← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

الحب والفن والجمال إن الاحتفال بذكرى المولد وتحديد يوم لذلك بدعة في الدين، لم يفعله ولم يأمر به النبي ﷺ ، ولم يكن من هدي الصحابة، ولا القرون المفضلة، وإنما أُحدِثت في القرن الخامس من الهجرة. والحب الحقيقي يكون بالتفاني في مرضاة الله واتباع شرعه، لا كما يزعم الفنانون والفنانات، ولا كما يزعم المبتدعة، فأبعد الناس عن حبه من يخالفون سنته. ثم ذكر الشيخ شيئاً من سيرته ﷺ وترعرعه، ورعاية الله له مند الصغر، وذكر حادثة نزول الوحي عليه ﷺ .

стр. 7072

الاحتفال بالمولد وتحديد يوم له ليس من دين الله ولا من هدي الصحابة الحمد لله الذي شرح صدور أهل الإسلام بالسنة، فانقادت لاتباعها، وارتاحت لسماعها، وأمات نفوس أهل الباطل بالبدعة بعد أن تمادت في ابتداعها وتغالت في نزاعها، والصلاة والسلام على حبيب الله قدوة الناس أجمعين، أشرف من خلق الله وأشرف من سوى من البشر، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ تسليماً كثيراً. أيها الناس: يا أمة الإيمان والحب والطموح! يا أمة الخير والعدل والسلام! يا أمة اليقظة والعطاء والبذل! يا أمة ضرب الزما ن بها جموح المستحيل وتوقف التاريخ في خطواتها قبل الرحيل سكبت لحون المجد في أذن المجرة والأصيل وسقت شفاه الوالهي ـن سلافة من سلسبيل سلام الله عليكم ورحمته وبركاته لا يزال الحديث عن الرسول ﷺ في رحلته وموكبه وسيرته، وقد مَرَّت أيام ظَنَّ الخرافيون أنهم يحيون من سيرته موالد وقد عطلوا سيرته في العقائد والعبادات والمعاملات تركوا سنته في البيت والمجتمع تركوا سنته في التربية والتدريس والتعليم تركوا عطاءه وبذله وحبه وإيمانه تركوا همته وتاريخه المشرق، وتعلقوا بخرافات ما أنزل الله بها من سلطان، جعلوا ليوم ميلاده تاريخاً أحيوه بطقوسهم ورقصهم، ونشيدهم وتصفيقهم، مكاءً وتصدية، لا خشية ولا خشوع ولا إنابة، يقول الرسول ﵊: ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ فذكرى المولد ليست من الإسلام في شيء، والاحتفال بالمولد ليس من دين الله، وتحديد يوم للمولد النبوي خرافة من الخرافات، أنتجتها الأفكار المنتنه المتخلفة التي لا تفهم ولا تفقه، ولقد عاش الصحابة في قرونهم الثلاثة الأولى ولم يعرفوا مولداً وما احتفلوا بمولد.

стр. 7073

نشأة بدعة المولد في القرن الخامس لقد أتانا هذا من قبل الخرافيين الذين يعيشون على الخزعبلات، من أهل أَربِل والموصل في العراق، في ما يقارب القرن الخامس من الهجرة، وقد سمعتم شيئاًَ من هذا قبل أيام الاحتفال بمولده ﷺ ، وهذا بدعة وخطأ وغلط بَيِّن، فإن الرسول ﷺ لا تحيا شريعته بالموالد، ولا تحيا شريعته بالدف والطبل، ولا يحيا تاريخه بالتصفيق والصفير، فميلاده كل حين وكل ساعة وكل ثانية. إن ميلاده ﷺ ليس معناه أن تترك سنته وأن تترك شريعته، ثم تأتي مع هؤلاء الخرافيين لتظن ظناً أو تعتقد اعتقاداً أنك بعملك هذا تحيي ميلاده، لقد أخطئوا كثيراً، ولقد رأينا بعض الذين يُحْيُون مولده ﵊ من أبعد الناس عن السنة، فهم لا يحضرون الجماعات في المساجد، ولا يتلون الآيات من المصاحف، ولا يخشعون ولا يخشون، لا تظهر على سيماهم السنة وتعاليمها وروعتها وإبداعها، لكنهم جادُّون في هذا السير الخرافي الذي سنوه من قِبَل أنفسهم.

стр. 7074

أبعد الناس عن السنة هم الذين يحبون ذكرى المولد أريد أن أقول بخلاصة وتلخيص: إن من أراد أن يحيي سنته ﷺ فليُحْيِها باتباع شريعته، وأما المولد فلا مولد ولا ذكرى للموالد سبحان الله! أيكون يوماً من الأيام يتجمع فيه الناس، فيصفقون ويزمجرون، ويضربون صدورهم كما يفعل أهل الرفض في أيام عاشوراء في ذكرى استشهاده الحسين، وكما يفعل الفرنسيون بـ نابليون والألمان بـ هتلر، وهؤلاء المرتزقة من زنادقة الشعوب؟! إن محمداً ﷺ شخص لا كالأشخاص، ورجل لا كالرجال، وقائد لا كالقادة، ومصلح لا كالمصلحين، فحياته معك في كل أربع وعشرين ساعة تشرب وسنته معك، وتأكل وسنته معك، تنام وسنته معك، وتخرج من بيتك وسنته معك، وتذهب إلى عملك وتجلس على كرسيك وتتناول كتابك وسنته معك إنه هو الشخص الذي طرق العالم ثم لم يتكرم بطرق العالم شخص آخر كمحمد ﷺ صحيحٌ أن في حياته أحداثاً أخرى، وصحيحٌ أن شخصيته مدهشة ومذهلة؛ لكن هل قال لنا: أحيوا مولدي؟ هل سنه الخلفاء الراشدون؟ هل فعله الصحابة؟ هل فعله القرن الأول والثاني والثالث؟ لا والله.

стр. 7075

قصة ولادته وترعرعه ﷺ لنعش قليلاً مع مولده ونحن نبدِّع كل من قال أن في الإسلام يوماً للمولد، وهم مبتدعون بلا شك. رأت أمه قبل أن تلد به ﵊ أن نوراً خرج منها، فما هو هذا النور؟ إنه نور خرج منها ليصلح العالم، نور مُشِعٌّ خرج منها ليصل إلى كل قلب ويقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله نور يدخل إلى دياجير الظلم والتخلف والتبعية والرجعية والتقليد، ولما وقع على الأرض، كان متستراً حَيْيَاً من الله ﵎، فلما ترعرع ماتتْ أمُّه؛ ليعيش اليتم، وليتدرب على مصاعب الحياة ومشاق العيش، ليكون عصامياً يقوم بنفسه بعد الاعتماد على الله. ثم نُقِل إلى البادية، فرضع ثدياً طاهراً من ألبانها الصافي صفاء الصحراء، المشرق إشراق الصحراء؛ ليكون فصيحاً من أفصح الناس، وعاد من البادية فبكاه أهلها، فقد أتى إليهم والأرض مُجْدِبة، لا نبت فيها ولا شجر، تموت فيها النوق والإبل كل يوم، أصاب الغنم جدب وقحط لا يعلمه إلا الله، جف اللبن من الضرع، ويبست المياه من الغُدْران والغيوم في بادية بني سعد تجاه الطائف. فمن نعمة الله ومن فضله أنه لما وصل ﷺ نزل الغيث، فامتلأت الحدائق عشباً وزهراً وورداً، وتبسمت الفيافي أناقة وروعة وجمالاً، وأتى الضرع يدر باللبن حليباً سائغاً للشاربين، وسال الماء في الغُدْران والجداول والأنهار، وأتت الإبل تشرف بنعمةٍ وسَمْن مع حياتها ومع بيوتها ومع رواحلها، فلما انتقل بكته أمه من الرضاعة، وأبوه من الرضاعة وبكاه كل الحي، فهو مبارك أينما كان مبارك على المنبر، وفي المعركة، وفي البادية، وفي قبره، ويوم يُبْعَثُ الناسُ ليوم لا ريب فيه. ويوم عاد إلى مكة كان لجده عبد المطلب فراشاً لا يجلس عليه إلا هو فحسب، كان هذا الفراش للعظماء، وجده سيد قريش، الذي هِمَّتُه تمر مر السحاب، ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨]. ألا لا أحب السير إلا مصعداً ولا البرق إلا أن يكون يمانيا والعظماء يرضعون العَظَمَة مع اللبن منذ صغرهم، فكان محظوراً على الناس أن يجلس على الفراش أحد إلا عبد المطلب، فكان يأتي رسول الله محمد ﷺ وهو في الرابعة من عمره فيجلس على الفراش، فيؤخرونه فيزحف حتى يجلس عليه، فيتبسم عبد المطلب ويقول: والحُجُب والبيت ذي النصبْ، والشمس ذات اللهبْ، إنَّ لهذا الابن سبباً من السببْ، أي: سوف يكون رجلَ التاريخ، وإنسانَ عينِ الدنيا، وقائدَ البشرية يوم تهتدي لساحل النجاة وبَرِّ العظَمة.

стр. 7076

نشأته ﵊ على مكارم الأخلاق ترعرع ﵊ فلم يكذب كذبة واحدة، ولم يغدر غدرة واحدة، ولم يغش، ولم يسرق، ولم يزنِ، ولم يشرب الخمر؛ لأن الله كان يربيه لرسالة كبرى، سموه: الصادق الأمين، الناصح المخلص، وحين اختلفوا على وضع الحجر؛ قالوا: أول داخل يدخل نحكِّمه، فأتى بإشراقه ونوره وروعته، كأن وجهه القمر ليلة أربعة عشر، ريحه كالمسك، أما ليونته فكالحرير، ثناياه كالبرد؛ لأن الله أعطاه من أسباب العظَمة ما لم يعطِ أحداً من الناس، فقالوا: نحكمك في وضع الحجر؛ لأننا اختصمنا وكاد القتل أن يقع بيننا، فمن حكمته وذكائه وفطنته أن وضع رداءه ووضع الحجر فيه، وقال: لِتَأْخذ كلُّ قبيلة طرف الرداء، فلما رفعوا الحجر وضعه بيده الشريفة مكانه. وجاء في صحيح مسلم: أنه كان يمر في جبال مكة فيقول الحجر: السلام عليك يا رسول الله، فيلتفت خائفاً؛ لأنه لا يعلم أنه سوف يكون خاتم النبيين والمرسلين.

стр. 7077

تعبده ﷺ في غار حراء خالياً ولما بلغ الأربعين من عمره رأى الجهل، والخرافة، والتخلف، والزنا، والفجور، وشهادة الزور، والقتل، والحقد، والحسد، فخرج بطهره وعفافه إلى غار حراء، وكان يأخذ طعامه وشرابه، ويجلس في الغار، ويتفكر في السماء من بناها! وفي الأرض من سواها! وفي الحدائق من أنبتها! وفي الماء من أجراه! وفي النسيم من أرسله! سبحان الله! لا بد لهذا الكون من خالق، واستمر على العبادة والتفكر، وهو ينكر هذا المجتمع الضال، وبعد أعوام وأيام نزل عليه قول الله مع معلمه ومدرِّسه وشيخه جبريل، لم يدرس في مدرسة، ولم يتعلم في كلية، ولم يحمل شهادة. يقول جولد زيهر، المستشرق المجري: لست أعجب من نبوة محمد ﷺ ، فالأنبياء غيره كثير، لكن أعجبني كيف ينشأ أربعين سنة في مجتمع بدوي، وفي قرية ما تعلم، ثم يخرج بعد أربعين سنة فيكون أفصح الناس، وأخطبهم وأذكاهم، وأكبرهم وعظاً في الناس، وأعظمهم موجةً فيهم، وأجل إداري في العالمين.

