Полный текст (10 391 стр.). Показаны 7946–7985 · переход к 7951.
стр. 7946
التربية الجادة عند السلف الصالح
تعالوا معنا ننظر إلى السلف الصالح بعد قرن المصطفى ﷺ كيف ربوا وكيف وجهوا، وكيف أحسنوا التربية، وكيف أحسنوا القيام على البيوت.
يقول جعفر الصادق ﵁ وأرضاه، وهو يوصي ابنه: "يا بني! لا تصاحب فاجراً ولا عاقاً ولا بخيلاً ولا كذاباً؛ فإن الفاجر قد استحق لعنة الله، وإن العاق قد أدركته ظلامة أبيه وأمه، وإن البخيل يبيعك أحوج ما تكون إليه، وإن الكذاب يقرب لك البعيد ويبعد لك القريب" هذه وصايا خالدة تبث للأبناء في بيوتهم من الآباء.
وتعالوا ننظر إلى ديار الصحابة، الذين عاشوا على الهداية والرشد والاستقامة.
فهذا سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه، الذي رباه رسول الله ﷺ ، عاش شاباً مؤمناً، فلما أرادت أمه أن تستهوي قلبه وأن ترده إلى الكفر، أبى؛ لأن الإيمان أصبح في قلبه كالجبال الرواسي، قالت أمه: يا بني! إلا عدت عن دينك وحلفت بآلهتها ألا تأكل ولا تشرب حتى يترك دينه.
فقال لها قولة المسلم الواثق من نفسه، المتمكن من إيمانه، الراسخ يقينه: [[يا أماه! والذي نفسي بيده، لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفساً نفساً ما عدت عن ديني، فكلي أو دعي.
فلما رأت الجد أكلت وبقيت على دينها]] إنه إيمان غرسه محمد ﷺ .
وهذا مصعب بن عمير تأتيه الدنيا وهو في بيت الدنيا، يلبس الحرير والديباج، ويتسور بالذهب وهو شاب في الجاهلية، أمه أغنى امرأة من نساء مكة، فلما دعته إلى دينها أبى؛ لأن الرسول ﷺ غرس في قلبه لا إله إلا الله، فأصبح عبداً لله، وأصبح متوجهاً إلى الله، وأصبح مخبتاً لله حبسته، ضربته، عذبته، قاطعته؛ فأبى وأتى إلى دين الله أتى ودخل على الرسول ﵊ وعليه شملة ممزقة؛ فدمعت عيناه ﷺ وقال: ﴿والله الذي لا إله إلا هو، لقد رأيت مصعب بن عمير وهو من أحسن شباب مكة، رواءً وثراءً، وقد ترك ذلك كله لله، فعسى الله أن يعوضه خيراً من ذلك﴾.
حبيب بن زيد، تربيه أمه تربية صادقة مخبتة خالصة لوجه الله، فينشأ مجاهداً، ويرسله ﷺ إلى مسيلمة الكذاب الدجال في اليمامة، فيدخل عليه وعمره يقارب العشرين، فيقول مسيلمة: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ فيقول: نعم.
قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: لا أسمع شيئاً.
فأخذه وقطعه بالسيف إرباً إرباً ولم يرجع عن دينه.
من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا
كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا
أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا
стр. 7947
نماذج من التربية عند النساء المؤمنات
الخنساء ﵂ وأرضاها -وهي النخعية- تُحضر أبناءها الأربعة إلى معركة القادسية وقد ربتهم على الصلاة، وعلى الاستقامة والذكر، فلما حضرت المعركة بين عباد الله المؤمنين وبين أعداء الله الكافرين، قالت لهم قبل بدء المعركة بدقائق: يا أبنائي! أنا أمكم، والله ما خنت أباكم، ولا خدعت خالكم، ووالله إنكم لأبناء رجل واحد، فإذا حضرت المعركة فيمموا وجهها، وأقبلوا على أبطالها، وقاتلوا رجالها، عسى الله أن يقر عيني بشهادتكم.
أي: أن يموتوا شهداء، وبدأت المعركة وقتلوا الأربعة في أول النهار، وجاء بعض المسلمين يهنئها بذلك؛ فتبسمت وفرحت كثيراً وقالت: الحمد لله الذي أسعدني بشهادتهم في سبيله.
إنها التربية والله وصدق القائل إذ يقول:
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق
الأم روض إن تعهده الحيا بالري أورق أيما إيراق
وهذه أسماء بنت أبي بكر ﵂ وأرضاها، ذات النطاقين، اللذين جعلهما الله سمةً لها في الجنة، تقول لابنها عبد الله بن الزبير الفارس المسلول، الذي صلب في الحجون بالبطولة، ورفع لا إله إلا الله
علو في الحياة وفي الممات بحق أنت إحدى المعجزات
كأن الناس حولك يوم قاموا وفود نداك أيام الصلات
تقول له -وقد أتى ليستسلم خوفاً من الحجاج بن يوسف الثقفي -: يا بني! اصبر فإنك على الحق.
قال: يا أماه! إني أخاف إذا ذبحوني أن يسلخوني ويقطعوا جسمي.
قالت: يا بني! لا يضر الشاة سلخها بعد ذبحها، فثبت على الحق، ولبس أكفانه ومات شهيداً ﵁ وأرضاه؛ لأن وراءه أم عظيمة.
стр. 7948
حقوق الأبناء على الآباء
وأما حقوق الأبناء على آبائهم فتكمن في اثني عشر حقاً أجملها ثم أفصلها؛ وهي كما يلي:
اختيار الزوجة الصالحة، ثم أدب الاتصال بين الرجل والمرأة، ثم أحكام الولادة وما بعدها، ثم التربية، ثم الإحسان في المعاملة، ثم غرس الإيمان، ثم تعاهد الجيل، ثم المصاحبة، ثم بث روح الإيمان، وهو غرس الإيمان، لكن بالأحكام والمعاملة والسلوك.
والآن نشرع في تفصيلها:
стр. 7949
أحكام الولادة وما بعدها
علمنا رسولنا ﷺ أن إذا ولد لأحدنا مولود أن يؤذن في أذنه اليمنى ويقام في اليسرى، والحديث حسن وهو في السنن، وقد فعل ﷺ هذا مع الحسن والحسين، حيث أذن في أذن أحدهم في اليمنى وأقام في اليسرى.
سبحانك يا رب! يا للحكمة! أول ما يقع رأسه على الأرض يسمع أذان الحق، يسمع الأذان الخالد، يسمع الرسالة المعطاءة، التي أنزلها الله على رسوله ﷺ ، لا يسمعونه لغواً ولا زوراً ولا فحشاً ولا مجوناً، وإنما يدوي في أذنه من أول مرة: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر فتنبت في قلبه وهو رضيع شجرة الإيمان.
قال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٥] إي والله، إنها شجرة (الله أكبر).
زرعنا الله أكبر منذ حين فأنبتنا شباباً خالدينا
ويقيم في الأذن الأخرى لينشأ عابداً مصلياً متوجهاً إلى الله.
وهذه السنة قد أهملت عند كثير من الناس، وربما ينشأ الطفل وقد ردد على لسانه كلام الفحش والمجون والعهر والعياذ بالله؛ لأن اللسان إن لم يقوَّم نقل كلاماً لا يرضي الله، والعقل إن لم يهذب حمل أفكاراً لا ترضي الله، والقلب إن لم يوجه حمل وسوسة ووثنية تغضب الله .
فأنت الأب، وأنت القائم، وأنت الحكيم على ابنك، وأنت المستودع، وأنت المسئول أمام الله، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم:٦].
الأمر الثاني: من السنة أن نعق عن المولود، عن الذكر شاتين وعن الأنثى شاة، فقد جاء في حديث حسن: ﴿عق ﷺ عن الحسن شاتين﴾ وكان ﵊ يعق عن الأنثى، وأمر أن يعق عن الأنثى بكبش واحد.
ومن حكم العقيقة؛ أن يبدأ الأب في البذل والعطاء، ويعلن الفرحة، ويشكر الله على هذه النعمة؛ أن رزقه ولداً، فالابن نعمة من الله؛ خاصة إذا نشأ نجيباً ودوداً حبيباً، والولد ليس بالأمر السهل، والعقم مرض، ولا تصفو لك الحياة إذا كنت عقيماً، وقد شكا بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام العقم إلى الله قال زكريا: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩] اجعل لي وارثاً، لكن ليكن هذا الوارث صالحاً صادقاً مخلصاً منيباً.
فما دام أن الله قد أنعم عليك بنعمة الولد فاشكره ، وادع جيرانك وإخوانك، وأطعمهم طعامك؛ لتعلن نعمة الله وشكرها وليكن أول طريقك مع هذا المولود البذل والكرم والعطاء، لا البخل والجفاف والحبس فهذه من حكم العقيقة، وكل مولود مرتهن بعقيقته حتى يعق عنه.
وكذلك من السنن أن يحلق رأسه، وأن يتصدق بوزنه فضة أو ما يعادلها من المال، وهذا أمر ثبت عنه ﷺ ، وذكره ابن القيم في كتاب تحفة المودود بأحكام المولود، والحكمة في ذلك: تفاؤلاً بأن الله يحط عنه الخطايا، وأن ينشئه عبداً صالحاً، وأن يكون طيباً مقبولاً، ولحكم أخرى قد لا تظهر لنا.
стр. 7950
إحسان الاسم
ومن حقوق الأبناء على آبائهم: إحسان الاسم؛ أن يختار الاسم الشريف، والاسم المطلوب في الإسلام، وفي الحديث الصحيح: ﴿أحب الأسماء إلى الله عبدالله وعبد الرحمن﴾ أما الحديث الذي يقول: ﴿أحب الأسماء إلى الله ما عبد وحمد﴾ فلا يصح، لكن كل اسم فيه لفظ العبودية فهو طيب وحبيب إلى القلوب؛ لأن ابنك يوم أن يتردد في ذهنه هذا الاسم -اسم عبد الله، عبد الرحمن، عبد الوهاب، عبد السلام- يتذكر هذه الصلة بينه وبين الله، والله شرف أنبياءه بالعبودية، فقال لرسوله ﵊: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] وقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [الجن:١٩] وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:١].
ونهى ﷺ أن يتسمى بعض الأسماء: ﴿جاءه رجل فقال: ما اسمك؟ قال: غاوي بن ظالم.
فقال ﷺ : بل أنت راشد بن مقسط﴾ فبدل ﵊ اسم غاوي براشد وظالم بمقسط، تفاؤلاً أن يكون راشداً مقسطاً.
فواجب الأب أن يسمي ابنه اسماً حسناً، يقول ﵊ كما في الحديث الحسن: ﴿أحسنوا أسماءكم وأسماء أبنائكم، فإنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم﴾.
فإذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه؛ نادانا بأسمائنا وأسماء آبائنا، نادانا مع الملايين المملينة والألوف المؤلفة من الشعوب والأمم والمجتمعات: يا فلان ابن فلان ابن فلان من آل فلان، قم إلى الله ليحاسبك ولا يظلمك هذا اليوم أفلا يريد المسلم أن يكون اسمه حسناً؟ ولا يكون اسماً لا معنى له، اسم مستورد من أسماء الخواجات التي لا تدخل في العقول، ولا في اللغة، ولا في الأدب، ولا في المجتمع، أو من الأسماء التي توحي ببعض المجون، أو الظلم، أو الفحش، أو سوء الأدب، فهذه أسماء تقشعر منها الأبدان، وكان يفعلها العرب، وفي سنن أبي داود ﴿أنه ﵊ قال لرجل: قم احلب الناقة، ما اسمك؟ قال: صخر.
قال: اجلس.
ثم قال للثاني: ما اسمك؟ قال: حرب.
قال: اجلس.
ثم قال لثالث: ما اسمك؟ قال: مرة.
قال: اجلس.
قال للرابع: ما اسمك؟ قال: يعيش.
قال: قم فاحلب الناقة﴾ إنه التفاؤل بالأسماء الطيبة، التي تورث الحب والتفاؤل وحسن الطالع
مع الطائر الميمون يا خير مقدم فأهلاً بالمسمى على العهد
стр. 7951
الرضاعة
ومن حقوق الأبناء على الآباء: الرضاعة الحقة التي يريدها الإسلام.
