يتعلم الناس، فلم نجد كتقوى الله . وانطلق معاذ مع أهل اليمن، وقبل أن ينطلق قال له ﷺ : ﴿يا معاذ! ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك، فأخبرهم أن الله كتب عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوك لذلك، فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاه تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم﴾ هكذا تدرج الداعية، وهكذا تبليغ الناس، الأولويات فالأولويات، والقضايا الكبرى فالكبرى، ولا ينفع الإسلام أو الدعوة الإسلامية أن تطرح للناس جملة، بل نقطة نقطة، فإن هم حققوها فلتأتِ الثانية. أما الدعاة الذين يريدون أن يسلم الناس في يوم واحد، وأن يتمثل الإسلام في يوم واحد، فإنهم سوف يخفقون ولو طالت بهم الأعمار، التفت ﵁ إلى المدينة، وتذكر قول الرسول ﷺ ، لعلك لا تراني بعد هذا اليوم إلا عند الله ﵎؛ فبكى على تلال المدينة وهو يودع طيبة الطيبة، وينظر إليها: أقول لصاحبي والدمع جار وأيدي العيس تخدي بالرمال تمتع من شميم عرار نجد وهل بعد العشية من عرار وذهب ﵁ وأرضاه، واستقبلوه هناك في اليمن فعلمهم علماً جما، تواضع لهم وخالقهم فكسب قلوبهم، ورأوا فيه الزاهد والعابد، والقانت الأواب، فأحبوه أكثر من أطفالهم، وأكثر من أرواحهم التي بين جنوبهم.

стр. 7044

معاذ في ولاية الصديق ﵄ وتولى أبو بكر ﵁ بعد رسول الله ﷺ وسمع معاذ وهو في اليمن بأعظم مصيبة في تاريخ الإنسان: وإذا دهتك من الأمور بلية فاذكر مصابك بالنبي محمد فعاد ووصل إلى المدينة، وعانق أبا بكر، وأبو بكر قد تولى شئون الأمة، وأعلن سياسة حكومته الجديدة على الكتاب والسنة، فبكى أبو بكر ومعاذ وقال أبو بكر: [[تخلفنا -يا معاذ - بعد رسول الله لتلعب بنا الشياطين، فأخذ معاذ يقول: لم تلعب بك الشياطين ومعك كتاب الله]] وذهبا إلى فاروق الإسلام، فقال الفاروق عمر بن الخطاب: أتيت لأحاسبك على رواتبك التي أخذت في فترة الرسول ﷺ ، فقال: والله ما أخذت من أموالكم درهماً ولا ديناراً وأنت لست الخليفة إنما هو أبو بكر، قال: أنا أبو بكر وهو أنا، كلنا في الحق سواء، فقال معاذ: لن أدفع لك شيئاً، والله ما أخذت إلا من تجارة حلال، ونام معاذ ﵁، ورأى كأن بحراً هائجاً أمامه، ويرى أنه يكاد يغرق فيه، وإذا بـ عمر يجره ﵁ وأرضاه، فيأتي إلى عمر في الصباح ويبكي ويقول: يا أخي! رأيت في المنام بحراً كدت أن أغرق فيه، وإذا أنت ممسك بيدي، فاذهب معي إلى أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ ليحاسبنا على هذا المال، وذهبا جميعاً فقال أبو بكر: غفر الله لك يا عمر! وغفر الله لك يا معاذ! والله لا آخذ منك درهماً واحداً ولا ديناراً، فطابت نفس معاذ، وما كان أبو بكر ليترك درهماً واحداً؛ لأن هذا الدين بني على الحق والعدالة، ساعة تعملها تأخذ أجرها، وساعة لا تعملها فلا حق لك، لن تداجيك داجية، لا على الله ولا على ولاة الأمور أن تصرف في غير استحقاقها، وتسجل بأوراق زور ثم تسحب هذه الأموال في امتدادات، وهي في غير امتدادات وهي كاذبة خاسرة، ولا دوام هناك إضافي، إنما ما عملته أخذت أجره، ليكسبك الله كسباً وفيراً، الحلال المبارك، فتأكل حلالاً، وتشرب حلالا وتغذي أبناءك بالحلال، أما أن تقيم بيتك على الكذب والزور فهذا ليس في شرع الله، فسامحه أبو بكر وما كان له أن يتخلى عن درهم واحد، ورضي معاذ ﵁ بكسبه، واستمرت الحياة به ﵁ وأرضاه، يعلم الناس بلطف وأناة ووقار وكان يتذكر في يومه وليلته الموت، كلما تذكر الموت نسي جلاسه الذين حوله يقول: [[والله إني أتذكر الموت فيموت كل عضو مني مكانه]].

стр. 7045

إيمان معاذ قال الرسول ﷺ لـ معاذ في ذات يوم: ﴿كيف أصبحت يا معاذ! قال: أصبحت مؤمناً حقاً يا رسول الله! قال: إن لكل قول حقيقة، فما حقيقة إيمانك، قال: والله ما خطوت خطوة إلا وكأن الموت يصرعني قبلها، والله ما أصبحت وأنا أنتظر المساء، وما أمسيت وأنا أنتظر الصباح، وكأني بعرش الرحمن بارز على رءوس الناس يوم القيامة، وكأني بكل أمة جاثية، كل أمة تدعى إلى كتابها، وكأني بأهل النار في النار يعذبون، فدمعت عيناه ﷺ وقال: عرفت فالزم﴾ هذا هو التوحيد والإيمان، أن تتذكر الله إن كنت أستاذاً في فصلك، وتعلم أن صبية الإسلام وأطفاله وقلوب أهل الإسلام على الكراسي بين يديك، فاتق الله فيهم، وأن تتذكر الله وأنت موظف على كرسيك، وتتذكر لقاء الله والحشر بين يدي الله، والعرض عند الميزان والصراط فتخلص في عملك، وتتذكر الله وأنت قاضٍ تحكم في الدماء والأموال والبيوت، تتقي الله وتخاف الله فيكون أخوف عندك من كل شيء، وتتذكر الله وأنت جالس في دكانك في سوقك، فلا تغش ولا تخون، ولا تخادع، ولا تماكس ولا تناجش؛ فإنما الله نصب عينيك، هكذا كانوا يعيشون أيها المسلمون. يا أحبابنا في الله: ويا أخوتنا في الله! لما تركنا الاستضاءة بنور حياتهم؛ أصابتنا البلايا والأمراض والأخطاء في مجتمعاتنا، عدل القاضي عن الطريق المستقيم، ولم يوف الموظف حقه، ولم يخلص المدرس في فصله، ولم يؤتمن التاجر، فوقعت البلايا، يقول عمر ﵁: ولاني أبو بكر قضاء المسلمين في المدينة سنة كاملة، ووالله ما أتاني رجلان يتقاضيان، كلٌّ عرف الحق، وكلٌّ أبصر الطريق، فهذا هو معاذ بن جبل الذي يقول فيه ابن مسعود ﵁: [[إن معاذاً كان أمة قانتاً لله حنيفاً، ولم يكن من المشركين، شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم]]. فيا أخوة الإسلام: من مثل معاذ نتعلم الزهد والأدب، ونتعلم الحياة الإسلامية الحقة. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

