Полный текст (10 391 стр.). Показаны 8191–8230 · переход к 8196.
стр. 8191
قطع الصلاة لإنقاذ غريق أو إطفاء حريق
السؤال
هل يجوز قطع الصلاة لإنقاذ غريق أو إطفاء حريق؟
الجواب
نعم.
إذا رأيت أعمى يتردّى، أو كاد أن يتردى فاقطع صلاتك واذهب إليه، أو رأيت طفلاً وأنت في الصلاة ورأيته يحترق فاذهب واقطع صلاتك، فعل ذلك السلف وما أنكر أحد من أهل العلم هذه المسألة.
стр. 8192
إطالة الصلاة مع كراهية الناس ذلك
السؤال
شخص يعترض على الإمام أنه يطول الصلاة، وبقية الناس يرغبون أن يطول القراءة، فما الحكم؟
الجواب
على الإمام أن يراعي هذا الشخص المنفرد وحده ولا يراعي الكثرة، يقول ﵊ لـ عثمان بن أبي العاص، كما في سنن أبي داود، قال: قلت: يا رسول الله! اجعلني إمام قومي، قال: ﴿أنت إمامهم واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً﴾ واقتد بأضعفهم، معناه: أضعف واحد في الجماعة، تقتدي به وتجعل صلاتك عليه، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إذا صلَّى أحدكم بالناس فليخفف فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة﴾ وفي رواية: ﴿الكبير﴾ فإذا كان فيهم ضعيف أو شيخ كبير، أو مريض فاقتد به واجعله هو قدوتك في الصلاة وإن أحب الناس التطويل؛ لأن الصلاة هي لهؤلاء حتى يستطيعون الحضور.
يقول ﵊: ﴿إني لأدخل في صلاتي فأريد أن أطيلها؛ فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي﴾ فهو يراعي حال المرأة ﵊، وحديث معاذ: ﴿أفتان أنت يا معاذ! أفتان أنت يا معاذ﴾.
стр. 8193
اقتداء المأمومين بعضهم ببعض
السؤال
يسأل الأخ في مسألة من دخل وقد صلى الناس وقام يكمل هو والمأمومين معه، هل يقتدي بعضهم ببعض؟ أم يصلي كل واحد منهم وحده؟
الجواب
الصحيح في هذه المسألة أن يقتدوا بواحد منهم ويصلون ويكون لهم إماماً، حتى ولو لم ينووا، يعتبر واحد منهم إماماً لهم فيقتدون بصلاته، ولو اقتدوا به فلما ركع ثم علم أنهم يريدون الاقتداء به فجعل نفسه إماماً صحَّ لسببين:
أولاً: إن صلاة الجماعة تقدم على صلاة الفرادى.
الأمر الثاني: أنه لم يرد من الرسول ﵊ أي مانع في هذه المسألة، وقد أفتى بها ابن تيمية في الفتاوى هذه المسألة، فيجعلونه إماماً ويصلون بصلاته.
стр. 8194
صلاة العشاء خلف من يصلي التراويح
السؤال
هل يجوز أن يصلي العشاء خلف من يصلي التراويح؟
الجواب
نعم.
صل العشاء خلف من يصلي التراويح مفترض بمتنفل؛ كما فعل معاذ ﵁ وأرضاه.
стр. 8195
حكم الصلاة خلف من عنده مخالفة شرعية
السؤال
بعض الأئمة عندهم مخالفة شرعية، مثل حلق اللحية وتطويل الثوب، ومثلاً تناول المحرمات كالدخان فما الحكم؟
الجواب
إن كان إماماً راتباً فصلِّ وراءه؛ لأنه تحمل أمر الأمة، وقد حُمِّل المسئولية وهو ضامن؛ لأنه راتب يلحق بأهل المعاصي وأهل البدع، وهذه فتوى كثير من أهل العلم، وإن كان متبرعاً فلا تصل وراءه، خاصة حليق اللحية؛ لأنه متلبس بالمعصية؛ ولأن وجود أهل السنة وراءه كيف يصلون به وهو ظاهر المعصية فلا تصل وراءه.
стр. 8196
حكم التنكيس في القراءة
السؤال
ما حكم تنكيس القراءة في الصلاة؟
ذهب الأحناف إلى أن التنكيس ليس وارداً ولا جائزاً، والتنكيس هو: أن يقرأ في الركعة الأولى بآخر القرآن، مثلاً: سورة الناس، وفي الركعة الثانية يأتي من أعلى القرآن من عند سورة عم يتساءلون مثلاً، قالوا: لا يجوز؛ لأن المصحف وضعُه توقيفي على هذا الترتيب.
وذهب أهل العلم ومنهم الإمام البخاري وعلقه في الصحيح إلى أنه جائز وهو الصحيح لأسباب:
أولاً: لأن الترتيب ولو كان توقيفياً في المصحف فلا تتعلق به القراءة.
الأمر الثاني: أن هناك أدلة دلت على أنه قدم بعض السور وأخرت بعض السور، منها حديث حذيفة: ﴿أن الرسول ﷺ قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران﴾ قالوا: على ترتيب مصحف ابن مسعود.
ثالثاً: حديث ابن مسعود: [[لقد أتيت المفصل الذي يقرأ به ﷺ ]] فكان يأتي بسورة من جزء عم في الركعة الأولى، وفي الركعة الثانية بسورة من تبارك.
ومنها حديث في البخاري في كتاب الصلاة تعليقاً إلى عمر ﵁ وأرضاه، قال البخاري: " وكان عمر ﵁ يصلي بالناس، فقرأ في الأولى سورة الكهف، وفي الثانية سورة يوسف أو يونس "، فأين الكهف عن يونس ويوسف.