وكثيراً ما يخفق المجتمع الذي نعيش فيه في الرضاعة، إما أن يسند الطفل إلى غير أمه من أول وهلة، فلا يكون له علاقة بأمة، ولو كانت قادرة على الرضاعة، وهذا ينشئ الطفل مبتور الصلة والحنان مع أمه؛ فلا تجده مثل ذلك الابن الذي نشأ على ثدي أمه، يشعر أنها أم وأنها قريبة من قلبه وأنها ذات صلة.
وتجد بعض البيوت يفرط في هذا الجانب، فيستقدم كثيراً من المرضعات، أو كثيراً من الوسائل للرضاعة، ويترك الأم ولو كانت قادرة، وهذا خطأ ظهرت آثاره في التربية على الأطفال، عندما نشأ فيهم العقوق أو الجفاء أو القطيعة مع الأمهات، ينظر إليها وكأنها أمامه حجر، لا يجد صلة، ولا يجد حناناً، ولا عطفاً؛ لأن لبنها ما سرى في شرايينه وعروقه، وهذه حكمة الله ، والله ذكر الرضاعة في القرآن فقال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣].
وكلما تم الرضاع وحسن، كان أحسن وأجود وأمكن، ولا بد من اختيار البيئة التي يرضع فيها الطفل.
ومن حقوق الأبناء على آبائهم: ألا يرضعه كافرة ولا فاجرة ولا حمقاء ولا سيئة التصرف؛ فإن لبنها سوف يكون له أثر في عقله وإرادته وتوجهه، ولذلك رضع رسولنا ﷺ في بادية بني سعد، حيث الصفاء والنقاء والهواء، فنشأ أفصح فصيح من فصحاء العرب، ونشأ أخطب خطيب من خطباء الدنيا، ونشأ ﵊ وهو ذو إرادة حية، وإحساس متحرك وبيان فياض.
والبادية لها أثر -أعني: البادية التي كانت في الجيل الأول- أما باديتنا فالذي يظهر عليها اليوم الجهل والتخلف وفساد المزاج، أما البادية التي نشأ فيها ﷺ فكان لها أعظم الأثر في حياته ﷺ .
تقول عائشة ﵂: ﴿ربما رأيت الرسول ﵊، إذا تهللت أسارير وجهه وأتاه خبر يسره، كأنه البدر ليلة أربعة عشر، فتذكرت قول الشاعر أبي كبير الهذلي:
ومبرأً من كل غبَّر حيضة وفساد مرضعة وداء مغيل
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل
﴾
والسبب: من جودة الرضاعة كان وجهه يبرق، مع ما آتاه الله من الحكمة والقوة، وما آتاه من الجمال، حتى قيل لـ أبي هريرة: أكان وجهه ﷺ كالسيف؟ قال: لا والله، بل كالشمس.
وقال أنس: [[والذي نفسي بيده، لقد نظرت إلى وجه المصطفى ﷺ ، ونظرت إلى البدر ليلة أربعة عشر، ولوجه المصطفى ﷺ أجمل من البدر]] وهذا من جودة إرضاعه ﵊ وقد حذر أهل العلم من رضاع المرأة الحمقاء؛ لأن الطفل ينشأ أحمقاً.
ذكر ابن كثير في ترجمة القاضي شريح -وكان من أذكياء الدنيا-: أن ثلاث نسوة دخلن عليه -وكان ذكياً ومنشأً، ومن أراد أن يعود إلى القصة، فليعد إليها في البداية والنهاية، وكان قاضي الدنيا- فقال قبل أن يتكلمن: أما هذه المرأة فثيب، وأما هذه المرأة فحامل بولد، وأما هذه المرأة فأرضعتها كلبة.
فقيل له بعد أن انتهى من الحكم: ما دلك على ذلك؟ قال: أما الأولى فحامل بالولد؛ لأن صوتها ضعيف، وأما الثانية فثيب؛ لأنها تنظر في وجوه الرجال، وأما الثالثة فأرضعتها كلبة؛ لأن في يديها رجة ورجفة.
فسئلت النسوة فكان كما قال.
وهذا من ذكائه، وهو يعادل ذكاء القاضي إياس، وربما حمل بعض أهل الأدب هذه القصة على القاضي إياس، الذي يقول فيه أبو تمام:
إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس
.
стр. 7952
القدوة والتربية
ومن حقوق الأبناء على الآباء: القدوة.
أن يتقوا الله ، ويكونوا لأبنائهم قدوة صالحة، وهذا في أصل الطفل يوم أن يكون مقلداً، ينظر إلى أبيه ويظن أن ليس في الدنيا مثل أبيه، ولا أحسن من أبيه، ولا أعدل منه، ولا أصدق منه، فهو يقلد حركاته وسكانته وحاله وأقواله وأفعاله، فاتقوا الله -أيها الآباء- في أبنائكم، وكونوا قدوة صالحة
وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه
يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم
وكيف يقول الأب لابنه: كن صادقاً، ثم يخالفه فيكذب؟ الفعل فعل قبيح والقول قول جميل، قال الله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤] نقول للابن: صل في المسجد، ثم لا يرانا نصلي ونحن الآباء! فأي عدل هذا؟ وأي إنصاف؟ إنه ظلم للعقل، وظلم للعلم، وظلم للتربية، وظلم للإحساس نقول للابن: لا تغتب أحداً، اتقِ الله في أعراض المسلمين، ثم لا تفتأ الدقائق تمر إلا ونقع في أعراض الناس بسكاكين من القول الجارح، فأين ذاك القول من هذا الفعل؟
فيا أيها الأبرار الأخيار! إن القدوة أمرها عظيم، ولذلك سوف يلزمك ابنك يوم القيامة، ولا تظن الإسلام أن تقول في الدنيا: نفسي نفسي، إنما ذلك إذا كنت قد عملت صالحاً، ثم برأت نفسك بالتبليغ، أما أن تقول: أنا لي حسناتي وعلي سيئاتي، وأبنائي عليهم ما عليهم وأنا شأني شأن وشأنهم شأن، فهذا ليس في الإسلام.
يقول أبو بكر ﵁ وأرضاه على المنبر -كما في الترمذي بإسناد حسن، وعند أحمد بسند صحيح-: ﴿يا أيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية وتحملونها على غير محملها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] وإني سمعت الرسول ﵊ يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر ثم لم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده﴾.
أنصلح في أنفسنا وأبناؤنا لا يصلحون؟! أنتهجد بالقرآن وأبناؤنا في المقاهي والملاهي؟! أنتلوا الآيات البينات وأبناؤنا يرددون ما يغضب الله ؟! أندرس كتب العلم المقومة الراشدة وأبناؤنا مع المجلة الخليعة ومع القول السخيف؟! ففي أي المبادئ هذا؟ إن هذا ضرر القدوة يوم أن كانت سيئة، فنشأ الطفل مقلداً لأبيه في السوء، فلما أراد الأب أن يوجه ابنه بعدما أخذ منه التقليد رفض الابن؛ لأنها غرست في قلبه هذه الأمور، فأصبحت راسخات راسيات.
стр. 7953
الأمر بالصلاة
ومن حقوق الأبناء على آبائهم: أمرهم بالصلاة في السابعة، وضربهم عليها في العاشرة، والتفريق بينهم في المضاجع.
ففي مسند الإمام أحمد والسنن بسند صحيح، قوله ﵊: ﴿مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع﴾ فإذا بلغ الطفل السابعة، فعليك أن تأمره أمراً بالصلاة، لكن لا تضربه في هذا السن، إنما تقول له: صل هداك الله.
وتأخذ بيده، وتعلمه طريق المسجد، وتقوده إلى حلق الذكر، وتحببه بأهل الخير والجلوس في مجالس الخير، فإذا بلغ العاشرة ولم يصل فاضربه ضرب مؤدب، وناصح، ورشيد، يريد له الخير مثلما يريده لنفسه.
﴿وفرقوا بينهم في المضاجع﴾ يا لحكمة هذا الدين! ويا لقوته! ويا لشموله وعدله! يلاحظ الأطفال والنشء والجيل وهم في المضاجع، ويقول: حرام أن يتضاجعوا في مكان واحد، ففرقوا بينهم في المضاجع إذا بلغوا العاشرة من عمرهم، الذكر لا ينام في فراش الذكر، ولا الأنثى في فراش الأنثى، ولا الذكر في فراش الأنثى، ولا بأس بنومهم في غرفة واحدة، ولكن بشرط أن يفرق بينهم في المضاجع.
هذا هو الدين الذي أتى به محمد ﵊، فلاحظ العبد في كل شأن من شئونه، الدقيقة والجليلة، حتى لا يحتاج إلى دين آخر، ونحن نقولها بقوة وبصراحة وعمق وشجاعة وتحدِّ: لسنا بحاجة إلى تربية أو إلى تعاليم مستوردة، ففي ديننا وكتابنا وسنة نبينا ﷺ الكفاية كل الكافية، ومن لم يستكف بدين الله فلا كفاه الله، ومن لم يستهد بهدى الله فلا هداه الله يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: من اعتقد أنه سيهتدي بهدى غير هدى الله، الذي أرسل به محمداً ﷺ ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً، ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.
стр. 7954
تعليمهم العلم النافع
ومن حقوق الأبناء على آبائهم: تعليمهم العلم النافع.
علم قال الله وقال رسوله ﷺ ، العلم الذي أتى من فوق سبع سماوات، وليس العلم الرخيص الدخيل السخيف، الذي أتانا من أعداء البشرية قتلة الإنسان الذين:
قالوا هم البشر الأعلى وما أكلوا شيئاً كما أكلوا الإنسان أو شربوا
لكن المقصود هو العلم الموروث عن معلم الخير ﷺ ، وتعليم الجيل من أعظم الخصال الواجبة في الإسلام.
والإسلام لا يعترف بالجهل ولا بالدروشة، فلا نزهد أبناءنا في العلم، بحجة أنه مضن وأن طريقه طويل وشاق، فهذا من سوء الإرادة.
صحيح أنه إذا كان عند الابن أو البنت من العلم ما تقوم به شئون دينه ودنياه، فلا بأس أن يكون له مجال في الحياة، كأن يبذل سبله في الصناعة، أو في التجارة، أو في البذل والعطاء، أو في الزراعة، أو في أي ناحية من نواحي الحياة، فكلٌّ ميسر لما خلق له، لكن ليكن عنده علم تقوم به عبادته ومعاملته مع الله .
فلا بد من تعليمه العلم النافع، وغرس الفضيلة في قلبه، ولذلك كان ﵊ يحرص على هذا، فهذا ابن عباس ﵄ وأرضاهما، وهو شاب في العاشرة من عمره، يدخل مع الرسول ﷺ ليلة من الليالي بعد صلاة العشاء، فيقوم الرسول ﷺ ليصلي في الليل، وابن عباس معه، فيحضر ماءً للرسول ﷺ ، فيقول الرسول ﷺ : ﴿من وضع لي هذا الماء؟ ثم يقول -ويعلم أنه ابن عباس -: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل﴾.
فكانت دعوة من أعظم الدعوات المباركة في حياة ابن عباس، فلم يدع له بالتمكين في الأرض، ولا بالطول في الجسم ولا بالعرض، وإنما دعا له أن يكون فقيهاً مفقهاً معلماً مفهماً، وأن يعلمه الله تأويل كتابه.
ولذلك يقول ﵊ كما في الصحيحين من حديث معاوية ﵁: ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾.
والله قد قسَّم العلم في القرآن إلى قسمين: ضار ونافع، قال الله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة:١٠٢] ويقول الله عن أحد الذين تعلموا العلم، ولم ينفعهم، وهو بلعام بن باعوراء الحبر اليهودي: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦].
والله يقول لبني إسرائيل، وقد حملوا علماً لكن ما استفادوا منه، وما كان له أثر في معتقدهم، وعبادتهم، وسلوكهم، يقول الله عنهم: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥] وقال فيهم: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣].
فالعلم النافع هو الذي يورث خشية الله في القلب، والعلم النافع هو الذي ينشئ طفلاً يحب المسجد، ويحب القرآن والعلم، والعلم النافع هو الذي ينشئ الشاب عابداً لله، يتقي الله ويخاف الله ويريد ما عند الله قال الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
وفرق بين علم وعلم، يقول : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ﴾ [الروم:٥٦] فتحفَّظت الآية بقوله (الإيمان) من علم لا ينفع، وكان ﵊ يقول: ﴿اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع﴾.