стр. 7078

قصة بداية نزول الوحي عليه ﷺ نزل عليه جبريل في صورة إنسان حتى لا يخاف، فسلم عليه وضمه ثلاث ضمات، ضمه في المرة الأولى حتى بلغ منه الجهد، حتى آنسه قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] فضمة الثانية، وقال: اقرأ، قال: ما أن بقارئ، فضمة الثالثة، وقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق:١ - ٣] فاندفع يقرءوها وراء جبريل كيف يقرأ؟ أين الكتاب؟ وأين القلم؟ وأين الدفتر؟ وأين المجلد؟ وأين المسطرة؟ لا شيء! قال أهل العلم: معناها: اقرأ -يا محمد- في كتاب الكون. وكتابي الفضاء أقرأ فيه صوراً ما قرأتها في كتاب قل للطبيب تخطفته يد الردى مَن يا طبيب بطبه أرداكا؟ قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب مَن عافاكا؟ والنحل قل للنحل يا طيرالبوادي ما الذي بالشهد قد حلاكا؟ وإذا ترى الثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاكا؟ واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا؟ فالحمد لله الجليل لذاته حمداً وليس لواحدٍ إلاَّكا كأنه يقول له: اقرأ في الشمس من رفعها؟ من زينها؟ لكن كثيراً من أهل الشهادة اليوم لا يقرءون كما يقرأ محمد ﷺ ؛ إنهم أميون وهو أمي؛ لكنه مِن أعلم العلماء، بل هو أعلم من في الدنيا، وهم يحملون الشهادات، وهم مع ذلك أميون لا يقرءون في الشمس من جملها! ولا في النجوم من سواها! وكأنه يقول: اقرأ في الغدير في الجدول النمير في الشجر في المدر، اقرأ في الحجر؛ لترى آيات الوحدانية. وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحدُ؟! فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد! ومشى ليعود وهو يرتجف خوفاً ﷺ ، فقال لأهله: ﴿زملوني، زملوني - أي: ألحفوني ألحفوني - لقد خشيتُ على نفسي، وتقول امرأته الرشيدة العاقلة: كلا والله! لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق﴾. إن الله لا يُخزي المحسنين، فإن من سنن الله الكونية والشرعية ألاَّ يُخزي من أحسن سبيلاً، أو من اتجه إليه، إنما يُخزى الفجرة والظلمة. فعاد ﵊ والله يقول له: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [المزمل:١ - ٢] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢]. فقام لينذر الجزيرة العربية، لأن الجزيرة العربية لا بد أن تكون كعبة الوعي والطموح والإيمان، والجزيرة العربية لا بد أن تكون أم البذل والعطاء والسلام، والجزيرة العربية لا بد أن تكون محور الإسلام ومحور اليقين والإيمان الجزيرة العربية قدرها الإسلام والإسلام قدرها، وهي لا تعيش إلا على الإسلام، ولا بد على مَن يعيش على تراب الجزيرة أن يكون مسلماً مؤمناً، سواءً أكان حاكماً أو محكوماً قاضياً أو رئيساً شاعراً أو مسرحياً صحفياً أو أديباً قصصياً أو ممثلاً، لا بد أن تكون قضيته الأولى أن يكون مؤمناً، لأن الجزيرة العربية ترابها مؤمن وهواءوها مؤمن، وماءوها مؤمن إن الجزيرة العربية هي التي سقط فيها النور من السماء، وانبعث فيها الوحي، وانبعث فيها محمد ﵊، لا نقول ذلك تعصباً والله، فإن أرض كابول قطعة من أرضنا، وإن الأندلس المفقود شيءٌ من بلادنا، وإن بقاع الهند ونهر اللوار والكونج، كلها لا بد أن تكون من تراثنا وترابنا؛ لأننا نحن الذين ينبغي أن نكون حكام العالم. يا أمة في عمرها لم تحي إلا بالجهاد كفرت بمجلس أمن من نصب المنايا للعباد القاتلو الإنسان خابوا مالهم إلا الرماد جثث البرايا منهمُ في كل رابية وواد أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين إنه هو التواب الرحيم.

стр. 7079

الإسلام دين الحب والجمال الحمد الذي كان بعبادة خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وصلى الله وسلم على من بعثه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، فنصح الأمة وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها المسلمون: إن الدروشة والخرافة والتخلف لا يعترف بها الإسلام، فقد أنتجتها الصهيونية العالمية، فإن الصهيونية العالمية تبني دينها على السفك والإرهاب، وعلى التخلف والجمود، والنصرانية من الكنيسة تبني دينها على الفكر العفن، وعلى فن الخرافة، وفكر ماركس ولينين أصحاب النفوس الآثمة الكذابة، بناه أصحابه على الحديد والنار، وهتلر الألماني بنى مبادئه على التدمير وسحق المدن، ونابليون الفرنسي بنى منهجه على الإتلاف والإحراق، فكأنهم يجتمعون جميعاً في مسألة تدمير العالم، لكن الإسلام ينفرد بأنه دين السلام، وينفرد عن الجميع بأنه دين الإيمان بالله رباًَ، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وينفرد عن الجميع بأنه دين الحب.

стр. 7080

الإسلام دين الحب لله ورسوله، لا الحب الذي يقصده المغنون والمغنيات الحب ليس الذي يزعمه المغنون والمغنيات، والماجنون والماجنات، والفنانون والفنانات، فهذا حب رخيص لا يساوي فلساً واحداً، هذا حب يوضع في القمائم والزبالات، وهذا حب لا يحمل في القلوب ولا في الأدمغة. إن الحياة هي الحب، والحب هو الحياة، فالذي يستحق الحب هو الإسلام، قالها أحمد شوقي في قصيدة طويلة، وصدق أمير الشعراء حين يقول: نحن أهل الحب، ونحن منتجو الحب، ونحن الذين يصنفون الحب. وأول من تكلم عن الحب هو محمد ﷺ حيث يقول: ﴿ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما﴾ وفرْق بين حب وحب، فذلك يحب امرأة فاتنة، وفتاة مزرية، ومجلة خليعة، وفيلماً هداماً، وأغنية سخيفة، وهذا يحب الله رب العالمين، وهو الذي يستحق الحب؛ لأنه هو الذي خلق الحب .

стр. 7081

صور من سير المحبين لله تعالى واسمع إلى من يعرف الحب، يقول أنس بن النضر أحد الصحابة في معركة أحد: [[اللهم إنك تعلم أني أحبك، فخذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى]] فَحَضَر المعركة فضُرب في سبيل الله أكثر من ثمانين ضربة، وارتفعت روحه إلى الملأ الأعلى. وقال عبد الله بن عمرو الأنصاري: [[اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى]] فقتل في سبيل الله، قال ابنه جابر: ﴿أتيت إلى أبي وهو في ثياب مقطعة فقلت: يا رسول الله! أقتل أبي؟ قال: نعم. ابكِ أو لا تبكِ، فوالله ما زالت الملائكة تظلل أباك بأجنحتها حتى رفعته. ثم يقول ﵊: والذي نفسي بيده! لقد كلم الله أباك كفاحاً -مباشرة بدون ترجمان- فقال: تَمَنَّ، قال: أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون؛ فتَمَنَّ قال: أتمنى أن ترضى عني فإني قد رضيت عنك، قال: فإني قد أحللت عليك رضواني فلا أسخط عليك أبداً﴾.

стр. 7082

الحب المزيف هو الغرام والوَلَه، كما يزعم أهل الفن إن الخرافيين يضعون في الحب أحاديث، وينسجون في الغرام كلاماً وخطباً ومحاضرات، وضعوا على المصطفى حديثاً يقولون إنه يقول: من أحب فكتم فعف فمات مات شهيداً. أي شهادة هذه؟! شهادة الدعارة والمجون شهادة الموت على الشهوات والمعاصي، لا والله! الحديث باطل، وحاشا لله أن يكون الذي يقتله العشق والوله والبعد عن الله شهيداً، الشهيد هو الذي أسكن القرآن قلبه، والشهيد هو صاحب الفكر والعطاء، والشهيد ليس خرافياً، والشهيد لا يحمل فكراً عفناً، ولا يجري وراء هذه الأمور، إنما همه إرضاء الله ، وإنما قلت ذلك؛ لأن كثيراً من الناس يقولون: ما لهؤلاء الناس من طلبة العلم والدعاة يحرمون الحب، ويحرمون الجمال، ويحرمون الفن؟! فنقول لهم: أنتم ما عرفتم الحب ولا الفن ولا الجمال، فحبكم ليس بحب، وفنُّكم ليس بفن، وجمالكم ليس بجمال. أتقول لليل المظلم: أنتَ أبيض؟ أتقول للنار الحامية: أنتِ باردة النسيم؟ أتقول للشوكة المرَّة الحاقدة: أنت وردة وزهرة؟ لا والله!! أيها الشاكي وما بك داء كيف تغدو إذا غدوت عليلا أترى الشوك في الورود وتعمى أن ترى فوقها الندى إكليلا والذي نفسه بغير جمالٍ لا يرى في الوجود شيئاً جميلا وربنا جميل يحب الجمال، وسماؤنا جميلة، وأرضُنا جميلة، وكتابُنا جميل، ومبادئنا جميلة، أما أنتم فسماؤكم أحلام، ومبادئكم عشق، وأُسُسُكم وَلَهٌ وبُعدٌ عن الله ، وقرآنُكم أغنية، ونشيدُكم موسيقى، ومصحفُكم مجلة خليعة، هذا نقوله لأناس ليسوا في مجتمعنا؛ لأنني أعرف أن هذا المجتمع طامح، يحب الإيمان والخير والعدل والطموح، وإن كان هناك أناس ما زالوا، لكن مستقبلهم إلى خيرٌ إن شاء الله؛ لأنهم يحبون الإيمان والخير والطموح. أيها المسلمون الأبرار: هذه رسالة عن يوم المولد، أو كما طرح في الساحة يوم المولد. ومن قضايانا الكبرى التي ينبغي أن نطرحها أكثر من ذلك: فضل تحكيم الشريعة الإسلامية. ومن قضاينا الكبرى: التوجه والصحوة الإسلامية إلى الله. ومن قضايانا الكبرى: كيف نحافظ على قداسة الحرمين ومهبط الوحي. ومن قضايانا الكبرى: كيف نصلح بيوتنا، وأبناءنا، ومجتمعاتنا؟ ومن قضاينا الكبرى: كيف نُسَيِّر إعلامَنا وصحفَنا لتكون مؤدية للكلمة، مسئولة عن العطاء، حاملة للبذل والحب والإيمان والخير والطموح. عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].

стр. 7083

الحياء من الإيمان في هذا الدرس شرح لحديث: (الحياء من الإيمان) وفيه تعرض الشيخ لكثير من المسائل والأحكام المتعلقة بالحياء، تعريفه، أنواعه، ثم تطرق للحديث عن بعض مسائل الإيمان، فذكر أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان وأن الشهادتين مجردة عن الأعمال لا تعصم الدم عند أهل السنة والجماعة خلافاً للأشاعرة وغيرهم، وأن الأحكام للظاهر، والسرائر إلى الله تعالى, وفيه عدم تكفير أهل البدع إلا ما استثني كغلاة الرافضة، وتقديم النفع المتعدي على القاصر, وأن اختلاف إجاباته ﷺ إنما هو بحسب الأحوال والمخاطبين.

стр. 7084

شرح حديث: الحياء من الإيمان إن الحمد لله، نحمده ونستيعنه ونستغفرهونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. يقول الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: باب الحياء من الإيمان. حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك بن أنس عن ابن شهاب , عن سالم بن عبد الله , عن أبيه, أن رسول الله ﷺ مرّ على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله ﷺ : ﴿دعه، فإن الحياء من الإيمان﴾. هذا الحديث، وأحاديث أخرى معه هي موضوع درسنا إن شاء الله.

