Полный текст (10 391 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.
стр. 7911
أثر حديث: (كن في الدنيا كأنك غريب) في حياة ابن عمر
وابن عمر يقول: ﴿نزلت إلى السوق -ولكن رواية البخاري ليس فيها هذه الزيادة- فأخذ ﷺ بمنكبَيَّ -أي: بمجامع ثيابه من منكبَيه، وفي لفظ: بمنكبِي- فقال: يا عبد الله، كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل﴾.
وكان ابن عمر يقول: [[إذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك]].
فبَقِيَت كلمةُ: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب﴾ تَرِنُّ في أذنه، فكان من أزهد الصحابة على الإطلاق.
رأته عائشة ﵂ بعد وفاة الرسول ﷺ ، وهو يذهب إلى السوق في بردة لا تساوي عشرة دراهم، فدمعت عيناها وقالت: [[ابن عمر من الذين دفنوا في البرد يوم أحد مع الرسول ﷺ ]] أي: مِن الشهداء.
يقول سائل لـ نافع: [[ما هو عمل ابن عمر إذا دخل بيته؟ قال: كان يتوضأ ويقرأ في المصحف، ويتوضأ ويقرأ في المصحف، ويتوضأ ويقرأ في المصحف]].
وابن عمر من الأولياء الكبار وإنما أذكر هذه القصص تربية وأسوة وقدوة؛ علَّ الله أن ينظر إلينا بنظرة خير فيجعلنا ممن أحبهم إذا لم نعمل بعملهم.
استمرت به الحياة، وازدحم الناس على الملك بعد مقتل عثمان، وقد كان من المرشحين المرموقين للخلافة، لكنه تركها لحديث: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب﴾ رأى الذهب والفضة فما أخذ منه شيئاً لحديث: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب﴾ رأى المناصب تبذل إليه فما أخذها لحديث: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب﴾ رأى البغال، والشهب، ورأى الخيول المسومة، ورأى اللذائذ، والقصور تشرف عليه من بغداد ودمشق، فتركها يوم فَتَحَ المسلمون الفتوح لحديث: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب﴾ كان إذا حج بكى عند المقام ومرغ وجهه بالتراب وقال: [[اللهم إنك تعلم أني ما تركت الدنيا إلا من مخافتك]].
стр. 7912
عبد الله بن عمر وابناه: سالم، وعاصم
توفي على أحسن حال ﵁، وترك لنا عِلماً جماً، وترك لنا ولداً صالحاً باراً عالماً هو سالم بن عبد الله، وكان لا يفارقه أبداً، والعجيب أن سالماً هذا شابَ أكثر من شيب والده عبد الله، فكان ابن عمر إذا التقى به من سفر تعانقا وتباكيا كثيراً، ويقول ابن عمر: [[انظروا للشيخ يُقَبِّل الشيخ]] حتى كان يترك بعض الأسفار ليستقر مع سالم، وكان يترنم ببيت من الشعر يقول:
يلومونني في سالم وألومهم وجلدة بين العين والأنف سالم
وله أخ اسمه عاصم، استمر في طلب العلم والاستقامة، ثم وافاه الأجل فتوفي، فكان يبكي عليه ويقول:
فليت المنايا كن خلفن عاصماً فعشنا جميعاً أو ذهبن بنا معا
وأصل البيت:
فليت المنايا كن خلفن مالكاً فعشنا جميعاً أو ذهبن بنا معا
فحوله إلى عاصم.
ومالك المقصود به في البيت هذا مالك بن نويرة، أخو متمم، الذي قُتل في حربه مع خالد، ومتمم هذا كان أعور العين، ومن شعراء العرب، وكان مالك هذا من سادات العرب ومن كبارهم وأجاويدهم، فلما قُتِل بكى عليه أخوه حتى بكت عينه العوراء، وقال أعظم مرثية في تاريخ الإنسان
روى الترمذي بسنده عن عطاء قال: وقَفَتْ عائشة على قبر أخيها عبد الرحمن، فبكت طويلاً فاستشهدت بأبيات متمم في أخيه حيث قال:
وكنا كندمانَي جذيمة برهة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
وعشنا بخير في الحياة وقبلنا أصاب المنايا رهط كسرى وتُبَّعاً
فلما تفرقنا كأني ومالكاً لطول اجتماعٍ لم نبت ليلةً معا
إلى أن قال:
فليت المنايا كن خلفن مالكاً فعشنا جميعاً أو ذهبن بنا معا
وزاد أحدهم بيتاً له:
بكت عيني اليمنى فلما زجرتُها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
وكانت من أعظم ما رُثِي به في التاريخ، حتى قال عمر: [[أدخلوا عليَّ متمماً]]؛ لأن عمر أنكر قتل خالد لـ مالك أخيه وقال: [[أبرأ إليك مما صنع خالد، وقال لـ أبي بكر اعزل خالداً، فما فعل أبو بكر وقال: والله لا أغمد سيفاً سله رسول الله ﷺ ، إن خالداً سيف من سيوف الله]] فلما تولى عمر كان أول مرسوم في خلافته عزل خالد، قيل: لهذه الأسباب، وقيل: لغيرها، فقال: [[أدخلوا عليَّ متمماً، قال: ماذا قلتَ في أخيك؟ فذكر أبياتاً، فبكى عمر حتى رثي له، وقال: يا ليتني كنت شاعراً فأرثي أخي زيداً - الذي مات في اليمامة، وهو زيد بن الخطاب - قال: أسلم قبلي، وهاجر قبلي، واستشهد قبلي]].
الشاهد: أن ابن عمر ﵁ ترك لنا سالم بن عبد الله بن عمر، سالم الزاهد العابد الذي دخل في الحرم يطوف، فدخل سليمان بن عبد الملك الخليفة وقيل: هشام، فطاف فلما رآه الخليفة وحذاؤه في يديه وعليه ثياب وعمامة لا تساوي ثلاثة عشر درهماً، قال: من هذا؟ قالوا: عالم المسلمين، فتقدم إليه وقال: أتريد مني حاجة؟ قال سالم: أما تستحي في بيت الله أن تقول لي هذا الكلام، فلما انتهى وقف له الخليفة ببني أمية وبالوزراء الذين معه والجيش حتى خرج، فقال: سألتك هل لك حاجة في الحرم فأخبرتني أن لا، فهل لك حاجة؟ قال: أمن حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ قال: بل من حوائج الدنيا، قال: أما الدنيا فوالله ما سألتها من الذي يملكها سبحانه فكيف أسألها منك؟!
ولذلك يقولون: مات سالم بعين من هشام بن عبد الملك كما ذكر الذهبي أنه عانه هشام حيث نظر إليه وكان عليه أبهة العبادة، وجمال قيام الليل والحسن، فقال: يا سالم، أتأكل اللحم؟ قال: آكله في الأسبوع مرتين، قيل: فعانه فقتله، قال أهل المدينة: [[لا بارك الله في هشام أخذ أبناءنا إلى الثغور فقُتلوا، وقَتل عالمنا بعينه]].
وقد ذكرتُ هذا الأجل الرؤيا الخيرة، حتى أن البخاري كتب كتاب الرؤيا وذكر فيه أكثر من أربعين حديثاً.
стр. 7913
استطراد مع أبي دلامة
دخل أبو دلامة على أبي جعفر المنصور وقال: يا أمير المؤمنين! قال: نعم، قال: رأيت في البارحة أني قبَّلت رأسك وأعطيتني ألف دينار! قال أبو جعفر: أما التقبيل فأنا أؤوله لك، وأما الألف دينار فلا أفعله.
قال: لا والله هي حاجتان لا بد منهما، قال أبو جعفر: فوالله لا أتركك تقبل رأسي أبداً، قال: اعطني ألف دينار وسامحك الله في التقبيل.
وهذا من الكذب في الرؤيا، وإلا فيمكن أنه ما رأى، والله أعلم، ولكن حصل على ألف دينار.
وأبو دلامة -للمناسبة- دخل على الخليفة المهدي بن أبي جعفر، فقال له الخليفة: آذيتنا بحوائجك دائماً -أي: دائماً تسأل: أعطوني مالاً، أعطوني خيلاً، أعطوني كذا، آذيتنا دائماً- فقال: يا أمير المؤمنين! والله لا أسألك إلا حاجة سهلة، قال: ما هي؟ قال: أعطني كلباً للصيد، قال: أعطوه كلباً، قال: وأعطني خادماً، إذا صاد الكلب الصيد يمسك الصيد، قال: أعطوه خادماً قال: وفرساً أحمل عليه الصيد، قال: أعطوه فرساً، قال: وداراً أطبخ فيها الصيد!!
стр. 7914
بنو إسرائيل في القرآن والسنة
حديث درسنا من الإسرائيليات عن الرسول ﷺ ، فإنه إذا قال: (كان فيمن كان قبلكم) فالغالب أنه من بني إسرائيل، لما قال ﷺ : ﴿لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم، أو سُنَنَ من كان قبلكم حذو القذة بالقذة الحديث، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال فمن وفي رواية صحيحة: ومَن الناسُ إلاَّ هم﴾ فكان الغالب في حديثه ﷺ إذا قال: (كان فيمن كان قبلكم) أن يعني به بني إسرائيل.
стр. 7915
أسباب كثرة الحديث عن بني إسرائيل
وبنو إسرائيل أخذوا قطاعاً كبيراً في القرآن والسنة، وأنت تقرأ سورة البقرة يتكرر فيها: يا بني إسرائيل، يا بني إسرائيل، يا بني إسرائيل، لماذا؟ لثلاثة أسباب:
أولها: لكثرة بني إسرائيل؛ فإنهم الأمة الثانية في الترتيب في العدد بعد أمة محمد ﷺ .
الثاني: لأن موسى نبي الدعوة والرسالة، عاش صراعاً عالمياً مع فرعون.
ثالثاً: أنهم أهل مخالفه، وأهل لعنة، وأهل إعراض وبُعد؛ فكأن القائل يقول:
إياكِ أعني واسمعي يا جاره!!
ومصائب قوم عند قوم فوائد!!
стр. 7916
موقفنا من الإسرائيليات
موقفنا من الإسرائيليات نحن -المسلمين- تُقسَّم الإسرائيليات عندنا إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما كان في كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ ؛ فهذا تحصيل حاصل، مثل: الأمر بتقوى الله، كتحليل الحلال وتحريم الحرام.
القسم الثاني: ما يخالف كتابنا وسنة نبينا ﷺ ؛ فهذا نضرب به عُرض الحائط، ونرده رداً تاماً، ولا نقبل منه ولو ذرة.
القسم الثالث: ما لا يخالف ولا يوافق، إنما هو أعاجيب وقصص وأخبار.