لأنه ليس كل علم نافعاً، ولذلك كان ﵊ يربي الناس على العلم النافع، الذي يريده الله .
стр. 7955
مصاحبة الولد وغرس الفضيلة في نفسه
من حقوق الأبناء على الآباء: مصاحبته وغرس الفضيلة والثقة في نفسه.
فلا يكون مسلوب الإرادة، ولا مسلوب الهمة والمكانة، وكثير من الآباء يخطئون في هذا الجانب، فيربون أبناءهم بالسوط والقسر والقوة والعنف؛ فينشأ الابن وقد سلبت إرادته وقوته ومكانته، فينشأ مهزوز الإرادة، لا كلمة له ولا حق ولا قدم.
وهذا عنف لا يورث إلا عنفاً، ولذلك وصف الله رسوله ﵊ بالحكمة وباللين، فقال له: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ويقول : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ويوم ساءت هذه التربية في كثير من البيوت؛ نشأ الطفل على أحد شقين أو قسمين: إما عاق لأبيه، مكابر، شاق للعصا، وقاطع للحبل بينه وبين أبيه؛ بسبب العنف والجفاء والسلطة التي ما أنزل الله بها من سلطان، وإما أن ينشأ الطفل ذليلاً مخبتاً، لا مكانة له ولا شجاعة ولا إرادة.
وهذا خطأ وقع فيه كثير من الآباء.
جاء في الطبراني: أن رجلاً أتى الرسول ﷺ فقال: ﴿يا رسول الله! ابني ربيته، سهرت لينام، وظمئت ليروى، وجعت ليشبع، فلما كبر تغمط حقي، ولوى يدي.
قال ﵊: هل قلت في ذلك شعراً؟ فأخذ الرجل يبكي ويقول: نعم يا رسول الله.
قال: وماذا قلت؟ قال: قلت لابني:
غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً تعل بما أجري عليك وتنهل
إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا باكياً أتململ
كأني أنا الملدوغ دونك بالذي لدغت به دوني فعيني تهمل
فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما كنت فيك أؤمل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل
﴾
وإذا كان الأب جافياً مع أبيه، أو عاقاً لوالديه، فإن الجزاء من جنس العمل.
стр. 7956
حفظ الولد من رفقاء السوء
ومن حقوق الأبناء على الآباء: إبعادهم عن رفقة السوء وأهل الفساد.
يقول الله تعالى عن الرفقة الصالحة: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] وكل صحبة وصلة وصداقة تتقطع وتتلاشى وتنهار إلا صلة الذين يريدون الله والدار الآخرة.
قال ابن عمر ﵄: [[والله لو صمت النهار لا أفطره، وقمت الليل لا أنامه، وأنفقت أموالي غلقاً غلقاً في سبيل الله، ثم لقيت الله لا أحب أهل الطاعة ولا أبغض أهل المعصية؛ لخشيت أن يكبني الله على وجهي في النار]].
أورد هذا الأثر الغزالي في الإحياء، ولذلك يقول الشافعي، وهو يتحدث عن نفسه بتواضع في أبيات:
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
ولكن والله هو منهم، ويرد عليه الإمام أحمد فيقول:
تحب الصالحين وأنت منهم ومنكم قد تناولنا الشفاعة
والشافعي قرشي هاشمي ولكنه لم يركن إلى نسبه فقال:
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
يقول: أنا سيئ -تواضعاً لله- لكن من خيرة الله لي أني أحب الصالحين ولست منهم؛ لعلي أن أنال بهم شفاعة، لأنه في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ﴿المرء يحشر مع من أحب﴾ فإن أحببت الصالحين، وعملت بعملهم، حشرت معهم، والعكس بالعكس
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواءً في البضاعة
يقول: ولو كنت عاصياً لكنني أكره العصاة ولا أصاحبهم
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
كيف يكون الإنسان صالحاً وهو يرافق رفقة السوء؟ يقول أهل العلم: ما كان أفسد على أبي طالب من صحبة السوء، أراد ﷺ أن يقول أبو طالب لا إله إلا الله.
فقال: ﴿يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أشفع بها لك عند الله﴾ فأراد أن يتلفظ بها، وأراد أن ينجو من النار والدمار والعار والشنار، وأن يدخل في رحمة الواحد الغفار، فقال له أبو جهل: كيف ترغب عن ملة آبائك وأجدادك؟ فأتى هذا الجليس السيئ، فرده في نار تلظى فمات كافرا مشركاً بسبب رفقاء السوء.
ورفقة السوء انتشروا كثيراً، وهم أعدى من الجرب، فالجرباء عند أهل العقول تعدي الصحيحة، وما سمعنا أن الصحيحة تعدي الجرباء، حتى تكون صحيحة.
فمن الحكم والمصالح والواجبات على الآباء: أن يتقوا الله في الأبناء، وأن يجنبوهم رفقة السوء بكل وسيلة ممكنة.
стр. 7957
شغل أوقات الفراغ بما ينفع
ومن حقوق الأبناء على الآباء: شغل أوقات الفراغ بما ينفع.
يقول الله تَعَالَى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] كثير من الأبناء الآن يشكون الفراغ، تجد أحدهم في العطلة الصيفية يقول: عندي فراغ.
سبحان الله! مسلم وعندك فراغ؟! طالب علم وعندك فراغ؟! ألست من الأمة الخالدة التي ما عرفت الفراغ، ولا عرفت ضياع الوقت؟! كيف يكون عندك فراغ وعليك مسئولية وأمانة وحمل ثقيل؟
جاء في صحيح البخاري عنه ﷺ أنه قال: ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ﴾ ويوم أن عرف الجيل الفراغ نشأ معوجاً، لا يعرف الرسالة، ولا يحمل مبدأً ولا مسئوليةً، لأننا أوجدناه ليكون فارغاً، وما أدركنا أن السلف الصالح ما عرفوا الفراغ أما كان ﷺ أوقاته كلها معمورة بذكر الله؟.
ذكروا عن أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي -العالم الكبير الشهير، الذي ألف كتاب الفنون، وهو يوجد في مكتبة بون في ألمانيا في ثمانمائة مجلد- أنه من شدة حفظه للوقت كان إذا أتى لينام كتب الصفحات والأفكار التي تهديها بنات أفكاره إليه، فإذا استيقظ كتب الأفكار التي ربما تمر به، فألف من وقت الفراغ ثمانمائة مجلد.
وذكر عنه صاحب طبقات الحنابلة - ابن رجب - أنه قال: ربما أكلت الثريد ولا آكل الفتيت؛ لأن بينهما في الوقت مقدار قراءة خمسين آية.
أي وقت هذا؟!
نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجة من عاش لا تنقضي
تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقي
يتكلم دايل كارنيجى الأمريكي في كتاب: دع القلق وابدأ الحياة، عن الأمريكان، ويمدحهم ويقول: لا يعرفون الفراغ.
وقد صدقنا وهو كذوب! صدقنا في هذه القضية، ولو كان كاذباً دائماً، فإن مصانعهم تهدر، وإن معاملهم تعمل، يقول الله عنهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] يقرءون وينتجون ويقدمون ويخدمون ويفعلون، أما أبناء المسلمين -إلا من رحم الله- فتجدهم يشكون من الفراغ، خاصة في العطل الصيفية، حتى إنه تقدم اقتراحات: ما هي هوايتك؟ أللمسلم هواية إلا إرضاء الله ؟! هوايتك حمل الرسالة هوايتك نشر لا إله إلا الله هوايتك أن تضع هذا الرأس الذي خلقه الله على التراب ساجداً لله.
أما هواية جمع الطوابع، ومطاردة الحمام والدجاج، وركوب الخيل والسباحة! فهذه إنما هي في بلاد كانت، وديكارت، أما بلاد محمد ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي فلا إنما هوايتنا المحافظة على الصلوات الخمس هوايتنا حفظ القرآن العظيم هوايتنا أن نعيش مع المكتبة الإسلامية هوايتنا أن نقول للشعوب وللدنيا: نحن المنقذون بإذن الله، نحن الذين تهدوا بنا
نحن الذين استيقظت بأذانهم دنيا الخليقة من تهاويل الكرى
فمن الذي باع الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شيء فاشترى
ومن الألى دكوا بعزم أكفهم باب المدينة يوم غزوة خيبرا
ما عرفنا جمع الطوابع إلا يوم أن تركنا الطريق إلى المسجد، وما عرفنا مطاردة الحمام والدجاج إلا يوم أن تركنا الجلوس في حلق العلم، وفي حلق المربين الناصحين والعلماء المسددين، وإلا فإنا إذا وصلنا إلى هذه الدرجة؛ فقل على الأمة السلام، ولكن -بحمد الله- هناك بقية خير، وهناك آباء فضلاء نبلاء حكماء، يعلمون أن الله استودعهم البيوت.
وهل من الصحيح أن يُترك البيت فارغاً بلا توجيه، يغلب عليه الفراغ والوسوسة، وكل رأي وكل مجلة خليعة، وكل صدى فاجر لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر؟ ليس ذلك من الصحيح فهذه الحقوق لابد أن تكون معروفة.
стр. 7958
معرفة ميول الأبناء
ومن حقوق الأبناء على الآباء: معرفة ميله واتجاهه العلمي والوظيفي.
كلٌّ ميسر لما خلق له ذكر ذلك ابن القيم ﵀ في آخر كتابه: تحفة المودود في أحكام المولود، قال: لا يعتب على الشاب بعد أن يكبر، فأنت أيها الأب لا ترغمه على تخصص لا يريده، وعلى طريق لا يحبه، إذا أصبح عاقلاً رشيداً فاهماً عارفاً بمستقبله، فأنت لا تقترح عليه أي تخصص ولا أي طريق، إذا كان هذا الطريق الذي ينحوه طريقاً يرضي الله.
وكثير من الآباء يقع في هذا، فهو يريد من ابنه أن يكون مفتياً، وابنه نفسيته وعقليته واتجاهه وتكوينه وتخصصه أن يكون مهندساً، ويريد الأب أن يكون ابنه تاجراً، والابن يريد أن يكون مفتياً؛ فيكون فيه اعوجاج في العلم، ويحدث من ذلك رسوب في السنوات، وتدهور وفشل في الدراسة وفي التحصيل العلمي.
لماذا؟ لأن الابن ما تُرك وإرادته، والرسول ﵊ يقول: ﴿كل ميسر لما خلق له﴾.
وقد علم ﷺ الصحابة التخصصات، وفتح لهم الأبواب والثغرات، فأتى حسان بن ثابت فما قال له ﷺ : كن مفتياً، ولا كن مفسراً، ولا كن محدثاً، لكن قرأ عقليته وتخصصه؛ فوجده شاعراً فقال: أنت شاعر الإسلام وادخل الجنة من باب الشعر والأدب؛ فكان شاعر الدعوة.
وأتى إلى أبي بن كعب فوجده مقرئاً وتالياً، فقال: ﴿وأقرؤكم أبي﴾ أو كما يروى عنه ﷺ .
وأتى إلى زيد بن ثابت فوجده فرضياً، فعلمه الفرائض، وأتى إلى خالد بن الوليد، فوجده مجاهداً صنديداً أبياً وقائداً فذاً، فأعطاه السيف وقال: ﴿خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سلَّه الله على المشركين﴾.
فهذه التخصصات لابد أن نؤمن بها، نؤمن بها في بيوتنا ومجتمعاتنا؛ لينشأ أبناؤنا على رغباتهم إذا كانت ترضي الله.
هذه حقوق أردت -باختصار- أن أقدمها في هذه الليلة المباركة، التي أسأل الله أن تكون في ميزان الحسنات، وأن ينفع بما أقول من الكلام، ولا أريد الإطالة، فإن آخر الكلام ينسي أوله، بل أتم الشكر لله ، ثم أشكر أهل الفضل ثانياً، وأشكركم على حضوركم وإصغائكم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 7959
اختيار الزوجة الصالحة
ما هي مواصفات الزوجة الصالحة يا عباد الله؟ وما هي مؤهلات المرأة الصالحة في الإسلام؟
أهو الجمال؟ فإنه مطلب فارس، أهو المال؟ فإنه مطلب اليهود، أهو الحسب؟ فإنه مطلب الرومان، أهو الدين؟ فإنه هو مطلب الإسلام.