стр. 7046

وفاة معاذ ﵁ الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين. أمَّا بَعْد: فيواصل معاذ ﵁ رحلة الحياة رحلة العبادة والزهد، والعمل الصالح رحلة أن يريد الله وما عند الله، ولما أتت معركة اليرموك يوم كتب الله أن ننتصر من بغاة البشرية، وأن نزعزع أصنام الوثنية، ونمحق طغاة الأرض، سار أجدادنا من الصحابة ومعهم معاذ بن جبل، ووقفوا في الصفين، صف يقول: لا إله إلا الله، ولا حكم إلا لله، ولا شريعة في الأرض إلا لله ، وصف يدعي الوثنية والإشراك برب البرية ، وكان معاذ في المقاتلين؛ لأن أبا بكر ﵁ دفع بكل من عنده ليواجه الروم، دفع بالعلماء في خضم المعركة، وقاد الأبطال إلى النزال، ودفع بالأدباء كذلك؛ لأنه يريد أن تكون المعركة عسكرية، وإعلامية، وعلمية، وفكرية، وأدبية، وقام معاذ ﵁ قبل أن تبدأ المعركة، وتلا سورة الأنفال بصوته المبكي الحزين، فبكى الناس، وقال: أيها المسلمون: اصدقوا الله هذا اليوم، فوالذي نفسي بيده، لقد تجلى الله لكم وقد فتح لكم جنات عرضها السماوات والأرض، وبدأت المعركة وانتصر عباد الله الموحدون، وعاد ﵁ إلى مسجده في دمشق يعلم الناس ويؤدب الناس، وينشر العلم ويعطي مما أعطاه الله. فلما أتته الوفاة، وكان سبب وفاته أن الطاعون أصاب الناس وانتشر فيهم، فوقع في يده اليمنى كالدرهم، وعمره ثلاث وثلاثون سنة صرفها في ذات الله، كلها علم ودعوة وإخلاص وإنابة، فيصيبه الطاعون كالدرهم في يمينه، فيخرج إلى الناس فيرفع يده ويقول: اللهم إنك تبارك في القليل وتكبر الصغير، اللهم بارك في هذا الجرح، اللهم ارزقني شهادة بالطاعون، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿الطاعون شهادة لكل مسلم﴾ فعاد إلى بيته، ومضت هذه القرحة تلتهم جسمه، وهو يبتسم ويرضى بقضاء الله؛ لأن الحب في الله إذا كمن في القلب فلله أن يفعل بالجسم ما شاء، ويحكم ما يريد، فهو طبيب الإنسان. كيف أشكو إلى طبيبي ما بي والذي قد أصابني من طبيبي وفي الصباح قال لابنته الخيرة البارة: اخرجي فانظري هل طلع الفجر، فنظرت فقالت: لم يطلع بعد، فعاد فاستغفر الله كثيراً وقال: اللهم إني أعوذ بك من صباح إلى النار، ثم قال: يا بنية! اخرجي فانظري هل طلع الفجر، فنظرت فقالت: طلع الفجر، فصلى في مكانه، ثم التفت إلى زوجته وأبنائه، ثم قال: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، ثم رفع طرفه إلى السماء وقال: اللهم إنك كنت تعلم أني لم أحب الحياة لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، ولا لعمارة الدور، ولا لرفع القصور، وإنما كنت أحب الحياة لظمأ الهواجر، أن أظمأ في سبيلك في يوم حار، يوم يشرب الناس، فلا أشرب لأصوم، ويوم يأكل الناس فلا أكل، ويوم يرتاح الناس فلا أرتاح؛ لأرتاح هناك في موقف يحضره الله ويحكم فيه، ثم يقول: اللهم إنك تعلم أني أحب الحياة لظمأ الهواجر، ولقيام الليل، ولمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر، ثم قال للموت: مرحباً بك، حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، غداً ألقى الحبيب محمداً ﷺ ، وذهب معاذ إلى الله، إلى الدار التي بناها في الحياة، إلى القيعان التي غرسها بالعلم والفكر والجهاد:- لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها أين الملوك التي كانت مسلطنة حتى سقاها بكأس الموت ساقيها فاعمل لدار غداً رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن بانيها قصورها ذهب والمسك تربتها والزعفران حشيش نابت فيها فيا من يريد الله والدار الآخرة: اعمل كعمل معاذ واذهب إلى طريق معاذ يوم أن تأتي الله مجرداً بلا منصب ولا وظيفة، بلا مال ولا ولد، بلا جاه ولا مهور، بلا بيوت ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤]. عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، وانصر المجاهدين في سبيلك يا الله.

стр. 7047

الباحث عن الحقيقة من أعجب القصص التي وردت في دواوين السنة قصة إسلام أبي ذر، فقد كان هذا الصحابي في أول أمره حنيفياً وما كان يسجد للأصنام، فلما سمع بمبعث الرسول ﷺ أرسل أخاه ليستفهم له عن الخبر فلم يشفه، فذهب بنفسه ولقي الرسول ﷺ وأسلم، ثم عاد إلىأخيه وأمه فأسلما، ثم إلى قبيلته غفار فأسلمت، ثم إلى قبيلة أسلم فأسلمت. وفي غزوة تبوك يتأخر به جمله ثم يلحق بالنبي ﷺ ماشياً فلما رآه النبي ﷺ قال: يرحم الله أبا ذر يعيش وحده ويموت وحده ويحشر وحده.

стр. 7048

حياة أبي ذر في الإسلام الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً، وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشرف الصلاة وأتم التسليم على البشير النذير. من هو الباحث عن الحقيقة؟ إنه الذي يقصده الشاعر المسلم وهو يتكلم عن هذا الرجل الذي سوف أتكلم عنه هذا اليوم وهو يقول: أركبوني نزلت أركب عزمي أنزلوني ركبت في الحق نفسا أطرد الموت مقدماً فيولي والمنايا أجتاحها وهي نعسى قد بكت غربتي الرمال وقالت يا أبا ذر لا تخف وتأسا قال لا خوف لم أزل في شباب من يقيني ما مت حتى أدسا إذاًَ هو أبو ذر الغفاري ﵁ رضواناً يلحق به في جنات النعيم- كان يسكن البادية معه جمله وغنمه، يضرب في صحراء الدهناء وسط جزيرة العرب، لم يقرأ حرفا، ً ولم يقتن كتاباً، ولم يحمل قلما، ً ولكن الله إذا أراد أن يهدي هدى، وإذا أراد أن يضل أضل، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وصرخ ﵊ بـ"لا إله إلا الله محمد رسول الله" وأبو لهب وأبو طالب عند الصفا لكن ما سمعوا قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤]. ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣].

стр. 7049

أبو ذر يرسل أخاه إلى مكة رفضوا الهداية أما أبو ذر فسمع أن في مكة رجلاً يدعي النبوة، فقال لأخيه أنيس: [[اذهب إلى هذا الرجل، وائتني منه بخبر]]. فركب أنيس إلى رسول الله ﵊، والتقته الدعاية المغرضة وتشويه السمعة على أشراف مكة، قالوا: يا أنيس! هذا كذاب ساحر مفترٍ على الله، مجنون، فرجع وسمع الدعاية الباطلة، والتشويه، وقال لأخيه: لا عليك، رجل كذاب مجنون ساحر كاهن. قال أبو ذر: والله، لأذهبن أنا بنفسي إليه؛ فعليك بأهلي ومالي، وركب ناقته واخترق الحجب ليصل إلى معلم الخير مباشرة ليرى وجهه، وليسمع كلامه، ولتقع نبراته الصادقة في قلب أبي ذر، وليجري كلام محمد ﵊ في دم أبي ذر قطرة قطرة.

