Полный текст (10 391 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.
стр. 7666
معنى قول: (فداك أبي وأمي)
وقال: (يا رسول الله! بأبي أنت وأمي) أي: أفديك بأبي وأمي، وهذا شرف عظيم، وابن تيمية كان إذا ذكر الرسول ﷺ ، كما في الصارم المسلول في الرد على شاتم الرسول، يقول: بأبي هو وأمي، إي والله! ويقول الذهبي: بنفسي ذاك المصطفى ﷺ ، وكان الأنصار يقولون: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، ويقول حسان لـ أبي سفيان بن الحارث:
أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء
إلى أن يقول:
فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء
ويقول الأعرابي:
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه الحياء وفيه الجود والكرم
يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
يقول: بأبي أنت وأمي، لكن الرسول ﵊ لم يكن يقولها إلا في القليل النادر لبعض الناس، وتأملوا وتخيلوا الرسول ﷺ يقول في بعض المواقف لبعض الناس من الصحابة: ﴿ارمِ فداك أبي وأمي﴾ سبحان الله! ويا له من شرف عظيم!
وهذا هو سعد بن أبي وقاص كما في الصحيحين، أخذ يرمي وكان من أرمى الناس، فما كان يرمي إلا وتأتي في رأس كافر، لا يخطئ أبداً، إنه دعاء الرسول ﷺ ، كان يأخذ كنانته، ويأخذ أسهمه، ثم يضعها ويرمي، وسواءً قد قرر المكان أو صمم على الهدف، أو وجه على المرمى أولا؛ فإنها ستقع، قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
دعها سماوية تجري على قدر لا تفسدنها برأي منك منكوس
فأتى ﵁ وأرضاه يوم أحد وعنده أسهم طويلة في رءوسها مشاقص من الحديد! فكان يضرب بها ويرمي، ويرى الرسول ﷺ الرءوس تسقط على الأرض، فتبسم ﷺ ، وقال: خذ يا سعد! ويعطيه ﷺ من كنانته وهو الذي دعا له.
فيعطيه، ويقول: ﴿ارمِ سعد فداك أبي وأمي، ارمِ سعد فداك أبي وأمي﴾ ولذلك يقول علي بن أبي طالب كلمة حق يسأل عنها عند الله: ما جمع رسول الله ﷺ لأحد أبويه إلا لـ سعد بن أبي وقاص يوم أحد، فإني سمعته يقول: ﴿ارمِ سعد فداك أبي وأمي﴾ والرسول ﵊ لم يكن يعطي هذه التوشيحات والأوسمة إلا لأناس كبار في الإسلام.
أتى رجل من الأنصار وكان من أشجع الناس، تكسَّر سيفه من كثرة الضرب يوم بدر، وتثلم, ولم يبقَ منه إلا المقبض، فأتى إلى الرسول ﷺ يقول: يا رسول الله! أريد سيفاً، الرجل هائج مائج، قال الرسول ﷺ : انتظر؛ فأخذ الرسول ﷺ عوداً، ليس عنده سيف، فقال: خذ هذا هزه، فهزه فإذا هو سيف! وهذا ثابت بأسانيد صحيحة، فأخذه فضرب به فما تثلم، بل بقي يضرب جيداً، وبقي مع الرجل حتى يقال في بعض الروايات دفن معه في القبر ليلقى الله به.
حتى إذا سئل ما هي شهادته؟ يقول: هذا السيف، سلخت به أعداءك في سبيل الله، ليست هذه الشهادات الورقية التي إذا لم نعمل بها فو الله إنها خسارٌ وبوار وعار وشنار ودمار، إلا أن يغفر لنا الله بالعلم النافع.
فالرسول ﷺ قد يعطي بعض الأوسمة والأمور في بعض المواقف.
أتى أبو دجانة، وهو من الأنصار وكان من أشجع الناس، وكان معه لفافة حمراء يخرجها إذا حضرت المعركة ويربط رأسه، معناها (خطر ممنوع الاقتراب) فكان إذا أخرجها، قال الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت، أي: تأخروا، وأفسحوا له الطريق، فأتى يوم أحد؛ فأخرج عصابته فلف رأسه بها، فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت؛ أي: غضب، فقال ﷺ : من يأخذ هذا السيف؟ فقال المهاجرون والأنصار: نحن يا رسول الله! كلٌ يمد يده، قال: من يأخذه بحقه، فسكتت الألسن ونزلت الأصابع، وبقي أبو دجانة رافعاً يده الوحيد، وقال: ما هو حقه يا رسول الله؟ قال: ﴿أن تضرب به حتى ينحني﴾ هذا حقه، لم يقل حقه أن تغمده، أو تدخله عند الصانع، أو تلبسه وتتمشى به وتتبختر، حقه أن تضرب به حتى ينحني، قال: أنا آخذه بحقه.
قال أنس: فذهبت وراء أبي دجانة، فرأيته يفلق به هام المشركين، وفي آخر النهار أتى به وهو منحنٍ من كثرة ما ضرب به ﵁ وأرضاه.
стр. 7667
سبب خوف النساء من عمر
ونعود إلى قصة عمر، قال: بأبي أنت وأمي، والشاهد أنه ﷺ فدى بعض أصحابه بهذا، فقال: ﴿عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، لما سمعن صوتك تبادرن الحجاب﴾ أي: أنه ﷺ يضحك ويعجب من هؤلاء النساء، وهن ناقصات عقل ودين، أشرف الخلق وأجل البشر ﷺ جالس، فلما أتى رجلٌ من رعيته وطالب من طلابه فررن، وهذا ليس من وضع الأمور في مواضعها، فقال عمر -انظر الحصيف العاقل لو كان غيره لسكت، وقال في نفسه: هيبة مني لمكانتي، ولشخصيتي الكبرى، ولعظمتي، لكنه تواضع وأرخص نفسه أمام الغالي ﵊ فقال: ﴿أنت أحق أن يهبنك يا رسول الله! ثم أقبل عليهن وقال: يا عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ ﴾.
فقالت امرأة منهن عاقلة: إنك أفظ وأغلظ من رسول الله ﷺ .
وأفظ وأغلظ -هنا- ليست للمفاضلة، فليس المعنى: أن رسول الله ﷺ فيه فظاظة وغلظة، لكن عمر أغلظ, لا.
بل هي من باب ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨] ليس هناك حاكم والله أحكم منه، فليست للمفاضلة، إنما وردت هكذا.
فمعناها: إنك فظ غليظ، لأنها لو كانت للمفاضلة لكان هناك قدر ينسب إلى الرسول ﷺ وينسب إلى عمر، فقال رسول الله ﷺ : ﴿إيه يا ابن الخطاب! والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك﴾.
وإيه: تستخدم على صور:
منها: متى أردت أن يسترسل المخاطب في الحديث الذي يتكلم فيه، فتقول: إيه, أي: زد زد
وإيهٍ: إعجاب بهذا الشخص، يقول: أنت البطل الذي لا مثله أحد.
ففي صحيح مسلم عن عمرو بن الشريد قال: كنت ردف الرسول ﷺ ، فقال لي: ﴿أتحفظ شيئاً من شعر أمية بن الصلت، قلت: نعم، قال: أنشدني، قال: فأنشدته بيتاً، فقال: إيه، فأنشدته بيتاً، فقال: إيه، فأنشدته ثالثاً، فقال: إيه، فأخذ يقول: إيه، حتى أنشدته مائة قافية، ثم قال ﷺ : آمن لسانه وكفر قلبه﴾ أو كما قال ﷺ .
