Полный текст (10 391 стр.). Показаны 7806–7845 · переход к 7811.
стр. 7806
قضايا تهم طالب العلم
стр. 7807
حكم رفع الصوت بالعلم
بالنسبة لطالب العلم: هل له أن يرفع صوته؟
و
الجواب
فيه تفصيل والأصل أنه إذا عدمت الحاجة فإنه لا يجوز لقوله : ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان:١٩] أما إذا كان لحاجة فيجوز له والحق هذا، لأن الهدوء علامة الرزانة، وأنت تتكلم بقدر الحاجة، فإذا كان الرجل قريباً منك فلا ترفع صوتك إلا بقدر ما يسمع، لكن في المواعظ العامة والخطب فلا بد أن ترن وتهز، وتكون قوياً كالسيل حتى تؤثر في السامع، ﴿وكان ﷺ إذا خطب ربما سقطت خميصته من عليه﴾ كما في حديث النعمان بن بشير، ﴿وكان يغضب ويشتد غضبه وتحمر عيناه كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم ومساكم﴾.
كما في حديث جابر
أما إبراد الناس بالخطب، فإنهم ينعسون في الخطبة، ولا بد في هذا من قوة في الزجر، والوعظ، والصوت.
أما في الدروس فتأخذ مجال الهدوء والرزانة، والنقاش، والحوار، ولكل مقام مقال.
стр. 7808
فضل العلم
العلم أفضل مطلوب، وقد كان علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه يقول: [[قيمة كل امرئ ما يحسنة، وكفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من ليس من أهله، -الآن الجاهل يقول: أنا متعلم- وكفى بالجهل سوءاً أن يتبرأ منه من هو فيه]] فترى الجاهل يقول: أنا لست جاهلاً، حتى أن بعضهم قد يقاتلك إذا قلت له: أنت جاهل.
стр. 7809
أهمية التخول في الموعظة
كان النبي ﷺ يتخول أصحابه بالموعظة والعلم كي لا ينفروا.
وجاء عن ابن مسعود أنه كان يعظ الناس يوم الخميس فقيل له: [[لو وعظتنا -يا أبا عبد الرحمن - كل يوم؟ قال: إنه يمنعني من ذلك مخافة السآمة عليكم]].
فالحكمة أن تجعل للناس في الأسبوع درساً واحداً أو درسين، ولا تثقِّل عليهم، وبعض الناس يتكلم في الناس في كل مجلس يجلسه معهم؛ في المجلس، والدعوة، والعزاء، وفي الطريق، وفي كل مكان وكلما اجتمعوا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله.
ويلقي عليهم محاضرة حتى تتكسر ظهورهم، حتى إن بعضهم لا يحضر الدعوة بسبب هذا.
وسمعنا أن بعضهم حضر زواجاً، فقام في محاضرة عن الموت من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، والناس في زواج وفرح وقام الشيبة يبكون، وتركوا العشاء، فهذا ليس من الحكمة، بل الواجب أن يكلِّمهم فيما يناسب الموقف من التذكير بنعم الله ومنها الزواج والدعوة إلى ترك المغالاة في المهور وغيرها.
والمقصود -أيها الإخوة- هو الاقتصاد في مواعظ الناس حتى تأتي إليهم وهم بتلقي وبتلهف إلى كلامك.
وكان عبد الله بن مسعود يذكر الناس كل يوم خميس، وليس هذا من البدع، فمثلاً هذا الدرس في مساء كل سبت، ليس من البدع بحمد لله، بل الأصول والمصلحة تدعمه ولا يتعارض مع أصول الشريعة.
وكان ﷺ يجعل للنساء يوم الإثنين، يخاطب النساء ويعلمهنَّ أمور دينهن ﷺ .
стр. 7810
متى يصح سماع الصغير ؟
هذا باب فتحه البخاري، والصحيح أنه يصح سماعه إذا ميز، ولا أستطرد في هذه المسألة لأن بعض الأسئلة سوف تأتي.
стр. 7811
الغضب في الموعظة والتعليم عند الحاجة عزم
إن من الحزم في الوعظ أن العالم إذا رأى ما يكره أن يغضب؛ كما غضب ﵊ في بعض المواطن، ففي صحيح البخاري من حديث زيد بن خالد الجهني لما سأله عن ضالة الإبل، غضب ﵊ حتى احمرَّ وجهه، وقال: ﴿مالك ولها، دعها، فإن معها سقاءها وحذاءها، ترد الماء وترعى الشجر﴾.
стр. 7812
استحباب تكرار الحديث ثلاثاً
وللعالم أو الملقي أن يعيد المسألة ثلاث مرات حتى ترسخ في أذهان الناس، وهذا ليس من التكرار المملول، بل هو من العجيب المرسخ للعلم؛ كما كان ﷺ في حديث أنس الصحيح: ﴿إذا سلم سلم ثلاثاً، وإذا تكلم تكلم ثلاثاًَ﴾.
стр. 7813
العناية بتعليم النساء أمور دينهن
واجبٌ على المرأة أن تتعلم أمور دينها، وأنا أحث الإخوة خاصة في هذه المنطقة؛ لأنه يوجد تقصير في جانب النساء في التعليم، وفي المحاضرات، والمواعظ، أن يوصلوا المحاضرات والدروس إليهن في البيوت بواسطة الشريط، أو الكتيب، أو أي وسيلة أخرى.
لأن المرأة مثلاً في منطقة الرياض والقصيم، مهتمٌ بها كثيراً كثيراً، وعندها نور، ولو أني أعرف أن هنا قطاعاً عندهم خير، لكني اسمع بعض الناس يقولون: ما الداعي لتعليم المرأة، بل تبقى في البيت! ونحن نقول: هذا لا يخالف فيه إذا كان الأحسن لها أن تسمع المحاضرات، والندوات حتى لا تبقى جاهلة بأمور الدين، وتعذب يوم القيامة، ويكون هو المسئول عنها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
стр. 7814
حرمة الكذب على النبي ﷺ
وهذا بابٌ مستقل؛ وإنما أورده هنا تحذيراً لطلبة العلم من التجاوز في الأحاديث؛ فإن بعضهم دائماً في كل مجلس يقول: قال رسول الله ﷺ ، وهذا الأمر خطير، وأحذركم ونفسي من هذا، والمسألة صعبة، كيف تتكلم عن المشرع ﵊، المعصوم، فاتقوا الله في ذلك، وقد كان ابن مسعود إذا أراد أن يقول: قال ﷺ انتفض حتى كادت عصاه تسقط، وابن عمر قيل: إنه سافر من المدينة إلى مكة فما سمعناه إلا مرة يقول: قال الرسول ﵊، وقال عبد الله بن الزبير لأبيه: مالك لا تحدث عن الرسول ﵊؟ قال: ﴿والله لقد حضرت كما حضروا، وعرفت لكن أخشى من حديث سمعت الرسول ﵊ يقول: من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار﴾.
وقد سمعت عواماً يوردون كثيراً من أحاديث على الناس، ليست من الأحاديث في شيء وحديث القصاصين كذب، وخرافة، ودجل، بل من بنى عليها دينه صار في ضياع وسفه.
стр. 7815
حكم السهر بعد العشاء في طلب العلم
استدل لها البخاري بحديث: ﴿أرأيتم ليلتكم هذه، فإنها رأس مائة﴾ على أنه لا بأس بالمواعظ والدروس بعد صلاة العشاء، وليست من باب السمر، أو السهر المحرم إذا لم يضيِّع صلاة الفجر، وكذلك يجوز أن تسهر مع الضيف بشرط ألا تضيع صلاة الفجر، ولك أن تذاكر بعد العشاء وتسمر مع المذاكرة بشرط ألّا تضيِّع صلاة الفجر؛ لأن بعض الطلبة وجد أنهم يضيعون صلاة الفجر بسبب هذا السهر، وإذا وصل إلى هذه الدرجة صار محرماً.
стр. 7816
أهمية مخاطبة الناس على قدر عقولهم
من حكمة الواعظ والمدرس والمعلم والعالم ألا يتكلم بكل المسائل أمام الناس، فكلام الخاصة للخاصة، وكلام العامة للعامة، هناك كلام يضيق عنه الأذهان [[حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله]] وورد عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه أنه قال: [[إنك لست محدثاً قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان على بعضهم فتنة]].
مثلاً -الآن- مداخل علم الكلام عند العوام، أو مثل الأسماء والصفات واختلاف الأشعرية مع أهل السنة، أو إيرادات المعتزلة على أهل السنة؛ فهذه لا يحدث بها عند العوام، وكذلك الخوض في المعاني التي لم يخض فيها علماء السلف وإنما أخذوا الظاهر ووقفوا، فعلينا أن نقف كما وقفوا.
стр. 7817
واجب الأمة عند نزول الغمة
إن الناظر بعين البصر والبصيرة إلى حال الأمة الإسلامية، يجد أنها تعيش الضعف والذل والهوان، وما ذاك إلا للبعد عن منهج الله، والخواء العقدي، والتلوث الفكري، ونسبة الخطأ إلى الغير، وعدم الجدية في السير إلى الله، والفرقة الحزبية المقيتة، ونقض العهود والمواثيق، وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فما هو السبيل إلى إعادة مجد الأمة؟
وما هو واجبنا في ذلك؟
هذا ما تجدونه بين أيديكم في هذه المادة.