стр. 7050

أبو ذر يقابل النبي ﷺ ووصل مكة، فلقيه علي بن أبي طالب الشاب المتوقد الذي نشأ على معالم لا إله إلا الله. قال أبو ذر: [[أين الرجل الصابئ؟ قال: أتريد محمداً؟ قال: نعم. ولكني جائع -أتى من الصحراء وهو جائع لم يأكل منذ ليالٍ يريد قبل أن يلقى معلم الخير المعصوم أن يأكل أكلاً- قال: تعال إلى أبي بكر الصديق ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٨ - ٢١]. فأدخله أبو بكر، وأطعمه من زبيب وخبزٍ، ثم أخذه علي بن أبي طالب قال: يا أبا ذر! كن معي فإذا كنت في الحرم ورأيت الرسول ﷺ فسأتظاهر بإصلاح نعلي -هذا خوف من المشركين- فإذا رأيتني وقفت فهو الرجل الذي أمامك فنزل، وكان ﵊ كالقمر ليلة أربعة عشر لا يختفي، ومن رآه أحبه، ومن سمع كلامه صدقه، ومن صاحبه ائتمنه. يقول ابن رواحة: لو لم تكن فيه آيات مبينة لكان منظره ينبيك بالخبر فوقف علي يصلح نعله؛ فعرف أبو ذر وجه المصطفى ﵊، واقترب منه ليحييه بتحية الجاهلية فقال: عم صباحاً يا أخا العرب، قال ﵊: ﴿إن الله أبدلني تحية خيراً من تحيتك، قل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ورحب به عليه الصلاة السلام وأجلسه﴾. الأسئلة الساخنة تبدأ، والحوار الجريء يبدأ، وتطرح بين المعلم والتلميذ وبين الشيخ والطالب قال أبو ذر: من أنت؟ قال: أنا رسول الله، قال: من أرسلك؟ قال: الله الذي إذا كنت في سنة مجدبة فدعوته أمطر عليك، والذي إذا ظلت راحلتك في الصحراء ودعوته، ردها عليك -يكلمه من دفتره، من بيئته: الناقة، السنة المجدبة، الصحراء- قال: بم أرسلك الله؟ قال: أرسلني بالصلاة، والصدق، والعفاف، وصلة الرحم، وبر الوالدين، والنهي عن عبادة الأصنام والأوثان. قال أبو ذر: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، والله لأقومنّ بها عند الصفا، قال ﵊: لا. اذهب إلى أهلك ولا تخبر أحداً، فإذا سمعت أن الله أظهرني وسوف يظهرني، فتعال بأهلك، قال: والله لأقومن عند الصفا، فوقف وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله فانهال عليه سكان الحرم بالحجارة من كل جانب حتى وقع مغمياً عليه يرش ثوبه بالدم، وأتاه ﵊ فاحتضنه ورشه، وقال: ألم أنهك؟ -ألم أقل لك: لا تقل ذلك؟ - وحال العباس بين المشركين وبين أبي ذر﴾. وذهب أبو ذر إلى أهله في البادية ووقف أمام زوجته وقال: دمي من دمكِ حرام، وبيتي من بيتكِ حرام حتى تشهدي أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فشهدت. ثم أتى إلى أهله فشهدوا، ثم جمع قبيلته بني غفار فشهدوا فدخلوا في دين الله أفواجاً. وأتى أبو ذر إلى محمد ﵊ بعد أن نصره وأظهره الله وأصبح في المدينة، ﴿قال أبو ذر للنبي عليه الصلاة السلام: أعرفتني؟ قال: نعم أنت أخو غفار، ثم وقف ﵊ على المنبر يحيي القبيلة التي وطئت المدينة ويرفع يديه ويقول: غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، وعصية عصت الله ورسوله﴾. وأخذ أبو ذر يحب الرسول ﵊ كل يوم وهو في زيادة، ويقول متبجحاً ومفتخراً ومغتبطاً بزيارة الرسول ﵊: ﴿كان ﵊ يزورني كل يوم في بيتي فزارني مرة فلم يجدني، فقال: أين هو؟ قالوا: خرج يا رسول الله ويأتي، فجلس على فراشي، فلما أتيته احتضنني والتزمني وقبلني، زيارة﴾. إنها الذكريات التي لا ينساها أبو ذر أبداً.

стр. 7051

أبو ذر والإمارة ورأى الرسول ﵊ يولي أصحابه الإمرة، هذا أمير في نجران، وهذا في اليمن وهذا على مشارف الجزيرة، وهذا في مكة وهذا على الجيش. أتى أبو ذر يريد أن يعرض نفسه وقال: يا رسول الله! وليت فلاناً وفلاناً ولم تولني الإمرة ألعجزٍ؟ أم لخيانة؟ قال: لا. لكنني أصونك، يا أبا ذر! ﴿إنها لخزي وندامة يوم القيامة، إنك رجل ضعيف وإنها أمانة﴾ فلم يوله الإمرة -فبقي معه- وكان عليه الصلاة السلام ويلحظ فيه قوة الشخصية؛ لأنه صادق لا يحب المجاملة، ولا الرياء ولا النفاق، كان يصدع بالحق. يقول: ﴿يا رسول الله! إذا متَّ فمن يلينا؟ قال له ﵊: كيف بك إذا أدركت قوماً يؤخرون الصلاة تعرف منهم وتنكر فما أنت فاعل؟ قال: آخذ سيفي فأقاتلهم حتى أموت، قال ﵊: لا. صلِّ الصلاة في بيتك، فإذا أدركتهم فصل معهم ولا تقل قد صليت، واصبر ولو جلدوا جلدك وأخذوا مالك﴾ ثم قال ﵊: ﴿إذا بلغ البناء سلعاً فاخرج من المدينة﴾ معنى ذلك: إذا كثر العمار في المدينة وأصبحت المدينة متحضرة وكثرت أسواقها والجاليات بها، فاخرج أنت بأهلك إلى الصحراء، وانصب خيمتك هناك، ولا تخالط الناس، لتبقى شفافاً، لماعا، ً نقيا، ً نظيفاً من الدنيا. هذا هو معنى كلماته ﵊، وبالفعل خرج أبو ذر وحده إلى الصحراء، ولكن لا تزال الذكريات.

стр. 7052

أعظم حديث رواه أبو ذر وقف ﵊ عند أبي ذر ثم لقنه حديثاً هو أشرف حديث عند الأمة الإسلامية. يقول ﵊، وهو يتحدث عن الله في حديث إلهي يحفظه أبو ذر. يقول ﵊ -وفي بعض الروايات: أنه جثا على ركبتيه ﵊ أن الله جل وعلا قال: ﴿يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا. يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم. يا عبادي! إنكم تذنبون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد - لا إله إلا الله! سبحان من لا يفنى ولا يموت لا تغيره الوقوت ولا يحول ولا يزول! يغير الدول ولا يتغير، يبدل الناس ولا يتبدل. قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه﴾ رواه مسلم. هذا الحديث تاج لـ أبي ذر.

стр. 7053

أبو ذر في غزوة تبوك سافر ﵊ إلى تبوك في حر شديد، الصحراء تقذف بقذائف اللهب، الشمس تغلي الرءوس، البطون جائعة، الأكباد حارة من الظمأ، ومعه جيش، وقطع المئات من الأميال، وأبو ذر معه، ولكن جمل أبي ذر تخلف بسبب ضربه فحاول مع الجمل فلم يحلُ له سير، فأخذ متاعه من على الجمل ووضعه على ظهره وأخذ يمشي في الصحراء وتخلف ليلة، قال ﷺ -وقد قرب من تبوك - أين أبو ذر؟ قالوا: تخلف يا رسول الله! قال: إن يرد الله به خيراً يلحقه بنا، وفي اليوم التالي وفي الظهيرة وإذا برجل أقبل كالغراب من آخر الصحراء، تتابع خطاه في الصحراء والرمضاء الشديدة، فاقترب رويداً، والرسول ﵊ يتهلل وجهه ويقول: ﴿كن أبا ذر، كن أبا ذر، كن أبا ذر﴾ فإذا هو أبو ذر، وتقبل دموعه ﵊ لما يرى من هذا الجسم النحيل والثياب الممزقة والجوع والمتاع على الظهر لمرضاة الواحد الأحد، فيقول له أمام الناس: ﴿رحمك الله يا أبا ذر! تعيش وحدك، وتموت وحدك وتحشر وحدك﴾. تعيش وحدك فلا تتصل بالناس ولا بالدنيا فأنت عالم آخر: وحيداً من الخلان في كل بلدة إذا عظم المطلوب قل المساعد أو كما قال الآخر: أطاعن خيلاً من فوارسها الدهر وحيداً وما قولي كذا ومعي الصبر وأشجع مني كل يومٍ سلامتي وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر وتموت وحدك فيحضره الملائكة بعيداً عن الأحباب والأصحاب، ويحشر يوم القيامة أمة لوحده، وفي بعض الآثار يحشر هو وعيسى ﵇ سوياً.