فيقول لـ عمر: إيه، أي: ما أعجبك وما أحسنك! وهكذا كن يا ابن الخطاب! استمر على هذا المنوال, من القوة والعظمة.
انظر إلى المربي العظيم، لم يحسده ﵊ لأن له هيبة، إنما أراد أن يوجهه؛ لأنه في ميزان حسناته، وهو من مدرسته، ومن خريجي صرحه العظيم ﵊ ﴿والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك﴾ وورد في الآثار بأسانيد تقبل التحسين: أن عمر ﵁ وجد عفريتاً من الجن واقفاً؛ فقال عمر: من أنت؟ قال: أنا عفريتٌ من الجن، قال عمر: تصارعني، قال: نعم.
فصرع عمر ﵁ العفريت في الأرض، وألصقه بها، فقام الجني مرة ثانية فصرعه، فقام ثالثة فصرعه وبرك على صدره، فقال العفريت: لقد علمت الجن أني من أقواهم، فكيف بالضعاف! ففر، وفي الأخير أخبرهم خبراً، وأعلن لهم إعلاناً طارئاً ممنوع الاقتراب من عمر ﵁ وأرضاه.
قال بعض أهل العلم من الشراح: إنما ذلك لقوة إخلاصه ولصدقه مع الله ، ولتجلي قلبه لما يرد عليه من الوضوح جعل الله فيه قوة، فهو من أعظم الناس إيماناً، ولذلك يقول ﷺ : ﴿عرض الناس علي في المنام وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها مادون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره.
قالوا: ما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين﴾ فدينه بلغ الغاية، وكان محدَّثاً، أي: ملهماً من الله ، يتكلم بشيء فيقع كما قال, وترجمته في غير هذا المكان.
стр. 7668
ضحك النبي من أصحابه بعد حصار الطائف
وعن عبد الله بن عمر، قال: ﴿لما كان رسول الله ﷺ بـ الطائف قال: إنا قافلون غداً إن شاء الله﴾ فقال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : لا نبرح حتى نفتحها، أي: لا نسير من هنا حتى نفتح حصون الطائف؛ لأنه حاصر الطائف ﷺ وطال الحصار، وفي الأخير اضطر بعض جيشه ﷺ وكتائبه أن تقتحم بعض الأسوار، ولكن لم ينفع، ولم ينزل العدو من الحصون، فقال ﵊: ﴿نرتحل غداً إن شاء الله﴾ فقالوا: لا نبرح حتى نفتح حصون الطائف، فقال ﷺ : ﴿فاغدوا على القتال﴾ أي: قاتلوا غداً، قال: فغدوا فقاتلوا قتالاً شديداً، وكثر فيهم الجراحات، وأصابهم جراح ورمي بالأسهم، وبالنبال، وبالحجارة، فقال رسول الله ﷺ : ﴿إنا قافلون غداً إن شاء الله﴾ بعد الجراح والرمي؛ فسكتوا، فضحك رسول الله ﷺ ، أي: ذاقوا الأمرين من اليوم الأول، فأصبح أدنى شيء يمكن أن يسيرهم إلى المدينة المنورة.
قال الحميدي: حدثنا سفيان بالخبر كله، والحميدي هو: عبد الله بن الزبير شيخ البخاري، ليس الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين، وسفيان هنا هو: سفيان بن عيينة، حدثهم بالخبر كله، إنما الشاهد أن الرسول ﷺ ضحك من الصحابة، وهذا يسمى ضحك ملاطفة، حيث لاطفهم ﷺ في ذلك.
стр. 7669
رفق النبي ﷺ بأصحابه وحلمه العظيم
стр. 7670
حديث الذي وقع على امرأته في نهار رمضان
وعن أبي هريرة ﵁ قال: ﴿أتى رجل النبي ﷺ ، فقال: هلكت! وقعت على امرأتي في رمضان، قال: أعتق رقبة، قال: لا أستطيع، قال: فصم شهرين متتابعين، قال: لا أستطيع، قال: أطعم ستين مسكيناً، قال: لا أجد، فأتي بعرق فيه تمر -قال إبراهيم: العرق: المكتل، والمكتل مثل الزنبيل- فقال: أين السائل؟ قال: نعم.
يا رسول الله! قال: اذهب فتصدق بهذا، قال: على أفقر منا؟ والله ما بين لابتيها بيتٌ أفقر منا، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، قال: فأنتم إذن﴾.
ملخص القصة: أن الرسول ﵊ كان جالساً مع أصحابه في منتدى عام، فأتى رجل بوجهه وفيه الأسف واللوعة والحرقة من أمر تم عليه، وهو أنه واقع امرأته في شهر رمضان، وهو يعلم أنه ذنب، لكنه لا يدري بالكفارة، فأتى وقال: يا رسول الله! هلكت، وهذا بيان عام لا بد له من تفسير؛ لأن من تكلم بمجمل من العلم أو بشيء عام فلا بد أن يفسر ويفصل، والسائل إذا سأل سؤالاً عاماً فعلى العالم أن يسأله عن حيثيات السؤال، وعن جزئياته وقرائنه، وعن سياقاته وظروفه التي اكتنفت به، ليجيب على بصيرة.
أما أن يقول: هلكت، فيقول الرسول ﷺ : لا، ما هلكت غفر الله لك، فالقصة لم تعرض حتى الآن، ولذلك قال ﵊: وما أهلكك؟ في بعض الروايات قال: وقعت على أهلي في رمضان، أي: في نهار رمضان ليس في الليل؛ لأن هذا معروفٌ عندهم، ولو أنه كان ممنوعاً في أول الإسلام لكنه نسخ.
قوله: والله ما بين لابتيها اللابة هي: الحرة من حرتي المدينة، والمدينة بين لابتين، تكتنف تلك المدينة الطيبة الطاهرة التي يرقد في ثراها الرسول ﵊، وهي والله تحب لمحبة من جلس في تلك البقاع، ومن رقد في ذاك الثرى.
أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا
ولذلك نحن نحب جبل أحد، ونشهد الله أننا نحبه، وجبل أحد ليس فيه تفاح ولا موز ولا برتقال، وليس فيه نهر زلال، وليس فيه خلايا عسل، وإنما هو جبل أجرد أمرد أسود، لكننا نحبه؛ لأن الرسول ﷺ يقول في الصحيح: ﴿أحد جبل يحبنا ونحبه﴾ فنحن لذلك نحبه.
وسيد قطب له في الظلال لمعان، لما مر بقول الرسول ﷺ : ﴿أحد جبلٌ يحبنا ونحبه وهو من جبال الجنة﴾ قال: انظر إلى الأنس بين المؤمن والكائنات لما اتجهت إلى الله ، وبعض البقاع يُغضب عليها لبغض أصحابها، ومن سكن فيها، ومن جاورها، والسعادة تحل في البلد الذي يحل فيه الصالحون والأخيار، يقول أحمد شوقي:
وإذا الكريم أتى مزوراً بلدة سال النضار بها وقام الماء
النضار: الزهر، وقام الماء: أي: أصبح له كيان في أمور أخرى.
قال: فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، فقال: ﴿فأنتم إذن﴾ فذهب الرجل لا كفارة عليه، ولا عتق، ولا صيام، ولا إطعام ستين مسكيناً، وعاد يحمل تمراً إلى أهله، وهذا من يسر التشريع، ومن يسر هدايته ﷺ ، ومن شريعته الكاملة الجميلة العميقة عليه أفضل الصلاة والسلام.