стр. 7818
حكم توثيق المحاضرات بالفيديو
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﷺ تسليماً كثيراً، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وقبل أن أبدأ، هناك مسألة ولعلها ليست غريبة عليكم، وهذه من المسائل التي يكثر السؤال عنها، وهي: الفيديو والتصوير في المحاضرات، والذي أقتنع به أنه لا بأس بأن ينقل الصوت الإسلامي عن طريق الفيديو بعد تأمل واستقراء، وقد سألت سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز مباشرة بالهاتف، وقد تكرر هذا في كثير من المجالات، وكان معي الشيخ/ سعيد بن مسفر، وأجاز فضيلته ذلك للمصلحة التي تكمن فيه، وعلم الله أنه لا مجال للإنسان في أن يرد النصوص إذا صحت عنده، ولا يجوز له بحال من الأحوال أن يقف ضد كلام المصطفى ﵊.
لكن هذا الفيديو، رأينا أنه وسيلة من وسائل الدعوة، أنا أريد أن يدخل الفيديو الإسلامي البيت الذي كان يدخله الفيديو المهدم، ليسمع به أهل البيت: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] ليسمعوا فيه قول الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢] ليسمعوا من خلاله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].
ثم لا أحجر على أي أحد من الناس أن يعترض على هذا، فهو اجتهاده، أما أن يأتي ويدعي أني عارضت النصوص، ورميت بها عرض الحائط فمعاذ الله، بل أجعل وجهي على التراب يوم يأتي النص من المعصوم ﵊، ثم أحاول أن أجد له مخرجاً، لا يكون هذا أبداً، ودونه قطع الرءوس والجماجم، وإسالة الدماء، وهذه مسألة أحببت أن أذكرها لكم، وما سمحت بهذا الفيديو إلا بعد تأكد وتيقن من مصلحته في نقل الدعوة والتأثير في الناس، وكما قيل: ليس الذكي الفطن الذي يعرف الخير من الشر، فجل الناس يعرفونه، لكن الذكي الذي يعرف خير الخيرين وشر الشرين.
عناصر هذه المحاضرة: (واجب الأمة عند نزول الغمة):
أولاً: أخطاؤنا: الخواء العقدي، التلوث الفكري، نسبة الخطأ إلى الغير، عدم الجدية في الالتزام، خلل في الصف.
ثانياً: الذنوب الكبرى التي تعيشها الأمة: الإعراض؛ الترف؛ نقض الميثاق؛ نسيان الذكر؛ عدم التآمر والتناهي.
ثالثاً: العقوبات والمثلات: موت القلوب؛ السنين والقحط، الهلاك الظاهر، الريح، الصيحة، الغرق، الخسف، انطماس الهوية، التخلف الحضاري.
رابعاً: أسباب الإنقاذ: أين العلماء؟ بناية الحصون المهدمة، إعادة بناء المناهج، تحدي شبح الموت.
خامساً: الفرج من الله: ويكون ذلك بصدق اللجوء إليه، والتوكل على الواحد الأحد الذي لا يموت، والتوبة النصوح، ونصرة الله في الأنفس والحياة.
السادس: التعلق بمصادر العزة: الولاية الكبرى لنا وليس لغيرنا، القدوة الخالدة إمامنا وشيخنا وليس غيره، ميراث الوحي، أمة الخلافة في الأرض.
سابعاً: واجبنا نحو الجيل العائد إلى الله: حماية السلوك بالمنهج الرباني، إظهار محاسن الدين للأمة، الذب عن أعراض الصالحين، ربط الجيل بالعلماء، فتح مجالات التأثير للدعاة.
أيها الإخوة الكرام: نحن نعيش حدثاً عالمياً، وأصبح مصير الأمم بيد رجل واحد، ينتظر منه أن يقول الكلمة الحاسمة في مصير الشعوب، أن يقول نعم أو لا.
وأصبح الناس ينتظرون إلى هذا التاريخ الموقوت، والموعد المسمى، وكأنهم ينتظرون القيامة، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر:١ - ٢] وأصبح الأطفال يحسبون لخمسة عشر يناير ألف حساب، ويعيشونه في أذهانهم، وفي بيوتهم، وفي أيامهم ولياليهم.
متى كنا أمة تخاف الموت، ومتى كنا نسلم أرواحنا على أكفنا.
أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا
أما كان أنس بن النضر يقول: [[إليك عني يا سعد، والذي نفسي بيده، إني لأجد ريح الجنة من دون أحد؟]] أما كان المجاهد الصنديد العقدي الموحد في المعركة يلبس أكفانه ويتوضأ، ويبيع نفسه من الله؟! من الذي شهد على المبايعة؟ ومن الذي وقع على المعاهدة؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] أليسوا أجدادكم يا حملة التوحيد؟ أليسوا آباءكم يا أهل لا إله إلا الله؟ وسوف يتكرر الجيل الذي لا يخاف الموت متى التزم بمبدأ إياك نعبد وإياك نستعين، وقد رأينا زملاءكم وكثيراً منكم ممن ذهب إلى أفغانستان يقدم جمجمته لجنزرة الدبابة، فتشدخ رأسه في سبيل أن تبقى لا إله إلا الله، وينسحب الملاحدة الروس وهم كُثر؛ لأن الذي واجههم صف لا إله إلا الله، قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠] ولكن أخطاءنا انكشفت لنا مع الأحداث:
جزى الله الشدائد كل خير عرفت بها عدوي من صديقي
وجزى الله الكوارث، يوم تنتج للأمة معرفة الخطأ.
مصائب قوم عند قوم فوائد
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥].
وعند البخاري من كلام معاوية ﵁ وأرضاه في باب الأدب: [[لا حكيم إلا ذو تجربة]] ومن لدغته التجارب عرف وتيقن وأبصر، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: ﴿لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين﴾ بل يكفيه لدغة واحدة لينتبه للمصير.
стр. 7819
أخطاء الأمة الإسلامية
وقد اكتشفنا من الأخطاء التي تعيشها الأمة الشيء الكثير، منها:
стр. 7820
الخواء العقدي
نحن أمة عندها لا إله إلا الله باللسان، والادعاء ويوم أن أتت الأزمة ظهر الخواء العقدي الذي تعيشه الأمة في ضميرها ومقدراتها، وكان هذا خطأً معلوماً، ودفعنا ضريبته ونتائجه وديونه من دمائنا وعرقنا وأموالنا، بسبب الخواء العقدي في أمة حسبنا الله ونعم الوكيل، ولم تكرر الأمة نفسها وتاريخها مرة ثانية في هذه الأحداث، وإنما كانت خائفة مذعورة، لا تدري إلى أين تلتجئ، والله تعالى ذكر أولياءه وقال فيهم: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣].
والمطالع للمنهج العقدي للرسول ﷺ في (الفتح الرباني) وهو يعرض العقيدة على أصحابه، فإذا المجلس الواحد يجعل الصحابي يشتري الجنة في جلسته، ويقول: الله أحب إليه من كل شيء.
وخذوها قاعدة: إن الله سبحانه تعالى إذا أراد أن يرسل رسله عليهم الصلاة والسلام، يترك الرسول أربعين سنة، هل سمعتم برسول بعث قبل الأربعين؟ لا لماذا الأربعون تسمى أربعين الذكريات وأربعين المصائب وأربعين الابتلاء:
وماذا يبتغي الشعراء مني وقد جاوزت حد الأربعين
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني
فسن الأربعين هي درجة أن يصاب الرسول من الرسل عليهم الصلاة والسلام بالمصائب والكوارث والجوع والقحط، حتى يعلم أنه لا إله إلا الله، فإذا علم الرسول أنه لا إله إلا الله، ولا نافع ولا ضار ولا محيي ولا مميت إلا الله، ولا كاشف للبلوى إلا الله، أرسله الله للناس ليخبرهم أنه لا إله إلا الله.
أما قبل أن يتأهل نفسياً ليقود الأمة والشعب، فلا يمكن أن يرسله الله حتى يتأهل بلا إله إلا الله.
ومن يطالع في مسند أحمد بن حنبل يجد هذه الأحاديث:
عن أبي العالية عن أبي بن كعب، ﵁، قال: ﴿قال المشركون: يا محمد! انسب لنا ربك -أي: اذكر لنا أباه وجده، تعالى الله عما يصفون- فسكت ﵊، فأنزل الله قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]﴾.
وكان ﷺ يجلس هو والصَّحابة، وفيهم الأعراب والعلماء، وفيهم القادة والزعماء، وفيهم الشعراء والأدباء، فيقول: ﴿يضحك ربك، فيقول الأعرابي: لا نعدم من رب يضحك خيراً﴾.
ويقول ﵊: ﴿يد الله ملأى سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم ينقص مما في يمينه شيء﴾.