بهذا نحدث عن بني إسرائيل، ونذكرها للعبرة بين يدي الناس؛ لقوله ﵊: ﴿حدثوا عن بني إسرائيل ولاحرج﴾ حديث صحيح، وقوله ﷺ : ﴿إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم﴾ ومعنى ذلك: ما لم يخالف كتاب ربنا أو سنة نبينا ﷺ ، فإن وافق قبلناه، وإن خالف رددناه، وإن لم يكن مخالفاً ولا موافقاً روينا وسكتنا، كأن نحدث أن فيهم قوماً ذهبوا في الدهر، وأنهم هلكوا، أو أن فيهم رجلاً صالحاً تعبَّد في جزيرة من الجزر، وأن فيهم قوماً استقاموا على منهج الله، وأن فيهم قوماً فسقوا فأهلكهم الله، هذه عبر، فنحدث ولا حرج هذا موقفنا من الإسرائيليات.
وابن كثير ذكر موقف أهل العلم من الإسرائيليات في أول تفسيره؛ ولكنه ﵀ رحمة واسعة نسي هذا المنهج لَمَّا بدأ في التفسير، فأورد كثيراً من الإسرائيليات، ويعذره جلالته في الإسلام، وحسن نيته ﵀، ولكن يُتَنَبَّه لذلك، واعلموا أن أحسن تفسير على الدنيا وعلى وجه الأرض الآن هو: تفسير ابن كثير، يقول الشوكاني في البدر الطالع: ما على وجه الأرض أحسن من تفسير ابن كثير وقال السيوطي: لا أعلم في التفاسير أحسن منه فكيف بمثله.
ونبهت على هذا لأنها قد تصادفكم أو صادفتكم كثيراً في تفسير ابن كثير الذي نهج نهجاًَ سديداً، وقعَّد قواعد في أول التفسير، لكنه نسي كثيراً من هذه القواعد لما كتب.
стр. 7917
ضرورة الالتجاء إلى الله
الحديث: يقول ﵊، وهو يقص علينا: انطلق ثلاثة نفر النفر: يطلق على المجموعة وعلى الأفراد، والثلاثة فما أكثر يسمى: نفر، وقوله ﷺ : من بني إسرائيل، حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه الغار: الكهف، قال تعالى: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً﴾ [الكهف:١٦] ولذلك يقولون: الأحبة في الغار أحسن من المتباغضين في الأقطار، أي: في أوسع حال، ولذلك قيل: (سَمُّ الخياط مع الأحباب ميدان) لو دخلت أنت والحبيب في سَمِّ الخياط لَوَسِعَكما، ولو دخلت مع البغيض في الأرض لضاقت بكما، إنما الضيق ضيق القلوب، والشاهد: دخول هؤلاء الغار، وقوله: فانحدرت صخرة من الجبل -في روايات في غير الصحيح: فأمطرت السماء، فالتجئوا إلى الغار- فانحدرت عليهم صخرة فسدت عليهم الغار.
стр. 7918
الضوائق تلجئُ المرءَ إلى الله
أصبحوا في ضائقة، واشتدت عليهم الأزمات، العبدُ قد يشرك في السعة، وقد يكفر؛ لكن إذا ضاقت عليه الضوائق لا يلتجئ إلا إلى الله.
يا واهب الآمال أنـ ـت منعتني وحميتني
وعدى الظلوم علي كي يجتاحني فنصرتني
فانقاد لي متخشعاً لما رآك نصرتني
يقول حصين بن عبيد لما أتى إلى الرسول ﷺ وقد سأله الرسول ﷺ : ﴿كم تعبد؟ قال: سبعة، قال: أين هم؟ قال: ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: مَنْ لِرَغَبِكَ ولِرَهَبِكَ؟ -أي: لشدة الضوائق والشدائد- قال: الذي في السماء، قال: فاترك التي في الأرض واعبد الذي في السماء﴾.
قال ابن قتيبة: أجمع العقلاء على أن جميع البشر إذا اشتدت بهم الضوائق التجئوا إلى الله، حتى الكافر الملحد، وتجدون هذا في كتب الملحدين الذين أسلموا وكانوا على هذا النهج، مثل كتاب: رأيتُ الله، للملحد الذي أسلم، ومثل كتاب: أين الله؟، ومثل كثير من الكتب، بل القواعد التي ذكرها دايل كارنيجي في كتاب دع القلق وابدأ الحياة، لا يتعرفون على الله إلا في الضوائق، وإذا دخلوا البحر وضاقت بهم الضائقة واضطربت السفينة من تلاطم الأمواج، وأتى الموت من كل مكان، وازدحمت عليهم الأهوال، وضاقت بهم الدنيا، فيتذكرون الأطفال والأزواج والأموال، فيلتجئون إلى الله، قال الله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] ولذلك أمرنا الله أن نلتجئ إليه في وقت الضوائق؛ فإنه هو الذي ينجي ، وهو الذي يقول وقت ازدحام المعركة وتلاقي السيوف والرماح: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥].
يقول ابن القيم: سُئِلَ ابن تيمية عن هذا: كيف يُذَكِّرُنا الله وقت الأزمة بذكره والقلوب مشغولة بالحرب والقتل؟ قال ابن تيمية: إن العرب تعودوا على أن المحبين لا يذكرون محبيهم إلا في الأزمات، فأراد الله أن يذكرهم بمحبوبهم هذا.
ولذلك يقول عنترة وهو في المعركة والسيف على رأسه والرمح على رقبته؛ يقول لمحبوبته:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم
فأراد الله أن يردهم إليه في هذه الأزمة.
قال: ﴿فدخلوا في الغار فانطبقت عليهم الصخرة فسدت عليهم الغار﴾:
الآن ضاقت بهم الضوائق، فلا خبر ولا اتصال، ولا يوجد من ينجدهم، ولو كانوا في قرية لصاحوا حتى يسمعهم الناس؛ فقالوا: الآن أتى الصدق وذهب الكذب فقالوا: ﴿لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم﴾.
стр. 7919
الالتجاء ينفع مَن عرف الله في الرخاء
والإنسان إذا ضاقت عليه الضوائق يراجع حسابه مع الله ؛ فهذا يونس بن متى ﵇ ذهب مغاضباً، يقول الله : ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧] فإنه لما ركب في السفينة اسْتَهَمَ معه أهل السفينة؛ وذلك حين تغير مسارها، وهبت عليهم الريح، وقال قائد السفينة: إن معنا رجلاً مشئوماً أتى بمعصية، ولا يمكن أن تنجو السفينة وهو فيها، حتى قواد السفن يعرفون أنه لا تتعكر مسيرتهم إلا بالذنوب.
كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناه
ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه
ونركب الجو في أمن وفي دعة فما سقطنا لأن الحافظ الله
فاستَهَمُوا على أن من تأتي عليه القرعة رمي به في البحر وسط الليل يونس ﵇ نبي من الأنبياء، أرسله الله إلى مائة ألف أو يزيدون، ركب معهم فاستَهَمُوا فوقعت فيه القرعة، قالوا: قد تكون خطأ، أعيدوا مرة ثانية، فأعادوا فوقعت فيه، فأعادوا فوقعت فيه ثالثة، فأخذوا بثيابه وشحمه ولحمه ودمه وعصبه وألقوه في البحر.
انظر إلى هذه الرفقة والصحبة ما أحسنها! لا حبال، ولا أخ، ولا اتصال، ولا وصية، ولا شيء، فوقع وسط البحر، وسط الليل، وليته حين رُمي كان قريباً من الشاطئ حتى يسبح، أو في النهار حتى تراه سفينة أخرى أو قارب، ولكن في انقطاع لا يعلمه إلا الله، ولما وقع تلقته بحفظ الله ورعايته سمكة فابتلعته في ظلمة البحر وفي ظلمة الليل وفي ظلمة بطن الحوت، فإلى من يلتجئ؟ إلى الإخوان والأقارب والعشيرة؟ لا.
إنما يلجأ إلى الله، فأول ما وقع قال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].
وقد ورد في أثر إسرائيلي قالوا: فسمعت الملائكة قوله: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] فبكت، وقالت: يا رب! صوت معروف من عبد معروف.
قال: ما عليكم، هذا عبدي كان يسبحني في الرخاء، وعزتي وجلالي لأنجينه.
ولذلك قال : ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤] أي: رصيده طيب، أعماله في الرخاء طيبة معنا، كان معنا في السعة ووقت السرور والحبور مطيعاً لله ، لكن بعض العصاة لا يذكر الله إلا في الأزمات، إذا أتاه حادث سيارة أو أحس أن الطائرة سوف تتحطم في الجو قال: لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين.
لكن إذا نزل الأرض لعب بالوَتَر، وبالكأس، ومارس المجون والخلاعة، يسمع الأذان وكأن بينه وبينه ألفَ رامٍ، ولا يلقي للإسلام ولا للدين ولا للصالحين ولا للقرآن بالاً، لكن إذا رأى الشدة رجع إلى الله ، وهذا مثله مثل فرعون؛ أفجر فاجر، وأطغى طاغية، وأحمق إنسان على وجه الأرض، ادعى الألوهية، استحيا كثير من الملاحدة أن يدعوا الألوهية إلا هو، قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] يقول ابن الجوزي: اغتر فرعون بنهر ما أجراه.
ما أجرأه! يقول: اغتر لما رأى النهر، والمعنى: أنه ما أجرى النهر، وما أجرأه على الله ! ولذلك لما وقع في الهلاك قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ﴾ [يونس:٩٠] انظر إلى هذا المؤمن، لطخ صحائفه السوداء وألحد في دين الله ثم آمن بالله، قال الله : ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١].
إذاً: هؤلاء كان لهم أعمال صالحة، لم يقولوا لَمَّا دخلوا الغار وانطبقت عليهم الصخرة كلٌّ منكم يحدث ربه بمواصفاته في الحياة، فيأتي الأول فيقول: اللهم إني فلان بن فلان وابن فلانة بنت فلان، ومن آل فلان أهل الكرم والجود، وأهل الشجاعة والمجد والشَّيَم، الذين شاركوا في المعارك، وتولوا المناصب، ولم يأتِ الآخر فيقول: إني ابن الغني صاحب رأس المال الفلاني، صاحب السيارات، والعقارات، والدور، وقلة الحياء، لا.
بل أتوا إلى الأعمال الصالحة، سواء أكانوا أحراراً أم عبيداً، سواء أكانوا سوداً أو حمراً أو بيضاً؛ لأن الألوان عند الله ليست مقياساً، ومعمل ألوانه يوم القيامة: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
بلال سيد من السادات، قصره كالربابة البيضاء، يمشي في الجو، في سماء الجنة، وأبو طالب وأبو لهب في نار تلظى ﴿لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل:١٥] هذا ميزان الله .
قال: ﴿فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم﴾:
ولم يقولوا: بأعمالكم؛ لأن فيها خيراً وشراً، ولكن ادعوا الله بصالح الأعمال.
стр. 7920
صدق اللجوء وحرارة الدعاء
المسألة الثانية: وقبل ذلك صدق اللجوء إلى الله، إذا ضاقت بك الضوائق فاصدق مع الله ، وقد ذكر أهل العلم قصصاً عجيبة لمن صدق اللجأ إلى الله في وقت الأزمات، والقصص في ذلك معروفة مشهورة، ذكر ابن القيم شيئاً منها في الجواب الكافي.
