← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 7631–7670 · переход к 7636.

стр. 7631

معنى قوله: (فأحياكم) يقول الله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة:٢٨] أي: أحياكم بالنفخ في الروح, ثم كساكم الله : ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [البقرة:٢٨] هذه هي الميتة الأولى وهي الموتة التي يموتها كل الناس, ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة:٢٨] يوم البعث ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٨] أي: قال سبحانه: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر:١١]. ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] الكافر يموت مرتين، والمؤمن يولد مرتين, فالمؤمن يولد أول مرة يوم ولدته أمه, والمرة الثانية: يوم ولد مع القرآن، ويوم عاش مع الإيمان، ويوم سجد للواحد الديان. والكافر يموت مرتين: يوم مات في الحياة الدنيا حين مات ويوم مات عن النور والهداية قلبه، فالكافر قطعة لحم ميتة، ولعنه الله وغضب عليه, والموت الثاني: يوم يلقى ناراً تلظى لا يصلاها إلا الأشقى, قال : ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٨] وهذه الآية فيها إثبات ميتتين: الأولى وهي عندما أتى من العدم. والثانية: إثبات ميتتين وإثبات الإحياء بعد الموت, وإثبات اليوم الآخر والرجوع إلى الله, وإثبات الحساب, وسوف يرى كل إنسان ما قدم. سوف ترى إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار وقال العظيم: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤]. وطلب بعض الإخوة أن أذكر المسلمين لصيام الأيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر. وأقول: صدق أثابه الله, وله الأجر الكثير عند الله, فإن الرسول ﵊ كما صح عن أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما قال: ﴿أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لا أدعهن حتى أموت: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر, وأن أوتر قبل أن أنام, وركعتي الضحى﴾ قال بعض أهل العلم: أيام البيض لم يتركها ﷺ حضراً ولا سفراً، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر وهي تعادل صيام الدهر. في الختام أسأل الله لي ولكم الهداية والتوفيق.

стр. 7632

من آداب النبوة (٣) في الحلقة الثالثة من آداب النبوة كلامٌ نفيس حول تكنية الأطفال وتكنية الرجل الذي لم يولد له، وهذا وإن كان محور هذه المادة وموضوعها الأساس إلا أنها احتوت كذلك على العديد من الفوائد الجليلة كآداب الضيافة، ومحبة الصحابة للرسول ﷺ ، وآداب الزيارة، والتواضع وغير ذلك.

стр. 7633

شرح حديث: (يا أبا عمير ! ...) الحمد لله الذي رفع السماوات بلا عمد، والذي بسط الأرض في مدد، الذي خلق الإنسان في كبد، والصلاة والسلام على أبي الزهراء سيد الأولياء، وخيرة الأصفياء، ما ترقرق الماء، وما لمعت النجوم في الظلماء، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ومع الإمام البخاري في كتاب الأدب، وهو يجدد الأبواب تلو الأبواب، ناقلاً عن المصطفى ﵊: هديه، ودله، وشمسه، ونوره، وعظمته، التي ما لحقها أحدٌ من البشرية، ولا أتى أحدٌ من الإنسانية بالخير لأمته، ولا أدخل أحدٌ لقومه بمثلما أتى به محمدٌ ﵊. يقول البخاري رحمه الله تعالى: باب الكنية للصبي، وقبل أن يولد للرجل. ثم قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا عبد الوارث عن أبي التياح، عن أنس ﵁ وأرضاه، قال: ﴿كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقاً، وكان لي أخٌ يقال له: أبو عمير قال: أحسبه فطيماً، وكان إذا جاء قال: يا أبا عمير! ما فعل النغير؟ نغرٌ كان يلعب به، فربما حضر الصلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس وينضح، ثم يقوم ونقوم خلفه فيصلي بنا﴾ وهذا الحديث يعرف بحديث: ﴿يا أبا عمير! ما فعل النغير﴾. وقد تهجم بعض الزنادقة، وأذناب الملاحدة على أهل السنة ونقلة الحديث، وقالوا: إنهم يروون أحاديث لا فائدة فيها، يقول هؤلاء الملاحدة والزنادقة ومن سار مسيرتهم: المحدثون لا فهم لهم، فهم يروون أحاديث لا تعقل وليس فيها فوائد! مثل حديث: ﴿يا أبا عمير! ما فعل النغير﴾ أي فائدة في هذا الحديث؟! ومثل حديث: ﴿أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها﴾ فهذه لا يُستنبط منها شيء، فلماذا يشغلون الناس بالأسانيد وكثرة الكلام، وليس هناك فائدة؟! وانبرى لهم الإمام ابن القاص، أحمد بن أبي أحمد الطبري، وأخرج أكثر من ستين فائدة، ثم أتى ابن حجر حافظ الدنيا، وعلامة الزمان وأستاذ القاهرة، وصاحب فتح الباري الذي لا هجرة بعد الفتح، فأخرج فوائد تلحق على تلك فتصبح سبعين فائدة. فلنسمع لهذا الحديث وللقضايا التي عالجها العلماء، والتي هي من القضايا الحارة في حياة المسلم، والتي أديرت بكئوس من الفضل بين الفضلاء، وعلى بساط من النبل بين النبلاء.

стр. 7634

جوانب من عظمة الرسول ﷺ الرسول ﵊ من عادته أنه سهل ميسر، ولذلك يقول أحد الغربيين في كتاب له: إن محمداً -يقصد الرسول ﷺ سهل في عظمته، بسيط في هيبته. وينقل هذا أبو الحسن الندوي في كتاب السيرة، أي: سهل ممتنع، كيان متحرك، رجلٌ حضاري يقود الأمة من الجاهلية إلى الإسلام، وينقل تاريخاً لم يكن ينقله ألف كسرى وكسرى، وألف قيصر وقيصر، في ثلاث وعشرين سنة يؤسس دولة ينقطع حلق الدهر لا يدرك مداها. هذه الدولة الإسلامية التي أخرجت العلماء، والأدباء، والشجعان، والأساتذة، والمعلمين، أسسها ﷺ بهدوء، وهو جالس في بيت من طين في المدينة، ويأخذ الأمور بالتي هي أحسن وبهدوء وعظمة، ولكنه غَيَّر العالم. وكذلك الفرنسي الآخر الذي يقول: كان محمدٌ يصلح بين الشعوب وهو يشرب فنجان القهوة في بيته في المدينة، والقهوة لم تكتشف إلا في القرن السادس، لكنه ظن أن القهوة قديمة، وبعض الناس أتى من بلاد غير بلاد العرب، فرأى العرب يشربون القهوة، فأخذ يشربها، قال: هذه القهوة تؤلمني، لكن -والله- لما علمت أنها من السنة وأن الرسول ﷺ كان يشربها؛ شربتها، قلنا له: ليست من السنة، قال: لا. أنتم تشربونها وكل شيء تفعلونه من السنة، فهو جاهل. فهم يظنون أن العرب إذا فعلوا شيئاً أن الرسول ﷺ يفعله. فالرسول ﷺ ليسره وسهولته، يعطي كلَّ واحد حَقَّهُ من الإجلال والإكرام والإعظام. ومن يتصور أن رسولاً كالرسول ﵊ يعطي الأطفال وقتاً من وقته الثمين الغالي، الذي هو أغلى من الذهب والفضة، ويجلس مع الأطفال، فهذا الحديث قضية كبرى، وقصة يتحدث البخاري عنها في باب هو من ضمن الفوائد الستين أو السبعين من الباب.

стр. 7635

ملخص قصة حديث: (يا أباعمير) وفوائدها يقول البخاري -وهو يتساءل- لطلبة العلم وللمسلمين: باب الكنية للصبي. هل يحق لنا أن نكني الصبي فنقول: يا أبا محمد! يا أبا علي! وهو لم يتزوج، ولم يكن له أبناء؟ ثم قال: وقبل أن يولد للرجل، فالرجل الكبير الذي عنده زوجات لكن ليس له ولد، هل نكنيه أم لا؟ فهذه قضية. وملخص الحديث أن الرسول ﵊ سمع بفاجعة ومصيبة وكارثة حدثت في المدينة، وحلت في بيت من بيوت الأنصار، وهذه الكارثة هي موت طائر صغير كالعصفور لطفل كان يلعب به، وهذا الطفل اسمه أبو عمير، فاسمه كنيته، أي: ليس له اسم إنما الاسم الكنية، وهذا جائز في العربية وعند المحدثين، فأُخبر الرسول ﵊ أن هذا الطفل مات طائره، وقد كان له طائر فربط رجله بحبل ليلعب به في البيت. فأخبر الرسول ﷺ مباشرة، وأتاه الخبر الفاجع، وانتقل ﵊ إلى بيت أبي عمير، وهو أخو أنس خادم الرسول ﷺ ليعزيه، وليرفع له أسمى آيات العزاء والمواساة على هذا الفقيد الغالي الذي أصيبت به الأمة الإسلامية في عقر دارها. ووصل ﷺ بحفظ الله ورعايته ودخل على الصبي، وقال وهو يظهر الأسى: ﴿يا أبا عمير! ما فعل النغير﴾ قال: مات يا رسول الله. فالرسول ﷺ أظهر التأسف، ومعه شيء من البسمة الرقيقة التي عاشها ﷺ ، وطالما جذب بها القلوب وسبى بها الأرواح، وسوف يأتي بسط لهذه القضية، وما هو الحوار الحار الذي دار بين المعلم الكريم والزعيم العظيم، وبين هذا الطفل الصغير؟ فهذه قضية. وصل ﵊، وبعد أن انتهى من مراسيم العزاء، قام إلى بساط هناك، فأشار أن ينضح ليصلي بأهل البيت، فصلى بهم ركعتين ﵊، وفيها أكثر من عشر قضايا سوف تأتي معنا.

стр. 7636

الداعي لعقد هذا الباب ومكانة الكنية عند العرب ولكن قبل أن نتحدث يحق لنا أن نقف مع البخاري قليلاً، ونقول له: ما هو الداعي من عقد هذا الباب؟ وهل أنكر أحد من العلماء أو أهل العلم أن يكنى الصغير بكنية، أو الرجل الذي لم يولد له؟ سوف يقول لنا: لا. لم ينكر أحد حتى من الجاهليين، ولكن لا نعمل في أدبنا ولا في سلوكنا، ولا في تعاملنا إلا بسنة. فهذا هو مراد البخاري الذي يعرف من سياق كلامه، فنقول له: بيض الله وجهك يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وهذا هو الصحيح، وإلا فالجاهليون متعارفون على الكنية، يقول شاعر اليمن وهو يمدح نفسه بحسن الأدب: أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسوءة اللقب كذاك أدبت حتى صار من خلقي أني وجدت ملاك الشيمة الأدب يقول: من أدبي أني لا أنبز الناس بألقابهم: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات:١١] ولكنني أتحف الرجال بأسمائهم فأكنيهم، يا أبا محمد، يا أبا علي. وقد أثر عن عمر ﵁ وأرضاه، أنه قال: [[ثلاث تورث لك الود في صدر أخيك: أولها: أن تناديه بأحب الأسماء إليه -وأحب الأسماء عند العرب أن تكنيه، يا أبا علي، يا أبا عبد الرحيم، يا أبا فلان، هذه الكنى- والأمر الثاني: أن توسع له في المجلس. والأمر الثالث: أن تبش وتهش في وجهه]] وهذه من مدرسة النبوة، ولا يخرج الكنز إلا من هناك، وكلام عمر ﵁ لم يأتِ إلا من مشكاة محمد ﵊، والعرب متعارفة -كما قلت- على الكنية، يقول النابغة الذبياني، وهو يخاطب النعمان بن المنذر ملك العراق: نبئتُ أن أبا قابوس أوعدني ولا قرار على زأر من الأسد وهذا النابغة شاعر، قد تكلم في عرض النعمان وهو في الصحراء، فتكلم في الملك واتهمه بأمور، فنقل الوشاة والعيون الخبر للملك، فقال الملك: من وجده منكم فليذبحه ذبح الشاة، فذهب يمشي ولا ينام، حتى خاف أن يموت قهراً وكمداً فعاد وقد نظم قصيدتين -لا بأس من إيراد بعضها- وذهب بهما إلى النعمان، منها هذه القصيدة، ومنها قوله، وهي من أحسن وألطف الأشعار في الرقائق والاستجداء، والتلطف، يقول للملك النعمان: كليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب تطاول حتى قلت ليس بمنقضٍ وليس الذي يرعى النجوم بآيب إلى أن يقول وهو يشكي همه وحزنه: وصدر أراح الليل عازب همه تضاعف فيه الحزن من كل جانب علي لـ عمرو نعمة بعد نعمة لوالده ليست بذات عقارب إلى أن يقول للنعمان: حلفت يميناً غير ذي مثنوية ولا علم إلا حسن ظن بصاحب ثم مدحه وقال: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب ثم أتى فكناه في القصيدة. وقالوا: ليس للنعمان ابن اسمه قابوس، وإنما العرب تكني من لا ولد له، فهذا أمر.