ويقول ﷺ في حديث أبي موسى الصحيح: ﴿إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع له عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل﴾ هذه العقيدة المستشرية التي يناقشها ﷺ ، ويعرضها في إعلامه مع أمته، ومع شعبه، وجيله، ربى منهم شباباً يقفون على الماء يطلبون الشهادة، ويمتطون على الخيول يقدمون جماجمهم للموت.
فالأمة -الآن- قليلاً ما تعيش مسألة العقيدة، وسمعت بعض الناس يقول: (دائما تقول عقيدة عقيدة، الرحمن على العرش استوى، انتهى الأمر، لا عقيدة حتى نموت، ونلقى الله ، عقيدة تمضي في الدم، نناقشها في كل مجلس ونعيدها ونكررها، والعقيدة ليست المسائل الخلافية بين أهل السنة والأشاعرة أو المعتزلة مع الجهمية المعطلة، لا العقيدة أعظم من ذلك، هي كل القرآن كما يقول ابن تيمية: كل القرآن.
أيها الإخوة الكرام: من تدبر قوله تعالى يوم أرسل الله رسوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:٩١] قال البخاري: فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، وربى جيله على ذلك، ومن تدبر النصوص، يرى أن الرسول ﵊ كان يملأ الصحابي بالمعتقد.
من تداجي يا بن الحسين أداجي أوجهاً تستحق ركلاً ولطما
كم إلى كم أقول ما لست أعني وإلى كم أبني على الوهم وهما
كان أبو الحسن يعيش التوحيد حتى في المعارك، ذكر عنه أنه في صفين كان ينعس على البغلة وهو يبارز الأبطال، وقبل المبارزة بدقائق كان ينعس من النوم، من ينعس؟! أطفالنا الآن أكثرهم لا ينامون من الخوف والهلع، وبيننا وبين المعركة ألف ميل؛ لكن هكذا يربى الناس على الخوف من الموت، والهلع والجبن، فمقصودي أن علياً ﵁ كان يقول: [[والذي نفسي بيده لو كشف الله لي الغطاء ورأيت الجنة والنار، ما زاد على ما عندي من إيمان مثقال ذرة]] إيمانه قوي بلغ القمة، من أخمص القدمين إلى مشاش الرأس.
стр. 7821
التلوث الفكري
مصادر العلم عند المسلمين أصبحت ملوثة، ليس هناك قناة واحدة تستمد الأمة منها تصورها العقدي، الذي يذكره مثل سيد قطب في معالم في الطريق.
كان السبب في قوة إيمان الصحابة أنهم كانوا لا يأخذون الخبر والتفكير إلا من الكتاب والسنة، ما هي مكتبة أبي بكر وعمر؟ هل تجد فيها كتباً إذا دخلت؟ لو دخلت بيت عمر لوجدت المصحف معلقاً في ناحية من البيت والسيف في الناحية الأخرى، المصحف يفتح به العقول، والسيف يفتح به القلاع والجماجم.
ولذلك تنورت أفكارهم، وأثَّروا في العالم تأثيراً عظيماً.
مايكل هارف، يقول عن عمر في كتاب: الأوائل (ص١٦٦): كان لهذا الرجل أعظم تأثير في تاريخ الإنسانية، إذ فتحت معظم الأقاليم في عهده.
بماذا؟
بلا إله إلا الله والسيف، بالبردة الممزقة، وببطنه الذي كان يقرقر من الجوع فيخاطبه ويقول: [[قرقر يا بطن أو لا تقرر والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]].
فماذا فعلنا في تاريخ الإنسانية، وقططنا تشبع من لحوم الدجاج، وتموت حبطاً في القمائم والزبالات؟!! ماذا أثرنا في تاريخ الإنسان؟ لا شيء؛ لأن مصادر التلقي أصبحت كثيرة: مسلسل مهدم وفيديو مخرب وأغنية ساقطة ومجلة خليعة؛ آية تدخل بين آلاف المسلسلات، حديث يدخل بين عشرات الأغنيات.
فأصبح الناس يتلقون من هنا وهنا، وأصبح كثير من المبهوتين فكرياً يقولون: ساعة لربك، وساعة لنفسك.
وأصبح بعضهم يقول: مرة نغني ومرة نقرأ، مرة نبكي ومرة نضحك.
فأصبح الدين شذر مذر في حياتهم، وهذا هو التلوث الفكري، والمتأمل في القرآن يجد أن الله يعيد الصحابة إلى مسألة قد تكون بسيطة عندنا، وينبه عليها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٠٤].
والمقصد من هذا ألا تشابه الكفار بالتلفظ بكلمات موهمة ومشابهة لكلماتهم، فكيف بمن اعتقد اعتقاداً كاعتقادات الكفار، أو حمل فكراً كفكر أعداء الله ، وقد كان ﵊ يريد الأمة أن تكون مستقلة في فكرها ومظهرها، وفي كل شيء.
وكان اليهود لا يصلون بالنعال، فقال ﷺ : ﴿خالفوهم فصلوا في النعال﴾ ﴿فصل ما بيننا وبين أهل الكتاب أكلة السحر﴾ حديث صحيح.
إذاً فالمخالفة مقصودة، ويوجد كتاب لـ ابن تيمية هو كتاب: (اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم) وذلك حتى تكون أنت بتفكيرك مستقلاً عن تفكير هؤلاء الضائعين التائهين، ترى كل أهل الأرض مخطئين إلا أنت، وكل من على المعمورة على باطل إلا أنت وحدك يا مسلم، لأنهم إذا أخذوا عقيدتهم من التراب والطين، أخذت عقيدتك من رب العالمين، وإذا أخذوها من الشياطين، أخذتها من لافتة إياك نعبد وإياك نستعين.
مكامن التلوث الفكري أن يخرج لنا أناس يسيئون إلى المعتقد وينالون من الرسالة، من أنتج هذه القنوات التي أوصلت إليهم الثقافة، وهناك صحيفة من الصحف، في الصفحة اليمنى فتوى لأحد العلماء ويسأل على السحَّاب للمرأة هل يصلح من صدرها أو من ظهرها؟
هل يجوز -يا فضيلة الشيخ- أن يكون سحَّاب المرأة من ظهرها أو من صدرها؟ قال الشيخ -وجزاه الله خيراً وقد أصاب- لا بأس بهذا إذا لم يكن فيه مشابهة للكافرات، لا بأس أن يكون السحاب من أمامها أو من خلفها، وفي الصفحة اليسرى لدغ لشريعة الرسول ﷺ ، وشباب الصحوة، وأهل لا إله إلا الله، وتعجب من هؤلاء لا يسألون إلا عن عدة الحائض والغسل من الجنابة، والسحَّاب من أمام أو من الخلف!! أما مسألة لا إله إلا الله أو المنهج الرباني، وإعادة الأمة إلى الله، ومسألة النبوة والولاية الكبرى فلا يسألون عنها!! هل سمعت أنهم يسألون عن مسألة الولاء والبراء، أو التوكل على الله، أو استقلالية الأمة، أو منهج الأمة الرباني، أو الحاكمية؟! لا يسألون!!
وأعظم الأسئلة في السحّاب والحيض والجنابة، وأنا لا ألوم الشيخ، ولكن ألوم نفسي
لترم بي المنايا حيث شاءت إذا لم ترمِ بي في الحفرتين
стр. 7822
نسبة الخطأ إلى الغير
وتجد أن الأمة الإسلامية الآن تنسب الأخطاء إلى الغرب، ولو تناطح حماران في ساحل العاج، لقالوا: إسرائيل وراء هذين الحمارين!! ولو أتى شاب لقال: حسبنا الله على اليهود، هم الذين سُلِّطوا علينا، هم الذين أثروا علينا في منهجنا، وأثروا علينا في حياتنا!!
ومعناه أننا لم نخطئ والغرب فقط هو الذي يخطئ.
أيها الإخوة! نحن أثرنا في الآخرين أكثر مما أثر الآخرون فينا، أقولها وعندي وثائق تشهد على ذلك، من الذي دوخ الشعوب؟ ومن الذي أسقط الحكومات الجائرة كسرى وقيصر، وحكومة الهند؟ وكثير من الحكومات الشرقية؟ المسلمون.
والدليل على أننا أثرنا في العالم، أنه ما من بلد من البلدان إلا وفيه أقلية مسلمة، وفي سنة من السنوات في أيام الحج، كان عدد الحجاج من روسيا ألف حاجٍ خرجوا من موسكو يقولون: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
خرجوا من جانب جرباتشوف.
يا إخوة: لقد أثرنا في العالم بل نكسنا عروشاً، وحكمنا دولاً، وسحقنا مستعمرات، وفتحنا قلاعاً.
فلماذا أصبحنا في انهزامية؟ إننا ندافع فقط.
يقول العسكريون: أفضل طريقة للدفاع الهجوم.
أصبح كثير من الكُتَّاب عافاهم الله، فقط يردون، يسمع بالمسألة وهو جالس في البيت، فإذا سمع شبهة قام لها.
