← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 8226–8265 · переход к 8231.

стр. 8226

فضل بر الوالدين والشاهد: أن بر الوالدين الذي انتهك وضيع في هذه الأزمان إلا فيمن رحم الله، فتجد الأب إذا شاخ ازدراه ابنه، واستهزأ به، وجفاه وتغلظ عليه وتأمر، فلا يطيعه أبداً، يرى أن نفسه قد كبرت وأنه قد أصبح من الرجال الذين لا يحتاجون إلى أن يتأمر عليهم أحد من الناس، سبحان الله! أبوك وأمك اللذان تعبا لترتاح، وسهرا لتنام، وجاعا لتشبع، وظمئا لتروى. روى الطبراني بسنده: أن رجلاً قدم على رسول الله ﷺ وهو يبكي فقال: يا رسول الله! أشكو إليك شكاية، قال: ما لك؟ -شيخ كبير يبكي عند رسول الله ﷺ قال: ما لك؟ قال: يا رسول الله! أشكو إليك ابني، قال: ما فعل بك؟ قال: ربيته يا رسول الله، فلما كبر تغمط حقي وأغلظ لي، وجفاني وتنكر لي، وبلغ به العقوق أن لوى يدي وراء ظهري، فدمعت عيناه ﷺ وقال: أقلت في ذلك شعراً؟ -والعرب كانت تنفس عن أحزانها وهمومها بالشعر- قال: نعم. قال: ماذا قلت فيه؟ قال: قلت فيه: غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً تعل بما أجري عليك وتنهل يقول: ربيتك صغيراً وحفظتك حتى كبرت. إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبِتْ لسقمك إلا شاكياً أتململ يقول: إذا زارك المرض فكأنه زارني أنا، فلا أنام وأنت المريض. فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما فيك كنت أؤمل جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل فليتك إذ لم ترع حق أبُوَّتي فعلت كما الجار المجاور يفعل ليتك يوم ما بررتني ولنت لي وتسهلت لي وأكرمتني؛ حفظت أذاك عني وفعلت كالجيران، لكن زيادة في النكاية آذيتني وشتمتني وعصيتني. قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤]. فيا سرور مَن بَرَّ أبويه! ويا حبور من بر أبويه يوم أن يشيبا؛ ويقتربا من القبر، يوم يكون أملهما بعد الله أنت، فتتقرب إلى الله ببرهما، حينها يفتح الله لك باب الجنة، ويسدل عليك رحمته، ويجعل أبناءك بارين بك، ويتولاك في الدنيا والآخرة.

стр. 8227

فضل العفة ومخالفة الهوى ﴿وأتى الرجل الثاني وقال: اللهم إنك كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فراودتها عن نفسها فأبت -استعصمت بحبل الله، امرأة تقية صَيِّنَة دَيِّنَة- قال: فألمت بها سنة قحط وفقر -والفقر والجهل قريبان من المعصية- قال: فعرضت عليها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، فلما فَعَلَتْ واقْتَرَبْتُ منها قالت لي: يا عبد الله، اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، قال: فقمت عنها وأنا أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك ففرِّج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئاً لكن لا يستطيعون الخروج منه﴾: وهذه هي العفة، وهذه هي أسوة يوسف ﵇ يوم ابتلاه الله فرفع منزلته بالعفة والأمانة، عرضت له الملكة الجميلة نفسها في القصر وهو شاب أعزب من أجمل الناس، فتذكر لقاء الله، وموعوده، وعذابه الذي: ﴿لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٥ - ٢٦] فقال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف:٢٣] فمن يقول منا -يا شباب الإسلام- اليوم معاذ الله؟! من إذا نظر إلى المرأة الجميلة في السوق غض طرفه وقال: معاذ الله؟! من إذا سمع نغمة اتصال من امرأة أجنبية قال: معاذ الله؟! من إذا حدثه الشيطان وسوَّل له قال: معاذ الله؟! من إذا عرض عليه الفيلم الماجن الذي ضيع عقول الشباب ودينهم ومروءتهم قال: معاذ الله؟! من إذا رأى المجلة الخليعة قال: معاذ الله؟! من إذا سمع الأغنية الماجنة قال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:٢٣]؟! إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل طرفةً ولا أن ما يخفى عليه يغيب لهونا لعمر الله حتى تتابعت ذنوب على آثارهن ذنوب فيا ليت أن الله يغفر ما مضى ويأذن في توباتنا فنتوب إي والله! من لم يحفظ الله في الرخاء لا يحفظه في الشدة.

стр. 8228

فضل الأمانة والتسامح ﴿وتقدم الثالث فقال: اللهم إنك تعلم أنه كان لي أُجراء -خُدَّام- قال: فحاسبتهم فأعطيتهم أجورهم إلا رجلاً واحداً منهم ذهب مغاضباً وترك أجرته، فأخذت أجره فثمَّرته له وبعت واشتريت له، حتى أصبح له من المال والغنم والإبل والرقيق شيء كثير، ثم أتاني بعد سنين فقال لي: يا عبد الله! اتق الله وأعطني حقي الذي عندك، قلت: خذ هذا المال فإنه مالك، قال: أتستهزئ بي؟ -مِن كثرة المال- قلت: لا والله لا استهزئ بك، قال: فساقه فلم يترك منه شيئاً؛ اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون﴾. فيا لسعادة الصلحاء وقت الرخاء، يوم ينجيهم الله في الأزمات! ويا لفرحة من قدم لنفسه في الساعات الثمينة الغالية! وهذا مصداق لحديث النبي ﷺ الذي رواه الترمذي بسند حسن، وهو حديث مذهل مدهش، يقول أحد العلماء كما ذكر ذلك ابن رجب: " ما قرأت هذا الحديث إلا أصابني الذهول منه، حيث يقول الرسول ﵊ لـ ابن عباس: ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرَّف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾. عباد الله: أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

стр. 8229

كرامات الأولياء الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 8230

شرطا الكرامة عباد الله: في الحديث السابق كرامة من كرامات الأولياء، وكرامات الأولياء أثبتها أهل السنة والجماعة؛ لكن بشرطين كما يقول شيخ الإسلام وعلم الأعلام ابن تيمية ﵀ في المجلد الحادي عشر من فتاويه قال: يشترط في الكرامة شرطان: الشرط الأول: أن تكون على طاعة، أو تكون ثمرة ونتيجة لطاعة، فتحصل على يد رجل طائع لله ؛ لا فاجر ولا كاهن ولا مشرك ولا ساحر ولا منجم؛ لأن هؤلاء أعداء الله وأعداء رسله عليهم الصلاة والسلام، وقد يحدث لهم خوارق وأمور تخالف عادات الناس، وأمور يحدثها الله فتنة وابتلاء لهم. فلا بد للكرامة أن تكون على طاعة، وأن يكون صاحبها على الكتاب والسنة، قال الشافعي رحمه الله تعالى: لا تغتروا بالعبد ولو طار في الهواء وسار على الماء حتى توازنوا عمله بالكتاب والسنة. أو كما قال. والشرط الثاني: أن تستغل هذه الكرامة في مرضاة الله، وفي رفع دعوة الله ، وفي نصرة دينه وحماية أوليائه. والله يجعل الكرامات للأولياء بسبب إخلاصهم.

стр. 8231

قصة الإسرائيلي الذي أودع الدنانير في خشبة في البحر وقد ورد في صحيح البخاري في كتاب الوكالة: أن رجلاً من بني إسرائيل لقي آخر فاستسلفه ألف دينار، فقال له ذاك الرجل: ما أعرفك فهل لك من شاهد، قال: ما أجد شاهداً، قال: ابحث عن شاهد، قال: ليس لي من شاهد إلا الله، قال: كفى بالله شاهداً بيني وبينك، قال: فهل لك من كفيل يؤدي عنك المال -أو يغرم المال أو يكفلك في حضورك؟ - قال: ليس لي من كفيل، قال: ابحث عن كفيل، قال: والله لا أجد كفيلاً إلا الله، قال: كفى بالله كفيلاً. فأخذ الألف دينار وذهب بها وركب البحر، فلما ركب البحر ونزل في قريته مكث ما شاء الله من الأعوام، فلما أتى الموعد أخذ الألف دينار ليردها إلى صاحبها، فأتى إلى شاطئ البحر فلم يجد سفينة ولا قارباً؛ فبقي على شاطئ البحر ثلاثة أيام يسأل ويبحث حتى أيس من السفن والقوارب، وفي الأخير تذكر أن الضامن هو الله، وأن الكفيل هو الله، وأن الشاهد هو الله، فأخذ عوداً من خشب فنقر العود وأدخل فيه الدنانير ثم كتب عليه رسالة، وجعل العود في البحر وقال: اللهم إنه استشهدني فلم أجد شاهداً إلا أنت وطلبني كفيلاً فلم أجد كفيلاً إلا أنت، اللهم فأدِّ هذا المال إليه، ثم ضرب العود في البحر، فساقه علام الغيوب -الحافظ الحكيم وأسرع الحاسبين، الشاهد والكفيل ، وكفى بالله وكيلاً وكفى بالله كفيلاً- حتى وصل إلى الشاطئ الآخر. وخرج ذاك الرجل في نفس الموعد يتحرى لأن بينه وبين ذاك الرجل موعداً، فرمى البحر بهذه الخشبة إلى الرجل فأخذها وقال: آخذها حطباً لأهلي، وأيس من ذاك الرجل، فلما ذهب إلى بيته كسر الخشبة فوجد فيها ألف دينار ووجد الرسالة فقال: كفى بالله وكيلاً وكفى بالله شهيداً﴾ وهذه كرامة.

стр. 8232

كرامة صاحب عقد المرجان وذكر ابن رجب في طبقات الحنابلة عن أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي قال: " ونقل عن رجل من الصالحين أنه قال: سافرت يوماً من الأيام إلى مكة حاجاً قال: فانتهت نفقتي وانتهى طعامي وزادي، وأصبح بي من الضر والجوع شيء لا يعلمه إلا الله، قال: فذهبت ألتمس الطعام والشراب والزاد في مكة، فبحثت في الأرض في مزبلة هناك فانكشف لي عقد ثمين فيه در وجواهر، كل جوهرة تساوي الآلاف من الدنانير -عقد يساوي ميزانية هائلة- قال: فحملت العقد وبي من الفرح مالا يعلمه إلا الله، قال: وذهبت به حتى دخلت الحرم، وإذا برجل ينادي من وجد لي ضالة وصفها كذا وكذا قال: فإذا هو العقد الذي هو عندي، قال: فتقدمت فسألته فأتى بأوصاف هذا العقد، قال: فاتقيت الله فدفعت له العقد قال: فوالله ما ناولني درهماً ولا ديناراً. قال: ثم ذهب وتركني، قال: فلما انتهيت ركبت البحر في سفينة قال: فلما أصبحت في السفينة جاءتنا ريح شديدة لا يعلم قوتها إلا الله، فكسرت السفينة، وغرق أصحابي جميعاً، وبقيت على خشبة ثلاثة أيام بين الموت والحياة، وأنا أسبح الله وأذكره، قال: فرمت بي الخشبة على جزيرة، قال: فنزلت الجزيرة فدخلت مسجداً هناك في القرية، فأتيت فوجدت مصحفاً أقرأ فيه، فقال أهل القرية: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. قالوا: علمنا القرآن ونعطيك أجراً، قال: فعلمتهم القرآن، قالوا: أتجيد الخط؟ قلت: نعم. قالوا: علمنا الكتابة، قال: فلما استأنست بهم قالوا: إن هنا ابنة صالحة يتيمة، وقد كان أبوها من الصالحين، نريد أن تتزوجها، قال: فلما تزوجتها ورأيتها وإذا بذاك العقد الذي وجدته في مكة في نحرها، قلت: يا أمة الله! أريني العقد، قال: فسلمتني العقد! فوالله الذي لا إله إلا هو، إنه ذاك العقد؟ قلت: ما خبر هذا العقد، قالت: حججت مع أبي سنة كذا وكذا وقد جمع أمواله ودنانيره ودراهمه واشترى هذا العقد، فهو مالنا وميراثنا وكنزنا، قالت: ثم ضاع منه فوجده رجل من الصالحين فسلمه لأبي؛ فكان أبي كلما صلى صلاة يقول: اللهم وفق بين ابنتي وذاك الرجل الصالح، قال الرجل: فوالله الذي لا إله إلا هو، إني أنا الرجل الذي وجدت العقد ". إن من يحفظ الله يحفظه، ومن يستهدِ بالله يهدِه، ومن يستكفِ به يكفِه. وهذه من السنن الكونية الخلقية القدرية، ومن السنن الأمرية الشرعية التي أوردها الله في الكتاب والسنة، ولا يضيع إلا مَن ضيَّعه الله، فاستهدوا بالله يهدكم، واستحفظوا الله يحفظكم، واستكفوا به يكفكم، وتوكلوا عليه يكفكم .