стр. 7637

تكنية الرسول ﷺ لأصحابه ومحبتهم لها ورد أن الرسول ﵊، كان يكني أصحابه، وهذا من أدبه الذي أدبه الله به، ومن حسن خلقه ورقته وسماحته، فقد كنى بعضهم بكنى ظاهرها فيه مذلة ولكنها من باب التبجيل، فكانت أحب الكنى إلى الصحابة. فـ علي كنيته أبو الحسن، فأتى ﵊ -كما في حديث سهل بن سعد الساعدي في البخاري - فوجده نائماً في المسجد؛ فأخذ يوقظه ﷺ برجله بلطف، ويقول: ﴿قم أبا تراب! قم أبا تراب! قم أبا تراب!﴾ فقام ﵁. والقصة ملخصها: أن الرسول ﵊ سمع اختلافاً في وجهات النظر بين علي بن أبي طالب صهره، وبين فاطمة الزهراء بنته ﵊، فذهب إلى البيت ليصلح بين الزوجين، وهذه هي الواقعية في حياة المسلمين، أن الخطأ أو اختلاف وجهات النظر قد يحدث حتى في بيوت النبوة، فذهب فلم يجد علياً، قال: أين هو؟ قالت فاطمة: تغاضبنا وخرج من بيتنا إلى المسجد، فذهب ﵊ وراءه ليأتي به، فوجده قد نام، ووجده ﵁ وأرضاه قد تدثر في التراب؛ لأنه لم يكن له بساط، والمسجد لم يكن له فرش، أسد نام على الثرى. جسد لفف في أكفانه رحمة الله على ذاك الجسد فأيقظه، وقال: ﴿قم أبا تراب!﴾ فكان الأمويون -أهل الشام - إذا غضبوا على علي بن أبي طالب، قالوا: أبو تراب، فيقول علي: هي أحب الكنى إليَّ؛ لأن الرسول ﵊ كان يكنيني بها. وبعض الناس يفهمون بعض المدح أنه ذم، فكانوا يسبون عبد الله بن الزبير ابن أسماء بنت أبي بكر ﵂ وعنه، ويقولون: ماذا يفعل ابن ذات النطاقين؟ يعيرونه بـ ذات النطاقين، وقد سمعوا هذا الكلام فقالوه، والذي سماها بهذا هو المصطفى ﷺ ؛ لأنها شقت نطاقها؛ فربطت بواحد الطعام وتمنطقت بواحد، فقال: ﴿ذات النطاقين في الجنة﴾. فلما سمع ابن الزبير أنهم يسبونه بهذا، تمثل بقول أبي ذؤيب الهذلي في قصيدة طويلة: فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها فأول شاة سيرة من يسيرها وعيرني الواشون أني أحبها وتلك شكاةٌ ظاهر عنك عارها وفي الصحيحين أن الرسول ﵊ ذهب إلى الخندق والصحابة يحفرون الخندق، ومعهم زيد بن ثابت ذاك الشاب الحافظ للقرآن، العاقل، الأريب، زيد بن ثابت الذي كتب بيده القرآن من أوله إلى آخره، فلا مست النار يده أبداً، نقله من الصحف واللخاف والرقاع والعظام ونقله في مصحف. فمر ﵊ والناس يحفرون في أول النهار، والجو بارد معتم، فمر وإذا بـ زيد بن ثابت في سلاحه، ومعه مسحاة، وقد نام من كثرة السهر والتعب في الليل، فأيقظه ﷺ بلطف، وقال: ﴿قم أبا رقاد! قم أبا رقاد! قم أبا رقاد!﴾ رقد فأعطاه ﷺ هذا؛ لأن الحالة تناسبه، فكانت من أحب الكنى إلى زيد بن ثابت، والرسول ﷺ إذا وسم أحد الصحابة بسمة كانت أحب ما يلقى أو ينادى به. وأبو هريرة ﵁ وأرضاه، كانت له هرة يعتني بها، فكني بـ أبي هريرة، فربما ناداه ﷺ يا أبا هر! ولذلك قال البخاري: باب من دعا صاحبه فنقص من اسمه حرفاً، فقال: يا أبا هر، وأبو بكرة هذا من الصحابة نزل من الطائف على بكرة، وقيل: أنزل متاعه على بكرة، فرآه ﷺ ، فقال: ﴿أنت أبو بكرة﴾ فسمي عند العلماء والحفاظ والنقلة وأهل السير أبو بكرة.

стр. 7638

بعض آداب الضيافة والتعارف وفد هاني الخزاعي على الرسول ﵊، فقال له ﷺ : من أنت؟ -وكان ﷺ يسأل الناس عن أسمائهم وأنسابهم- من أنت؟ وهذا وارد في القرآن، قال تعالى عن إبراهيم: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [الحجر:٥٧] ومن السنة أنه إذا نزل عندك ضيف، أن تباسطه، وتنزل رحله، وتحادثه، وتؤانسه، وبعد ذلك تسأله من هو، أما أن تأخذ بتلابيب ثوبه عند الباب، وتقول: من أنت؟ وما نسبك؟ وما كنيتك؟ ومن أين أتيت؟ ومتى وصلت؟ نسأل الله العافية، نعوذ بكلمات الله التامات، هذه ليست من السنة. وهذا -نسأل الله العافية- يخيف الضيوف فيتوبون توبة نصوحاً إلى الله ألا يزوروه مرة ثانية، لكن السنة أنك بعد مباسطته تسأله. قال الأزدي: أحادث ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والمكان جديب وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ولكنما وجه الكريم خصيب يقول: إذا أتى ضيفي لا أسأله حتى أحادثه وألاطفه وأمازحه، ثم أسأله. وعند الترمذي بسند فيه نظر، قال ﵊: ﴿إذا تعرف أحدكم على أخيه، فليسأله عن نسبه واسمه، فإنه واصل المودة﴾ كيف تماشي إنساناً في سفر من الرياض إلى أبها وهو بجانبك، وقد أصبح بينك وبينه كلام، ومودة، وشيء من المؤانسة والمرافقة، ثم تتركه ولا تعرف اسمه ولا يعرف اسمك؟! إن هذا الدين دين التعارف، والتآخي، واللطف، والحنان، وكلما ازددت من الأصدقاء كانوا لك عوناً، خاصة الأخيار والأبرار والأتقياء. قال علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه: تزودوا من الإخوان فإنهم عزٌ في الدنيا وفي الآخرة، قالوا: يا أبا الحسن! أما في الدنيا فصدقت، لكن في الآخرة كيف؟ قال: أما سمعت أهل النار يشتكون، ويقولون: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١]-قالوا: ليس لنا اليوم صديق يشفع فينا- وقال ﵁ أما سمعت الله يقول: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]. وفي صحيح مسلم وأصل الحديث في البخاري عن ابن عباس ﵄، قال: ﴿قدم وفد عبد القيس على الرسول ﵊، فقال: من الوفد؟ -أو من القوم؟ - قالوا: ربيعة، قال: مرحباً بالوفد -أو القوم- غير خزايا ولا ندامى﴾ وأورد ابن القيم في زاد المعاد بسند فيه ضعف، أن وفد الأزد -أزد شنودة- وفد على الرسول ﷺ ، فقال: ﴿من القوم؟ -الأصل أن يقولوا: الأزد- قالوا: مؤمنون، فتبسم ﵊، وقال: إن لكل قوم حقيقة فما حقيقة إيمانكم! قالوا: خمس عشرة خصلة الحديث﴾.

стр. 7639

الموقف الشرعي من كنية (أبو الحكم) وجواز التكني بأسماء البنات فأتى هاني الخزاعي، فقال له النبي ﷺ : ﴿من أنت؟ قال: أبو الحكم، قال: الحكم هو الله، قال: يا رسول الله! إن قومي كانوا إذا اختصموا في الجاهلية أصلحت بينهم فسموني أبا الحكم، قال ﷺ : هذا شيء حسن، ولكن هل لك من أولاد، قال: نعم. قال: من أكبرهم؟ قال: شريح، قال: فأنت أبو شريح، فكان يسمى أبو شريح﴾. وعند البخاري ومسلم والترمذي: ﴿أن الرسول ﵊ دخل مغتسله بعد أن فتح مكة، فدخلت أم هانئ، فقال: من؟ قالت: أم هانئ، قال: مرحباً بـ أم هانئ﴾ فاستدل بهذا العلماء على أنه لا بأس بالترحاب عند التحية بعد رد السلام، فالرسول ﵊ كنى أصحابه، وحياهم، ورحب بهم ﵊، وهذا مما أورث محبته في النفوس ﵊. وأبو الحكم بن هشام هو أبو جهل فسماه ﷺ أبا جهل، فهو لا يستحق الحكم، ولا يستحق أن يكون حكيماً؛ لأن الجاهل والمذنب والفاجر لا يستحق الحكمة، إنما الحكمة مخافة الله، فإنسان فاجر لا يكنى بأبى الحكم فهو أبو جهل، ولو أنه كان يصلح بين قومه، لكن تردى في النار يوم كفر بلا إله إلا الله. ومن الصحابة من تكنى بأسماء النساء -بالبنات- فـ أبو الدرداء اسم بنته الدرداء؛ فكان يسمى أبا الدرداء، وهناك أبو الزاهرية، وأبو ريحانة، فلا بأس أن يتكنى الإنسان بابنته، وليس فيها عيب، وما عابها أحد، لا من العرب الخلف ولا من السلف، بل العجيب أن بعض الشعراء مدحوا بعض الملوك فنسبوهم إلى أمهاتهم وتركوا آباءهم. دخل جرير بن عطية الخطفي على عمر بن عبد العزيز فمدحه، فقال: وما كعب بن مامة وابن سعدى بأكرم منك يا عمر الجوادا أقول لصاحبي والخيل تعدو على الأمواه تضطرد اضطرادا عليكم ذا الندى عمر بن ليلى جواداً سابقاً ورث النجادا وعمر بن ليلى هو عمر بن عبد العزيز الخليفة. والنابغة الذبياني يقول للنعمان بن المنذر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تخيرن من أزمان يوم حليمة إلى اليوم قد جُرِّبنَ كل التجارب يقول: سيوفكم أيها الملوك، معلقة في بيوتكم تقاتلون بها الأعداء، من أزمان حليمة جدتكم، وحليمة هذه كانت ملكة، والدرس ليس عن حليمة ولكنه عن التكني. ومن هذه القضايا أن الزيارة واردة من الملائكة للناس، قال ﵊ في الصحيح لجبريل: ﴿ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ قال: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ) [مريم:٦٤]﴾ يقول: نحن لا ننزل عبثاً، أي: لا ننزل ونصعد متى نريد، بل نتنزل بأمر من الله وتكليف: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم:٦٤].

стр. 7640

مشروعية زيارة الفاضل للمفضول وهل يزور الفاضل المفضول؟ هل من الأدب والشهامة والفضل أن يزور الفاضل المفضول؟ مثلاً عالم يزور تلاميذه، والسلطان يزور رعيته، والشيخ الكبير يزور الشباب، هذا وارد، وممن فعل هذا محمد ﵊، فزار أصحابه في أطراف المدينة، وزار النساء كما سوف يأتي في الشرح، وزار الكبار والأطفال والمساكين والأعراب ﵊. أما الكبار فقد زار سعد بن عبادة يوم مرض، فوجده مريضاً مغمى عليه؛ فبكى ﵊، فقال له الصحابة: ﴿مالك؟ قال: إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، وإنما يعذب بهذا -وأشار إلى لسانه-﴾. وسمع أن أعرابياً بدوياً تهزه الحمى هزاً؛ فذهب يزروه، فقال: ﴿لا بأس عليك طهور﴾ فغضب الأعرابي، وقال: بل حمىً تفور، على شيخ كبير، تُزيره القبور. الحمى هذه ترقص الإنسان حتى تجعله يرقص ويطرب رقصاً عجيباً؛ لأنها تهز كل عضو فيه، تدخل في ثلاثمائة وستين عضواً، فتنفضه نفضاً، كأنه على الكهرباء. فدخل ﷺ على الأعرابي، فقال: لا بأس عليك يطهرك الله من الذنوب والخطايا، يا لجلالة الإسلام! ويا لعظمة الدين! يوم تصاب بجرح، أو بألم، أو بمرض، أو تسهر عينك، تكون كفارة، فقال ﷺ : لا بأس، ما أتاك بأس، إنما أتاك دواء وبلسمٌ وعلاج وأتاك طهور وماء باردٌ، وحسنات ودرجات عند الله، والأعرابي لا يفقه! يريد أن يأكل ويشرب، قال: لا. ليست بطهور، بل حمى تفور، على شيخ كبير، تُزيره القبور. يقول: بعد أيام -إن شاء الله- الموعد المقبرة، فيقول ﵊: ﴿نعم إذاً﴾ أي: ما دمت دعوت على نفسك، فنعم إذاً؛ فمات بعد ثلاثة أيام. وزار ﷺ البراء بن معرور ﵁ وأرضاه، أحد الوجهاء من الصحابة، وأحد الذين لهم مواقف خالدة في الإسلام، فلما زاره ﷺ وكان في سكرات الموت سلم عليه ﷺ وعانقه، ودموع البراء تهراق، وهو يرفع إصبعه ويقول: [[أشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، أشهد أنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً]] وهذا في سكرات الموت! فربما رأى شيئاً من الجنة، أو لاح له شيءٌ من النعيم، فقام ﵊ عنه، وظن أنه سوف يبقى على قيد الحياة ردحاً من الزمن، وبعد أن وصل مسجده ﷺ ، سمع الهاتف يقول: مات البراء يا رسول الله! فلم يتلعثم ﷺ ، بل استقبل القبلة، ورفع يديه الطاهرتين، الشريفتين، المجيدتين العظيمتين، إلى الحي القيوم، وهو يقول: ﴿اللهم الق البراء فاضحك إليه ويضحك إليك﴾ وهي من أعظم الأدعية في الإسلام، فهو رجل عظيم. وزار ﷺ النساء الكبيرات، من أمهات الأبطال والسادة الأخيار من المهاجرين والأنصار، فقد كان يزور أم سليم، وكانت أم سليم إذا نام ﷺ في بيتها، وتحدر العرق من على جبينه الطاهر، أخذت العرق في قارورة، وكان للعرق هذا رائحة كالمسك في البيت، فإذا مرض أحد أهلها أخذت قطرة واحدة وجعلت هذه القطرة مع ماء وغسلت المريض حتى يشف بأذن الله. وفي الصحيح أنه زار ﷺ أم حرام بنت ملحان، وكانت مجيدة، عابدة، زاهدة، ربت أبطالاً، وأخرجت سادات في الأمة، فلما نام ﷺ في بيتها قام يضحك، فقالت: ﴿يا رسول الله! مالك؟ قال: رأيت قوماً من أمتي يركبون ثبج البحر ملوكاً على الأسرة، يغزون في سبيل الله -أي: سوف يأتون- قالت: يا رسول الله! ادع الله أن أكون منهم، قال: أنت منهم، ثم نام ﷺ ، ثم قام يضحك، قالت: مالك يا رسول الله؟ قال: رأيت أناساً من أمتي كالملوك على الأسرة كما قال في الأول، قالت: ادع الله أن أكون منهم، قال: أنتِ من الأولين﴾. فركبت البحر مع زوجها عبادة بن الصامت، ومع أبي أيوب الأنصاري، يوم قادهم يزيد بن معاوية ليفتحوا القسطنطينية ويعلنوا لا إله إلا الله في القسطنطينية التي ما عرفت لا إله إلا الله منذ قرون عديدة، فأسسوا هناك المساجد وحلق الذكر، والمدارس التي تربي الأرواح، وأما أبو أيوب فلم يعد إلى بلاد العرب مرةً ثانية، فقد قال: [[إذا أنا مت فادفنوني عند آخر بلاد المسلمين حتى يخرجني الله يوم القيامة بين أناس مشركين]] وفي رواية: [[علَّني أن أستيقظ من قبري بين الكفار وأنا أقول: لبيك اللهم لبيك]] فدفن هناك. عمر ﵁ وأرضاه أرسل جيشاً إلى قندهار التي يقاتل عليها المجاهدون الأفغان، وهي بلادهم وأرضهم وحماهم وتراثهم، فهم يقاتلون عليها أعداء الله الشيوعيين، ففي قندهار هذه قتل أناس كثيرٌ من الصحابة الأخيار؛ فأتوا إلى عمر؛ فأخبروه، وقالوا: قتل فلان وفلان، وعمر يضع عمامته على وجهه ويبكي، ثم لما طالت القائمة بالقتلى قالوا: وأناس لا نعرفهم، فرفع عمر صوته، فقال: إن كنتم لا تعرفونهم فوالذي نفسي بيده إن الله يعرفهم. بـ قندهار ومن تكتب منيته بـ قندهار يرجم دونه الخبر وزار ﷺ أم أيمن، وقد أرضعته ﵊، وهي أم أسامة بن زيد، وكانت ترعى أربعين من الماعز للرسول ﵊، وكان إذا ولدت واحدة منها ذبحها ﷺ فكانت تبقى أربعين، وربما كانت تتدلل هذه المرأة الصالحة على الرسول ﷺ ؛ لأنها تعده ابناً لها، فقد أرضعته وهي كبيرة، والرسول ﵊ أعطاها بستاناً من الغنائم، وأراد أن يأخذه من يديها ليعطيه رجلاً فقيراً على أن يبدلها مكان هذا البستان بآخر، فرفعت صوتها ورفضت، فتبسم ﷺ وترك البستان لها. ولما توفي ﵊ -وهذا الحديث في الصحيحين - قال أبو بكر وقد تولى الخلافة: [[يا عمر! اذهب بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فذهب الشيخان الجليلان، والبطلان القائدان إلى أم أيمن، فجلسا عندها فأخذت تبكي، وقد تذكرت، فقال أبو بكر: مالك تبكين؟ أما تعلمين أن ما عند الله خيرٌ لرسول الله ﷺ مما عندنا؟ قالت: أعلم ذلك، ولكن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلان يبكيان]] وهذا في الصحيحين. وقلت: يزور الفاضل المفضول، فالإمام الشافعي لامه بعض تلاميذه، قالوا: تزور أحمد بن حنبل، وأحمد أصغر منك سناً وأنت أعلم منه، فقال مقطوعة، يقول فيها: قالوا يزورك أحمد وتزوره قلت الفضائل لا تغادر منزله إن زارني فلفضله أو زرته فلفضله فالفضل في الحالين له وقد كتب للإمام أحمد يقول: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعه وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواءً في البضاعه فرد الإمام أحمد يقول: تحب الصالحين وأنت منهم ومنكم قد تناولنا الشفاعه لأنه قرشي من أسرة الرسول ﷺ ، يقول: أنت تحب الصالحين، وأنت من أكبر الصالحين، فلا تتواضع في هذا الجانب، فأنت معروف بقيام الليل والتلاوة والصدق ونشر العلم.