رابعاً: أثر عن بلال ﵁ وأرضاه أنه جمع في الصلاة من سورٍ قدم بعضها على بعض، فسأل الرسول ﷺ ، فقال: ﴿كُل كثير طيب﴾ فلك أن تنكس وأن تقرأ وأن تقدم، لكن الأولى على ترتيب المصحف، بشرط ألا تطيل الثانية أكثر من الأولى؛ لأن بعض الناس يأتي في الأولى فيقرأ سورة النصر، ويأتي في الثانية ويقرأ سورة ق، وهذا من قلة الفقه؛ لأنه لا بد في الركعة الأولى أن تكون أطول من الثانية، وأن تكون الركعة الثانية على النصف من الركعة الأولى.
لك أن تنكس، وأنا إنما ذكرت الأمر الجائز، ليس الجائز هو الأولى؛ لأن هناك فرقاً بين الأولى والجائز، فالجائز ما فُعل ليُبين أنه ليس مكروهاً ولا حراماً، والأولى ما فعل ليبين أنه يقدم على غيره، فالأولى أن ترتب، والجائز أن تنكس.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 8197
عوامل محبة الله
إن محبة الله غاية كل مسلم ولا تكون محبة الله للعبد إلا بأمور منها: قراءة القرآن، فمن قرأه وتدبره وفهم معانيه وعمل بما فيه؛ كان له عاملاً من عوامل المحبة الإلهية.
ومن عوامل المحبة قيام الليل، والخوف من الله، ومن سعى وأخلص ليكون محبوباً عند الله بلغه الله ذلك وجعله من أحبابه.
стр. 8198
كيف تكون محبة الله
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]
اللهم صلِّ وسلم على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل المذكور في التوراة والإنجيل.
اللهم صلِّ وسلم على معلم البشرية، وهادي الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أيها الأبرار، أيها الأخيار: سلام الله عليكم ورحمته الله وبركاته.
وبعد:
ففي مجلسٍ من مجالس الإيمان، وفي روضة من رياض اليقين، نتعلم فيها كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، نعيش لحظة من لحظات العمر، بل من أغلى ساعات العمر، لأن العبد إذا لم يعش مثل هذه الساعات مات قلبه، والقلب إنما غذاؤه آيات الله وأحاديث المصطفى ﷺ ، وموضوعنا هذه الليلة: موضوع (عوامل محبة الله .
كيف تحصل على محبة الله؟
كيف تنال رضوان الله تعالى؟
كيف تكون عبداً لله ؟
إن أعظم المطالب في الإسلام أن تكون حبيباً لله، وأن تكون قريباً منه، وأن تكون من أحبابه وأوليائه.
ولذلك جعل الرسول ﷺ الولاية قسمين: المقتصد والسابق بالخيرات، ففي الحديث المتفق عليه عند الشيخين البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿يقول الله ﵎: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بأحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه﴾ وهذا الحديث هو حديث الولاية، شرحه الأئمة في كتبهم وهو من أعظم الأحاديث في الإسلام، وللإمام الشوكاني شرحٌ عجيب عليه في كتاب قطر الولي في شرح حديث الولي، وشيخ الإسلام ابن تيمية يتعرض لهذا الحديث ويقول كلاماً ما معناه: قسم الحديث المؤمنين إلى قسمين: مقتصدٌ وسابق بالخيرات، فالمقتصد: هو الذي يؤدي الفرائض، وهي أعظم ما يؤدى من حقوق الله على العبد، والسابق بالخيرات: هو الذي يتقرب بالنوافل إلى الله ﵎.
ولذلك يرى ﵀ رحمة واسعة- أن الآية التي تقول: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢] يرى أن كل هذه الأصناف يدخلون الجنة، وعند الترمذي بسندٍ فيه نظر أن الرسول ﷺ قرأ: ﴿﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢] قال: كل هؤلاء الأصناف في الجنة﴾ وهذا الحديث من حديث عائشة ﵂ في الترمذي كما أسلفت، والخلاف بين أهل العلم هل الأصناف الثلاثة الظالم والمقتصد والسابق يدخلون الجنة؟ والذي عليه التحقيق -إن شاء الله- من كلام الأئمة أنهم في الجنة، وهذه بشرى لنا لأننا نعد أنفسنا من الظالمين لأنفسهم.
قال مسروق لـ عائشة ﵂ وأرضاها كما في طريق الهجرتين [[يا أماه! لأنها أمٌ للمؤمنين، من هم السابقون بالخيرات؟ قالت: السابقون بالخيرات من مضى مع رسول الله ﷺ ، والمقتصدون من لحقوهم أو من تبعوهم بإحسان -أو كما قالت- والظالم لنفسه أنا وأنت]] وهذا تواضعٌ منها ﵂ وأرضاها.
стр. 8199
عوامل محبة الله
وعوامل محبة الله تحصل بأمور، من أعظمها وأكثرها نفعاً، وأجلها فائدة وقربى وزلفى من الله ، القرآن الكريم، وهذه المناسبة مناسبة القرآن، ومع طلبة كتاب الله ، لأنه الكتاب العظيم الذي وصى به ﷺ ، فلا نجاح للأمة ولا فلاح إلا بتلاوته وتدبره، ويوم ترى الأمة تعرض عن القرآن، وتأخذ عوضاً عن القرآن يرميها الله بالجدل، وعند أبي داود بسندٍ حسن: ﴿ما أعرض قومٌ عن كتاب الله إلا أوتوا الجدل﴾ وهو من حديث ابن عمرو مرفوعاً إليه ﷺ .