стр. 7054

وفاة أبي ذر طالت الحياة بـ أبي ذر، وبقي في الصحراء قائماً صائماً مصلياً، وحضرته سكرات الموت بعيداً عن قومه، بعيداً عن الصحابة، بعيداً عن الجيران والخلان والأصدقاء [[بكت عليه امرأته وقالت: يا أبا ذر! بعد صحبة الرسول ﵊ وصحبة أبي بكر وعمر والصحابة تموت هنا وحدك، قال: لا تبكي عليَّ فقد أخبرني خليلي: أني أعيش وحدي، وأموت وحدي وأحشر وحدي، قالت: وأين الدنيا؟ قال: معي هذه الشملة وهذه القصعة وهذا البيت، فإذا مت فاغسلوني ثم كفنوني في هذا الثوب، ثم اجعلوني على قارعة الطريق فسوف يأتي موكب من المؤمنين يصلون علي ويدفنونني]]. كان في طريق الصحراء لا يعلم بموته إلا الله، وكان يقول له ﵊ وهو يضرب على كتفيه: ﴿إن منكم من يموت في خلاء من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين﴾ فغسلته زوجته وكفنته في ثوبه وطيبته -طيب الله ثراه وأنفاسه وأيامه- وأخذته هي وبنتها وجعلته على قارعة الطريق. علو في الحياة وفي الممات بحق أنت إحدى المعجزات لعظمك في النفوس تبيت ترعى بحراس وحفاظ تقات وتوقد حولك النيران ليلاً كذلك كنت أيام الحياة فعرضوه في الطريق وفي الضحى، وإذا بـ ابن مسعود عالم الصحابة يأتي من العراق معتمراً ومعه أصحاب الرسول ﵊، فيرى جنازة معروضة انتقل صاحبها إلى الله، وذهبت الروح إلى الملأ الأعلى، فقفز من على ناقته وهو يقول: "وا أبا ذراه! "وا حبيباه! "واخليلاه! صدق رسول الله. فماذا كان يفعل ابن مسعود؟ هل يحفر التراب ويدفن الرجل ويكفي هذا الوداع!! أين الصحبة؟ أين الأيام الجميلة الغالية التي عاشها مع أبي ذر. أولاً: أتى إلى الكفن ثم حل عقده عن أبي ذر ثم كشف وجهه فكأنه القمر ليلة البدر، ثم أخذ يقبله والدموع تهراق على وجه أبي ذر، ثم مر الصحابة يقبلون ثم صلوا عليه، ثم دفنوه قال الله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢].

стр. 7055

دروس من سيرة أبي ذر أولها: الصدق مع الله منجاة، وهو طريق الصالحين وقبلهم الأنبياء والرسل. الثاني: التخفف والتقلل من الدنيا. الثالث: إن من جاهد في الله فلن يضيع الله جهاده قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]. الرابع: من أراد الحقيقة فلن يجدها إلا عند محمد ﵊، أما غيره فليس عنده حقيقة إلا من حقيقته، ولا نور إلا من نوره، ولا خير إلا من خيره ﵊. سلام على ذاك العلم، وعلى شيخه، وجمعنا الله بهم في دار الكرامة، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 7056

عظمة الرسول ﵊ الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكراً، والصلاة والسلام على معلم الخير وهادي البشرية، ومدافع كيان الوثنية، ومعلم البرية، ما تلألأ نور في نظر، وما تألقت أذن لخبر، وما هتف ورق على شجر. أيها الناس! تتفنن الأمم والشعوب في ذكر عظمائها بالقصة والقصيدة والمسرحية والكتابة وغالبها زيف، ونحن نتفنن في ذكر عظمة عظيمنا ﵊، يشهد الله على صدقنا، ثم يشهد التاريخ والدهر وحتى الأعداء.

стр. 7057

من تعظيم الرسول العمل بسنته وعدم الابتداع ومن عظمته ﵊: * أن ذكرى ميلاده هو العمل بسنته، فليس له مولد يحتفل به، ولا لأحد من علماء الإسلام، والاحتفال في سيرته وسنته ﵊ أن نتبعه وأن نقتدي به، وأن نذب عن منهجه، وأن نحذر من البدع التي تجري على سنته، وأن ننشر مبادئه، وأن نضحي عن قيمه بالنفس والنفيس هذا هو الميلاد الحق. أحبك لا تسال لماذا لأنني أحبك هذا الحب رأيي ومذهبي وقد حذرنا ﵊ من البدع، ومن أقبح البدع التي انتشرت في العالم الإسلامي بدع المولد، أو مشاركة الكفار في عيد ميلاد المسيح ﵇، وهذا لم ينزل الله به سلطاناً، ولم يرسل به رسولاً، ولم يأذن به سبحانه، فالباب دون هذا مغلق. وقال المعصوم ﵊: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ وعندما يكون في التاريخ الميلادي ذكرى ميلاد المسيح، يقوم النصارى في هذا اليوم ويقيمون الدنيا ويقعدونها بإعلامهم وبأقلامهم عن هذا اليوم والحقيقة أنهم يضحكون على أنفسهم، فهم خالفوا عيسى وموسى ومحمداً عليهم الصلاة والسلام، وهم الذين كفروا برسل الله وكتبه، وهم الذين افتروا على الله وعلى مبادئه، وهذا له مجال آخر، لكن الذي يهمنا كمسلمين ألا نشاركهم في أعيادهم ولا نحضر ولائمهم ولا نفرح بفرحهم ولا نميز هذا اليوم عن أيامنا، ولا نجيب دعوتهم، فإنهم في الشركات والمؤسسات والمحلات والجاليات يقيمون ولائم ويهدون زهوراً ويقومون بطقوس، فقد حرم أهل العلم بالإجماع حضور هذه أو دعوتهم أو قبول الهدية أو الإهداء إليهم أو مشاركتهم بأي رسالة أو ببرقية أو بمواساة؛ لأن هذا خدش في الولاء والبراء، ومن أحسن من تحدث في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله في كتابه العظيم اقتضاء الصراط المستقيم بفصول عظيمة بين فيها حكم الله في هذا. أيضاً: لا يجوز صيام هذا اليوم أعني يوم الميلاد عندهم، لا يصومه مسلم يميزه بهذا العيد عن غيره، فإن فعل فقد ابتدع في دين الله إلا أن يكون صياماً له لا يقصد به المشاركة ولا المداهنة ولا المؤانسة لهم.