لماذا أنت لا تدمغ الباطل؟ لماذا لا تبدأ بالهجوم الكاسح بكتبك وبرسائلك وبأشرطتك؟ قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨].
وهناك رسالة لأحد الكتبة يناقش فيها مسألة الملاعق هل لها أصل في السنة أن يأكل بها أم لا، ثم ينتقل إلى الكبك بعد عشر صفحات، ويقول: لا بد أن نرى الكبك، ما هو أصل إدخالها على المسلمين؟
الأمة تدمر في عقولها ومناهجها، ونحن في مسألة الكبك والملعقة.
أنأكل بالملعقة أو بالسكين، أو نأكل بالشوكة؟ مسألة، لكن هل نخصص لها كتاباً مجلداً أو مطبوعاً؟! لا ألوم أحداً، ولكن ألوم نفسي.
فالمسألة الآن: نسبة أخطائنا إلى الغير، وهذا من انهزاميتنا وتقهقرنا، بل كثير من الأخطاء صارت منا نحن، وأعلم أن كثيراً مما يقوله الشباب أن الأعداء كانوا وراء ذلك الحادث، وأولئك كانوا وراء تلك الحادثة وليس هذا بصحيح، ونقول لهم: هل يوجد لديكم وثائق؟ أعطونا، ويقول : ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] ويقول سبحانه: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة:١١١] ليس هناك دليل.
فالانهزام الذي أصاب الأمة أن تنسب الخطأ إلى غيرها.
مشغوفة بخلاف لو أقول لها يوم الغدير لقالت ليلة الغار
стр. 7823
عدم الجدية في الالتزام
يوجد في الجيل من التزم التزاماً ظاهرياً وهو مشكور على فعله، ولكن لا يعني ذلك أن هذا هو الالتزام المطلوب في الكتاب والسنة، والله يقول: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢].
قال أهل العلم: القوة فعل المأمور واجتناب المحذور، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [الأعراف:١٧٠] أي: يأخذون الكتاب بقوة وميراث النبوة بحرارة، وليس التزاماً بارداً.
عندنا شباب ملتزمون شكر الله سعيهم، يربون لحاهم ويقصرون ثيابهم، ويستخدمون سنة السواك وهذا أمر مطلوب، ولكن يوجد الخلل في قضية العمل، كخلف الوعد، فقد وجد أن كثيراً من الشباب يخلف وعده، وكعدم بر الوالدين، وقد شكا بعض الآباء والأمهات من عدم طاعة الولد لهم وهو من شباب الصحوة، وعدم قيام الولد بحقوق الأهل، كنشر الكلام بين الأحبة، والإفساد بين الأصدقاء، وهذا كله ينافي جدية الالتزام الذي يطلب من الأمة أن تعيد تصحيح مسارها إليه، وهذه مهمة الدعاة والمربين، أن يجتهدوا في فتح مغالق الأمة من هذا الجانب، جانب التربية الإسلامية الحية الموروثة عن معلم الخير ﵊.
стр. 7824
الخلل في الصف
وأعزوه إلى الحزبية المقيتة التي عاشتها الأمة في بعض شرائعها، وهذه الحزبية أثبتت فشلها مع الأحداث، وهي ليست مستعدة لتقود الأمة، أو تقوم بتحريك أفكارها، أو تقوم بمتطلباتها، ونحن أكبر من أن نعيش حزبية، فالإسلام أرحم وأكبر من أن يعيش الحزبية، والإسلام عظيم، يرحب بي وبك، ويرحب بالداعية الوعظي، والداعية العقدي، والداعية المربي، والداعية الذي يهتم بالفكر، يمكن أن يأخذنا تحت مظلة لا إله إلا الله، دون أن تأخذ لك خلية دوني وتطردني، وما ذنبي أنا وأنا أخوك؟! فوجد أن الحزبية أثرت في الغيبة والنميمة، والظن في الآخرين حيث لا مجال للشك، وهذا خلل يجب على من يعرفه إيقافه عند حده، لكن بالحكمة والموعظة الحسنة.
стр. 7825
الذنوب الكبرى
стр. 7826
الإعراض عن منهج الله
الأمة تعيش إعراضاً، ولو ادَّعت أنها ليست معرضة، فليس كل من ادعى شيئاً صادقاً.
قال ابن عباس في الحديث الصحيح: ﴿لو أعطي الناس بدعواهم لادعى أناس دماء أقوام وأموالهم﴾.
وقال ابن القيم: (لو ترك الناس لدعواهم لادعى الخلي حرقة الشجي).
الخلي الذي ينام ولا يحب، لا يوجد عنده هيام ولا عشق، والشجي هو هذا الموله وكم عندنا من شجيين لكنهم يعيشون الوله والهيام، يعيشون الحب، ويتكلم أحدهم بأغنية أمام الملايين، ويدعي أن حب محبوبته قتله وصرعه، وأصبح شهيد الفن، وهذا الشجي الذي يعيش الحرقة، والخلي غير الشجي، ويقول أبو الطيب المتنبي في مقطوعة رائعة له، وقد أساء في بيت من الأبيات يقول:
القلب أعلم يا عذول بدائه وأحق منك بجفنه وبمائه
ثم يقسم بمحبوبه، أعوذ بالله من الخذلان ومن هذا التلوث العقدي
فومن أحب لأعصينك في الهوى قسماً به وبحبه وبهائه
والشاهد الذي نريده هو قوله:
لا تعذل المشتاق في أشواقه حتى يكون حشاك في أحشائه
وهؤلاء الشهوانيون يعذلون الدعاة الغيورين في هذا الجانب، يقولون: لماذا يغضب الداعية لأنه يرى مجلة خليعة، أو يسمع أغنية ماجنة؟ ما هذا الغضب والتهور؟ وما هذا التشدد والتشنج؟
أقول له:
لا تعذل المشتاق في أشواقه حتى يكون حشاك في أحشائه
فقصدي أن الأمة تعيش إعراضاً عن الله ، وكيف الإعراض؟
الإعراض عن أخذ المنهج كله جملة وتفصيلاً، أو تأخذ بعض ما يعجبها، وتترك ما لا يعجبها، قال عن الإعراض الكلي المطلق: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ:١٦].
стр. 7827
الترف
وكم أترفت الأمة! والترف سبيل إلي إحباط الشعوب، وليس وسيلة حية في إحيائها، بل هو من النكبات في حياة الأمة، يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الاسراء:١٦].
كان آخر سلاطين بلاد الأندلس، وهو من آل الأحمر، فلما مات هذا السلطان أتى ابنه وكان مدلالاً، يعيش مع الموسيقى الإيطالية الحالمة إلى الساعة الثانية ليلاً، وكأس الخمر سهل عنده، كالوتر ولعب البلوت والكيرم، وكانت أمه عصامية تنصحه قالت: يضيع سلطانك بهذه الطريقة، فرفض، وفي لحظة من اللحظات اكتسحه الأسبان فأخذ يبكي عند الباب، فتقول أمه:
ابك مثل النساء مجداً تولى لم تحافظ عليه مثل الرجال
وابن عباد كان عنده سبعمائة جارية في القصر، وكان إذا أراد بناته أن يخرجن من القصر إلى القصر فرش لهن الكافور والطيب، ومشين على الكافور والمسك إلى القصر الثاني، ولما أتى الترف اكتسحه ابن تاشفين، وابن تاشفين مسلم، فماذا كان حاله؟ سجن هو، وأتت بناته يزرنه حافيات ليس عليهن إلا ثياب ممزقة، فلم يجدن حتى الحجاب، فلما رأى بناته، كاد ينصدع قلبه، فبكى بكاءً مريراً، وأنشد قصيدة حارة ساخنة يقول:
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعةً يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
يطأن في الطين والأقدام حافية كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا
وهذا نتيجة الترف والضياع الذي تعيشه الأمة، ترف في البيوت، وترف في كثرة المباحات، وترف في تجاوز حدود الله ، حتى وهنت الأمة وأصبحت لا تستطيع أن تجاهد، ولا أن تدافع عن نفسها، وقارن بين الشعوب التي أصيبت، ما هو موقفها من الأحداث؟ مثل بعض الشعوب لما أصيبت لم نر منها جهاداً وما رأينا وقوفاً صامداً.
والبعض مثل أهل أفغانستان لما استولت الشيوعية على الحكم في كابول خرجوا في اليوم الثاني من مسجد جامع بالكلاشنكوف وهم يرددون:
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا
والجزائريون سحقوا فرنسا، والرئيس الفرنسي لما رأى أهل الصحوة في الجزائر يقتربون من الحكم، أنذرهم، فأرسلوا له رسالة فقالوا: إن كنت تريد أن نلقنك درساً ثانياً فتعال، فأخذ لسان حاله يقول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.
تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتقي مربض المستأسد الضاري
стр. 7828
نقض الميثاق
نقض الميثاق على مستوى الفرد والجماعات موجود في الأمة باطراد، أن يتوب تائب وأن يعود عائد، أن يأتي يصلى في الصلاة يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ثم يخرج من المسجد فيشهد شهادة الزور، ويسمع الأغنيات الماجنة، ويقتني المجلات الخليعة، ويعق والديه، ويقطع أرحامه، هذا هو نقض الميثاق، قال الله فيه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣] ونقض الميثاق على مستوى الأمة أن تدعي تحكيم منهج الله ثم لا تحكمه ولا تقوم بمنهجه ، وهذا أمر خطير وقعت فيه الأمة، فنعوذ بالله من الخذلان.