يقول ﵊ كما في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁: ﴿تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك﴾ فالدين هو كل شيء في المرأة، ولا يعني كلامنا هذا؛ أن نعفي الرجال من مسئولية البحث عن الجمال، أو طلب الحسب، أو المال، لكن ينبغي ألا يكون هذا على حساب الدين، وإلا فسيكون غير موفق في اختياره، فلا بد أن يجعل الدين هو الأصل وما بقي تبع له ونحن نؤمن أن الجمال مطلوب وكذلك الحسب مطلوب، وأن المال لا بأس بطلبه خالصاً وحلالاً، لكن يقول الله سبحانه تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١] فاظفر بذات الدين تربت يداك.
ويوم أُسيءَ الاختيار في بعض الأماكن؛ نشأ الجيل معوجاً، وأتى الطفل راضعاً من أم جاهلة أو ليست مستقيمة، أو أم فيها حمق، لأن الاختيار كان عن عدم تقدير وحكمة.
فأول مسئوليات الآباء: اختيار الزوجة الصالحة، التي تريد الله والدار والآخرة، ولا عبرة -والله- بالمرأة التي لا تريد الله، ولا تعمل بكتاب الله ولا بسنة الرسول ﷺ ولو كانت في أي بيت أما عذب الله امرأة نوح؟ أما عاتب ولام وندد بامرأة لوط؟ ولكنه مدح امرأة فرعون، ففي بيت فرعون تنشأ امرأة مسلمة مؤمنة، وفي بيت النبوة تنشأ امرأة فاجرة كافرة، فسبحانك يا رب!
فاختيار الزوجة أمر لابد منه، وهو أمر إذا وفق الله العبد إليه كان من أعظم ما ييسر تربية الأبناء فيما سوف يقبل من الزمن.
стр. 7960
أدب الاتصال
يقول : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨].
إن اتصال الرجل بالمرأة في الإسلام أمر شريف، ليس كما ادعاه أعداء البشرية، كـ لينين وماركس وديكارت وكانت في كتبهم يوم قالوا: شهوة جامحة تفضى في المرأة سبحان الله! بل إنه لحكمة، لعمار الأرض، ولوجود الذرية الذين يحملون الرسالة فمن الأم ينشأ العلماء، والعباد، والزهاد، والحكماء، والأغنياء، والسادة، والقادة، وصانعو المجد، فأين ذهبت هذه الحكمة عن تلك العقول والأدمغة التي ما عرفت الطريق إلى الله؟!.
وحكمة التقاء الرجل بالمرأة أمر شريف يطلب فيه وجه الله، ولذلك قال البخاري في الصحيح: باب طلب الولد للجهاد في سبيل الله.
وأورد حديث المصطفى ﵊ -وقد شاركه مسلم في إخراجه- يوم يقول ﵊ في حديث أبي هريرة: ﴿قال سليمان ﵇: لأطوفن الليلة على مائة امرأة كلهن يلدن مجاهداً في سبيل الله﴾ كل المائة يلدن بعد الحمل مجاهداً في سبيل الله، ولكن نسي ﵇ أن يقول: إن شاء الله؛ فما ولدت إلا امرأة واحدة بشق رجل، قال ﵊: ﴿والذي نفسي بيده! لو قال إن شاء الله؛ لولدن كلهن فرساناً أو مجاهدين يجاهدون في سبيل الله، ولكان ذلك دركاً لحاجته﴾.
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال ﵊: ﴿لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، ثم رزق مولوداً لم يضره شيطان أبداً﴾ باسم الله في أمورنا، وباسم الله نبدأ، وباسم الله نتصل، وباسم الله نربي، وباسم الله ننشئ جيلاً، وباسم الله نكون دعاة مخلصين، وحكماء وعلماء وفقهاء، فبدايتنا باسم الله، ونهايتنا باسم الله.
стр. 7961
الأسئلة
стр. 7962
السباحة والسباق
السؤال
ذكرت هواية السباحة على طريق الإزراء، مع أنها وردت في السنة فكيف ذلك؟
الجواب
يذكرني الأخ بأني ذكرت في غضون حديثي، بما يفهم الإزراء بمن قال هوايته السباحة، وإلا فإنها واردة في الإسلام، وقد حث عليها ﷺ ، لكن مقصودي: أن تكون رسالة المسلم في الحياة هذه الهواية، وأن تكون ليله ونهاره وديدنه، فهذا ليس بمطلوب، وإنما يتعلمها لتكون له وسيلة، فإن السباحة والرماية وركوب الخيل علمها ﷺ أجيال الصحابة، ودعا ﷺ إلى معرفتها، بل جاء في صحيح البخاري: أنه ﷺ سابق بين الخيل، وحضر المسابقة ﷺ ، وشهد مراسيمها، ورأى أبطال جيله وهم يتسابقون على الخيل المضمرة والخيل التي لم تضمر.
فجزاه الله خيراً.
стр. 7963
كتب تعين على التربية
السؤال
هل لك أن تدلنا على كتب تساعد في تربية الأبناء؟
الجواب
من أعظمها وأجلها، وهذا الذي أجمع عليه عقلاء المسلمين وعلماؤهم: كتاب الله الخالد، أن يكون أول ما يربى عليه الطفل هو القرآن الكريم، وأن يحفظ منه ما يستطيع، وأن يتدبره آناء الليل وأطراف النهار.
ثم كتب الحديث: -السنة النبوية- وبالخصوص رياض الصالحين، ذلك الكتاب الرحب النافع المفيد، وكتب الأذكار خاصة ما حقق منها ونقح، ومنها: كتاب تربية الأولاد للشيخ علوان، وحبذا لو حققت وخرجت بعض أحاديثه فهو من أحسن الكتب، إلى غير ذلك من الرسائل النافعة والمفيدة والمبصرة.
стр. 7964
لعب الأطفال
السؤال
مسألة حقوق الأطفال في اللعب، ماذا تقولون فيها؟
الجواب
لا بأس بها، فإن الرسول ﷺ داعب، وإنما أذكره ﷺ لأنه القدوة والمعلم، والذي على قوله وفعله وحاله تعرض الأقوال والأفعال والأحوال، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] فقد جاء في صحيح البخاري: أن أخا أنس أبا عمير كان له نغر يلعب به، فمات هذا النغر -طائر أتى به من ناحية من نواحي المدينة فقص ريشه وأتى يلعب به- فمات الطائر، فأتى ﷺ يعزي هذا الطفل في هذه المصيبة الكبرى؛ ليشاركه أحداثه وأحاسيسه ومآسيه وقال: ﴿يا أبا عمير! ما فعل النغير؟﴾.
فاللعب لا بأس به، بشرط ألاَّ يشغل الطفل عن صلاته، أو عن شيء يستثمر فيه وقته، إلا أن يكون له وقت وفسحة ونزهة فلا بأس بذلك، وقد دل عليه القرآن الكريم في سورة يوسف، كما قال الله: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف:١٢] فدل على أن لعب الأطفال كان موجوداً، وحتى أبناء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لعبوا.
стр. 7965
الأئمة الأربعة
السؤال
الذي نعرفه أن الأئمة المعتمد عليهم أربعة: الإمام أحمد بن حنبل، والإمام الشافعي، والإمام مالك، والإمام أبو حنيفة.
إلا أن هناك بعض الفقهاء يقولون: إن المذاهب ثمانية عشر.
الرجاء توضيح: هل هناك فارق بين الأئمة في الفقه والتوحيد أم ماذا؟
الجواب
تخصيص الأئمة بأن يكونوا أربعة أو أن الأمة أجمعت على هؤلاء الأربعة رد على ذلك ابن القيم في إعلام الموقعين، فلم يذكر الله في كتابه أنهم أربعة، ولا الرسول ﵊، بل أئمة الإسلام أكثر من ذلك، لكن الذين اشتهروا بالفقه والتأصيل في الفروع هؤلاء الأربعة، ومنهم من زاد داود الظاهري معهم وابن حزم والأوزاعي وسفيان الثوري، لكن تحديد العلم والفقه في هؤلاء الأربعة ليس بصحيح.
يقول ابن القيم: ليس بصحيح، ومن خصص هؤلاء الأربعة أو أعين هؤلاء وأنفس هؤلاء، لكن هؤلاء أجل من يُنقل عنه الفرعيات، أو التأصيل في الفروع، وإذا سمعت مقالة لغيرهم وأتى بدليل فلك أن تذهب إلى مذهب ذاك الرجل؛ لأن العلم ليس حظراً على أحد، فإذا تكلم الأوزاعي وأتى بدليل أخذناه على العين وعلى الرأس، وسفيان الثوري أحد الأئمة الذين لهم قدم صدق في الإسلام.
أما أنهم ثمانية عشر، فلا أعرف إلا أن عند الشيعة اثنا عشر مذهباً، فالأئمة عندهم هم اثنا عشر، يقولون: لكل إمام مقالة.
أما نحن في الإسلام فأئمتنا كثير والحمد لله، ليسوا بأربعة ولا ستة ولا عشرة ولا ثمانية عشر، كل من اتقى الله وصبر وحصل على اليقين فهو إمام في الدين، قيل لـ ابن تيمية: بم تحصل الإمامة في الدين؟ قال: بالصبر واليقين.
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤].
стр. 7966
التشبه بالكفار
السؤال
ما نصيحتكم للآباء الذين تركوا لأبنائهم حرية تقليد الكافر، وهل هذا صحيح وله أصل؟
الجواب
الرسول ﷺ صح عنه عند أبي داود وفي مسند أحمد أنه قال: ﴿من تشبه بقوم فهو منهم﴾ فالتشبه بقوم في قول أو فعل أتى به الكافر وليس في ديننا، فهو تنقص لدين الله ، وهذا خطر وقع فيه كثير من المسلمين سامحهم الله، يوم أن تركوا لأبنائهم هذا، حتى إن بعض الآباء يتشرف أن يتكلم ابنه وهو طفل، أو يفصح على اللغة الإنجليزية، ونحن لا نقول: هذا حرام، بل ربما تكون من الضرورات إذا وصل بنا الحاجة إلى تعلمها، ولكن أن ننشئ الطفل عليها، وهو لا يعرف اللغة العربية، ولا يتكلم بها، ولا يحفظ شيئاً من القرآن، فلا يجوز، يقول ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: من داوم على لغة غير اللغة العربية، وجعلها حديثه واهتم بها أكثر من العربية، فهي من علامات النفاق.
فكثير من الآباء يتمدح بين الناس أن ابنه أصبح ينطق الانجليزية بجدارة، وهذا ليس بحرام لكن لابد أن يُعلم اللغة العربية، فأشرف لغة في الأرض؛ لغة القرآن، اللغة التي جعلها الله أحسن لغة، بحمل هذه الرسالة الخالدة.
стр. 7967
من أحكام العقيقة
السؤال
هل هناك وقت لذبح العقيقة للولد مثلاً بعد أسبوع؟ وماذا لو تأخر في ذبحها بعد شهر؟ وهل يتصدق بها أو يدعو عليها الأقارب والأصدقاء؟
الجواب
هذه المسألة بحثها ابن القيم في كتاب: تحفة المودود في أحكام المولود، والسنة في ذلك أن تكون في اليوم السابع، فإذا لم يكن في اليوم السابع ففي اليوم الرابع عشر، فإذا لم يكن في اليوم الرابع عشر ففي اليوم الواحد والعشرين، وإذا زاد فلك أن تعق عنه، وهذا قول لبعض أهل العلم، حتى لو كان الابن كبيراً، أما إذا مات الابن فيفتح الله ويسهل، لا تلحق العقيقة موت الابن، يكفيك حزن ابنك عن خسارة هذه الذبيحة.
وأما مسألة: هل يتصدق بها أو يدعو إليها؟ فقد بحثها ابن القيم وقال: الدعوة عليها أفضل من توزيعها على الناس، لأنك تريح الناس من مؤنة الطبخ، فدعوتك للناس أفضل وأولى وورد أنه ﷺ نهى أن يكسر عظم الذبيحة، وإنما يفصل من المفاصل؛ تفاؤلاً ألا يكسر عظم هذا المولود.
هذا من السنة.