стр. 7671
حديث في بيان حلم النبي ﷺ وصبره
ثم ينتقل بنا البخاري في روضة أخرى، يقول أبو الحسن الندوي وهو يتكلم عن البخاري:
يزيدك وجهه حسناً إذا ما زدته نظرا
كلما نظرت في صحيح البخاري نقلك من روضة إلى روضة، فكأنه يعطيك العلم مجاناً وهو الواقع، قال: عن أنس بن مالك قال: ﴿كنت أمشي مع رسول الله ﷺ ، وعليه بردٌ نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه -يستخدم جذب وجبذ كذا في العربية- بردائه جبذة شديدة، قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ وقد أثرت فيها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! أعطني من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء﴾.
وبيان الحديث: أن الرسول ﷺ كان يمشي في سكة من سكك المدينة وعليه بردٌ، والبرد أشبه شيء بالفرو الغليظ، بردٌ نجراني غليظ الحاشية، أي: حاشيته ليست خفيفة لطيفة، فأتى أعرابي، وانظر ماذا يفعل بالرسول ﷺ ! فاقترب من الرسول ﷺ ، وقد جاء من البادية، لا عنده أدبٌ، ولا علمٌ، ولا فهمٌ، فأتى إلى الرسول ﷺ فأخذ رداءه، ثم جبذه جبذة شديدة، يجبذ معلم الخلق ﷺ ، ثم ليته سكت، أو قال: عفواً أو سامحني، بل قال: أعطني من مال الله الذي عندك، وفي بعض الروايات: لا من مال أبيك ولا من مال أمك.
ما هو الداعي لهذا الكلام؟ ولماذا هذا التصرف؟ إنه من قلة معرفة قدره ﷺ ، وإلا لو أتى وسلم وتبسم، وقال: يا رسول الله! أعطني من مال الله، أعطني أعطاك الله؛ لكان خيراً له، لكن ضربٌ ومعاندة وكلام غليظ، ولو كان غير الرسول ﷺ ، لقال: خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلوه، لا نراه ولا يرى الشمس أبداً، ولا رئيت إلا بطون أقدامه في الجو.
فلما جبذه، التفت إليه فضحك ﷺ ، وكذلك ما التفت إليه وهو ساكت، التفت إليه وهو يضحك أي مرب هذا المربي؟! وأي مرسل هذا المرسل؟! وأي معلم هذا المعلم عليه أفضل الصلاة والسلام؟ إن الذي لا يتعلم من سيرته سوف يبقى حقيراً صغيراً في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولن يكون عنده من الفهم ولا من المعرفة ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:١٩] الأعمى هو الذي لم يتجه إلى سيرته ولا إلى سنته، والأصم هو الذي ما سمع هديه ولا أحاديثه ولا عمل بها؛ فليفهم هذا.
قال: فأمر له ﷺ بعطاء، ولو أنه أدبه، أو أنكر عليه، أو شدد عليه لذهب داعي السوء إلى قومه، وقال: احذروا لا تسلموا، أنا ذهبت إلى هذا الرسول ففعل بي كذا وكذا، ولكن عاد إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام، فأسلموا جميعاً.
стр. 7672
تبسمه لجرير بن عبد الله ﵁
وعن جرير قال: [[ما رآني النبي ﷺ إلا تبسم]] وهو جرير بن عبد الله البجلي، سيد بجيله، قبيلة من قبائل الجنوب، وهو يوسف هذه الأمة، إذ كان من أجمل الناس، حتى كان عمر يخاف عليه العين، يقول: أنت يوسف هذه الأمة، كان ربما غطى وجهه أحياناً خوفاً من العين أو الافتتان، أسلم وهو شاب، ودعا له ﷺ بالتثبيت، وشارك في حروب القادسية وأخذ سيفه، وقال: يا بجيلة! قاتلوا هذا اليوم، فوالله الذي لا إله إلا هو لا يفر أحدٌ منكم من المعركة إلا قتلته بهذا السيف، فاختاروا أن تموتوا شهداء في المعركة، أو أن تفروا وأقتلكم وقد ارتددتم على أدباركم.
فكان الواحد منهم يأتي ويقاتل، ويرى الفيلة مقبلة، وكانت فيلة فارس أحدثت دوياً عجيباً وصراخاً هائلاً في جيش المسلمين، حتى قتلت من قبيلة أسد في لحظات خمسمائة رجل.
فيل عظيم أخذ يتعبط في المسلمين، والعرب لا تعرف الفيلة، ولا تربت معها، لا تعرف إلا الخيل والحمير، ليست من سلاحها ولا من منتوجاتها، فكانت أشجع القبائل بجيلة؛ لأن جريراً واقف لهم بالمرصاد، ما يفر بجلي إلا ضربه بالسيف، فيقول شاعرهم، يريد أن يفر، فرأى جريراً واقفاً بالسيف فرجع يقاتل ويقول:
لولا جرير هلكت بجيله نعم الفتى وبئست القبيله
قال المؤرخون: بل نعم الفتى ونعمت القبيلة، جزاهم الله عن الإسلام خير الجزاء، وبعد ثلاثة أيام دخلوا في إيوان كسرى، إيوان العمالة والضلالة، الذي عشعش فيه البغي والظلم، فدكدكوه، وأنزلوه، وسحبوه، وأقاموا لا إله إلا الله هناك، فهؤلاء هم القوم.
стр. 7673
الأسئلة
стр. 7674
بيان عورة المرأة
السؤال
ورد في جريدة المسلمون في العدد رقم (١٩٢) بتاريخ الجمعة فتوى لأحد الناس، ثم ذكر هذه الفتيا، والسؤال يقول: هل يجوز للمرأة المسلمة أن تؤدي الصلاة وهي حاسرة الرأس، أو عارية الذراعين، أو بنصف كُم؟
فكان جوابه كالتالي:
العورة التي تبطل الصلاة بكشفها هي العورة المغلظة، وهي من جسم المرأة ما بين سرتها وركبتها، فأي جزء من هذه المساحة انكشف أثناء الصلاة فإنها تبطل به الصلاة، وليس من عورة المرأة المغلظة صدرها، ولا أطرافها، ولا وجهها، ولا رأسها، ولكن يجب ستر هذه الأشياء وجوباً غير شرط عدا الرأس، فإذا انكشف من المرأة صدرها أو كتفها حرم عليها ذلك، ولكن لا تبطل به الصلاة وتعيدها ما دام الوقت حاضراً، والأمر كذلك في الذراعين لا في اليدين، أما كشف الرأس فلا تعاد له الصلاة، وليس الرأس عورة مغلظة ولا مخففة، وقد تكشف المرأة رأسها أمام أخيها أو أبيها أو محرمها أياً كان، ولكنها لا تكشف شيئاً من صدرها أو كتفها.
الجواب
أولاً: هذه فتيا لم تسند بالدليل، وفتيا لم تسند بالدليل إنما هي كلام وهراء وهذيان، فلا أسندت بدليل من كتاب الله ولا من سنة رسوله ﷺ .
ثانياً: هذا الرجل الذي أجاب اسمه موجود هنا، وهو ليس من أهل هذه البلاد، لكن من بلاد أخرى، وهو أحد رجلين: إما واهمٌ مفتر على الله ، وإما جاهل، فإن كان جاهلاً فلا تحق له الفتيا؛ لأنه ما استقرأ النصوص ولا عرف الأدلة، وإن كان مفترياً على الله فهو فاجر فيما افتراه، وحسيبه الله ، ولم يأتِ بحديث ولا بآية.