стр. 7641

الزيارة البغيضة زيارة الحُمَى أو الثقلاء ورد في الآداب وكتب السير التذمر من زيارة الحمى، يقولون: أسأم زيارة عند العرب الحمى إذا زارت أحدهم، وقد تفاءل بها الصالحون ورحبوا بالحمى زائرةً في الظلام، ولكن تذمر منها كثيرٌ من الناس، وقالوا: لا نريد زيارتها ولا نرى وجهها، ولكن كثيراً قالوا: أنها تكفر الذنوب، وهي التي تغسل السيئات عن الناس، أما المتنبي فإنه نام في مصر مع كافور، فأتته الحمى فأخذ يتقلب ظهراً على بطن، وأنشد قصيدته الرائعة، التي هي من أحسن قصائده في الحمى، وهي قصيدة الحمى، التي يقول فيها: ملومكما يجل عن الملام ووقع فعاله فوق الكلام وزائرتي كأن بها حياءً فليس تزور إلا في الظلام يقول: عجباً لهذه الحمى قاتلها الله، عدوة الله لا تأتي إلا في الليل، ولا تأتي في النهار، وهذه من صفات الحمى. بذلت لها المطارف والحشايا فعافتها وباتت في عظامي ومما تُذمر منه الثقلاء، والثقيل هو الذي إذا أتاك أوقعك في السيئات، بعض الناس إذا دخل على بعض الناس يجرجره إلى السيئات، فهذا أثقل الزائرين، كان الأعمش إذا رأى رجلاً ثقيلاً مقبلاً، قال: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، وورد في قصص الثقلاء ما لا نطيل الوقت بذكره.

стр. 7642

آداب الزيارة في الإسلام وأوقات الزيارة في الإسلام كلها واردة، إلا ثلاثة أوقات وهي عورات للمسلمين لا يجوز الزيارة فيها إلا لأمر ضروري، حين توضع الثياب من الظهيرة، أي: بعد صلاة الظهر، وقبل صلاة الفجر، وبعد صلاة العشاء، فليعلم هذا عند طلبة العلم، وعند الإخوان والأخيار، والصالحين، وبعد صلاة الظهر وقت قيلولة فلا تأتِ في الساعة الثانية والنصف، وتقول: الأمر بسيط، أريد أن أتحدث معك، وأريد أن نجلس قليلاً في الظهر. فهذا ليس وقت سمر أيها الأخ الكريم، بل هذا وقت راحة. ثم يأتيك قبل صلاة الفجر بساعة، ويطرق عليك الباب، ويقول: لا أريد شيئاً يا أخي، فقط أريد أن أشرب القهوة معكم، وأسأل عن أخباركم. فهذا خطأ. وكذلك بعد صلاة العشاء، ويتساهل كثير من الناس بعد صلاة العشاء وهو ليس وقت زيارة، وليعلم هذا، فأحسن وقت للزيارة بعد العصر والمغرب، ومن بعد العاشرة في الصباح، لأنك ربما تزوره قبل العاشرة فتجده على الفطور فتفطر معه، فعليك أن تحذر فتأتيه بعد العاشرة. وقد تأتيه -نسأل الله العافية- وقت الغداء الساعة الثانية فتتغدى معه، فعليك بأوقات الزيارة بعد العصر والمغرب. ومن الأدب ما ذكره سيد قطب في ظلال القرآن أن إذا أراد المسلم أن يزور المسلم أن يتصل به تلفونياً، يقول: هذه الوسائل وجدت عند الكفار فاستخدموها في الآداب، ونحن أهل الإسلام أولى بذلك، فلا يأت إنسان بأهله وأطفاله، ثم يقف عند الباب، فقد يكون أهل البيت أمواتاً، أو يكونون في مشكلة، أو ربما كان الرجل يتعارك مع امرأته، وكل إنسان في زاوية يمسح دموعه ودمه، فيطرق عليهم الباب قال: أتينا نزوركم. أين الاتصال وترتيب الزيارة؟! فالذي ينبغي -أيها الإخوة الكرام- أن يكون لنا تنسيق في حياتنا، إذا أردت أن تزوره فاتصل به قبل فترة. وبعض الناس إذا أراد أن يدعو أحداً وهو يتثاقل من الدعوات، فإنه يفتح كل مجالات الأعذار للإخوان حتى يعتذرون، فهو يقول له: إن لم يكن عندكم ارتباط، أو لن يأتيكم أحد، أو لست مشغولاً، أو لست مريضاً فتعال تغد معي اليوم، فأنت تفتح له باب الأعذار حتى تأتي وهو مرتاح وأنت مرتاح. فلا بد من هذه الوسائل، ولا يستهان بها، بل هي من أعظم الفقه في الدين، حتى نكون على بصيرة، لأن هذا الدين أخرج الناس من البادية وأعرافها وجفائها إلى أمة حضارية تعرف كيف تتعامل مع الإنسان. الزيارة غباً: هل من السنة أن تزور كل يوم؟ عقد البخاري لهذا باباً في الصحيح، وأتى بحديث الرسول ﵊، وهو من حديث أسماء، أنه ﷺ كان يزور أبا بكر يومياً، لكنه علم مودة أبي بكر، وصدقه وقرب أبي بكر من قلبه، وأما في الإسلام فإن الزيارة غباً هي الأسلم، وورد في الحديث: ﴿زر غباً تزدد حباً﴾ وهذا الحديث ضعيف، لكن قال بعض الحفاظ: إذا اجتمعت طرقه قامت على سوقها وأصبح حديثاً حسناً فله أصل. والغب: أي فترة بعد فترة، فلا تزره اليوم قبل الظهر، وبعد صلاة العصر، فتأتي وتقول: اشتقت لك، ثم في اليوم الثاني تقول: اشتقت لك، فسوف يستقبل صاحب البيت القبلة ويقول: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الضراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر، فالزيارة تكون بقصد، مثلما قال أبو تمام: ليس الحجاب بمخفٍ عنك لي أملاً إن السماء ترجى حين تحتجب يقول: إذا أبطأ الغيث خرج الناس يستسقون، لكن لو نزل الغيث كل يوم فهو يزري، كانوا يقولون: يا رب! ارفع عنا هذا المطر، يا رب! لا تهدم علينا بهذا المطر بيوتنا وأنت أبصر وأنت أرحم، ولكن إذا تخلف المطر وقحطت الأرض خرجوا للاستسقاء، فالزيارة غباً واردة ولا تحدد، وحددها بعض الناس، بأن تزور على قدر طاقتك، إلا الأرحام والأقارب الذين تمون عليهم ويمونون عليك فلا بأس، أما أن يكون الإنسان ثقيلاً فلا يطلب هذا. ومن آداب الزيارة -أيها الأخيار الأبرار النبلاء الفضلاء- أن إذا زرت ألا تنام عنده، كأن تزوره بعد صلاة العصر، فتبقى إلى الواحدة والنصف ليلاً، فيخرج ويرجع وينتهي كلامه، وينظر في النجوم: هل طلع نجم سهيل؟ وهل بدت الثريا؟ هل أذن الفجر؟ ثم يدعو الله ، ثم يذهب إلى زوجته شاكياً باكياً فهذا ليس بوارد، فعلى المسلم أن يكون خفيفاً. أيها الإخوة: لا ننفركم من زيارة الإخوان والأحباب، لكن هذه موجودة في كتب التربية، ووجدت حتى في التفسير وأشار إليها العلماء المفكرون، ونحن لا بد أن نبحثها مثلما نبحث مسائل الوضوء والصلاة والزكاة والصيام. قال: وزيارة الأحباب والأقران والزملاء بعضهم لبعض، فهذه مطلقة، فلا تقل: لا أزوره؛ لأنه لم يزرني، بل كن دائماً أنت فاضلاً بادئاً بالفضل. وقد زار سلمان أبا الدرداء وزار أبو الدرداء سلمان. أما سلمان هذا ففقيه، طال عمره، ففقه عقله ونبل، فزار أبا الدرداء، وأبو الدرداء كان قوياً في العبادة صارماً، يكلف نفسه كثيراً، فزاره في النهار، فوجده لا يأكل، ورأى امرأته متبذلة، قال: مالك أصبحت عجوزاً في البيت؟ قالت: أبو الدرداء أما النهار فصائم، وأما الليل فقائم. فأتى سلمان وكان فقيهاً، فقال لـ أبي الدرداء: كل معي، قال: لا آكل أنا صائم، قال: والله لا آكل حتى تأكل، فأكل، فلما أتى الليل نام معه متعمداً حتى يلقنه درساً تربوياً عالياً، فقهاً واقتصاداً في العبادة فقام يصلي بعد العشاء، قال: نم، فنام ساعة، فقام، فأخذه بثوبه، وقال: نم، فلما أصبح قبل الفجر بساعة، قال: الآن قم، فقام، فلما أتى الصباح جلس معه في حوار حار ساخن، وقال: [[يا أبا الدرداء: إن لربك عليك حقاً -هذا الحديث في الصحيحين - ولنفسك عليك حقاً، ولعينك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولضيفك عليك حقاً، فأعطِ كل ذي حقٍ حقه]]. فأخذ أبو الدرداء هذا الكلام، وذهب به يعرضه على المصطفى المعلم الكبير، يعرض المخطوطة على صاحبها، ويعطي القوس باريها، قال: ﴿يا رسول الله! أتى سلمان؛ فنام عندنا، ففعل كيت وكيت، وقال: كذا وكذا، قال: صدق سلمان، صدق سلمان، صدق سلمان، سلمان أفقه منك يا عويمر﴾ فهذا هو الإسلام، وهذه هي الزيارة. وهل الزيارة على البعد واردة؟ لأنه قد وجد من العلماء من قال: لا تشد الرحال لزيارة الناس، إنما تشد للمساجد الثلاثة، أي: هل لك أن تشد رحلك، وتركب سيارتك، وتحجز في الطيران، وتذهب لتزور أخاً؟ وهل هذا من البدعة أم لا؟ لا. ليس من البدعة، بل هو من أفضل الأعمال أن تزور أخاً لك في الله، ولو شددت إليه الرحال. أتيناكم من بَعْدِ بُعْدٍ نزوركم فهل من ضياف وارد وجفان كما يقول الصاحب بن عباد. والرسول ﵊ -كما في سنن أبي داود - زار العباس بن عبد المطلب في البادية، فسلم عليه وعلى أطفاله وصلى عندهم ﵊.