يقول الحسن البصري وهو واعظ ومربٍ شهير، يقول لأحد الشباب يراه في المعصية دائماً، قال: يا بني! اتق الله، تب إلى الله، قال: سوف أتوب، قال: يا بني! إن موسى رافق الخضر ﵉، فخالف موسى الخضر ثلاث مرات، فقال الخضر: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:٧٨] وأراك تخالف الله في اليوم عشرات المرات، ألا تخشى أن يقول الله لك: هذا فراق بيني وبينك؟!
وهذا أمر صعب أنذركم إياه، أن يقول الله للواحد منكم: هذا فراق بيني وبينك، فمن يقبلك إذا رفضك الله؟ ومن يؤويك إذا طردك الله؟ ومن يرحمك إذا عذبك الله؟
стр. 7829
نسيان الذكر
والقرآن يؤكد على تذكر المعلوم أكثر من تأكيده على تعلم المجهول، وسوف يأتي شرح هذا، والمقصود بنسيان الذكر أن تنسى الأمة الذكر في العمل، ربما تحفظ القرآن، وربما تشيد بالقرآن، وربما تتسابق بالقرآن، ولكن لا يوجد العمل بالقرآن، والحياة مع القرآن فيها قصور عند الأمة.
خذ على سبيل المثال: من يسافر في الطائرة من مدينة إلى مدينة هنا في البلاد، يلمح ما يقارب مائتي راكب، يجدهم كلهم يقرءون الصحف، وقراءة الصحف شيء ضروري لمعرفة الواقع، لكن هل رأيت راكباً -وقد تعمدت أن أنظر في ذلك، ولكن ما رأيت- يقرأ قرآناً أو يفتح مصحفاً، أو عنده كتاب حديث؟ وإنما طوال الرحلة يقرأ الصحيفة يقرؤها بشحمها ودمها ولحمها، حتى إعلانات الإسمنت يقرؤها وإعلانات العطور، وما فيها من مسابقات وفوائد وطرائف ولطائف، الله أعلم بها، فنسيان الذكر موجود في حياة الأمة، وبعضهم جعل يوم الجمعة للذكر فقط، يقرأ سورة الكهف للبركة، لأننا أصبحنا مثلما قال أحد المفكرين -سلم الله يده ورفع منزلته-: أصبح القرآن هذا الذي أتى إليه أحمد بن بلا فركله من الجزائر، وأتى إليه محمد على جناح فركله من باكستان، ومصطفى كمال أتاتورك ركله من تركيا، أصبح هذا القرآن يصلح للقراءة على المصروع فقط.
ووجدنا بعض الشباب لا يصلي في المسجد، ويشرب الدخان ويتهتك في الحدود، فإذا أصابه صرع أتى إليك قال: يا شيخ! أريد أن تقرأ عليَّ، الآن احتجت إلى القرآن؟!
إن الواجب على الأمة أن تقرأ القرآن قبل أن يأتيها الجن، وألا تقرأه فقط للجن، بل تقرؤه للحياة، يصلح للزواجات والحفلات وتفتح به الندوات، وهو قرآن الحياة، قال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧].
стр. 7830
عدم التناصح والتناهي
مر بالأمة وقت لا تأمر فيه ولا تنهى، بل القليل من يأمر وينهى، وأصبح عند الأمة في وازعها وشعورها أن هناك خجلاً من الرأي العام، إذا قلت للمرأة السافرة: اتقي الله وتحجبي، وهذا يختلف في المناطق كثرة وقلة بسبب الغيرة، وبسبب الحماس والعلم، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ.
كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩].
وعند ابن حبان بسند صحيح عن أبي ذر، قال: قال لي رسول الله ﷺ ﴿يا أبا ذر! قل الحق ولو كان مرا﴾ والحق مر يذهب بالرءوس والدماء.
فنحن بحاجة إلى أن نعلن الآن أننا أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن بالحكمة التي يرضاها الله، لا نأمر بمعروف ونأتي بمنكر أكبر أو ننهى عن منكر ونأتي بمنكر أعلى وأقبح منه.
يقول أحد العلماء: (ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف، ونهيك عن المنكر بلا منكر) وهذه هي الحكمة التي أتى بها رسول الهدى ﵊.
وعند أحمد في المسند بسند صحيح، عن أبي ذر، قال: ﴿بايعني رسول الله خمساً، وعقد علي سبعاً، وأشهد علي تسعاً، أن أقول الحق ولا أخاف في الله لومة لائم﴾ ولذلك تجد أبا ذر دائماً لا يرهب أبداً، يقول الكلمة ولو كانت ستودي برأسه أو بمستقبله، ومن قرأ ترجمته عرف ذلك، يقول فيه القائل:
أطرد الموت مقدماً فيولي والمنايا أجتاحها وهي نعسى
لاطفوني هددتهم هددوني بالمنايا لا طفت حتى أحسَّا
أركبوني نزلت أركب عزمي أنزلوني ركبت في الحق نفسا
стр. 7831
العقوبات والمثلات
ما هي عقوبة الله التي حلت بالأمم؟ تسمع بعض الناس يقول: الحمد لله، وجدت بعض المعاصي في الناس لكن ستر الله ولم يعاقبنا.
يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر: قال أحد علماء بني إسرائيل ممن عصى الله: (يا رب! كم أعصيك وما عاقبتني؟) فأوحى الله إليه: يا فلان! كم أعاقبك وما تشعر! قال: بماذا عاقبتني؟ قال: أما منعتك لذة مناجاتي وحلاوة عبادتي؟
هذا من أعظم العقوبات، لكن الشخص لا يحس.
يقول المتنبي:
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام
تأتي لمقتول وتطعنه بخنجر فلا يحس، فأصبحت الأمة في شعورها مقتولة مطعونة في أعز ما تملك، في لا إله إلا الله، في قلبها وأصالتها، وفي عمقها ورسالتها، حتى يجد الإنسان أن هناك عدم تميز بين المسلم والكافر، بل بعضهم يميز الكافر، ووالله لقد ركبت مع بعض الناس، وقد رأوا أحد الشباب قصير الثوب وطويل اللحية، فيقول لهذا الرجل: أنا أرى هذه اللحى وهذه الثياب منظراً غير حضاري، فقلت له: وما هو المنظر الحضاري عندك؟ فسكت.
فقلت: المنظر الحضاري عندك أن يبول الإنسان واقفاً، مثلما يفعله الإنسان في لوس أنجلوس! والمنظر الحضاري عندك أن يغسل الكلب بالصابون ويركِّبه في السيارة؛ والمنظر الحضاري عندك أن يقبل الرجل المرأة في المطار! هذا منظرك الحضاري! أما منظر هؤلاء الذين تسننوا بسنة محمد ﵊، الذي تركته أنت وأمثالك، وواليت أعداء الله وشابهتهم، فهذا هو الخزي والعار، وقد كان هذا في كلام طويل، أو بمعنى هذا الكلام.
فالأمة تمسخ في هويتها بسبب أنها لم تعش أصالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا سيأتي الكلام عليه.
ويروى أن عابداً من بني إسرائيل كان يعبد الله في قرية، فأنزل الله جبريل ليخسف بالقرية، فوجده يصلي فسأل الله فيه، فقال: به فابدأ، فإنه لم يتعمر وجهه غضباً لي، فلعل الأمة تدفع ديونها الباهضة التي تركتها في الأيام السالفة، ونسيت وابتعدت حتى وصلت إلى ما وصلت إليه.
стр. 7832
موت القلوب
أن يموت القلب ولا يحيا مع الكتاب والسنة، وألا يتأثر، ونعرف كثيراً من الناس يرتكب المنكرات كالجبال -ونعوذ بالله من الخذلان- ولا يتأثر ولا ينزعج.
وقد ذكر ابن الأثير في كتابه الكامل: أن عبد الملك بن مروان، قال لـ سعيد بن المسيب: يا أبا محمد أصبحت أعمل السيئة لا أساء بها، وأعمل الحسنة لا أسر بها، قال سعيد بن المسيب: الآن تتام موت قلبك، أي: الآن مات قلبك كله.
وذكر ابن الأثير عنه أيضاً أنه لما بويع بالخلافه قال: والذي لا إله إلا هو، لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد هذا اليوم إلا ضربت عنقه بالسيف.
عبد الملك يقول عنه الذهبي في الترجمة: أول ما بويع بالخلافة، فتح المصحف وقرأ طويلاً ثم طبق المصحف وقال: هذا آخر العهد بك، قال الذهبي: اللهم لا تمكر بنا، وأنا أقول ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤] ولكن نستفيد العبر من الماضين.