فتعيش الأمة سخيفة التقاويم والمبادئ والتعاليم يوم تعرض عن القرآن والسنة، تكون مجالسها عقيمة لا فائدة فيها ولا نفع، ولا عائد يعود عليها في دنياها ولا في أخراها، والأمة التي تتلقى ثقافتها من غير القرآن، أمةٌ لا عقل لها ولا تدبير ولا مجد، ولذلك بالاستقراء من حياة السلف الصالح والقرون المفضلة، لما عكفوا على الكتاب وعلى السنة كانوا أجدر العصور وأخلصها وأصدقها وأمجدها عبادةً وزهداً وإقبالاً على الله ، ولما أعرضنا -إلا من رحم الله- عن القرآن ماتت قلوبنا، وفقدنا ذاك النور والإشعاع والإقبال على الله .
والرسول ﷺ أتى ليعلم القرآن: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل:٩٢] فهو فمهمته أن يتلو القرآن على الناس، ولذلك منع في أول عصره، وحياته ﵊ -الحياة الدعوية وحياة الرسالة- كتابة الحديث، لئلا يتشاغل الناس بالحديث عن القرآن.
فتعالوا نرى حياة الصحابة مع القرآن، كيف عاشوا مع القرآن؟
وكيف تألقوا مع القرآن؟
وكيف عملوا بالقرآن؟
وكيف حولوا حياتهم مع القرآن؟ في صحيح مسلم عن سعد بن هشام بن عامر ﵁ وعن أبيه وجده، فأبوه وجده من الأنصار الذين شهدوا بدراً وأحداً.
تلك المكارم لاقعبان من لبن شيبا بماء فعاد بعد أبوالا
إذا افتخر المفتخر فليفتخر ببلائه في الإسلام، وبقدمه في خدمة الدين، وفي رفع لا إله إلا الله، أما الذي يفتخر بنسبه وأسرته وعراقته ومنصبه وجاهه ووظيفته، فهذه افتخارات فرعون وأبنائه وأذنابه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
دخل ثلاثة من الشباب على عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه، وهو الزاهد العابد وخليفة الإسلام، فقال: [[من أنتم؟ قال: أحدهم أنا ابن الأمير فلان بن فلان على الكوفة، فسكت عمر وأشاح بوجهه، وقال للآخر: من أنت؟ قال: أنا ابن فلان الذي كان في جيش الوليد قائداً، وقال الثالث: أنا ابن قتادة بن النعمان الذي حضر أحداً فقلعت عينه فسالت على خده فردها ﷺ بيده، ثم قال الفتى:
أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أحسن الرد
]]
فدمعت عينا عمر بن عبد العزيز وقال: حياك الله وبياك.
تلك المكارم لاقعبان من لبن شيبا بماء فعاد بعد أبوالا
стр. 8200
اهتمام النبي بالقرآن والحث عليه
قال هشام بن سعد بن عامر سألت عائشة ﵂ وأرضاها عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: ﴿كان خلقه القرآن﴾ وهي أبلغ كلمة بعد كلام الله في وصف الرسول ﷺ فقد كان قرآناً يمشي على الأرض، إذا قرأت القرآن فكأنه ترجمة حية للمصطفى ﷺ ، فالله يقول له في القرآن: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ويقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ويقول له: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] ويقول له: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
الرسول ﷺ علم الناس كيف يعيشون بالأحاديث التي لا يقرأها المسلم إلا ويتحرك قلبه إلى المصحف، في صحيح مسلم عن أبي أمامة ﵁ وأرضاه قال: يقول ﵊: ﴿اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه﴾ وهذا من أبلغ الأحاديث في الإسلام، وإذا شفع لك القرآن فنعمة وقرة عينٍ لك، ويا سعادة قلبك ويا شجى روحك يوم تأتي والقرآن يقودك إلى الجنة، يشهد لك أنك أحللت حلاله وحرمت حرامه، ووقفت عند حدوده، وأنك آمنت، وعملت بمحكمه وآمنت بمشابهه.
وعن عثمان ﵁ وأرضاه كما في البخاري يقول ﵊: ﴿خيركم من تعلم القرآن وعلمه﴾ إي والله! خيرنا وأمجدنا وأعزنا وأشرفنا من عاش مع القرآن، فهذه أوسمة أنزلها الله في الأرض، ليست أوسمة أهل التراب، ولا أهل المادة الذين يشرفون الإنسان بقدر جاهه أو منصبه أو ولده.
ولذلك كان ﵊ ينزل الناس على قدر قربهم من القرآن، فكان يكرمهم على قدر حفظهم لكتاب الله وتلاوتهم له، وعلى قدر حفظهم لهذا الكنز الذي أنزله الله هدايةً للناس.
يقول أنس: ﴿أرسل الرسول ﷺ سريةً تغزو في سبيل الله﴾ فهي خرجت ترفع لا إله إلا الله، يوم يقاتل الناس على الحطام، ويحاربون على الأعلام والأوسمة كان ﷺ يقاتل لترتفع لا إله إلا الله.
من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك فوق هامات النجوم منارا
كنا جبالاً في الجبال وربما صرنا على موج البحار بحارا
فلما أرسل الرسول ﷺ السرية: ﴿سألهم: أيكم يحفظ القرآن؟ فسكتوا، قال: أيحفظ أحدكم شيئاً من القرآن؟ قال رجلٌ منهم: أنا يا رسول الله! قال: ماذا تحفظ؟ قال: أحفظ سورة البقرة، قال: اذهب فأنت أميرهم﴾ هذه مؤهلات أهل الإسلام وأهل لا إله إلا الله، وأهل الإقبال على الله، ما دام أنك تحفظ سورة البقرة وهي في صدرك، وأنت تعيش معها وتعمل بمقتضاها، فأنت أمير الجيش.