стр. 8233

خاتمة عباد الله: وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم اجمع كلمة المسلمين، ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم إلى ما تحبه وترضاه يا رب العالمين، اللهم اجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك؛ برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم وفق أئمتنا لما تحبه وترضاه، اللهم أعنهم على تحكيم كتابك وسنة نبيك ﷺ ونصرة دينك. اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا. اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 8234

من آداب النبوة (٢) تواصلاً لما بدأه الشيخ من عرض لآداب الرسول ﷺ من كتاب الأدب في صحيح البخاري، يتحفنا في هذه المادة بآداب أخرى هامة يستهلها بالحديث عن صلة الأخ المشرك. ثم ذكر قصة وفد بني تميم مستخرجاً منها بعض الفوائد والآداب، ونبه على المخالفات التي وقع فيها ذلك الوفد كما تكلم عن استحباب التجمل في الإسلام بما ليس محرماً. كما احتوت هذه المادة على باب آخر هو باب رحمة الولد وتقبيله، تكلم فيه الشيخ عن التعامل مع الأطفال ذاكراً مواقف الرسول ﷺ وتعامله مع الحسن والحسين ﵁.

стр. 8235

شرح حديث البخاري في صلة الأخ المشرك الحمد لله الذي شرح صدور أهل الإسلام للسنة فانقادت لاتباعها، وارتاحت لسماعها، وأمات نفوس أهل الباطل بالبدعة بعد أن تمادت في ابتداعها، وتغالت في نزاعها، والصلاة والسلام على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أشهد أن الله حق، وأن وعده حق، وأن النبيين حق، وأن محمداً ﷺ حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق. عباد الله: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٠ - ١٠٢]. ومعنى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران:١٠١] أي: كيف تزيغون وعندكم الكتاب والسنة؟ وكيف تضلون وبين أظهركم الكتاب والسنة؟ إنه شيء عجيب مذهل، ونحن هذه الليلة مع آداب النبوة في الحلقة الثانية، مع المصطفى ﷺ وهو يؤدب الناس بالأدب الذي أدبه الله به، فمع البخاري في مسيرته الرائدة الحافلة الموجهة، التي شقت طريقها ما يقارب أحد عشر قرناً في الأمة الإسلامية. يقول رحمه الله تعالى في كتاب الأدب (باب صلة الأخ المشرك): حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد العزيز بن مسلم، قال: حدثنا عبد الله بن دينار، قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: ﴿رأى عمر حلة سيراء تباع، فقال: يا رسول الله! ابتع هذه والبسها يوم الجمعة، وإذا جاءك الوفود، قال ﵊: إنما يلبس هذه من لا خلاق له، فأتي النبي ﷺ منها بحلل، فأرسل إلى عمر بحلة، فقال: كيف ألبسها وقد قلت فيها ما قلت؟! فقال ﵊: إني لم أعطكها لتلبسها، ولكن تبيعها أو تكسوها، فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم﴾ هذا الحديث له قصة وفيه قضايا.

стр. 8236

قصة هذا الحديث أما قصته فكما قرأناها؛ فقد كان عمر ﵁ وأرضاه، يريد أن يظهر الداعية ﵊ بمظهر الجمال والجلال والكمال، وكانوا يحبونه ﵊ أكثر من أنفسهم، وفي صحيح البخاري أن عمر قال: ﴿يا رسول الله! والله إنك أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي، فقال ﵊: لا يا عمر! -أي: ما وصلت تلك المنزلة التي أريدها منك، فالدين يريد منك أن تكون أكبر من هذا- فقال: لا. حتى أكون أحب إليك من نفسك، قال: فو الله الذي لا إله إلا هو إنك الآن أحب إلي حتى من نفسي﴾ وصدق، ونشهد الله أنه كان أحب إليهم من أنفسهم. وفي الصحيحين من حديث أنس، قال: قال ﵊: ﴿ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما﴾. فـ عمر أتى بهذه الحلة، وهذه الحلة لـ عطارد بن حاجب بن زرارة وهو تميمي، وفد المدينة بحلل يبيعها، وكانت هذا القصة في السنة التاسعة كما بين ذلك الحافظ ابن حجر، فأتى وفد تميم في السنة التاسعة، يريدون الإسلام بين يدي رسول الله ﷺ ، فلما أرادوا الإسلام، وكانوا عقلاء دهاة نبلاء، وكان بنو تميم آنذاك قرابة عشرة ألف، وكانت تضرب من نجد إلى بادية السماوة في العراق. فقالوا: نريد أن نفد على هذا الرسول ﵊ مسلمين، فاختاروا أحلمهم وهو قيس بن عاصم، وهذا قيس بن عاصم أحلم العرب، وهو: ﴿سيد الوبر﴾ كما قال ﵊، وفي أثر في سنده ضعف أن قيساً هذا لما وفد على الرسول ﵊، قال: ﴿يا رسول الله! دنا أجلي، ورق عظمي، ولاح شيبي؛ فأوصني بوصية جامعة، فقال له ﷺ : يا قيس! إن مع الغنى فقراً، وإن مع القوة ضعفاً، وإن مع العزة ذلة، يا قيس! إن لكل حسنة ثواباً، ولكل سيئة عقاباً، يا قيس! إن معك قريناً يدفن معك وأنت ميت، وتدفن معه وهو حي، فهو عملك فأقلل منه أو أكثر﴾ فترقرقت دموع قيس بن عاصم وكان في السبعين. وقد عقد له البخاري ثلاثة أبواب في كتاب الأدب المفرد، وله حديث عند أبي داود في اغتسال المشرك إذا أسلم، وهو من سادات العرب، وهو أول من قتل الموءودة كما سلف معنا في الدرس الماضي، سامحه الله وغفر الله له فقد أسلم, وهو الذي يقول فيه الأول: عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما تحية من ألبسته منك نعمةً إذا زار عن شحط بلادك سلما وما كان قيس موته موت واحد ولكنه بنيان قوم تهدما

стр. 8237

مخالفة وفد بني تميم للآداب الإسلامية أخذ بنو تميم أحلم العرب وهو قيس هذا وعطارد بن حاجب خطيب العرب كان من بني تميم، وأخذوا شاعرهم وهو الزبرقان بن بدر، وأخذوا حكيمهم وهو عمرو بن الأشهل، فوفدوا سبعة، ثم طرقوا المدينة فدخلوا وقت القيلولة، والإسلام يعلم المسلم التربية الحسنة وحسن التصرف، ثلاث عورات لا يجوز الدخول فيها، قبل صلاة الفجر، وحين نضع ثيابنا من الظهيرة، وبعد صلاة العشاء، هذه أوقات لا يدخل فيها على أحد ولا يزار فيها أحد، فهي أوقات حرجة، خاصة بهدوء المؤمن وراحته مع أهله وأطفاله. ولكن هؤلاء لم يتعلموا تعاليم الإسلام، وما سكب في أرواحهم رحيق الإيمان، وما تدربوا في مدرسة القرآن، فأتوا بعد صلاة الظهر السبعة، وأتوا يصيحون من وراء الحجرات: يا محمد! يا محمد! يا محمد! اخرج إلينا، فما سمعوا راداً يرد، وفي الأدب المفرد للبخاري: ﴿من بدا جفا﴾ وقال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [التوبة:٩٧] لأنهم تربوا مع التيوس والكلاب، ولذلك يقول الشاعر علي بن الجهم لما دخل على المتوكل يمدحه، وكان ابن الجهم بدوياً: مرحباً مرحباً قليل الخطايا من كثير العطا قليل الذنوب أنت كالكلب في حفاظك للود وكالتيس في قراع الخطوب فأرادوا قتله، فقال المتوكل: اتركوه، وأنزلوه في الكرخ سنة، وهو بلد جميل فياض ناعم في حضن بغداد، وفيه نهر دجلة يعانق نهر الفرات، فأنزلوه سنة ثم أتى بعد سنة، فاستفتح قصيدته الرائعة، التي يقول في أولها: عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري وهي طويلة، والمقصود أنهم أهل جفاء فقالوا: يا محمد! اخرج إلينا، فمدحنا زين وذمنا شين، فقال ﵊: ﴿ذلك هو الله﴾ أي: إن الله إذا مدح مدح، وإذا أثنى أثنى، وإذا ذم ذم، فالممدوح من مدحه الله، والمذموم من ذمه الله، والمحبوب من أحبه الله، والمكروه من كرهه الله، ثم أنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:٤ - ٥] ومع ذلك فالله يغفر ويرحم فخرج ﷺ ورأي هذا الوفد وكأنهم النجوم، خيرة قومهم وقاداتهم، الواحد منهم يستطيع أن يقود قبائل من الناس. من تلقَ منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري فقال ﵊: ماذا تريدون؟ قالوا: نريد الإسلام، ولكن قبل أن نسلم بين يديك نشترط عليك شرطاً، قال: ما هو الشرط؟ قالوا: لا نسلم حتى نفاخرك وتفاخرنا، قال: كيف؟ قالوا: يأتي شاعرنا يفاخر شاعرك، وخطيبنا يغالب خطيبك، فمن غلب رأينا ذلك، وهذه سنة الجاهلية، إذا وفدوا عند الملوك تمادحوا وتفاخروا في حلبة المصارعة، ليروا المنتخب الذي يفوز بين يدي الناس حتى يرى الناس فضله. قال ﵊: حيهلا وسهلا، الأمر سهل، عنده خطيبٌ يمكن أن يدمرهم تدميراً، وعنده شاعر حسان بن ثابت لا يبقي في ميدانهم عوجاً ولا أمتاً، فنازلهم ﷺ ، وهذا عقد له البخاري أبواباً، وهو في أسد الغابة لـ ابن الأثير بأسانيد ثلاثة.

стр. 8238

مفاخرة وفد بني تميم عند الرسول ﷺ فجلس ﷺ في المسجد، وجمع الناس، وحضر الأطفال والنساء، فقال: ليقم خطيبكم، فقام عطارد صاحب الحلة، وهو صاحبنا هذه الليلة، وكان خطيباً مصقعاً كأنه الرعد يتقاصف، فأخذ المنبر وقام يمدح بني تميم، وبنو تميم قبيلة كبيرة عظيمة شهيرة، ولكن الفضل لمن رفعه الإسلام، والفضل بالتقوى، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] فكانت أكثر قبائل العرب. فقام فمدح قبيلته فلما انتهى، قال ﵊: أين ثابت بن قيس بن شماس، وهو الذي قتل في اليمامة ﵁ وأرضاه، فقام يرد على الخطيب، فقال: الحمد لله الذي رفع السماوات بلا عمد، وبسط الأرض في أحسن مدد، الذي خلق الإنسان في كبد ثم أخذ يأخذهم بفواصل الكلام حتى كأنه الصواعق تنزل على رءوسهم وعرقهم يتصبب، ولما انتهى، قالوا: غلب خطيبك خطيبنا. ثم قام الزبرقان شاعرهم وقال: نحن الكرام فلا حي يضارعنا منا الملوك وفينا تنصب البيع فلما انتهى، قال ﷺ : كيف أنت يا حسان؟ أتستطيع أن ترد عليه في الحال، أو نمهلك حتى تفكر؟ فالموقف صعب، يحتاج إلى مهلة، ويحتاج إلى تخمير الرأي، لكن حساناً كان من أشعر العرب فقام؛ فرد عليهم ارتجالاً بما يقارب ستين قافية من أروع الشعر، يقول فيها: إن الذوائب من فهر وإخوتهم قد بينوا سنناً للناس تتبع يقول: المكرمات عند الرسول ﵊، وليست عندكم يرضى بها كل من كانت سريرته تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا حتى انتهى، فقالوا: وغلب شاعرك شاعرنا فأسلموا، فجاء عطارد هذا بحلة من ديباج، وقيل: من حرير، فأراد أن يهديها مع حلة أخرى، فرفضها ﷺ ، فتعرض عمر ﵁ وأرضاه للحلة، فرآها في السوق تباع، وكانت جميلة، ويريد عمر كل جميل للرسول ﵊، فأخذها من السوق وأتى بها إلى المصطفى ﷺ ، وقال: يا رسول الله! خذ هذه الحلة، تلبسها لصلاة الجمعة وللوفود، أي: لأنك قائدنا ومعلمنا ومربينا، وإذا استقبلت الوفود نريد أن تظهر بمظهر القوة.