أما إذا وجد أن المجاورين المحتاجين يكونون بحاجة أحوج ممن يدعى إليها، فهل هذا أحسن؟
فنقول: أنت أبصر، وهذه المسألة فيها سعة، وإنما ذكرت كلام ابن القيم أن يدعى إليها لأجل مئونة الطبخ.
وإن رأيت أن توزيعها أفضل وأولى، فالمسألة فيها سعة، فافعل ذلك مأجوراً مشكوراً.
стр. 7968
حكم الاستفادة من تجارب الكفار
السؤال
ما رأيك في قراءة كتب عن القادة العسكريين، مثل هتلر وغيره؛ لأخذ الفكرة في حروبهم؟
الجواب
ورد عن علي ﵁ وأرضاه أنه قال: [[الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق الناس بها]].
وبعض المحدثين يرفع هذا الحديث إلى الرسول ﷺ ، ونحن لا نسد آذاننا وعيوننا ونقول: لا نقبل إلا ما أتى من هنا نعم عندنا كل خير وعندنا ما يكفينا، لكن لا بأس من الاستفادة من تجارب الناس، وفي صحيح البخاري: أن الشيطان علم أبا هريرة آية الكرسي كل ليلة؛ فقال ﵊: ﴿صدقك وهو كذوب﴾ فلا بأس أن نأخذ من تجاربهم ما نستفيد منه؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنى وجدها.
стр. 7969
اختيار الزوجة
السؤال
بعض الآباء يجبرون أبناءهم على الزواج من الأقارب بدون أخذ الرأي، فما تعليقكم؟
الجواب
هذا خطأ، وللابن حق أن يستشار في الزواج؛ لأنه هو صاحب الزوجة وهو الزوج، وهذا أورث كثيراً من المفاسد في المجتمع، منها: كثرة الطلاق يوم أن يجبر الشاب على بنت لا يرغبها، ولا يجد في نفسه ميلاً لها، فيقع بعد فترة أحداث الطلاق الذي يبغضه الله .
فنصيحتي أن يستشار الابن، وأن ينظر إلى مخطوبته قبل الزواج، وألا يقدم إلا على امرأة يرتضيها ويحبها؛ ليسدد في زواجه، ولئلا تتكرر هذه الأخطاء في المجتمع.
هذا؛ وفي الختام أشكركم، وأصلي وأسلم على الرسول الهادي ﷺ .
والحمد لله رب العالمين.
стр. 7970
إليكم يا شباب الصحوة !
إليكم يا شباب الصحوة! موضوع شيق يتطرق فيه الشيخ إلى موضوعات عدة منها: الإيمان وأثره في حياة الشاب المسلم، وتعبد الشباب لله في طلب العلم، وحال المسلمين وواقعهم والمفارقات العجيبة في ذلك.
стр. 7971
دور الإيمان في حياة الشاب المؤمن
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خِلفة لمن أراد أن يذكّر أو أراد شكوراً؛ والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجًا منيراً بلَّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، رفع الله به رءوسنا وكانت مخفوضة، وشرح به صدورنا وكانت ضيقة، وأسمع به آذاننا وكانت صمَّاء، وبصَّر به عيوننا وكانت عمياء، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها الإخوة الفضلاء أيها الجيل النجيب أيها الأحباب الأبرار.
إن كان لي شكر، فإني أتوجه بالشكر إلى الله ﵎ على توفيقه، وعلى أن جمعنا بهذه الوجوه الساجدة لله، الباسمة المتوضئة المستنيرة بنورِ الإيمان؛ ثم أشكر القائمين على هذا الصرح العلمي الفذ مديراً وأساتذةً وطلاباً.
أيها الإخوة: إن حديثنا هذا اليوم ليس بجديد عليكم وليس بغريب؛ ولكنه ذكرى، فإننا نتحدث مع جيلٍ آمن بالله ورضي به رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً.
أيها الإخوة الفضلاء: إنني أتحدث مع مؤمنين رضوا بهذا الإسلام جلباباً وثوباً وستراً وهدايةً وتشريعاً ومنهجاً.
إنني أتحدث مع أُناسٍ أتوا من أصلابٍ مؤمنة، ووقعوا في أرضٍ مؤمنة، واستظلوا بسماءٍ مؤمنة.
إنني أتحدث مع طلبةٍ ليسوا بغريبين عن الإسلام ولا غريبين عن الإيمان؛ إنهم في بقعةٍ مؤمنة، وفي دارٍ مؤمنة أستاذتهم مؤمنون، وآباؤهم مؤمنون، وأمهاتهم مؤمنات.
حديثي إليكم -أيها الإخوة الفضلاء- عن دور الإيمان في عبودية الجوارح.
فما معنى الإيمان؟ وما معنى أن نكون مؤمنين؟
إن أمةً بلا إيمان قطيعٌ من البهائم، ومدرسة بلا إيمان مدرسة متهدمة خاوية، وقلب بلا إيمان كتلة من لحم ميتة، وأستاذٌ بلا إيمان جثمان هامد لا حراك فيه، وكتاب بلا إيمان أوراق مصففة، وخطبة بلا إيمان كلام ملفق.
فما هو الإيمان؟
يقول الله : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢].
فقبل أن يأتينا الإيمان يا معشر الأمة العربية -لا نقولها قومية ولكن الأصالة العربية في الإسلام- قبل أن يأتينا الإيمان كنا رعاة إبل وشاةٍ لا نفهم، ولا نفقه، فلا حضارة ولا تاريخ، ولا ثقافة، فلما بعث الله فينا هذا الرسول ﵊ ابتُعثنا من جديد، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢].
ولما حُصِرَ مفهوم الإيمان في مسائل ضيقة أصبح الجيل كما ترون إلا من رحم الله.
قالوا: الإيمان معناه أن تصلي صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، وأن تغتسل من الجنابة، وأن تتوضأ، والإيمان أن تضحي يوم الأضحى وأن تحج وأن تعتمر، ثم تُرك السلوك، وتركت الأدبيات لشخصيةِ المسلم، وتُرِكَ البيت، وتُرِكَ السمع والبصر لا دخل للإيمان فيه؛ وإلا فما تأثير الإيمان إذا كان طقوساً تعبدية فحسب!
فما وُجِدَت الأغنية الماجنة في المجتمع المسلم، وطُرِدَ بعده القرآن من البيت، إلا يوم خرج الإيمان من القلوب.
وما دخلت المجلة الخليعة في البيوت، إلا يوم استُخْفِي الإيمان من القلوب، وما دُمتَ مع رفقة السوء وتتعاطى السجائر في الجلسات، وقضيت الليالي الحمراء في السهرات، وكثرت الذهبات والجيئات فيما يغضب رب الأرض والسماوات؛ إلا يوم قضي الإيمان.
وما أسبلت الثياب -وما أتيت اليوم لأتحدث عن إسبال الثوب؛ جزئية من جزئيات- إلا لما أخفي الإيمان من القلوب، وما خولفت سنته ﷺ إلا يوم ضعف الإيمان في القلب.
وإذا أتينا إلى مشكلاتنا لنعالجها فما تُحل، وهي أكبر من أن تُحل، وحلها الوحيد هو الإيمان.
стр. 7972
معنى الإيمان في حياة العبد
الإيمان في حياة المؤمن معناه: أن تكون مؤمناً بالله يوم سعيك وقيامك وقعودك وحلك وترحالك، الإيمان بالله: أن يكون الله رقيباً عليك في حركاتك وسكناتك، وأن تجلس على كرسي وأنت تستمع إلى القصة والكلمة والدرس، وقد سلَّمت قلبك إلى الحي القيوم.
والإيمان على مستويات: موقف المدير أو المسئول عن مثل هذه السُكنة والصرح؛ أن يكون مؤمناً بالله وأن يسترعي هذه الرعية برعاية الله ، وألا يقطع حبله من الله ، يقول ﵊: ﴿كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته﴾ وهذا الجيل أمانة في عنقه، إما أن يهديهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض وإما أن يتركهم فيتردون في النار على وجوههم ونعوذ بالله من ذلك، وهي الأمانة قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السموات وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢].
وأمانة الأستاذ: أن يأتي من بيته صباحاً، وأكبر القضايا التي يحملها في ذهنه هي الإيمان، لا يظن أنه يؤدي حصة ليتعاطى عليها راتباً أو أجراً أو كراءً أو مادةً، إن هذه يفعلها اليهود والنصارى والخواجات واليونان والصينيون، كل طوائف الأرض تفعل هذا، فعندهم مدارس كمدارسنا، وعندهم جامعات كجامعاتنا، وأندية كأنديتنا، لكن نحن نتلقى علمنا من فوق سبع سماوات، ونحن نتعبد بهذا العلم لله الواحد الأحد، فندخل الفصل باسم الله، ونخرج باسم الله، وندرس العقيدة باسم الله، ونتكلم باسم الله ونسكت باسم الله، أما هم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧].
فالأستاذ يوم يأتي إلى الفصل يعرف أنه وارث لمحمد ﷺ ، وأنه خليفة الله، وأن المسلمين قد وضعوا أبناءهم أمامه أمانة بين يديه، وقد أخرجوا فلذات أكبادهم، وطرحوا قلوبهم ومقلهم، وقالوا: يا عبد الله! اتق الله في أبنائنا.
وليس معنى الإيمان أنه إذا دّرَّس في التوحيد أن يكون موحداً، وإذا دّرَّس في التاريخ أن يكون مؤرخاً، وإذا دّرَّس في الجغرافيا أن يكون جغرافياً.
لا.
إن هذه المواد إذا لم تُربط بحبل الإيمان فإن الله سوف يسأل هذا المُعلم عنها يوم القيامة، إذ الإيمان لا بد أن يكون في الحصة وفي المحاضرة وفي الندوة وفي الكلمة، ولذلك الذي لا يحمل الإيمان، ولا يحمل المبادئ ميت، ويحاسب عليها يوم العرض الأكبر عند الله، لأنه ماحفظ الله في الجيل، والرسول ﵊ يقول: ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة﴾.
стр. 7973
واجبنا كطلاب علم
أما نحن كطلاب وطلبة علم وتلاميذ فواجباتنا أربع واجبات:
أولها وأعظمها: رقابة الله في هذا العلم، وأن نأتي بلهف وشوق وحرص على هذا الطلب، ونحمد الله أن شرفنا بأن جعلنا طلبة علم، ثم نسأله دائماً وأبداً أن يفتح علينا من فتوحاته، وأعظم فتح يفتح الله عليك أن يجعلك عبداً له، والله لقد رأينا وأبصرنا شباباً ضيعوا الله فضيعهم الله في الحياة، وسوف يضيعون إن لم يتوبوا في الآخرة.
لما ضيعوا الله في الاستقامة ضاعوا في الدراسة، وضاعوا في المناهج، وضاعوا في المستقبل، وضاعوا في الأسر والسمعة، وأخذوا مرغمين إلى السجون، وحبسوا، وضربوا بالأسواط، وقيدوا بالحديد، وأصبحوا في ذلة وفي حقارة وصغار، لأنهم ما حفظوا الله:
فاشدد يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان
يا متعب الجسم كم تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
إن الذي لا يحفظ الله يضيعه الله، ولذلك كان النبي ﷺ يوقف الصحابي الواحد من أصحابه ويقول له: احفظ الله يحفظك -إي والله- كان فرعون طاغية، ضيع الله فضيعه الله في اليم، وكان أبو لهب طاغية، ضيع الله فأورده في نار ذات لهب، وكان أبو جهل طاغية، فلما لم يذل للا إله إلا الله ضاع، وأنتم تستقرئون من قرابتكم ومن مجتمعاتكم؛ أن من ضيع الله ضيعه الله .
فأكبر قضية نريدها هي حفظ الله ، إن رقابة الأستاذ، أو الإدارة، أو السلطة، لا يمكن أن تنفذ إلى قلبك إذا لم تراقب الله ، فلا يستطيعون أن يراقبوك، ولذلك يقول : ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام:١٢٠].
ظاهر الإثم نتركه -يمكن- خوفاً من السلطة، لكن باطن الإثم لا يترك إلا خوفاً من الله، هذا أمر.