стр. 7085

ترجمة لرجال السند أما رجال هذا السند, فقد مروا معنا, عبد الله بن يوسف هو التنيسي من مصر، وهو من أعظم شيوخ الإمام البخاري. ومالك بن أنس يكفي أنه نجم هذا العلم وشمسه. ومالك حيث أفتى في مدينته فلست أرضى بفتوى غير فتواه يكفي أنه كالنار على العلم فلا يُعرّف. وأما ابن الشهاب فهو الزهري , واسمه: محمد بن شهاب الزهري من بني زهرة. وسالم بن عبد الله هو ابن عبد الله بن عمر ﵃ جميعاً، وسالم هو من علماء التابعين, ومن فقهاء المدينة السبعة، وكان ابن عمر يقبله وفي رأسه الشيب، ويقول: انظروا إلى شيخ يقبل شيخاً، ولذلك كان سالم إذا فارقه لا يستطيع أن يصبر، بل كان يبكي حتى يعود، ويقول ابن عمر: يلومونني في سالم وألومهم وجلدة بين العين والأنف سالم [[دخل سالم البيت الحرام يطوف به معتمراً، فلقيه الخليفة هشام بن عبد الملك، فسلَّم عليه، وقال: يا سالم! ألك حاجة إلي؟ أعليك دين أقضيه؟ وهشام بن عبد الملك كان خليفة المسلمين آنذاك، فقال سالم -وقد احمر وجهه غضباناً-: "أما تستحي تقول لي هذا الكلام في بيت الله" أي: أنه لا يُسأل في هذا المكان إلا الله . فلما خرج هشام بن عبد الملك ومعه موكبه من الحرم تعرض لـ سالم، فلمَّا خرج سالم، وحِذَاؤه بشماله؛ قال هشام بن عبد الملك: إنني عرضت عليك قبل فاعتذرت، وأريد أن تخبرني بحاجتك. قال سالم: أمن حوائج الدنيا، أو من حوائج الآخرة؟ قال هشام: وهل أملك أنا حوائج الآخرة؟! فقال سالم: "والله ما سألت الدنيا ممن يملكها -وهو الله فكيف أسألها منك أنت؟!]] فكان ﵁ وأرضاه من أزهد الناس، وكان من أجمل الناس، حتى إن هشام بن عبد الملك لما زار المدينة جلس معه سالم، فنظر إليه، فقال: يا سالم! أتأكل اللحم؟ قال: إن اشتهيته أكلت قليلاً فأصابه بالعين، فمرض؛ فمات؛ فقال أهل المدينة: لا رحم الله هشاماً؛ أخذ جيشنا وأرسله في بلاد الروم حتى قتله عن آخره، وقتل عالمنا بعينه، وهذه أوردها الذهبي وغيره من أهل العلم. يقول: عن أبيه عبد الله بن عمر ﵃: أن رسول الله ﷺ مر على رجل من الأنصار، وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال: ﴿دعه، فإن الحياء من الإيمان﴾. مجمل معنى الحديث: أن الرسول ﷺ مرَّ على رجل يؤنب أخاه، ويقول: قد أضر بك الحياء، وقد استحييت حتى تركت حقوقك، وتركت ما ينبغي لك، وقد بالغت في الحياء، هذا معنى الحديث. وقد يفهم على أنه يقول له: استحي، أو استحي من الله . وهذا فهم مقلوب، بل الفهم الذي صرح به أهل العلم أنه يقول له: إنك أصبحت تستحي حتى أضر بك الحياء، فما هذا الحياء؟! فيقول ﷺ ينكر على الناصح الذي يوصي أخاه: ﴿دعه -أي: لا تنصحه- فإن الحياء من الإيمان﴾. أتى الإمام البخاري ﵀ بهذا الحديث ليدلل على أن أعمال القلوب تدخل في مسمَّى الإيمان، وهو لا يزال يشن حرباً ضروساً على المرجئة من أول الكتاب, فمرة يتجه إلى الخوارج فيرد عليهم، ومرة إلى المرجئة، ومرة إلى الكرامية، فهو بهذه الفصول والأبواب المتأخرة يرد على المرجئة. والقضية التي نتكلم عليها هنا هي: ما هو الحياء المطلوب؟ وما هو الحياء المحمود؟ وهل كل حياء يحبه الله ؟ وهل هناك حياء مذموم لا يحبه الله ولا رسوله؟

стр. 7086

أنواع الحياء في الإسلام الحياء في الإسلام قسمان: قسم ممدوح، وقسم مذموم. فأما الممدوح فهو: ما حملك على الجميل من الأقوال, والأفعال, والأعمال, والأحوال، وكذلك ما ردك عن المنكر، وعن كل ما يدنس المروءة، فهو من الحياء الممدوح؛ لأن المسلمين في الإسلام على ثلاث طبقات: ١ - أناس يحافظون على الفرائض ويستحيون من الله ثم من الناس أن يخلوا بالفرائض، وبعض الناس يحملهم إيمانهم وحياؤهم على ألا يخلوا بالفريضة حياءً من الله . ٢ - وبعضهم يستحي من الله ثم من الناس أن يخل بالسنن كالنوافل والسنن الرواتب، وغيرها من السنن الثابتة عنه ﷺ ، وبعض الناس يرتقي به الإيمان إلى أن يستحي من الله فيحافظ على السنن والنوافل. ٣ - ثم من الناس بعد أداء الفرائض والنوافل من يحافظ على آداب المروءة؛ فلا تراه يأكل واقفاً في السوق، ولا يمازح في السوق، ولا يأكل وهو يمشي، ولا يرفع صوته، ولا يمدح بمدح لا يليق بالمسلم، فهذا حياء محمود, وإن كان ليس بواجب عليه. أما الحياء المذموم: فإنه ما رد صاحبه عن الخير. يقول مجاهد ﵀: [[لا يطلب العلم مستحٍ ولا مستكبر]] فالحياء إذا منعك من طلب العلم، فهذا مذموم وباطل، وقد يأثم به الإنسان. والحياء إذا منعك من حضور مجالس الذكر فهو مذموم؛ لأن بعض الناس يقول: كيف أنا أتواضع وأذهب وألبس بشتي، ثم آتي إلى المجالس؛ وأجلس من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، وأدخل مع الناس. ذكر الذهبي أن بعض الناس يقول: أنا لا أصلي مع الجماعة في المسجد؛ لأنه سوف يصلي معك الزبالون والبائعون؛ وأنا مروءتي تمنع ذلك، قال الذهبي معلقاً عليه: "لعنها الله من مروءة!! " نعم, إن كانت مروءة تحمل صاحبها إلى أن يترك الأعمال الصالحة والسنن ومجالس الذكر فهذه مروءة ملعونة؛ لأن المروءة كل المروءة في أن تتواضع، وتجلس في حلق الذكر، وتأتي إلى من هو أقل منك علماً وفهماًَ وديناً واستقامةً فتستفيد منه. [[كان علي بن الحسين (زين العابدين) ﵁ وأرضاه يأتي إلى زيد بن أسلم -وهو مولى- فيجلس بين يديه، فقال له التابعون: يا علي! كيف تجلس لهذا المولى وأنت سيد من السادات؟ قال: السيد من اتقى الله، وإنما يجلس الإنسان إلى من يستفيد منه، أو يفيده علماً]]. ومن الحياء المذموم ما منعك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا باطل ويأثم عليه العبد؛ لأنه ليس مقبولاً عند الله .

стр. 7087

تعريف الحياء تعريفات الحياء عند أهل السنة والجماعة كثيرة أبسط بعضها، وبعضها أتركه اختصاراً. قيل: الحياء هو أن تذكر الآلاء والانكسار من عدم القيام بالحق. تذكر الآلاء: أي: أن تتذكر النعم التي أنعم الله بها عليك؛ فتنكسر وتخجل وتستحي أن تعصي الله , هذا من الحياء. ولذلك يؤثر أن رجلاً أتى إلى مالك بن دينار ﵀ فقال: يا مالك! إنني تبت إلى الله من المعاصي إلا معصية واحدة، قال: وما هي؟ قال: كبيرة من الكبائر، قال: تب إلى الله، واتركها، قال: لا أستطيع. قال: سوف أعرض عليك أموراً. إذا أردت أن تفعل هذه المعصية فلا تعص الله في أرضه. فقال الرجل: إلى أين أخرج؟ والأرض كلها أرض الله ؟ فقال: كيف تعصي الله ﵎ على أرضه، أيدخلك داره، ثم تعصيه فيها؟! قال: إذا أردت أن تعصيه فلا تأكل من طعامه، ولا تشرب من شرابه. قال: ومن أين آكل وأشرب؟ والأكل والشراب من رزقه . قال: فكيف تستعين بنعمه على معاصيه؟! قال: فإن لم تستطع وعصيته فحاول ألا تلقاه يوم القيامة. قال: لا أستطيع إلا لقاءه. وفي الرابعة قال له: وإذا أردت أن تعصيه، فاختبئ في مكان لا يراك فيه. فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأتوب إلى الله. فإذا تذكر الإنسان الآلاء؛ فإنه يعود بإذن الله من المستقيمين والتائبين إلى الله . التعريف الثاني: قالوا: هو انتفاض النفس خشية المكروه. بعض الناس يترك أعمال الشر لا ديناً منه، ولكن حياء من الناس، وهذا محمود، ولو أن من تركها مخافة من الله أحمد منه، ولذلك يقول ﵊: ﴿إذا لم تستح فاصنع ما شئت﴾ وهذا حديث ثابت عنه ﷺ . قال أهل العلم: الحديث يحمل على معنيين اثنين: إما أن المعنى: إذا لم تستحِ من الله فما عليك، أي: فقد انفرط حبلك، فافعل ما شئت من الكبائر، وارتكب ما شئت من المعاصي، هذا معنى. والمعنى الثاني: إذا لم تستحِ من الشيء، وعلمت أنه حلال، وأنه مباح، وعلمت أنه ليس معصية، فافعله، فإنه مباح وحلال. وهذان المعنيان واردان في شرح الحديث. أما التعريف الثالث للحياء: فهو حفظ الجميل بترك القبيح، يعطيك الله ، فتكافئه بالطاعة. ولذلك ذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد يرفعه إلى رسول الله ﷺ أنه قال فيما يرويه عن ربه ﵎: ﴿عجباً لك يابن آدم! ما أنصفتني، خلقتك وتعبد غيري، ورزقتك وتشكر سواي، أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك، وتتبغض إليَّ بالمعاصي وأنت فقير إليَّ، في كل يوم لي إليك رزق نازل، وفي كل يوم لك إليَّ عمل سيء صاعد﴾ أو كما قال ﷺ . يقول: ما أنصفت أي: ما عدلت في الخصومة بيني وبينك، وفي هذا تذكير بالآلاء, وحفظ الجميل بترك القبيح يحمل صاحبه على الحياء من الله. والتعريف الرابع للحياء هو: مراقبة القهار مخافة من النار، وبعداً من العار. فإن من لم يراقب الواحد القهار، فعليه أن يخاف من النار، فإن لم يخف من النار، فليخف من العار في الدنيا؛ لأن المعاصي تكسب صاحبها ذلة ووصمة لا يعلمها إلا الله، ولذلك يقول سعيد بن المسيب ﵁ وأرضاه: [[الناس في كنف الله، وفي ستر الله، فإذا شاء أن يفضح أحدهم؛ أخرجه من كنفه ومن ستره، والمفضوح من فضحه الله]]. وهذا الذي يصاب بالخذلان؛ لعدم إخلاصه في القصد والتوجه إلى الله ، فإذا افتضح بالمعاصي؛ أصابه الخذلان, نسأل الله العافية.