فلا بد من اللجوء إلى الله بالدعاء بحرارة، ومن ذلك: قال علي بن أبي طالب: ما من أحدٍ ليلة بدر إلا نائم إلا الرسول ﷺ كان يصلي ويبكي ويدعو، ويوم اصطف الجمعان والتحم الفريقان؛ وقف ﵊ بصدق اللجأ إلى الله الحي القيوم يدعو حتى سقطت بردته من على منكبيه، فأخذها أبو بكر وأعادها عليه، وقال: هون مناشدتك ربك يا رسول الله، إن الله منجز لك ما وعد، والرسول ﷺ أعلم بربه، ويعلم أنه لا يأتي النصر ولا الكرامة ولا الفتح إلا بصدق اللجأ، فكان يقول: يا رب! إن تُهلِك هذه العصابة فلن تُعبَد بعد اليوم، حتى نصره الله.
وفي الغار يوم دخل مع أبي بكر كان صادقاً في اللجوء إلى الله فنجاه الله، كان الكافر يأتي فيطلع على سطح الغار حتى يقول أبو بكر: ﴿يا رسول الله، والله لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لرآنا، فيتبسم رسول الله ﷺ ، ويقول: ما ظنك باثنين الله ثالثهما﴾ ويأتون جماعات وأسراباً يريدون دخول فم الغار فيجدون بيت العنكبوت وعش الحمامة على فم الغار، فيقولون: ما دخلوا هنا!
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تَحُم
عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عالٍ من الأطَم
стр. 7921
أنواع التوسل وحكمها
المسألة الثالثة: التوسل بالأعمال، يقولون: تعالوا ندعوا الله بصالح أعمالنا، فهل لك أن تدعو الله بصالح عملك؟ وهل لك أن تتوسل بأمور أخرى هي من الصلاح؛ كأن تقول: اللهم إني أتوسل إليك بهذا المصحف، أو تأتي إلى كتاب فتح الباري وتقول: اللهم إني أتوسل إليك بكتاب فتح الباري لـ ابن حجر العسقلاني، أو بـ رياض الصالحين، أو بهذا المسجد، فتقول: اللهم إني أتوسل إليك بمسجد أبي بكر الصديق الذي صلى فيه المسلمون وذكرك فيه الذاكرون فاغفر لي، أو تقول: أتوسل إليك بالرسول ﵊ فاغفر لي، أو بـ المدينة أو بـ مكة، أو بـ قبرص هل يجوز هذا أم لا؟ وهل يجوز لك أن تأتي وتقول: اللهم إني أتوسل إليك أني أذكرك وأسبحك وأصوم لك، وأتوسل إليك بطاعتي، واتباعي سنة نبيك ﷺ ؟ هذه فيها تفصيل سيأتي.
стр. 7922
التوسل بالأعمال الصالحة
أما التوسل بصالح العمل فعليه كبار الأئمة من المحدثين والمحققين، وعلى رأسهم العلم الكبير شيخ الإسلام ابن تيمية، فلك أن تتوسل بصالح العمل، وهو من الذي تؤجر عليه، فلك أن تقول: اللهم إنك تعلم أني فعلت كذا يوم كذا لمرضاتك، اللهم إنك تعلم أني صليت في الليلة الفلانية من ذاك التاريخ ركعتين من جوف الليل لا أريد إلا وجهك فاغفرلي ذنوبي، هذا بصالح العمل فتوسل، وعليه حديث: ﴿اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعةًَ، خرجت اجتناب سخطك وابتغاء مرضاتك فاغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت﴾ ولكنه ضعيف في سنده عطية بن سعيد العوفي، وابن تيمية ضعفه، ولكنه شرحه على فرض صحته فقال: هذا التوسل بصالح العمل، فأنت تتوسل بحق السائلين؛ فإن للسائلين على الله حقاً إن شاء تَرَكَهم وإن شاء أعطاهم.
стр. 7923
التوسل بالنبي ﷺ
أما التوسل بالنبي ﷺ فهو على قسمين:
الأول: التوسل باتباعه وهو صحيح، لك أن تقول: اللهم إنك تعلم أني أعمل بسنة نبيك ﵊ فاغفر لي.
الثاني: التوسل بذاته، وهو لا يجوز، لا تأتي إلى قبره وتقول: اللهم إني أتوسل إليك بالنبي فاغفر لي، أو أتوسل إليك به أن تغيثنا أو تمطرنا هذا اليوم؛ فهذا لم يفعله الصحابة، وهو أمر محدث وشُعبة من الشرك لا يجوز.
وقد ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قحط الناس في عهده، والرسول ﷺ مدفون عندهم في الروضة فما توسل به، فلو كان التوسل به ﵊ جائز لأتى عمر إلى قبره ﷺ ، لكن أتى بـ العباس عم النبي ﷺ وقال: [[اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك برسول الله ﷺ -يعني: في حياته- يدعوه ﷺ فيغيثهم- وقد مات، اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبينا العباس فاسقنا يا رب، فدعا العباس فسقاهم الله]] فهذا هو الصحيح.
стр. 7924
التوسل بذات الشيء
أما التوسل بشيء لذات الشيء فلا يجوز هذا، وهو من باب الشرك، كما قال الله عن الكفار: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] وهذا منهج الشرك، فإنهم ما عبدوا الأصنام لذاتها، ولكن قالوا: يقربوننا إلى الله زلفى، فنتوسل بهم إلى الله ليرفعوا حوائجنا إليه، وليكونوا واسطة بيننا وبين الله، وهذا هو الشرك بعينه فالتوسل بالأعمال الصالحة يجوز، أما بغير ذلك من الذوات فلا يجوز ولو بذات الرسول ﷺ .
وبعض الناس يبلغ من ولاية الله أن يقسم على الله قسماً فيبر الله قسمه، يقول ﵊: ﴿إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره﴾ ويقول: ﴿رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره منهم البراء ابن مالك/ p> ﴾ حتى كان يقسم على الله فيبر الله قسمه، لما التقى المسلمون في تستر مع الكفار، وكان القائد أبو موسى، قالوا: [[يا براء نسألك بالله أن تقسم على ربك أن ينصرنا هذا اليوم، فاغتسل وتحنط وتكفن وأخذ سيفه وقال: يا رب أقسم عليك أن تنصرنا هذا اليوم وأن تجعلني أول شهيد]] فكان أول شهيد وانتصر الجيش.
فهذا بلغ في الولاية أن يقسم على ربه فيبر الله قسمه.
стр. 7925
حديث الثلاثة الذين أطبقت عليهم الصخرة
стр. 7926
بر الوالدين في حديث أصحاب الغار
قال ﷺ : ﴿فإنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، قال رجل منهم -وهو الأول-: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران﴾:
الشيخان معروف أنهما كبيران لكن من باب التأكيد، أو من باب عطف المترادفات في الكلام، وإلا فكل شيخ كبير، والمشهور عندنا أن الشيخ شيخ العلم، لكن المشهور في لغة العرب أنه الكبير في السن، قال الشاعر:
زعمتني شيخاً ولست بشيخ إنما الشيخ من يدب دبيبا
فالشاعر: ينفي التهمة عن نفسه، والمعنى أن زوجته تقول إنه شيخ وهو لا يريد أن يكون شيخاً، لأن العرب يجدون في الشيبوبة عند النساء وصمة ولذلك يقول:
عيَّرَتْنِي بالشيب وهو وقار وليتها عيرت بما هو عار
وفي القرآن: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣] وكأن إيراد كلمة (كبيران) هنا لفائدة؛ لأنه لو قال شيخ وسكت لتُوُهِّم أنه شيخ نسبي إضافي، أي دخل في الشيخوخة، وليس كبيراً في السن.
قال ﴿كان لي أبوان شيخان كبيران﴾:
أي: كنت أعلم أنهما في الشيخوخة وأنهما لم يكونا صغيرين؛ لأن بعض الأبناء يبر والديه خوفاً منهما لا خوفاً من الله، ولا لطلب الحسنات؛ فهذا يقول: أنا ما خفت من والديَّ، فهما شيخان كبيران لا يستطيعان أن يضرباني أو يعضاني أو يمسكاني ويضرباني.
وقوله: ﴿وكنت لا أغبق﴾:
الغبوق هو: شرب اللبن، آخر النهار، والصبوح شربه بعد الفجر.
وأما قول الشاعر:
ألا هبي بصحنك فاصبحينا ولا تبقي خمور الأندلينا
فاصبحينا معناه: أعطينا الخمر، ولكن هنا في اللبن وشرب آخر النهار منه يسمى غبوقاً.
قال: ﴿اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً﴾:
أي: أنت تعلم أني كنت آتي باللبن في آخر النهار فما أقدم على والديَّ أحداًَ من أهلي ولا مالي، والمقصود في الحديث بالمال: الرقيق، ويدخل فيها حتى من يشرب اللبن ممن يقبل شرب اللبن، ولكن المقصود هنا الرقيق.
قال: ﴿فنأى بي طلب الشجر﴾
يعني: كنت أرعى الغنم، وأبحث عن الشجر للغنم حتى تأخرت عن العودة في المساء.
قال: ﴿فلم أُرِِحْ﴾:
ويجوز أن تقول: أَرُحْ، والرواح في آخر النهار، والغدو في أول النهار، ويجوز أن يكون في أول النهار، يقول ﵊: ﴿من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح﴾ فالغدو معناه: الذهاب إلى الشيء، والرواح: الرجوع من الشيء، وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل:٦] لكن الرواح هنا المقصود به: آخر النهار، ومن هنا فإن الإمام مالكاً يرى أن ساعات الذهاب إلى الجمعة تبدأ من بعد الزوال، وفي المسألة خلاف، فغيره من أهل العلم قالوا: لا، قد يطلق الرواح على الذهاب والغدو إلى الشيء.
قال: ﴿فلم أَرُحْ عليهما حتى ناما﴾.
رجع بإبله فحلب فأتى بالإناء فوجد الشيخين الكبيرين (الوالدين) نائمين -وانظر إلى اللطافة- ما أيقظهما لأنه خاف أن يعكر عليهما النوم، وليس بعد هذا البر من بر، ولا بعد هذا الإحسان من إحسان، وهذا ما فعله كثير من الصحابة وكثير من السلف؛ كان الواحد منهم يأخذ الماء لوالده فيقف حتى يستيقظ والده، وكان بعضهم يحمي الماء لوالده في شدة الشتاء فإذا استيقظ الوالد قدم له الإناء ليتوضأ، هذا هو البر.
قال: ﴿فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلاً أو مالاً، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما، حتى برق الفجر والصبية يتضاغَون عند قدمي﴾ أطفاله يتضاغون عند قدمه من الجوع، ويتلمظون من الحسرة والضنى فما أشربهما وما أيقظ والديه ﴿فاستيقظا فشربا غبوقهما؛ اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك﴾:
هذا هو الشاهد، أي: إن كان إخلاصاً لا رياءً ولا سمعة، فإن بعض الناس يفعل بعض البر رياء وسمعة، يأتي والمجلس مجتمع والناس حضور؛ فيأتي يصب القهوة فيبدأ بأبيه فيقول الناس: ما شاء الله ما أبره بأبيه! أو يدخل المجلس أمام الناس فيبدأ بأبيه فيقبل يديه ورأسه، ولكن إذا خرجوا أعطى والديه يديه، فهو أمام الناس بار وفي الخفاء من أجفى الجفاة.