الأمر الثاني يا أيها الأحباب: أن نحمل العبودية كطلبة علم، إذ ليس بصحيح أن ترى طالب علم يقرأ قال الله وقال رسوله ﷺ ، وتربى على يد أساتذة أبرار أخيار، ولا تظهر عليه معالم السنة ومعالم الاستقامة، كأنه خرج من نادي من باريس أو من لندن أو من واشنطن.
هذه بلاد القبلتين، هذه مهبط الوحي، يقول أبو الأعلى المودودي في رسالة له: إن تراب هذه الجزيرة مؤمن بالله، وإن هواءها يشهد أن لا إله إلا الله، ,وإن ماءها لو نطق لقال: لا إله إلا الله، هذه البلاد لا ينشأ فيها إلا عبد صالح يوم يريده الله أن يكون صالحاً، ففرق بين أن نتعلم علم الذين: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧].
كعلم التيوس، أو علم الثيران، أو أدمغة الحمير التي لا تفهم، معلومات لكن ما تستفيد.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [الروم:٥٦].
هل سكتت الآية؟!: ﴿وَالإيمان﴾ [الروم:٥٦].
إننا لا نطالب بالعلم الدنيوي فقط بلا إيمان، فقد غلبنا فيه اليهود والنصارى والكفرة، لكن نطالب بعلم الدنيا مع الإيمان.
стр. 7974
أهمية القدوة الصالحة
المسألة الثانية والقضية الكبرى: كيف تظهر العبادة علينا؟ وما هي عبادة الأعضاء؟ وهل تريد أن تكون عبداً لله ؟
لا بد أن تظهر عبادتك على أربعة أعضاء، ولها أعضاء أخر، ولكن أشير إليها لأهميتها:
أولاً القلب كتلة اللحم التي تحمله بين جنبيك، هو حياتك وموتك، وواجبك أمام الله أن تدخل فيه الإيمان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [مريم:٩٦] وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].
فلا بد أن تحشو قلبك بالإيمان، فإذا لم تفعل فانتظر الهلاك والدمار واللعنة والعار في الدنيا والآخرة.
الأمر الثاني: أن تجعل الإخلاص والنية الصالحة في قلبك.
الأمر الثالث: أن تملأ هذا القلب بحب الله وحب رسوله ﷺ .
أيها الإخوة: أنا أقول لكم بمنطق النقل والعقل، إن أعظم شخصية طرقت الدنيا والعالم هو محمد ﵊، والله الذي لا إله إلا هو! لا نقولها عاطفة وتعصباً، ولكن ما وطأ التراب أشرف من الرسول ﵊.
ووالله! لقد حسدتنا الأمم عليه، ويؤسفنا ويخجلنا ويحسرنا ويبكينا أن نرى في بعض البيوت شخصيات لمعت من المغنين والمغنيات، الماجنين والماجنات الداعرين والداعرات، الأحياء منهم والأموات؛ قد جعلوا عظماء.
يقولون: الفنان العظيم، والفنان في لغة العرب هو الحمار الوحشي المخطط، وهو أشبه بهذا، فكيف يكون عظيماً؟!
إن العظماء الذين ينبغي أن ترسم صورهم في القلوب وفي البيوت؛ محمد ﵊ وأبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، وخالد، وصلاح الدين، وابن تيمية، وابن القيم.
إن عندنا من العظماء ألف عظيم وعظيم، ومن العلماء ألف عالم وعالم، ومن الأدباء ألف أديب وأديب، فكيف تركت هذه الشخصيات.
إن جلست مع بعض الشباب تراهم مغرمين بسيرة هتلر، يقرءون سيرة كفاحه، سبحان الله! قاتلكم الله ما وجدتم العجب إلا من هذا الخبيث المنتن الكلب الذي دمر العالم:
قالوا هم البشر الأعلى وما أكلوا شيئاً كما أكلوا الإنسان أو شربوا
وبعضهم يعجبه شعر شكسبير هذا الإنجليزي الفاجر الذي دعا إلى إباحية المرأة، وكشفها أمام الناس واستخدمها وقال: هي حق للجميع.
والآخر يحمل نسخة في جيبه لـ نزار قباني، هذا الداعر الخبيث المنتن الذي سوف يحاسبه الله على ما فعل، نسأل الله أن يجازيه بعدله .
فيا سبحان الله! يوم ترك العظماء هؤلاء وسيرهم في البيوت، وقعنا فيما وقعنا فيه.
تسأل الشاب عن سيرة أبي بكر فيحفظ سير لا تنفعه، يقول: ولد أبو بكر سنة كذا وكذا، ومات سنة كذا وكذا، وتولى الخلافة سنة كذا وكذا.
إننا -يا أيها الإخوة- إذا قرأنا السيرة فعلينا أن نقرأ السيرة التربوية، سيرة محمد ﷺ .
أصبح في أذهان كثير من الشباب أن ترجمة الرسول ﵊ معنى أنه إنسان يدعو إلى الله ، ويتكلم في المساجد وكان يخطب، وكان مع أصحابه يربيهم، وحضر في بدر وتبوك والخندق وأحد، وهذه ترجمة ناقصة.
رسول الله ﵊ لا بد أن تأخذ أدبك منه، وحياتك منه، وضحكك منه، وبكاءك منه، وقيامك وقعودك منه، فهو حياة مستقلة وحياة كاملة، وهو تاريخ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
стр. 7975
عبادة الله بالعلم
المسألة الثالثة: أن نتعبد الله بالعلم، وأن نسأله من فتوحاته، وأن نلتجئ إليه كثيراً وأن نكون عباداً له.
ابن تيمية منذ أن كان عمره عشر سنوات، قال أهل العلم: إنه كان يخرج في السحر قبل صلاة الفجر، فيمرغ وجهه في التراب، ويقول: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني.
هل رأيت شاباً يرفع يديه قبل الحصة أو قبل أن يدخل ويسأل الله الفهم، هل رأيت شفتين تتمتم بذكر الله، هذا موجود والحمد لله، لكن نريد أن نكون كلنا عباداً لله، نتلقى هذا العلم عبودية كأننا في المسجد، والله! إذا لم يفتح الله عليك فلن يفتح عليك أحد من الناس، وإذا لم يهدك الله -فوالله- لن تجد إلا الضلال، وإذا لم يغفر الله ذنبك فلن يغفر لك أحد.
فيا أيها الإخوة! الله الله في مراقبة الله ، وفي تعبده بهذا العلم، وقد ذكرت في العنصر الثاني كيف تظهر العبودية على الجوارح، وقد وجدت نغمة في المجتمع والرأي العام تقول: إنه لا يلزم الإنسان أن يتشنج بالدين، وأن يأخذ الدين بعروقه وأوراقه بل يكفيه من الدين شيئاً ظريفاً ليكون مثلما يسميه سيد قطب إسلاماً أمريكياً، أن يدع شيئاً ويأخذ شيئاً، دين مرقع: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥].
يا مدعٍ حب طه لا تخالفه فالخلف يحرم في دنيا المحبينا
أراك تأخذ شيئاً من شريعته وتترك البعض تدويناً وتهوينا
خذها جميعاً تجد خيراً تفوز به أو فاطرحها وخذ رجس الشياطينا
يا أيها الإخوة! إن الذي أتى بلا إله إلا الله هو الذي أتى بتفصيل الثياب فوق الكعب.
والذي أتى بلا إله إلا الله هو الذي أمر بإعفاء اللحى، وأتى بالسواك، وبالمنهج الخالد المؤرخ الذي ما طرق العالم مثله، وأتى بالقرآن، وبالأدب والسلوك، والحياة، وبإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وأتى بحياتك في كل منحى من الحياة.
والرسول ﵊ شخصية أمامك لا بد أن تجعله في ذهنك حياً، لا تفعل شيئاً حتى تسأل هل فعله ﷺ ، أما أن نقبل إسلاماً مرقعاً فنقول: يكفيني أن أصلي، أما هذه الأمور فهي قشور.
فهل أصبحت تفتي وتثلم الدين وتكسر الإسلام، الذي هو صورة كاملة، فتأخذ منه ما شئت وتترك منه ما شئت؟ لا.
والله هذا جحود للنعم، وتنكر للجميل، وسوء فهم للرسالة الخالدة التي أتى بها الرسول ﵊.
فأنا أدعوكم -أيها الإخوة إلى- الاهتداء بهديه ﷺ بالسنن، ووالله! لا أحسن ولا أجمل عند الأب وعند المجتمع وعند الرأي العام؛ من أن يروا الإنسان مستقيماً، لا تستمع للدعوات التي تهاجم رجال الدين فليس عندنا في الإسلام رجال دين، فهذا في الكنيسة، وقد وجد من الذين لا يفقهون، أو عنده التخلف العقلي الذهني العفن أنه يحارب الدعاة أو المستقيمين، وهذا ليس بصحيح، بل استقرأنا من حياة الناس ومخالطة كثير من الدعاة والرأي العام، ودخول بعض السجون، أن الشاب المستقيم له صورة معظمة عند الجميع، عند السلطان وولاة الأمر والرأي العام، وعند الجندي في الشارع، والأستاذ، وعند كل طبقات الناس لأنه مستقيم، ولماذا؟ لأنه حفظ الله، أما الإنسان الذي لا يحمل هذه المبادئ فهو فاسد ولو احترم فمجاملة.
стр. 7976
كيفية حياة المسلمين في هذا الزمان
والأمر الذي أريد أن أشير إليه رابعاً: كيف نعيش؟ وكيف نحيا مع هذا الوقت ومع هذا الزمن الذي يمر مر السحاب، الله يقول: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦].
كيف نحيا؟ كيف نعيش؟ أحياة البهائم؟ أحياة أكل وشرب ونوم ورقص ولهو ولعب؟ لا.
إنه لا بد أن تُنظم أوقاتنا تنظيماً عجيباً دقيقاً، أمة هي من الدقة والنظام بمكان، يقول ﵊ في الصحيح: ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ﴾ فوالله الذي لا إله إلا هو: ﴿لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: -من هذه الأربع- وعن عمره في فيما أبلاه﴾ أنت لن تنصرف من الموقف يوم القيامة حتى يسألك الله: فيم صرفت هذه الأوقات؟
فيا إخوتي في الله! ماذا فعلنا في برنامجنا في القراءة في الاطلاع في الصلاة والذكر في التلاوة في الزيارة في الجلوس مع الأحبة، ماذا فعلنا في ذلك؟
إن الكاتب الأمريكي دايل كارنيجي في كتابه دع القلق وابدأ الحياة، يضحك على أهل الشرق؟ يضحك علينا نحن لأن الأمريكان من أكثر الناس قراءة.
أنا أقول هذا لأن الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنى وجدها، يضحكون علينا ويسموننا إلى الآن بدواً، لأن الذي لا يعتني بحياته ورسالته الخالدة ولا يعيش لله فهو يعيش على هامش الأحداث، والله يقول في الأعراب: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [التوبة:٩٧].
ومهمة الرسول ﵊ أن يخرج الإنسان من بداوته وجهله وتخلفه إلى أن يكون إنساناً منظماً، وإنساناً معتنياً بروحه ومستقبله، ولا يكون إنساناً عامياً عادياً، بل يكون له خصوصية، فلذلك يذكر أنهم يقرءون -الإنجليز والأمريكان- في كل أربع وعشرين ساعة، ست عشرة ساعة، فكم نقرأ نحن؟!
إني علمت أن كثيراً من الشباب إذا قرأ أحدهم ساعة في اليوم أو نصف ساعة تبجح، وقال أجهدت نفسي: ﴿إن لنفسك عليك حقاً، ولربك عليك حقاً، ولعينك عليك حقاً﴾ وهذا الحديث نستحضره دائماً.
ولكن كم ننام وكم نأكل وكم نشرب، وكم نذهب وكم نجيء؟!
أمة كأنها خلقت للنزهة وللتفسح، فإذا فتح أحدنا الكتاب، فقرأ وريقات صغيرة من أوله قال: اللهم انفعنا بما علمتنا، وهذا صحيح نسأل الله أن ينفعنا، لكن أين الجهد وأين القراءة والمثابرة؟ سبحان الله!