стр. 7643

الأماكن التي تزار ما هي الأماكن التي تزار؟ هل يزار قبر عبد القادر الجيلاني، والبدوي، وهذه القبور التي أخذها الذين لا يفقهون شيئاً، وقالوا: الدعاء مستجاب عندها، ويمرغون وجوههم عندها، حتى إن أحد الناس الحمقى أخذ قارئاً يقرأ عليه، قالوا: إذا ذهبنا إلى قبر البدوي فاقرأ علي، فذهب معه، فلما أجلسه عند القبر، قال: ماذا أقرأ؟ قال: اقرأ ما فتح الله عليك، قال: كم الأجرة؟ قال: فلسين -أو عملة قليلة تشابهها- فقرأ: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٢] قال: كيف تقرأ هذا الكلام؟ قال: هذا قيمته في الكيل، وأما الذي بالجنيهات: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٦]. فالمقصود أن بعض الناس يزورون هذه المزارات ويعتقدون فيها النفع والضر، وهذا شرك، وقد تساهل الذهبي في السير، حيث كان يترجم للشخص ويقول: وكان قبره يزار. والرسول ﵊ قبره لا يشد إليه الرحل، لكن إذا وصل المسلم إلى المدينة المنورة والمسجد الشريف، فعليه أن يمر على الحبيب ﵊. يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه الجلال وفيه العز والكرم وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: ﴿لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى﴾ أو كما قال ﵊، وقد وقع صراع تساقطت منه عمائم الأبطال، وتكسرت النصال على النصال، بين ابن تيمية وعلماء وقته إلا من رحم ربك. فهم يقولون: شد الرحال إلى القبر وارد، وهو يقول: لا. لا يشد الرحل إلى قبره ﷺ ، وألف في ذلك مجلداً، وقد رد عليه السبكي، ولكن لم يحسن الرد، فرده مظلم لا يشفي، وهو مبني على الأحاديث الموضوعة، ولكن أتى ابن تيمية برد مشرق، كأنه نظم النجوم من الدلائل الساطعات الواضحات فرحمه الله، وأسكنه فسيح جناته.

стр. 7644

فوائد أخرى في حديث الكنية فهذا الحديث: ﴿يا أبا عمير! ما فعل النغير﴾ كان هناك رجل يسمى صالح جزرة، وهو محدث كبير، وحافظ المشرق، أتى من الشمال، فقال له أبو حاتم الرازي: ماذا وقع عندكم في الشمال؟ قال: كل خير، مات الشيخ فلان، وأتى محدث آخر فأول ما قرأ علينا، حديث: يا أبا عُمَير! فقال: يا أبا عَمِير! ما فعل البعير؟ يقول ابن حجر: من التصحيفات التي وقعت في الأحاديث مثل ما وقع في هذا الحديث، والتصحيف هو: تغيير الكلمات. وفي هذا الحديث قضايا: منها: أن هذا الطفل مات بعدما مات النغر ويقولون: هو الطفل الذي قصد في الحديث الصحيح، أنه ولدٌ لـ أبي طلحة، وكان مريضاً، فدخل أبو طلحة ليلة من الليالي، وإذا بطفله قد مات، وهو لا يعلم أنه قد مات، وكانت أم سليم امرأة عاقلة، رشيدة، زاهدة، فغسلته وكفنته وسجته، فدخل أبو طلحة، وقال: كيف الطفل؟ قالت: ما ارتاح إلا هذه الليلة، وهو في أحسن حال، فظن أنه مرتاح، فلما أصبح الصباح أخبرته الخبر، فأخبر الرسول ﷺ ، فقال: ﴿بارك الله لك في ليلتك﴾ أو كما قال ﵊، فأخلفه الله بتسعة أولاد كلهم حفظوا القرآن، وأصبحوا من علماء الأقاليم في البلاد الإسلامية، ومنهم إسحاق بن أبي طلحة أحد رواة البخاري ومسلم من أكبر العلماء في الدنيا، تسعة حفظوا القرآن، وأصبحوا علماء ودعاة إلى الجنة. ومن القضايا كذلك بارك الله فيكم: أن الرسول ﷺ سجع في الحديث هذا، فقال: ﴿يا أبا عمير! ما فعل النغير﴾ وفي القرآن سجعٌ لكنه ألذ من الشهد، وأحسن من الماء الزلال: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً * فَالْحَامِلاتِ وِقْراً﴾ [الذاريات:١ - ٢] ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً﴾ [النازعات:١ - ٢] ﴿والْمُرْسَلاتِ عُرْفاً * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً﴾ [المرسلات:١ - ٢] إلى غير ذلك من الآيات فيها سجع، ولكنه غير متكلف، بل هو نورٌ يهدي به الله من يشاء صراطاً مستقيماً. ومن القضايا: أنه يجوز جعل الاسم بدل الكنية، فـ أبو بكر يقولون: اسمه كنيته، وبعضهم يقول: اسمه عبد الله بن عثمان، والظاهر والله أعلم أن أبا عمير اسمه كنيته.

стр. 7645

حكم لعب الأطفال بالألعاب ومنها: قضية التلهي بالطير، وأنه لا بأس للمسلم أن يعطي أبناءه بعض اللعب خاصة الصغار منهم، التي يتسلون بها، ولكن بشرط أن تكون اللعب المباحة، أما اللعب المجسمة وهذه التصاوير، مثل صور البنات والأطفال والخيول، فالذي يظهر -والله أعلم- أن هذه ليست من جنس اللعب، وأنها لا يجوز أن تدخل البيوت؛ لأنها منحوتة؛ ولأن فيها تشبه بخلق الله ، وهي مذمومة، وكأنها تأخذ ظاهر الحديث: ﴿لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة ولا جنب ولا كافر﴾ هذا الحديث في السنن وهو حسن، وفي السنن حديث صحيح: ﴿لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب﴾ أما قوله: ﴿ولا بيتاً فيه صورة ولا جنب ولا كافر﴾ فهو حديث حسن، ومن العلماء من صحح هذه الجملة كلها. فالمقصود أن هذه اللعب ينبه عليها ولا تدخل البيوت؛ فإنها تخرج الملائكة، وهي خدش للتوحيد؛ لأنها مشابهة لخلق الله تعالى وهي منحوتة، وقد يستدل بعض الناس، ويقول: أدخلها بيتي؛ لأنه أثر أن عائشة ﵂ وأرضاها، كانت لها خيولٌ تلعب بها؛ لأنها كانت طفلة، فدخل ﷺ عليها، وكان للخيول أجنحة، فقال: ﴿ما هذه يا عائشة؟ قالت: خيول، قال: خيول بأجنحة؟! قالت: يا رسول الله! سليمان كانت له خيولٌ بأجنحة، فتبسم ﵊ وسكت﴾ قال العلماء: لم تكن عائشة تصور الخيول كصورة الخيل، فهي لا تستطيع أن تصور رأس الخيل، وعينيه ويديه، وأرجله، وذيله، أو تصور قامته وسمكه، فيكون خيلاً كما يفعلون الآن؛ لأن هذه مصانع متخصصة، وشركات عالمية متطورة، فصناعة اللعب هذه تأتي بتعب وجهد، ووراءها مفكرون حتى تنتج للناس، فـ عائشة ﵂ أتت بعود وجعلت قطعة قماش من هنا وقطعة من هنا، وقالت: هذا فرس، وهو ليس بفرس ولا يشبه صورة الفرس والخيل، فهذا ليس من هذا أيها الأبرار. واللعب التي يلعب بها الأطفال، كالدراجات والسيارات، والطائرات، واللعب، والصفارات، إلى غير هذا، وهي لا بد في فترة من الفترات أن يكون عند الأطفال منها شيء، أما إذا بلغ الطفل خمس عشرة سنة وتشتري له دراجة فيصبح دائماً في الشوارع فهذا لا ينبغي، بل لا بد أن يكبر عقله مع كبر سنه حتى يعلم مهمته في الحياة. قد رشحوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل يقولون: الرسول ﵊ لما بلغ السابعة من عمره، كانت لـ عبد المطلب سجادة في ظل الكعبة، ممنوع أن يجلس أحدٌ على هذه السجادة، وهي لا تأخذ إلا رجلاً واحد، فلا يجلس فيها إلا عبد المطلب سيد قريش والعرب، وكانت تفرش قبل العصر، فيجلس، وتجلس إليه قريش وكبراء العرب وملوك العرب عنده، ولو أتى ملك من ملوك الدنيا فإنه لا يجلس عليها. فالرسول ﷺ كان دائماً إذا أتى لا يجلس إلا على هذه السجادة، فتقيمه قريش فيقوم من مكانه ويجلس على السجادة، فيقول عبد المطلب: والبيت ذي النصب والحجب، والنجوم والشهب، إن لهذا الابن سبباً من السبب، يقول: والله إن هذا الابن ليس بعادي، وإنه سوف يكون عظيماً من عظماء الدنيا، ونحن نقول: ليس من عظماء الدنيا، بل هو أعظم عظيم في الدنيا ﵊، فهمته العالية جعلته يجلس هناك. يقول ابن القيم في كتاب الفوائد: قيل: لدويدة صغيرة تحرك القذر والأذى، مالك تفعلين هذا بنفسك؟ قالت: همتي أنزلتني إلى هذا المكان. فالمقصود أن التلهي باللعب لا بأس به، لكن بالشروط التي ذكرت، وإقامتهم على الصلاح، وعلى تَعَلُّم العلم فهو لا بأس به، أما تعليمه في سن لا يعقل فيها، فهو إتعاب للنفس فقط، فمن السابعة يبدأ بالمسجد، ويبدأ بالتعليم، ويبدأ بحفظ وقته، وحضور الجلسات والاستفادة من أهل العلم.

стр. 7646

سؤال المسلم عن أحوال إخوانه وفي هذا الحديث السؤال عن الأحوال: سؤال المسلم عن أحوال إخوانه وخاصة الجيران، فإن بعض الناس يمرض جاره ويشفى مرات كثيرة ولا يدري، وبعد أيام عديدة يقول: أخبرنا آل فلان أنكم مرضتم فشفاكم الله. فهذا عذر أقبح من ذنب، فإن المسلم لابد أن يتفقد أحوال جيرانه، والذي يخبرك هو المسجد، فيخبرك أن الناس سافروا، أو وجدوا، أو ماتوا، أو حضروا، أو مرضوا، فمن صلى معنا تفقدناه، ومن كان مفقوداً دائماً فلا أصل له، ليس موجوداً في كتابنا ولا في مخطوطاتنا، فهو ليس له أصل. لكن الذي دائماً يحفظ الصف الخامس أو الصف الأول، فهذا معروفٌ عند الناس، عند الإمام والمؤذن، وعند الإخوان والجماعة، إذا غاب نسأل: أين ذهب فلان؟ ليست عادته أن يغيب فيعرف أهل الحي أنه سافر، فلذلك ينبغي أن نحافظ على هذه الصلوات، وأن نسأل الناس عن أحوالهم. ولكن إذا سُئل المريض عن حاله فليكن بحكمة، لا تأتي إلى مريض متعب ومرهف وسئم، فتلقي عند رأسه محاضرة، حتى يتمنى أنه ما رآك فيزيد مرضه مرضاً، فمن الناس من يأتي إلى المريض فيقول: والله سمعنا أن هذا المرض مات منه فلان وفلان، وكان هذا المرض مرض جدتي يوم نقلت إلى المستشفى التخصصي وماتت بعده، وهو مرض خالتي الذي ما أخذت بعده العافية والحمد لله، يقولون: هذا من التشاؤم في الزيارة. قالوا: فإن كنت وجدته قريباً من العافية؛ فقربه، وقل: لا بأس عليك، لم أظن أن حالك حسنة كذا، ما شاء الله تبارك الله؛ لأن الوهم يزيد المريض مرضاً، ورفع معنويات المريض أمرٌ حسن، وفيه قصص وأعاجيب ذكرها ابن الجوزي وغيره من أهل العلم. وكذلك إذا رأيت أنه اقترب من الموت، فذكره بلقاء الله، وحسَّن ظنه بالله، وقل: ما شاء الله! ما أسعد من يقدم على رب كريم! وأنت من الأخيار إن شاء الله، ومواظب على الصلوات ومن الصالحين، أما أن تأتي وهو في سكرات الموت وتقول: يا فلان! ماذا فعلت في بيتك؟ وهل بعت سيارتك في المعرض؟ وماذا فعل الأبناء في الدراسة؟ وهو يتشهد ويقول: بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى. فوضع الندى في موضع السيف بالعلا مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى

стр. 7647

تواضع الرسول ﷺ وفضل التواضع وفي الحديث: التواضع، وهي أكبر سماته ﷺ ، فهو لا يحمل ذرة واحدة من الكبر، بل كان أقرب الناس إلى الناس، يجلس على التراب، وتأخذه الجارية بيده؛ فيذهب معها في سكك المدينة، ويقف مع الأعراب، ويبيع ويشتري في السوق، ويأخذ الدابة فيربطها ويقودها ﷺ ، ويركب الحمار، ويكنس ويَقُم البيت، ويرفع الثوب، ويخصف النعل، لكنه سيد الخلق ﵊. ولذلك يقول ﵊: ﴿من تواضع لله رفعه، ومن تكبر على الله وضعه﴾ كلما تواضعت رفعك الله، يقول: انتعش انتعش، أي: ارفع رأسك، وكلما تكبر الإنسان، قال: اخسأ فلن تعدو قدرك. ولذلك أكبر الناس في نفوسهم؛ أصغرهم في قلوب الناس، حتى تجد المتكبر إذا مر تلعنه قلوب الناس، فهو حقير لا يقيمون له ولو ذرة، والمتواضع ليس في نفسه شيء؛ وإذا مر سلمت عليه القلوب وحيته. يقول البخاري: باب المقة من الله، قال أهل العلم، كما قال ابن حجر: الصيت الحسن والثناء الحسن من الواحد الأحد، ولا يعطيه إلا الله لكن بالتواضع، فأوصي نفسي وإياكم بالتواضع لكل أحد، ومن التواضع: البشاشة والبشر، أي: من علامة المتكبرين أنه لا يسلم كثيراً، يريد أن تسلم عليه ولا يسلم عليك، ويقف مكانه حتى تقرب أنت لحضرته ولشخصيته العظمى فتسلم عليه، ومنه كذلك أنه لا يقوم، وإذا مد يده أعطاك رءوس الأصابع، ويتنحنح كثيراً، والتفاتاته التفاتات كبر، وتصرفاته عنجهية، ويتحدث عن نفسه دائماً: قلت، وفعلت، وكلمت، وراجعت، ونزلت، ودخلت، وأكلت، وشربت ترجمة لحياته. وهذا مرض خطير نسأل الله أن ينجينا وإياكم منه، فأكبر مِيَزَه ﷺ التواضع، حتى يقول الله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. دخل عليه رجل وهو في مكة ﵊، ولما رأى هذا الرجل هيبة الرسول ﵊، وعظمته، وجلاله، ونوره، أخذ يرتعد، فقال: ﴿هون عليك فإني ابن امرأة كانت تأكل القديد بـ مكة﴾ نعم. كانت تأكل القديد لكنك أصلحت العالم، وحولت مجرى التاريخ، لكنك أقمت الدنيا وأقعدتها، لكنك دكدكت جيوش الضلالة، ونسفت كل كيان للجاهلية على وجه الأرض، نعم. لم يغير أحد مجرى التاريخ كما فعل ﵊، ولا نقل أمة ضائعة ضالة من مكان إلى آخر مثلما فعل ﵊. وأكبر ميزة له ﵊ كما في الحديث، قال أنس: ﴿كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقاً﴾ وهذا مصداق لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وورد أن سعد بن هشام قال لـ عائشة: كيف كان خلقه ﷺ ؟ قالت: ﴿كان خلقه القرآن﴾ وهذا في صحيح مسلم. وأكبر معالم خلقه ﷺ تدور على أربعة: الصبر، والشجاعة، والكرم، والتواضع. فأما الصبر: فكان من أصبر الناس، بلغ به الجوع إلى أن أخذ الحصى وربطها على بطنه، فما شكا ولا بكى ولا تذمر ولا تأسف، وإنما استمر في دعوته حتى بلغت مغرب الشمس ومشرقها، وضُربت بناته، وأوذي، وأخرج من دياره، وحورب، وقوتل، وماتت زوجاته وقريباته، وأعمامه، وأنصاره، والشهداء حوله، فما ازداد إلا صرامة وصلابة ومضاءً. وأما شجاعته: فكانت السيوف تلعب عن يمينه ويساره، والرماح تتكسر على رأسه، وهو واقف لا يتزحزح خطوة واحدة، هل تعلمون أحداً أشجع من علي؟ يقول علي: [[والله لقد كنا إذا التقينا بالأعداء، واحمرت الحدق، واشتد الهول؛ نتقي بالرسول ﵊ فيكون أقربنا من القوم]] إذا كان علي على شجاعته يتقي بالرسول ﷺ ، ويتترس به، فما بالك بالرسول ﵊، وفي معركة حنين انهزم كل الجيش، ولم يبق إلا ستة والرسول ﵊، فنزل من على بغلته وسل سيفه ﷺ ، وقال: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ولذلك أجمع أهل السير أنه لم يكن أشجع منه أبداً، وسمع صوتاً مرة من المرات فنهض ﷺ على فرسه حتى أدرك الصوت والغارة، وعاد وما كلم أحداً من الناس.

стр. 7648

الأسئلة

стр. 7649

حكم لمس الجارية الصغيرة السؤال ذكرت أن الرسول ﷺ كانت تأخذ بيده الجارية، فتذهب به، وقد ورد النهي عن لمس المرأة الأجنبية، وأرجو توضيح ذلك. الجواب أولاً: يا أخي! الجارية لا تأخذ حكم المرأة، فالرسول ﷺ ربما داعب الجواري الصغار، ومازحهن، وقبلهن شفقة ورحمة فهو أبو الجميع ﷺ ، أما المرأة التي تُشْتَهى ويرغب فيها فكان ﷺ لا يمس يد امرأة كما ورد بذلك الحديث فليعلم هذا، فلا تعارض؛ لأن هذه الجارية صغيرة السن، وورد في الحديث في صحيح مسلم، أن الجارية كانت تأخذه بيده ﷺ ، وربما قبل ﷺ بعض الجواري الصغار تحبباً وتأليفاً، وهذا ليس فيه شيء، وليس فيه شبهة ولا فتنة ولا ريبة. إنما النهي عن المرأة التي تسمى امرأة، وتشتهى، وقد أصبحت لها فتنة فهي امرأة، فليعلم هذا.

стр. 7650

الكنى الفاسدة وحكم التكني بها السؤال ما رأيكم في بعض الشباب الذين يكنون بكنى فاسدة مثل: أبو عذاب، أبو غريب، أبو عشق؟ الجواب أنا لم أسمع بهذا، ولكن قد يحدث هذا في بعض الأماكن، وهذا من قلة الرشد، بعض الناس يأتي بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، وفي الدنيا آلاف الأسماء، وفي الدنيا غنية عن هذه الأسماء، فيتعب نفسه ويضيق على نفسه بهذه الأسماء، حتى أن بعضهم يسمى بأسماء ليس لها معان، أنا سمعت أحد الدعاة والخطباء يقول: سألت ولداً وقلت: ما اسمك؟ قال: اسمي أنو، فيقول الخطيب: أنو هذه ليست كلمة عربية ولا فرنسية ولا إنجليزية، فبعض الأسماء ليس لها طائل، وكأننا ألجئنا الآن إلى أسماء جديدة بدأت تفد إلينا، وهذا نحذر منه؛ لنبقى على الصبغة الإسلامية، وعندنا من الأسماء الكثيرة، أسماء الشجعان والأبطال والأعلام والواجهات الحضارية ما يكفينا عن هذه الأسماء، كل من في اسمه تعبيد فلنتكن به، أبو عبد الرحمن، أبو عبد الله، أبو عبد السلام، أبو حمزة، أبو الزبير، أبو طلحة، أبو علي، أبو عمر، إلى غير ذلك من الأسماء التي هي من أروع الأسماء وأحسنها. وهذا ينهون عنه وليس فيه تحريم فيما أعرف، لكن غيره أحسن منه وأولى؛ لأن في الاسم اشتقاق من المسمى. ولذلك بعض الناس يُساء في أسمائهم فيخرجوا هكذا، وليست كل تسمية واردة أو فيها خير، وليس كل تسمية احترازاً للرجل، فالله كنى أبا لهب في القرآن وهو كنار تلظى، ويقول الله لموسى لما أرسله إلى فرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] قال علي بن أبي طالب كما في تفسير ابن كثير: معناه كنياه، أي: نادياه بالكنية، قال سفيان الثوري -وهذا عند ابن كثير -: كانت كنية فرعون أبو مرة، وهذا معروف.

стр. 7651

أهمية الاتصال بالعلماء واستفتائهم السؤال يواجه الإنسان المسلم مشاكل في حياته، خاصة المشاكل العائلية، ويريد الإنسان أن يجد حلاً في الشريعة الإسلامية، فمن نستطيع أن نتصل به في مدينتنا الفاضلة وجزاكم الله كل خير؟ الجواب عليك إذا حدث لك حادث أن تتصل بالعلماء فعندنا الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ ابن عثيمين، وأمثالهم، ويجدون لك حلاً، وهناك مكتب للدعوة والإفتاء في أبها عليك أن تتصل به وهم يحيلونك على العلماء، أو عندهم الحل إن شاء الله.

стр. 7652

حجاب المرأة السؤال يقول: متى تتحجب المرأة؟ ومتى لا يجوز النظر إليها؟ الجواب تتحجب المرأة إذا أصبحت تشتهى وترغب وأصبح عليها ريبة فتبدأ تتحجب.

стр. 7653

أول شيء خلقه الله في الكون السؤال ما هو أول شيء خلقه الله تعالى؟ الجواب أنا لا أفيدك وأنت لا تستفيد، ومع العلم أن شارح الطحاوية وكثير من علماء العقيدة بحثوا هذا، لكن لن يسألك الله يوم القيامة ما أول ما خلق؟ وليست من المسائل التي يقوم عليها كبير الفائدة، وهي إشغال للأذهان، لكن الراجح عند علماء السنة -إن شاء الله- أن أول ما خلق القلم؛ ففي حديث عبادة الصحيح: ﴿أول ما خلق الله القلم﴾ فمن نصب أول أي: ظرف لم يجعل القلم أول ما خلق، أي: في الوقت الذي خلق الله القلم فعل شيئاً آخر، أي: ليس القلم أول ما خلق، لكن في الوقت الذي خلق فيه القلم، تكلم الله أو فعل، أو قال له: اكتب، ومن العلماء من قال: أولُ، على الابتداء، فإن كانت على الإبتداء، فمعناه: أول المخلوقات القلم، وقال له: اكتب، فكتب مقادير الخلق قبل أن يخلق الخلق بخمسمائة عام.

стр. 7654

حكم قطع رءوس المجسمات السؤال ما قولكم في المجسمات إذا قطع رأسها، وهل تصبح مثل الشجرة؟ الجواب يقول هذا بعض أهل العلم وهذا صحيح، وفي سنن النسائي أن الرسول ﷺ أمر بصورة فقطع رأسها فأصبحت كالشجرة، فأنت إذا أتيت للصورة فقطعت رأسها، وفصلته، فحينئذٍ لا يصبح فيها ريبة، ولا تحريم إن شاء الله، وهذا القول صحيح، وقد أفتى به كثيرٌ من علمائنا الأخيار، والعمدة على حديث النسائي الذي في سننه.

стр. 7655

حكم التصدق عن الأموات السؤال هل يجوز التصدق بمال بنية التصدق عن أموات المسلمين جميعاً، فإني عندما أزور المقابر أرحمهم وأريد لهم زيادة الأجر؟ الجواب أنت مأجور ومشكور بشرط أن يكون الأموات من المسلمين، وأن تنوي بهذا الثواب لهم، فيصلك الثواب، ويصلهم إن شاء الله، وهذا لم يخالف فيه ومعك الدليل في هذا إن شاء الله. ونسأل الله لنا ولكم القبول والهداية، والتوفيق والخير والرشد، وإن يلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 7656

من آداب النبوة (٤) تواصلاً مع آداب النبوة, يتكلم الشيخ في هذه المادة عن آداب التبسم والضحك. وإذا كان هدي النبي ﷺ أساساً لهذه المادة, فقد قامت على هذا الأساس فوائد أخرى كثيرة يحتاجها المسلم, كأنواع الضحك, وأنواع البكاء, معرجاً على فضائل بعض الصحابة. وتظل الآداب النبوية هي الينبوع الصافي الذي لا ينضب, تمدُّ البشرية عبر العصور بأروع وأجل الأخلاق التي عرفها التاريخ, ومن شمولها لكل جوانب الحياة أنها تعالج موضوعاً دقيقاً كالضحك والبكاء.

стр. 7657

الضحك والبكاء إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. هذا حديث المصطفى صلوا عليه وسلموا هذا الرحيق المجتنى فيه الشفا والبلسم بعد الكتاب هو النجاة فبالهدى فاستعصموا تجد البخاري روضة أما الغدير فـ مسلم من كان هذا هديه لا لن تراه جهنم ما نزال مع البخاري ﵀ في كتاب الأدب، وهو يشنف الأسماع ويثلج الصدور بكتابه, فهو يدبجه تدبيجاً, ويوشحه توشيحاً. يقول: (باب التبسم والضحك) فما هو حد التبسم؟ وما هو حد الضحك؟ وما هو المحمود منه؟ وما هو المذموم؟ وما هو الذي وردت به السنة؟ وكأني ببعضكم يقول: حتى الضحك والتبسم لا بد فيه من حلال وحرام، ومن دليل وتعليل؟! فنقول: إنها أمة تتلقى وحياً من فوق سبع سماوات، وإن نبيها ﷺ يؤدبها في الحركات والسكنات، حتى في الضحك والبكاء، فهي أمة ليست مسيرة من البشر، إنما تُسَيَّر بوحي من السماء. قال: (باب التبسم والضحك) وسوف يورد كلاماً عند هذا، يقول: وقالت فاطمة ﵍: [[أسر إليَّ النبي ﷺ فضحكت]] وقال ابن عباس ﵄: [[إن الله هو أضحك وأبكى]]. وقبل هذا اعلموا أن الضحك فيه شيء مذموم وفيه شيء ممدوح، وهو أقسام، والبكاء أقسام، وفيه مذموم وفيه ممدوح.