стр. 7058

حكم الاحتفال بالمولد النبوي أيضاً لا يجوز إحداث مولد له ﵊، ولا الاجتماع في يوم مولده لا بالنشيد ولا بالرقص ولا بقراءة كتب، ولا بإحداث معلم لهذه الليلة، فإن هذه لم يخترعها ويبتدعها إلا حاكم إربل في العراق في حدود المائة الخامسة، وقد بدَّعه أهل العلم، وأجمع أهل السنة على أنه قد افترى على الله، فلينتبه لهذا خاصة لمن يعيش بجوار النصارى، سواء في شركة أو مؤسسة أو في بعثة، فليتق الله ربه، فإنه قد يعمل عملاً يخرجه عن الملة وهو لا يشعر، ويغضب ربه عليه، ويخالف رسوله ﵊، فليتقيد بدين الله ، والله ذكر أنهم لن يؤمنوا لنا ولن يطيعوا ويستجيبوا حتى نؤمن بمبادئهم ونخرج من مبادئنا. ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة:٧٨] ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة:١١٣]. وذكرهم الله باللعنة يوم خالفوا أمره، وأخبر أنهم ليسوا على شيء حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويؤمنوا بمحمد ﵊، والمعصوم ﵊ كما في الصحيح يقول: ﴿والذي نفسي بيده، لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي أرسلت به إلا دخل النار﴾. اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على منهجه، اللهم ارض عن أصحابه وألحقنا بهم في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر. اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين، ووفقهم لما تحب وترضى، وارزقهم البطانة الصالحة يا رب العالمين، اللهم اهد شباب المسلمين، اللهم وفق من جاهد لإعلاء كلمتك وانصرهم نصراً مؤزراً، اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق وألف ذات بينهم، وأصلح قلوبهم وردهم إليك رداً جميلاً. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 7059

المعجزة الكبرى إن المعجزة الكبرى هي القرآن العظيم، نعم. إنه كلام الله الذي أنزله على محمد ﷺ ، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. والشيخ في هذا الدرس يحث على قراءته وتدبره والعمل به، وتطرق إلى بعض الأحكام والمسائل المتعلقة به.

стр. 7060

القرآن هو المعجزة الكبرى الحمد لله، الحمد لله القائل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩٤]. أحمده حمد من أنار بالتوحيد قلبه، ومن عرف بالتوحيد ربه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﷺ من رسول شرح الله له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره. نبي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر نبي رباه الله على القرآن من صغره، وعلمه مما علمه الله نبي كسر الله بدعوته ظهور الأكاسرة، وقصَّر برسالته ظهور الأقاصرة وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: أيها الناس! فإن لكل رسول من الرسل عليهم الصلاة والسلام معجزة اختص بهذه المعجزة من بين الرسل، ليصدقه قومه، وليعلن التوحيد والبراهين فيهم، فكان لموسى ﵇ معجزة العصا يوم خرج في قوم بلغوا في السحر ذروته ومنتهاه، فأتت عصاه فتلقفت ما صنعوا من الكذب والبهتان. وبلغ قوم عيسى في عهده مبلغاً عظيماً في الطب، فأتى إليهم بطب من الواحد الأحد يبرئ به الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. وأما رسولنا ﵊ فبعث في أمة مُجيدة في اللغة، فصيحة في البيان، خطيبها أخطب الخطباء، وفصيحها أفصح الفصحاء، وشاعرها أشعر الشعراء، فأتى إليهم ﵊ بالقرآن، سمعوه فدهشوا من بلاغته وبيانه وفصاحته، فما استطاعوا أن يحيدوا -والله- حتى يقول فرعونهم وكافرهم الوليد بن المغيرة، وقد سمع بلاغة القرآن، ويحلف باللآت والعزى: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمغدق، وإن أسفله لمورق، وإنه يعلو ولا يعلا عليه، فما زالوا به حتى رجع عن مقالته، وكذَّب ما قال عن القرآن، فقال عنه : ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٢٤ - ٣٠]. وأتى رسول الهدى ﷺ ليربي هذه الأمة على هذا الكتاب المجيد، الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ كتاب كلما قرأته آجرك الله، وكلما تدبرته وفقك الله كتاب من حكم به عدل، ومن استمع إليه استفاد، ومن اتعظ بمواعظه اتعظ. كتاب من قرأه علّمه الله علم الأولين والآخرين. كتاب من استنار به أدخله الله الجنة، ومن تقفَّاه قذفه على وجهه في النار. كتاب من تدبَّره أخرج النفاق والشك والريبة من قلبه، فهو شفاء لما في الصدور. كتاب من التمس الهداية فيه هداه الله وسدده، ومن التمس الهدى من غيره أضله الله. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رحمة واسعة: "من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدىً غير هدى الله الذي أرسل به رسوله في القرآن العظيم، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً، ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم".

стр. 7061

تدبر القرآن يقول جل ذكره للأمة: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] مالهم لا يتدبرون العظات؟ مالهم لا يعيشون مع الآيات؟ لا. لكن ران على قلوبهم الأقفال والذنوب، فقفِّلت فلا تسمع، وأوصدت فلا تعي، ولو أنها تدبرت وعقلت، لفهمت كلام ربها . ويقول سبحانه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] والاختلاف الكثير في الكتب تجده في غير كتاب الله ، أما كتابه فكما قال: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] ويقول عنه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩].