إن الخواجة يركب القطار أو الطائرة وكتابه في يده ولا ينزل إلا وقد ختم الكتاب، ونحن أمة خلقنا للجنة -نسأل الله لنا ولكم الجنة- أمة لا إله إلا الله، أمة ذبح أبطالها على نهر الجنج، واللوار، والسند، لرفع لا إله إلا الله، أمة يقول عقبة بن نافع: لما خاض البحر بقدميه والله الذي لا إله إلا هو لو علمت أن وراء البحر أرضاً لوطئتها ولو علمت أن وراء الأرض بحراً لركبت أو كما قال.
ويقول وهو في غابة أفريقيا: اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى واحشرني مع هذه الوحوش.
ويقول أبو أيوب الأنصاري وقد وقف على شرفات القسطنطينية في بلاد الروم في تركيا يقول: [[اللهم أمتني في هذه البلاد حتى أبعث يوم القيامة بين قوم كفار، وأنا أقول وقد بعثت من قبري: لبيك اللهم لبيك]] فمات ودفن هناك.
أمة وقف علماؤها وعبادها في الجهاد في سبيل الله، يقول محمود بن سبكتكين أحد القواد المسلمين يوم دخل يفتح بلاد الهند بألف ألف مقاتل، أعطي رشوة ليرتد عن الفتح، أعطي ألف صنم من الذهب والفضة والمرجان، فلما دفعت له قال: ما هذه؟ قال ملك الهند: خذها ولا تفتح بلادنا، قال: سبحان الله! أتريد يوم القيامة أن آتي وأُدعى يوم القيامة، يا مشتر الأصنام! والله لا آخذها وإنما أكسرها، لأدعى يوم القيامة يا مكسر الأصنام! فأخذ الفأس وأخذ يكسرها ثم أحرقها، ثم دخل بلاد الهند، ولذلك الشاعر الباكستاني محمد إقبال يوم أن بكى على الأمة الإسلامية، وهي على مثل حالنا تقصيرنا، وقد جاء وهو يرجو أن يلقى في مكة والمدينة شباباً يقولون: لا إله إلا الله، ويعيشون للقرآن، فلما رأى الواقع بكى، وهو واقع -والله- يؤسف له، لكننا نأمل من الله أن يعيدنا إليه وأن يتوب علينا وعليكم، قال قصيدة تاجك مكة يعني مكة البلد الكبير يقول:
من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا
كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا
بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا
لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا
كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفار
لو كان غير المسلمين لحازها كنزاً وصاغ الحلي والدينارا
стр. 7977
أحوال المسلمين والتضحية في سبيل الله
ماذا فعلنا للإسلام أيها الإخوة الأبرار؟!
أيها الجيل الذاهب التائب إلى الله ماذا فعلنا مع الإسلام؟! لا قمنا الليل ولا داومنا على ذلك.
ونريد أن نكون صُرحاء في هذه الجلسة؛ لأن أمامي أساتذة، ودعاة، وطلبة علم، وجيلاً صادقاً واعداً إن شاء الله.
لم نسكب دماءنا في سبيل الله، ولا وقفنا في الجبهات، ولا أنفقنا أموالنا، ولا قضينا أوقاتنا في تربية الناس، وفي تربية العوام وتفهيمهم وتوعيتهم، ماذا فعلنا؟!
نصلي الصلوات الخمس والخشوع في وادٍ ونحن في واد، وشهوةٌ ولهوٌ ولغوٌ، وأكلنا وشربنا ورقصنا ولعبنا ومزحنا وضحكنا أكثر بكثير من هذه الأمور، فاتقوا الله يا عباد الله في أنفسكم.
أما أتى خبيب بن عدي يذبح في ذات الله فرفع إلى المشنقة -مشنقة الموت- فأخذ يترنم؟! من الذي ينشد وهو يذبح، هل من أحد ينشد وهو يذبح! إلا الذي أصبح قلبه كبيراً.
فقال له أبو سفيان: أيسرك أن يكون محمد مكانك وأنت في أهلك ومالك؟ فقال خبيب: لا والله! والله ما أريد أن تصيبه شوكة وأني في أهلي ومالي، فلما رفعوه أرسلوا السيوف عليه، قال: ﴿اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً﴾ ثم أخذ ينشد نشيد الموت:
ولست أبالي حين أُقتل مسلماً على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أجزاء شلو ممزع
حنظلة كان في الليل عروساً لزوجته في يومهم الأول، فسمع لا إله إلا الله تدوي في الخافقين، فالزحف الكافر يريد احتلال المدينة، وأبو سفيان والمشركون قدموا إلى أحد، فاخترط سيفه وخرج وعليه جنابة وهو شاب، وقال وهو ينظر إلى السماء: [[اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى]] نعم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى، فقتل وأشاح ﷺ بوجهه: ﴿فقالوا: مالك يارسول الله؟ قال: رأيت الملائكة تغسل حنظلة بين السماء والأرض في صحاف الذهب بماء المزن، ماذا فعل؟ فسألوا أهله قالوا: كان جنباً﴾.
أي أمة هذه الأمة؟! وأي جيل هذا الجيل؟!
تنظيم الوقت -يا أيها الإخوة كما أسلفت- أن تعيش منظماً لا تعيش سبهللاً، وأن يكون لك في كل وقت ورد، وأحسن ما ينظم به الوقت أن يكون تنظيم وقتك مع الصلوات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣].
стр. 7978
حال المسلمين مع القرآن
قال بعض أهل العلم: من أعظم فوائد الصلاة أنها تنظم الأوقات، وجرب ذلك، فإنك إذا قلت في نفسك سوف أقرأ بعد كل صلاة جزءاً من القرآن، أو نصف جزء تنظم لك ذلك، ولا يأخذ منك إلا ربع ساعة، أو ثلث ساعة، وإذا كلفت نفسك أن تقرأ بعض الصفحات من الكتب بعد الصلوات تنظم لك ذلك، وجرب ذلك، فالصلوات الخمس هي أعظم ما ينظم به الأوقات.
أما وقت الحفظ فهو وقت الفجر، فهو وقت البسمات الرضية، وقت النداء على الكون، وقت الطل الباسم، وقت التفتح، وقت الفجر يوم تبسم للمعمورة وذهنك ينطلق بإشراق إلى الكون، هذا وقت الحفظ، وأنت إذا لم تجعل من مهماتك الكبرى في الحياة ومن مشاريعك الصادقة حفظ القرآن، فكأنك ما فعلت شيئاً.
سبحان الله! العجم يحفظون القرآن، ويدرسون أبناء العرب في بلاد العرب، ونحن نقرأ عليهم كأنا عجم، يعلمونا كيف تنطق الضاد والزاي والذال، وننطق كأنا عجم ونتلعثم بين أيديهم.
نحن أبناء طلحة والزبير وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ما جئنا من طاشقند ولا سمرقند، لكن أصبح أهل سمرقند يدرسوننا القرآن في المساجد ولا نفهم، ويضربوننا بالسياط ولا نعي، ونقول: عفواً يا شيخ نحن ما درسنا هذا القرآن.
والقرآن نزل بلغتنا نحن، نزل علينا نحن وما نزل في سمرقند لكن كما قال الله : ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِين﴾ [الأنعام:٨٩].
لما تركنا القرآن، وملنا إلى المجلات الخليعة، وإلى الكتب الحداثية الحديثة الرخيصة المنمقة، التي ليس فيها علم: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور:٤٠].
وإلى الأغنية المائعة الرخيصة، ما عرفنا نقرأ (طه).
وأحدهم أتى يقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١] فقال: ألف لام تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، أصبحنا عجماً لأننا لم نفهم، أنا لا أقول في هذا المكان، لأني أعرف أن فيكم من يفهم كثيراً، ومن يستطيع أن يؤهل ليقود أمة لكن من يعرف ويخالط كثيراً من المجتمعات يعرف هذا الأمر، حتى أن الواحد يبلغ ستين سنة في القرية ولا يستطيع أن يحفظ الفاتحة، يقفز من آية إلى آية، وقد سمعت أن بعض الدعاة قام في قرية يدرسهم ويعلمهم الفاتحة فأبوا ذلك، فقد انغلقت أذهانهم، وما استطاعوا لهذه المهمة الكبرى، أتى من هنا ليحفظهم ويقفزون من الآية الأولى إلى الآية السادسة من الفاتحة، ويأتي من هنا فأبوا، وفي الأخير وجد حلاً قال: تعالوا، فأتى بشيوخ القرية كبارهم، يعني أنهم لا يفهمون كثيراً، فقال هذه سبع غنم، والفاتحة سبع آيات، بسم الله الرحمن الرحيم، ستتذكرون بسم الله بالغنم، الحمد لله رب العالمين هذه، الرحمن الرحيم هذه، مالك يوم الدين هذه، حتى انتهى، ثم ذهب من عندهم؛ وقد أخبرني بعض الدعاة في الرياض وهذا الداعية لا يزال حياً، قال: فلما ذهب، وكان الداعية هذا فيه خير وطيبة، ثم ماتت الشاة بعد أن سافر بحفظ الله ورعايته، فقام إمامه يقرأ فقفز آية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] فرده أحدهم، وحاول رده في الصلاة وبعد الصلاة وقال: كيف تردني وقد ماتت، يعني: ماتت الآية مع موت الشاة.
فنحن نحتاج إلى أُسس تقليدية في أكثر من هذه أو إلى رسوم، كما فعل الرسول ﷺ بالبدو يوم يأتونه، أنا أقول حفظ القرآن أهملناه كثيراً.
يوم سمعنا لـ ديكارت الفرنسي وأمثاله عندما قالوا: إن عصر الحفظ ولى وأصبح عصر الفهم، فلا فهمنا ولا حفظنا.
стр. 7979
القراءة المكثفة وأهميتها
أحد المشايخ كان يدرس الروض المربع في المسجد، فأتاه بعض الشباب يحاورونه من الشباب التقليديين المتطورين ولكنهم من المتهكمين، فقال: يا شيخ! الناس صعدوا على سطح القمر وأنت لا زلت تدرس الروض المربع! فقال الشيخ له: أنت ما صعدت على سطح القمر ولا قرأت معنا الروض المربع؛ لأن هؤلاء الشباب الذين يتهكمون بالاستقامة والندوات لم يقدموا شيئاً، يقول: الناس قد بلغوا التكنولوجيا والذرة وسطح القمر وأنتم ما فعلتم شيئاً.
يقول: أما أنتم فالحمد لله، أخذتم من الكفار كل سيئ؟! وما أخذتم كل حسن، فالسيجارة أخذتموها من الخواجة، والكعب العالي، والثوب المسبل، والشعر الملفوف والعقائص والغدرات، والفجرات، والسوالف، والأظافير، التي كأنها أظافير مربيات في اليونان، كل هذه أخذتموها، لكن هل صنعتم لنا طائرة؟ هل قدمتم لنا صاروخاً ندمر به إسرائيل؟ هل قدمتم لنا دفاية وسخانة وثلاجة وبرادة؟! لا والله.
أما الخواجات فلهم سيئات لكنهم قدموا خدمة للبشرية، قدموا معامل ومصانع ومنتجات، وملبوسات ومطعومات، ولكن أنتم لا جلستم معنا على الأرض تقرءون الروض المربع، ولا صعدتم على سطح القمر تنتجون للناس، فأنتم مذبذبون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
فإما أن تكون أخي بصدق فأعرف منك غيثي من سميني
وإلا فاطرحني واتخذني عدواً أتقيك وتتقيني
فإني لو تخالفني شمالي ببغض ما وصلت بها يميني
إذاً لقطعتها ولقلت بيني كذلك أجتوي من يجتويني
النفاق لا يصلح في الإسلام، والتهجم والاستهزاء على المنهج القويم وعلى الرسالة الخالدة التي أرساها محمد ﷺ ومات دونها الرجال لا يصلح، فإنه نفاق وكفر: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُون * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦].
ثم أدعوكم إلى القراءة المكثفة، فالثانويات والمعاهد والمتوسطات والكليات، تعطيك مفاتيح للعلم، لكنها لا تخرج عالماً، إلا في النادر، نعم.
تفتح لك السبل والوسائل والطرق الاستقرائية التجريدية في البحث والاستقراء والاطلاع، لكنها تتركك لتطلع أنت، فهل اطلعنا وهل قرأنا؟!