وأما قوله: إن عورة المرأة المغلظة ما بين سرتها وركبتها فليس له دليل، بل قد خالف النصوص التي بينت عورة المرأة، والتي أخبرت بحجاب المرأة، حتى إن حديث أسماء الذي فيه إذا بلغت المرأة المحيض فلا يحق لها أن تكشف إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه ﵊؛ ليس بصحيح، بل هو ضعيف، حتى هذا وهو ضعيف يتجرأ على هذا الحديث، وليته استدل به وقال: الوجه والكفين، لكنه تعدى وظلم وأساء في الفتيا، فأخطأ خطأً بيناً.
ثم قال: فأي شيء من هذا انكشف أثناء الصلاة تبطل به الصلاة -يقصد من الركبة إلى السرة- وقد أخطأ، بل المرأة كلها عورة إلا وجهها وكفاها في الصلاة، فقد ورد بذلك أحاديث عن المعصوم ﷺ .
وأما قوله: ليس من عورة المرأة المغلظة صدرها ولا أطرافها ولا وجهها ولا رأسها، فماذا بقي؟ اتق الله في هذه الفتيا، فإن معناها أن الأمر سهل، وأنه لا بأس على المرأة أن تكشف صدرها ورأسها وعضدها، وتصبح امرأة كأنها أتت من باريس أو من واشنطن، وليست هي من بلاد محمد ﷺ ، وأنا لا أطيل الإجابة أو الرد على هذا، وإنما حسبك من السر بيانه، وما يتجرأ على الفتيا إلا ظالم لنفسه، فنسأل الله أن يتغمدنا وإياكم برحمته.
والذي أحب أن أنبه عليه: أن على المسلم ألا يأخذ الفتيا إلا من رجل يثق بدينه وعلمه، من عباد الله أهل المعتقد السليم، وأهل الدليل، وأهل البصيرة في الكتاب والسنة، أما هؤلاء غير المسئولين فإنهم إذا حوسبوا ما وجدوا شيئاً، فتوى كاملة بلا دليل!
فالمرأة كلها عورة إلا وجهها وكفاها في الصلاة، فليعلم هذا، حتى إن المرأة عليها أن تغطي أقدامها وأن ينزل ثوبها كما في حديث أم سلمة، حتى يكون شبراً تجر ثوبها جراً، وأما هذه فهي فتوى باطلة
стр. 7675
تعريف النواجذ
السؤال
ما هي النواجذ؟
الجواب
النواجذ هي الأضراس المتأخرة وليست الأنياب، فقد ضحك ﷺ حتى بدت أضراسه ﷺ .
стр. 7676
حكم الصلاة بين السواري
السؤال
ما حكم الصلاة بين أعمدة المسجد التي تقطع الصفوف؟
الجواب
أعلم أنها مكروهة، ولا أعلم أنها محرمة، ولا أن الصلاة تبطل بقطع هذه الأعمدة، ولو كان هناك ضرورة كأن ازدحم المصلون فلهم أن يصلوا بين الأعمدة، وأما هذه فثبت من حديث أنس، قال [[كان الناس يتحاشون في عهده ﷺ الصلاة بين السواري]] ولا أعلم حديثاً مرفوعاً إليه ﷺ ، فالصلاة للضرورة والازدحام لا بأس بها، وبدونها فالأولى ألاَّ يصلى بينها.
стр. 7677
حكم الصلاة إلى غير سترة
السؤال
ما حكم صلاة الفرد والإمام والمأموم بدون سترة، والمار يمر أمام المصلي في الصلاة؟
الجواب
هناك تفصيل: فالفرد والإمام لهما حكم، والمأموم له حكم؛ فالمأموم سترته إمامه، فإذا كان هناك إمام فسترته هذا الإمام، فإذا مر أحدٌ بين الصفوف فإنه لا يقطع الصفوف؛ لحديث ابن عباس في الصحيح: ﴿تركت الأتان ترتع ودخلت في بعض الصف فلم ينكر علي أحد﴾ لأنه قطع بعض الصفوف؛ وسترتهم هو الرسول ﷺ الإمام.
وأما الفرد والإمام فلا بد من سترة, وبعضهم أوجبها، والظاهر والله أعلم عدم الوجوب، وأنها سنة مؤكدة، إذ لو كانت واجبة لبطلت كل صلاة مصلٍ لا يستتر بسترة، فالمقصود أن عليه أن يتقي الله، وهي سنة مؤكدة، وفيها أحاديث صحيحة صريحة، وأحاديث السترة ثمانية عشر حديثاً، منها صحيحٌ، وحسن، وضعيف، وباطل؛ فليعلم هذا، وهذا ليس مقام بسطها.
стр. 7678
نقض العهد
السؤال
لقد عاهدت شخصاً على أمر معين، وعاهدته أيضاً على ألاَّ أكفر عن يميني، ثم نقضت هذا العهد فماذا أفعل؟
الجواب
العهد إن كان يميناً فتكفر عنه إذا نقضته، وإن كان عاهدك بالله فلا أعرف هل في هذا اللفظ كفارة أم لا.
أما إذا قلت: والله، أو تالله، أو بالله، أو قسماً بالله أو بأسمائه وصفاته، ثم نقضته؛ فعليك كفارة، هذا ملخص هذا؛ لأنه ورد في حديث عقبة: ﴿كفارة النذر كفارة يمين﴾ وفي قوله : ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة:٨٩] فليعلم هذا.
стр. 7679
السنة في العقيقة
السؤال
ما هي السنة في العقيقة؟
الجواب
العقيقة هي ذبيحة المولود، وإذا ولد مولود فمن السنة أن يعف عنه، كما في المسند وسنن أبي داود وسنن الترمذي أن الرسول ﷺ أمر بها، وعند أبي داود عق عن الحسن والحسين كبشاً كبشاً، وعند أبي داود بسند جيد، قال ﷺ : ﴿كل غلام مرتهن بعقيقته، عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاةٌ واحدة﴾.
أما وقت العقيقة فقد ورد في ذلك أنه يوم سابعه, وورد في الرابع عشر أو الواحد والعشرين، كما أتى به صاحب السلسبيل على زاد المستنقع، وأتى بحديث مخرج عند البيهقي في السنن الكبرى.
فالسنة إيقاعها في هذه الأيام، لكن لو أوقعتها في أيام أخرى لكان في الأمر سعة، وكانت عقيقة، ولكنك خالفت السنة في هذا.
стр. 7680
الحكمة من قراءة الرسول ﷺ على أبي
السؤال
ما الحكمة من قراءة الرسول ﷺ سورة البينة على أبي بن كعب؟ وما الغاية منها؟
الجواب
الذي أعلمه -والله أعلم- أن من الحكم التي قد تظهر: أن أبي بن كعب سيد القراء، وأنه معتمد في القراءة، فأراد ﷺ أن يعرض عليه القراءة، ليكون معتمداً ومعروفاً ومشهوراً بالقراءة، ولذلك سمي بعدها سيد القراء.
الأمر الثاني: أن أبي بن كعب صاحب علم وعنده فهم واعتناء بالقرآن، فالرسول ﵊ أراد أن يعرض عليه هذا الأمر؛ لأنه من تخصصه ومن سيرته.
الأمر الثالث: قد تكون كرامة أكرم الله بها أبياً واختصه من بين الناس، فإن لله فضلاً يختص به من يشاء: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة:١٠٥].
وفي الختام: أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية، والرشد والنصر، والإلهام والتسديد، والعون والتأييد، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 7681
أغلاط في التاريخ
كانت إشراقة شمس الإسلام على الدنيا المظلمة صفارة إنذار تداعت بسببها الخفافيش إلى مخابئها، تترقب الفرص لتفسد دين الإسلام، علها تعيد الظلام لتتنفس الصعداء، وذلك عن طريق أشخاص كتبوا في التاريخ الإسلامي فشوهوه، وفسروا أحداثه بأهوائهم، فيجب الحذر منهم، كما أن مؤرخي الإسلام قد وقعوا في أخطاء ينبغي التنبه لها، وفي هذا الدرس تجد ما يشفي الغليل تجاه ما ذكر لك.