стр. 7658

أنواع الضحك أما الضحك فهو أنواع، كما قال علماء التربية، فمنه ضحك التعجب، وقال أهل التفسير: ضربوا على ذلك مثالاً -ضحك التعجب- بقوله : ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود:٧١] كيف ضحكت؟ بعض المفسرين يقولون: حاضت، على لغة بعض القبائل العربية، لكن الصحيح عند الجمهور أنها ضحكت تعجباً: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود:٧٢] امرأة تنيف على الستين أو تصل إلى السبعين، ثم تأتيها البشارة بغلام لها فتضحك ضحك التعجب، إذاًً فمن الضحك: ضحك التعجب. ومن الضحك: ضحك السخرية، والاستهتار، والاستهزاء، قال : ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآياتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف:٤٧] عجيب! يضحكون من آيات الله! يضحكون من الأسس الخالدة التي أقام الله سبع سماوات وسبع أراضين من أجل هذه المبادئ الأصيلة والأهداف الجليلة! فكان عاقبة الضحك أن دمرهم الله تدميراً هائلاً، وأذاقهم لعنة في الدنيا والآخرة: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآياتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف:٤٧]. ومنها ضحك الاعتزاز بالنفس، بعض الناس إذا هُدد وتُوعد ضحك معتزاً بنفسه. أنا ابن جلا وطلاّع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني وماذا يبتغي الشعراء مني وقد جاوزت حد الأربعين فإذا تُوعِّد الشجاع ضحك، يقول المتنبي وقد توعده خصومه بالقتل: إذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنن أن الليث يبتسم يقول: إذا ابتسمت فأنا متوعدٌ لهم، وأنا متهددٌ لهم، وهذا موجود في أفعال الرجال، أنهم ربما ضحكوا استهتاراً بهذا الخصم، يقول جرير للفرزدق: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً أبشر بطول سلامة يا مربع ومنها: تبسم الإقرار وضحك الإقرار أن ترى شيئاً وأنت مطاع، وكلمتك مسموعة؛ فتضحك كأنك تقر هذا الشيء، يلعب طفلك في البيت فتضحك مقراً لفعله، أو يتكلم بكلمة فتتبسم له، ودليل ذلك أنه صح عن عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه، وهو أرطبون العرب، صاحب القوة الهائلة، والذكاء الخارق، الداهية الدهياء، الذي لعب على عقول الكفرة، خرج في سرية من الصحابة؛ فأجنب وكان الجو بارداً، والنسيم معتلاً، فأراد الماء، فوجده مثلجاً؛ فتيمم، وأفتى نفسه، وصلى بهم هكذا، وذهبت الشكاية إلى المعلم الأعظم، وإلى المعلم الأكرم، تشتكي هذا الرجل، لأنه ليس مشرعاً، فلا بد أن تعرض الشريعة على الذي أتى بها، وتعرض المخطوطة على من يحققها، وليس لها إلا محمد ﷺ ، فلما عرضت عليه ﷺ ، تبسم ضاحكاً، وقال: ﴿يا عمرو! أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ قال يا رسول الله! إن الله يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء:٢٩] فضحك ﷺ ﴾ وهذا ضحك الإقرار. ومن التبسم: تبسم الغضب، فقد يتبسم المغضب، فإذا رأى شيئاً تبسم من غضبه ونفس عن خاطره بالتبسم، ودليل ذلك: ما في الصحيحين من حديث كعب بن مالك، قال: أتيت رسول الله ﷺ لما قدم من تبوك، وقد تخلفت مع الثلاثة، فلما رآني تبسم تبسم المغضب ﵊. وله أنواع أخرى، وسوف نأتي إلى الممدوح من الضحك والمذموم.

стр. 7659

أنواع البكاء أما البكاء فهو أنواع: منها: بكاء الحزن على الفائت، وأعظم بكاء في تاريخ الإنسانية هو بكاء يعقوب ﵇ على يوسف، يقول : ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤] بل ورد في بعض الآثار: أن الملائكة شاركته في البكاء، ودرجة بكاء تصل إلى أن يشارك الملائكة هذا الرجل الصالح، إنها درجة عظيمة. ولا بد من شكوى إلى ذي قرابة يواسيك أو يسليك أو يتوجع وممن بكى كذلك كثيراً في تاريخ البشرية داود ﵇، ألم بذنب فبكى بكاءً عظيماً حتى كادت تتلف روحه. ومن أنواع البكاء: البكاء من خشية الله، وأخشى خلق الله لله هو محمد ﷺ ، فقد ذكر ابن مردويه وابن جرير: أن بلالاً ﵁ وأرضاه مر بالرسول ﵊ ليخبره بصلاة الفجر، فقال: يا رسول الله! الصلاة، قال: ﴿يا بلال نزلت علي آيات ويلٌ لم قرأها ولم يتدبرها، ثم قرأها ﷺ ، وأخذ يبكي، وهي قوله : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]﴾. وفي سنن أبي داود بسند صحيح عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: ﴿كنت أدخل على رسول الله ﷺ ولصدره أزيز من البكاء كأزيز المرجل﴾. الأزيز: صوت يحدثه البكاء في الصدر. والمرجل: القدر إذا اجتمع غلياناً بالماء، فكأن صدره ﷺ لكثرة أحزانه وخشيته لله القدر يوم يجتمع غلياناً، وورد عنه ﷺ البكاء في أكثر من حديث ليس هذا مقام ذكرها. ومن البكاء: بكاء الهلع، وبكاء الجبن والخور، وهذا مذموم، كأن ترد على الإنسان مصيبة. فيبكى ساخطاً متسخطاً على قضاء الله، ولو بكى قليلاً من غير تسخط لكان لا شيء عليه. ومن أنواع البكاء: البكاء من الفرح سبحان الله! أفي الفرح بكاء؟! نعم، إن أقصى درجات الفرح يحدث بكاءً، لذلك إذا بشرت الأم -مثلاً- بولدها وقد قدم من سفر طويل بكت، قال الأول: طفح السرور عليَّ حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني وقال أنس: [[ما كنت أظن أن الإنسان إذا فرح بكى، حتى رأيت الأنصار يوم قدم ﷺ المدينة يتباكون]] وجاء في صحيح مسلم أن أبي بن كعب وأبي هذا أمة من الأمم، سيد القراء، أتى رجل من العراق وعمر ﵁ في اجتماع طارئ للصحابة ولكبار علماء الصحابة، واضع على يمينه أبي بن كعب سيد القراء، وكانت لحيته بيضاء، ورأسه أبيض، وكان عابداً لله ، يتلو كتاب الله دائماً، فقال العراقي: يا أمير المؤمنين! من هذا الرجل الذي بجانبك، قال: ثكلتك أمك! أما تعرفه؟! هذا سيد المسلمين أبي بن كعب. أتى جبريل فقال للرسول ﵊: ﴿إن الله يأمرك أن تقرأ سورة: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:١] على أبي بن كعب -فذهب ﷺ معلم البشرية، وهادي الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية إلى طالب من طلابه، وتلميذ من تلامذته، وإلى حسنة من حسناته ليقرأ عليه السورة- فقال أبي: يا رسول الله! من أمرك بهذا؟ قال: الله، قال: وسماني في الملأ الأعلى؟ قال: إي والذي نفسي بيده، فبكى أبي﴾ من الفرح؛ لأن الله سماه من فوق سبع سماوات.

стр. 7660

وسطية الرسول ﷺ في الفرح والحزن قال البخاري: (باب التبسم والضحك) ومن التبسم المجاز، ويستخدم في الضحك، قال البحتري في قصيدته الرائعة الربيعية وهو يصف الورود في الخمائل: أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً من الحسن حتى كاد أن يتكلما فهذا مجاز. وقال زهير يمدح هرم بن سنان: تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله وهذه من أعظم القصائد، حتى كان عمر يتأثر، ويقول: لا تصلح هذه الأبيات إلا في رسول الله ﷺ . وقد كان الرسول ﵊ وسطاً في رسالته، ليس بالضاحك الذي أسرف على نفسه في الضحك ﵊، أو أكثر في هذا الجانب، وليس بالذي تقمص شخصية الحزن والكآبة والحسرة والندامة، والناس قليل منهم الوسط، فهو وسط في كل شيء، وسط في المعتقد، ووسط في العبادة والتشريع، ووسط في الآداب والسلوك ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة:١٤٣]. وتجد كثيراً من الناس يضحكون ويقهقهون حتى يتمايلوا ويتساقطوا، وربما يترح أحدهم ترحاً برجله ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦] وتجد بعضهم لا يضحك أبداً حتى في عيد الفطر وفي عيد الأضحى، فتجد الناس يتعاودون والكباش تذبح وهو لا يضحك. يقال له: ابتسم, فلا يتبسم. أين أسنانك الطاهرة الطيبة؟ فلا يرينا أسنانه. وذاك صنف، وهذا صنف، لكن الوسط محمد ﷺ . كان يبكي من خشية الله بكاءً ربما أحدث صوتاً أحياناً، وكان يتبسم كثيراً، والضحك نادر في حياته، وأكبر ضحكه -كما ورد في الأحاديث- أنه ضحك حتى بدت نواجذه ﷺ ، وكان إذا ضحك ربما وضع يده الشريفة على فمه، لكن هذا نادر، ولم توجد في الصحيحين إلا في أربعة أو خمسة مواضع، أما تبسمه ﷺ فكثير. قال جرير بن عبد الله -كما سوف يمر معنا-: [[ما رآني ﷺ إلا تبسم في وجهي]] والبسمة ليست عبثاً، بل شرى بها قلوب الناس وقلوب القبائل والشعوب ﵊، يقول الله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ويقول له: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣]. وهؤلاء العرب مشاغبون كلهم، يتضاربون كأنهم في الحراج، وليس عندهم تأسيس ولا نظام أو معرفة أو ثقافة، فلما أتيت -يا رسول الله- جمعت هذه القبيلة التي كانت تنحر هذه، فقد كان الإنسان يسلب أخاه في الحرم المكي، ويتعقبه بالسيف فيقتله، وهذا كله على شاة أو ناقة، فلما أتى ﷺ حبكهم بنظام عالمي عجيب، لا يمكن أن يخترقه الصوت، عليه أفضل الصلاة والسلام. فالمقصود أنه ﷺ كان يتبسم كثيراً، ويضحك نادراً كما سوف يمر معنا.

стр. 7661

نماذج للبكائين من السلف الصالح والبكاء من خشية الله ورد عن قوم صالحين كثيرين، وأنا لا أقول: إن الضحك حرام، فإن بعض الناس من جبلتهم الضحك، ولو كان من أتقى الناس، لكن من جبلته وفطرته وتكوينه الشخصي أنه كثير الضحك، فـ ابن سيرين هذا العالم العابد الزاهد التابعي المحدث الشهير، وهو أكبر تلميذ لـ أنس بن مالك، وراوية الصحابة الكبير، ومعبر الرؤيا، قد كان من أعبد الناس، وكان يضحك حتى يتمايل، ولكن إذا أتى الليل يبكي حتى يسمع جيرانه بكاءَه. يقول أحد التابعين: هل أريكم الضحاك البكاء؟ قالوا: نعم. قال: تعالوا، فأطلعهم على ابن سيرين في حلقته، قال: هذا ضحاك النهار بكاء الليل. وقالوا: كان صاحب دعابة إذا جلس في المجلس، وكان يروح على الغادي وعلى الرائح بها، لكن إذا أتى الليل بدأ يبكي من بعد صلاة العشاء حتى صلاة الفجر. قلت لليل هل بجوفك سرٌ عامر بالحديث والأسرار قال لم ألقَ في حياتي حديثاً كحديث الأحباب في الأسحار ومنهم: عامر الشعبي، فقد كان من أفكه الناس، وكان مزاحاً، خفيف الظل، لكن كان من أتقى عباد الله لله. فلا نظن أن الإنسان إذا كان كثير الدعابة وكثير الضحك والتبسم؛ أنه لا يتقي الله، لا. بل قد تجد أفجر الخلق لا يتبسم ولا يضحك، ولكنه فاجر، فتجده دائماًً قابضاً وجهه، كأنما عقدت عليه لعنة الأولين والآخرين وهو كافر, فليست تقوى الله في عدم الضحك. ووجد من الصالحين من كان كثير البكاء، فقد روى وكيع في كتاب الزهد بسند جيد، قال: قرأ ابن عمر قوله : ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] فبكى حتى أغمي عليه. وقال مجاهد: رأيت أجفان ابن عباس كالشراكين الباليين من كثرة البكاء. قرأ ابن عباس ﵄ ليلة كاملة: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [النساء:١٢٣] فبكى حتى أصبح. وقد كان أكثر الناس بكاءً بعد أبي بكر عمر ﵄، والنماذج تطول، ولكننا نذكر نماذج على حسب الطاقة. قال البخاري: وقالت فاطمة ﵍ وهنا سلم عليها، ونحن نسلم ونصلي عليها وعلى أبيها؛ الزهراء البتول الطاهرة الصادقة الأمينة سيدة نساء الخلق، فهذه بنت محمد ﷺ ، يقول محمد إقبال شاعر الباكستان، يتكلم عن فاطمة ﵂ وأرضاها: هي بنت من هي أم من هي زوج من من ذا يباري في الأنام علاها بنت الرسول ﷺ ، وزوجة علي بن أبي طالب، وأم الحسن والحسين. أما أبوها فهو أكرم مرسل جبريل بالتوحيد قد رباها وعلي سيف لا تسل عنه سوى سيفاً غدا بيمينه تياها أكبر المفاخر لـ فاطمة ﵂ وأرضاها، ونحن لا نغلو فيها وفي أبنائها غلو الجهلة الذين لا يعلمون, ولا نجفو جفاء الذين لا يعقلون، فكلا الطرفين ضلال، وإنما نعتدل فنحبها في الله، ونكثر من محبتها لمحبة أبيها عليه أفضل الصلاة والسلام. قال: وقالت فاطمة ﵍ -لأنها من بيت النبوة- ﴿أسر إليَّ النبي ﷺ فضحكت﴾ وهذا الإسرار كان وقته في ساعة الوداع، يوم ودع النبي ﷺ الدنيا، ورحل عن المعمورة، يوم خير بين البقاء والرحيل, فاختار الرحيل، وكانت عائشة ﵂ وأرضاها تأتيه، فيقول: ﴿بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى﴾ فأتى بأحب الناس إلى قلبه، وأقرب الناس إلى روحه، بـ فاطمة ﵂ وأرضاها، فكلمها ﷺ ليودعها، فقال: ﴿أنت أول الناس لحوقاً بي -وأخبرها أنه سوف يموت من وقته- فبكت، فقال: ادني مني، فدنت، فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين؟﴾ فضحكت، وهذه أعظم بشرى، فنساء العالمين جميعاً سيدتهن فاطمة ﵂ وأرضاها، وصلى الله على أبيها وسلم.