من أكبر العقوبات التي أُصبنا بها -لم نصب بصواريخ ولا بزلزال ولا ببراكين- أننا أصبنا بموت القلوب، حتى إن الإنسان يرى الفواحش أمام عينيه ويضحك بملء فيه، ولا يتأثر تماماً، وهذا هو الموت العظيم.
стр. 7833
السنين والقحط
السنين والجدب والقحط الذي ينزل بالناس بسبب ذنوبهم، أذكر أنا استغثنا الله خمس مرات، ولم ينزل الغيث في بعض النواحي، بسبب الذنوب والخطايا، يخرج من لم يحضر صلاة الفجر، ويخرج المرابي وأمواله في البنوك الربوية، ويخرج من سهر إلى آخر الليل على الغناء وعلى المخالفات الشرعية، ويخرج من يغتاب، ويحضر هذا المصلى، ويقول المرابي: يا رب، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟!
стр. 7834
الهلاك الظاهر: الريح، الصيحة، الغرق، الخسف
وقد يكون من أسباب الهلاك الجيوش المدلهمة الجائرة التي تعتدي على الشعوب وتمزقها.
وكل شيء بقضاء وقدر والليالي عبر أي عبر
﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:١٢٩] وما سلط الله على ظالم إلا أظلم منه، وهذا أمر معلوم، والله ذكر ذلك في كتابه فقال: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١].
стр. 7835
انطماس الهوية
أن ترى المسلم، فلا تميز بينه وبين عدو الله، لا تجد عليه سمات النور ولا سمات اتباع السنة، ولا هوية ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] يحمل جوازاً ونفوساً اسمه محمد بن علي بن سعيد، لكنك لو بحثت عنه، وجدت في داخليته أنه يحمل جورج بن طوسون بن عفلق، فالاسم لا يكفي، وقضية التابعية لا تكفي، الأمة الإسلامية عددها اليوم مليار.
عدد الحصى والرمل في تعدادهم فإذا حسبت وجدتهم أصفارا
كان عدد إسرائيل مليونين والعرب آنذاك مائة مليون، وأخذتهم طولاً وعرضا حتى يقول شاعر العروبة كما يدعي نفسه، وقد أصاب في القصيدة، قال:
واليوم تسعون مليوناً وما بلغوا نضجاً وقد عصر الزيتون والعنب
فأطفأت شهب الميراج أنجمنا وشمسنا وتحدت نارها الخطب
هذا قبل أن تدخل الصومال الجامعة العربية وقد أصبح الآن العدد مائتي مليون.
المؤمن ظاهراً وباطناً لله ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] نريد أن نربي جيلاً إذا دخل عليك في مكتبك تعرف أنه مسلم، لا تعرف أنه متأثر بالغرب، أو الشرق، أو عليه انطماس في الهوية، أو عليه طابع وخاتم المتخلفين عن منهج الله.
стр. 7836
التخلف الحضاري
ومنها التخلف الحضاري، ولا أعني به أمور الدنيا، فهذا مما يجب علينا أن نقدمه، لكن هناك تخلف حضاري أعظم من أمور الدنيا، عدم معرفة الأدب الحضاري الذي أتى به الرسول ﵊، وإلا فنحن متخلفون في الحضارة المادية، فالطباشير عندنا مستوردة وكذلك الأستاذ والكرسي والماسة وليس عندنا شيء.
لم نقدم للبشرية شيئاً، نحن علينا أن نأكل ونشرب ونلبس، لكن الحضارة الدينية الموروثة عن معلم الخير ﷺ ، حضارة الإيمان، حضارة لا إله إلا الله، يتحراها الناس منا في الأدب، والغرب مخفقون في عالم الروح، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [النمل:٦٦] عندهم عالم الشهادة لا عالم الغيب، عندهم عالم الجسم لا عالم الروح، عندهم عالم المادة لا عالم ما وراء المادة، ونحن عندنا الجانبين، لكن حين هدينا الإنسان للنور وأسمعناه كلمة الحق، وقدمنا له نموذجاً حضارياً عن حياتنا وجلوسنا وطعامنا، والرسول ﷺ ما ترك شيئاً، ولا ترك الإسلام شيئاً، والله يقول له يوم عرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] هل كان عند الرسول ﷺ يوم قال الله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ هل كان عنده صوامع غلال؟ هل كان عنده مستشفيات؟ هل كان عنده خطوط مزفلتة؟ هل كان عنده خطوط مواصلات وهاتف؟ ويقول الله له: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ ينام ولا يشبع من خبز الشعير ثلاثة أيام، ويقول الله له: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ يلبس الممزق من الثياب، ويقول الله له: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ يسكن بيت الطين ويقول الله له: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ يضع الحجر على بطنه ويشده ﵊، ويقول: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ فأي نعمة؟ إنها نعمة الإنقاذ، نعمة الخروج من الظلمات إلى النور، نعمة أن يعرف الإنسان ربه، معرفة طريق الهدى، والاستقامة، وتحرير الإنسان من أن يسجد للطاغوت أو للجزمة أو للوظيفة أو للسيارة، أن يكون مشرقاً حياً، قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥٧] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ [محمد:١ - ٢] أي نعمة أن يدخل ربعي بن عامر ممزق الثياب على رستم، وعلى رستم تاج من ذهب، فيدعوه إلى لا إله إلا الله، ويضحك منه رستم ويقول: تفتح الدنيا بالرمح المثلم والفرس العقور؟! فيقول ربعي الشاب المخلص: نعم.
[[جئنا كي نخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]].
стр. 7837
أسباب الإنقاذ
стр. 7838
العلماء والدعاة
أول ما يوجه الكلام للعلماء والدعاة، فهم أهل الميثاق قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧] ومعنى الآية أي: البيان العام في الاعتقاد، والشرائع الربانية، والأحكام المأخوذة عن معلم الخير ﵊، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٩٥ - ١٦٠].
ونعيش دقائق مع ابن تيمية وهناك شريط اسمه أسرار العبقرية عند ابن تيمية، آخذ منه جزءً هو الفرق بين ابن تيمية وغيره من العلماء:
إن ابن تيمية جعل الدنيا على التراب؛ ليرضى عنه الواحد الوهاب، ورفض كل شيء لتبقى لا إله إلا الله، ولم يساوم شيخ الإسلام أبداً على ذلك وهذا هو الفارق بينه وبين غيره من العلماء، وتجدون من يكتب عن ابن تيمية مثل أبي الحسن الندوي يشير إليه، وحيا الله أبا الحسن فقد أشاد بهذا الاكتشاف، اكتشف الديناميت في حياة ابن تيمية اسمعوا إلى هذه الجمل:
يعيش ابن تيمية عقلاً نوَّاراً، يريد ابن تيمية أن يكون كالشمس تسطع تسطع، وكالنجم يلمع يلمع، وكالسيل يهدر يهدر، يعيش ابن تيمية استقلالية فكرية، يحارب الإقطاع والرأسمالية، ويحارب الخنوع لغير الله، واستبداد البشر بالبشر، يعيش بمفهوم العصر (البروسترويكا) والانفتاح، أو إعادة البناء، انشغل التاريخ بـ ابن تيمية؛ لأن ابن تيمية انشغل بالله.
ويقول أحد الكتبة مثل كاتب كتاب المسار محمد أحمد الراشد: (بقدر انشغالك بالله ينشغل الناس بك، وبقدر انشغالك بالناس لا ينشغل الناس بك) فـ ابن تيمية انشغل بالله فانشغل الناس به، حتى أن من يقرأ المجلد الرابع عشر من (البداية والنهاية) يجد التاريخ وراء ابن تيمية، وكأنه لا يوجد في الدنيا إلا ابن تيمية، دخل ابن تيمية، خرج ابن تيمية وقف ابن تيمية، جلس ابن تيمية، تكلم ابن تيمية، خطب ابن تيمية، يعيش ابن تيمية.
وهذه من الاستقلالية الجميلة التي يعيشها ابن تيمية، ولذلك كان ابن تيمية قوياً كأشد ما تكون القوة، حياً كأشد ما تكون الحياة، وقد فتح جبهات في حياته، في الرد على الجهمية المعطلة، والخرافية والمعتزلة والأشاعرة والحلولية والاتحادية والظلم، والاستبداد، وكان خطيباً مفتياً واعظاً، مجاهداً، مربياً، ومعلماً، ومدرساً، وشيخاً، وهذه تسمى منافذ القدرة عند ابن تيمية، ومن عاد إلى الشريط وسمع الكلام عن ابن تيمية يستفيد إن شاء الله.
وأقول: إن الأمة ما زالت بخير ما دام فيها علماء يخافون الله ، ويبينون للأمة ما التبس لها من أمر دينها، وهم أهل الميثاق.