стр. 8239

موقف الإسلام من الملابس وحكمه عليها فالرسول ﷺ لم ينكر الجمال، ولم يقل له: أنا لا ألبس الجميل أنا متواضع أنا أريد الزهد، فالزهد لا يدخل في هذا، بل أقره على هذا المبدأ ولكن أنكر عليه الحلة التي من حرير، وقال: ﴿إنما يلبس هذه من لا خلاق له﴾ قال أهل العلم: من لا حظ له عند الله في الآخرة؛ لأن الكافر يأكل ويشرب بالحلال والحرام، ولكن يلقى الله ولا نصيب له عند الله. والرسول ﵊ لم يكن يحرم اللباس الجميل، وقد يظن بعض الناس أنه إذا استقام والتزم في الإسلام، فعليه أن يلبس ثوباً ممزقاً، وغترة قذرة، وأن عليه ألا ينظف حاله، ولا يظهر بالجمال، وهذه دروشة لا يعترف بها الإسلام، وأين الجمال إلا في الإسلام؟! وأين الروعة إلا في الإسلام؟! وأين النظافة إلا في الإسلام؟! وأين القوة إلا في الإسلام؟! أما رأيت الله كيف جمل الكون؛ وعند الترمذي بسند حسن: ﴿إن الله جميل يحب الجمال﴾ وعند مسلم عن ابن مسعود ﵁ وأرضاه، قال رجلٌ يا رسول الله: ﴿إني أحب أن يكون لباسي جميلاً، ونعلي جميلة، أفمن الكبر ذلك يا رسول الله؟ قال: لا. إن الله جميلٌ يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس﴾ بطره: رده ودحضه، وغمط الناس: أي: ازدراؤهم واحتقارهم. فالكبر لا يدخل في اللباس، والروعة لها مقام في الإسلام، ولذلك كان ابن عباس يلبس حلة بألف دينار كما في ترجمته، فقالوا له في ذلك، قال: أريد أن أظهر نعمة الله عليَّ، وأعز دين الله الذي أرسل به محمداً ﵊. وكان مالك بن أنس يلبس أحسن الحلل، وهو من أتقى الناس، فقالوا له في ذلك، قال: أريد أن أنصر هذا الدين بهذا اللباس، ليقف بمنظر الإسلام منظراً عزيزاً جميلاً يحبه الله ويرضاه. إذاً قال له ﷺ : ﴿إنما يلبس هذه من لا خلاق له﴾ فعاد عمر بالحلة؛ لأنها محرمة، ولم يرد على الرسول ﷺ ؛ لأن الرسول ﵊ أتى يبين لهم، وأتى يعلمهم الحلال والحرام. وبعد فترة دعي عمر ﵁ وأرضاه إلى المصطفى ﷺ ، والرسول ﵊ دائماً يعيش مع أبي بكر وعمر في مشاوراته وجلساته وسمراته، دائماً يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فهو يحب الشيخين حباً جماً؛ لأن بهم بني الإسلام بعد وفاته ﷺ . وفي صحيح البخاري يقول ﵊: ﴿رأيت البارحة كأن الناس يعرضون علي وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، ومر علي عمر بن الخطاب بقميص يجره في المنام، قالوا: ما أولت ذلك يا رسول الله؟ -ما معنى ذلك؟ وما تفسير ذلك؟ - قال: الدين﴾ دين عمر ﵁ يستره ظاهراً وباطناً، ولذلك من رأى عليه قميصاً في المنام، قال أهل العلم: فتأويله الدين، فإن رآه قصيراً فلقصر دينه، وإن رآه قذراً فلغش في تدينه، وإن رآه أبيض طويلاً فلصلاحه ولخيريته إن شاء الله. ويقول ﵊ كما في صحيح البخاري: ﴿رأيت البارحة كأنني أشرب من لبن، حتى رأيت الري يخرج من أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب، قالوا: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم﴾ أي: علم الخشية، وعلم قال الله ورسوله. ولذلك كان عمر من أعلم عباد الله بالله، والعلم في الإسلام معناه: الخشية، ولذلك كان يكفكف دموعه دائماً من خشية الله، لا يسمع الآية إلا ويتأثر، وذكر عنه المؤرخون أنه كان إذا صلى الفجر وقرأ سورة يوسف، لا يسمع الناس إلا نشيجه وبكاءه من القراءة، فهذا العلم هو الذي فسره ﵊ يوم فسر اللبن في المنام، فلما أُتي الرسول ﵊ بحلة، دعا عمر بن الخطاب، وقال: خذها، فقال: يا رسول الله أتيتك بحلة عطارد وقلت فيها ما قلت، واليوم تعطيني هذا الحلة فقال: ﴿إني لم أعطك إياها لتلبسها، ولكن لتبيعها أو تكسوها﴾ فلا يشترط في الهدية أن تلبسها، لكن بعها أو أهدها، قال أهل العلم: أي لغير الرجال المسلمين. وعند الإمام أحمد بسند جيد في المسند، وعند النسائي كذلك بسند آخر، عن علي ﵁ وأرضاه، قال: وقف رسول الله ﷺ على المنبر، وأخذ قطعة من ذهب بيده اليمنى، وقطعة من حرير بيده اليسرى، وقال: ﴿هذان حلالٌ لإناث أمتي، حرامٌ على ذكورها﴾ فليعلم هذا، فالذهب والحرير بأنواعه حلالٌ للنساء، خلافاً لمن قال: لا يجوز لبس الذهب إلا مقطعاً؛ لأن هذا الحديث متقدم، وخلاف إجماع أهل العلم في إباحة الذهب للنساء، فهذا أمر.

стр. 8240

بعض قضايا الحديث فلما أُتي بالحلة إلى الرسول ﵊ أعطاها عمر، قال: فأرسلها عمر إلى أخ له مشرك في مكة. وفي الحديث قضايا، أولاً:

стр. 8241

معنى حلة سيراء ما هي الحلة السيراء في الحديث؟ الحلة: لباس كالثوب، يلبسه الملوك، والأغنياء والوجهاء في العرب، وكانت تنسج في اليمن، ومنها ما ينسج في الشام بالقطن، وأجودها ما نسج في اليمن بالحرير، وكانوا لا يراعون ذلك، بل كانوا يلبسون ما حرم لأنهم بلا دين، ولذلك يقول حسان في الغساسنة: يمشون في الحلل المضاعف نسجها مشي الجمال إلى الجمال البزل الضاربين الكبش يبرق بيضه ضرباً يطيح له بنان المفصل يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل حسان يمدح أولئك بالكرم، يقول: حتى كلابهم لا تنبح من كثرة الضيفان، وفي الأخير ارتاحت بحمد الله لم تعد تنبح من كثرتهم، ثم قال: يمشون في الحلل، وكان العرب يتمادحون بمن يجر إزاره، فلما أتى الإسلام نهى ﷺ عن ذلك، وقال كما في الأحاديث الصحيحة: ﴿إن الله لا ينظر إلى من جر إزاره خيلاء﴾ وقال: ﴿وما أسفل من الكعبين من الإزار في النار﴾.

стр. 8242

مشروعية التجمل للجمعة واللباس يوم الجمعة فيه إشارة إلى أن المعهود والمستقر عند الصحابة، أن الخطيب والمصلي يوم الجمعة عليه أن يلبس لباساً جميلاً، وهذا في أحاديث كثيرة، تدل على أنه يلبس أحسن ما يجد، بينها ﷺ في أكثر من ستة أحاديث، فعلى المسلم أن يتجمل ليوم عيد المسلمين وهو يوم الجمعة ويلبس أحسن لباس.

стр. 8243

من هم الذين لا خلاق لهم ؟ القضية الثالثة: من هم الذين لا خلاق لهم؟ الذين لا خلاق لهم: الذين باعوا أخراهم بدنياهم. الذين لا خلاق لهم هم الذين ما عاشوا لا إله إلا الله، وما استظلوا بمظلة لا إله إلا الله. الذين لا خلاق لهم هم الذي ظنوا أن الحياة حياة بطون وفروج؛ فعموا وصموا عن لا إله إلا الله. الذين لا خلاق لهم هم البهائم والذين يعيشون في مسالخ البهائم، حياة مجون وسخط وسفه وزنا وربا وغناء، لا توجه، ولا ذكر، ولا تلاوة، ولا توبة، نعوذ بالله من ذلك. هؤلاء الذين لا خلاق لهم، لا يسألون عن الحرام ولا عن الحلال، فهم لا خلاق لهم يلبسونها في الدنيا، ولكن حرام عليهم -والله- أن يلبسوها في الآخرة، والجزاء من جنس العمل. من استمع الغناء في الدنيا حرمه الله سماع غناء الجنة، وفي مسند الإمام أحمد بسند صحيح أن الرسول ﵊ يقول من حديث ابن عباس، وحديث أبي هريرة: ﴿إن في الجنة جوارٍ يغنين يقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، نحن الخالدات فلا نبيد، طوبى لمن كنا له وكان لنا﴾ ولذلك ينظم ابن القيم أثراً لـ ابن عباس؛ لأن ابن عباس سئل عن غناء أهل الجنة، قال: إذا اشتهى أهل الجنة غناء، أرسل الله عليهم في الجنة ريحاً باردةً مائسة، قال: فتحرك أغصان الجنة فيسمع لذلك صوت، يطربون له طرباً لا يجدون كلذته أبداً، قال ابن القيم في منظومته النونية الكافية الشافية للانتصار للفرقة الناجية: قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الـ إنسان كالنغمات بالأوزان يا خيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان وصدق ﵀. وكذلك من شرب في إناء الفضة، حرمه الله الشرب في آنية الفضة وكذلك الذهب، وفي صحيح مسلم عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ﴿من شرب في آنية الفضة، فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم﴾ نعوذ بالله من ذلك، وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لا تأكلوا في آنية الذهب والفضة، ولا تشربوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة﴾ فحق على الله أوجبه على نفسه أن من ترك شيئاً له عوضه خيراً منه. فإني أدعو نفسي وإياكم لترك هذه المحرمات ليعوضنا الله خيراً منها في الجنة.

стр. 8244

حكم الهدية للمشرك والقضية الرابعة: الهدية للمشرك، هل يجوز أن يهدى للمشرك؟ لأن في حديث عمر ﵁ أنه أرسلها إلى أخيه وكان مشركاً، قال أهل العلم: إن كان يطمع أن يسلم هذا المشرك فله ذلك؛ لأن هذا تأليفٌ لقلبه، وتحبيبٌ له في الإسلام، فأنت إذا رأيت من رجل ضال أو مشرك أوكافر أن فيه لمسات قبول، وفيه إقبال على الإسلام، فلك أن تتحفه وتهديه، ولك أن تهش وتبش في وجهه، علَّ الله يرزقه الهداية إلى الإسلام. ذكروا في ترجمة عبد الله بن المبارك ﵁ وأرضاه، قال الذهبي عنه في تذكرة الحفاظ: والله! إني لأحبه لما جعل الله فيه من الزهد والورع والجهاد، قالوا: كان له جارٌ يهودي، فكان ابن المبارك إذا اشترى لحماً بدأ باليهودي، فأعطاه قبل أن يعطي أهله، وإذا أخذ فاكهة بدأ باليهودي قبل نفسه، وإذا كسا أبناءه كسا أبناء اليهودي قبل أبنائه، فجاء بعض التجار إلى اليهودي، وقالوا: نشتري بيتك، قال: بيتي بألفي دينار، ألفٌ قيمة البيت، وأما ألفٌ فقيمة جوار عبد الله بن المبارك، فسمع عبد الله بن المبارك فتأثر من هذه الكلمة، فأعطى اليهودي ألف دينار وقال: هذا قيمة الدار ولا تبعها، ثم التفت ابن المبارك إلى القبلة، ورفع يديه، وقال: اللهم اهدِ هذا اليهودي إلى الإسلام، فأصبح الصباح وقد أتى إلى ابن المبارك، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فكانوا بأخلاقهم وبتعاملهم يدعون إلى الله . وبعض الناس يخلط في مبدأ الولاء والبراء بين الود وبين حسن التعامل، إذا رأى الخواجة قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، اللهم دمره، اللهم خذه أخذ عزيز مقتدر، وبعضهم إذا رأى الخواجة كان على النقيض من ذلك، حياه وبياه، وقام يهز أكتافه بين يديه، وأين هذه الآية من آيات الله التي أخرجها لنا، وقد أتى هذا من أمريكا ولندن، فهذا لا يُرتضى وهذا لا يُرتضى. أما الأول الذي قام أمام هذا بالعنف وبالغلظة، فهذا ليس في كتاب الله وليس في سنة رسوله ﷺ ، فالله يقول لبني إسرائيل: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣] والناس هنا كلمة عامة، وحسن التعامل مطلوب حتى مع الكافر. ذكر الغزالي أن رجلاً كافراً صاحب ابن مسعود، فلما فارقه إلى طريق الكوفة، قال له عبد الله بن مسعود: روفقت بالسعادة أو كلمة تشبه ذلك، فقيل لـ ابن مسعود: أتقول هذا لكافر؟! قال: سبحان الله! رافقني ساعة، والله يقول: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣] ففرق بين المودة وحسن التعامل، فالمودة حرام؛ لأنها من الولاء والبراء. وعند أبي داود بسند صحيح عنه ﷺ أنه قال: ﴿من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله؛ فقد استكمل الإيمان﴾ فالمقصود أن الحب والبغض والعطاء والمنع يكون لله ، أما المودة فلا تكون إلا لوجهه، فلا يواد الكافر وهذا أمر، وأما حسن التعامل فهو أمر آخر، كأن تتبسم له عله يُظْهر إقباله للإسلام، وعله يرتاح لهذا الدين وهذا التعامل، وعلَّ الله أن يهديه. ولا يوجد نص واحد يذكر أن الرسول ﷺ عبس وبسر في وجه المشركين أو أغلظ لهم في الكلام، بل قال الله عنه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. والمقصود أنه لا بأس بهذه الأمور تأليفاً للكافر ومنها الهدية، ولذلك أهدى ﷺ في حنين لبعض الناس ممن لم يسلم بعد، أو ممن هو حديث عهدٍ بالدين، فأهدى لهم من مائة ناقة، يتألف قلوبهم ﵊. فإذا علمت أن هذا ألفةٌ للقلب فلك أن تهديه، ولك أن تقدم له خدمات عل الله أن يهديه ويرزقه الدخول في الدين. وبعض الناس لا يرضى ذلك فيأتي بهذا الكافر، فيبسط له البساط، ويرحب به، ويواليه، ويزوره، ويؤاكله ويشاربه، لا على مقصد الدعوة للإسلام، إنما هو معجب بالكافر لأنه أتى من أوروبا، فهذا لا ترضى طريقته، وهذا يرد عليه ويبين له أنه وهن في دينه، وهزيمة في عقيدته، وفشل في ولائه وبرائه، فعليه أن يتقي الله ، لا يوالي إلا من والى الله، ولا يحب إلا من أحب الله، ولكم أن تعودوا إلى المجلد العاشر من فتاوى ابن تيمية، وقد تكلم عن الولاء والبراء كلاماً طيباً، ومن أحسن ما تكلم به في مسألة أن الناس يوالَوْن بقدر ما فيهم من الطاعات، ويعادَوْن بقدر ما فيهم من المعصية.