стр. 7682
أهمية التاريخ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
السلام وعليكم ورحمة الله وبركاته.
عنوان هذه المحاضرة "أغلاط في التاريخ"
يقول شوقي:
اقرأ التاريخ إذ فيه العبر ضل قوم ليس يدرون الخبر
التاريخ فن مشوق، وقد عرض الله في كتابه قصص السابقين، وتحدث لرسوله وللمؤمنين عن تاريخ الأقوام السالفة، فقال : ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣] وقال جل ذكره: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١].
وقصَّ رسول الهدى ﷺ التاريخ، وتكلم عن الأقوام الهالكة وعن المؤمنين وعن الكافرين، والتاريخ الإسلامي بديع له جوانب مضيئة.
وأعرض هذه الليلة مسائل لعل الله أن ينفع بها، منها:
ما هو المنهج السليم الذي يجب أن يكون عليه تاريخنا الإسلامي؟!
وبالمقابل: ما هو المنهج الخاطئ والمغلوط الذي انتهجه كثير من المؤرخين؟!
وأنا مدين لكثير من الفضلاء في هذه المحاضرة منهم: الدكتور محمد صامل السلمي في كتابه العجيب " منهج كتابة التاريخ الإسلامي، والدكتور إبراهيم شعّوط " أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ "، وكتاب" الاستشراق والمستشرقون " للدكتور مصطفى السباعي، و" الخلافة والملك " لـ أبي الأعلى المودودي ﵀، و" مقدمة ابن خلدون ".
وأتحفني كثير من الفضلاء بكثير من الملاحظات والمشاورات كفضيلة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، والدكتور صالح بن عون الغامدي، وكثير من دكاترة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية المتخصصون في هذا الباب، وفضيلة الأستاذ صالح أبو عراد الشهري.
شكر الله للجميع، ونسأل الله أن يتقبل منا ومنهم صالح الأعمال.
стр. 7683
أخطاء وقع فيها المؤرخون يجب الحذر منها
ومن الأخطاء التي وقع فيها كثير من المؤرخين:
стр. 7684
عدم مراعاة سنن الله الكونية والشرعية
وكثير من المؤرخين لا يراعي ذلك ولا يفهمه.
стр. 7685
المداجاة والمحاباة والمجاملة
فإن كثيراً من الناس كتب تاريخاً يمكن أن يسمى جبر الخواطر، فأشادوا بمن لا يستحق الإشادة، وأغفلوا أخطاء المخطئين، وداجوا في التاريخ كثيراً كمن يكتب عن الدول، أو يراعي خواطر الملوك، أو يتحدث عن الأحياء؛ فتجده ينسى السيئات ويكتب الحسنات، بينما يكيل بمكيال آخر للأموات المنقرضين والله يقول: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين:١ - ٥].
стр. 7686
إطراح السند
ومما وقع فيه كثير من المؤرخين اطراح السند، لا يأتون بسند صحيح في الغالب ولكن أسانيد متقطعة، أو بلاغات، بلغنا أنه حدث كذا وكذا حتى تجد أن المعركة التي أقيمت وأزيلت من أجلها دول وأقيمت كيانات كلها بلاغات.
وبلغنا أن القتلى خمسون ألفاً، وأن الجرحى مائة ألف، وأن الغنائم مئات الألوف، وهل تكفي هذه البلاغات؟! والأسانيد التي فيها كَذَبَة كـ أبي مخنف؟ وهو أكثر من اعتمد عليه ابن جرير الطبري، وكـ الكلبي الكذاب وقد اعتمد عليه بعض مؤرخي الإسلام.
стр. 7687
المبالغة الباهتة
فتجد أحدهم يبالغ مبالغة في التاريخ كصاحب " بدائع الزهور في وقائع الدهور " فيأتي لك بأرض ليست في الأرض وبسماء ليست في السماء، ويقول: تحت البحر سبع أراضٍ في كل أرض سبع نخلات من ذهب، ويأتي بمعارك في مثل قبرص، فيتكلم على أن سكان قبرص ابن خلدون لأنه لا يمكن أن يكون عدد السكان كهذا، ثم يستخلص منه جيش ثم يكون القتلى هذا العدد؛ لأن قصارى كل أمة أن تخرج منها (٢٠%) من المقاتلة، وهذا أمر معلوم حتى إن سياسة الدول العسكرية العالمية تخرج من أفراد شعبها ومن تعداد السكان (٢٠%) حتى إن الدنمارك شعب صغير (٢٠%) منه جيش.
فمستحيل أن يكون الشعب ثلاثة ملايين ويكون الجيش مليونين والقتلى مليوناً.
فتجدهم يبالغون مبالغات مضحكة، وعجائب ينفيها العقل ولا يؤيدها النقل.
стр. 7688
عدم الاهتمام بالحياة العامة والتركيز على الناحية السياسية فقط
ومن أخطاء المؤرخين تجريد التاريخ للحكام والسلاطين فحسب، حتى للمؤرخين المسلمين من أمثال الذهبي ومن أمثال: ابن كثير، ومن أمثال: ابن جرير، تجد أنه لا يتحدث إلا عن البلاط والديوان والسلطان.
فلا يذكر الحياة العلمية ولا الأدبية ولا الاجتماعية ولا الفكرية ولا العسكرية ولا الاقتصادية، فقط تولى فلان، وقتل فلان، وسجن فلان، وذبح فلان، حتى تجد مثلاً: تاريخ الخلفاء للسيوطي كله سلسلة للخلفاء، وليس فيه ذكر العلماء، أو تجدهم إذا ترجموا للعلماء ترجموا لهم بأسطر، فلا يتعرضون لحياة الأمة إلا لحياة السلاطين والخلفاء، وقد لحظ هذا الملحظ فضيلة الأستاذ علي الطنطاوي -غفر الله لنا وله، ورحمه- فقد بلغنا أنه لحق بالله رب العالمين.
стр. 7689
عدم تمحيص الروايات
فتجدهم يأتون بروايات تناقضوا فيها، فبعضهم يكتبها في نفس الصفحة، أو يكتب قليلاً فإذا أراد أن ينتهي نقض ما بنى عليه، وهذا لا يكون ولا يصلح.
فبعضهم يؤرخ -وهذا يمر به حتى ابن كثير - يؤرخ وفاة رجل، ثم تجده يبعث بعد سنتين، وكأنه حضر الغزوة التي وقعت بعده بسنوات.
وبعضها أوهام، وبعضها أغلاط، وما عليك أن يهم الذكي مرة، وأن يكبو الجواد مرة؛ لكن أن يكون التاريخ أوهاماً، في أوهام فهذا هو الخطأ وإلا فالأوهام ما سلم منها إلا كتاب الله قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢].
وهناك مذكرة تجمع -إن شاء الله- عنوانها " أوهام الأعلام " منها: أوهام في البخاري على سبيل المثال:
يذكر في قصة الإفك أن الرسول ﵊ وقف في المسجد فقال: ﴿من يعذرني من رجل آذاني في أهلي.
فقام سعد بن معاذ -سيد الأوس- وقال: يا رسول الله! إن كان منا قتلناه، وإن كان من إخواننا الخزرج، أريناك ماذا نصنع﴾ والصحيح عند المؤرخين أن سعداً ﵁ مات شهيداً قبل هذه الحادثة بسنة، فقالوا: وهم، وإلا والقائل هو أسيد بن حضير، وغيرها كثير.