ويقول جابر ﵁ وأرضاه: ﴿كان ﷺ يسأل عن القتلى يوم أحد أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير إلى رجلٍ أنه أكثر حفظاً قدمه تجاه القبلة، ثم وضع الناس بعده﴾ ويوم أحد يومٌ جعله الله من أيامه التي شهد الله فيه للصالحين من عباده، ويوم أحد يوم أهل القرآن هو ويوم اليمامة، والد جابر بن عبد الله عبد الله بن عمرو الأنصاري كان ممن يحفظ كثيراً من القرآن، فنفعه القرآن أيما نفع، فهو لم يتوسد القرآن، وما جعل القرآن تأكلاً أو طلباً للمعاش وللمنصب وللجاه في الناس؛ لأن من الناس -نعوذ بالله أن نكون منهم- من يقرأ ليقال: قارئ، وفي صحيح مسلم: ﴿﴾.
أما عبد الله بن عمرو الأنصاري ما قرأ القرآن ليقال قارئ، لكن قرأ ليرفعه القرآن، وليقوده ويصلح حاله.
حضرت معركة أحد فاغتسل في الصباح ولبس أكفانه.
أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا
ومن الذي باع الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شيء فاشترى
أم من رمى نار المجوس فأطفئت وأبان وجه الصبح أبيض نيرا
فلما لبس الأكفان سأل الله الشهادة، وأوصى ابنه جابر بالنساء وكن سبعاً، وحضر المعركة وقتل في أول الناس، لأنه صادق: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [محمد:٢١] فعلم الله أنه كان صادقاً، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من سأل الله الشهادة بصدقٍ بلَّغه الله منازل الشهداء ولو مات على فراشه﴾.
وفي صحيح البخاري في كتاب الجهاد، وفي كتاب الجنائز ذكر البخاري (باب البكاء على الميت) ثم أورد طرفاً من القصة، فلما قتل أتى ابنه جابر يبكي عنده، قال: ﴿فكان الناس ينهونني ورسول الله ﷺ لا ينهاني﴾.
وفي تفسير قوله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١] قال ﵊: ﴿يا جابر! أتدري ما فعل الله بأبيك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: والذي نفسي بيده! لقد كلم الله أباك كفاحاً بلا ترجمان فقال: تمن يا عبدي! قال: أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فتمن، قال: أتمنى أن ترضى عني، فإني قد رضيت عنك، قال: إني قد أحللت عليك رضواني لا أسخط عليك أبداً، فجعل الله روحه وأرواح إخوانه من الشهداء في حواصل طير ترد الجنة، فتشرب من مائها وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة في العرش حتى يرث الله الأرض وما عليها﴾.
стр. 8201
أهل الله وأحباؤه هم أهل القرآن
وهم أهل القرآن، وهم أحباب الله وخاصته، كما في الحديث الذي رواه ابن مسعود، وابن مسعود ﵁ وأرضاه من هؤلاء الخواص، وما كل أحدٍ من الناس يوفق لمحبة الله ، فبعض الناس يسعى إلى بعض البشر، ليأخذ وينال محبتهم وتقديرهم، وينال رضاهم وإعجابهم، والله هو الحبيب الذي حبه ينفع ومدحه ينفع، كما في الحديث أن وفد بني تميم أتوا إلى الرسول ﷺ وينادونه من وراء الحجرات ويقولون: مدحنا زينٌ وذمنا شين، فخرج ﵊ قال: لا.
الله الذي مدحه زين وذمه شين، فهو إذا أحب العبد سبحانه قربه ونجاه، وجعله من الصلحاء في الدنيا والآخرة، وإذا كره العبد مقته وأذله وأخسأه وحقره، وطرده وأبعده فلا ينفعه الناس جميعاً.
ولذلك معاوية ﵁ وأرضاه، عندما كتب إلى عائشة: [[أن اكتبي لي موعظة وأوجزي، فكتبت له أمَّا بَعْد: فإني سمعت الرسول ﷺ يقول: ﴿من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس﴾]].
وهذا معروف، فإن الحب لا ينزله في القلوب إلا الله ، ولا ينشر القبول إلا الله.
ولذلك يقول البخاري في كتاب الرقاق: (باب المقة من الله) والمقة معناها: الحب، ثم أورد الحديث الصحيح الذي اتفق عليه الشيخان، واللفظ للبخاري: ﴿إن الله إذا أحب العبد نادى يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض﴾ وبمفهوم المخالفة من يبغضه الله يخبر جبريل أنه يبغضه فيبغضه جبريل ثم تبغضه الملائكة، ثم يوضع له البغض في الأرض.
وابن مسعود ﵁ وأرضاه من أحباب الله، يقول كما في الصحيحين: ﴿قال لي ﵊: اقرأ عليَّ القرآن، قلت: يا رسول الله! أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: إني أحب أن أسمعه من غيري﴾ فـ ابن مسعود يستحي من معلم الخير، فهو تلميذٌ من تلاميذه وطالبٌ من طلابه، والقرآن إذا وفق بعبدٍ صالح بصوت محزن وبخشية كان له التأثير العجيب في النفوس، يؤثر ما لا تؤثره المحاضرات ولا الخطب ولا الأمسيات ولا كثرة الكلام، لأننا أصبنا بترف في الكلام، وبتخمة في المقال، فكم يتحدث وكم يتكلم، لكن التربية ليست التربية كما كانت في عهده ﷺ ، لأنه كان يسمعهم القرآن غضاً طرياً كما أنزل.