стр. 8245

نفي التعارض بين الزهد واللباس الجميل ومن القضايا في هذا الحديث: أن اللباس الجميل لا يعارض الزهد، وقد مر هذا في غضون الحديث، فـ الحسن البصري دخل عليه فرقد السبخي، فرأى عليه ثوب صوف ممزقاً، فأشاح الحسن البصري بوجهه، قال: لعلك ظننت أن الرسول ﷺ حبذ الصوف، والله! إني أخاف عليك أن تفتتن بهذا اللباس أخوف علي ممن يلبس البرد، أي: الحلل، يقول: أخاف أن تفتتن باللباس الممزق، ويفتنك الله به أكثر ممن يلبس الجميل، وهذا موجود. وبعض الناس يلبس لباساً ممزقاً ليظهر بين الناس أنه زاهد ومتقشف، وهذه شهرة والشهرة ملعونة، ولكن أحسن الأمور أوسطها، وهو أن تلبس ما يلبسه مجمل جمهور الناس، فلا تلبس الغالي الذي يلفت نظر الناس، ولا تلبس الرخيص الذي يلفت نظر الناس. قال النووي في رياض الصالحين: ويكره أن يقتصر من اللباس على ما يزري به نفسه أو كما قال. ولذلك في سنن ابن ماجة بسند فيه نظر، قال: ﴿لعن رسول الله ﷺ لباس الشهرتين﴾ ولباس الشهرتين: أن يشتهر الإنسان باللباس فلا يلبس إلا اللباس الراقي كبراً وعلواً وعتواً وتجبراً في الأرض، ولعن ﷺ كذلك، إن صح هذا الحديث وقد تكلم عنه ابن القيم في كتاب اللباس- من يلبس الوضيع الممزق ليظهر نفسه أنه ناسك، ويعلم الله أنه ليس بناسك وإنه لَفاجر، ويظهر نفسه أنه زاهد وليس بزاهد، ويظهر نفسه أنه متقٍ وليس بمتقٍ، والتقوى ليست باللباس، وليست في المعطيات، وليست في الدور ولا في القصور، بل التقوى في القلوب، يقول ﵊: ﴿التقوى هاهنا وأشار إلى صدره﴾. ولذلك قد يأتي يوم القيامة بعض الأغنياء، يدخلون الجنة لأحدهم قصر في الجنة كالربابة البيضاء، وبعض الفقراء يدخل النار، فلا يظن كل الفقراء أنهم في الجنة، وأن كل الأغنياء أنهم في النار، فإن الله يعامل الناس بالتقوى، وابن تيمية يناقش مسألة: (هل الأفضل الغني الشاكر أو الفقير الصابر) وقد تكلم فيها العلماء بكتب ومجلدات، وأتى ابن تيمية فقال: ليس يفضل هذا لغناه ولا هذا لفقره، وإنما أفضلهما أتقاهما، فأفضل الناس أتقاهم لله ، فهذا أمر. وقد انتهينا من قضايا هذا الحديث وليس هناك إلا قضايا فرعية لا يحتمل المقام أن نبسطها أكثر مما ورد.

стр. 8246

فوائد من حديث تقبيل النبي ﷺ لولده إبراهيم ثم قال البخاري رحمه الله تعالى: باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، التقدير في الكلام محذوف، معناه تقبيل الوالد لولده ومعانقته، وقال ثابت عن أنس: ﴿أخذ النبي ﷺ إبراهيم فقبله وشمه﴾. أولاً: رحمة الولد ومعانقته وتقبيله، الرسول ﵊ رحمة كما قال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] ومن رحمته ﵊ أنه كان يقبل الأطفال ويعانقهم ويمازحهم ويحملهم؛ لأن جبابرة العرب لم يكونوا يستصحبون الأطفال في مجالسهم، ولا كانوا يحملون الجواري على أكتافهم، بل كانوا يقتلون الجواري، فلما أتى الرسول ﵊ بين لهم أن من الرحمة رحمة الأطفال، ولذلك من حقوق أهلك عليك وأطفالك عليك أن يكون لهم سعة من يومك وليلك ووقتك، تعانقهم، وتقبلهم، وتداعبهم، وتمازحهم؛ لأنهم يشتاقون لدخولك والجلوس معك. وهذا ما يفعله ﷺ ، حتى لا يعتذر أحدٌ أنه مشغول بوظيفته وعمله، فو الله لا يبلغ عشر معشار أعمال المصطفى ﵊، وأمور الأمة تدار على كتفه: الجهاد الإدارة السياسة الإفتاء التعليم الخطابة تربية الناس إعطاؤهم وهدايتهم ودعوتهم هداية الناس، كلها على كتف المصطفى ﷺ ، ومع ذلك وجد وقتاً يأخذ فيه الأطفال ويداعبهم. فإذا كان على الدابة حمل هذا أمامه وهذا خلفه، وإذا جلس في المجلس وأتت المرأة تستفتيه، أخذ ﷺ ابنها وقبله ومازحه وعانقه، فليعرف هذا، وليعلم هذا، وسوف يأتي بسط هذا.

стр. 8247

ترجمة موجزة لثابت البناني وثابت من التابعين، اسمه ثابت بن أسلم البناني من أتقى الناس، كان يقال في المثل: أتقى من ثابت البناني، وأزهد من ثابت البناني وهو من رجال البخاري ومسلم، ومن أكثر من روى عن أنس ﵁ وأرضاه. وهذا ثابت أورد عنه أهل السير أنه سافر إلى خراسان في غرض له، فلما رجع قال له الناس: هل أعجبتك الحدائق والبساتين؛ لأن خراسان كانت من أجمل البلاد وهي في جنوب إيران، قال: والله ما كأني رأيت البساتين ولا الحدائق ولا الأنهار، ما أعجبتني إلا عجوز مررت بها تصلي ركعتي الضحى، وذلك أنه مر عليها، وقلبه مشغول بشيء آخر: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦] ولذلك قال : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ [النحل:١٠٧] فبعض الناس يستحب الحياة الدنيا ويرتاح لبناء القصور ثم يقول: الحمد لله أن بنينا هذا القصر، وارتحنا ونلنا سعادتنا في الحياة الدنيا. أين أنت يا عبد الله؟ كيف ترتاح؟ الدنيا كلها أوصاب وهموم وأحزان وكربات، يموت ابنك، وتموت زوجتك، ويمرض جسمك وتموت، وإذا وصلت سبعين سنة فأنت بطل، لكن لا تصل، وما وصل السبعين إلا من قد ذهب بصره أو سمعه أو تساقطت أضراسه. يا متعب الجسم كما تسعى لراحته أتعبت جسمك فيما فيه خسران أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان فالمقصود أن ثابتاً كان من أعبد الناس، بكى حتى قال بعض الناس: يوشك أن تختلف أضلاعه، وقالوا: مر بمساجد الكوفة فكان كلما مر بمسجد، دخل فيه فصلى ركعتين، فقال له الناس: مالك؟ متى تصل إلى بيتك إذا كنت كلما مررت بمسجد صليت ركعتين، قال: كلما مررت بمسجد تذكرت العرض على الله، وتذكرت الموت، فقلت: ربما أوخذ قبل أن أصلي ركعتين فأغتنم حياتي. يقول أنس: إنَّ في الناس مفاتيح خير وفيهم مفاتيح شر، فـ ثابت البناني من مفاتيح الخير. قال: (عن أنس) وهو أنس بن مالك خادم الرسول ﵊، وقد مرت ترجمته في أكثر من مرة، وهو الذي قدمته أم سليم هدية للمصطفى ﷺ ، فما كان في التاريخ أعظم من هدية أم سليم للرسول ﷺ ، أهدت ابنها، وقالت: هذا ابني يخدمك يا رسول الله، فخدم المصطفى ﵊ عشر سنوات، وهي أحسن سنوات عمره. حتى يقول: ﴿خدمت الرسول ﵊ عشر سنوات، والله ما قال لي في أمر فعلته: لِمَ فعلته؟ وفي أمر لم أفعله: لِمَ لَمْ تفعله؟﴾ فكانت أرقى وأسعد حياته هي التي عاشها في تلك العشر السنوات. قال: ﴿أخذ النبي ﷺ إبراهيم فقبله وشمه﴾ وهو إبراهيم بن محمد، ابن الرسول ﵊. والرسول ﵊ رزق من البنات أكثر من البنين؛ لأنه لم يكن يشب له أبناء، بل كانوا يتوفون لحكمة أرادها الله، قال بعض أهل العلم: من هذه الحكم أنه خاتم الأنبياء والرسل ﵊، فلو ترعرع له ابن وشب، لكان نبياً، والله جعله خاتم الأنبياء، فرزق ﵊ إبراهيم من مارية، فلما بلغ قيل: السنتين، وقيل: حولها، كان يذهب إليه ﷺ في بيت مارية، فيأخذه ويقبله ويشمه ويعانقه، ويمازحه ﵊.

стр. 8248

الصبر على المصائب وفضل الاسترجاع وفي مرة من المرات دعي ﷺ ، لماذا دعي؟ قالوا: إبراهيم في سكرات الموت، سبحان الله! كان من أحب الناس إلى قلبه، وهو في السنتين، ليس بالكبير الذي تذهب محبته، ولا بالصغير الذي لم تبدأ محبته، لكن في سن كأنه لا يمشي إلا على كبدك أو قلبك، فأراد الله أن يجعل قلب الرسول ﷺ خالصاً له . أتى ﷺ وإبراهيم في سكرات الموت فأخذه، ودموعه تهراق ﵊، وهو يقول: ﴿تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون﴾ أي: لا نتسخط على القضاء والقدر، فالله هو الذي أعطى، والله هو الذي أخذ. أُثر عن داود ﵇، وكان ملكه ملكاً عظيماً كما سماه الله ، والذي قال : ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] داود قيل: كان له قبل سليمان أربعون ولداً، فصلى مرة من المرات؛ فأراد الله أن يبتليه، ويختبر إيمانه، ويرفع درجته، ويمحص يقينه، ويرى هل يشكر أم لا، فسلم داود من الصلاة؛ فوجد الأربعين أمواتاً جميعاً! قال: حسبي الله ونعم الوكيل، إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قال: اللهم أبدلني خيراً منهم. وفي صحيح مسلم عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ : ﴿من أصيب بمصيبة فقال: اللهم اؤجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها، إلا أخلف الله له خيراً منها﴾ قالت أم سلمة: فلما توفي أبو سلمة زوجها وأحب الناس إليها، قالت: تذكرت هذا الحديث فقلته، قلت: اللهم اؤجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها، ثم قلت في نفسي -تقول هي في نفسها- من خير من أبي سلمة؟ قالت: فأبدلني الله رسوله ﷺ فتزوجها المصطفى ﷺ . فلما قال داود ﵇: وأبدلني خيراً منهم، أبدله الله بسليمان، وجعله الله نبياً وأتاه الحكم، وكان فقيهاً عاقلاً عابداً من العباد الكبار، ملك الدنيا فلم يملك قبله ولا بعده ملك مثل ملكه! حتى يقول: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥] فأجرى له الله الريح، وسخر له الجن والإنس والطيور والسباع والزواحف، وبسط قصته في موضع آخر. إنما المقصود أن الرسول ﷺ قبل إبراهيم وعانقه رحمةً به، والرسول ﷺ كان من أرحم الناس. أتت ابنته زينب فأرسلت إليه أن ابنها قد حضرته الوفاة فليحضر، وهذا الحديث صحيح، وكان مشغولاً ﷺ بوفد من الناس، فقال: ﴿أرسلوا إلى زينب وقولوا لها: إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فقالت زينب: والله ليأتين أبي﴾ وتقوِّل على أبيها: أي: تدل بحبها مع أبيها، ﵂، والبنت لها إدلال على أبيها، تحلف عليه وتجزم عليه، والله ليأتين أبي؛ لأنها في مصيبة ﵂ وأرضاها، وتريد أن يشاركها المصطفى ﷺ . ولا بد من شكوى إلى ذي قرابة يواسيك أو يسليك أو يتوجعُ فقام ﵊ وقام معه الناس، انظر من رحمته ﷺ حتى الوفد قاموا معه، ومنهم سعد بن أبي وقاص، ومعاذ، وذكر عبد الرحمن بن عوف، فوقف ﷺ ، فقال: ائتوني بالطفل، فأتوا به ونفسه تقعقع كأنها في قربة، فأخذه ﷺ يحتضنه وهو يبكي ﵊، حتى سمع له نشيجاً ونحيبا. فيقول ابن عوف: ﴿ما هذا؟ قال: رحمة جعلها الله في قلب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء﴾ فالرسول ﵊ من أرحم الناس، فهو يتبسم وقت التبسم، ويبكي وقت البكاء، وله لباس في كل حالة كما وصفه بالكمال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] قال بعضهم: إنك لعلى دين عظيم. فسيرته ﷺ عظيمة كاملة، فمن أراد الاهتداء فعليه بها، فإنَّه ﷺ الموجه الذي لا يضل أبداً.