стр. 7088

حياء الرسول ﷺ أتى الرسول ﷺ بالحياء المحمود وترك المذموم، فهو قدوتنا في كل عمل، فمن لا يأخذ قوله وهديه وحاله ﷺ فقد ذل، فيؤخذ القول من قوله ﷺ ، ويقتدى به ﷺ بالأفعال والأحوال، ولذلك يقول أبو سعيد ﵁ في الصحيحين: ﴿كان ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها﴾. ولا يحمل ذلك بعض الناس على أن يظن أن الرسول ﷺ قد يرى منكراً أو حقاً لله فيستحي ويحجم، لا. فإن الرسول ﷺ إذا رأى حدود الله تنتهك، غضب غضباً لا يقوم له أحد عليه أفضل الصلاة والسلام، لكن حياءه كان حياء عبادة، وحياء تكليف من الله , وكان من حيائه إنه ما كان يمد بصره إلى الناس؛ لأنهم يجلسون أمامه ﷺ في الصلوات, بل كان ينكس رأسه ﷺ وربما نظر إلى بعضهم. قال البراء بن عازب ﵁: ﴿كنا نصلي على يمين رسول الله ﷺ عله أن ينظر إلينا، فيبتسم إلينا ونبتسم إليه﴾. ويقول أنس: ﴿كان ﷺ يبقى في بيته إلى قرب إقامة صلاة العشاء﴾ أو كما قال. فكان لا يخرج ﷺ إلا وقت الإقامة، فإذا اجتمع الناس خرج عليه أفضل الصلاة والسلام من الجهة اليمنى؛ لأن بيت عائشة ﵂ كان في الروضة من الجهة اليمنى للمصلي إذا استقبل الناس، قال أنس: ﴿وكان في علية القوم، وفي الصف الأول أبو بكر وعمر، فينظر إليهم ﷺ ، وينظرون إليه، هو مقبل، فيبتسم إليهم، ويبتسمون إليه، ثم تقام الصلاة﴾. كان من هديه ﷺ : أنه ما كان يبدي للإنسان نظره إذا أخطأ, وما كان يقوم على المنبر، ويقول: أنت يا فلان فيشهره أمام الناس، أو يعلن توبيخه على الناس، لا. بل كان يقول ﷺ : ﴿ما بال أناس يفعلون كذا وكذا﴾ فيعرف المخطئ، ويعرف العاصي، فيعود بإذن الله ويتوب إلى الله ، هذا هديه ﷺ . والتشهير بالناس وبأخطائهم مذهب خاطئ، وغلط في المنهج والمبدأ، لا يقبله الإسلام، ولذلك ثبت عنه ﷺ من حديث سلمان أنه قال: ﴿إن الله حيي يحب الحياء﴾ وفي لفظ: ﴿ستير﴾. وقد سألني بعض الإخوة: كيف تورد مثل هذه الألفاظ في صفات الله , كقول الرسول ﷺ : ﴿إن الله نظيف يحب النظافة، وجميل يحب الجمال، وستير يحب الستر﴾ وهل الحديث في ذلك ثابت؟ فنقول: هذه الألفاظ أطلقت من الرسول ﷺ ، والحديث في الترمذي. ويرى ابن تيمية أن هذه الأسماء واردة منه ﷺ ، يقول: لكننا نتوقف فيها، فلا نطلقها حتى نتأكد من أسانيدها هل هي صحيحة أم لا؟ مع العلم أن في الحديث الصحيح يقول ﷺ : ﴿إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة﴾ قال ابن حزم الظاهري:"أحصيتُ الأسماء الحسنى في الكتاب والسنة، فوجدتها ستة وستين، لا زيادة" فقال ابن تيمية: وجدت أكثر من الستة والستين. والواجب في الأسماء والصفات أن نقولها كما قالها ﷺ ، ونقف على ذلك؛ لأن الأسماء توقيفية، وليس لنا أن نزيد في أسماء الله , كبعض الناس يسمي ابنه عبد الموجود, وعبد اليقظان، فهذه ليست من الصفات التي ورد بها التكليف والتشريع والاعتقاد. وإنما ذكرت هذه المسألة عرضاً واستطراداً، والشاهد عند قولنا: إن الله يحب الستر، ولا يحب التشهير بالناس، حتى إنه يكره من الإنسان العاصي أن يجاهر بالمعصية، يعصي بالليل، ثم يخرج بالنهار، فيخبر الناس أنه عصى، وأنه ارتكب، وأنه فعل وفعل، فهذا لا يغفر له ﴿كل أمتي معافى إلا المجاهرين﴾ أي الذين يجاهرون بالخطأ، ولذلك من استصلاح القلوب: ألا يشهر المسلم بالعاصي، بل يأخذه على انفراد وينصحه؛ لأنهم يقولون: إن الدعوة: إما نصيحة، وإما فضيحة. وقد سبق لنا أن ذكرنا كلام الشافعي للإمام أحمد في رسالته له، قال: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواء في البضاعة تعمدني بنصحك في انفرادٍ وجنبني النصيحة في الجماعة فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى استماعه فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تجزع إذا لم تعط طاعة

стр. 7089

قوة النبي ﷺ في الحق ثبت في سنن أبي داود: ﴿أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﷺ ، وهو مضمخ بطيب -والطيب له لون أحمر، ونحن منهيون جملةً عن الصبغة الحمراء، أو عن لبس الثوب الأحمر الذي ليس فيه أعلام؛ لأن الرسول ﷺ نهى عنه- فنظر ﷺ إلى الناس، ثم قال: لو نهيتم هذا﴾ وهو صاحب الشريعة ﷺ ، وهو المسئول عن إخبار الناس بالأحكام، لكن حياءً ألا يواجه الناس بما يمكن أن يثير في أنفسهم شيئاً، فهو ﷺ حيي ويستحي, لكنه لا يستحي ﷺ من الحق، بل تقول عائشة: ﴿كان إذا غضب ﷺ لله لا يقوم لغضبه أحد﴾ ونحن نعلم أنه ليس هناك أشجع منه ﷺ ، حتى يقول علي ﵁ -وتعرفون من هو علي أبو الحسن -: [[كنا إذا لقينا القوم، واشتد الكرب اتقينا برسول الله ﷺ ، وكان أقربنا إلى القوم]] وكانوا يتقون به من السيوف والرماح. ولذلك لم يثبت أبداً -وهذا معروف بالاستقراء- أنه ﷺ فر من معركة، بل واجب عليه ألا يفر، ويحرم عليه ﷺ لو فر الناس جميعاً أن يفر، حتى يقول بعض أهل العلم منهم القرطبي وابن العربي: لو قاتل رسول الله ﷺ أهل الدنيا بأسرهم، وكانوا في صف وكان في صف، لما تأخر ولما فر أبداً، لأن الله يقول: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء:٨٤] فهو لا يكلف إلا نفسه بالثبات، أما غيره فله أن يوصيهم بالثبات ﵊. ولذلك في حنين، لما أتى مالك بن عوف النصري، واقتحم باثني عشر ألف مقاتل على جيش الرسول ﷺ ، ففر الناس، قال جابر p>>: فأمطرونا بالنبل حتى كأنه الغمام على رءوسنا، ففرت الدواب، والجمال والخيول بأصحابها. فقال الرسول ﷺ : ﴿يا عباس! نادِ في الناس﴾. فأخذ العباس يرفع صوته -وكان جهوري الصوت حتى كان ينادي أبناءه من بيته في المدينة، وفي الغابة فيسمعون صوته- فيقول: يا أهل سورة البقرة! يا من بايع تحت الشجرة! هلموا رحمكم الله، فلا يجيبون، ومالك بن عوف بهوازن وغطفان تعلوا على رسول الله ﷺ الجبل. فقال ﷺ : ﴿نادِ بالأنصار، قال: يا أيها الأنصار! يا حماة الدار! يا آخذين بالثار! عودوا إلى الرسول المختار، فما سمع ولا رأى ﷺ أحداً يعود﴾ بل فروا؛ وبعضهم فرت به دابته، وبعضهم متشكك من أول الطريق، ما صمم على القتال أصلاً، منهم مسلمة الفتح. وقال صفوان بن أمية: اليوم بطل السحر - نسأل الله السلامة-، لأنه من مسلمة الفتح. فكان الرسول ﷺ يقول: ﴿نادِ بني الحارث، فنادى العباس في بني الحارث، وكانوا أشجع الأنصار من الخزرج، فأتوا إلى رسول الله ﷺ -وهم ثمانون- فاجتلدوا أمامه﴾. وكان الرسول ﷺ يقاتل من أول النهار، لم يفر أبداً ولم يتأخر، حتى يقول العباس: كنت آخذ ببغلته علها ألا تتقدم، فأبى ﷺ إلا أن يتقدم، ثم نزل عن بغلته، وسل سيفه، ويقول: ﴿أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب﴾ حتى رد ﷺ كتيبة مالك بن عوف النصري على وجهها. قال الأنصار -بني حارثة-: ما أتينا إليه ﷺ إلا وقد انهزم القوم، وأخذ حفنة من التراب فسفا بها في وجوههم، وقال: ﴿شاهت الوجوه﴾ فما بقيت عين إنسان من العدو إلا دخل في عينه من هذا التراب، فأخذت عيونهم تدمع، وأتى بنو حارثة, فقاتلوا أمامه ﷺ حتى سمع لشظايا السيوف كسير من على رءوس الناس. فرفع ﷺ صدره، وقال: ﴿الآن حمي الوطيس﴾ وهو أول من قالها من العرب كما يقول أبو قتيبة: أن الرسول ﷺ أول من قالها وتمثل بها, والوطيس أي: اشتد الكرب، واعتلت المعركة. المهم أنه صلى الله ﵊ في وقت الشجاعة، والإقدام، وإقامة الحدود، لا يمكن أن يتأخر، ولذلك يقول فيه مالك بن عوف النصري لما رآه، وهزم جيشه، ورده ﷺ إلى الطائف، وأنزله مكرهاً مرغماً، قال: ما إن رأيت ولا سمعت بمثله في الناس كلهم كمثل محمد أعطى وأجزى للنوال إذا اجتدى ومتى تشأ يخبرك عما في غد وإذا الكتيبة عردت أنيابها بالزمهرير وضرب كل مهند فكأنه ليث على أشباله وسط الهباءة يخاذل في مرصد فحياؤه ﵊ حياء تعبدي تكليفي، ولو أن الله أعطاه من الحياء الغريزي، لكان المقصود الذي نتبعه فيه ﷺ هو حياء العبادة التكليفي الذي يحجم صاحبه عن القبيح، وسبق في تعريف لأهل العلم في الحياء: مراقبة القهار مخافة من النار، وبعداً من العار، فهذا هو الحياء الذي يذكره ﷺ والذي قال للأنصاري: ﴿دعه فإن الحياء من الإيمان﴾. ومقصد البخاري ﵀ أن يستدل بهذا على أن أعمال القلوب والآداب تدخل في الإيمان، وهو بهذا يرد على المرجئة؛ وقد بدأ الصحيح في الرد على الطوائف المبتدعة, فرد أولاً على الخوارج، ثم على الكرامية، ثم واصل المسيرة في الرد على المرجئة، وسوف يمر معنا أنه سوف يرد على من قال: بخلق القرآن من الجهمية المعطلة.