стр. 7690
اتباع الهوى والميل للمذاهب والطوائف
ومن أخطاء المؤرخين اتباع الهوى والميل للمذاهب؛ فتجد المؤرخ المعتزلي يشيد بـ المعتزلة ويجعلهم هم المصيبين وكأنهم أهل السنة وأهل الوسطية، وينحي باللائمة على غيرهم، وتجد الشيعي كذلك بمجد الشيعة كـ ابن عبد ربه مثلاً في " العقد الفريد " دائماً يبكت الخلفاء الأمويين والعباسيين ويشيد بأهل البيت على حساب غيرهم.
مثلاً: صاحب " مروج الذهب المسعودي، تجده كذلك يذكر قصصاً وأعاجيب وينحي باللائمة على كثير من علماء الإسلام ومن أهل السنة.
وهذا وقع فيه المفسرون والمحدثون والمؤرخون إلا من سلم الله، فالهوى والميل للمذاهب والطوائف أمر معلوم حتى تجد المؤلف إذا كان شافعياً كـ ابن السبكي في " طبقات الشافعية " تاج الدين عبد الوهاب بن السبكي يأتي بالرجل الشافعي فإذا كان أشعرياً مدحه وأثنى عليه ومجده ورفع منزلته حتى يقول عن أبي المعالي الجويني وهو أشعري يقول:
المزني قطرة من مزنه والأشعري شعرة في صدره
ومن هذا الضرب.
فإذا أتى إلى علماء السنة وعلماء السلف نقص حقهم حتى يقول عن ابن تيمية: أما ابن تيمية والبرزالي والمزي والذهبي وهؤلاء فقد أنزلهم ابن تيمية في دركة من النار.
فعلى هذا المنحى أصابهم الميل، وتجد الحنفي يأتي بتراجم الأحناف، رأيت حنفياً كتب تاريخاً للأحناف بدأ بـ أبي حنيفة فقال: يقول ﵊: ﴿سراج أمتي أبو حنيفة﴾ وهذا حديث موضوع لم يقله ﵊.
ثم يقول في حديث آخر: وقال ﵊: ﴿إني أفخر بقوم وبأمة فيهم أبو حنيفة﴾ والله ما قاله ﵊، وإن هذا من كيس هذا الحنفي الكاتب.
يقول بعض المؤرخين من أهل السنة: نقل أن أبا حنيفة رئي في المنام على كرسي أحمر من زبرجد في الجنة، وهذا قد يكون.
فغضب المالكية وأتى مالكي وقال: رأيت مالكاًً فوق أبي حنيفة في كرسي في الجنة.
فأتى الشافعي فقال: فرأيت الشافعي في أعلى عليين ينظر لـ مالك ولـ أبي حنيفة بربض من الجنة.
وهذا من العصبية المقيتة والهوى: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦].
حتى تجد الإنسان إذا أراد أن يتكلم عن أهل منطقته أخرجهم كلهم كأنهم صلاح الدين وخالد بن الوليد.
ورأيت تواريخ حتى في المناطق والأقاليم في أناس عاديين، إما نائب قبيلة، أو عريف في قرية، أو رجل عادي يتكلم عنه، وكأنه يتكلم عن الذهبي أو يتكلم عن ابن خلدون أو شيخ الإسلام ابن تيمية.
стр. 7691
إغفال مداولة الأيام بين الناس
فمداولة الأيام بين الناس يغفلها كثير من المؤرخين.
والله يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠].
وقال عدي بن زيد:
أيها الشامت المعير بالدهـ رأأنت المبرأ الموفورُ
أين كسرى كسرى الملوك أنو شروان أم أين قبله سابورُ
وبنو الأصفر الكرام ملوك الأرض لم يبق منهم مذكورُ
يقول: تعيرنا لأننا هزمنا وسحقنا، فقد كان يحمل دولة، وكان عنده سلطة فأبيد، فقال: هذا هو الدهر.
وقال رجل أصيب -وقد عزاه رجل شامت- فرد عليه، قال: في كل واد بنو سعد.
ومرض معاوية وكان حريصاً على الملك فدخل عليه ابن عباس في مرض الموت، فأراد أن يظهر التجلد وأن يظهر القوة وقام.
قال ابن عباس: اجلس!
وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع
فقال معاوية البيت الذي بعده:
وتجلدي للشامتين أريهم أني لريب الدهر لا أتضعضع
وليس في الدهر شماتة، ولكن ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠].
فيوم علينا ويوم لنا ويوم نُساءُ ويوم نُسر
واعلم كما قال أحد الوعاظ للخليفة العباسي المهدي: اعلم أن رباً أخذ أباك وأجلسك في هذا المكان، سوف يأخذك ويجلس ابنك مكانك، قال: ولو لم يفن الله الملوك الذين من قبلك ما جلست أنت في هذا المكان.
وقالوا:
وسلاطينهم سل الطين عنهم والرءوس العظام صارت عظاما
فالأيام لا تبقى على حال:
لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان
والمغرور من ثكلته أمه، واغتر بحاله، وركب رأسه، وظلم واعتدى وبغى، ونسي أن الذي أزال الآخرين سوف يزيله عما قريب.
стр. 7692
قواعد غفل المؤرخون عنها ينبغي الانتباه لها والعمل بها
وهذه قواعد ينبغي العمل بها لمن يكتب التاريخ وهذه القواعد نغفل عنها معظم المؤرخين؛ ولذلك نقول في هذا الأمور:
стр. 7693
زوال الأمم بالترف والفساد
إذا أراد الله أن تضعف الأمة وتهلك أترفها؛ قال : ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦] وفي قراءة: (آمرنا مترفيها) وفي قراءة: (أمَّرنا مترفيها) والمعاني موصلة، والمعنى في الجملة: إذا أراد الله أن يهلك قرية حكم أهلها المترفين الذين لا يرعون لله وقاراً ولا يخافون منه؛ فكان هلاك الأمم على أيديهم.
في الأندلس كان أحد الحكام ضائعاً بمعنى الكلمة، تولى ونصحته أمه، ولا أذكر اسمه، فكانت تقول: اتق الله، كان في النهار يناقر بين الديكة كمن يشجع الآن الدوري والمنتخب فزال ملكه وسقط.
فتقول له:
ابك مثل النساء مجداً تولى لم تحافظ عليه مثل الرجال
فهذا أمر معلوم.
وقال أهل العلم: إنما تغيرت الدول بتغير أحوالها وبتغير معتقداتها.
لماذا سقطت دولة بني أمية؟!
علي يد الترف والضياع، كذلك بنو العباس، وكذلك السلاجقة، والأكراد، والأتراك، وهذه سنة الله ، فالترف يضيع الشعوب والأمم ويضيع الجيل، وهو ضربة قاصمة إذا أراد الله أن يهلك بها أمة أصابهم بالترف؛ فلا يحفظون وقتاً، ولا يقدرون نعمة، ولا يشكرون رباً، ولا يحصلون مبدأ، ولا يحملون وثيقة.
стр. 7694
هلاك الأمة بالظلم واطراح العدل
﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل:٥٢].
قيل لبعض أهل العلم: ما الذي يهلك سريعاً؟
قال: الظلم، وفي أثر: لو نجى جبل على جبل لدك الباغي منهما.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الثاني من " فتاويه ": إن الله ينصر الدولة الكافرة العادلة على الدولة المسلمة الظالمة.