هل كان لأحدنا مكتبة بصرية ومكتبة سمعية في البيت، يجلس في غرفته ويغلق عليه الباب ليجلس مع العلماء والفقهاء والأدباء والأذكياء، يعود بعد هذه الجلسة وقد زاد علماً إلى علمه وفهماً إلى فهمه، يوم تركنا ساعة المكتبة أصبحنا عاجزين، مفهومات عادية يفهمها السذج من الناس ونحشي الذهن لكن ما يفهمه كل الناس، لكن من يجلس في مكتبته يجلس مع ابن تيمية والإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة والشافعي وابن القيم، مع هؤلاء الأعلام فيستفيد علماً إلى علمه.
فالاطلاع الضخم -يا أيها الإخوة- تمشي وكتابك معك، أنا لا أقول لك: إن هذا أمراً قسرياً جبرياً لا.
فللنفس حق من الترويح المباح، من الدعابة الطيبة، والجلسة الأخوية فهذا أمر، فالاطلاع الاطلاع المكثف.
والذي ينبغي علينا أمور: أن نحل المصحف مكان المجلة الخليعة، وآيات الله وكلام رسوله مكان الأغنية الماجنة، ورفقة الخير والبر مكان رفقة السوء والانهدام والفشل، فهذا لا بد منه.
وفي الختام أشير إلى أمور ثلاثة:
الأمر الأول: القدوة، من هو قدوتك في الفصل والمجتمع؟ أما القدوة العامة لك في الليل والنهار وفي كل مكان هو الرسول ﷺ ، لكن قدوة تنظر إليها وتأخذ منها سلوكك هو الرجل الداعية والأستاذ الموفق المخلص الصادق، هذا أمر.
الأمر الثاني: من هم رفقاؤك وجلساؤك؟ هل هم كل من يتقي الله؟ وإذا رأيت الطالب والشاب يرافق أعداء الله والفجرة، فاعلم أن قلبه فاجر، وأنه ما اهتدى إلى الآن، كيف تحب أعداء الله، وكيف توالي من لا يوالي الله .
الأمر الثالث: واجبنا في عبادتنا أن نختمها بالتوبة والاستغفار دائماً وأن نكثر من الاستغفار والتوبة الصادقة في حياتنا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥].
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
يا إخوتي في الله! لا أريد الإطالة لأنه قد يكون هناك وقت للنقاش والحوار، ولكن في ختام هذه الجلسة أكرر شكري لمن توجه بهذه الدعوة، ولمن كان من مهمته تربية هذا الجيل، ولمن كان حريصاً في توعية الشباب، مديراً وأساتذة، وأتوجه إليكم بالشكر طلاباً وتلامذة، وأسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 7980
الأسئلة
.
стр. 7981
حكم التصوير
السؤال
فضيلة الشيخ: هل التصوير محرم؟ وما رأيك في تصوير المناظر الطبيعية؟
الجواب
التصوير كثر الكلام فيه وأُلِّفت فيه رسائل وفتاوى وما أظن الأخ السائل يجهل هذه الرسائل والفتاوى التي وردت في الساحة، وكثرة الكلام في المسألة تكثر الخلاف والشقاق فيها، ولكن مما علم أن تصوير ذوات الأرواح لغير حاجة محرم، وبالخصوص إذا أخذت هذه الصور لتعظم في البيوت وعظمت فهذا أمر محرم لا شك فيه.
أما تصوير ذوات الأرواح للحاجة الماسة التي توقف عليها مصلحة فلا بأس به.
أما تصوير المناظر الطبيعية، من شجر وبناء وأطلال وجبال وسهول وهضبات وبساتين فلا بأس بذلك، فهي جائزة إن شاء الله؛ لأنه لم يرد فيها نصوص محرمة.
стр. 7982
حكم التمثيل
السؤال
ما حكم التمثيل؟
الجواب
هذا الدين بأُسسه وبأقواله وأفعاله وأحواله مبني على الصدق، فإذا وجد في مسألة كذب فهذا الشيء حرام، وإذا بني على الكذب والتمثيل يخاف منه الكذب، فإذا خلا هذا التمثيل عن الكذب وعن أمور أخرى محرمة كالتشبه بالنساء أو الكفار؛ فلا بأس به، أما إذا بني على كذب مثل أن يمثل شخصية الحجاج بن يوسف، وشخصية سعيد بن جبير، وهما ليسا هما، فهذا كذب، أو أن يمثل الكافر واليهودي والنصراني والشيوعي فهذا كذلك محرم، أو أن يتشبه بالنساء في التمثيليات فهذا محرم، أما إذا خلا عن هذا كأن يمثل أمام الطلبة في بعض الأمور التي على الصدق وعلى المصلحة ووجد من مصالحه أعظم من مفاسدها فلا بأس في ذلك إن شاء الله.
стр. 7983
سبيل النجاة
السؤال
فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أرجو منك أن تبين كيف تكون النجاة في الدنيا والآخرة؟
الجواب
إذا أردت النجاة في الدارين فاركب في سفينة نوح، وسفينة نوح كما قال الإمام مالك هي: الكتاب والسنة فتستقيم على منهج الكتاب والسنة وحينها يدخلك الله جنة عرضها السماوات والأرض قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣].
فإذا هداك الله وبصرك وعرفك الطريق، فأنت ما عليك إلا أن تسلك هذا الطريق، وتحتاج في هذا السلوك إلى زاد ومعلم وسائق يسوقك وإلى قائد يقودك.
أما الزاد فهو التقوى.
وأما المعلم فهو محمد ﷺ .
وأما القائد فهو القرآن.
وأما السائق فهو تذكر الموت دائماً وأبداً.
فأنت إذا فعلت ذلك وفقك الله ، وأنا أذكرك بأمور أدعوك إلى حضور جلسات الخير والندوات، وأن يكون لك علاقة بالدعاة المخلصين الصادقين والجلساء الأبرار، وأن يكون لك اطلاع مكثف في كتب الإسلام، والدعاء والتبتل إلى الله ، خاصة في السجود وفي أدبار الصلوات وسوف يفتح الله لك فتحاً لا يدور في البال ولا الخيال.
стр. 7984
حكم السخرية من حملة الدين
السؤال
كثير من الشباب يغضبون عندما يستهزئ بهم، فما رأيكم؟
الجواب
وجد في كثير من المجتمعات الاستخفاف بالشباب الملتزم، وهذه سنة من سنن الله الخلقية في هذا الكون، فقد وجدت مع نوح ﵇ عندما قام يصنع السفينة فقاموا يسخرون منه ويضحكون فقال: ﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود:٣٨].
وعيرني الواشون أني أحبها وتلك شكاة ظاهرٌ عنك عارها
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١].
فلا تقوم المبادئ والأسس الأصيلة والأهداف الجليلة؛ إلا على العداوة، ونحن أهل مبادئ أصيلة فلا بد من أعداء وحسدة، ولا بد من مستهزئين ومستهترين، لأنهم أخفقوا في هذا الجانب، والمخفق دائماً جالس على الأرض يتفكه، أما الذي يصعد فيسقط كثيراً والجالس على الأرض لا يسقط، هل رأيت أن أحداً جالس يشرب الشاي على الفراش سقط وكسرت رجله، ما سمعنا بذلك، لكن الذي يصعد جبال الهملايا ويصعد على الجبال الشاهقة يتكسر كثيراً لكنه يصعد:
خذوا كل دنياكم واتركوا فؤادي حراً طليقاً غريبا
فإني أعظمكم ثروة وإن خلتموني وحيداً سليبا
فمبدأ الاستهزاء والاستهتار مبدأ تقليدي سلبي وجد عند الأمم جميعاً، فإن أهل التفوق وأهل الكمال دائماً يحسدون، فيبحث عن النقاط التي لا يخلو منها البشر ثم يشخصونها ويكبرونها للناس.
والداعية تجده كريماً صادقاً مخلصاً منيباً تالياً لكتاب الله واضحاً، وفياً، حسن الخلق ثم يجدون فيه سرعة غضب، فأتوا ينشرون في المجالس، فلان فيه غضب حاد أحمق، كثير التهجم على الناس، يستعمل الزعل دائماً وكثير البذاء، حتى تصبح سجية له في هذا الجانب، ويلك من الله! ألا تغمر سيئاته في بحار حسناته.
إن بعض الناس الفضلاء إذا عددت سيئاتهم انغمرت في بحار حسناتهم، لكن تعال أنت أيها المستهزئ أين حسناتك في الإسلام؟ أرنا مواقفك الصادقة في الدين وفي المجتمع وفي الرأي العام، سوف تنغمر حسناتك في بحار سيئاتك فلا يكون لك حسنة، وهذا به في كتاب الله وسنة المصطفى ﷺ قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُون * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦].
أتدرون بمن يستهزئ هذا المستهزئ! يستهزئ بالرسالة الخالدة وبالفقه المجيد، يستهزئ بالإسلام الذي ضج الدنيا، ويستهزئ بالرسل والأنبياء والكتب السماوية.
стр. 7985
الحد في تقليد الأجانب
السؤال
ما هو الحد الذي ينبغي أن نتوقف عنده في تقليد الأجانب؟
الجواب
الأجانب نأخذ منهم ما أجادوه في العلوم الدنيوية، أما الدين فلا كرامة لهم، نحن عندنا ديننا يكفينا، ونحن نصدر إلى العالم ولا نستورد، ونوجه ولا نتوجه من غير الله ، ونعطي ولا نأخذ، نحن أمة عندنا دستور وكتاب خالد، وسنة فيها العقيدة والأحكام والسلوك والآداب، فإذا أتوا لنا بسلوك وأحكام وآداب، قلنا لهم هذه بضاعتكم ردت إليكم، عندنا كل خير، كل الصيد تجده في القرآن، أما أن تأتوننا بعلوم أرضية دنيوية فنقول: نعم، نأخذ منكم صناعة الطائرة، لأن الله جعل مبدأ في القرآن قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧].
أجادوا في صنع الطائرة، وفي صنع السيارة، والتلفون: وهذه الخدمات، فنأخذها منهم لأنها لا تعارض ديننا، والحكمة ضالة المؤمن، ونأخذ منهم بعض الأسس التربوية المفيدة التي توافق ما عندنا من الدين.
لذلك في الصحيحين من حديث أبي هريرة: ﴿إن الشيطان علمه آية الكرسي، يقول: اقرأها كل ليلة فلن يزال عليك حافظ، فقال ﷺ : صدقك وهو كذوب﴾ فلذلك ثبت عن علي -وبعض المحدثين يرفعون الحديث إلى المصطفى ﷺ : [[الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها]].
أما إذا كان هذا الشيء يهدم المعتقد، أو التربية أو السلوك، فنقول: لا.
ولا ترى لك عين، في كتاب كريسي موريسون الأمريكي وهو مترجم، عنوانه الإنسان لا يقوم وحده، يقول: يا أيها المسلمون أعطيناكم الطيارة والسيارة والخدمات وما أعطيتمونا حياة القلوب، وهو الإيمان.
وهذا صحيح نحن لا نقلدهم، إنما نأخذ منهم هذه المنتجات لأنهم يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، أما علم الإسلام وعلم الدين، وعلم الآخرة، فلا: ﴿بَلْ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ [النمل:٦٦] لديهم عقول حمير: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمِينَ﴾ [النمل:٦٦] وعندنا والحمد لله ما يكفينا، حتى في الأمور التربوية هذه وعلم النفس والسلوك؛ لأن عندنا في الإسلام ما يكفينا والحمد لله وهذا أمر طرقه أهل العلم.
والعجيب المذهل أن الإنسان يجد في كثير من الجامعات والمدارس تدرس كثيراً من الأسس التربوية، لـ كانت وديكارت، أما كتب ابن القيم فتقرأ بعد صلاة العصر للعوام ويكون هادئاً على مستويات الناس، أما الطلبة الأذكياء الفهماء فَيُدرس لهم كانت.
وما كانت إلا قطعة حمار لو وزن مع ابن القيم والله! لن يأتي ذرة من ذراته في الفهم والإدراك والسيطرة على المعلومات والاستقراء التام، مع النضوج الفكري، ومع الإخلاص والصدق لله .
ابن تيمية يأخذون منه أسساً تربوية، في المكتبات يباع كتاب الفرنسي: ابن تيمية مربياً وآخر: علم النفس عند ابن تيمية، فيأخذون منها ثم نأخذ نحن منهم ولا نُعجب بعلمائنا.
следующие страницы →