стр. 7090

شرح حديث: أمرت أن أقاتل الناس الحديث الخامس والعشرون بوب له البخاري بقوله : ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]. وهذا تفنن منه ﵁ وأرضاه، وقد سلف معنا قول ابن حجر وأهل العلم: إن للبخاري أساليب في التبويب منها: أن يأتي بآية تشريفاً للموضوع الذي سوف يتكلم عنه، وتعضيداً إلى ما يذهب إليه، ومنها: أن يأتي بحديث إما صحيح، وإما ضعيف، فالصحيح اكتفى به في إيراده؛ لأنه على شرطه، والضعيف ليجمع بين فائدة الحديث الذي ليس على شرطه؛ لأنه لم يشترط في التعليق، ولا في الأبواب أن يكون حديثاً صحيحاً، بل اشترطه في الأحاديث المسندة. ومنها: أن يأتي باستنباط في التبويب، وهذه مهمة أهل العلم أن يستنبطوا كما استنبط هو. قال الإمام البخاري ﵀: بابٌ ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]. حدثنا عبد الله بن محمد المسندي قال: حدثنا أبو روح الحرمي بن عمارة قال: حدثنا شعبة , عن واقد بن محمد قال: سمعت أبي يحدث عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى﴾. هذا من أعظم الأحاديث في الإسلام، وفيه أصول يجب وينبغي أن تعتقد وأن تفهم, وفي هذا الحديث قضايا.

стр. 7091

دخول الأعمال في الإيمان مقصود البخاري وأهل السنة والجماعة أنهم يدخلون الأعمال في الإيمان، وأما إيمان بلا أعمال فهو مضحكة على الإنسان وعلى المسلمين؛ فكون الإنسان يؤمن ويعتقد، ثم لا يعمل هذا كذاب دجال مفتر على الله , والذي قال هذا القول هم المرجئة، ومنهم الأحناف، قالوا: يكفي الإنسان أن يعتقد، وأما الأعمال فهي باب زائد لا يدخل في مسمى الإيمان، ولذلك يرد عليهم بقوله: " باب دخول الأعمال في الإيمان " ويؤخذ هذا من قول الرسول ﷺ : ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة﴾ فإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة عمل. فالأعمال تدخل في الإيمان، ومن ترك العمل -على تفسير- كالصلاة جحداً أو تهاوناً فقد كفر، لأن بعض الفقهاء قسم الترك إلى جحد وتهاون. ويرى ابن تيمية: أن التقسيم إلى جحد وتهاون لا أصل له, يقول في كلام ما معناه: إنه لا يبلغ بالمسلم الترك إلى درجة أن يترك الصلاة إلا وقد بلغ درجة الكفر، سواء تهاون، أو جحد. أما أن نأتي للإنسان (إذا ترك الصلاة) فنقول: أتركتها تهاوناً أم جحداً؟ يمكن أنك كسلان عنها؛ هذا الذي جعله يترك الصلاة، وهو يعرف أنها فريضة إلى درجة الكفر، فهذا التقسيم أحدث اضطراباً كثيراً عند الناس، وهو قول للمرجئة؛ لأنهم يريدون أن يبرئوا الناس، أو يعتذروا لهم، أو للمجرمين والعصاة حتى يجعلوا العمل لا يدخل الإيمان على أصلهم -وهذا لا ينبغي أبداً- بل من ترك الصلاة فقد كفر. لأن أحاديث الرسول ﷺ لم تذكر جاحداً ومتهاوناً، إنما قال ﷺ : ﴿ومن تركها فقد كفر﴾ وهذا كَفَرَ على الكفر المعروف، لا على الكفر دون الكفر؛ كما يقول بعض الناس.

стр. 7092

عظم الصلاة والزكاة هذا الحديث أحدث خلافاً بين الصحابة رضوان الله عليهم لما مات الرسول ﷺ ، وهذا هو الحديث الذي تدارسوه، والذي أراد البخاري أن يأتي به في هذا المكان، وقد تكلم الشراح عند شرح هذا الحديث على اختلاف أبي بكر وعمر في قتال المرتدين، وهذا الاختلاف وارد، والله له الكمال المطلق, وهو يعطي البعض علماً لا يعطيه للآخرين وسوف يتبين لنا هذا من قضايا الحديث. لما توفي الرسول ﷺ قال بعض العرب: نرى أن هذا الدين لا بد أن يستمر معه ﷺ ، فإذا مات؛ فقد انتهى الدين، فارتدوا، وهؤلاء قسم قليل من المرتدين، لا يعدون ولا يذكرون. والقسم الثاني قالوا: الزكاة إنما كانت تدفع للرسول ﷺ ، فلما مات الرسول ﵊، قالوا: كيف نؤديها لـ أبي بكر؟ هل النبوة وراثة؟ حتى يقول شاعر بني حنيفة من اليمامة: رضينا رسول الله إذ كان بيننا فما بالنا نرضى بحكم أبي بكر أيملكها بكر إذا مات بعده فتلك لعمر الله قاصمة الظهر يقول: كيف يملكنا أبو بكر بعد الرسول ﷺ ؟ قاتلهم الله إلا من تاب منهم، فقد تاب الله عليه، فقد فرقوا بين الصلاة والزكاة.

стр. 7093

قتال أبي بكر لمانعي الزكاة أتى أبو بكر ﵁ إلى الناس يوم الجمعة في المسجد -لأنه يقتدي بالرسول ﷺ فكان يجعل المسجد للأمور المهمة وللدعوة وللعلم وللشغل العسكري- فكان يكلم الناس في حال هؤلاء المرتدين, وماذا يفعل معهم, ثم أكمل ﵁ خطبته، وصلى بالناس، ثم عاد إلى المنبر، فقال: [[إني رأيت أن أقاتلهم. فقام عمر ﵁ وقال: كيف تقاتل من قال لا إله إلا الله وقد قال الرسول ﷺ : ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله﴾]] الحديث الذي استدل به عمر لم يذكر فيه إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهو حديث ثابت. حتى يقول ابن حجر وابن تيمية رحمهما الله: ربما لم يتذكر أبو بكر هذا الحديث، أو أنه لم يسمعه ﵁، فإن العالم قد يخفى عليه بعض أمور العلم، وبعض المسائل، وإن كان أعلم من غيره في الجملة، فـ أبو بكر أعلم من عمر وابن عمر، ومن كثير من الصحابة في الجملة, لكن خفي عليه هذا، فاستعمل القياس ﵁ وأرضاه، فقال: [[والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال]]. قال ابن حجر: "هذا من استعمال القياس، وهو وارد، وفيه رد على من أنكر القياس". فقام عمر فأنكر على أبي بكر ﵁. فقال أبو بكر للناس: ما ترون؟ قالوا: نرى ألا نقاتلهم، فقال أبو بكر: [[والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه]]. عجيب! كل المسجد من الصحابة من المهاجرين والأنصار يجمعون على رأي، وأبو بكر ﵁ على رأي واحد، ويصبح الحق والصواب مع أبي بكر ﵁! قال عمر: [[فتأملت أن الله ما شرح صدر أبي بكر ﵁ إلا للتي هي خير، فقمت فأيدته، فقام الناس، فأيدوه]]. لأن الله ثبته وسدده، وما كان الرسول ﷺ يختار إلا أحسن وأتقى الناس لله ويقدمه في الصلاة. حتى يقول عمر: [[والله لئن أتقدم في غير حد من حدود الله، فتضرب عنقي، لكان أهون علي من أن أتقدم بقوم فيهم أبو بكر ﵁]] لأنه يعرف حقه، خلافاً لما تدعيه الشيعة -الذين يقول فيهم ابن تيمية: قاتلهم الله، لو كانوا من الوحوش، لكانوا حمراً -يعني حميراً- ولو كانوا من الطيور، لكانوا رخماً- يقولون: أنه اغتصب الخلافة غصباً. يقول علي - كما ثبت في الصحيحين - على منبر الكوفة يوم الجمعة: [[والله لا يأتي أحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري]] ثمانين جلدة؛ لأنه كذاب على الله، وعلى رسوله، وعلى المؤمنين. فـ أبو بكر ﵁ رأى قتالهم، ثم أرسل خالداً إلى أهل اليمامة، وإلى كذابهم العنيد المجرم الدجال مسيلمة، فلما وصل الجيش إلى هناك قاتلهم خالد ﵁، ومر بطريقه فأخذ سادات فزارة من غطفان منهم عيينة بن حصن، وأدخله في المسجد كرهاً حتى أدخله ملبداً في عمامته. هذا الذي يقول فيه ﷺ كما في الصحيحين: ﴿ائذنوا له بئس أخو العشيرة﴾. وكان مسلماً ذاك الوقت، لكن ﵊ كأن عنده خبر أن هذا الرجل سوف يفعل شيئاً، فلما مات ﷺ ارتد، فأدخله خالد، وهو ملبد في العمامة يقوده أمام أبي بكر، فقال أبو بكر للمرتدين: [[اختاروا واحدة من اثنتين: إما حرب مجلَّية، وإما سلم مُخْزِية. قالوا: يا خليفة رسول الله! -الآن عرفوا خليفة رسول الله بعد سيف أبي سليمان خالد بن الوليد - ما هي الحرب المجلية؟ وما هي السلم المخزية؟ قال: أما السلم المخزية: فتسلمون سلاحكم وعتادكم، وتبقون معنا كالحريم وكالنساء، لا تحضرون قتالاً، ولا لكم حظ في الفيء. وأما الحرب المجلية: فهي أن نخرج لكم وتخرجون لنا مرة ثانية، فمن ينتصر، فليأخذ الأمر. فقالوا: بل سلم مخزية]] فبقوا في الإسلام، ولكن بعضهم ربما أدخله أبو بكر وعمر باستثناء في أمور الحروب. الشاهد: أن الرسول ﷺ يقول: ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة﴾ فكيف غاب هذا الحديث عن أبي بكر ﵁؟ قال أهل العلم: إما أنه لم يسمعه ﵁، ويعذر في ذلك، فإن الصحابة ليس هناك أحد - كما يقول الشافعي في الرسالة - ما هناك أحد من الأمة جمع السنة كلها، وقد يجمع العالم غالب السنة، لكن تفوته بعض الأمور. الأمر الثاني: يمكن أن أبا بكر ﵁ سمع بهذا الحديث، لكن نسيه مع الغضب، ومع أمور المعركة، أو نسيه غفلة وهي التي تعتري البشر، وذكَّره ابن عمر ﵁ فيما بعد في آخر حياته ﵁ بهذا الحديث، فسكت ﵁ وأرضاه، ولو أن هذا الحديث معه، لعرضه على الناس، لكنه استخدم القياس، فقال: [[والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة الزكاة؛ فإن الزكاة حق المال]] فاستخدم القياس، وترك النص ﵁؛ لأنه لم يبلغه، أو نسيه.

стр. 7094

التلفظ بالشهادة لا تعصم الدم والمال الشهادة وحدها لا تعصم الدم، على رأي أهل السنة والجماعة إلا المرجئة، فـ المرجئة يرون أن من فقد انتهى الأمر، من اعتقد وشهد سواء صلى أم لم يصلِّ، ولذلك يقولون: لا يكفر من ترك الصلاة، لأن الصلاة عندهم عمل زائد على الإيمان. أما أهل السنة: فإنهم يرون أن الشهادة وحدها لا تعصم الدم، بل لا بد من الصلاة معها. وأما الزكاة فلا تدخل في هذا الحديث؛ لأن فيها خلاف؛ ولأن بعضهم منع الزكاة في عهد الرسول ﷺ وما قاتلهم, وقال فيمن منع أداء الزكاة: ﴿فإنا آخذوها وشطراً من ماله عزمة من عزمات ربنا ﵎﴾ وامتنع من أداء الزكاة بعض الناس، بعضهم لعذر، وبعضهم لنفاق، فما سمعنا أن رسول الله ﷺ قاتلهم، لكن هذا الحديث -كأنه والله أعلم- يخصص فعله ﷺ من قوله. أما الصلاة فإنهم يقاتلون، ويكفر من ترك الصلاة سواء جحداً، أو كسلاً على ما قسمه بعض الفقهاء، ولا أثر لهذا التقسيم وليس بصحيح. والمرجئة يقولون: اعتقاد وقول فحسب. والكرامية يقولون: قول فحسب، يقول: لا إله إلا الله، ويدخل الجنة، سواء اعتقد، أو لم يعتقد، صلى، أو لم يصلِّ، فهم ينقصون عن المرجئة بأنهم يقولون: قول فحسب. وقد مر معنا تقييم مذهبهم الباطل، فالشهادة وحدها لا تعصم الدم، فمن شهد أن لا إله إلا الله، ثم لم يصلِّ فدمه حلال، ولم يعصم دمه.