стр. 7839
بناية الحصون المهدمة
عند الأمة الإسلامية حصون مهدمة من داخلها، وهناك كتاب عنوانه (حصوننا مهددة من داخلها) للدكتور محمد محمد حسين شكر الله سعيه، وقد أجاد كل الإجادة، ورفع الله منزلته بهذا الكتاب، وكما سبق أننا ننسب الخطأ إلى غيرنا دائماً، ولدينا حصون هدمت من الداخل، وعلينا أن نعيد البناء، ونعيد التوجيه والتركيز، ونعيد بأنفسنا رد الخطأ والغلط، ونصحح المسار، وهذه الأخطاء في المناهج العقدية، وفي المناهج التربوية، وفي المناهج التعليمية أخطاء تعيشها الأمة، لا يتعامى عنها إلا أعمى، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد:١٩] ومن الأخطاء في المناهج التعليمية أن يكون القرآن حصة إضافية، أو أن يكون جزئياً وليس أصلياً في المواد الدراسية، حتى تقدم بعض المواد البشرية عليه، وأنا أعرف من الطلاب من يعرف الجغرافيا معرفة مفصلة دقيقة، ولا يعرف عن كتاب الله عشر معشار هذا، وإلى غير ذلك من القضايا.
стр. 7840
إعادة بناء المناهج
وذلك بأن تكون مناهج مؤثرة، عقدية مستمدة من (قال الله، قال الرسول ﵊ تجد من الطلاب من يدرس ثماني عشرة مادة، وسبع عشرة مادة، لكنه ضعيف في كل المواد، ويقول: ولا بد من المواد الأخرى، ولا بد من مواد الحياة، ولا بد أن ندرس التكنولوجيا والتاريخ والتربية وعلم النفس، لكن المواد الأصيلة في حياة الأمة (التفسير والحديث والفقه) فلا حرج في تركها.
وأين نحن من الرسول ﷺ ؟! فقد كان يربي الصحابي سنة فيخرج عالماً، أرسل معاذاً إلى اليمن عالماً مجتهداً مطلقاً وعنده مجموعة أحاديث، لكنه عاش (قال الله وقال رسوله ﷺ حتى شبع وروي ورأى النور، أما التجزئة، أن يحفظ بعض السور أو بعض المقاطع من الآيات، ويركب عليها بعض الأحكام، ويفرح الطالب يحذف المنهج، ويقول: يا أستاذ فتح الله عليك، لو تحذف هذه الصفحات قبل الامتحان، فيحذفها، ولو أعطيتنا رءوس أقلام عن الأسئلة، فنحن أذكياء نعرف قبل أن تكمل، فيعطي، ولو تركت حفظ هذه المادة، قال: أتركها لكم على العين والرأس، فيخرج جيلاً مثقفاً، ونحن لا نريد جيلاً مثقفاً، فالكافر أحياناً أكثر ثقافة من المؤمن، لكن نريد جيلاً عالماً.
стр. 7841
تحدي شبح الموت
متى كان أبناء طارق، وأحفاد صلاح الدين وعمر يخافون الموت؟ متى كان اليهود يركبون طائرات (ميراج إف خمسة عشر) ويتحدون كرامة الأمة وميراث الأمة؟! متى كانت الأمة إذا شعرت بالزعزعات تذهب إلى الأرز والسكر والفوانيس تشتريها من الأسواق وتتكمم بالكمامات؟! سبحان الله!
أليس جدكم عقبة بن نافع هو الذي وقف على المحيط الأطلنطي على فرسه، يقول: [[والله لو أعلم أن وراءك أرضاً لخضت بفرسي هذا البحر لأرفع لا إله إلا الله]] أليس عقبة هو الذي تكلم مع الحيات والعقارب والوحوش في صحراء أفريقيا، وقال: ادخلي جحورك فإنا أصحاب محمد ﷺ ؟! أليس عبد الله بن عمرو ضرب ثمانين ضربة بالسيف وكان يقول:
[[اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى]] فمن فتح العالم إلا أنتم؟!! وقد كان الصحابي إذا سمع الصوت يخرج بالسيف، لكن لما خانت الأمة حيَّ على الصلاة، خانت حيَّ على الكفاح.
من خان حيَّ على الصلاة يخون حيَّ على الكفاح
تنتظر ممن لا يصلى الفجر جماعة أن يذهب إلى الجبهة يكافح العدو، أو ينصر مقدساته أو يحمي عرضه، أو يرفع لا إله إلا الله؟! أتنتظر ممن يسمر إلى الثانية في منتصف الليل على البلوت والكيرم وهوايته جمع الطوابع والمراسلة أن يكون قوياً شجاعاً يلبس كفن الموت؟! لا.
ولنا في اليمن آية: أرادت بريطانيا قبل سنوات أن تحتل اليمن الشمالي، وكان عندهم أثارة من عقيدة، لا زالت أمة لم تفسد إلى هذا المستوى، فزحفت الدبابات من عدن تريد اليمن الشمالي، فقام أحد العلماء وطلب الخطبة في الجامع الكبير بـ صنعاء -الجامع هذا يحضره ألوف مؤلفة من اليمنيين- وأخذ الخطبة بصلاة الجمعة، وافتتحها بـ الحمد لله منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب، ثم بدأ بالخطاب في قصيدة إلى بريطانيا يقول:
يا بريطانيا رويداً رويدا إن بَطشَ الإله كان شديدا
كانت الطائرات في أثناء الخطبة تضرب صنعاء.
إن بطش الإله أهلك فرعون وعاداً من قبلكم وثمودا
لا تظنوا هدم المدائن يوهي عزمنا أو يلين بأساً صلودا
إن تبيدوا من البيوت بطياراتكم ما غدا لدينا مشيدا
فلنا في الجبال تلك بيوتٌ صنعتها أجدادنا لن تبيدا
ثم التفت إلى الطيارين وقال:
فالنزال النزال إن كنتم ممن لدى الحرب لا يخاف الجنودا
يقول: انزلوا في الأرض إن كنتم شجعان.
لتروا من يبيت منا ومنكم موثقاً عند خصمه مصفودا
ما خضعنا للترك مع قربهم في الدين منا فكيف نرضى البعيدا
الأتراك مسلمون وما خضعنا لهم، فكيف أنتم يا وجوه الخواجات، ويا وجوه العمالات والخيانات؟!
ما خضعنا للترك مع قربهم في الدين منا فكيف نرضى البعيدا
وهم في الأنام أشجع جيش فاسألوهم هل صادفونا فهودا
ثم يقول: ويلتفت بدعوى إيمانية للناس.
يا بني قومنا سراعاً إلى الله فقد فاز من يموت شهيدا
سارعوا سارعوا إلى جنة قد فاز من جاءها شهيداً سعيدا
والبسوا حلة من الكفن الغالي وبيعوا الحياة بيعاً مجيدا
وأفغاني ضرب بيته بقذيفة فأخذت القذيفة البيت بما فيه، وتسعة أطفال وزوجته، أتدرون ماذا فعل؟ يقولون: أخذ الرشاش وذهب إلى الجبهة يقاتل، وبترت قدمه بعد أن قتل أربعة عشر شيوعياً، وهكذا ربى الرسول ﷺ الإنسان، على أن يتلقى الموت في أي لحظة، والله يقول: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور:٣١] ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة:٥٢].
اليمنيون لما خرجوا من المصلى لبسوا الأكفان، وأخذوا الرشاش، ودكوا بريطانيا وأسقطوا الطائرات بهذا السلاح الرشاش، وانهزمت بريطانيا أمامهم.
والشعوب يوم تؤمن بلا إله إلا الله لا يغلبها أحد.
لماذا يخاف أطفالنا؟ نحن نخاف لثلاثة أسباب:
الأول: الضعف العقدي عندنا وعدم التوكل.
نقول بألسنتنا التوكل، لكن التوكل ضعيف، التوكل ليس موجوداً.
الثاني: أراد بعض الناس أن يحسن، فارتكب خطأ فاحشا ًكمن ينشر الآن تضخيم حاكم العراق، وفي ذات مرة رسموه وأسنانه كالخناجر، وعيونه تقدح شرراً، حتى أغمي على الأطفال في البيوت، وهذه حرب معنوية ساحقة، ومن الحكمة أنك لا تهول في شأن عدوك وتضخمه، وفي كل ملف تجد: سوف يقتل الناس هذا السفاك، ورأيت صورة لو ترونها -تمر دائماً باستمرار- يحمل خنجراً يقطر دماً، وهذا رعب، وقد فعلوه مع مناحم بيجن، وصفوه أنه ارهابي في دير ياسين، ويقتل حتى أغمي على الناس من ذكره، وهذا ليس بصحيح، لا قوي ولا عظيم إلا الله؛ قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:١٦٠].
والأمر الثالث: أنه لا بد أن يغطى الفراغ عند الناس، فراغ الهاجس، الأمة تعيش وساوس، والذي لا يشتغل بالحق يشتغل بالباطل، والمؤمن كما يقول عمر: [[إذا فرغ غفل]] فلا فراغ عند المؤمن، وأكثر الأمراض عند بعض الشباب من هذه الوساوس، أنه لا يقرأ القرآن، ولا يحفظ الحديث، ليس عنده عمل أو كسب، فيبقى في بيته حتى تأتيه الخطرات، ويتصور الموت ليل نهار، وكأنه قد مات، الجبان يموت في اليوم ألف مرة والشجاع لا يموت إلا مرة واحدة في عمره.