стр. 8249

حديث يبين فضل الحسن والحسين قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل -رجال البخاري ومسلم من أولياء الله، ومن العباد والزهاد، رفع الله قيمتهم وعبادتهم، ورفع ذكرهم بحفظهم لسنة المصطفى ﷺ قال: حدثنا مهدي، قال: حدثنا ابن أبي يعقوب عن أبي نعيم، قال: ﴿كنت شاهداً لـ ابن عمر، وسأله رجلٌ عن دم البعوض، فقال: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق فقال: انظروا إلى هذا يسألني عن دمِ البعوض، وقد قتلوا ابن النبي ﷺ ، وسمعت النبي ﷺ يقول: هما ريحانتاي من الدنيا﴾. القصة: يقول هذا الراوي: كنت عند ابن عمر، وبعض الروايات بينت أن ابن عمر ﵁ وأرضاه كان في منى، فأتاه رجلٌ من أهل العراق، فقال: يا بن عمر! قتلت بعوضة، وهو محرمٌ، فانظروا ورعه، قتل بعوضة في الهواء، فقال: يا بن عمر! قتلت بعوضة فما علي؟ يسأل، يحذر أن تكون عليه بدنة، أو بقرة، أو دجاجة، فقال ابن عمر: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: انظروا إلى هذا، وفي لفظ: قاتلكم الله يا أهل العراق قتلتم ابن بنت الرسول ﷺ ، وتسألون عن بعوضة. وهذا أمر، قالوا فيه: إن ابن عمر ﵁ أولاً تعجب، ولو أنه أفتى الرجل فيما بعد، لكن لم تذكر الفتوى، فلا بد أنه علمه لأنه لا يكتم العلم، لكن تعجب من هذا السؤال، ورع مظلم، وبعض الناس ورعه بارد كما قال الإمام أحمد. إذا ذكر الكافر الماركسي الملحد قال: أستغفر الله، لا تغتابوا أحداً في مجلسنا، وإذا أتى ذكر جاره، أو ذكر الدعاة، وبعض طلبة العلم، أو بعض الصالحين والأخيار وقع فيه، فإذا قيل له: استغفر الله، قال: أنا ما أغتابه ولكن أبين شيئاً موجوداً فيه، أما الملحد فأنا أستغفر الله، نبرئ ألسنتنا من أن نغتاب الملحدين، ريغان، وماركس، ولينين، وشامير، وأمثالهم من أعداء الله، فهذا ورع مظلم وبارد، فبعض الناس يتحرز في قطرات وفي أشياء ويركب من الذنوب أمثال الجبال. فهو يقول: أنتم قتلتم الحسين، أو نسيتم قتل الحسين، والجرح في كبد الأمة يوم ذبحتموه كما تذبح الشاه؟! ابن الرسول ﵊ الذي يقول فيه وفي الحسن: ﴿هما ريحانتاي من الدنيا﴾ وصدق ﵊: ﴿الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة﴾ كان الحسن عمره خمس سنوات يوم توفي ﵊ أو قريباً من ذلك، وعمر الحسين قريباً من أربع، قيل: بينهما سنة.

стр. 8250

صورة من حب الرسول ﷺ للحسن والحسين ولذلك كان ﵊ لا يجلس في مجلس أو في مجمع أو يرى أطفالاً إلا ويقول: عليَّ بـ الحسن والحسين، وكان إذا أراد أن يخرج في ضاحية من ضواحي المدينة، سلم على فاطمة، وقال: علي بـ الحسن والحسين، وفي سنن النسائي بسند جيد، عن أبي بصرة الغفاري، قال: ﴿صلينا مع رسول الله ﷺ -إما الظهر وإما العصر- قال: فمكث ﷺ ساجداً طويلاً -حتى في بعض الروايات أن هذا الرجل رفع رأسه ينظر أين الرسول ﵊، أي: أبطأ عليه في السجود؛ فرفع ينظر- قال: فلما سلم ﷺ ، قال: لعلي أبطأت عليكم؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: إن ابنيَّ هذين ارتحلاني﴾ أي أن الحسن والحسين، صعدا على ظهره، رأيا المنظر، فصعدا على المصطفى ﵊، قال: ﴿إن ابني هذين ارتحلاني فكرهت أن أوذيهما﴾ فمكث ﷺ حتى نزلا من على ظهره. وفي الصحيح: باب هل يقال سيد، فذكر أن الرسول ﷺ كان يخطب الناس على المنبر، فأتى الحسن وعمره خمس سنوات وثوبه طويل فكان يعثر فيه، فقطع الخطبة ﵊ ونزل وأخذ يشق الصفوف، حتى أخذ الحسن، وقبله، واحتضنه، وأجلسه بجانبه على المنبر، وأخذ يكلم الناس وهو يضع يده على رأس الحسن، يمرها ويقول وهو ينظر إليه: ﴿إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين﴾ وهذا في الصحيح، وبالفعل كان سيداً من السادات، أصلح الله به بين الفئتين العظيمتين، بين جيش علي بن أبي طالب، وجيش معاوية ﵄، جيش العراق وجيش الشام التقيا، فكان جيش العراق مائة ألف، وجيش الشام ثمانين ألفاً، التقيا، وقصد الجيشين أن تسفك الدماء، وتضرب الجماجم، ويكون المعترك أحمر قانياً. فلما التقوا أتى الحسن ﵁، فتنازل عن الخلافة، وقال لـ معاوية: خذها لك (ول حارها من تولى قارها) وحقن دماء المسلمين، وكان سيداً حقن الله به الدماء.

стр. 8251

قصة مقتل الحسين ﵁ فالشاهد: أن ابن عمر يذكر أهل العراق بقتل الحسين. والحسين بن علي ﵁ خرج من مكة وعمره يناهز الستين يوم قتل، وكلمه ابن عباس وابن عمر ونصحاه ألا يخرج إلى العراق، قال: لا. العراق فيه الخير، وسينفع الله بخروجي، وكان الخليفة في ذاك الوقت هو يزيد بن معاوية، وهذا عبيد الله بن زياد، هو الوالي على الكوفة من قبل يزيد بن معاوية، وهذا عبيد الله بن زياد هذا نسأل الله العافية ضالٌ مضل، أمره إلى الله ، لا يروى عنه، فليس أهلاً لذلك وليس بثقة. يقول أحد العلماء: هل أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يروي عن عبيد الله بن زياد بعدما فعل بـ الحسين، ما فعل، فأرسل عبيد الله بن زياد جيشاً يقارب ثلاثة آلاف أو أكثر، وقال: اعترض الحسين بن علي، إما أن تردوه إلى المدينة، وإما أن تقتلوه، لا تتركوه يصل أبداً إلى العراق، فالتقوا بـ الحسين وكان معه أهله، منهم علي بن الحسين زين العابدين ابنه وكان من العباد الكبار، فالتقوا بـ الحسين، قال: اتقوا الله أنا ابن بنت الرسول ﵊، أتقاتلونني؟ وهم مسلمون! قالوا: أمرنا عبيد الله بن زياد، وأدمغتهم أدمغة حمير لا تفهم، وهو يقول: ابن بنت رسول الله وهم يقولون: أمرنا عبيد الله. قال: أقول: أنا ابن بنت رسول الله ﷺ ، ماذا تقولون لله يوم القيامة إذا قال: قتلتم ابن رسول الله ﷺ ؟ قالوا: لا ننتهي، إما أن تعود إلى المدينة، أو تأتي نسلمك إلى عبيد الله بن زياد!! قال: أما عبيد الله فو الله لا أسلم نفسي إليه؛ لأنه فاجر؛ نسأل الله العافية: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤]. قال: اتركوني اذهب إلى يزيد، قالوا: ولا نتركك، قال: اسقوني من الماء، قالوا: ولا نسقيك، فحجزوه عن الماء في الصحراء، وبدأ القتال في اليوم الثاني بعدما فشلت المفاوضات، وكان الحسين من أشجع الناس، فأخذ السيف يقاتل، وأخذ أهل العراق يكبرون، يكبرون على أنهم قتلوه، فضربوه ﵁ وأرضاه وقتلوه، حتى يقول الشاعر: جاءوا برأسك يا بن بنت محمد متزملاً بدمائه تزميلا ويكبرون بأن قتلت وإنما قتلوا بك التكبير والتهليلا يكبرون على أن قتلوك، وجدك الذي أتى بالتكبير إلى الناس، لو لم يأتِ ﵊ للناس ما عرف التكبير والتهليل، يوم قتلوك يكبرون على أنهم انتصروا، وذهبوا برأسه ﵁ وأرضاه إلى عبيد الله بن زياد، فأخذ عبيد الله بن زياد عصاً -انظر إليه نسأل الله أن يحاسبه بما فعل- أخذ عصا وجلس في ديوانه وحوله بعض الوزراء وقواد الجيش، وأخذ العصا يشير بها إلى أنف الحسين، ويتكلم لهم، فأتى بعض الصحابة يتباكون في مجلسه، قالوا: ارفع عصاك، والله الذي لا إله إلا هو لقد رأينا الرسول ﵊ يقبل هذا الموضع الذي تضع العصا عليه، ويقول في الحسن والحسين: ﴿هما ريحانتاي من الدنيا﴾ فالمقصود هذا شاهد الحديث. قال ابن عمر: [[انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن النبي ﷺ ]] وعند ابن كثير في ترجمة الحسين، أن ابن عباس كان في مكة يوم قتل الحسين، فقام ابن عباس في الظهيرة بعد صلاة الظهر يبكي، وهو في مكة، قال له أهله: مالك يا بن عباس؟! قال: قتل الحسين اليوم، قال: رأيت الرسول ﷺ في المنام، وهو يقول: يا بن عباس! أما رأيت الأمة ماذا فعلت؟ قتلت ابني، هذا ذكره ابن كثير بأسانيد. فـ ابن عمر يذكر هذا، ويقول: تتورع عن قتل بعوضة، وأنتم ما تورعتم عن قتل البطل الشهير. قال: وسمعت الرسول ﷺ يقول: ﴿هما ريحانتاي من الدنيا﴾ يقولون: معناه هما تحفتاي من الدنيا، أو هما الشيء الذي آخذه من الدنيا؛ لأن الدنيا لا أحبها، ولا أريد بهجتها، لكن لو كنت أحب شيئاً من الدنيا فهو الحسن والحسين، وقال بعضهم كـ الزمخشري في الفائق، ريحانتاي: معناها الباقة من الورد، فكأنهما أشبه بالريحان؛ كما قال أبو العتاهية: ياللشباب المرح التصابي روائح الجنة في الشباب فيقول ﵊: هما أشبه بباقة الورد، فما أخذت من الدنيا إلا الحسن والحسين.

стр. 8252

فضل تربية البنات والإحسان إليهن ثم قال البخاري رحمه الله تعالى: إن عروة بن الزبير أخبره -أخبر الراوي- أن عائشة زوج النبي ﷺ حدثته قالت: ﴿جاءتني امرأة عندها ابنتان تسألني فلم تجد عندي غير تمرة واحدة فأعطيتها، فقسمتها بين ابنتيها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي ﷺ فحدثته، فقال: من ولي من هذه البنات شيئاً فأحسن إليهن كن له ستراً من النار﴾ وفي لفظ: ﴿من يل﴾. عائشة ﵂ الصديقة بنت الصديق، المطهرة، المبرأة من فوق سبع سماوات كانت جالسة في بيت المصطفى ﷺ ، فدخلت عليها امرأة تسأل من مال الله ، ومن عطاء الله، وكانت جائعة وابنتاها جائعتان، وكان بيته ﷺ كبيت أحد الفقراء ليس فيه شيء، حتى تقول عائشة: ربما يمر علينا الهلال بعد الهلال لا يوقد في بيته ﷺ نار، إنما طعامهم الأسودان التمر والماء، فكان ﵊ في بيته متقشفاً، وربما يأكل اللحم إذا وجده والخبز والتمر، وكان يهدى إليه ﷺ اللبن، فكان مع جيرانه ﷺ من الأنصار ﵃ وأرضاهم. فدخلت هذه، فبحثت عائشة في بيت المصطفى ﷺ ، فما وجدت إلا تمرة واحدة، سبحان الله! نعيش اليوم في نعم جليلة، لا نستطيع شكرها، نسأل الله أن يبلغنا شكرها، وما حقها إلا أن نثني على الله بها، فإن الله إذا أنعم على العبد يريد أن يثني العبد على الله بنعمه، ويريد أن تشكر؛ قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] ويوم يرى الله العباد يأكلون ويتمتعون ويسرحون ويمرحون ثم لا يشكرونه يسلبهم النعم، ويبتليهم بالفقر والجفاف والجوع والحرب المدمر. فقامت فما وجدت إلا تمرة، فهل تقدم التمرة أم لا؟ ورد في الصحيح أن عائشة ﵂ وأرضاها ذات مرة ما وجدت إلا عنبة فأعطتها فقيراً، قال لها رجل: العنبة ماذا فيها؟ قالت: إن فيها ذرات كثيرة، والله يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨] ولذلك يقول ﵊: ﴿لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلْق -أو طلِق، أو طليق-﴾ أي: لا تحقر شيئاً من المعروف، ولا تظن أن هذا لا يحسب لك، حتى ولو أن تتبسم في وجوه المسلمين، وأن تهش وتبش، فإن هذا من المعروف.