وفي مسند الإمام أحمد عن أبي بكر ﵁ وأرضاه قال: قال رسول ﷺ : ﴿من أحب أن يقرأ القرآن غضاً طرياً فليقرأه على قراءة ابن أم عبد﴾ وهذه البشارة التي ذهب بها أبو بكر إلى ابن مسعود وسابقه عمر بها إلى ذاك الرجل ﵁ وعنهم جميعاً، قال ﵊: ﴿اقرأ عليَّ القرآن﴾ فيخجل ابن مسعود، لأنه حسنة من حسنات الرسول ﷺ ، فقد كان راعي غنم؛ لكن الإسلام إذا علَّم الرجال جعل كل رجلٍ أمة من الأمم، ولذلك كان يقول أحد السلف أن ابن مسعود أمةً قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين، كان مولى لهذيل يرعى لهم الغنم، فلما علمه ﷺ القرآن صار أعجوبةً في الإسلام، فبدأ يقرأ القرآن من سورة النساء، حتى بلغ قوله سبحانه تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] أقبلت دموعه ﷺ ، دموع التأثر والخشية، لأنه أعرف الناس وأعلمهم بالله، وأقرب الناس إلى الله.
ولذلك يقول البخاري في كتاب الإيمان، (باب قول النبي ﷺ : أنا أعلمكم بالله) وهذا حديث له ﷺ ، يدل على أن معرفة القلب عمل، فهو يرد على المرجئة الذين يقولون: يكفي اعتقاد القلب عن العمل، فيرد عليهم بأن الاعتقاد يدخل في العمل، وأن الدين كله عملٌ، اعتقاد وقول وعملٌ.
فدمعت عيناه ﷺ لما سمع هذه الآية وقال: ﴿حسبك الآن، قال: ابن مسعود فنظرت فإذا عيناه تذرفان ﵊﴾ وابن مسعود يتشرف ويذكر نعمة الله عليه، فبماذا يذكر نعمة الله هل يقول: إنه من أسرة بني عبد شمس؟ أو من بني عبد الدار، أو بني هاشم؟ لا.
هل يتمدح بماله؟ لا مال.
هل يتمدح بجسمه؟ لا.
جسمه كالطائر، يوازي الإنسان وهو جالس.
стр. 8202
النبي ﷺ يسمع القرآن من أصحابه
ولذلك أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء أن ابن مسعود ﵁ وأرضاه صعد شجرة ليأخذ منها سواكاً للرسول ﷺ ، فلما صعد الشجرة أخذت الرياح تلعب بالشجرة وعليها ابن مسعود على غصن، فأخذ الصحابة يتضاحكون من دقة ساقيه؟! قال ﷺ : ﴿أتضحكون من دقة ساقيه، والذي نفسي بيده! إنهما في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد﴾.
إن المسألة مسألة إيمان ويقين وإقبال على الله، ولو كانت المسألة مسألة أجسام، فإن المنافقين أعظم الناس أجساماً، لكن العجيب أن الله ذمهم بكبر الأجسام وبضخامة الأعضاء؛ ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون:٤].
لا بأس بالقوم من طولٍ ومن قصرٍ جسم البغال وأحلام العصافير
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] ولكن ليست ثابتة وإنما مسندة، فهي لا تعتمد على نفسها، فبعض الخشب يعتمد على نفسه، لكن هؤلاء من فشلهم وانهزامهم وتأخرهم وغبائهم وبلادتهم وخبثهم كالخشب التي لا تعتمد على نفسها مسندة: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون:٤] ابن مسعود لم يملك من هذه الأمور والمعطيات شيئاً، بل ملك إيماناً وفي ذلك يقول: [[أخذت سبعين سورة من فيِّ الرسول ﷺ لا ينازعني فيها أحد، والله الذي لا إله إلا هو، لو أعلم أن رجلاً تبلغه الإبل يعلم أكثر مني في القرآن لركبت إليه]].
فهذا ابن مسعود ﵁ وأرضاه الذي قرأ سورة الرحمن في منتدى مكة، المنتدى الجاهل الكافر المشرك يوم أتى ليسمعهم القرآن فضربوه حتى أدموه، وأخذ أبو جهل يعصر أذن ذلك الداعية ابن مسعود، ويلطمه على وجهه وهو لا يسكت، بل يرفع صوته بسورة الرحمن، ولكن أنصفه الله من الفاجر أبي جهل، فهو الذي احتز رأسه في معركة بدر وأتى يسحبه بأذنه، فيقول ﷺ : ﴿هذه بتلك﴾.
الرسول ﵊ كان أحلى لياليه أن يعيش مع القرآن، وهكذا الصحابة أيضاً، لم تشغلهم المؤلفات ولا الردود والمقولات، ولا الجرائد والمجلات، بل كان الكتاب الوحيد الذي يتشاغلون به هو القرآن، فإذا دخلت بيت المهاجري والأنصاري وجدت القرآن معلقاً في البيت ووجدت السيف بجانبه، سيف يفتح البلاد وقرآناً يفتح القلوب.
ولذلك في حديث أبي موسى أن الرسول ﷺ خرج يستمع قراءة أبي موسى وكان قد أوتي مزماراً من مزامير آل داود، أعجوبة في الصوت، يسري صوته إلى القلوب فيخاطب الأرواح مباشرة، فخرج ﷺ ووضع جسمه على مشرفة على المسجد، ومسجده قريبٌ من بيته ﷺ ، فأخذ أبو موسى يقرأ، وفي الصباح قال ﵊: ﴿لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود﴾ ولقي أبو موسى فأخبره، فقال: ﴿لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود، قال: يا رسول الله! أئنك كنت تستمع لي؟ قال: إيه والذي نفسي بيده، قال: -وهذه رواية صحيحة-: والذي نفسي بيده، لو علمت أنك كنت تستمع لي لحبرته لك تحبيراً﴾ يعني: جودته وحسنته حتى يكون أكثر تأثيراً وإيصالاً وأكثر ذلك عجباً.