стр. 7062

ثمرة قراءة القرآن من قرأ القرآن بارك الله له في عمره وولده ورزقه، ومن أعرض عنه محق الله مهابته، وأزال هيبته، وأفنى كابره وصاغره، وأزال عماره في الدنيا، فالله أنزل الكتاب للهداية، ولذلك كان ﵊ ينادي الناس جميعاً أن يقرءوا القرآن، وأن يتلذذوا بتلاوته، وألاَّ يهجروه، فمن هجر القرآن استحق غضب الله ظاهراً وباطناً. يقول ﵊ فيما صح عند مسلم: ﴿اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه﴾ يأتيك القرآن يوم القيامة يشفع لك عند من أنزله وتكلم به، فيدخلك الجنة بإذن الله. ويقول ﵊: ﴿يؤتى بالقرآن وبأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا- ما قال: يقرءونه وإنما يعملون به في الدنيا- تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما يوم القيامة﴾ متفق عليه. ويقول ﵊: ﴿اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كفرقان من طير صواف، أو كغمامتين، أو تظلان صاحبهما يوم القيامة﴾. ويقول ﵊ وهو يفاضل بين الناس: ﴿خيركم من تعلم القرآن وعلمه﴾ فعلامة الصدق والإيمان كثرة قراءة القرآن، وعلامة القبول والاتجاه إلى الحي القيوم تدبر آيات هذا القرآن، ولذلك يقول ﵊: ﴿إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين﴾. قال عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه لأحد ولاته على مكة، وقد ترك مكة، ولقيه في الطريق: [[كيف تركت مكة وأتيتني؟ قال: يا أمير المؤمنين! وليت عليها ابن أبزى. قال: من ابن أبزى، قال: مولى لنا، قال عمر: ثكلتك أمك! تولي مكة على مولى! قال: إنه يا أمير المؤمنين حافظ لكتاب الله عالم بالفرائض، فدمعت عينا عمر، وقال: صدق رسولنا ﷺ : ﴿إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين﴾]] يرفع الله به في الدنيا والآخرة، ويضع به الذين أعرضوا عنه، فلم يقرءوه ولم يتدبروه ولم يعملوا به. والعجيب! أننا سمعنا أن بعض المثقفين يقول لأخيه وهو يحاوره: والله ما قرأت القرآن ستة أشهر. فقل لي بالله! أي قلب يعيش وهو لم يمر بكتاب الله ستة أشهر؟ وهو يمر بالصحف والمجلات، والقيل والقال، وهات وهات، وما أدراك ما الفلتات والسقطات والخزعبلات من آراء الماجنين والماجنات ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين:٤ - ٥]. يقول الله على لسان رسوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان:٣٠] قال ابن عباس ﵁: [[من لم يختم القرآن في شهر، فقد هجره]] وهجر القرآن على أضرب: فمنهم من يهجر تلاوته، فيقدم صحف البشر وأغاني ومؤلفات البشر على القرآن يسهر على المذكرة الواحدة فيخرج كنوزها وليس فيها كنوز، ويعلل معللاتها وليس فيها تعاليل، ويلخص فوائدها وليس فيها فوائد، ولكن كتاب الله يشكو إلى الله ممن لا يقرؤه. قرآننا صار يشكو ما قرأناه عميٌ عن الذكر أتهجرون كتاباً بين أظهركم لو كلم الذكر جلموداً لأحياه يقول ﵊ وهو يستثير الهمم لتطلب الأجر والحسنات من عند باريها: ﴿اقرءوا القرآن، فمن قرأ القرآن فله بكل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (ألم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف﴾ رواه الترمذي. فعدَّ واقرأ، واحتسب الأجر عند الله، فإنك تأتي يوم القيامة وقد نصب لك سلم درجات، يقول الله لك وهو يُكلمك بلا ترجمان: ﴿اقرأ وارتق ورتل، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها﴾. فمن كان يقرأ في القرآن كثيراً رقى حتى يصبح كالكوكب الدري في سماء الجنة، ثم على منازل ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:١٦٣]. ويقول ﵊ فيما رواه الترمذي: ﴿الذي ليس في صدره شيء من القرآن كالبيت الخرب﴾ بيت عشعشت فيه الغموم والهموم بيت نخره النفاق بيت سكنت فيه المعصية والشهوات، لا يخرجه إلا القرآن، وليس كل المؤمنين يجب عليهم قراءة القرآن، فمنهم من لا يقرأ القرآن وهو تقي صالح عابد خير، فواجب هذا أن يردد ما تيسر من السور التي يحفظها، وأن يسبح ربه، ويحمد مولاه، ويهلل الذي يعود ويلتجيء إليه ويكبره كثيراً، ويصلي على رسوله ﷺ أبداً. كان ﵊ يعيش مع القرآن، بل كتابه الوحيد الذي تَّربى عليه القرآن، لم يكن عند الصحابة مؤلفات كمؤلفاتنا، ولا صحف كصحفنا، ولا مجلات كمجلاتنا، معهم القرآن معلق في طرف البيت والسيف معلق في الطرف الآخر، وهم يمشون على الأرض كل واحد منهم قرآن، فتحوا الدنيا بآيات الله البينات، وهذه معجزة رسولنا ﷺ أن يأتي بكتاب صغير الحجم، فيتوارث منه العلماء مجلدات تملأ البيوت، كلها علم من هذا القرآن. أتى النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بعظيم غير منصرم آياته كلما طال المدى جددٌ يزينهن جلال العتق والقدم أتى على سفر التوراة فانهدمت فلم يفدها زمان السبق والقدم ولم تقم منه للإنجيل قائمةٌ كأنه الطيف زار الجفن في الحلم فيا أمة القرآن! ويا حفظة الكتاب المجيد! من يقرأ القرآن إذا لم تقرءوه؟ ومن يتدبره إذا لم تتدبروه؟ ومن يعمل به إذا لم تعملوا به؟ أما سمعتم أن أساطين الكفر في أمريكا وأوروبا يبدءون -الآن- في الدخول في دين الله زرافات ووحداناً، بعد أن صدق القرآن في الآيات البينات في الكون ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣]. ولذلك -كما أسلفت- ما كان مع رسول الله ﷺ إلا القرآن، يقول لـ ابن مسعود كما في الصحيحين: ﴿يا عبد الله! اقرأ علي القرآن -فيخجل التلميذ ويستحي الطالب أمام شيخه- ويقول: كيف أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟ قال: اقرأ فإني أحب أن أسمعه من غيري؟ قال: فاندفعت أقرأ في سورة النساء، فلما بلغت قوله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] قال: حسبك الآن، فنظرت فإذا عيناه تذرفان﴾ تأثر من كلام الحبيب، وتأثر من هذا البيان الخلاب الذي يقود القلوب إلى بارئها. فسبحان من أنزله! وسبحان من علم هذا القرآن من أراد من بني الإنسان! ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٣]. ﴿يقرأ أبو موسى في ليلة من الليالي، فينصت له رسول الهدى ﷺ ، فلما انتهي، قال: يا أبا موسى! لو رأيتي البارحة وأنا أستمع لك، لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود، فقال: يا رسول الله! أكنت تستمع لي البارحة؟ قال: إي والذي نفسي بيده -وفي بعض الروايات: استمع له من صلاة العشاء حتى الفجر- فيقول: يا رسول الله! والذي نفسي بيده لو علمت أنك تستمع لي لحبرته لك تحبيراً﴾ أي: جودته وحسنته، وأبدعت إلقاءه، وأحسنت مخارجه، ورننت بالصوت فيه، فكان ﵊ يريد أن يعيش مع القرآن، وأحسن لذة يستمعها إذا استمع لكتاب الله يُتلى من قلب حزين تقي عابد لله .

стр. 7063

حال الناس اليوم مع القرآن عباد الله! الذي نلاحظه في أنفسنا وفي إخواننا والمسلمين عامة هو قلة الاهتمام بكتاب الله والإعراض عنه، والاستغناء بكتب البشر، والصدود عنه -إلا من رحم الله-، وقلة التجويد حتى أئمة المساجد، وقلة الحفظ، وقلة التدبر، وكثرة المشاغل حتى في طلبة العلم، فلا تجد إلا القليل النادر من يحفظ الكتاب، أو يحفظ بعضه، وإذا كلف بحفظ شيء من القرآن استصعب ذلك وكأن جبلاً من جبال الدنيا وقع على رأسه، ومعنى ذلك: هزيمة الإسلام، وذهاب الإيمان من القلوب، فوالله لا نصر لنا ولا تمكين ولا عزة إلا بهذا القرآن، ووالله متى تركناه ونسيناه وأعرضنا عنه؛ ابتلانا الله بخزي وفضيحة في الدنيا والآخرة. ولذلك يقول أحد عملاء الصهيونية العالمية: "من لي بمن يخرج القرآن من صدور أبناء المسلمين، قال أحدهم: نأتي إلى المصحف فنمزقه، قال: كذبت، لكنك لا تمزق قلوبهم، إنهم يحفِّظون أبناءهم القرآن فيصبون على الإيمان حتى يموتون ويقتلون دون القرآن" أو كما قال. ويقول البريطاني العميل الفاجر الذي وطَّد لإسرائيل في أرض الإسلام والمسلمين: "ثلاث ما دامت عند المسلمين فلن تستطيعوا لهم: القرآن في صدورهم، والمنبر يوم الجمعة، والكعبة التي يرتادها الملايين من الناس". فإذا قضوا على هذه قضوا على الإيمان، ولذلك أتى أهل الصهيونية العالمية اليوم وأذنابهم من الشيعة الرافضة يريدون إحداث الشغب في بيت الله، وصد المسلمين عن ذاك البيت ليدبروا المخطط، وأتوا إلى القرآن فهونوا من شأنه، وقالوا: إنه مختلق، وإن فيه آيات زائدة، , وإنه ناقص، فعلماء الشيعة الرافضة لا يحفظون كتاب الله أبداً، وعالمهم لا يستطيع يقرأ القرآن، سُمع ذلك وثبت عنهم بالتواتر، وأتوا إلى منبر الجمعة، فأرادوا تعطيله ليتحول إلى قضايا تافهة لا تغرس الإيمان في قلوب الناس. فيا أيتها الأمة الموحدة! يا من صاغها الله من فطرة عنوانها السجود! يا من أخرجها من الظلمات إلى النور بالقرآن! أقبلوا بقلوبكم وبأبنائكم إلى كتاب الله، استرشدوه يرشدكم، وتدبروه يعنكم بإذن الله، واستهدوه يهدكم من أنزله، فإنكم تعيشون متاعاً حسناً في الدنيا، والآخرة يغفر الله لكم ذنوبكم ما تقدم منها وما تأخر، ويحيي بيوتكم على الإيمان، ويردكم إليه رداً جميلاً، ويبقي عليكم إيمانكم وإسلامكم. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