قال: ﴿ابتغاء وجهك﴾ أي: لا لطلب السمعة ولا الرياء ﴿ففرِّج عنا ما نحن فيه﴾ أي: من الصخرة؛ فانفرجت شيئاً -أي: قدر الثلث وبقي ثلثان- فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج منه.
تصور المشهد حين ينتهي من الدعاء فتتحرك الصخرة قليلاً؛ كيف تكون مشاعرهم وقلوبهم يوم اتصلت بالواحد الأحد وبدأ الإخلاص معهم! وهذا من كرامات الأولياء التي سوف أذكرها.
стр. 7927
مراقبة الله في السر
تقدم الثاني وقال: اللهم إنه كان لي ابنة عم
ذكر من حسنها وجمالها وأنه راودها عن نفسها فأبت وامتنعت بحفظ الله ورعايته، وهذا من علامات الصلاح، لكن تغيرت حالها وعضَّها الفقر، والفقر قد يودي ببعض العباد إلى الفاحشة والعياذ بالله، ولذلك كان يقول ﷺ : ﴿اللهم إني أعوذ بك من غنىً يطغي ومن فقرٍ ينسي﴾ والغنى يطغي كثيراً من الناس، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧] بعض الناس إذا استغنى طغى وبغى حتى ما كأنه بالإنسان الذي كان يجلس على التراب ولا يجد كسرة الخبز، فقد صار لا ينظر إلى الناس ولا يرد السلام، ولا يصافح، وإذا جلس تكلم بكلام الجبابرة، كأنه من نسل فرعون وقارون وهامان؛ لأن عنده شيئاً من المال، والعقارات، والسيارات؛ فيطغى.
وبعض الناس تصل به درجة الفقر إلى أن ينسى الله ، وبعض الإلحاد في بعض الناس سَبَبُه الفقر، ولذلك تعوذ النبي بالله من الغنى المطغي ومن الفقر المنسي.
وبعض الناس يفهم أن معنى الاستقامة أن تكون فقيراً ممزق الثياب، ولا تجد كسرة خبز، هذا قد يوصل بعض الناس إلى الإلحاد، ومن ذلك: ابن الراوندي، خبيث معثَّر، من الفلاسفة المحسوبين على الإسلام، كان فقيراً لا يجد كسرة الخبز، يقولون: بحث عن كسرة خبز فأخذ يأكلها على نهر دجلة، فمر أحد الخدم معه من الأموال ما لا يعلمه إلا الله، فرأى الخادم معه الأموال من الإبل والخيول والبقر والعبيد فنظر إلى السماء وقال: هذه قسمة ضيزى، ثم أخذ الكسرة وضرب بها نهر دجلة وقال: أنا ابن الراوندي من أذكياء الدنيا، وهذا الخادم تعطيه ولا تعطيني! يقول الذهبي لما ترجم له: الكلب المعثَّر يعترض على رب العزة في قضائه بسبب الفقر.
والإلحاد مرض ينخر في جسمه، ولذلك دخل الإلحاد في الأمم الفقيرة، وماركس ولينين وهرتزل أهل الإلحاد ومؤسسو دول العناد والفجور والطاغوت أول ما أتوا إلى الأمم الفقيرة، دخلوا إلى الفقراء بالغنى مع الإلحاد، وكان مركبهم مركب الاقتصاد، وأفريقيا الآن بهذا الأسلوب، النصارى لا يبشرون -ينصرون- إلا بالمال، والأمم الشيوعية الكافرة لا يدخلون إلا بهذا، وقد دخلوا في أمم وشعوب تعرفونها أنتم بسبب الفقر، ولذلك فإن من دعاياتهم: هل تريد إيصال الغاز إلى بيتك؟ هل تريد مد الأنابيب للماء؟ هل تريد الراحة المريحة؟ هل تريد إدخال الثلاجة، والسخانة، والسيارة وكذا؟ لافتاتهم هكذا، ولما دخلوا إلى الشعوب امتصوا خيراتها.
فالشاهد: أن الكفار ركبوا مركب الاقتصاد، فلما انتهى دخلوا بمركب الحداثة، والحداثيون وما أدراك ما الحداثيون! يأتي أحدهم بطلاسم ويقول: نلغي كل قديم، ومعناه إلغاء الكتاب والسنة، وهذا له كلام طويل وقد سمعتم ما فيه الكفاية وقرأتم عنه كذلك.
قال: فلما عضتها السنة
أي: الفقر، أتى بمائة وعشرين ديناراً فوضعها بين يديها، فمكنته من نفسها، فلما تمكن ذكر موعود الله ولقاءه والعرض بين يديه.
стр. 7928
يوسف ﵇ ومراقبته لله
وهذا كموقف يوسف ﵇، يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر: تأملت كيف رفع الله يوسف! وذلك بأمور:
الأمر الأول: أنه كان شاباً، والشاب صاحب جموح وطموح في الشهوة.
الأمر الثاني: أنه كان غريباً، والغريب لا يخشى من العار كثيراً؛ لأنه ليس صاحب بلد، سافر إلى مصر ولا يعرفه أحد في مصر، ومن يدري أنه ابن يعقوب، وأنه زنى؟!
الأمر الثالث: أنه في بيت ملكة، والملكة تستطيع -لو حُكِمَ عليه- أن تقول: لا.
هذا المرسوم خطأ مرفوض لا يمكن أن يجري عليه شيء، هذا رجل طاهر أطهر من حمام الحرم ومن ماء الغمام.
الأمر الرابع: أنها جميلة، فما عرضت نفسها لأنها متبذلة أو أن وجهها مثل قفاها، لا.
بل لأنها جميلة.
الأمر الخامس: أنها هي التي تزينت ودعته إلى ذلك.
وذكر ذلك ابن تيمية وابن القيم في مدارج السالكين وقال: رفع الله يوسف بهذه الأمور الكثيرة، فلما وقع في هذا المأزق ذكر عظمة الله، يقول الله ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] بعض المفسرين يقولون: هَمَّ أن يتركها، ولكن هذا خلاف ما في السير وخلاف ما يفهم من الآية، يقول الله وجل ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف:٢٤] فلو هَمَّ أن يتركها لَمَا ذكر الله هذا الهم؛ لكنه أراد وخاطرته النية فذكر موعود الله، كما قال الله: ﴿لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] وبرهان ربه، قيل: إنه رأى يعقوب ﵇ عاضاً بإصبعه، وقيل: رأى جبريل له ستمائة جناح، وقالوا: رأى الجنة ورأى النار، ولكن الصحيح: أنه واعظ الله في قلب كل مؤمن، بقية إشعاع الإيمان وقوته تحركت في قلبه، وهو برهان ربه، فانتهى فرفع الله مكانه، وأغدق عليه من الثناء، وملَّكه الدنيا.
стр. 7929
الخوف والمراقبة عند مسلم بن يسار
ذكر صاحب حلية الأولياء في ترجمة مسلم بن يسار: أنه خرج إلى مكة حاجاً أو معتمراً، وكان من أجمل الناس، ولكنه كان من أولياء الله ومن العباد والأخيار، فعرضت له فتاة في طريق مكة إلى المدينة من أجمل النساء، ودعته إلى نفسها، ففر منها إلى واد آخر، ولحقه رفيقه وصاحبه وأتاه فإذا هو يبكي، قال: [[ما لك؟ قال: أصبت بمصيبة، فسأله بالله أن يخبره، فقال: دعتني امرأة اليوم إلى نفسي فأبيت، قال: آجرك الله، قدوتك يوسف ﵇، وهينئاً لك أنك امتنعت، فلما حج وطاف ثم صلى عند المقام ركعتين ثم أخذت به عينه فنام، فرأى يوسف ﵇ يطوف فقال: من أنت؟ قال: أنا يوسف الذي هَمَمْتُ وأنت مسلم بن يسار الذي لم تَهم]] هذه من القصص التي وردت عن الصالحين والأخيار، وإلا فمقام يوسف أعلى وأشرف وأعظم وأجل، إلى غير ذلك ممن يحفظ الله في الخلوة، ولذلك أكبر الحظوظ مع الله أن تحفظه في الخفاء ، ولذلك يقول أبو نواس فيما ينسب إليه:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيب
والأندلسي يوصي ابنه ويقول:
وإذا هممت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
فلما هم وأراد أن يباشر الفاحشة ذكر موعود الله فكف وقال: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرِّج عنا ما نحن فيه.
فانفرجت الصخرة -أي: ثلثاً آخر، على قدر الدعاء؛ لكن ما استطاعوا أن يخرجوا - غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها
стр. 7930
تثمير الأجر
وتقدم الثالث فقال: اللهم إني استأجرت أُجَراء
كان عنده خدم وعبيد يشتغلون عنده، فأعطاهم حسابهم إلا أحدهم ما أخذ الحساب، لا أدري ما الذي أغضبه! فذهب مغاضباً، فأخذ أجرته فثمَّرها، واشترى بها إبلاً وغنماً وبقراً ورقيقاً فأصبحت أموالاً عظيمة، وبعد فترة عاد هذا الخادم وقال: أعطني أجرتي، قال: خذ هذه الإبل، وهذه البقر، وهذه الغنم، وهذا الرقيق، فقال: أتستهزئ بي؟! يعني أجرة أيام بسيطة تصبح هذه الأموال كلها؟! قال: والله لا أستهزئ بك، وانظر من لؤم الخادم هذا أنه ساقها جميعاً وما ترك له شيئاً منها وذهب.
قال: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك -والشاهد: (ابتغاء) الإخلاص- ففرِّج عنا ما نحن فيه.
فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون.
стр. 7931
مسائل مستفادة من حديث الثلاثة
стр. 7932
فضل بر الوالدين
إن من أحسن ما يُتَوَسَّل به إلى الله بر الوالدين، والله ذكر في كتابه حقه وحق الوالدين: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣] طاف رجل بأمه، وقد أصابه من الجهد والتعب ما الله به عليم، فرآه ابن عمر، فقال: [[يا ابن عمر، أترى أني وفيتها حقها؟ قال: لا والله، ولا بزفرة من زفراتها]].
وذكر الزمخشري صاحب الكشاف ينسبه إلى الطبراني: ﴿أن رجلاً أتى إلى الرسول ﷺ يبكي فقال: ما لك؟ قال: ظلمني ابني يا رسول الله، ربيته وأشفقت عليه، فلما كبر تغمط حقي وظلمني وبسر في وجهي، فقال ﵊: هل قلت في ذلك شعراً؟ قال: نعم، قال: ماذا قلت؟ قال: قلت:
غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً تعل بما أجري عليك وتنهل
إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا شاكياً أتململ
كأني أنا الملدوغ دونك بالذي لدغت به دوني فعيناي تهمل
فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما فيك كنت أؤمل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل
-معنى القصيدة: إذا كنت مريضاً فكأن الذي أصابك أصابني، وهذا مجرب، فالوالد والوالدة إذا مرض الطفل لا ينامان، وكأن المرض فيهما، يبيت الواحد منهم مهموماً، فهل هذا جزاء ما كان؟ - فبكى ﵊ وأتى بالابن وحاكمه وقال له: أنت ومالك لأبيك﴾.