ولذلك تجد بعض الأنظمة الكافرة عادلة، فلا تبخس الشعوب حقوقهم، ولا جهد الإنسان، ولا تلغي كرامته، ولا تغلق الباب دونه بل تجعله حراً يتكلم ما شاء، حافظاً على امتيازاته، محافظاً على عرضه، محافظاً على كرامته في حين ترى أن بعض البلاد الإسلامية تلغي قداسة الفرد، وتلغي كرامته، وربما تعتدي على أملاكه، ولا تبقيه حياً أو تجعله لا يحمل اسم الإنسانية.
بل وجد أن في بعض البلاد الإسلامية دمرت مدن كاملة بالسلاح وأبيد فيها آلاف من الأطفال وآلاف من النساء، واحتجت الدول الكافرة على هذا الصنيع وقالت: أين الإسلام؟!
وهذا أمر معلوم؛ فاطراح العدل أول ما يصيب الأمم، ويدمر الشعوب، وهذا أمر غفل عنه بعض المؤرخين.
ولذلك قالوا: لو كان الخليفة حازماً ما سقطت دولته.
فيقول ابن الوردي:
فاترك الحيلة في تدبيرها إنما الحيلة في ترك الحيل
حارت الأفكار في قدرة من قد هدانا سبلنا
وسوف تأتي قضية وهي ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ [يونس:٤٩].
﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد:٤] ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف:٢١].
فلكل أمة وشعب أجل محدد، ولكل حضارة إذا وصل هذا اليوم فلا ينفعها بقاء أهل الأرض، ولا يرد عن أمر الله راد وينفذ الله قضاءه بأنه غالب على أمره ولا يغلبه أحد، وفيه لطافة ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد:٤١] قالوا: المعقب الموقع، فإذا وقع سبحانه فلا يوقع بعده أحد.
стр. 7695
انهيار الأمم يكون بأجل
وهذه القضية هي التي أريد أن أتكلم عنها، قال سبحانه: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ [الأعراف:٣٤] والمعنى: أن الله تعالى جعل لكل دولة حداً لا تتعداه، وجعل لكل شعب ولكل حضارة زمناً محدداً، فلو اجتمع الناس على تقديمه، أو على تأخيره ما استطاعوا.
وقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾ [الكهف:٥٩].
وقال أبو العلاء:
تقضون والفلك المسير دائر وتقدرون فتضحك الأقدار
ويقول أبو العتاهية:
إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر تمشي المقادير على غرز الإبر
والذي كتب المقادير هو الذي على العرش استوى، فاللوح المحفوظ مكتوب فيه آجال الأمم والشعوب والدول والأناسي، وعنده جفت الأقلام ورفعت الصحف، وهو من أفعاله أنه في كل يوم هو في شأن.
قال أهل العلم: في كل يوم له شأن: يخلع هذا ويولي هذا، ويملك هذا ويعزل هذا، يجبر كسيراً، ويغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويرد غائباً، ويهدي هذا، ويضل هذا، ويتوب على هذا، سبحان الله!
стр. 7696
الغفلة عن استحقاق المؤمنين لنصرته
الأستاذ طه حسين سوف يكون لنا معه جولة هذه الليلة جعل بدراً وأحداً وحنيناً وثارات قبلية بين العرب.
يقول: أهذه ثارات بين الأوس والخزرج وبين قريش؟!
جهد محمد ﵊، وتربيته لأمته، وإخراجه من بلاده، والإيذاء والابتلاء والمصائب والكوارث التي مر بها ﵊ والمنهج الرباني الذي نزل عليه، وقيامه بأهل بدر، ومناشدته لله، ونزول جبريل يقود ألف ملك:
وبيوم بدر إذ يصد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد
كلها ثارات جاهلية؟! ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية:٢٣].
من سنن الله أنه ينصر أولياءه في آخر المطاف، وأن الجولة لهم، وأن العاقبة للمتقين، وأنه لا يمكن أن يتخلى عنهم، وهل سمعت بنبي اضطهد وكانت عاقبته الخسران؟!
يظهر الباطل تارة ثم يقصم قصمة إلى الأبد، وهكذا حدث له ﵊.
قال بعض المؤرخين: لو انتصر ﵊ دائماً لبطل الابتلاء.
ولو انتصر الكفر لبطل سر الرسالة، فجعل الله عزوجل الحرب سجالاً، ثم العاقبة له ﵊، قال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٢].
стр. 7697
الابتلاء للمؤمنين سنة من سنن الله
من سنن الله : أن الابتلاء للمؤمنين سنة جارية:
فلا بد أن يكتب المؤرخون أن هذا من باب الابتلاء، فلا يتعرضون للكوارث أنها تأديب وزجر فقط؛ بل منها رفعة، قال : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
فالابتلاء لا بد منه لأتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام وللأخيار وللصالحين، سنة منه ، هكذا أراد أن تكون، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١].
стр. 7698
سنة المدافعة
أن الله من حكمته أن جعل لكل شيء ضداً، قال الشاعر:
ولكل شيء آفة من ضده حتى الحديد سطا عليه المبرد
فجعل للنار ضداً وهو الماء، وجعل ضد الظلمة النور، وضد الليل النهار، وضد الحلو الحامض، وضد الحار البارد، فلكل شيء ضد، ثم نقل هذه السنة في الناس، فجعل للصالحين ضداً؛ قال سبحانه: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١] والآية السالفة ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان:٣١] وقال : ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان:٢٠] فهذا يفتتن بهذا وهذا، وينغص على هذا، حتى يقول ابن الوردي:
ليس يخلو المرء من ضد ولو حاول العزلة في رأس الجبل
لو اعتزلت في قرية لبعث الله لك من ينكد عليك ومن ينغص عليك، أحياناً تقف تنتظر أمراً، فيرسل عليك ثقيل الدم، فينغص عليك، والقرية الواحدة تجد فيها تباين الأفكار: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود:١١٨].
يختلف الناس حتى في الأمور الاعتيادية البسيطة التي قد لا تبنى عليها أحكام، الرجل في أسرته إذا استشارهم في أمر بسيط حتى في وجبة ماذا يكون الغداء اختلفوا بين يديه، فتجد الأغلبية تريد كبسة، ومنهم من يريد عصيدة، ومنهم من يصوت على المرق، ولا يزالون مختلفين لأن الله باين بين الأمزجة، والإجماع عزيز حتى في أمور الناس الاعتيادية، فكيف بالأمور الكبرى؟!
فقصدي من هذا: أن سنة التدافع جارية، فلا يظن الداعية أو حامل الحق، أو من عنده مبدأ الشريعة، سواء في الأدب أو في الدعوة أو في الفكر أو في أي منحىً من مناحي الحياة أنه سوف يسلم ممن ينغص عليه، بل سوف تجد من يعترض عليك، ومن يكذبك ويرى أنك مبطل، وأنك متطرف، وأن في عقلك شيئاً، وقد قيل لمحمد بن عبد الله ﵊: مجنون وساحر وشاعر وكاهن، وما تركوا منغصاً من منغصات الحياة إلا وعلقوها عليه، ولكنه كما قيل:
لعظمك في النفوس تبيت ترعى بحراس وحفاظ ثقات
وشكوت من ظلم الوشاة ولم تجد ذا سؤدد إلا أصيب بحسد
لا زلت يا سبط الكرام محسداًً والتافه المسكين غير محسد
إن العرانين تلقاها محسدة ولا ترى للئام الناس حسادا
стр. 7699
الاهتمام بسيرة الأنبياء مع أقوامهم
فهذا واجب المؤرخ فقد أغفله كثير من المؤرخين فإنما يمرون بهذا مروراً، ولا يذكرون سيرة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا يذكرون تاريخهم المشرق وجهادهم وصبرهم، إنما يأتون بإسرائيليات وخزعبلات، ونتف من التاريخ، ولا يستنبطون التاريخ من القرآن الكريم، وهذا يجدر الانتباه إليه لمن أراد أن يكتب في التاريخ.