стр. 7095

المقاتلة غير القتل يرى الشافعي في هذه المسألة: أن قوله: ﴿أمرت أن أقاتل الناس﴾ هو على عمومه فيقاتلهم جملة هو في صف، وهم في صف، لا أنه قال: أمرت أن أقتل تارك الصلاة والزكاة، لكن بعض أهل العلم قالوا: لا، هذا لا يؤخذ من هذا الحديث، وإنما يؤخذ من أحاديث أخرى، فقاتلوا المشركين، يعني: قاتلوهم جملة، أما على الأفراد، فقد يسلم بعضهم، أو يتوب، أو بعضهم مستضعف لكنه خرج مع الجيش، فالمقاتلة غير القتل، ولا تؤخذ من هذا الحديث، وإنما ذكرت هذا؛ لأن ابن حجر أورده، واستراح لهذا الرأي؛ لأنه شافعي فصادف قلباً خالياً فتمكن. وابن تيمية رأى: أنهم يقاتلون على القتل، لا على المقاتلة؛ لأنه من المفاعلة المشاكلة, يقول: فمن يقتل يقتل على الجملة، ومن يتب يتب، لكن على القتل، من ترك الصلاة فإنه يقتل.

стр. 7096

أهل المعاصي لا يقاتلون أخذ هذا من أن الرسول ﷺ لما حصر المعاصي في ترك إقامة لا إله إلا الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فغيرها يؤخذ بالمفهوم، فما سكت عنه لا يؤخذ حكم المنطوق، كما أقره ابن حجر في هذا الخبر، وكذلك العيني في عمدة القاري، فإن أهل المعاصي لا يقاتلون. فإن من شرب الخمر وزنا؛ فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة أنه يقام عليه الحد، إلا أن يستحل هذه الأمور، فإنه يقتل. أما إذا عصوا الله ، فإنهم لا يقاتلون، لكن تقام عليهم الحدود، أما من استحلها، ورأى أنه لم ينزل الله تحريمها، أو أنكر التحريم، فهذا لو استحل أي سنة من السنن؛ فقد كفر، نسأل الله السلامة.

стр. 7097

ترك تكفير أهل البدع المؤدين للشرائع الملتزمين بالتوحيد أهل البدع لا يكفرون، وهذا أصل من الأصول ينبغي أن يفهم، وقد فهم، ويفهمه كثير، لكن أهل البدع إن ابتدعوا بدعة في الدين، فهم فسقة، ولا يكفرون ببدعهم إلا ما استثنى بعض أهل العلم مما سوف أذكره. وابن تيمية ﵀ له كلام جميل منقول في منهاج السنة، وجمعه الشيخ/ عبد الفتاح أبو غدة من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية فيما يقارب ثلاثين صفحة في حكم أهل البدع هؤلاء. يرى ابن تيمية ﵀: أنهم لا يكفرون، والحديث الذي يقول فيه ﷺ : ﴿تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة، واثنتان وسبعون في النار﴾ أو: ﴿كلها في النار إلا فرقة واحدة﴾ هم أهل السنة والجماعة يقول: إنه لا يلزم من ذلك تخليدهم ولا تكفيرهم، وهذا الحديث يقول: ليس في الصحيحين ولا في أحدهما، بل هو حديث حسن بمجموع طرقه في السنن، ثم يقول: لأن الله ذكر بعض العصاة، وقال: يدخلون النار, كالقاتل وكغيره ممن ارتكب بعض المحرمات، فدخوله النار لا يستوجب كفره. هذا الأمر الذي يُفهم، فـ الأشاعرة مثلاً والمعتزلة والجهمية على وجه العموم -إلا ما خصصه بعض أهل العلم بأعيانهم، أو من فعل كذا فهو كذا- لا يكفرون. أما الشيعة، فقسمهم ابن تيمية إلى قسمين: قسم أتى بما يوجب الكفر، فنكفره أبداً، وقسم أتى بما يوجب التفسيق، فنفسقه. فأما من أتى بما يوجب الكفر، كمن قال: بأن القرآن ناقص، ومن قال: إن الرسول ﷺ خان الأمانة. ومن تكلم في عرض عائشة ﵂ الصديقة بنت الصديق المبرأة من فوق سبع سماوات، ومن كفَّر الصحابة، فإنه يأخذ هذا الحكم. وأما غير ذلك, كأن قدم علياً ﵁ على أبي بكر وعمر، فهذا فاسق، أو اتهم بعض الصحابة، أو سب، فهذا يأخذ هذا الحكم، فلا يؤخذ من هذا الحديث تكفير أهل البدع، لأنه لم يذكر ﷺ إلا هذه الأمور، فمن أداها، وقام بها، ولم يأت بموجب الكفر الذي يعارض هذه الأمور، فهو مسلم على الظاهر، والسرائر عند الله ﵎.

стр. 7098

قد يخفى على العالِم ما يعلمه من هو أقل منه وهذا معروف في قصة أبي بكر، وقد خفي على العلماء من الصحابة بعض المسائل علمت من صغار الصحابة ﵃. فالمقصود: أنه لا يغتر بالكثرة الكاثرة أنها سلكت منهجاً، أو اعتقدت مبدأ أو طريقة أنها بذلك هي التي مع الصواب. أتى رجل إلى علي ﵁ يوم الجمعة، فقال: يا علي أرى أنك ظلمت. قال: [[ثكلتك أمك، ومن أخبرك أني ظلمت؟ قال: أتظن أن الزبير وطلحة وعائشة، وفلاناً وفلاناً ضلال وأنت على الحق؛ لأنهم قاموا في مواجهته. فقال علي ﵁: ثكلتك أمك، اعرف الحق تعرف أهله، ولا تعرف الحق بالرجال]]. اعرف الحق أنه حق؛ تعرف أهله تبعاً لا أصلاً، ولا تعرف الحق بالرجال، أي: لا تقل فلان يفعل كذا، وفلان كذا إذاً هو مصيب، فهذا خطأ، فالحق قد يكون مع الواحد، ويكفي أن يكون الواحد على الحق، وأهل السنة هم من اتبع الرسول ﷺ ، ولو كان واحداً.

стр. 7099

بيان أن الحكم للظاهر وإيكال السرائر إلى الله تعالى العمل في الظاهر مقبول من الناس، والسرائر إلى الله ﵎؛ لأن الرسول ﷺ يقول: ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة﴾ قد يكونون منافقين، وفعل هذا الأمر كثير من الناس عند الرسول ﷺ فما قاتلهم، فنحن نقبل سرائر الناس، ولذلك نأخذ بالتعديل في الشهادة، وفي التوفيق الظاهر من الناس، حتى في الإمامة لا نأتي إلى إمام مسجد، فنقول له: قبل أن تكبر اصبر، ما هو معتقد أهل السنة في الأسماء والصفات؟ وهل الله مستوٍ على عرشه حقيقة، وهل تعتقد كذا؟ فإن هذا تنطع وتعمق وبدعة ما أنزل الله به من سلطان. وكذلك يقول أهل العلم فيمن يذبح الذبائح وظاهره أنه مسلم لا نأتي إليه ونقول: هل أنت تصلي الخمس في جماعة؟ وتحضر الفجر؟ وتعتقد مذهب أهل السنة والجماعة في الصفات والأركان؟ وترى وترى وترى! هذا ليس بوارد، بل نكتفي في الجملة أننا نعرف أنه من المسلمين، وأنه يصلي -إن شاء الله- في الظاهر، ولكن السرائر إلى الله ، فهذا يعرف ويعلم من هذا الحديث، وعليه كلام أهل العلم. وفي الحديث أن كلمة (لا إله إلا الله) وإقام الصلاة، عصمت دم المنافق وماله في الدنيا، لكن حسابه عند الله ناراً تلظى، وهو في الدرك الأسفل من النار.

стр. 7100

عدم التعنيف على المخالف فيما يسوغ فيه الخلاف ويستفاد من هذا الحديث: اجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم، وعدم تثريب بعضهم على بعض، والخلاف وارد، ولذلك يقول سفيان الثوري ﵀: "من قلة علم الرجل أن يعنف على المخالف" إذا رأيت الإنسان يعنف على المخالف، فاعرف أنه لا أدب عنده ولا علم، ولذلك اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في الفروع، يقول ابن القيم في أعلام الموقعين: لكنهم بحمد الله وبفضله وبعونه لم يختلفوا في الأصول أبداً، وما تكلموا في الأسماء والصفات، ولا اختلفوا فيها، بل أجروها على الظاهر وسكتوا، ولذلك ما سمعنا من اختلف في الأصول، والرسول ﷺ كان يلقي عليهم الأسماء والصفات، فما كانوا يناقشونه، كان يقول ﷺ : ﴿يضحك ربك﴾ وهم فيهم العلماء والعباد والأعراب، فما كانوا يقولون: هل ضحك يليق بجلاله يا رسول الله أم لا؟ سكتوا؛ لأنه يعرف على الظاهر، أما في مسائل الفروع فاختلفوا، ولذلك يؤخذ من هذا عدم التثريب والتعنيف من بعض المخالفين على بعض، ومسائل الاجتهاد واردة. وابن تيمية له كتاب" رفع الملام عن الأئمة الأعلام " يبين أن الخلاف أنه قد يكون وارداً من عهد الصحابة، وقد ورد، ثم يعلل ويعتذر للأئمة بستة أعذار، قد سبق أن أوردنا بعضها، وبعض الناس يعنف على بعض المسلمين في سنن صغيرة لا تحتاج إلى هذا التشدد والتنطع والتعمق الذي لامه ﷺ . فأحدهم إن رأى بعض المسلمين يضم يديه على صدره قال: أين أنت من حديث علي: أنه تحت السرة. ثم يغضب عليه ويهجره، وهذا ما عنده من العلم إلا الجهل، والآخر يقول كذلك في دعاء الاستفتاح: لا تستفتح بذاك الدعاء؛ لأنه في أبي داود، وذاك في الصحيحين ثبت من طرق. فلسنا مأمورين بهذا، بل المنازع لا يثرب عليه، ولا يعنف، فما دام أن في المسألة خلافاً، فالأمر فيه سعة. هناك مسائل خلافية، فمن فعل هذا فقد أصاب، ومن فعل هذا فقد أصاب، لكن الإنسان يتحرى لنفسه الحديث الصحيح دون ما يعرضه على الناس، لك أن تعرف أن الحديث الصحيح الذي في البخاري يقدم على الحديث الضعيف في أبي داود، فتعمل به، لكن ترى بعض الناس يفعل هذا فلا تثرب عليه، وهذا من الاشتغال بالخلافيات، ومن التشديد على المسلمين، والتجهيل بسبب هذه المخالفات البسيطة التي ما أنزل الله بها من سلطان، ومن فعلها فهو آثم. حتى أن ابن تيمية ﵀ في كتاب أصول الفقه يرى أن المسائل المتنازع فيها يكون فيها سعة، وأنه لا يحرج على من فعلها، ولا يعنف عليه بل حتى ولا يرد عليه. مثلاً: الصلاة لمن دخل المسجد بعد صلاة العصر, فإن هذا وقت نهي عند بعض أهل العلم, لقوله ﷺ : ﴿لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس﴾ وبعض أهل العلم يرجح أنه يصلي ركعتين لقوله ﷺ : ﴿من دخل المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين﴾ فإن رأيت أحداً من الناس يصلي ركعتين، وأنت ترى عدم الصلاة؛ فلا تثرب عليه، ولا تعنف، لأن هذا الأمر فيه سعة، نسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية.