стр. 7064

بعض آداب حملة القرآن الحمد لله، الحمد لله ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقدوة الناس إلى الله أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. عباد الله! إن من أحسن ما يبشر به المسلم إخوانه في مثل هذا المجتمع الحافل هذا الاهتمام الذي نراه ونحسه ونعيشه في مساجدنا وبلادنا، من كثرة الأبناء الذين أتوا إلى المساجد يتعلمون كتاب الله، وهذا من فضل الله ، ثم من فضل القائمين على هذه المساجد بالتوجيه والمدد والتعليم والتدريس، وهذا حظ عظيم لمن أنار الله فكره فأرسل أخاه أو ابنه أو صديقه إلى المسجد ليتربى فيه، فلا نور ولا علم إلا في المسجد، وانظر كيف قدم الله بعض أبناء المسلمين وأخر بعضهم، ووفق بعضهم وخذل البعض الآخر؟! تجد هذا يحفظ كتاب الله ويتعلم سنة نبيه ﷺ ، وتجد ذلك شقياً فاجراً معرضاً عن بيوت الله، طمس الشيطان على نور بصيرته، وطبع على قلبه، فهو في السكك والشوارع لا هم له إلا البذاء والسب والشتم، أين هو ومن جلس في المساجد تحفه الملائكة، وتتنزل عليه السكينة، وتغشاه الرحمة، قد عمر الله قلبه بالقرآن؟! إذا علم هذا، فالله الله في هذه المساجد، وفي الاهتمام بأبنائنا أن ندخلهم إلى المساجد ليروا نور لا إله إلا الله، ويتعلموا مبادئ الإسلام، ويربون في هذه الحديقة الغناء، وفي هذا البيت الذي عمره الله على التقوى. وللقرآن آداب، ولتلاوته محاسن:

стр. 7065

الإخلاص في حفظه وتلاوته أولها: أن نقرأ القرآن نقصد بذلك وجه الله، لا رياء ولا سمعة، فمن قرأه رياء وسمعة ردَّاه الله في النار، وأحرقه بغضبه وهو الواحد الجبار. يؤتى بمن قرأ القرآن يوم القيامة مرائياً كذاباً منافقاً دجالاً، فيقول الله له: ﴿أما علمتك القرآن؟ أما علمتك آياتي؟ قال: بلى. يا رب! قال: فماذا فعلت في ذلك؟ قال: تعلمت القرآن لوجهك وعلمته فيك، قال: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ثم يقول الله: خذوه إلى النار، فيسحبونه على وجهه حتى يُلقى في النار﴾ فالقرآن لا يقرأ إلا لوجه الله.

стр. 7066

لا يمس القرآن إلا طاهر ثانيها: أن يتطهر وألا يمسه محدث، وألا يقرأه غيباً من عليه جنابة، فإذا تطهر العبد استقبل القبلة ورتل القرآن.

стр. 7067

حضور القلب عند القراءة ثالثها: أن تحضر قلبك لمن ألقى السمع وهو شهيد، وأن تعلم أن من أنزل القرآن هو الذي خلق السماوات والأرض، وأنه يخاطبك من فوق سبع سماوات، فتستمع لخطابه، وتمتثل لأمره، وتنزجر عن زواجره.

стр. 7068

عدم التشويش على الناس برفع الصوت بالقراءة رابعها: ألاَّ ترفع صوتك إذا كان هناك مصلون في المسجد، أو تالون لكتاب الله، فتشوش عليهم، وهذا يوجد في كثير من المساجد، وهو علامة الجهل وعدم الفقه في السنة، أن يأتي أحد فيرفع صوته في المسجد، فيشوش على المصلي صلاته، وعلى التالي تلاوته، ويضج عباد الله, وقد فصل في ذلك أهل العلم فقالوا: إن كان بجانبك من يستمع لكلام الله وللقرآن فلا بأس أن تسمعه، وإن كان هناك من يصلي، أو من يقرأ وهو مستغنٍ عن قراءتك، فلا ترفع صوتك لتشوش في بيوت الله . قال الإمام مالك: أرى من رفع صوته وشوش على المصلين يوم الجمعة أن يضرب ويخرج من المسجد.

стр. 7069

تقسيمه أوراداً يومية خامسها: أن يكون للعبد ورد وحزب من القرآن لا يفتر عنه يومياً ولو تغيرت مجاري الفلك لا يترك حزبه هذا، فهو علامة الإيمان، فليكن لأحدنا جزء من القرآن لا يتركه أبدا.

стр. 7070

تعليمه للناس سادسها: أن نعلم الناس ما تعلمنا منه، وأن يكون حظنا منه الأجر والمثوبة، وأن نبلغه للناس كافة، وأن نعلم أبنائنا وبناتنا وأخواتنا وأمهاتنا في بيوتنا، اعمروا بيوتكم بالقرآن عمر الله قلوبكم بالإيمان، واستلهموا من الله الرشد في كتابه ولا تهجروه، فإن الله غضب على قوم هجروا كتابه، فطبع على قلوبهم فأظلمت أفئدتهم، وفسد أبناؤهم، وخربت بيوتهم، وظلوا سواء السبيل. عباد الله! صلوا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال رسول الهدى ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، اللهم ألهمنا رشدنا واجعلنا ممن يقرأ كتابك ليقوده إلى الجنة، ولا تجعلنا ممن أعرض عنه فقذفه إلى النار. اللهم اجعل القرآن حجة لنا لا حجة علينا، اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك بنو إمائك، نواصينا بيدك، ماضٍ فينا حكمك، عدل فينا قضاءك، نسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من رسلك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء همومنا وغمومنا، وذهاب أحزاننا، اللهم علمنا منه ما جهلنا، وحفظنا منه ما نسينا، وفقهنا فيه ما التبس علينا. اللهم اجعلنا ممن يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، اللهم اجعله نوراً لنا في قبورنا ويوم عرضنا عليك، اللهم أزلفنا به من الصراط إلى الجنة، ولا تردينا به من على متن الصراط إلى النار إنك على كل شيء قدير. اللهم أصلح ولاتنا وأمراءنا وقضاتنا ومسئولينا وكل من تولى أمراً فينا، اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه، وخذ بأيديهم إلى كل خير وأرشدهم سبل السلام، وثبتهم على الحق. اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما كانت الوفاة خيراً لنا. اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم وارفع راية الحق بهم، اللهم أدب بهم أعداءك، ومزق أعداءك بهم كل ممزق، اللهم انصر المجاهدين في فلسطين الذين رفعوا لا إله إلا الله في وجه من كفر بلا إله إلا الله، اللهم انصرهم على قتلة أنبيائك ورسلك وأعد إلينا بهم يا رب العالمين أولى القبلتين وثالث المسجدين الشريفين إنك على كل شيء قدير. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 7071

الحب والفن والجمال إن الاحتفال بذكرى المولد وتحديد يوم لذلك بدعة في الدين، لم يفعله ولم يأمر به النبي ﷺ ، ولم يكن من هدي الصحابة، ولا القرون المفضلة، وإنما أُحدِثت في القرن الخامس من الهجرة. والحب الحقيقي يكون بالتفاني في مرضاة الله واتباع شرعه، لا كما يزعم الفنانون والفنانات، ولا كما يزعم المبتدعة، فأبعد الناس عن حبه من يخالفون سنته. ثم ذكر الشيخ شيئاً من سيرته ﷺ وترعرعه، ورعاية الله له مند الصغر، وذكر حادثة نزول الوحي عليه ﷺ .