стр. 8253

رحمة الأم بأبنائها فإذا عرف هذا فإنها قامت فأعطتها تمرة، فأخذت هذه المرأة التمرة، وانظر إلى حنانها، هي جائعة فقسمت التمرة قسمين، وأعطتها ابنتيها؛ لأنها لا تستطيع أن تعطيها واحدة أو تأكلها وتترك البنتين، فقسمت التمرة قسمين؛ فذهبت المرأة ودخل ﷺ ، والرسول ﷺ كان يستغرب، كلما دخلت امرأة قال: من هذه التي كانت عندك. حتى يكون على معرفة بمن يدخل بيته، وعلى معرفة بأمته، وعلى معرفة بالرجال والنساء، حتى يعرف أحوال المجتمع وشئون الناس. وفي صحيح البخاري أن الحولاء بنت تويت، كانت تعبد الله ، حتى يقولون: كانت تربط حبلاً تتعلق به إذا فترت في قيام الليل، فلما ذهبت من عند عائشة، قال ﷺ : من هذه المرأة التي كانت عندك؟ قالت: هذه الحولاء بنت تويت، صائمة، قائمة، عابدة، ناسكة، وذكرت عائشة من شدة عبادتها، فقال ﵊: ﴿مه، عليكم من الأعمال بما تطيقون، فو الله لا يمل الله حتى تملوا﴾ مه! أي: لتكف عن فعلها، نحن لا نحب التشديد في العبادة حتى يكره الإنسان العبادة وينقطع، وقد يخل بالواجبات: ﴿مه؟! عليكم من الأعمال بما تطيقون، فو الله لا يمل الله حتى تملوا﴾ وكان أحب العمل إليه ما داوم عليه صاحبه وإن قل.

стр. 8254

حث النبي على كفالة البنات خاصة فهذه المرأة لما خرجت، سأل ﷺ عائشة عنها، قالت: هذه المرأة أعطيتها تمرة فقسمتها بين ابنتيها، فقال ﵊: ﴿من ولي من هذه البنات شيئاً فأحسن إليهن كن له ستراً من النار﴾ والبنات أمرهن عجيب، أضعف الناس قلوباً، وأكثر الأحاديث في البنات وتربية البنات؛ لأن الرجال أشداء وأقوياء، وباستطاعتهم إذا كبروا أن يشبوا ويقوموا بأنفسهم، أما البنات فلا بد لهن بعد الله من راعٍ. ولذلك يقول ﵊: ﴿من عال جاريتين فرباهن وأدبهن وأحسن تربيتهن، ثم زوجهن، كان جاري في الجنة﴾ ويقول: ﴿أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين﴾ ويشير ﷺ بإصبعيه. والعجيب أن الله تعالى رزق الرسول ﷺ البنات وكبرن معه أكثر من الأولاد، فالأولاد لم يستمروا في حياته ﷺ كثيراً، فكان له أربع ﵊: فاطمة أصغرهن، وأم كلثوم، وزينب، ورقية، والثلاث توفين في عهده ﷺ وفي حياته، وبقيت فاطمة بعده ستة أشهر. قال بعض العلماء: من الحكمة في ذلك ألا يجدن خصاصة بعده ﷺ ، أو فقراً، أو مسكنة، أو أذى، أو شراً، فتوفين قبله ﷺ ، ثم لحقت فاطمة؛ لأن الرسول ﷺ لما حضرته سكرات الموت، كانت فاطمة تقول -كما في البخاري - ﴿واكرب أبتاه، قال: ليس على أبيك كرب بعد اليوم﴾ فأسر إليها كلمة، فقال ﵊: ﴿أنتِ أول الناس لحاقاً بي﴾ وقيل: أول أهلي لحاقاً بي، فسرت بهذه الكلمة، وقال: ﴿ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين﴾. فقال ﵊: ﴿من ولي من هذه البنات شيئاً فأحسن إليهن، كنَّ له ستراً من النار﴾.

стр. 8255

أحاديث أخرى في فضل رحمة الولد وعن أبي هريرة ﵁ وأرضاه، قال: قبل رسول الله ﷺ الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله ﷺ ، ثم قال: ﴿من لا يَرحم لا يُرحم﴾. وفي حديث عائشة ﵂، جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: تقبلون الصبيان فما نقبلهم، فقال النبي ﷺ : ﴿أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة﴾ أما الحديث الأول -حديث أبي هريرة فإن- الأقرع بن حابس وفد على الرسول ﷺ ، والظاهر أن ذلك في السنة التاسعة، وهو من وفد بني تميم السابق، وهو سيد من ساداتهم، أعطاه الرسول ﷺ يتألفه مائة ناقة في حنين، مع أناس آخرين من وجوه الناس وصناديد الناس، وترك الأنصار وهم الذين قاتلوا معه في الغزوات ﵃ وأرضاهم. فلما أعطى هؤلاء الذين دخلوا الإسلام قريباً اجتمع الأنصار، وقالوا: غفر الله لرسول الله ﷺ ، يعطي هؤلاء، وسيوفنا تقطر من دمائهم ويتركنا، فذهبت هذه المقالة وشاعت حتى وصلت الرسول ﵊، فدعا سعد بن عبادة، قال: يا سعد ما مقالة بلغتني عنكم؟ قال: ما هي يا رسول الله؟ فأخبره، قال: هو كما سمعت يا رسول الله، قال: كيف أنت من هذه المقالة؟ أتقرها، أو تنكرها؟ لأنه كان سيدهم، قال: هل أنا إلا من قومي يا رسول الله، يقول دريد بن الصمة: وهل أنا إلى من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد قال: أنا منهم، قال: اجمعهم لي في الحديقة، وهي حديقة كبيرة كالبستان، فاجتمع الأنصار رضوان الله عليهم، قال: ولا يأت غيركم، أي: لا يدخل هذه الحديقة إلا الأنصار، فاجتمعوا، فقام ﵊، فأشرف؛ فسلم عليهم، قال: هل أحدٌ من غيركم معكم؟ قالوا: معنا فلان أمه منا، قال ﵊: ﴿ابن بنت القوم منهم﴾ ثم قام ﵊ فتكلم، قال: ﴿يا معشر الأنصار! أما أتيتكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ أما أتيتكم فقراءً فأغناكم الله بي؟ أما أتيتكم متفرقين فجمعكم الله بي؟﴾ فأخذوا يقولون: لله المنة، لله المنة، لله المنة، وفي بعض الألفاظ، لله المنة ولرسوله، فقال: ﴿يا معشر الأنصار! والله لو شئتم لقلتم، فصدقتم وصدقتم، أتيتنا طريداً فآويناك، وأتيتنا شريداً فنصرناك، وأتيتنا فقيراً فأغنيناك﴾ ثم رفع صوته ﷺ وقال: ﴿يا معشر الأنصار! أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتعودون برسول الله ﷺ إلى رحالكم، والله لو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، رحم الله الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار﴾ فأخذوا يبكون حتى اخضلَّت لحاهم، ثم قالوا: رضينا بالله وبرسول الله ﷺ قسماً ونصيباً. فـ الأقرع هذا صاحب المائة ناقة أتى إلى الرسول ﷺ في المدينة فرأى ﷺ يقبل الحسن، فيقول الأقرع: تقبلون الأبناء عندكم؟ وكأنه اكتشف شيئاً جديداً!! أي: عندنا لا نقبل الأبناء، ويبشر الرسول ﷺ ، يقول: عندي عشرة من الأبناء ما قبلت واحداً منهم، ظن أن النبي ﷺ يقول: ما أشجعك! أو ما أصبرك! فيقول ﷺ : ﴿أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟! من لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ﴾ فالرسول ﵊ يقبل الأطفال، وهو شاهد الحديث من الترجمة للبخاري. والأقرع بن حابس أعرابي من بني تميم فيه جلافة ﵁ وأرضاه، وأسلم وحسن إسلامه، فالمقصود أن فيه جفاءً، ونحن نقدر كل من أسلم ولو صحب رسول الله ﷺ ساعة واحدة، لكن الجفاء ما زال فيه وفي أمثاله، وقد وصفهم الله بذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:٤] هذا أمر. فقضايا الحديث تدور على أن من الرحمة ملاطفة الأطفال والأهل ومداعبتهم وممازحتهم، ولا يعارض ذلك التقوى؛ لأن بعض الناس يقول: كيف يكون المتقي متقياً، وهو يمازح في مجلسه الأطفال؟! أتقى الناس، وأخشى الناس، وأعلم الناس، وأخلص الناس مازح ولاعب الأطفال، وهو في التقوى لا يوصل إلى مرتبته ﵊.

стр. 8256

أحاديث تبين فضل الرحمة وعن أبي هريرة ﵁ وأرضاه، قال: ﴿قبل رسول الله ﷺ الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالساً، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله ﷺ ، ثم قال: من لا يَرحم لا يُرحم﴾. وفي حديث عائشة ﵂، جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: ﴿تقبلون الصبيان فما نقبلهم، فقال النبي ﷺ : أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة﴾. أما الحديث الأول، حديث أبي هريرة؛ فإن الأقرع بن حابس وفد على الرسول ﷺ والظاهر أنه في السنة التاسعة، وهو من وفد بني تميم السابق، وهو سيد من ساداتهم أعطاه الرسول ﷺ يتألفه مائة ناقة في حنين، مع أناس آخرين من وجوه الناس وصناديد الناس، وترك الأنصار وهم الذين قاتلوا معه في الغزوات ﵃ وأرضاهم. فلما أعطى هؤلاء المشركين الذين دخلوا الإسلام قريباً اجتمع الأنصار، وقالوا: ﴿غفر الله لرسول الله ﷺ ، يعطي هؤلاء الكفار، وسيوفنا تقطر من دمائهم ويتركنا، فذهبت هذه المقالة وشاعت حتى وصلت الرسول ﵊، فدعا سعد بن عبادة، وقال: يا سعد! ما مقالة بلغتني عنكم؟ قال: ما هي يا رسول الله؟ فأخبره، قال: هو كما سمعت يا رسول الله، قال: كيف أنت من هذه المقالة؟ -أتقرها أو تنكرها؟ لأنه كان سيدهم- قال: وهل أنا إلا من قومي يا رسول الله﴾ يقول دريد بن الصمة: وهل أنا إلى من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد أمرتهم وأمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد قال: ﴿اجمعهم لي في الحديقة ولا يأتي غيركم -وهي حديقة كبيرة كالبستان- فاجتمع الأنصار رضوان الله عليهم، فاجتمعوا، فقام ﵊، فأشرف؛ فسلم عليهم، قال: هل أحدٌ من غيركم معكم، قالوا: معنا فلان أمه منا، قال ﵊: ابن بنت القوم منهم، ثم قام ﵊ فتكلم، فقال: يا معشر الأنصار! أما أتيتكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ أما أتيتكم فقراءً فأغناكم الله بي؟ أما أتيتكم متفرقين فجمعكم الله بي؟ فأخذوا يقولون: لله المنة، لله المنة، لله المنة -وفي بعض الألفاظ، لله المنة ولرسوله- فقال: يا معشر الأنصار! والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم، أتيتنا طريداً فآويناك، وأتيتنا مخذولاً فنصرناك، وأتيتنا فقيراً فأغنيناك﴾ ثم رفع صوته ﷺ وقال: ﴿يا معشر الأنصار! أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتعودون برسول الله ﷺ إلى رحالكم؟ والله! لو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار، فأخذوا يبكون حتى اخضلَّت لحاهم، ثم قالوا: رضينا بالله وبرسول الله ﷺ قسماً وحظاً﴾. فـ الأقرع هذا صاحب المائة الناقة أتى إلى الرسول ﷺ في المدينة فرأى ﷺ يقبل الحسن، فيقول الأقرع: تقبلون الأبناء عندكم، وكأنه اكتشف شيئاً جديداً!! أي: عندنا لا نقبل الأبناء، ويبشر الرسول ﷺ ويقول: عندي عشرة من الأبناء ما قبلت واحداً منهم، وظن أن النبي ﷺ يقول: ما أشجعك! أو ما أصبرك! فيقول ﷺ : ﴿أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك، من لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ﴾ فالرسول ﵊ يقبل الأطفال، وهو شاهد الحديث من الترجمة للبخاري. والأقرع بن حابس أعرابي من بني تميم فيه جلافة ﵁ وأرضاه، وقد أسلم وحسن إسلامه، فالمقصود أن فيه جفاءً، ونحن نقدر كل من أسلم ولو صحب رسول الله ﷺ ساعة واحدة، لكن الجفاء لا زال فيهم، وقد وصفهم الله بذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:٤] فهذا أمر. فقضايا الحديث تدور على أن من الرحمة ملاطفة الأطفال والأهل ومداعبتهم وممازحتهم، ولا يعارض ذلك التقوى؛ لأن بعض الناس يقول: كيف يكون المتقي متقياً وهو يمازح في مجلسه الأطفال؟ أتقى وأخشى وأعلم وأخلص الناس مازح ولاعب الأطفال وهو في التقوى لا يوصل إلى مرتبته ﵊.