стр. 7101

شرح حديث: أي الأعمال أفضل ثم قال الإمام البخاري ﵀: باب من قال: إن الإيمان هو العمل، لقول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] وقال عدة من أهل العلم في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣] قال: عن قول لا إله إلا الله، وقال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) [الصافات:٦١]. قال: حدثنا أحمد بن يونس , وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا إبراهيم بن سعد , قال: حدثنا ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ سئل: ﴿أي الأعمال أفضل؟ فقال: إيمان بالله ورسوله قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور﴾. في الحديث كثير من القضايا التي مرت معنا لكن بقيت بعضها، منها:

стр. 7102

اختلاف الأجوبة بحسب الحال والمخاطب أولاً: يعرف أن الرسول ﷺ أجاب بأجوبة مختلفة، وقد مر معنا بعض الأسئلة التي عرضت عليه ﷺ ، والسؤال هو السؤال، ولكن الجواب تغير منه ﷺ ، فما هو سر هذه المسألة؟. ثانياً: لماذا كان يسأل ﷺ من بعض الناس عن فضائل الأعمال، وعن بعض المعاصي، فيجيب ﷺ بإجابات مختلفة؟ والقاعدة في هذا: أنه ﷺ كان يجيب على اختلاف الأشخاص والأحوال؛ لأنه معصوم ﵊، لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، أما غيره فإنه لا يستطيع ذلك مهما بلغ من العلم، فبعض أهل العلم يأتيه إنسان، فيقول: دلني على أفضل عمل، فيقول: أدلك على الجهاد في سبيل الله، وهذا السائل من أخوف الناس، يموت قبل الموت؛ لأن بعض الناس يموت قبل الموت مرات، فالرسول ﷺ ليست إجابته هكذا، كان ﷺ يعرف استعدادات الناس وما يستوعبونه، وما يمكن أن يقوموا به، وأن يوفوه حقه، فيخبرهم على قدر حاجتهم، وعلى ما يستطيعون له، ويقدرون عليه. أتاه أبو ذر ﵁، وأبو ذر فيه حدة ﵁ قال: أوصني يا رسول الله! لو قال له ﷺ عليك بالصدقة، فأي مال عند أبي ذر حتى يتصدق؟ أو إنفاق في سبيل الله، أو الجهاد؟ لكن قال له: ﴿لا تغضب، قال: أوصني، قال: لا تغضب، قال: أوصني، قال: لا تغضب﴾ فعرف ﷺ أن هذا الرجل دواؤه وعلاجه عدم الغضب؛ لأن الغضب مركوز فيه، ووجد فيه ﵁ حتى فيما بعد لم يستطع أن يسيطر عليه، لكنه غيَّر ما استطاع منه ﵁ وأرضاه. وروى عبد الله بن بشر كما في سنن الترمذي أن رجلاً قال: ﴿يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ، فأخبرني بشيء أتثبت به﴾ هل يقول عليك بالجهاد في سبيل الله؟ ماذا يفعل هذا عمره ثمانون سنة؟ قال: ﴿لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾ يذكر الله وهو راقد على الفراش، لا يصلي، ولا يصوم، ولا ينفق، ولا شيء من تلك النوافل، بل يسبح فقط، يحرك لسانه لأن أقوى شيء فيه لسانه. وأتاه ابن غيلان الثقفي وكان من أشجع الناس, كان جثة هامدة قوية، فأتاه فلما دخل عليه أسلم، فأحيا الله هذه الجثة بالإيمان، وأصبح حياً يقظان، فقال: دلني يا رسول الله على أفضل عمل، قال: عليك بالجهاد في سبيل الله؛ لأن هذا إذا حضر معركة نفع الله به. ويأتي الآخر، فيخبره ﷺ بما يمكن، لكن هذا لا يتهيأ لكل الناس، ولا لأهل العلم مهما بلغوا، وإنما يتهيأ للرسول ﷺ ، فيقول ابن حجر هنا: إن الرسول ﷺ سئل نفس هذا السؤال في حديث ابن مسعود، وفي حديث أبي ذر، وفي حديث أبي هريرة، فتغيرت الإجابات. فهنا يقول ﷺ حين سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: ﴿إيمان بالله ورسوله﴾ وعند ابن مسعود سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: ﴿الصلاة في أول وقتها﴾ وفي حديث أبي ذر سئل أي العمل أفضل؟ فقال: ﴿الجهاد في سبيل الله﴾. المقصود: أن النبي ﷺ لما أخبر بهذا راعى حال المخاطبين، فإنه قد يوجد في هذا المجلس الذي تكلم فيه ﷺ بهذا الحديث لفيف من الناس لم يقوَ إيمانهم، فلو قال: الصلاة في أول وقتها، ما كان حاجتهم إلى ذكر الصلاة أول الإجابة، بتلك الحاجة التي تحوجهم إلى أن يتعلموا الإيمان، فعرض ﷺ الإيمان، أما ابن مسعود فعالم من علماء الصحابة. وهل إذا سأل الرسول ﷺ أي الأعمال أفضل، وهو مؤمن من أخمص قدميه إلى شغاف رأسه هل يقول له ﷺ : إيمانك بالله ورسوله وهو مؤمن، لا. فقال: ﴿الصلاة في أول وقتها﴾ لأن لسان الحال يقول لـ ابن مسعود: لأنك إمام وعالم ومعتبر، فعليك بالصلاة في أول وقتها. ولذلك عبد الله بن مسعود ﵁، صاحب هذا السؤال أدرك أمراء يؤخرون الصلاة عن أوقاتها، فأفاده هذا الحديث، فكان يصلي في بيته الصلاة في أول وقتها، ثم ينزل إليهم في مساجدهم، فيصلي معهم، وصرح له ﷺ بأن قال- وهذا من حديث ابن مسعود وحذيفة - ﴿يا رسول إذا أدركت قوماً يميتون الصلاة عن وقتها -يؤخرونها حتى أصبحت ميتة، ولا أصبح لها أثر، ولا قبول، ولا محبة، ولا رفعة- فماذا أفعل؟ قال ﷺ : صل الصلاة على وقتها، ثم صلِّ معهم﴾ وفي رواية أبي ذر: ﴿ولا تقل إني صليت﴾ لكن صل في بيتك، ثم تعال فصل معهم، فكان يفعلها الصحابة لما أتى بنو أمية، فأماتوا الصلاة، وأخرجوها عن وقتها، حتى يقول ابن تيمية: إن من سبب زلزلة ما كانوا عليه من سلطان، تأخير الصلاة عن أوقاتها، لما أخروها أخرهم الله . فالمقصود: أن الرسول ﷺ يغير الإجابات بحسب أحوال السائلين. وفي الحديث أيضاً: ترتيب الأعمال على الإيمان؛ لأنه وجد في المجلس من لم يستعد أولاً بالإيمان, أو لفيف من المسلمين الذين هم حديثو عهد بالإسلام، فأخبرهم ﷺ أنه لا عمل، ولا قبول، ولا حج إلا بالإيمان.

стр. 7103

تفضيل الجهاد على الحج لما فيه من نفع متعدٍ قدم الرسول ﷺ هنا الجهاد على الحج، مع أن الحج ركن والجهاد في سبيل الله ليس بركن عند جمهور العلماء، وإن كان بعضهم قالوا: إنه ركن، عدوه ركناً سادساً؛ لأن الرسول ﷺ يقول في حديث معاذ عند الترمذي: ﴿وذروة سنامه الجهاد﴾ لكن الصحيح أنه ليس بركن، وقالوا: إن سبب تقديم النبي ﷺ له على الحج، لما فيه من نفع متعد؛ لأن المجاهد يرفع راية الله، ويحمي حوزة المسلمين، ويدفع الكفار، وأما الحج، فإنه يحج لنفسه، فاهتم به ﷺ .

стр. 7104

الاعتقاد القلبي عمل القضية الرابعة: اعتقاد القلب عمل. يريد البخاري بهذا الكلام أن يبين أن اعتقاد القلب عمل؛ لأنه ﷺ سأله سائل: ﴿أي العمل أفضل؟ فقال: إيمان بالله ورسوله﴾ فجعله ﷺ عملاً، ولذلك يقول البخاري: باب من قال: إن الإيمان هو العمل. ثم أتى بهذا، وهو شفاف دقيق ﵀ رحمة واسعة وهو من أذكياء العالم كما يقول أهل العلم عنه، يأتي بالفائدة، فلا تدرك عند كثير من الناس، وحتى يأتي ابن المنير كثيراً، فيقول: ما مناسبة هذا الباب لهذه الترجمة؟ من أين أتى البخاري بهذا الباب لهذه الترجمة؟ ويقول ابن التين: أظن البخاري غلط وأتى بباب وركب حديثاً عليه، لكن ابن حجر يقول: لم يغلط، ولا ركب، ولا اضطرب، بل هو الصحيح معه، ثم يوجه ما قاله.

стр. 7105

معنى قوله : (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) قال أهل العلم: إنما قال الله : ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الزخرف:٧٢] دليل على الاستحقاق، أي لما أحقها الله كانت كأنها حق لكم في الإرث, لا أنكم ورثتموها كابراً عن كابر. وقال بعضهم: لا. لما قسمت الجنة بعلم الله أصبحت ميراثاً ينتظره المؤمن وكل من يدخل الجنة. فنسأل الله ألا يحرمنا ذاك الميراث: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] كيف هنا يقول: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] وهناك يقول ﵊: ﴿لن ينجوا أحدكم بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته﴾ فكيف ينفي ﷺ دخول الجنة بالعمل، والله يقول: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢]. لـ ابن القيم في هذا مذهب، ولبعض أهل العلم مذهب آخر، فـ ابن القيم ﵀ يقول هنا: هي المنازل في الجنة بالعمل، أما الدخول فبرحمة الله، وأما المنازل والدرجات فبالعمل، من يدخل الجنة برحمة الله -نسأل الله من فضله- لكن المنازل والدرجات تختلف باختلاف العاملين، فالله يقول: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الزخرف:٧٢] أي: الدرجات والمنازل: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] أما الدخول فعلى حديث الرسول ﷺ فهو برحمة الله. وبعضهم يقول ويميل إليه ابن حجر: أن معناها: أنكم لما عملتم العمل، قبله الله منكم، وقبول العمل من الله رحمة، فمعنى حديث رسول الله ﷺ : ﴿إلا أن يتغمدني الله برحمته﴾ أي يقبل عملي الصالح، ويتجاوز عن السيىء، كقوله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦] فهناك تقبل من الله للعمل الصالح، وتكفيره للسيء رحمة وهذا كأنه أولى -والله أعلم- وعليه كثير من أهل العلم؛ ولأن الآيات تأتي ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] بالمقابلة والعوض، وعلق عليه الشيخ/ عبد العزيز بن باز، قال: إنها للسببية، وابن حجر يرى: أنها للمقابلة والعوض، فأما السببية، فإنه قد لا يدرى، لكن هي سبب في الأعمال، لكن الصحيح أن الله يرحم من يرحم منا بقبول العمل، وبتكفير السيئات، وهي رحمة. وأما قول البخاري (وقال عدة من أهل العلم) أبهم الكلام وهم أنس ﵁، وابن عمر، وأبو ذر , قالوا في قول الله : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣] قيل: عن قول: لا إله إلا الله، فشاهد البخاري أنه لما قال: لا إله إلا الله اعتده عملاً، فالقول والاعتقاد والعمل كله دين، وهنا يريد أن يثبت هذا، ويريد أن يرد على الكرامية الذين قالوا: العقيدة إنما هي قول، وعلى المرجئة الذين قالوا: إنما هي اعتقاد وقول، ثم يريد أن يثبت أن القول والعمل والاعتقاد كلها دين من دين الله : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣] أي عن قول: لا إله إلا الله، وهذا مذهب، وقيل: ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٣] وهو رأي لبعض المفسرين: عما كانوا يعملون من الجرائم في الحياة الدنيا. وقال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١]. أي لمثل هذا النعيم الذي ذكره الله في سورة الصافات فليعمل العاملون، فاستدل به البخاري على أنه لابد أن يقدموا عملاً، فإنه دين يدخلون به الجنة، وهو دين الله ، وابن المبارك كان يدعو الله أن يتوفاه غريباً؛ لأنه ثبت في بعض الأحاديث أن الغريب شهيد، وأتى به السيوطي في تنوير الحوالك في شرح موطأ الإمام مالك، وذكر أن الغريب شهيد. وكان ابن المبارك له ثوب يصلي فيه, فإذا صلى قال: [[اللهم أمتني غريباً وكفني في ثوبي هذا]] واستحب بعض أهل العلم مثل: ابن المبارك وإسحاق بن راهويه أن المسلم يدفن في ثيابه التي كان يصلي فيها ويصوم فيها، ويعبد الله فيها؛ لأن آثار العبادة عليها، ولذلك كفن ﷺ في ثيابه التي كان يصلي فيها ﷺ ، وكفن أبو بكر في ثيابه ﵁. الشاهد: أن ابن المبارك أنه لما حضرته الوفاة توفي في جيت -بلد من البلدان في الشمال- وهو غريب، فبكى غلامه وقال: يا أبا عبد الرحمن! أبعد العلم، وبعد الإفادة، وبعد تلك المجالس تموت وحيداً، قال: اسكت، فإني سألت الله أن يميتني غريباً، ثم التفت ابن المبارك، ثم تبسم وضحك - وهو في سكرات الموت- ثم قال: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] وكأنه والله أعلم رأى مقعده في الجنة، أو رأى بعض المبشرات.