وبر الوالدين من أحسن ما يتقرب به إلى الله ؛ يقول : ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء:٢٣] بعض السذج يقول: ما ذكر الله الضرب وإنما ذكر (أف) فلا نقول: (أف).
هل يجوز أن تضرب أباك لأنه ما ذكر الله الضرب في القرآن؟! هذا يردده بعض المتفقهة يردون به على أهل الظاهر، يقولون: لأن ابن حزم ينفي القياس، فمعناه أن غير التأفف من ضرب ونحوه لا يحرم عنده ولا يدخل في النهي، وابن حزم من هذا بريء حماه الله وكفاه.
стр. 7933
فضل العفة ومخالفة الهوى
تطبيق الدين أن تخالف هواك، سئل الإمام أحمد: ما هي المروءة؟ قال: ترك ما ترجو لما تخشى.
وما بلغ الله الصادقين منازلهم إلا بمخالفة الهوى؛ موسى ﵇ لما سقى للجاريتين (بنتي الرجل الصالح) كان فيه حياء، والدليل على حيائه ما حكاه الله عن البنت إذ قالت: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦] القوة رأته رفع الصخرة، التي لا يرفعها إلا عشرة، والأمين ما نظر إليها، وقد ذكر أهل التفسير أنه مشى أمامها وقال: دليني على البيت برمي الحصى، فبلَّغه الله تلك المنزلة العظيمة بهذه الأعمال الصالحة، فلعل الله نظر إلى قلوب العباد في عصر موسى فوجد قلب موسى من أحسن القلوب فاختاره للرسالة.
وذكر صاحب طبقات الحنابلة قال: وقعت لـ ابن عقيل، وقيل: لغيره، والصحيح لغيره، قال هذا الرجل الصالح: حججت مرة من المرات فلما طفت وسعيت وقضيت حجي بحثت عن مال لي فلم أجد درهماً ولا ديناراً، وذهبت أبحث عمن يقرضني مالاً فما وجدت، قال: فذهبت على وجهي في جوع لا يعلمه إلا الله، وبينما أنا في سكك مكة أنزل سكة وأصعد سكة أخرى، وأنزل مكاناً وأصعد مكاناً، قال: فمكثت في ناحية الطريق وإذا أنا بعِقد من مرجان -والدرة الواحدة منه تعادل آلاف الدنانير- فأخذته معي، قال: فلما وضعته في كمي وأنا فرح به سمعت وأنا داخل الحرم قائلاً يقول: من وجد العقد وله كذا وكذا، وعند ابن رجب: من وجد العقد فليدفعه لي، قال: فأتيت إلى الرجل فقلت: ما وصف عقدك؟ فوصف لي العقد والخيط الذي فيه، وعدد الدرر التي فيه، قال: فأخذته فدفعته إليه، فوالله ما ناولني درهماً ولا ديناراً، قلت: اللهم إني دفعتها ابتغاء وجهك فاجعلها لمرضاتك يا رب العالمين، قال: فأخذها وذهب لا أدري أين ذهب، فلبثت بعد الحج أياماً بسيطة، ثم سافرت فركبت البحر، فلما ركبت البحر انكسر بنا القارب الذي نحن فيه، فغرق أصحابي كلهم جميعاً وماتوا إلا أنا، أخذتني خشبة، قال: فركبت الخشبة ثلاثة أيام بلياليها بين الحياة والموت في البحر، قال: وأنا أسبِّح الله وأدعوه أن ينجيني، فدفعتني الخشبة إلى جزيرة؛ فنزلت في هذه الجزيرة، فدخلت مسجداً فوجدت فيه مصحفاً، فنظرت فيه أقرأ فدخل علي أهل المسجد فقالوا: تقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قالوا: تقرئنا بالأجرة؟ قلت: أقرئكم، فدفعوا لي أجرة فأقرأتهم، قال: ورأيت صحيفة فكتبت فيها، قالوا: وتخط أيضاً؟ قال: وأخط -هذه الجزيرة كأنها ما رأت خطاطاً ولا قارئاً- قالوا: علمنا الخط بالأجرة، قال: فكنت أعلم صبيانهم، فأتاني رجل من خيارهم وقال: إن هنا بنتاً يتيمة وأبوها رجل صالح من أصلح الناس، وإنه كان يدعو الله أن يرزقها الله رجلاً صالحاً؛ أفتتزوجها؟ قال: أتزوجها.
قال: فلما التقيت بها رأيت العقد الذي وجدته في مكة في عنقها، فسألتها عنه، فأخبرتني الخبر، وقالت: حججت أنا ووالدي حجة، وهذا العقد معنا لأن أبي باع مالاً من أملاك ودور وعقار وجعله في هذا العقد، فضاع منا ووجدنا رجلاً صالحاً فرد لنا هذا العقد، فكان أبي تأسف بعد ما رجع إلى قريتنا ويقول: يا ليتني زوجتكِ صاحب ذاك العقد، فكان يدعو الله أن يلاقي بيني وبين صاحب ذاك العقد، فنظر إلى العقد فقال: أنا صاحب ذاك العقد.
هذا حفظ الله لمن يحفظه .
والشاهد من هذه القصص: أن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.
وروي عن علي بن أبي طالب [[أنه دخل مسجداً في الكوفة وأراد أن يصلي ومعه بغلة، فرأى شاباً فقال: احبس هذه البغلة حتى أصلي، فأخذها بخطامها، ودخل علي ﵁ يصلي، فلما دخل المسجد أخذ هذا الشاب خطام البغلة، وذهب به إلى السوق فباعه بدرهم؛ فخرج علي ﵁ فسأل الناس: أين الشاب؟ قالوا: أخذ الخطام وذهب به، فأرسل علي وراءه فوُجد يبيع الخطام فقال له الرجل الذي أرسله بكم تبيعه؟ قال: بدرهم، قال: خذ درهماً، فاشترى منه الخطام بدرهم ثم أتى به إلى علي ﵁، قال علي ﵁: والذي نفسي بيده لقد هممت أن أعطيك درهماً حلالاً، وقد أخذته اليوم حراماً]].
يأبى بعض الناس أن يسترزق إلا بالحرام، كان علي سيعطيه درهماً حلالاً، لكنه أخذ هذا الخطام وباعه بدرهم من رسول علي ﵁، فتجد بعض الناس بديناً سميناً قوياً ذا عضلات؛ ولكنه يسرق حذاءً أو شيئاً بسيطاً، كقلم، أو يختلس، ولو عمل في الحلال لرزقه الله من حيث لا يحتسب، ولذلك تقطع أيدي بعض الناس على أقلام أو أحذية، أو على لباس بسيط، أو على خمسين ريالاً، وتجده يرتكب هذا الإجرام بسبب أنه ما سلك الحلال، والله قد بين طريق الخير وطريق الشر، وجعل الإنسان على نفسه بصيرة.
стр. 7934
فضل السماحة وأداء الأمانة
وفي هذا الحديث: فضل السماحة وأداء الأمانة، فهذا الرجل الذي ذهب أجيره، فنمَّى أمواله، فلما عاد سلم له جميع الأموال، ولم ينقصه مثال للسماحة والأمانة، وذلك أمر مطلوب من المؤمن، إذا باع وإذا اشترى، وإذا قضى وإذا اقتضى، وإنظار المعسر قد ورد فيه ما ورد، وبعض الناس يشدد على الناس فيشدد الله عليه، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن فرَّج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، فالجزاء من جنس العمل.
стр. 7935
من كرامات الأولياء
وفي الحديث: إثبات كرامات الأولياء، فهم دعوا بصالح أعمالهم، وتوسلوا إلى الله بذلك، ففرج الله عنهم الصخرة، وفي صحيح البخاري في كتاب الوكالة أن رجلاً صالحاً من بني إسرائيل ذهب إلى رجل غني وراء البحر من بني إسرائيل أيضاً، وقال: أريد منك ألف دينار، قال: هل لك وكيل؟ أي: ضامن يضمنك؛ لأني ما أعرفك، قال: وكيلي الله ، قال: كفى بالله وكيلاً انظر ما أحسن ذاك وما أحسن هذا! رضي هذا بالله فرضي ذاك به قال: هل من شاهد؟ أي: ما دام أنه ليس لك وكيل إذا ما سدَّدت فشاهد يشهد أنني دفعت لك هذا المال، قال: ما لي شاهد إلا الله، قال: كفى بالله شاهداً.
فركب المقترض البحر ومعه الدنانير وذهب إلى أهله، ولما حان أجل القضاء وقف هذا المدين على الشاطئ ينتظر سفينة تحمله إلى الشاطئ الآخر، فما وجد سفينة ولا قارباً أبداً، تحرى اليوم الثاني والثالث فما وجد، فأخذ خشبة فنقرها من وسطها ثم جعل فيها ألف دينار وكتب عليها اسم الرجل، ثم ضرب بها في البحر؛ لأن ذاك قد رضي بالله كفيلاًَ ورضي بالله شهيداً، فسوف يبلغ الله هذه الأمانة، فلما وضعها في البحر ساقها الله بالريح وذاك الرجل يعرف موعد الأجل، فكان قد خرج من بيته ينتظر الرجل، فوقف على الشاطئ فانتظر، حتى يئس من مجيئه، فرأى هذه الخشبة فقال: آخذها حطباً لأهلي، فأخذها وحملها على كتفه، ولما وصل إلى بيته أخذ هذه الخشبة فإذا فيها الألف دينار، وفيها ورقة من ذاك المرسل إلى المرسل إليه، وهذه من كرامات الأولياء، ومن رضي بالله كفيلاً وشهيداً بلَّغه الله ما تمنى.
وكرامات الأولياء عندنا منها ما لا يحصى ولا يعد، وأكثر ما صح من كرامات الأولياء وما أُثِر منها عن صحابة محمد ﵊، وهم لا يريدون الكرامة لذاتها، ولكنهم يريدون الاستقامة، فآتاهم الله الدنيا والآخرة.
والكرامة أمر خارق للعادة يثبته أهل السنة والجماعة.
стр. 7936
صورة من صور الابتداع في الدين والتعليق عليها
السؤال
بعض الناس يدعي الاستقامة لكنه يأخذ بعض الشباب ويقودهم على طريقته في الاستقامة، ويذهب بهم إلى مقبرة الشرف، ثم يأمرهم بأن يناموا في القبر ويأخذ بدفن أرجلهم -ما شاء الله- ويقول بعض الأناشيد، وكذلك يستخف بأهل العلم ولا يقتنع بكلامهم، ومن أعماله أنه يأخذ مجموعة من الشباب ويقوم بهم في أحد المساجد في مدينة أبها، وكل من نصحه أخذ بإيراد قصص بعض الصوفية ولا يركن إلى السنة فما حكم الشارع في هذا؟
стр. 7937
حكم الابتداع في الدين
الجواب
أولاً: هذه سنة الله بين الغالي والجافي، ولا ابتداع في الدين إنما هو اتباع.