وابن القيم يرى في زاد المعاد أن من أسباب انشراح الصدر سعة البال وشجاعة القلب.
يا إله الخلق بل يا ذا الجلال يا خفي اللطف يا رب النوال
قد دهتنا كربة ليس لها غيرك اللهم يا مرسي الجبال
стр. 7842
صدق اللجوء إلى الله
اللجوء إلى الله أن تفوض الأمر إليه (حسبنا الله ونعم الوكيل) يقولها إبراهيم: وهو بين الأرض والسماء كالقذيفة في المنجنيق وقد اقترب من النار، فيقول له جبريل: ألك حاجة؟ -تصور الخطورة، وتصور الموقف، إبراهيم في الهواء كالطائر، يرمى بالمنجنيق، وسوف يصل بعد دقائق إلى النار، فيقول له جبريل: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا.
وأما إلى الله فنعم.
فلما اقترب قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فجعل الله النار برداً وسلاماً، والرسول ﷺ في غار ثور يطوقه الكفار، فيرى أبو بكر قدم كافر فيقول: ﴿يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى موطن قدميه لرآنا، قال ﵊: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما﴾ وموسى في البحر يقول: إن الله معنا، فانتصر ﵇ في البحر، وسوف تتكرر هذه دائماً كلما عادت الأمة ملتجئة إلى الله، مستغفرة منيبة تائبة.
وصلاح الدين الأيوبي ذاك البطل، أشكره وأسأل الله أن يجمعنا به في دار الكرامة، صلاح الدين كردي، قال تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩] إذا أصبحت الأمة العربية تربي الصقور، ومغرمة بـ (ما يطلبه المستمعون) أعطيت الرسالة سواء كانوا أتراكاً أو هنوداً أو أفغاناً أو أكراداً، الأكراد الذين سُحقوا بالكيماوي وأصبحوا كورق الخريف، وأصبحوا هشيماً كالأظافر إذا اقتلعت، ولم يغضب أحد ولم ينكر أحد، هذا صلاح الدين منهم.
فهل تعلمون ماذا فعل صلاح الدين، يقول وهو شاب: والله لا أتبسم حتى أفتح بيت المقدس وصدق والله، متى بدأت معركة حطين؟ بدأت في الثانية عشر ظهراً، يعني خمسة عشر يناير عند صلاح الدين الثانية عشر ظهراً، ليست الثانية عشر ليلاً، عنده في الثانية عشر ظهراً قال: إذا صعد الخطباء على المنابر بدأت بالهجوم، لماذا؟ قال: لأكتسب دعاءهم، وكان عند الخطباء خبر أنه سوف تقوم حطين، وهي من أشهر المعارك، بل هي أم المعارك، تأخذ الأخضر واليابس، فلما صعد الخطباء على المنبر، بدأ (باسم الله) يقولون له، وكان في الكتيبة الثانية، وكاد الجيش أن يتزعزع، وكان يقول: وا إسلاماه، وا إسلاماه -وقيل إنها لـ قطز - هذه (واإسلاماه) هي من صلاح الدين، وبدأ الهجوم، وسحق المشركين والصليبيين سحقة لم يسمع الدهر بمثلها، وفي يوم الجمعة الثانية دخل بيت المقدس، وأذن مؤذن وبكى الناس من الفرح، وكان صلاح الدين الكردي القائد العسكري قبل المعركة قد قرأ من سورة الأنفال قليلاً، وقبل المعركة قال: أسمعوني من كتاب موطأ الإمام مالك، وكان هو شافعي المذهب أشعري المعتقد، لكن أشعريته على العين والرأس ما دام أنه ليس ملحداً ولا علمانياً، ولا صليبياً ولا صهيونياً، وإنما هو مسلم يحمل لا إله إلا الله، أتى هذا الرجل فقال: اقرءوا موطأ الإمام مالك، فقرءوا في الكتاب قليلاً، ثم أبتدأ الهجوم، وفي الصف الأول، كان يصلي الجمعة، وقام الخطيب شمس الدين الحلبي، فافتتح الخطبة افتتاحاً هائلاً- الخطبة مكتوبة - ثم قال يحيي القائد:
تلك المكارم لا قعبان من لبن وهكذا السيف لا سيف ابن ذيزن
وهكذا يفعل الأبطال إن غضبوا وهكذا يعصف التوحيد بالوثن
إلى آخر ما قال
فلما التجأ إلى الله نصره الله.
стр. 7843
التوكل على الله
وسوف تنصر الأمة كلما عادت إلى منهج الله وتوكلت عليه، قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] كل الناس يموتون إلا الله.
إن الاتصال بالله في طلب الشفاعة مباشرة بغير واسطة من خلقه، ولو أنه جعل الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام مبلغين وواسطة في التبليغ، فلم يجعلهم واسطة في رفع الحاجات، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] وفي الصحيح أن الصحابة قالوا: ﴿يا رسول الله! أربنا بعيد فنناديه أم قريبٌ فنناجيه؟﴾ فأنزل الله قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] وهذا من البلاغة بمكان، وأسرع ما يمكن أن تكون الدعوة مستجابة يرفعها الله فوق الغمام، إذا كانت دعوة المظلوم المضطهد، ويقول الله: ﴿وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين﴾.
كانت الأمة ربانية تتصل بالله مباشرة يوم سلمت قيادها لله، يقف ﷺ في بدر، ويقول: ﴿اللهم وعدك الذي وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم نصرك﴾ فنصره الله.
وموسى على البحر وفرعون بستمائة ألف مقاتل وراءه وبنو إسرائيل يقولون: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] فيقول: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] حسبنا الله ونعم الوكيل.
هذا هو شعار الأمة: الدعاء، والاستغفار، والتوكل على الواحد الأحد، والاتصال به مباشرة، فهو الناصر ولا ناصر غيره، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣].
стр. 7844
التوبة النصوح
التوبة النصوح: رأينا الناس في الأحداث حرصوا على إصلاح أمور دنياهم، وإصلاح وضعهم المعيشي، ولكن لم نسمع بعودة الناس إلى الله عودة جادة، وهذا وقت القربات، ووقت أن يراجع الناس حسابهم مع الله ، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [بالأنعام:٤٣] يقول سبحانه عن قوم صالحين وكانوا مسيئين فصلحوا في الكربة، قال: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٧] محمود بن سبكتكين الذي فتح الهند، كان قبل المعركة الهائلة التي دارت رحاها في شرق الكرة الأرضية، هل تعلمون كم كان جيش محمود بن سبكتكين؟ كان ألف ألف مقاتل أي: مليون.
هذا محمود بن سبكتكين أعطاه ملك الهند كالأسطوانة وهي أصنام كبيرة من الذهب، قال: أعطيك هذه وعد عن بلادي، قال: تعطيني ماذا؟ قال: أعطيك هذه خذها لك، وعد عن بلادي، قال: عجيب! تريد أن يدعوني الله يوم القيامة: يا مشتري الأصنام؟! والله لأكسرنك ولأكسرن هذه الأصنام، ليدعوني الله يوم القيامة: يا مكسر الأصنام، فكسر رأس الملك على رأس الصنم، فيقول محمد إقبال:
كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
لو كان غير المسلمين لحازها كنزاً وصاغ الحلي والدينار
إياز كان خادمه، فالتفت يستشيره يقول: ما رأيك يا إياز نأخذ الأصنام، ونعود عن بلادهم بلا قتلى، وبلا خسائر في الأرواح؟ قال: إياز: دع الله يدعوك يوم القيامة: يا مكسر الأصنام، قال: صدقت، وهذا الذي في نفسي، ويقول محمد إقبال:
محمود مثل إياز قام كلاهما لك بالعبادة تائباً مستغفراً
العبد والمولى على قدم التقى فارحم بوجهك عبد سوء في الثرى
إلى آخر ما قال.
والمقصود هنا أن العودة إليه نجاة.
ونور الدين محمود استغفر الله كثيراً قبل الهجوم وتاب وأناب، وقالوا: مرغ وجهه في التراب، ونقل بعض المؤرخين، أنه كان يقول في السجود: اللهم اغفر لعبدك الكلب محمود، وهذا كان من كثرة التواضع في معاركه، كان يقولها أيضاً، ليزداد من التواضع فنصره الله نصراً كاسحاً، ما سمع الدهر بمثله، نصره سبحانه في الأنفس والحياة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧] نصره سبحانه في الأنفس وفي تطبيق شرعه، وإقامة البيوت على منهجه، والتأثير في المجتمع، وإعادة الناس إلى رب العالمين، والنصر الأكيد هو العمل بأسباب النصر، أما أن تبقى الأمة مكانها تراوح، ولا تزداد قرباً من الله، فهذا علامة الفشل والهزيمة، وعلامة أن يغشاها العدو والعياذ بالله، نصر الله في الأنفس بتحكيم شرعه في الحياة وبتطبيق منهجه في الناس والتأثير فيهم.
стр. 7845
التعلق بمصادر العزة
ليس لأمة في هذه الأرض مصادر عزة مثل ما لهذه الأمة الخالدة من مصادر العزة، ومنها:
следующие страницы →