стр. 8257

بيان سعة رحمة الله وعن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، قال: ﴿قدم على النبي ﷺ سبي، فإذا امرأة من السبي تحلب ثديها، إذا وجدت صبياً في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي ﷺ : أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا. وهي تقدر على ألا تطرحه، قال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها﴾. الرسول ﷺ كان جالساً يوماً من الأيام وعنده سبي، والسبي: ما يؤخذ من الكفار، وفي السبي نساء فيهن امرأة ضاع ابنها في وسط السبي، وهي كافرة، فتذهب بثديها وفيه لبن تبحث عن طفلها، فلما وجدت هذا الطفل ألصقته ببطنها بحرارة وأسى ولوعة وحزن، فلما رأى الصحابة هذا المشهد أراد ﷺ أن يعطيهم درسا ًعن رحمة الله ، فقال: ﴿أترون أن هذه تطرح ابنها في النار﴾ أي: أتظنون هذه تطرح ولدها في النار على ما رأيتم من رحمتها له، قالوا: لا يا رسول الله وهي تقدر على ألا تطرحه، بل تحاول كل المحاولة ويمكن أن تموت دون أن تطرحه، قال ﵊: ﴿لله أرحم بعباده من هذه بولدها﴾ سبحان الله! الله أرحم بالناس وبعباده المؤمنين من هذه بولدها. ولذلك ذكر في ترجمة حماد بن سلمة، أحد الأخيار الصلحاء، أنه لما حضرته سكرات الموت، أتى بعض إخوانه يزورونه، فقال: حسنوا ظني بربي؛ لأن في الحديث: ﴿لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه﴾ وهو حديث صحيح من حديث جابر، فقال له أحد العلماء: يا حماد! والله الذي لا إله إلا هو لو خيرت بين أن يحاسبني أبي وأمي، أو يحاسبني ربي، لاخترت حساب الله ، سبحان الله! فرحمة الله وسعت كل شيء، والحديث شاهد على هذا. فالمقصود أن الرسول ﷺ أراد أن يصور لهم أن رحمة الله أكبر مما يتصور الإنسان: ﴿لله أرحم بعباده من هذه بولدها﴾ فيا لرحمة الله ، لكن رحمة الله لعباده الذين يتقونه، ويريدون وجهه، ورحمته لمن يطلب الرحمة صباح مساء، ولمن يكثر من التوبة والاستغفار. قال: ﴿إذ وجدت صبياً في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال النبي ﷺ : أترون هذه طارحة ولدها في النار، قلنا: لا وهي تقدر على ألا تطرحه﴾ العجيب أن الأم تجد تجاه ابنها من الرحمة ومن اللطف ما لا يجد أي أحد من الناس؛ لا أب ولا أخ ولا غيره. في الحديث الصحيح، حديث صهيب في القوم الذي فتنوا في سبيل الله ، وابتلاهم الله ، حيث أحرقوا في النار في الأخدود، قيل: إنهم من نجران، وكان آخر من أتى امرأة معها صبي بين يديها لا يتكلم، فاقتربت، فلما رأت النار خافت على ابنها؛ لأن قومها كانوا يوردون النار، وكان الملك يجمعهم بالجنود حتى يسقطوا في النار، فلما رأت النار وهي تضطرم أمامها، نظرت إلى ابنها فخافت عليه أكثر من نفسها فأحجمت عن النار، فأنطق الله هذا الابن وقال: يا أماه أقدمي؛ فإنك على الحق، فسقطت بابنها في النار. وللفائدة: فإن كثيراً من المفسرين ذكروا أن الله كان يقبض أرواح هؤلاء المؤمنين قبل أن يصلوا إلى النار، فيقبضها في الجو، حتى لا تجد ألم وحرارة النار، ليسكنهم الله جنة عرضها السماوات والأرض، وهذه من الرحمة العظيمة. قال: ﴿لله أرحم بعباده من هذه بولدها﴾ وصفة الرحمة من أعظم صفاته ، وله رحمة تليق بجلاله ، وكل الصفات والأسماء تثبت له كما وردت، بلا تشبيه ولا تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل، فنقرها ولها كيفية الله أعلم بها. ولذلك يقول ﷺ : ﴿جعل الله الرحمة مائة جزء؛ أمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً، وأنزل جزءاً واحداً في الدنيا، من هذا الجزء يتراحم الناس فيما بينهم حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه أو أن تؤذيه﴾ والتسعة والتسعون ينزلها الله يوم القيامة. ولذلك ذكر ابن تيمية في كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام، أن المكفرات عشرة، يقول: من فاتته هذه العشر ولم يجد واحداً منها فليبكِ على نفسه، فقد شرد على الله شرود الجمل على أهله، أو العبد الآبق على سيده. منها، والشاهد في آخرها: المصائب المكفرة، والحسنات الماحية، ودعوات المؤمنين لك بالخير إذا أصلحت خلقك وأحسنت معاملتك، فدعوا لك بالخير، وشفاعتهم لك وقت الجنازة، وما تلقاه في سكرات الموت، وسؤال منكر ونكير في القبر، والهول بين يديه يوم القيامة، وما تلقاه في العرصات، وشفاعة سيد الخلق ﷺ ، فإذا لم تجد هذه تأتي رحمة أرحم الراحمين، بعد أن تنتهي هذه التسع، يقول الله : ابحثوا لعبدي هل له حسنات، قالوا: لا حسنات، هل له مصائب في الدنيا؟ قالوا: لا مصائب، هل أتته سكرات الموت فخففت من ذنوبه؟ قالوا: ذنوبه أعظم، هل فتنة وعذاب القبر كفاه؟ لأن بعض الناس من المسلمين يكفيه عذاب القبر نعوذ بالله من عذاب القبر، ومن يتحمل العذاب ولو ساعة، بعضهم يعذب في قبره أسبوعاً أو شهراً أو سنة، وبعضهم يعذب حتى يبعث الله الناس ليوم لا ريب فيه. فيقول: هل كفاه عذاب القبر؟ فيقولون: ما كفاه، فإذا انتهت هذه، هل يدخل في الشفاعة؟ قد لا يدخل، فتأتي رحمة أرحم الراحمين، وربما لا يستحق رحمة أرحم الراحمين فيدهده على وجهه في النار، نعوذ بالله من ذلك. فهذه رحمة الله التي أنزلها بين الناس وبها يتراحم الناس. وأرحم الناس بالناس رسول الله ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. فنسأل الله أن يرحمنا برحمته، وأن يتولانا وإياكم في الدارين، وأن يجعلنا وإياكم ممن أحبه، وأحب رسوله، وأحب كتابه وسنة رسوله ﷺ . اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 8258

الرسول ﷺ مع الأطفال إن الإسلام أعطى الطفل أهمية كبيرة، بحيث جعل له أحكاماً تختص به، وخير من تعامل مع الأطفال الرسول ﷺ ، فيا ترى كيف كانت تربية الرسول ﷺ للأطفال وتعامله معهم؟ وما هي مكانتهم عنده ﵊؟ وكيف كانت رحمته بهم؟ وما هي الأحكام الخاصة بالطفل؟ إجابة هذه التساؤلات تجدها في ثنايا هذا الدرس.

стр. 8259

النبي ﷺ وتعامله مع الأطفال الحمد لله رب العالمين، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ، يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ ؛ معلم البشرية وهادي الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية. صلى الله وسلم على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل المذكور في التوراة والإنجيل، المعلم الجليل المؤيد بجبريل، وعلى آله وصحبه ومن سار على منهجه إلى يوم الدين، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، شكر الله لعميد هذه الكلية وللأساتذة الكرام، ولكم أيها الحضور. وعنوان هذه المحاضرة: (الرسول ﷺ مع الأطفال) وإذا كان الحديث عن محمد ﵊ فإنه حديث جميل، وإذا كان المجلس معه، فإنه مجلس أنس وبركة. نسينا في ودادك كل غال فأنت اليوم أغلى ما لدينا نلام على محبتكم ويكفي لنا شرف نلام وما علينا ولما نلقكم لكن شوقاً يذكرنا فكيف إذا التقينا لكننا سنأخذ جانباً واحداً من حياته العظيمة ﵊، وهو جانب "الطفل" كيف كان يربي الطفل، كيف كان يحنو على الطفل، وكيف غرس في الطفل الإيمان: يا طفل غرد في تبسم أحمد وابسم ضياء جبينه المتلالي واسعد برؤية خير من وطئ الثرى راعي اليتامى قائد الأبطال يا طفل في قلب الرسول مكانة لك قد حباها سيد الأجيال دينٌ حوى نهج التكامل والوفا للشيب والفتيات والأطفال وعناصر هذه المحاضرة: العنصر الأول: مكانة الطفل في قلب محمد ﷺ . العنصر الثاني: تربيته ﵊ للأطفال. العنصر الثالث: رحمته بالأطفال ﵊. العنصر الرابع: من أحكام الأطفال. العنصر الخامس: الأطفال الكبار، أهل الاهتمامات العالية السامية المرتفعة التي غرسها محمد ﵊.

стр. 8260

مكانة الطفل في قلب النبي ﷺ العنصر الأول: وهو مكانة الطفل في قلب محمد ﵊: فقد كان للطفل في قلبه مكانة وأي مكانة! ألبسه ﵊ حلة التقوى، وحنك الأطفال بيده ﷺ ، وأرضعهم التوحيد، وجعلهم ﵊ يشرقون على نور لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ . ينشأ الطفل في عهده ﵊ وأكبر قضاياه في الحياة أن ينصر دين الله، وأن يرفع كلمة لا إله إلا الله، وأن يسجد جبينه لله. ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا ووجد الطفل في الرسول ﵊ الكف الحانية، والدمعة المؤثرة، والبسمة الرقيقة، والدعابة الحية، ووجد الطفل في الرسول ﵊ الأب المربي، والشيخ الجليل، والمعلم النبيل، فكان أطفال الصحابة ينهجون نهجه ﵊ في حركاته وسكناته، إنه مؤثر جد مؤثر، يقول تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] عجيب أمره ﵊. ما بنى جملة من اللفظ إلا وابتنى اللفظ أمة من عفاء

стр. 8261

تعاليم النبي ﷺ عند ولادة الطفل تعال إليه ﵊ وهو يأمر من الغرسة الأولى بالهدى الإسلامي، ويأمر أن يكون الالتقاء بين الرجل وزوجته على سنته ﵊، ففي الصحيحين عنه ﵊ أنه قال: ﴿لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، ثم رزق بمولود لم يضره الشيطان أبداً﴾ من أول التقاء بين الرجل وزوجته والتوحيد يسري في عروق هذه الدعوة وهذه التربية الفذة، ثم يولد الطفل، وقد صح عنه ﵊ في صحيح البخاري أنه قال: ﴿ما من مولود إلا وقد نزغه الشيطان إلا عيسى ﵇﴾ أما ترى الطفل كيف يبكي، كان في بطن ضيق وخرج إلى أرض فسيحة ثم بكى، ولذلك صور الشعراء، هذا الموقف المحزن المبكي: ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا ما أجمل العبارة؟ يوم أتت بك أمك تبكي، عجباً وأنت خرجت من الضيق إلى السعة، وأنت خرجت من حياة ضيقة -في مفهوم الناس- إلى حياة أوسع، إلى الدور والقصور والماء والهواء، لكنك خرجت تبكي. ولدتك أمك باكياً مستصرخاً والناس حولك يضحكون سرورا يستبشرون بقدومك ويهنئون أباك ويبشرونه، فيقول الأول: فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا فتتحول الحال ويبكون عليك إذا فارقت الحياة. وقال الثاني: وقد ذكره العلماء: ويكفيك من ضيق الحياة وبؤسها دليلاً بكاء الطفل ساعة يولد وإلا فما يبكيه منها وإنه لفي بطن أمٍ كان في العيش يسعد ما له يبكي؟ ليس إلا ألأنه وجد بطن الأم عنده أحسن، يوم نزل إلى دنيا الطاغوت والظلم والبعد عن الله إلا من اهتدى بهدى محمد ﵊، وقال أبو العتاهية: أذان الطفل في الميلاد دوماً وتأخير الصلاة إلى الممات دليل أن محياه قليل كما بين الإقامة والصلاة