стр. 7662

الضحك والبكاء من الأمور الجبلية وقال ابن عباس: [[إن الله هو أضحك وأبكى]] أيُّ إشراقٍ هذا الفهم لـ ابن عباس! وأي عقلية هذه العقلية الضخمة الكبرى! يستدل على أن الضحك والبكاء من أمر الله الجبلي؛ لأن غلاة الصوفية قالوا: لا تضحك، وإذا ضحكت فاستغفر. وقد ذكر ابن الجوزي وبعض المحدثين أن أحدهم كان محدثاً، ولكنه كان شرس الخلق، لا يتبسم، ولا يضحك، ولا يداعب، فكان عابساً أبداً، فإذا سمع خشخشة الأوراق طوى دفاتره وذهب إلى بيته، فجلس في مجلس، فأتى طالب من الطلاب يريد أن يعطس، والعطاس من أمر الله وقضاء منه وقدر، فأراد أن يعطس، فتذكر الشيخ، والشيخ ينزعج من أي شيء، إذا سمع الإبرة قام، وقال لتلاميذه: والله الذي لا إله إلا هو، إن تحرك متحرك منكم لا أسمعكم حديثاً هذا اليوم. فأتاه هذا الطالب فما استطاع فكتم أنفاسه، فتجمع العطاس كله دفعة واحدة فعطس، فقال لزملائه أمام شيخه: أنحن جالسون أمام رب العالمين؟ فضحك الشيخ، وهذه ذكرها ابن الجوزي وغيره. فالمقصود أن بعض الهدي يخالف هديه ﷺ ، ولا يعرض الكلام والبضاعة والسيرة إلا على سيرة محمد ﷺ . فإذا سمعت عن الإمام أحمد، أو مالك، أو الشافعي، أو أبي حنيفة -على جلالتهم- أي أمر فاعرضه على محمد ﷺ ، فإن وافقه فبها ونعمت، وإن عارض وخالف تركناه. قالت فاطمة: [[أسر إلي النبي ﷺ فضحكت]] ولم يذكر البكاء؛ لأنه يريد أن يستدل على التبسم والضحك. وقال ابن عباس: [[إن الله هو أضحك وأبكى]] أما يقول : ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم:٤٣] فمن الذي خلق الضحك والبكاء إلا الله ، ولذلك يقول أحد العلماء: في كتابنا علم نفس، علم النفس يذكر الضحك وأسبابه ودوافعه وعلاماته وآثاره، والبكاء وأحواله، لكن الله اختصر هذا كله بقوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم:٤٣] فهو الذي يضحك وهو الذي يبكي، لكن الإنسان يقتصر في هذه الأمور على حسب السنة.

стр. 7663

ما جاء في ضحك النبي ﷺ ثم قال البخاري: حدثنا حبان بن موسى، أخبرنا عبد الله وهو الإمام العلم أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك، وقصة عجيبة في تاريخ الإسلام، وثوب جديد ما لبس إلى الآن، إذا أردت أن تعرف العالم الحق العابد الزاهد المجاهد الغني المنفق، فهو عبد الله بن المبارك. قال: أخبرنا معمر معمر بن راشد اليمني، شيخ عبد الرزاق قال: أخبرني الزهري علامة الدنيا وحافظها، أملى أربعمائة حديث على الخليفة سليمان بن عبد الملك، فأراد أن يختبره بعد سنة، فقال: ضاعت مني تلك الدفاتر التي فيها الأحاديث فتعال فأملها علي, فأملاها؛ قالوا: فو الله ما خرم حرفاً واحداً، وهي أربعمائة حديث. وكان في جيبه زبيب, فقد كان يأكل زبيباً دائماً؛ لأنه يرى أنه يقوي الذاكرة، والباذنجان يفسد الذاكرة فانتبهوا، لكن نخاف أن نغيظ بعض التجار في الباذنجان، وقد حمل الباذنجان بعض التجار إلى أن وضعوا حديثاً في فضل بيع الباذنجان، وفضل أكله، يقول بعض الكتبة في كتب الموضوعات: إذا أفلست البضاعة ونشبت في حلقه وضع حديثاً عن المصطفى ﷺ . أحدهم كان عنده ديك عرضه في كل سوق، كلما أصبح الصباح وهو بهذا الديك يعرضه للباعة ليشتروه، فما اشتراه أحد، وقد أكل عليه الدهر وشرب، فوضع حديثاً في فضل الديك، قال: إن الله يبعث الديك يوم القيامة له ريشة من زبرجد، ونونية من المرجان، يسبح الله لصاحبه، وبكل شعرة من شعراته حسنة في الجنة. فاشترى المساكين الديك, والوضاعون لهم مذاهب وأصناف، لكن ذكرت هذا من باب التزجية أو الاستطراد. قال: عن عروة وهو عروة بن الزبير، ابن حواري الرسول ﷺ ، وأسرة آل الزبير أسرة مجيدة ضاربة في أعماق التاريخ، وعروة عالم عابد زاهد مبتلى، رفع الله درجته، وهو من العلماء الذين ينبغي أن ندرسهم في الفصول، وأن نعرضهم في الحلقات، بدلاً من بعض النماذج التي لا تصلح أن تدرس، النماذج التي أتت من بلاد الغرب والشرق، فهؤلاء يعرضون ليكونوا نماذج تربوية للشباب.

стр. 7664

تبسمه ﷺ من مجاهرة امرأة عبد الرحمن بشكواها قال: عن عائشة ﵂ أن رفاعة القرظي طلق امرأته، فبت طلاقها. والطلاق البت هو: أن يبتها ثلاثاً على السنة؛ لأن طلاق البدعة هو أن يطلق في الحيض، أو أن يطلق ثلاثاً دفعة واحدة، وطلاق السنة أن يطلق في الطهر طلاقاً واحداً، ثم يتركها، وهكذا ثلاث مرات، فبت طلاقها، فتزوجها بعده عبد الرحمن بن الزبير، فجاءت النبي ﷺ ، فقالت: ﴿يا رسول الله! إني كنت عند رفاعة فطلقني ثلاثة تطليقات فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنه والله ما معه يا رسول الله إلا مثل هذه الهدبة -لهدبة أخذتها من جلبابها- وهذا كناية عن أمر، أي: أنه لا يستطيع الجماع، وهي تشكو من هذا. قال: وأبو بكر جالس عند النبي ﷺ ، وخالد بن سعيد بن العاص جالس بباب الحجرة ليؤذن له، فطفق خالد ينادي أبا بكر: يا أبا بكر! ألا تزجر هذه عما تجهر به عند الرسول ﷺ ؟ -تشكو زوجها الأخير، وتقول: ليس كالأول في الجماع، تريد أن تعود للأول، قال: وما يزيد رسول الله ﷺ على التبسم ﵊ هذا دليل البخاري على أنه ﷺ يتبسم من هذا الأمر، ثم قال- لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا. حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك﴾. هذا دليلٌ على أن المطلقة البائنة بالطلاق السني الشرعي لا تحل لزوجها الأول حتى تتزوج زوجاً غيره، زواجاً شرعياً لا حيلة فيه، لا يكون تيساً مستعاراً، وفي سنن أبي داود ﴿أن الرسول ﵊ لعن المحلل والمحلل له﴾ والمحلل هو: الذي يتزوج المرأة المطلقة ليحللها للزوج الأول وهو التيس المستعار, والمحلِّل له هو الذي يرضى بهذا. قال ابن القيم: لا يعود علي ﵁ وأرضاه إلى الدنيا بعد أن طلقها ثلاثاً وهو راوي حديث: ﴿لعن الله المحلل والمحلل له﴾ انظر إلى هذا الفقه، علي قبل قليل يقول: [[يا دنيا يا دنيئة طلقتك ثلاثاً لا رجعة بعدها]] وهو الذي روى في سنن أبي داود: ﴿لعن الرسول ﷺ المحلل والمحلل له﴾ فيقول ابن القيم: كيف يعود علي ﵁ لحب الدنيا وهي لم تحلل له بعد الطلاق وهو راوي هذا الحديث. يقول ابن القيم: أهل السنة والجماعة ليس لهم جماعة إلا أنهم أهل السنة، أي: عندهم الكتاب والسنة، ويتجهون إلى الخمس الصلوات، ليس عندهم جماعة داخل جماعة أهل السنة والجماعة، قال: يسئلون: ماذا تريدون؟ قالوا: نريد وجهه، قال: وما هو مرجعكم؟ يقولون: دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وترعى الشجر حتى يلقاها ربها، قال: وما هو كتابكم؟ قالوا: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] قال: من توالون؟ قالوا: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة:٥٥]. أنحتاج إلى أسس وإلى مبادئ غير هذه المبادئ التي أنزلها الله ؟ هذا القول لا أدعيه على ابن القيم، فليراجع كتاب حلية طالب العلم للشيخ الدكتور بكر أبو زيد، وهذا الكلام في الصفحة (٦١) من كتابه القيم هذا، وقد ورد قريباً انتهى المقصود من هذا الحديث.

стр. 7665

حديث في مهابة عمر وضحك الرسول ﷺ ثم قال البخاري رحمه الله تعالى: عن محمد بن سعد عن أبيه، قال: استأذن عمر بن الخطاب ﵁ على رسول الله ﷺ ، وعنده نسوة من قريش يسألنه ويستكثرنه عاليةً أصواتهن على صوته، فلما طرق عمر عرفنه فتسابقن يرتدين الحجاب وينفرن من مجلسه ﷺ ، خيفة من عمر. عمر ﵁ خافته الجن، وكثيرٌ من الإنس والنساء، يكفي أن كسرى وقيصر إذا ذكر عمر أغمي على أحدهم حتى يرش بالماء. يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدمٌ له والكوخ مأواه يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه هذا عمر ﵁ جعله الله حصناً منيعاً، وكأنه رجل الساعة بعد موت أبي بكر؛ لأن الأمة كادت أن تتقلقل بعد موت أبي بكر، فأتى الله بهذا الحصن المنيع. قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها كان يلاحظ كل شيء في الأمة، فكان سداً منيعاً، يصلي الفريضة، ويقول: [[والله إني لأجهز الجيش وأنا في الصلاة]] فيقول بعض الناس: كيف يجهز الجيش وهو في الفريضة؟ قلنا لهم كما قال ابن حجر: تعارضت فريضتان، والفريضة كانت عليه عينية، فأدخل فريضة في فريضة, حسنات كلها, أما نحن فما الذي نشتغل به؟ أحدنا عنده عمارة يعمرها ويخططها، ويقول: عمر جهز الجيش في الصلاة! عمر يجهز الجيش لحماية الدولة الإسلامية، ودك خصوم الإسلام، وجعل أنوفهم في الأرض، ولرفع لا إله إلا الله، أما أنا وأنت فنفكر في أفكار لا تفكر فيها إلا الحشرات والدود، أين الثرى من الثريا؟! لا تعذل المشتاق في أشواقه حتى يكون حشاك في أحشائه فـ عمر صنف آخر. فالمقصود أنه دخل ﵁ وأرضاه على الرسول ﷺ والنسوة يسألنه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صوته، فسبحان من جعل الرحمة في قلبه! النساء في مجلسه ﷺ , هذه ترفع صوتها تسأل سؤالاً، وهذه تتحدث، وهذه تتبسم، وهذه تأتي بقصة، والرسول ﷺ هادئ ساكن الطباع، إنه الكمال، ليس الكمال فعل عمر ﵁، لا، الكمال فعل المصطفى ﷺ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]. لو كان كخلق عمر ﵁ وأرضاه لما وسعت الشريعة النساء والأطفال والأعراب والناس وأهل الكتاب، ولما استفادوا جميعاً، ولكنه وسعهم ﷺ خلقاً، فخلقه هو الكمال، فالرسول ﷺ أرخى أكنافه، وهدأ من روعه، ومن شخصيته، وإلا فإنه مهاب، يقولون: ساكن وديع، همته تمر مر السحاب: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨]. يجلس على التراب، ولكنه يسري بالأرواح إلى فوق سبع سماوات، فسمع صوت عمر ﵁؛ فلما استأذن عمر تبادرن الحجاب، فدخل والنبي ﷺ يضحك. وقد ضحك الرسول ﷺ في عدة مناسبات، منها: في أحد، عندما أتت نسيبة الأنصارية إلى كافر، واقترب منها الكافر يريد ضربها، فعاجلته فضربت رأسه فأنزلته إلى الأرض، فضحك ﷺ من هذا الطويل العريض الشجاع الذي أتى بالسيف فضربته هذه المرأة فقتلته. والضحك هنا قد يطلق على التبسم، والرسول ﷺ يضحك حتى تبدو نواجذه ﷺ ، لكنه لا يقهقه؛ لأن فيه الرزانة والجلالة والعمق والأصالة، بل هو المربي العظيم ﷺ ، قال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله! وهذا من أحسن ما يمكن، ويقال هذا الدعاء عند رؤية مسلم يضحك. لكن أن ترى إنساناً يكاد يتقطع من الضحك، فتقول: أضحك الله سنك! لا. أتريد أن يموت! ما بقي عليه إلا لحظات ويلقى حتفه, فهذا يقال له: خفف الله عليك مصيبة الضحك، وأيقظك الله من سباتك, فلا تقل ذلك إلا لمن تبسم أو ضحك بهدوء.