стр. 7072

الاحتفال بالمولد وتحديد يوم له ليس من دين الله ولا من هدي الصحابة الحمد لله الذي شرح صدور أهل الإسلام بالسنة، فانقادت لاتباعها، وارتاحت لسماعها، وأمات نفوس أهل الباطل بالبدعة بعد أن تمادت في ابتداعها وتغالت في نزاعها، والصلاة والسلام على حبيب الله قدوة الناس أجمعين، أشرف من خلق الله وأشرف من سوى من البشر، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ تسليماً كثيراً. أيها الناس: يا أمة الإيمان والحب والطموح! يا أمة الخير والعدل والسلام! يا أمة اليقظة والعطاء والبذل! يا أمة ضرب الزما ن بها جموح المستحيل وتوقف التاريخ في خطواتها قبل الرحيل سكبت لحون المجد في أذن المجرة والأصيل وسقت شفاه الوالهي ـن سلافة من سلسبيل سلام الله عليكم ورحمته وبركاته لا يزال الحديث عن الرسول ﷺ في رحلته وموكبه وسيرته، وقد مَرَّت أيام ظَنَّ الخرافيون أنهم يحيون من سيرته موالد وقد عطلوا سيرته في العقائد والعبادات والمعاملات تركوا سنته في البيت والمجتمع تركوا سنته في التربية والتدريس والتعليم تركوا عطاءه وبذله وحبه وإيمانه تركوا همته وتاريخه المشرق، وتعلقوا بخرافات ما أنزل الله بها من سلطان، جعلوا ليوم ميلاده تاريخاً أحيوه بطقوسهم ورقصهم، ونشيدهم وتصفيقهم، مكاءً وتصدية، لا خشية ولا خشوع ولا إنابة، يقول الرسول ﵊: ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ فذكرى المولد ليست من الإسلام في شيء، والاحتفال بالمولد ليس من دين الله، وتحديد يوم للمولد النبوي خرافة من الخرافات، أنتجتها الأفكار المنتنه المتخلفة التي لا تفهم ولا تفقه، ولقد عاش الصحابة في قرونهم الثلاثة الأولى ولم يعرفوا مولداً وما احتفلوا بمولد.

стр. 7073

نشأة بدعة المولد في القرن الخامس لقد أتانا هذا من قبل الخرافيين الذين يعيشون على الخزعبلات، من أهل أَربِل والموصل في العراق، في ما يقارب القرن الخامس من الهجرة، وقد سمعتم شيئاًَ من هذا قبل أيام الاحتفال بمولده ﷺ ، وهذا بدعة وخطأ وغلط بَيِّن، فإن الرسول ﷺ لا تحيا شريعته بالموالد، ولا تحيا شريعته بالدف والطبل، ولا يحيا تاريخه بالتصفيق والصفير، فميلاده كل حين وكل ساعة وكل ثانية. إن ميلاده ﷺ ليس معناه أن تترك سنته وأن تترك شريعته، ثم تأتي مع هؤلاء الخرافيين لتظن ظناً أو تعتقد اعتقاداً أنك بعملك هذا تحيي ميلاده، لقد أخطئوا كثيراً، ولقد رأينا بعض الذين يُحْيُون مولده ﵊ من أبعد الناس عن السنة، فهم لا يحضرون الجماعات في المساجد، ولا يتلون الآيات من المصاحف، ولا يخشعون ولا يخشون، لا تظهر على سيماهم السنة وتعاليمها وروعتها وإبداعها، لكنهم جادُّون في هذا السير الخرافي الذي سنوه من قِبَل أنفسهم.

стр. 7074

أبعد الناس عن السنة هم الذين يحبون ذكرى المولد أريد أن أقول بخلاصة وتلخيص: إن من أراد أن يحيي سنته ﷺ فليُحْيِها باتباع شريعته، وأما المولد فلا مولد ولا ذكرى للموالد سبحان الله! أيكون يوماً من الأيام يتجمع فيه الناس، فيصفقون ويزمجرون، ويضربون صدورهم كما يفعل أهل الرفض في أيام عاشوراء في ذكرى استشهاده الحسين، وكما يفعل الفرنسيون بـ نابليون والألمان بـ هتلر، وهؤلاء المرتزقة من زنادقة الشعوب؟! إن محمداً ﷺ شخص لا كالأشخاص، ورجل لا كالرجال، وقائد لا كالقادة، ومصلح لا كالمصلحين، فحياته معك في كل أربع وعشرين ساعة تشرب وسنته معك، وتأكل وسنته معك، تنام وسنته معك، وتخرج من بيتك وسنته معك، وتذهب إلى عملك وتجلس على كرسيك وتتناول كتابك وسنته معك إنه هو الشخص الذي طرق العالم ثم لم يتكرم بطرق العالم شخص آخر كمحمد ﷺ صحيحٌ أن في حياته أحداثاً أخرى، وصحيحٌ أن شخصيته مدهشة ومذهلة؛ لكن هل قال لنا: أحيوا مولدي؟ هل سنه الخلفاء الراشدون؟ هل فعله الصحابة؟ هل فعله القرن الأول والثاني والثالث؟ لا والله.

стр. 7075

قصة ولادته وترعرعه ﷺ لنعش قليلاً مع مولده ونحن نبدِّع كل من قال أن في الإسلام يوماً للمولد، وهم مبتدعون بلا شك. رأت أمه قبل أن تلد به ﵊ أن نوراً خرج منها، فما هو هذا النور؟ إنه نور خرج منها ليصلح العالم، نور مُشِعٌّ خرج منها ليصل إلى كل قلب ويقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله نور يدخل إلى دياجير الظلم والتخلف والتبعية والرجعية والتقليد، ولما وقع على الأرض، كان متستراً حَيْيَاً من الله ﵎، فلما ترعرع ماتتْ أمُّه؛ ليعيش اليتم، وليتدرب على مصاعب الحياة ومشاق العيش، ليكون عصامياً يقوم بنفسه بعد الاعتماد على الله. ثم نُقِل إلى البادية، فرضع ثدياً طاهراً من ألبانها الصافي صفاء الصحراء، المشرق إشراق الصحراء؛ ليكون فصيحاً من أفصح الناس، وعاد من البادية فبكاه أهلها، فقد أتى إليهم والأرض مُجْدِبة، لا نبت فيها ولا شجر، تموت فيها النوق والإبل كل يوم، أصاب الغنم جدب وقحط لا يعلمه إلا الله، جف اللبن من الضرع، ويبست المياه من الغُدْران والغيوم في بادية بني سعد تجاه الطائف. فمن نعمة الله ومن فضله أنه لما وصل ﷺ نزل الغيث، فامتلأت الحدائق عشباً وزهراً وورداً، وتبسمت الفيافي أناقة وروعة وجمالاً، وأتى الضرع يدر باللبن حليباً سائغاً للشاربين، وسال الماء في الغُدْران والجداول والأنهار، وأتت الإبل تشرف بنعمةٍ وسَمْن مع حياتها ومع بيوتها ومع رواحلها، فلما انتقل بكته أمه من الرضاعة، وأبوه من الرضاعة وبكاه كل الحي، فهو مبارك أينما كان مبارك على المنبر، وفي المعركة، وفي البادية، وفي قبره، ويوم يُبْعَثُ الناسُ ليوم لا ريب فيه. ويوم عاد إلى مكة كان لجده عبد المطلب فراشاً لا يجلس عليه إلا هو فحسب، كان هذا الفراش للعظماء، وجده سيد قريش، الذي هِمَّتُه تمر مر السحاب، ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨]. ألا لا أحب السير إلا مصعداً ولا البرق إلا أن يكون يمانيا والعظماء يرضعون العَظَمَة مع اللبن منذ صغرهم، فكان محظوراً على الناس أن يجلس على الفراش أحد إلا عبد المطلب، فكان يأتي رسول الله محمد ﷺ وهو في الرابعة من عمره فيجلس على الفراش، فيؤخرونه فيزحف حتى يجلس عليه، فيتبسم عبد المطلب ويقول: والحُجُب والبيت ذي النصبْ، والشمس ذات اللهبْ، إنَّ لهذا الابن سبباً من السببْ، أي: سوف يكون رجلَ التاريخ، وإنسانَ عينِ الدنيا، وقائدَ البشرية يوم تهتدي لساحل النجاة وبَرِّ العظَمة.
следующие страницы →