стр. 8262

سنة الأذان في أذن المولود وفوائده من السنة أن يؤذن في أذن الطفل ولكن لا صلاة، أذان بلا صلاة، ويصلى عليه إذا مات صلاة الجنازة، ولكن بلا أذان، فالأذان يوم ولد والصلاة أخرت إلى أن مات، دليل على أن الفترة قصيرة جد قصيرة، أدركها من أتت عليه سكرات الموت ﴿قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام:٣١]. ويولد الطفل على التوحيد، على كلمة لا إله إلا الله، فما من طفل في العالم إلا ويولد وفي قلبه لا إله إلا الله محمد رسول الله، أول ما يقع رأسه على الأرض، يقع على العقيدة الحية، وعلى الرسالة الخالدة، يقع موحداً مؤمناً على الفطرة، قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم:٣٠] لا يولد شيعياً ولا علمانياً ولا يهودياً ولا نصرانياً، ولكن يولد الطفل حنيفاً مسلماً، صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه﴾ إذاً فهو مسلم، أول ما يولد الطفل أو الطفلة على هذا الدين الحنيف الذي أتى به رسول الله ﵊، وهو دين الأنبياء والرسل عليهم صلاة الله وسلامه، فإذا وقع الطفل في الأرض كان من هديه ﵊ أن يؤذن في أذنه، والحديث في الأذان في أذن الطفل سنده حسن عند أبي داود وغيره. أذن الرسول ﵊ في أذن الحسن، ابن بنته وسبطه ﵊، فينادي في أذنه بالنداء الخالد، هذا الذي نعلنه كل يوم خمس مرات من على منائرنا، مبادؤنا تعلن واضحة جلية جهاراً نهاراً من على المأذنة، كل يوم خمس مرات يقول في أذنه: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله حيا على الصلاة حيا على الصلاة حيا على الفلاح حيا على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله. هل سمعتم كلاماً أجمل من هذا، هل سمعتم رسالة وتعليماً أروع من هذا؟! قال أهل العلم: إنما أذن ﵊ في أذنه لمقاصد. منها: أن يلهمه الله التوحيد وأن يكون على الفطرة. منها: أن الأذان إعلان للإسلام. منها: أن الأذان يطرد الشيطان، وفي السنة إذا أحسست بوجود جن أن تؤذن فإنهم يهربون من الأذان، كما صح ذلك عن معلم الخير ﵊. أما الإقامة فحديثها ضعيف، ولكن يكفي الأذان الذي يخترق الأذن ليصل إلى القلب، فيغرس أشجاراً من الإيمان واليقين والإخلاص، وطفل ينزل من بطن أمه فيتلقى بالأذان طفل سعيد في الحقيقة، وطفل طيب الأعراق، وطيب الأصل والمنشأ بإذن الله. أما الطفل الذي يستقبل بالموسيقا، أو يستقبل بالهتاف الماجن، أو بألعوبات سخيفة، أو بالهوايات الماجنة التي رمي بها أطفالنا، كان الطفل في عهده ﵊ يربى على حب العقيدة، على أن يبذل روحه رخيصة في سبيل الله، على أن يشتري جنة عرضها السموات والأرض بميثاق من الله، فأتت التربية السخيفة فجعلت من الطفل إذا قوبل قال: هوايته جمع الطوابع، والمراسلة، وصيد الحمام. عجباً لهؤلاء الأطفال مالهم صدوا عن الفطرة! أهكذا تربية أسامة وابن عباس وابن عمر، الذين امتطوا صهوة التاريخ, ونطقوا على لسان الزمن بلا إله إلا الله محمد رسول الله؟!

стр. 8263

سنة تحنيك الأطفال وفوائده كان ﵊ يحنك الأطفال، والتحنيك: أن يأخذ ﵊ تمراً، أو شيئاً من الحلوى أو نحوها فيدخل إصبعه الشريفة في فم الطفل قبل أن يأكل شيئاً. كانت المرأة المسلمة إذا أنجبت طفلاً بعثت به إلى معلم الخير في لفائف، ليكون أول ما يباشر بطنه ريق محمد ﵊، الريق المبارك الصافي، والريق الطيب، فيأخذ الرسول ﵊ الطفل بحنان وبرحمة فيقربه منه، ثم يأخذ تمرة فيمضغها في فمه الشريف، ثم يعطيها الطفل ويسمي ويدعو الله له بالهداية، والصلاح والاستقامة. قال أنس كما في الصحيح: [[ولدت أم سليم ابناً لها]] هذا الابن أخ لـ أنس من أمه، ابن لـ أبي طلحة، فلما ولدته قالت: [[اذهب به إلى رسول الله ﵊]] فأخذ أنس الطفل وذهب به إلى معلم الخير، فاستقبله ﷺ . هل تدرون أين كان الرسول ﷺ في تلك اللحظة؟ أكان في قصر!! أم في دار!! أم في بستان!! لا كان يطلي بيده الشريفة إبل الصدقة، أشرف من خلق الله، وأروع من صوَّر الله، وأفضل من أوجد الله، فسلَّمه الطفل، فأخذ ﵊ تمرة فأعطاها الطفل، فأخذ الطفل يتلمظ التمرة بشغف وحب، فتبسم ﵊ وقال: ﴿انظروا لحب الأنصار للتمر﴾ يقول: حتى هذا المولود أشبه أباه، والأنصار أهل نخل وتمر، لا يرضى أحدهم إلا أن يستفتح نهاره بسبع تمرات، فأتى هذا الطفل مثل أبيه. وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه نعم! الأنصار يحبون التمر، ويحبون المجد، ويحبون لا إله إلا الله، والأنصار استشهد منهم (٨٠%). قدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الله، فهذا الابن أحب التمر كما أحبه أهله من قبل، فجعلها ﵊ دعابة وأرسلها للتاريخ فكاهة. ثم إذا حنكه ﵊ برَّك عليه ودعا له، ثم رده إلى أمه فكانت هذه ساعة الميلاد التي هي من أحسن ساعات هذا الطفل في الحياة، أن يلتقي بمعلم الخير، وأن يمس بيده على جسده. قال سعد بن أبي وقاص في حديث صحيح: ﴿زارني النبي ﵊ فوضع يده عليَّ فوالله لا أزال أجد برد يده إلى الآن﴾ بعد ثلاثين سنة. ألا إن وادي الجذع أضحى ترابه من المسك كافوراً وأعواده رندا وما ذاك إلا أن هنداً عشية تمشت وجرت في جوانبه بردا

стр. 8264

أهمية اختيار الأسماء الطيبة للمولود وكان ﵊ يُسمي الأطفال، لكنه كان يختار أسماء شرعية إسلامية، تقود الطفل إلى جنة عرضها السموات والأرض، وكان يقول كما في الصحيح: ﴿أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن﴾ رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة بأسانيد صحيحة، وكان يقول في الصحيح ﴿أصدق الأسماء: همام وحارث﴾. قال ابن تيمية: إنما قال: همام؛ لأن الإنسان يهم بقلبه، والحارث دائماً يزاول بحركته، فجمع بين الاسمين ﵊، والعرب كانت تحب الأسماء القوية اللاذعة، ولذلك يسمون أبناءهم بأسماء الأسود. أما رأيت إلى اسم حمزة ألا تدري ما معنى حمزة؟ إنه اسم للأسد، ولذلك كان حمزة بن عبد المطلب أسد، وللاسم دور في المسمى، وكان يسمى علي حيدرة، كانت أمه تلاعبه وهو طفل فيقع على رأسه في الأرض فيقع على جمجمته فلا يبكي لأنه نشأ على البطولة من صغره، نشأ محنكاً على الصراع، ونشأ قائداً عسكرياً منذ أول ليلة، فكان إذا وقع تقول: نفسي فديت حيدرة كليث غابات كريه منظره وكان يقوله في معركة خيبر لما خرج له مرحب قائد الكفار من يهود خيبر خرج مرحب وبيده سيف، وهو يقول: من يبارز، من يبارز؟ ويرتجز: قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فقال ﵊: ﴿اخرج يا علي﴾ أليس من مدرسة محمد ﵊! فخرج فجاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً. خذ ما رأيت ودع شيئاً سمعت به في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل فقال: أنا الذي سمتني أمي حيدره كليث غابات كريه المنظره أكيلكم بالسيف كيل السندره ثم ذبحه كذبح الدجاجة. وكذلك كان العرب يحبون التسمية بصخر، ولد لـ علي كما صح في الحديث ولده الحسن فسماه صخراً، فسماه ﵊ حسناً، وولد له الحسين فسماه صخراً، فسماه حسيناً، وولد له محسن فسماه صخراً، فسماه ﵊ محسناً. العرب أمة شجاعة، من أسمائهم: حرب، وصخر، وأمية، وحيدرة، وحمزة، ونحو ذلك، ولكن انحرفت التربية فيما بعد، فسموا الولد فيما بعد: دلال، فاختلط الولد بالبنت، فما يُدرى أهو ولد أو بنت، فأصبح دليلاً مدللاً في كلامه وخطواته، متكسراً في ألفاظه ولحظاته وسكناته وحركاته. أو سموه اسماً لا طائل من ورائه، مثل: صنيهيت، لا فعل ماضي ولا فعل مضارع ولا اسم ولا حرف، وآخر سموه: شليبيح، آخر: جورج، وجورج اسم وثني مجرم، يسمى به أعداء الله، أو بوش، أو جرباتشوف، أو ما سار في مسارهم، أو اسماً لا معنى له، لا في العربية، ولا في الإنجليزية، مثل (نيو) رجل يقول: أحد الناس سمى ابنه (نيو) نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ما معنى نيو؟ وهل هو حرف أو اسم. وكذلك التسمي بأسماء تغضب المولى ، كعبد الكعبة وعبد الشمس وعبد النبي وهذا تعبيد لغير الله . تكاثرت الضباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد الاسم في منهجه ﵊ يكون معبداً لله، وأخنع الأسماء يوم القيامة، رجل تسمى بملك الملوك، لا ملك إلا الله، مثل شاهنشاه، أو ملك الأملاك، أو سلطان السلاطين، أو قاضي القضاة، أو نحو ذلك، وتفصيل هذا في مكان آخر، وسمى ﵊ بعض أبنائه بأسماء الأنبياء، أتاه إبراهيم فسماه بإبراهيم الخليل ﵇، وكان بينه وبين إبراهيم خيط من النور، وكان أشبه الناس بإبراهيم: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران:٦٨] وسمى ابناً لـ أبي موسى الأشعري بإبراهيم. وكان يغير الأسماء ﵊، غير اسم غاوي إلى راشد، وظالم إلى مقصد، وعاصية إلى جميلة، وغير برة إلى زينب، قال: تزكي نفسها، ونهى عن تسمية يسار، كما في سنن أبي داود بسند صحيح، ونجيح ورباح، لأنه يقال: أثم رباح؟ فيقولون: لا، وأثَمَّ نجيح؟ فيقولون: لا، أثم يسار؟ فيقولون: لا، هذه التسمية في معالمه ﵊، وهي من حقوق الطفل على أبيه كما قال ﵊، أن تحسن أدبه واسمه، فإنا ندعى يوم القيامة بأسمائنا وأسماء آبائنا. ولذلك كان ينبغي على المسلمين أن يتكنوا بالكنى الجميلة التي كان يكني بها محمد أصحابه، كان يقول: يا أبا حفص يا أبا الحسن والكنية أمرها عجيب، قال الشاعر اليمني: أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسوءة اللقب كذاك أدبت حتى صار من خلقي أني وجدت ملاك الشيمة الأدبا الكنية الحقة التي أتى بها ﵊.

стр. 8265

استحباب حلق رأس الطفل والعقيقة عنه ومن السنة في الطفل كما فعل الرسول ﷺ أنه أمر بحلق رأس الطفل تفاؤلاً بأن يزيل الله خطاياه، أو أن ينشأه الله على توحيد صاف، وأن يكون خالياً من الذنوب والخطايا، فإن الحالق في النسك إذا حج واعتمر، قالوا: تفاؤلاً بأن يزيل الله خطاياه كما أزال شعره، كذلك المولود ينشأ نشأة جديدة ويكون طاهراً مزكى، ويتصدق بوزنه ذهباً للمساكين وهذه حكمة عظيمة ربما أدركناها أو لم ندركها. وأمر ﵊ بالعقيقة عن الغلام كما في الصحيح شاتان، وعن الجارية شاة واحدة، وكان يكره ﵊ العقوق، وصح عنه أنه قال ﷺ : ﴿كل غلام مرتهن بعقيقته﴾. فمن السنة أن تَذْبح شاتين اثنتين مكافأتين إذا ولد لك مولود ذكر وأما الأنثى فشاة واحدة، حكمة بالغة ومقصد نبيل، استبشاراً بهذا المولود، ولينشأ على بر وصدقة، ولتطعم جيرانك وإخوانك استبشاراً بنعمة الله، فإن الولد الصالح من أعظم النعم، قال زكريا ﵇: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩] فرزقه الله يحيى، والولد الصالح حياة، والولد الصالح أثر، واتصال لك بالنور، وخلود، والولد الصالح يدعو لك بعد الممات فيزيد في عملك الصالح صلاحاً وفي خيرك خيراً، وفي برك براً، والولد الصالح يدركك في الشيخوخة فيقيم من عضدك، ويقوي من ساعدك، ويكون لك نعم الأثر، والولد الصالح جناح، قال البخاري في الصحيح في كتاب الجهاد: (باب من طلب الولد للجهاد) ثم أتى بقصة سليمان الحبيب ﵇، لما قال: ﴿لأطوفن الليلة على مائة امرأة -وفي لفظ- على سبعين، كلهن يلدن مجاهداً في سبيل الله﴾ لكنه ما قال إن شاء الله فما ولدت إلا امرأة نصف ولد أو كما قال ﵊. والولد الصالح من أعظم النعم إذا ولد على الفطرة، وأنشئ نشأة طيبة، فكان من شكر المنعم أن تعق عنه عقيقة، وأن تطعم جيرانك وأحبابك، وأن تستبشر بهذا الفتح العظيم الذي رزقك الله إياه؛ لأن العقم نقص، ولكن العقيم، كل العقيم من عقم عن العمل الصالح وأفلس في التقوى.
следующие страницы →