стр. 7666

معنى قول: (فداك أبي وأمي) وقال: (يا رسول الله! بأبي أنت وأمي) أي: أفديك بأبي وأمي، وهذا شرف عظيم، وابن تيمية كان إذا ذكر الرسول ﷺ ، كما في الصارم المسلول في الرد على شاتم الرسول، يقول: بأبي هو وأمي، إي والله! ويقول الذهبي: بنفسي ذاك المصطفى ﷺ ، وكان الأنصار يقولون: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، ويقول حسان لـ أبي سفيان بن الحارث: أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء إلى أن يقول: فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء ويقول الأعرابي: نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه الحياء وفيه الجود والكرم يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم يقول: بأبي أنت وأمي، لكن الرسول ﵊ لم يكن يقولها إلا في القليل النادر لبعض الناس، وتأملوا وتخيلوا الرسول ﷺ يقول في بعض المواقف لبعض الناس من الصحابة: ﴿ارمِ فداك أبي وأمي﴾ سبحان الله! ويا له من شرف عظيم! وهذا هو سعد بن أبي وقاص كما في الصحيحين، أخذ يرمي وكان من أرمى الناس، فما كان يرمي إلا وتأتي في رأس كافر، لا يخطئ أبداً، إنه دعاء الرسول ﷺ ، كان يأخذ كنانته، ويأخذ أسهمه، ثم يضعها ويرمي، وسواءً قد قرر المكان أو صمم على الهدف، أو وجه على المرمى أولا؛ فإنها ستقع، قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]. دعها سماوية تجري على قدر لا تفسدنها برأي منك منكوس فأتى ﵁ وأرضاه يوم أحد وعنده أسهم طويلة في رءوسها مشاقص من الحديد! فكان يضرب بها ويرمي، ويرى الرسول ﷺ الرءوس تسقط على الأرض، فتبسم ﷺ ، وقال: خذ يا سعد! ويعطيه ﷺ من كنانته وهو الذي دعا له. فيعطيه، ويقول: ﴿ارمِ سعد فداك أبي وأمي، ارمِ سعد فداك أبي وأمي﴾ ولذلك يقول علي بن أبي طالب كلمة حق يسأل عنها عند الله: ما جمع رسول الله ﷺ لأحد أبويه إلا لـ سعد بن أبي وقاص يوم أحد، فإني سمعته يقول: ﴿ارمِ سعد فداك أبي وأمي﴾ والرسول ﵊ لم يكن يعطي هذه التوشيحات والأوسمة إلا لأناس كبار في الإسلام. أتى رجل من الأنصار وكان من أشجع الناس، تكسَّر سيفه من كثرة الضرب يوم بدر، وتثلم, ولم يبقَ منه إلا المقبض، فأتى إلى الرسول ﷺ يقول: يا رسول الله! أريد سيفاً، الرجل هائج مائج، قال الرسول ﷺ : انتظر؛ فأخذ الرسول ﷺ عوداً، ليس عنده سيف، فقال: خذ هذا هزه، فهزه فإذا هو سيف! وهذا ثابت بأسانيد صحيحة، فأخذه فضرب به فما تثلم، بل بقي يضرب جيداً، وبقي مع الرجل حتى يقال في بعض الروايات دفن معه في القبر ليلقى الله به. حتى إذا سئل ما هي شهادته؟ يقول: هذا السيف، سلخت به أعداءك في سبيل الله، ليست هذه الشهادات الورقية التي إذا لم نعمل بها فو الله إنها خسارٌ وبوار وعار وشنار ودمار، إلا أن يغفر لنا الله بالعلم النافع. فالرسول ﷺ قد يعطي بعض الأوسمة والأمور في بعض المواقف. أتى أبو دجانة، وهو من الأنصار وكان من أشجع الناس، وكان معه لفافة حمراء يخرجها إذا حضرت المعركة ويربط رأسه، معناها (خطر ممنوع الاقتراب) فكان إذا أخرجها، قال الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت، أي: تأخروا، وأفسحوا له الطريق، فأتى يوم أحد؛ فأخرج عصابته فلف رأسه بها، فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت؛ أي: غضب، فقال ﷺ : من يأخذ هذا السيف؟ فقال المهاجرون والأنصار: نحن يا رسول الله! كلٌ يمد يده، قال: من يأخذه بحقه، فسكتت الألسن ونزلت الأصابع، وبقي أبو دجانة رافعاً يده الوحيد، وقال: ما هو حقه يا رسول الله؟ قال: ﴿أن تضرب به حتى ينحني﴾ هذا حقه، لم يقل حقه أن تغمده، أو تدخله عند الصانع، أو تلبسه وتتمشى به وتتبختر، حقه أن تضرب به حتى ينحني، قال: أنا آخذه بحقه. قال أنس: فذهبت وراء أبي دجانة، فرأيته يفلق به هام المشركين، وفي آخر النهار أتى به وهو منحنٍ من كثرة ما ضرب به ﵁ وأرضاه.

стр. 7667

سبب خوف النساء من عمر ونعود إلى قصة عمر، قال: بأبي أنت وأمي، والشاهد أنه ﷺ فدى بعض أصحابه بهذا، فقال: ﴿عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، لما سمعن صوتك تبادرن الحجاب﴾ أي: أنه ﷺ يضحك ويعجب من هؤلاء النساء، وهن ناقصات عقل ودين، أشرف الخلق وأجل البشر ﷺ جالس، فلما أتى رجلٌ من رعيته وطالب من طلابه فررن، وهذا ليس من وضع الأمور في مواضعها، فقال عمر -انظر الحصيف العاقل لو كان غيره لسكت، وقال في نفسه: هيبة مني لمكانتي، ولشخصيتي الكبرى، ولعظمتي، لكنه تواضع وأرخص نفسه أمام الغالي ﵊ فقال: ﴿أنت أحق أن يهبنك يا رسول الله! ثم أقبل عليهن وقال: يا عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ ﴾. فقالت امرأة منهن عاقلة: إنك أفظ وأغلظ من رسول الله ﷺ . وأفظ وأغلظ -هنا- ليست للمفاضلة، فليس المعنى: أن رسول الله ﷺ فيه فظاظة وغلظة، لكن عمر أغلظ, لا. بل هي من باب ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨] ليس هناك حاكم والله أحكم منه، فليست للمفاضلة، إنما وردت هكذا. فمعناها: إنك فظ غليظ، لأنها لو كانت للمفاضلة لكان هناك قدر ينسب إلى الرسول ﷺ وينسب إلى عمر، فقال رسول الله ﷺ : ﴿إيه يا ابن الخطاب! والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك﴾. وإيه: تستخدم على صور: منها: متى أردت أن يسترسل المخاطب في الحديث الذي يتكلم فيه، فتقول: إيه, أي: زد زد وإيهٍ: إعجاب بهذا الشخص، يقول: أنت البطل الذي لا مثله أحد. ففي صحيح مسلم عن عمرو بن الشريد قال: كنت ردف الرسول ﷺ ، فقال لي: ﴿أتحفظ شيئاً من شعر أمية بن الصلت، قلت: نعم، قال: أنشدني، قال: فأنشدته بيتاً، فقال: إيه، فأنشدته بيتاً، فقال: إيه، فأنشدته ثالثاً، فقال: إيه، فأخذ يقول: إيه، حتى أنشدته مائة قافية، ثم قال ﷺ : آمن لسانه وكفر قلبه﴾ أو كما قال ﷺ . فيقول لـ عمر: إيه، أي: ما أعجبك وما أحسنك! وهكذا كن يا ابن الخطاب! استمر على هذا المنوال, من القوة والعظمة. انظر إلى المربي العظيم، لم يحسده ﵊ لأن له هيبة، إنما أراد أن يوجهه؛ لأنه في ميزان حسناته، وهو من مدرسته، ومن خريجي صرحه العظيم ﵊ ﴿والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك﴾ وورد في الآثار بأسانيد تقبل التحسين: أن عمر ﵁ وجد عفريتاً من الجن واقفاً؛ فقال عمر: من أنت؟ قال: أنا عفريتٌ من الجن، قال عمر: تصارعني، قال: نعم. فصرع عمر ﵁ العفريت في الأرض، وألصقه بها، فقام الجني مرة ثانية فصرعه، فقام ثالثة فصرعه وبرك على صدره، فقال العفريت: لقد علمت الجن أني من أقواهم، فكيف بالضعاف! ففر، وفي الأخير أخبرهم خبراً، وأعلن لهم إعلاناً طارئاً ممنوع الاقتراب من عمر ﵁ وأرضاه. قال بعض أهل العلم من الشراح: إنما ذلك لقوة إخلاصه ولصدقه مع الله ، ولتجلي قلبه لما يرد عليه من الوضوح جعل الله فيه قوة، فهو من أعظم الناس إيماناً، ولذلك يقول ﷺ : ﴿عرض الناس علي في المنام وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها مادون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره. قالوا: ما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين﴾ فدينه بلغ الغاية، وكان محدَّثاً، أي: ملهماً من الله ، يتكلم بشيء فيقع كما قال, وترجمته في غير هذا المكان.

стр. 7668

ضحك النبي من أصحابه بعد حصار الطائف وعن عبد الله بن عمر، قال: ﴿لما كان رسول الله ﷺ بـ الطائف قال: إنا قافلون غداً إن شاء الله﴾ فقال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : لا نبرح حتى نفتحها، أي: لا نسير من هنا حتى نفتح حصون الطائف؛ لأنه حاصر الطائف ﷺ وطال الحصار، وفي الأخير اضطر بعض جيشه ﷺ وكتائبه أن تقتحم بعض الأسوار، ولكن لم ينفع، ولم ينزل العدو من الحصون، فقال ﵊: ﴿نرتحل غداً إن شاء الله﴾ فقالوا: لا نبرح حتى نفتح حصون الطائف، فقال ﷺ : ﴿فاغدوا على القتال﴾ أي: قاتلوا غداً، قال: فغدوا فقاتلوا قتالاً شديداً، وكثر فيهم الجراحات، وأصابهم جراح ورمي بالأسهم، وبالنبال، وبالحجارة، فقال رسول الله ﷺ : ﴿إنا قافلون غداً إن شاء الله﴾ بعد الجراح والرمي؛ فسكتوا، فضحك رسول الله ﷺ ، أي: ذاقوا الأمرين من اليوم الأول، فأصبح أدنى شيء يمكن أن يسيرهم إلى المدينة المنورة. قال الحميدي: حدثنا سفيان بالخبر كله، والحميدي هو: عبد الله بن الزبير شيخ البخاري، ليس الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين، وسفيان هنا هو: سفيان بن عيينة، حدثهم بالخبر كله، إنما الشاهد أن الرسول ﷺ ضحك من الصحابة، وهذا يسمى ضحك ملاطفة، حيث لاطفهم ﷺ في ذلك.

стр. 7669

رفق النبي ﷺ بأصحابه وحلمه العظيم

стр. 7670

حديث الذي وقع على امرأته في نهار رمضان وعن أبي هريرة ﵁ قال: ﴿أتى رجل النبي ﷺ ، فقال: هلكت! وقعت على امرأتي في رمضان، قال: أعتق رقبة، قال: لا أستطيع، قال: فصم شهرين متتابعين، قال: لا أستطيع، قال: أطعم ستين مسكيناً، قال: لا أجد، فأتي بعرق فيه تمر -قال إبراهيم: العرق: المكتل، والمكتل مثل الزنبيل- فقال: أين السائل؟ قال: نعم. يا رسول الله! قال: اذهب فتصدق بهذا، قال: على أفقر منا؟ والله ما بين لابتيها بيتٌ أفقر منا، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، قال: فأنتم إذن﴾. ملخص القصة: أن الرسول ﵊ كان جالساً مع أصحابه في منتدى عام، فأتى رجل بوجهه وفيه الأسف واللوعة والحرقة من أمر تم عليه، وهو أنه واقع امرأته في شهر رمضان، وهو يعلم أنه ذنب، لكنه لا يدري بالكفارة، فأتى وقال: يا رسول الله! هلكت، وهذا بيان عام لا بد له من تفسير؛ لأن من تكلم بمجمل من العلم أو بشيء عام فلا بد أن يفسر ويفصل، والسائل إذا سأل سؤالاً عاماً فعلى العالم أن يسأله عن حيثيات السؤال، وعن جزئياته وقرائنه، وعن سياقاته وظروفه التي اكتنفت به، ليجيب على بصيرة. أما أن يقول: هلكت، فيقول الرسول ﷺ : لا، ما هلكت غفر الله لك، فالقصة لم تعرض حتى الآن، ولذلك قال ﵊: وما أهلكك؟ في بعض الروايات قال: وقعت على أهلي في رمضان، أي: في نهار رمضان ليس في الليل؛ لأن هذا معروفٌ عندهم، ولو أنه كان ممنوعاً في أول الإسلام لكنه نسخ. قوله: والله ما بين لابتيها اللابة هي: الحرة من حرتي المدينة، والمدينة بين لابتين، تكتنف تلك المدينة الطيبة الطاهرة التي يرقد في ثراها الرسول ﵊، وهي والله تحب لمحبة من جلس في تلك البقاع، ومن رقد في ذاك الثرى. أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا ولذلك نحن نحب جبل أحد، ونشهد الله أننا نحبه، وجبل أحد ليس فيه تفاح ولا موز ولا برتقال، وليس فيه نهر زلال، وليس فيه خلايا عسل، وإنما هو جبل أجرد أمرد أسود، لكننا نحبه؛ لأن الرسول ﷺ يقول في الصحيح: ﴿أحد جبل يحبنا ونحبه﴾ فنحن لذلك نحبه. وسيد قطب له في الظلال لمعان، لما مر بقول الرسول ﷺ : ﴿أحد جبلٌ يحبنا ونحبه وهو من جبال الجنة﴾ قال: انظر إلى الأنس بين المؤمن والكائنات لما اتجهت إلى الله ، وبعض البقاع يُغضب عليها لبغض أصحابها، ومن سكن فيها، ومن جاورها، والسعادة تحل في البلد الذي يحل فيه الصالحون والأخيار، يقول أحمد شوقي: وإذا الكريم أتى مزوراً بلدة سال النضار بها وقام الماء النضار: الزهر، وقام الماء: أي: أصبح له كيان في أمور أخرى. قال: فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، فقال: ﴿فأنتم إذن﴾ فذهب الرجل لا كفارة عليه، ولا عتق، ولا صيام، ولا إطعام ستين مسكيناً، وعاد يحمل تمراً إلى أهله، وهذا من يسر التشريع، ومن يسر هدايته ﷺ ، ومن شريعته الكاملة الجميلة العميقة عليه أفضل الصلاة والسلام.
следующие страницы →