ثانياً: الشريعة -والحمد لله- مكملة، والكتاب مكمل لا يحتاج إلى زيادة، فإنه كامل.
ثالثاً: ليس كل من أتى بعمل في ظاهره خير أجر عليه ولو كان مخالفاً للسنة، بل هو آثم؛ لأنه ابتدع، قال : ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧] والنصارى يصفهم الله بالضلال لأنهم ابتدعوا رهبانية، أي: عبادةً ما أنزل الله بها من سلطان، فلا يأكلون اللحم، ولا يتزوجون النساء، ولا يخالطون الناس، ولا يغتسلون، هؤلاء ظنوا أنهم بعملهم مصيبون، فوقعوا في الخطأ، ولذلك حذر ﷺ من هذا.
أما هذا الشاب حين يأخذ الشباب فيذهب بهم إلى المقبرة، فحسن جميل أن يزور المقبرة، لكن لا يجعل لزيارته وقتاً محدداً وهيئة ورسوماً ما أنزل الله بها من سلطان، وما أتى بها الرسول ﷺ ، يزور الزيارة الشرعية، يذهب بهم فيسلم على أهل القبور ويدعو ثم يذهب، أما أن يذهب فيحفر في القبر لأرجلهم ثم يضجعون وينشدون أناشيد الصوفية فهذه هي البدعة، وإذا أدركوا أولئك فيعزرون إما بخيزران، ويجوز بكرباج حتى يعودوا إلى السنة، ويفهموها، فإذا فهموها فبها ونعمت وإلا فهذا مبتدع.
وأما أنه يأخذ الناس ويجمعهم في مسجد فالجمع في المسجد حسن، لكن بشرط ألاَّ يكون بموعد محدد، ككل ليلة ثلاثاء -مثلاً- نجتمع ونذهب إلى مسجد آل فلان، فإيقاف وإيعاد الناس في وقت أو في مكان بغير ما ورد الشرع به بدعة، فقد جعل الله لنا مواعيد وأزمنة وأمكنة، جعل لنا البيت الحرام، والحج، والوقوف بـ عرفة يوم التاسع، ومن ذلك أيضاً يوم الجمعة المعروف، ويوم عيد الفطر وهو يوم الانتهاء من الصيام، أما أن يزاد في المواعيد والارتباطات والرسوم فهذا بدعة.
له أن يجمع الشباب في يوم من الأيام فيصلون، أو في ليلة لا لأنها ليلة يعتقد أنها أفضل من غيرها فأيام الأسبوع كلها سيان، وفي صحيح مسلم يقول ﵊: ﴿لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام﴾ أو كما قال ﵊ لكن أن يأخذهم دائماً ويقوم بهم في أوقات فهذا لا ينبغي.
стр. 7938
ملاحظات على ما يفعله بعض الشباب
ثم يلاحظ على هذا الأخ أمور -ونسأل الله أن يفقهنا وإياه في الدين- منها: أن عليه أن يتقي الله ، وأن يعمل بالكتاب والسنة أو يفقه الناس بالكتاب والسنة، ومنها: ألا يشهر بعمله الناس، فإن جمعه الناس لقيام الليل ليس مأثوراًَ عن الصحابة كثيراً، الرسول ﷺ كان يقوم الليل في بيته، وإنما جعل قيام الليل في الليل للسر وللخفاء، أما أن يجمعهم فيذهبون في السيارات ثم يجتمعون عند المسجد ثم يتوضئون ثم يصلي بهم، والناس في رمضان يقومون في ليالي القيام للمصلحة لإظهار عظمة الإسلام، ولكثرة الجمع، ولأن هذا عمل مسنون كان له سالف من الرسول ﷺ ، ثم جمع الناس عمر، لكن في غيرها من الليالي لا أظن ذلك إلا إذا كان نادراً، كما ورد أن الرسول ﷺ صلى بـ ابن عباس لما صلى معه، وكذلك صلى بـ حذيفة، وصلى معه ابن مسعود نادراً، أما جمع الناس وإيعاد الشباب في ليلة محددة وجمعهم في مسجد فهذا ليس بوارد.
стр. 7939
خطر انتقاص العلماء
وأما انتقاص أهل العلم فهو علامة خذلان الرجل، ولحومهم مسمومة، كل شيء إلا العلماء وطلبة العلم والدعاة إلى الله ، وأهل الاستقامة، وأهل الخير والفضل، وتنقصهم علامة النفاق والخذلان، يقول الله : ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦].
وهذا مسلك الخوارج، مع أنهم قاموا الليل حتى أصبح وجه أحدهم كركبة البعير، وفي صحيح مسلم من رواية أبي سعيد وأصل الحديث في البخاري يقول ﵊: ﴿تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وقيامكم إلى قيامهم، وقراءتكم إلى قراءتهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد﴾ فالعبرة ليست بكثرة صيام ولا صلاة، العمل فقه في الدين وتعلم، ثم عملٌ بما تعلمت، ولذلك كفَّر الصحابةَ الخوارجُ واستحلوا دماءهم فقتلوا عبد الله بن خبيب؛ لقلة فقههم في دين الله .
فانتقاص العلماء من أكبر الجرائم سافر ﷺ والصحابة إلى تبوك، فوقع بعض الناس في عرض الرسول ﷺ والصحابة، وقالوا: ما رأينا كقرائنا أرغب بطوناً ولا أجبن عند اللقاء.
أي: ما أكثر أكلهم! وهذه الكلمة سهلة فيما يبدو، وبعض الناس يتفكه على لحى الدعاة وعلى ثيابهم أنها قصيرة، وعلى السواك، ويقوم ليحاكيهم في حركاتهم وكلماتهم، وكأنه أمر سهل، وقع ناس في عهده ﷺ في هذا فنزل جبريل وقال للرسول ﵊: أدرك قوماً في آخر معسكرك هلكوا قال: كيف هلكوا؟ قال: دخلوا النار، فأخبره جبريل بما قالوا، فقام ﵊ يؤنبهم، فقاموا يأخذون بخطام بغلته أو ناقته ويقولون: إنما كنا نخوض ونلعب -أي: كنا نقطع من النهار ونمزح- فقال الله من فوق سبع سماوات: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥]﴾ أآيات الله يُسْتَهزأ بها؟! أرسول الهداية والعلماء وطلبة العلم والمساجد والمصاحف؟! هذه دونها قطع الرءوس، امزح في كل شيء إلا ما يليق بالإسلام، واليوم الآخر، والعلماء، وكتب العلم، وطلبة العلم، والمساجد.
стр. 7940
حرمة المؤمن وحرمة الدين
دُمرت الدنيا خمس مرات من أجل لا إله إلا الله، ومن أجل هذا الكيان، هذا دين أُقِيْمَ على الاحترام، دين هو صلة الله من السماء إلى الأرض، الملائكة كلها تحترم قداسة المؤمن، والرسول ﷺ ينظر إلى الكعبة ويقول: ﴿ما أعظمك! ما أجلك! ما أقدسك! والذي نفسي بيده لَلمؤمن أقدس منك وأعظم عند الله.
وفي لفظ: أشد حرمة منك﴾ كل شيء إلا الإسلام والسنة، أو ما يطبق من السنة فالاستهزاء بها كفر.
وبعض الناس تجده مستقيماً لكنه يبغض العلماء، لقلة عمله، ولجهلٍِ أو لشبهةٍ وردت في نفسه، فزرعت في قلبه النفاق، والخوارج فيهم شُعَبٌ كثيرة من النفاق، وتجدهم في سَمْت، وقيام ليل وبكاء، لكن ما أعفاهم ذلك، ولذلك قتل علياً ﵁ ابن ملجم وهو منهم.
فأما هذا فنقول: لا وألف لا، أما التهجم على العلماء وعلى طلبة العلم فأسألك بالله الذي لا إله إلا هو أن تنقذ نفسك من النار؛ فإن معناه الغضب والنفاق والكفر الذي ما بعده كفر.
هذا وأدعو إخواني من هؤلاء الشباب الذين عاشوا الصحوة أن يأتوا إلى العلم، وأن يجعلوا العلم وِردهم، والطريق الموصل إلى العلم، اللباب المقشر وهو أعظم طريق، عالم واحد كما في السنن عن ابن عباس مرفوعاً والموقوف أصح: ﴿أشد على الشيطان من ألف عابد﴾.
العابد يوسوس عليه الشيطان، العابد قد تتلعثم عليه المسائل، وقد تأتيه واردات وخطرات، العابد لا يدري بالحلال والحرام والشبهات، وقد يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، وقد قدم في موضع التأخير وأخر في موضع التقديم، أما العالم فعلى بصيرة، وكلما فتحت صفحة من كتب العلم كلما فتح الله لك باباً، كلما قرأت حديثاً كلما آتاك الله نوراً وهاجاً.
стр. 7941
دعوة إلى العلم وبيان فضله على العبادة
فأنا أدعوكم ونفسي يا شباب الإسلام إلى مدارسة العلم المصحف، كتب العلم، حلقات الذكر أيهما أفضل الليلة: أنت أم أحد الناس ذهب يصلي إلى صلاة العشاء؟ أنت الليلة -إن شاء الله- أفضل منه؛ لأنك تسمع المسائل، تسمع كلام المصطفى ﷺ ، تسمع إيرادات العلماء، تسمع مناقشات حارة وتحرير علمي، لا أقول: إني أتيت بها؛ لكن أتى بها أهل العلم، أنا ناقل فقط، أجمع ما قالوا وأعرض عليكم بضاعتهم، فالمقصود أن من حضر إلى هذه الحلقة وجلس أفضل ممن جلس يصلي ألف ركعة، لأن قصارى العبادة أن تكون لنفسك؛ لكن العلم يزيل خطرات الشيطان وتلبيسات إبليس.
وقد نصح ابن الجوزي بالعلم، قال العز بن عبد السلام: " كنت في شبابي أطلب العبادة فكنت عابداً كبيراً؛ فأصابني وسواسٌ الله أعلم به، فذهبت إلى العلماء وقلت: ما علاج الوسواس؟ قالوا: عليك بطلب العلم، فطلبت العلم فأذهب الله عني الوسواس " وقال ابن القيم: " لما بدأت حياتي قبل أن ألقى ابن تيمية كان في قلبي شبه ووساوس؛ فلما رأيت ابن تيمية شيخ الإسلام شكوت عليه ذلك فقال: عليك بالعلم لا تجعل قلبك كالأسفنجة تقبض الماء وتحتبسه، لكن اجعله كالزجاجة القوية تدفع الشبهة بقوتها وتراه بصفائها.
وأعظم ما يمكن جلوسك معه: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وتفتيشك ورقات الجويني أحسن من كثير من تسبيحات الصوفية الذين أتتهم الهواجس والخطرات، يقول الذهبي: يجلس أحدهم في الغرفة ثلاثة أيام لا يأكل حتى يرى الخشب أمامه أشباحاً، فيقول: هؤلاء ملائكة، قال: والله هؤلاء ليسوا بملائكة ولكن عقلك خاش وفاش.