والقرآن كله عجب: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ [الجن:١] يقول سيد قطب ﵀: عجباً حتى الجن يتذوقون القرآن وهو ليس بلغتهم! ولذلك قالوا كما في سورة الأحقاف، كما حكى عنهم: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاق:٢٩ - ٣١] فهؤلاء مؤمنو الجن، قد تفوقوا على كثيرٍ من الناس الذين لا يفقهون ولا يعلمون ولا يفهمون: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٣١ - ٣٢].
وكان هذا في وادي نخلة يوم عاش ﷺ ليلة القرآن، والحديث ولو أن بعض أهل العلم، قالوا: معضل في سنده، لما عاد ﷺ ودعا أهل الطائف فكذبوه وآذوه وشتموه، وليتهم يوم ردوه تركوه، لكن رموه بالحجارة، فلما عاد نزل في وادي نخلة بين الطائف ومكة، وشكى ﷺ حاله إلى الحي القيوم الذي ترتفع إليه الشكوى، ثم قام ﵊ يصلي، فأتى الجن -جن نصيبين كما عند ابن كثير وغيره- فلما استمعوا القرآن أسلموا وآمنوا: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [الجن:١٩] ثم رجعوا منذرين إلى قومهم رافعين لا إله إلا الله محمد رسول الله.
стр. 8203
حال القلب الخالي من القرآن
وكانت منازل الصحابة كما أسلفت بقدر قربهم من هذا الكتاب، وبقدر حفظهم للقرآن، وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إن الذي ليس في صدره شيء من القرآن كالبيت الخرب﴾ وهذا الحديث عند الترمذي، والبيت الخرب الذي تسكنه الغربان والحيات والعقارب وكلما هب ودب وهو أشبه بالقلب الذي لا يسكنه القرآن، ففيه نفاق ووساوس وخطرات وواردات وعشقٌ ووله، وأغانٍ ماجنات، ونظرات سيئات، ومطاردة للداعرين والداعرات، فهذا هو القلب الذي أخفق من لا إله إلا الله، ولم يسكنه القرآن، والرسول ﷺ كان يبشر أصحابه بمنازلهم، وبقربهم من القرآن.
стр. 8204
من حملة القرآن أبي بن كعب
فسيد القراء أبي بن كعب من الأنصار ﵁ وأرضاه، في سيرته وفي سيرة هؤلاء هدى ونور بإذن الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] ويذكر عنه بعض المترجمين أنه مرض بالحمى ثلاثين سنة؛ لأنه سأل الرسول ﷺ وقال: ﴿يا رسول الله! هل يكفر عنا ما يصيبنا من المصائب، قال: نعم.
حتى الشوكة يشاكها العبد﴾ ومصداق هذا حديث صحيح: ﴿ما يصيب المؤمن من هم ولا نصبٍ ولا وصبٍ ولا غمٍ ولا حزنٍ ولا مرض حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه﴾ فسأل الله أبي بن كعب ﵁ وأرضاه أن يكفر عنه بهذه الحمى، فمكث ثلاثين سنة، لكن ما عطلته عن حجٍ ولا عمرة ولا عن فريضة ولا جهاد.
يقول له ﷺ ، وهذا الحديث في صحيح مسلم: ﴿يا أبي! إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة:١]﴾ فالله من فوق سبع سموات يسمي أُبياً باسمه! وهو صحابي من الصحابة، فأي شرف لهذا الإنسان! تصور بنفسك أن الله سماك في الملأ الأعلى، لكن أُبياً سماه الله، قال: ﴿يا رسول الله! أوسماني الله باسمي في الملأ الأعلى؟ قال: إي والذي نفسي بيده، فدمعت عينا أبي وبكى وقرأ عليه النبي ﷺ سورة البينة﴾.
وفي صحيح مسلم أيضاً أن الرسول ﷺ أراد أن يسأل أبياً ليمتحن قربه من القرآن، وكثرة محفوظاته ومعرفته وفطنته، فالذي علمه هو ﷺ ، قال: ﴿يا أبا المنذر! أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فأخذ ﷺ كفه وضرب في صدر أبي وقال: ليهنك العلم أبا المنذر﴾ إيه والله هذا العلم الذي يغبط عليه، هذا العلم النافع الذي لم يُشَبْ ولم يَخلَق، ولم يمزج، فكان سيد القراء ﵁ وأرضاه.
صلى الرسول ﷺ -وهذا دليلٌ لأهل الفقه من الحنابلة وغيرهم بالفتح على الإمام في الصلاة إذا أخطأ أو تجاوز آية- صلى وتجاوز آية، وهو ﷺ ما ضن بشيءٍ من القرآن، وما فاته شيءٌ منه، بل نشهد الله ، ثم نشهد ملائكته والناس أنه قد أدى الرسالة كاملةً، ما نقص حرفاً واحداً وما ترك خيراً إلا دلنا عليه، ولا شراً ولا سوء إلا حذرنا منه، فتجاوز ﵊ آية، فلما سلم، قال الناس: ﴿يا رسول الله! هل نسخت تلك الآية؟ قال: لا.
قالوا: ما قرأتها يا رسول الله، قال: أين أبا المنذر؟ -فالرسول ﷺ يسأل أهل التخصصات- قال: لبيك يا رسول الله وسعديك! قال: أكما يقولون؟ قال: نعم.
قال: لماذا لم تفتح عليَّ في الصلاة، قال: ظننت أنها نسخت﴾
فالرسول ﷺ بلَّغ القرآن كاملاً.