стр. 7106

شرح حديث: إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه قال البخاري ﵀: باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام، أو الخوف من القتل، لقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]. فإذا كان على الحقيقة، فهو على قوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]. حدثنا أبو اليمان , قال: أخبرنا شعيب عن الزهري , قال: أخبرنا عامر بن سعد بن أبي وقاص عن سعد ﵁: ﴿أن رسول الله ﷺ أعطى رهطاً -وسعد جالس- فترك رسول الله ﷺ رجلاً هو أعجبهم إلي، فقلت: يا رسول الله! ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمناً، فقال: أو مسلماً. فسكت قليلاً، ثم غلبني ما أعلم منه، فعدت لمقالتي، فقلت: ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمناً، فقال: أو مسلماً، ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي، وعاد رسول الله ﷺ ، ثم قال: يا سعد إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليَّ منه خشية أن يكبه الله في النار﴾ ورواه يونس وصالح ومعمر وابن أخي الزهري عن الزهري.

стр. 7107

ترجمة سعد بن أبي وقاص سعد ﵁ هو خال الرسول ﷺ , وخوله يعني: قريبه من قرابة خئولته ﷺ ، وهو أحد المبشرين بالجنة. قال له ﷺ يوم أحد: ﴿ارم سعد فداك أبي وأمي﴾ يقول علي: [[والله ما سمعت رسول الله ﷺ يفدِّي أحداً إلا سعد]] وقال ﷺ : ﴿هذا خالي فليرني كل خاله﴾. وسأل سعد الرسول ﷺ عن أسباب إجابة الدعوة، فقال له: ﴿أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة﴾ ولذلك قال له ﷺ : ﴿اللهم سدد رميته، وأجب دعوته﴾ فكان كلما دعا أصابت دعوته بإذن الله. وثبت عنه أنه لما قطعت الجسور بالنار، قال: يا خيل الله اركبي -خيل المسلمين- وقد وقعت في الماء، ووقع كثير من الجيش، فجمَّد الله لهم النهر فمشت بإذن الله حتى خرجتْ. يقول أبو إدريس وكان معهم: فَقَدَ رجل منا مخلاه، فرجع إليها، فوجدها معلقة في شجرة في النهر، فأخذها وخرج. وثبت في البخاري أن عمر ﵁ ولاه على الكوفة , وأهل الكوفة كانوا من أشغب الناس حتى انتقم الله لسعد، وعلي بن أبي طالب بـ الحجاج بن يوسف الثقفي، علمهم كيف يتعاملون مع المؤمنين، فهؤلاء نقموا على سعد حتى الصلاة يقولون: لا يعرف يصلي، فحاكموه إلى عمر ﵁. قال سعد: [[عجباً لبني أسد، قاتلتهم على الإسلام بيدي هذه، وأدخلتهم بسيفي في الدين، ثم ينقمون علي الصلاة، والله إني كنت أركد في الأوليين، وأحذف في الأخريين]] قال عمر ﵁: ذلك الظن بك يا أبا إسحاق، ثم أرسل عمر ﵁، ليستجلي الأمر؛ لأنه ﵁ كان فيه من الدهاء والذكاء الشيء العجيب، والعلوم بالله ، لكن لا بد من الفطنة. فأرسل محمد بن مسلمة وقوماً معه من الأنصار، فلما وصلوا الكوفة مروا بالمساجد جميعاً ومعهم سعد شبه المعزر يماشيهم ويقول محمد بن مسلمة: هذا أميركم أتنقمون عليه شيئاً، فيثنون عليه، وعلى صدقه وأمانته، وزهده وعبادته، فمروا بمسجد بني عبس - ناحية من نواحي الكوفة - فقال شيخ كبير: أما إذا سألتمونا فوالله ما كان يمشي مع السرية، ولا يعدل في الرعية، ولا يقسم بالسوية، ولا يحكم في القضية، أو كمال قال، سجع كلامه. فقال سعد: [[اللهم إن كان عبدك هذا قام رياءً وسمعة فأطل عمره، وكثر ماله وولده، وعرضه للفتن]] فكبر هذا الشيخ على كبر سنه وتعرض للفتن، وأكثر الله ماله وولده وشغله، حتى كان يتعرض للجواري -للبنات- في سكك الكوفة ويغمزهن، ويقول: شيخ مفتون، أصابتني دعوة سعد. وذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء: أن سعداً ﵁ كان يخطب في الكوفة، فنزل من على المنبر بعد أن صلى بالناس وخرج، فإذا الناس مجتمعون ويسمع ضجة وصجة، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا رجل يسب علي بن أبي طالب، فتقدم إليه سعد، وقال: لا تسب أخي -يقصد أخاه علي ﵁ فقال الرجل: والله لأسبنه، فقال سعد: اللهم اكفناه بما شئت-يعني هذا الرجل- قال: فندّ جمل من الكوفة، وأتى إلى المسجد، فتأخر الناس عنه، فقرب من هذا الرجل فلطمه الجمل بيده - لطم الرجل، وهذا سنده صحيح- فوقع الرجل ميتاً على الأرض، فأجاب الله دعوة سعد. قيل لـ عامر الشعبي: ما قولك في أهل صفين؟ في قوم معاوية وعلي. قال: أهل الجنة التقوا، فاستحيا بعضهم من بعض. استحيا بعضهم أن يقر من بعض، هؤلاء من الجنة وسلفت أعمالهم. ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤] ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]. إنما الشاهد أنه اعتزل الفتنة ﵁، وخرج بخيمة وبغنم يرعاها في الصحراء، فقال له ابنه: أتترك الخلافة والناس يتقاتلون على الملك وترعى شويهاتك؟ قال: اغرب عني لا أم لك، والله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿إن الله يحب العبد الخفي النقي التقي﴾. ولما أتته الوفاة كانت ابنته عائشة عند رأسه، فبكت، قال لها: [[ابكي، أو لا تبكي والله إني من أهل الجنة]]. قال الذهبي: صدق والله، هنيئاً له ومريئاً، فقد أخبره ﷺ أنه من أهل الجنة.

стр. 7108

الأسئلة

стр. 7109

الإرجاء عند الأحناف السؤال لقد ذكرت أن من المرجئة الأحناف، فمن من الأحناف من المرجئة؟ الجواب أما أبو حنيفة ﵁، يقولون: نسبة القول له خطأ، وكتاب" الفقه الأكبر " ليس له، وإنما ألفه بعض طلاب طلابه في القرن الثالث، مصرحاً: بأن الأعمال تدخل في الإيمان، أما بعضهم، فصرح بهذا ووجد عنه وذكر ذلك اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، وابن حجر دائماً يتعرض له، كما مر معنا في أكثر من ستة مواطن، وهذا معروف أنه قولهم مما أعرف بالذات من الذي قاله بأعيانهم، لكن هذا قول للأحناف.

стр. 7110

الجمع بين حديث: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) وبيان ذم الكثرة السؤال قلت: إن الكثرة دائماً معها الضلالة والخطأ، وقول الرسول ﷺ : ﴿لا تجتمع أمتي على ضلالة﴾ فما هي درجة هذا الحديث؟ وكيف يوفق بين هذا الحديث وما قلت؟ الجواب أنا ما قلت دائماً أن الكثرة معها الخطأ، بل قلت في الغالب وفي الجملة، وفي الاستقراء من الكتاب والسنة أن الكثرة دائماً مذمومة، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة:١٠٠]. ولكن لا بد من احترازات؛ فإن الكثرة قد تصيب، وأنا ما قلت ذلك على إطلاقه، أما قول الرسول ﷺ : ﴿لا تجتمع أمتي على ضلالة﴾ فهذا الدليل على الإجماع، فلا تجتمع على ضلالة، إذا اجتمعت الأمة علماؤها واجتمع جمهورها على أمر، فيعلم أنه حق، مع العلم أن هذا الحديث ليس بصحيح وفيه ضعف، ولو أنه صحيح لأخذه الشافعي به من أول الطريق وارتاح؛ لأنه جلس يقرأ القرآن عشرات المرات حتى أخرج دليل الإجماع الذي يقول فيه ابن حزم الظاهري والشوكاني: ليس بدليل للشافعي ﵀؛ لأنه يقول: قرأت القرآن أبحث عن الإجماع حتى وجدت قول الله : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥]. مع العلم أنه ليس كما تعرفون، وليس بقاطع في الإجماع؛ لأنه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء:١١٥] والذي يخالف في رأي ما شاق الرسول ﷺ بل فهم أمراً: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥]. فقالوا: إن التهديد والتنديد والتوعيد بنار جهنم إنما هو على أمور كفرية اعتقادية تخرج صاحبها، مع العلم أني لا أناقش أدلة الإجماع في هذا المكان إنما أقول: إن هذا الحديث ضعيف. وأما استدلال الجمهور بالإجماع، فهذا له بحث آخر، والإجماع حجة عند أهل العلم، إلا من أنكره بأدلة، لكن يقول بعض أهل العلم: لم تثبت مسألة واحدة أنه أجمع عليها الناس حتى نقلت إلينا, حتى إجماعات ابن المنذر يقول الإمام أحمد: هي كمهب الريح، يقول: أجمع الناس على أن الظهر أربع. معروف، وأجمعوا على أن المغرب ثلاث، وأجمعوا على أن الفجر ركعتان، فهذه تعرف من النصوص الصريحة الصحيحة، لكن الإجماع حجة لا شك، والأمة إذا أجمعت وإذا تألفت كلمتها، فإجماعها حجة، ولا يرد الإجماع إلا من لا يرى حجية الإجماع، "وفسر الماء بعد الجهد بالماء".
следующие страницы →