نعم، من الجوع، وإلا فطريقه ﷺ طريق معروف لمن قرأ السيرة وحياة الصحابة رضوان الله عليهم، الخطابة خطابة والصلاة صلاة والقراءة قراءة، مع الأهل وفي السوق، هؤلاء هم العبَّاد، فماذا يريد الإنسان من غيرهم؟ أيريد الزوايا؟! أيريد المرقعات؟! أيريد الصوامع والغيران والكهوف؟! يريد تربية الأظافر وتربية الشعور والقذارة، وعدم الفقه في الدين، وركعات، ثم الغل والحقد على عباد الله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧].
أسأل الله لي ولكم لزوم السنة والاتباع، وترك الابتداع، وأن ننهج نهج محمد ﷺ ، فلا سعادة -والله- ولا فلاح ولا نجاح إلا في اتباع سنته وسيرته، ألهمنا الله رشدنا ووقانا شر أنفسنا.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبة وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 7942
الآباء ومسئولياتهم
إن الله تعالى قد أنعم على عباده بنعم كثيرة، من تلك النعم نعمة الأولاد، وواجبهم تجاه النعم هو الشكر، وشكر نعمة الأولاد يكون بتربيتهم وتعليمهم السلوك والأخلاق الحسنة، والله تعالى قد أوجب على الآباء تربية أبنائهم، وهذه الواجبات قد بينها الشيخ في هذا الدرس، فقد ذكر أكثر من عشرة حقوق تجب على الآباء، وذكر كذلك نماذج من تربية السلف الصالح لأبنائهم.
стр. 7943
تربية الأنبياء والسلف الصالح لأبنائهم
اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثل ما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بمحمد رسول الله ﷺ عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.
والصلاة والسلام على مربي الجيل الأول؛ الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، هادي البشرية، ومزعزع كيان الوثنية، ومعلم الإنسانية، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته
دونكم أيها الكرام حديثاً دونكم أيها الكرام حديثا
يتهادى حنينه لقلوب هي للحب والمكارم أشهى
كل ما قلته صبابة فضل في كئوس تهدى لأخيار أبها
وإن كان من شكر فإني أشكر الله ﵎ جل ثناؤه على أن جمعني بهذه الوجوه، ثم أشكر لذوي الفضل، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله ، ونحن أمة نقول للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت، فأشكر صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز، رئيس هذه الجمعية الخيرة المعطاءة، وأشكر نائبه، وأشكر القائمين عليها وعلى رأسهم الأستاذ الفاضل/ إبراهيم اليحيى، على جهودهم ثمرها الله بالأجر العميم في الدنيا والآخرة، وزادهم ثباتاً وإخلاصاً ونفعاً للعام والخاص.
محاضرتي في هذه الليلة بعنوان: الآباء ومسئولياتهم.
ويا لها -والله- من مسئولية ألقاها الله على عواتقهم من فوق سبع سماوات، يوم يقول الله لكبير البيت المسلم ورائده: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
وهذا الحديث سيكون على شقين وعنصرين: العنصر الأول يتحدث عن نماذج من تربية سلفنا الصالح لجيلهم ولأبنائهم، والعنصر الثاني: حق الأبناء على الآباء، وما هو الواجب الذي ألقاه الله ورسوله ﷺ على أكتاف أولئك الآباء.
هذا حديثنا لهذه الليلة، أسأل الله الهداية والسداد لما يحبه ويرضاه.
جيلنا الصالح، ابتداءً من موكب النبي الكريم يحملون التبعة أنفسهم، فيقومون بتربية النشء والجيل تربية يرضاها الله ويحبها، والله قص لنا في محكم كتابه الكريم قصص وعبر عن الأنبياء والصالحين.
стр. 7944
تربية يعقوب ولقمان ﵉ لأبنائهما
يقول الله عن يعقوب ﵇، وهو يتلطف مع يوسف ويأخذه بالرفق واللين: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف:٥] يقول: يا بني؛ تحبيباً وتقريبا، وأهل البلاغة يصغرون الاسم المنادى؛ ليكون أوقع في القلوب.
وكذلك لقمان، يربي ابنه التربية التي يرضاها الله ويريدها، ويبدأ معه في المعتقد، ثم في العبادات، ثم في الأخلاق والأدب والسلوك؛ يقول الله مستفتحاً القصة من أولها: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان:١٢] فأي حكمة هذه الحكمة؟ وما مدلولها وأثرها؟ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ * وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٢ - ١٣] هذا هو غرس الإيمان في قلب الطفل، يوم أن ينشأ عابداً لله ، يوم أن يسقط الطفل على الأرض وهو يسقط مسلماً حنيفاً ولم يكن من المشركين، فما من مولود إلا ويولد على الإسلام، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.
ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا
فيوم أن يقع الطفل على الأرض يكون المسئول الأول عنه هو الأب، أن يقوده إلى بر السلام وإلى طريق الجنة، فلقمان ﵇ يقول لابنه: يا بني! لا تشرك بالله، أي: احذر أن تكون مشركاً أو أن تجعل لله نداً، واحذر أن تعتقد أن هناك مع الله ضداً إنه الخطر المحدق يوم توسوس الشيوعية أو الإلحاد أو الوثنية في عقول الأبناء، فمن المسئول عنهم إلا الآباء.
ثم يأتي فيلاطفه مع والديه، وهو الحق الذي جعله الله مقروناً بحقه ومن جعل العقوق في المجتمع إلا بعض الآباء، ومن رضي بالعقوق وأدخله إلا سير بعض الآباء، يوم أن نشئوا بالعقوق مع آبائهم وأمهاتهم، فكان الجزاء من جنس العمل: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩].
وبعد أن انتهى من حقوق الوالدين قال له: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [لقمان:١٧] هل سمعت أسلوباً أعجب من هذا؟! وهل سمعت جودة أعظم من هذه الجودة؟! ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان:١٧] ثم قال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] فعلم أنه بعد أن يقيم الصلاة ويفرق طريق المسجد ومن طريق المسجد تلغى طريق الخمارة والمقهى والمعصية، وقرناء السوء والفساد وأهل الجريمة، وما وقع كثير من الشباب في تعاطي المخدرات، وفي الزنا -والعياذ بالله- وفي ضياع الأوقات، وفي استماع الترهات؛ إلا حين انحرفوا عن طريق المسجد.
فيقول لقمان ﵇ لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [لقمان:١٧] فإنك إذا أقمت الصلاة حفظك الله ، ثم قال له: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان:١٧] وعلم أنه إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فسوف يكون له أضداد وأنداد وحساد فقال له: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧].
انتهى من العبادة والعقيدة، ثم أتى إلى الأخلاق والأدب والسلوك فقال له: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان:١٨] لا تتكبر على عباد الله، لا تزهو، لا تكن تياهاً معجباً، فأنت عبد للواحد الأحد.
ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا
ثم قال له: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩] كن أديباً، كن موجهاً، كن طيباً، كن متواضعاً سهلاً ليناً وهذا هو الذي يريده الله من العبد.
стр. 7945
التربية الحقة في البيت النبوي
ورسولنا ﵊ اعتنى بتربية الأبناء، بل هو المربي الأعظم، وهو الذي نشر الفضيلة في الجيل، وهو الذي أنقذ الله به أهل الضلالة من ضلالتهم وأهل العمالة من عمالتهم
إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها
بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها
ورد عنه ﷺ أنه قال لـ أنس بن مالك ﵁ وأرضاه: ﴿يا بني! إن استطعت أن تنام وليس في قلبك غش لأحد فافعل﴾ وهذا الحديث حسن.
عليك الصلاة والسلام يا من علمت أجيال الأمة الأدب! ويا من غرست في قلوبهم المعتقد! ويا من حركتهم للهمم العالية!
انظر إليه ﷺ كيف كان يربي ويعلم، وكيف كان يوجه الجيل.
في سنن الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عباس ﵄ وأرضاهما قال: ﴿كنت رديف النبي ﷺ ، فقال لي: يا غلام! قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله.
قال: يا غلام! قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله.
قال: يا غلام! قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله.
قال: إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾.
فهل أوحى الآباء لأبنائهم بهذه الكلمات؟ وهل سجل الآباء هذه الكلمات في صدور أبنائهم بأسطر من نور؟ وهل قال الأب لابنه في الصباح الباكر، وهو يودعه إلى مدرسته أو إلى عمله أو إلى مزرعته: احفظ الله يحفظك؟ إنها وصية الله للأولين والآخرين، إنها الوصية التي لما افتقدناها من بيوتنا ومن مجتمعاتنا -إلا من رحم الله- قلَّت القلوب الواعية، وكثرت المخالفات والمعاصي، وأصبحنا نتذمر من المسئولية.
هذا نثر وإن كان في النثر سعة ففي الشعر مجال أوسع، يقول أحد علماء الأندلس وقد أخذ يوصي ابنه ويقول له:
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
إنه غرس الرقابة والخشية في قلوب الأبناء، لينشئوا والخوف يملأ قلوبهم من الواحد الأحد، وهي تربية الإيمان التي أرادها ﷺ ، هذه هي بضاعة محمد ﷺ ، وليست من ميراث كانت ولا ديكارت أعداء البشرية، الذين يقولون: ينبغي أن يربى الابن شاكاً قبل أن يكون متيقناً؛ شاكاً في الله، شاكاً في اليوم الآخر، شاكاً في الرسالة الخالدة، والله قد جعله مولوداً على العبادة وعلى التوحيد والاستقامة.
ويقول الأندلسي الآخر وهو يوصي ابنه:
أبا بكر دعوتك لو أجبتا إلى ما فيه حظك لو عقلتا
إلى علم تكون به إماماً مطاعاً إن نهيت وإن أمرتا
ويجلو ما بقلبك من عماها ويهديك السبيل إذا ضللتا
فهل وعى أهل الإسلام هذه الوصايا الخالدة؟
стр. 7946
التربية الجادة عند السلف الصالح
تعالوا معنا ننظر إلى السلف الصالح بعد قرن المصطفى ﷺ كيف ربوا وكيف وجهوا، وكيف أحسنوا التربية، وكيف أحسنوا القيام على البيوت.
يقول جعفر الصادق ﵁ وأرضاه، وهو يوصي ابنه: "يا بني! لا تصاحب فاجراً ولا عاقاً ولا بخيلاً ولا كذاباً؛ فإن الفاجر قد استحق لعنة الله، وإن العاق قد أدركته ظلامة أبيه وأمه، وإن البخيل يبيعك أحوج ما تكون إليه، وإن الكذاب يقرب لك البعيد ويبعد لك القريب" هذه وصايا خالدة تبث للأبناء في بيوتهم من الآباء.
وتعالوا ننظر إلى ديار الصحابة، الذين عاشوا على الهداية والرشد والاستقامة.