لكن الشاهد: كيف عاش الصحابة مع القرآن؟ وكيف تأثروا بالقرآن؟ فعند ابن أبي حاتم في تفسيره، في سورة الغاشية، أن الرسول ﵊ مر بامرأة تقرأ في جنح الليل: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] فوضع ﷺ رأسه على صائر الباب وهي تردد ولا تدري أنه يستمع لقراءتها، وتقول: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] وتبكي، فأخذ ﷺ يبكي ويقول: ﴿نعم أتاني نعم أتاني﴾ حديث الغاشية وحديث يوم القيامة وهو حديث عجيب، ورهيب، ومرعب، يقول الله: ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغاشية:١] فيجيب ويقول: ﴿نعم أتاني﴾.
стр. 8205
تأثر الصحابة بالقرآن
وكان فضل الصحابة كما أسلفت على قدر قربهم من القرآن، وكانوا أكثر الناس تأثراً بالقرآن وحياةً مع القرآن، ذكر ابن كثير في البداية والنهاية في ترجمة عمر أنه مرض من آية حتى عاده الصحابة منها، وفي بعض الروايات أن هذه الآية هي قوله ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٤ - ٢٦] فكتاب الله مطالبه عظيمة، ولا يمكن أن يحب العبد الله حتى يحب القرآن، ولذلك قال ابن مسعود: [[لا يسأل أحدكم عن حبه لله ولكن ليسأل نفسه عن حبه للقرآن]] فأنت كلما أحببت القرآن، كلما أحببت الله، وبقدر حبك للقرآن تكون محبتك لله تعالى.
وفي الصحيح أن أسيد بن حضير رضي الله وأرضاه، وهو محضر الكتائب وأحد الأعلام من بني عبد الأشهل، قام يقرأ سورة الكهف، فأخذت فرسه تجول في رباطها وفي آخيتها، فقطع صلاته وأخذ ابنه يحيى؛ لأن الفرس كادت أن تطأه بحوافرها ثم نظر فإذا ظلة على رأسه، فأخبر الرسول ﷺ قال: ﴿وقد رأيتها؟ قال: نعم.
قال: والذي نفسي بيده، إنها الملائكة نزلت لسماع قراءتك، ولو قرأت لأصبحت الملائكة يراها الناس لا تتوارى عنهم﴾.
وهذا حديث في الصحيح بنحو هذا اللفظ.
ليل الصحابة كان مع القرآن ولما ذهبت ليالينا بغير القرآن في السمر الذي لا ينفع، والقيل والقال، وفي الجدل المقيت الذي لا يقربنا من الله، والذي لا ينفعنا في الدنيا ولا في الآخرة إلا من رحم الله، وهذا عند الأخيار، أما عند الأشرار فنعوذ بالله من ذلك، فهي ليالٍ حمراء فلا تسأل عنها وليالي معصية، يشهدون الله على فجورهم وخبثهم وغلتهم وقلتهم، ثم يمضي عليهم الليل الذي كان من أسعد الأوقات عند السلف.
وقليلٌ من يعيش منا مع القرآن، وقليل منا من يتأثر بالقرآن ويحيي ليله بتلاوته.
فكان ﵊ لا يفوته ورده من الليل مع القرآن، وقد سئلت عائشة عن قراءته ﷺ قالت: ﴿ربما أسر وربما جهر﴾ كل ذلك يفعله ﵊.
وفي تلك الليلة التي رواها ابن عباس وهي في صحيح البخاري قال: ﴿بت عند خالتي ميمونة فأتى ﵊ فدخل البيت بعد صلاة العشاء، ونمت في عرض الوسادة، قال: نام الغُليم؟ قالت: نام، فأتى ﷺ إلى الفراش فدعا وذكر الله ثم نام، قال: حتى سمعت غطيطه، وعند البخاري خطيطه، والخطيطة صوت يحدثه النائم إذا استغرق في النوم -ثم استيقظ ﷺ -وما نام ابن عباس - فلما استيقظ ﵊ أخذ يعرك النوم من عينه ويقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١] حتى أكمل العشر الآيات، ثم قام ﵊ فخرج خارج البيت فلحقه ابن عباس بماء في إناء، ووضعه عند الباب، وعاد ﷺ وقال: من وضع لي هذا الماء؟ -يسائل نفسه- وابن عباس يحفظ الكلمات التي قيلت في تلك الليلة- ثم قال ﵊: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل﴾ فكانت هذه أبرك ليلة من ليالي ابن عباس ﵁ وعن أبيه وأرضاهما.
وأتى ﷺ فاستقبل القبلة فقال: ﴿اللهم لك الحمد أنت رب السموات والأرض وما فيهن، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض وما فيهن، ولك الحمد أنت ملك الأرض والسموات، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد ﷺ حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت﴾ ثم قام يصلي ﵊ فأتى ابن عباس يصلي معه ﷺ في ليلة طويلة، وكان يقوم ﷺ بالقرآن طويلاً.
يقول ابن مسعود: قام ﷺ ليلة من الليالي فقمت معه فقرأ حتى هممت بأمر سوء، قالوا: ما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأن أدعه.
وقال حذيفة: ﴿صليت مع رسول الله ﷺ فافتتح سورة البقرة، قلت: يركع عند المائة، فقرأ، قلت: يختمها ثم يركع، فقرأ وافتتح النساء فقرأها فقلت: يختمها فافتتح سورة آل عمران، فقرأها، إذا مر بآية تسبيح سبح، أو آية رحمة سأل أو آية عذاب تعوذ﴾ فهذه صلاته ﷺ .