стр. 7700
عرض تاريخه ﵊ عرضاً صادقاً عادلاً
فإن الناس في عرضهم لسيرته ﵊ ثلاثة أصناف:
منهم من أخذ نتفاً فقط، وهذا مثل ما يدرس في المناهج التعليمية، نتف لا تسمن ولا تغني، ولا تشبع ولا تبل العليل، ولا ترد الصبابة، ويخرج الطالب غير متصور لسيرته ﵊، إنما يتصور أموراً عامة سبق الإشارة إليها في بعض المحاضرات، خطوط عامة وعموميات، ولد كذا، وهاجر كذا، والكاتب مستأجر ليس عنده حرارة الشعور بالحب، ولا في قلبه جريان وغليان تجاه محمد ﵊.
وإني لأشكر كاتباً كتب يقول: جلست مع مستشرق فقال: أنت مسلم، وأريد أن تكتب كتاباً عن محمد ﷺ وتتجرد من عاطفتك؛ لأنك متهم بحبه.
قال: إذا أردت أن تجردني من عاطفتي نحوه فمعنى ذلك أنك تجردني من حياتي.
لأن حبه ﷺ مركوز في الفطر، وواجب شرعي، فهو ليس ميلاً لزعيم أو قائد أو سياسي بإمكانك أن تكون له محايداً.
أما معه ﷺ فالحياد عند سيرته حرام.
أطل سهر العيون فكل نوم لغيرك أيها المولى حرام
وأسمعني حديث الوصل سبعاً رضيت لك السرى والناس ناموا
حرام أن تكون محايداً في سيرته وتقول لي: لا تحمل له عاطفة، كيف تحثني أن أكتب وأنا بعيد كأني أجنبي؟!
نسينا في ودادك كل غالٍ فأنت اليوم أغلى ما لدينا
نلام على محبتكم ويكفي لنا شرف أنا نلام وما علينا
ولما نلقكم لكن شوقاً يذكرنا فكيف إذا التقينا
تسلَّى الناس بالدنيا وإنا لعمر الله بعدك ما سلينا
стр. 7701
قضايا مهمة في التاريخ
стр. 7702
التوحيد هو الأساس لجميع العباد
من القضايا الهامة في التاريخ أن التوحيد هو الأصل في العالم وليس الشرك.
بعض الملاحدة الآن والزنادقة؛ مثل: جوزيف إستالين يقول: الأصل في العالم الإلحاد (لا إله والحياة مادة) وسوف أتعرض لكاتبٍ الآن ما زال حياً يقول لـ جوزيف إستالين: طبت حياً وطبت ميتاً!
التوحيد هو الأصل قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠].
وفي " صحيح مسلم " أن الله يقول في الحديث القدسي: ﴿إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين﴾ خلقهم موحدين:
ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً
كان الناس موحدين حتى جاءت الشياطين فاجتالتهم.
خلق الله الأكوان والأفلاك والبروج والكواكب موحدة، وخلق الله الإنسان موحداً، وإنما الشرك حادث وليس بأصيل في العالم، فعلى المؤرخ أن ينتبه لهذا.
стр. 7703
قدر الله ومشيئته نافذة
من الحقائق أن الله عزوجل غالب على أمره بيده الملك، وبيده مقاليد الأمور.
فلا يغلبه أحد، ولا يمكن لأحد أن يفرض نفسه على الله، ففرعون وجد بقضاء وقدر من الله، وكره الله فعله، والذي نصبه هو الله، والذي عزله هو الله، والذي دس رأسه في البحر هو الله، فلا يمكن أن يفرض أحد على الله عزوجل؛ لأن الله غالب على أمره ولا يغلبه أحد.
وأهل السنة كفّروا من قال من المعتزلة: إن الله لا يعلم الشيء حتى يقع.
فقالوا بكفره، بل الله يعلم الأشياء قبل أن تقع وهو الذي قدرها، ولهذا أحد علماء أهل السنة دخل على معتزلي من قضاتهم، فقال المعتزلي -يريد أن يتعرض لـ أهل السنة - الحمد لله الذي لم يقدر في كونه الفحشاء -يقصد المعتزلي أن الله لا يقدر الفواحش ولا المعاصي -قال عالم أهل السنة: الحمد لله الذي لا يقع في كونه إلا ما يشاء.
فكل شيء بقضاء وقدر والليالي عبر أي عبر
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] فلا يمكن أن يكون أمر مفروضاً على الله عزوجل، ولكن الله أراد أن يوجد الصالح والطالح، والعادل والظالم، وأن يوجد الناس هكذا حتى يحاسبهم، وجعل جنةً وناراً، وجعل عذاباً وثواباً.
هذه سنته في خلقه، فهو غالب على أمره لا يغلبه أحد.
стр. 7704
استخلاف الإنسان في الأرض
إن الإنسان مستخلف لعمارة الكون، وهو خليفة لله عزوجل في العبادة في الأرض، وما خلق لغرض آخر إلا للعبادة قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٧] فإنهم يقولون الآن مثل بعض المستشرقين: خلق الله الإنسان ليأكل، ويأكل ليعيش.
حتى يقولون كما في كتب العلوم: الإنسان يأكل ليعيش أو يعيش ليأكل؟
ونحن نقول: إن الإنسان خلق ليعبد الله، خلقه الله ليعبده، خلقه الله ليتوجه إليه.
أما أن يأكل ليعيش ويعيش ليأكل، فهذه في عالم حديقة الحيوانات.
стр. 7705
الإيمان بوحدة الأمة الإسلامية
وهذه قضية كبرى لا بد أن يلحظها المؤرخ المسلم، فلا يأتي بدويلات، ويتكلم عن أقاليم وعن مقاطعات، ويفصلها عن تراثها الإسلامي وعن الأمة الإسلامية الموحدة ذات الرسالة الخالدة التي أتى بها ﵊:
وأينما ذكر اسم الله في بلد عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني
بـ الشام أهلي وبغداد الهوى وأنا بـ الرقمتين وبـ الفسطاط جيراني
فأمة محمد ﵊ أمة مرت بها فترة من فترات التاريخ كانت ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، أما أن يأتي شخص فيتكلم عن دولة صغيرة من دول الجامعة العربية، ويجعلها هي الدولة الوحيدة، والإسلام لها، والتاريخ لها، والأبطال منها، والأدباء منها، ثم يلغي عظماء الإسلام، وأبطال الإسلام وكتاب الإسلام، فهذا غير مقبول، وحدة الأمة الإسلامية لا يفصلها حدود:
إن كِيدَ مُطَّرف الإخاء فإننا نغدو ونسري في إخاء تالد
أو يختلف ماء الغمام فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد
أو يفترق نسب يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالد
أحمر أو أبيض أو أسود، إفريقي أو أسيوي، كلهم تحت مظلة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].
وأعظم مظهر من مظاهر التجمع العالمي والوحدة الإسلامية الحج ولا سيما حين يقف الحجاج في عرفات يوم تجتمع الألوف، وتنادي رباً واحداً بأكثر من (٤٠٠) لغة في ساعة واحدة؛ كلهم فقير إلى الغني، كلهم فانٍ بين يدي الباقي، وكلهم ضعيف تحت القوي، فتتحطم قداسات البشر وطواغيتهم على صخرة عرفات، ويبقى الواحد الأحد ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩].
следующие страницы →