فهذا سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه، الذي رباه رسول الله ﷺ ، عاش شاباً مؤمناً، فلما أرادت أمه أن تستهوي قلبه وأن ترده إلى الكفر، أبى؛ لأن الإيمان أصبح في قلبه كالجبال الرواسي، قالت أمه: يا بني! إلا عدت عن دينك وحلفت بآلهتها ألا تأكل ولا تشرب حتى يترك دينه.
فقال لها قولة المسلم الواثق من نفسه، المتمكن من إيمانه، الراسخ يقينه: [[يا أماه! والذي نفسي بيده، لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفساً نفساً ما عدت عن ديني، فكلي أو دعي.
فلما رأت الجد أكلت وبقيت على دينها]] إنه إيمان غرسه محمد ﷺ .
وهذا مصعب بن عمير تأتيه الدنيا وهو في بيت الدنيا، يلبس الحرير والديباج، ويتسور بالذهب وهو شاب في الجاهلية، أمه أغنى امرأة من نساء مكة، فلما دعته إلى دينها أبى؛ لأن الرسول ﷺ غرس في قلبه لا إله إلا الله، فأصبح عبداً لله، وأصبح متوجهاً إلى الله، وأصبح مخبتاً لله حبسته، ضربته، عذبته، قاطعته؛ فأبى وأتى إلى دين الله أتى ودخل على الرسول ﵊ وعليه شملة ممزقة؛ فدمعت عيناه ﷺ وقال: ﴿والله الذي لا إله إلا هو، لقد رأيت مصعب بن عمير وهو من أحسن شباب مكة، رواءً وثراءً، وقد ترك ذلك كله لله، فعسى الله أن يعوضه خيراً من ذلك﴾.
حبيب بن زيد، تربيه أمه تربية صادقة مخبتة خالصة لوجه الله، فينشأ مجاهداً، ويرسله ﷺ إلى مسيلمة الكذاب الدجال في اليمامة، فيدخل عليه وعمره يقارب العشرين، فيقول مسيلمة: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ فيقول: نعم.
قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: لا أسمع شيئاً.
فأخذه وقطعه بالسيف إرباً إرباً ولم يرجع عن دينه.
من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا
كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا
أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا
стр. 7947
نماذج من التربية عند النساء المؤمنات
الخنساء ﵂ وأرضاها -وهي النخعية- تُحضر أبناءها الأربعة إلى معركة القادسية وقد ربتهم على الصلاة، وعلى الاستقامة والذكر، فلما حضرت المعركة بين عباد الله المؤمنين وبين أعداء الله الكافرين، قالت لهم قبل بدء المعركة بدقائق: يا أبنائي! أنا أمكم، والله ما خنت أباكم، ولا خدعت خالكم، ووالله إنكم لأبناء رجل واحد، فإذا حضرت المعركة فيمموا وجهها، وأقبلوا على أبطالها، وقاتلوا رجالها، عسى الله أن يقر عيني بشهادتكم.
أي: أن يموتوا شهداء، وبدأت المعركة وقتلوا الأربعة في أول النهار، وجاء بعض المسلمين يهنئها بذلك؛ فتبسمت وفرحت كثيراً وقالت: الحمد لله الذي أسعدني بشهادتهم في سبيله.
إنها التربية والله وصدق القائل إذ يقول:
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق
الأم روض إن تعهده الحيا بالري أورق أيما إيراق
وهذه أسماء بنت أبي بكر ﵂ وأرضاها، ذات النطاقين، اللذين جعلهما الله سمةً لها في الجنة، تقول لابنها عبد الله بن الزبير الفارس المسلول، الذي صلب في الحجون بالبطولة، ورفع لا إله إلا الله
علو في الحياة وفي الممات بحق أنت إحدى المعجزات
كأن الناس حولك يوم قاموا وفود نداك أيام الصلات
تقول له -وقد أتى ليستسلم خوفاً من الحجاج بن يوسف الثقفي -: يا بني! اصبر فإنك على الحق.
قال: يا أماه! إني أخاف إذا ذبحوني أن يسلخوني ويقطعوا جسمي.
قالت: يا بني! لا يضر الشاة سلخها بعد ذبحها، فثبت على الحق، ولبس أكفانه ومات شهيداً ﵁ وأرضاه؛ لأن وراءه أم عظيمة.
стр. 7948
حقوق الأبناء على الآباء
وأما حقوق الأبناء على آبائهم فتكمن في اثني عشر حقاً أجملها ثم أفصلها؛ وهي كما يلي:
اختيار الزوجة الصالحة، ثم أدب الاتصال بين الرجل والمرأة، ثم أحكام الولادة وما بعدها، ثم التربية، ثم الإحسان في المعاملة، ثم غرس الإيمان، ثم تعاهد الجيل، ثم المصاحبة، ثم بث روح الإيمان، وهو غرس الإيمان، لكن بالأحكام والمعاملة والسلوك.
والآن نشرع في تفصيلها:
стр. 7949
أحكام الولادة وما بعدها
علمنا رسولنا ﷺ أن إذا ولد لأحدنا مولود أن يؤذن في أذنه اليمنى ويقام في اليسرى، والحديث حسن وهو في السنن، وقد فعل ﷺ هذا مع الحسن والحسين، حيث أذن في أذن أحدهم في اليمنى وأقام في اليسرى.
سبحانك يا رب! يا للحكمة! أول ما يقع رأسه على الأرض يسمع أذان الحق، يسمع الأذان الخالد، يسمع الرسالة المعطاءة، التي أنزلها الله على رسوله ﷺ ، لا يسمعونه لغواً ولا زوراً ولا فحشاً ولا مجوناً، وإنما يدوي في أذنه من أول مرة: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر فتنبت في قلبه وهو رضيع شجرة الإيمان.
قال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٥] إي والله، إنها شجرة (الله أكبر).
زرعنا الله أكبر منذ حين فأنبتنا شباباً خالدينا
ويقيم في الأذن الأخرى لينشأ عابداً مصلياً متوجهاً إلى الله.
وهذه السنة قد أهملت عند كثير من الناس، وربما ينشأ الطفل وقد ردد على لسانه كلام الفحش والمجون والعهر والعياذ بالله؛ لأن اللسان إن لم يقوَّم نقل كلاماً لا يرضي الله، والعقل إن لم يهذب حمل أفكاراً لا ترضي الله، والقلب إن لم يوجه حمل وسوسة ووثنية تغضب الله .
فأنت الأب، وأنت القائم، وأنت الحكيم على ابنك، وأنت المستودع، وأنت المسئول أمام الله، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم:٦].
الأمر الثاني: من السنة أن نعق عن المولود، عن الذكر شاتين وعن الأنثى شاة، فقد جاء في حديث حسن: ﴿عق ﷺ عن الحسن شاتين﴾ وكان ﵊ يعق عن الأنثى، وأمر أن يعق عن الأنثى بكبش واحد.
ومن حكم العقيقة؛ أن يبدأ الأب في البذل والعطاء، ويعلن الفرحة، ويشكر الله على هذه النعمة؛ أن رزقه ولداً، فالابن نعمة من الله؛ خاصة إذا نشأ نجيباً ودوداً حبيباً، والولد ليس بالأمر السهل، والعقم مرض، ولا تصفو لك الحياة إذا كنت عقيماً، وقد شكا بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام العقم إلى الله قال زكريا: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩] اجعل لي وارثاً، لكن ليكن هذا الوارث صالحاً صادقاً مخلصاً منيباً.
فما دام أن الله قد أنعم عليك بنعمة الولد فاشكره ، وادع جيرانك وإخوانك، وأطعمهم طعامك؛ لتعلن نعمة الله وشكرها وليكن أول طريقك مع هذا المولود البذل والكرم والعطاء، لا البخل والجفاف والحبس فهذه من حكم العقيقة، وكل مولود مرتهن بعقيقته حتى يعق عنه.
وكذلك من السنن أن يحلق رأسه، وأن يتصدق بوزنه فضة أو ما يعادلها من المال، وهذا أمر ثبت عنه ﷺ ، وذكره ابن القيم في كتاب تحفة المودود بأحكام المولود، والحكمة في ذلك: تفاؤلاً بأن الله يحط عنه الخطايا، وأن ينشئه عبداً صالحاً، وأن يكون طيباً مقبولاً، ولحكم أخرى قد لا تظهر لنا.
стр. 7950
إحسان الاسم
ومن حقوق الأبناء على آبائهم: إحسان الاسم؛ أن يختار الاسم الشريف، والاسم المطلوب في الإسلام، وفي الحديث الصحيح: ﴿أحب الأسماء إلى الله عبدالله وعبد الرحمن﴾ أما الحديث الذي يقول: ﴿أحب الأسماء إلى الله ما عبد وحمد﴾ فلا يصح، لكن كل اسم فيه لفظ العبودية فهو طيب وحبيب إلى القلوب؛ لأن ابنك يوم أن يتردد في ذهنه هذا الاسم -اسم عبد الله، عبد الرحمن، عبد الوهاب، عبد السلام- يتذكر هذه الصلة بينه وبين الله، والله شرف أنبياءه بالعبودية، فقال لرسوله ﵊: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] وقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [الجن:١٩] وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:١].
ونهى ﷺ أن يتسمى بعض الأسماء: ﴿جاءه رجل فقال: ما اسمك؟ قال: غاوي بن ظالم.
فقال ﷺ : بل أنت راشد بن مقسط﴾ فبدل ﵊ اسم غاوي براشد وظالم بمقسط، تفاؤلاً أن يكون راشداً مقسطاً.
فواجب الأب أن يسمي ابنه اسماً حسناً، يقول ﵊ كما في الحديث الحسن: ﴿أحسنوا أسماءكم وأسماء أبنائكم، فإنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم﴾.
فإذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه؛ نادانا بأسمائنا وأسماء آبائنا، نادانا مع الملايين المملينة والألوف المؤلفة من الشعوب والأمم والمجتمعات: يا فلان ابن فلان ابن فلان من آل فلان، قم إلى الله ليحاسبك ولا يظلمك هذا اليوم أفلا يريد المسلم أن يكون اسمه حسناً؟ ولا يكون اسماً لا معنى له، اسم مستورد من أسماء الخواجات التي لا تدخل في العقول، ولا في اللغة، ولا في الأدب، ولا في المجتمع، أو من الأسماء التي توحي ببعض المجون، أو الظلم، أو الفحش، أو سوء الأدب، فهذه أسماء تقشعر منها الأبدان، وكان يفعلها العرب، وفي سنن أبي داود ﴿أنه ﵊ قال لرجل: قم احلب الناقة، ما اسمك؟ قال: صخر.
قال: اجلس.
ثم قال للثاني: ما اسمك؟ قال: حرب.
قال: اجلس.
ثم قال لثالث: ما اسمك؟ قال: مرة.
قال: اجلس.
قال للرابع: ما اسمك؟ قال: يعيش.
قال: قم فاحلب الناقة﴾ إنه التفاؤل بالأسماء الطيبة، التي تورث الحب والتفاؤل وحسن الطالع
مع الطائر الميمون يا خير مقدم فأهلاً بالمسمى على العهد
следующие страницы →