стр. 8206
عوامل القرب من الله
ومن الأسباب التي تقرب العبد من الله ﵎:
стр. 8207
تلاوة القرآن
السبب الأول: تلاوة القرآن والعيش في ظلاله وتدبره وتكراره والعمل به.
стр. 8208
التجرد من الدنيا
والسبب الثاني: التجرد عن الدنيا والزهد فيها، وهذا دل عليه حديث ابن ماجة عن سهل بن سعد قال: ﴿أتى رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! دلني على عملٍ إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، قال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس﴾ فمن أعظم ما يقرب العبد إلى الله أن يخرج حب الدنيا من قلبه، فإذا أخرج حب الدنيا من قلبه وأسكن حب الله في قلبه أحبه الله ، وحب الله لا ينال إلا بأن تكون عبداً لله.
والعبودية معناها: الخضوع والذل والاستسلام والحب له ، فإن الحب وحده لا يكفي، فمن عبد الله بالحب وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف فهو حروري، إلى ذاك التقسيم.
لكن لابد أن تجتمع كل هذه الأصناف، لتكون عبداً لله، ولذلك شرف الله رسوله ﷺ بذكر العبودية، لأنه أحب الناس إلى الله وأذل الناس لله، وأخشاهم لله، ولذلك قال الله له في موقف التشريف بالإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] وقال له في الإنذار: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [الجن:١٩] وقال له في الإنزال ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:١] وميزة السلف الصالح علينا في هذا الجانب أنهم تجردوا من الدنيا، وأن الدنيا كانت في أيديهم ولم تكن في قلوبهم، ولذلك أحبهم الله .
وكان ﵊ يحذرهم، بل يحذرنا نحن كذلك من محبة الدنيا ومن مغبة جمعها وعبادتها، لأن من الناس من يعبد الدرهم والدينار، ومنهم من يعبد الخميصة والخميلة، ومنهم من يعبد الوظيفة والمنصب، قال ﵊: ﴿تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش﴾ وذلك لأنه عبد: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣] فكل من أحب شيئاً غير الله واستسلم واستخدم في حبه فقد عبده من دون الله، فإن العبادة هي الحب، فكيف يعبد الله أحد لا يحب الله ؟!
стр. 8209
نماذج من السلف
ومن نماذج السلف الصالح التي عاشوها في الحب والتجرد من الدنيا، ما ذكر أهل السير في ترجمة محمد بن واسع الأسدي، وهو من التابعين الكبار الذي جمعوا بين العلم والزهد والعبادة، وقد خرج مع قتيبة بن مسلم في الشمال تجاه كابل، التي سلبت من المسلمين لما ماتت في قلوبهم لا إله إلا الله، واستولى عليها الملحد المستعمر، لما ماتت جذوة القرآن في القلوب، ووصلوا إلى تلك المشارف، ولما صف قتيبة بن مسلم الجيش وقابله الكفار قال قبل المعركة: التمسوا لي محمد بن واسع العابد الزاهد، فأتوا وإذا محمد بن واسع قد توضأ واتكأ على رمحه، ورفع سبابته إلى السماء يتمتم ويدعو الحي القيوم بالنصر: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦] فعادوا وأخبروا قتيبة بن مسلم فتهلل وجهه وقال: والله الذي لا إله إلا هو! لأصبع محمد بن واسع خيرٌ عندي من مائة ألف سيفٍ شهير ومائة ألف بطل طرير، وبدأت المعركة ونصر الله المسلمين، وانتهت المعركة وقدمت الغنائم من الذهب والفضة إلى قتيبة بن مسلم، وكان يرى الكُتُل من الذهب والفضة والجواهر والكنوز تقدم إليه، فكان يقول للقواد: أترون أن أحداً من الناس يعطى هذا فيرده؟ قالوا: لا.
ما نرى أحداً من الناس يعطى شيئاً من الذهب والفضة ثم يرده، قال: والله لأرينكم رجالاً من أمة محمد ﷺ الذهب والفضة عندهم أقل أو أرخص من التراب، فقال: عليَّ بـ محمد بن واسع، فذهبوا إليه وهو يصلي في خيمته، فقالوا: يا محمد بن واسع! إن قتيبه يدعوك، قال: مالي ولـ قتيبة، ما خرجت إلا لوجه الله ، فليتركني قتيبة أحمد الله على ما أعطى من النصر، قالوا: أمرك الأمير؛ فأتى إلى قتيبة قال: خذ هذا يا محمد بن واسع! كتلة من الذهب تقدر بآلاف الدراهم والدنانير، وظن قتيبة أنه لا يأخذها فحملها معه، فتغير وجه قتيبة وقال في نفسه: اللهم لا تخيب ظني في محمد بن واسع، وأرسل بعض الجنود يبحثون وراءه أين يضع هذا المال، ولما خرج من الخيمة عرض له مسكين يطلب الناس في الجيش، وسأل محمد بن واسع فأعطاه كل الذهب، وذهب إلى خيمته.
فاسترد قتيبة هذا المال بشيءٍ من الدراهم من المسكين وقال لوزرائه وقواده: أما أريتكم أن من أمة محمد ﷺ من يرون الذهب والفضة كالتراب!
فأين ذلك الجيل؟! أين تربية المساجد التي تركت في الأمة تربيةً بينةً ظاهرةً شاهرة؟
أين هذا الجيل الفريد الذي تربى على مائدة القرآن، إننا نشكو حالنا إلى الله يوم سكنت محبة الدنيا في قلوبنا، فأصبحت شغلنا الشاغل، فقد أخذت أوقاتنا ومجالسنا وسمرنا وأنديتنا ومسائلنا وبحوثنا حتى كأننا خلقنا للدنيا، والله خلقنا لهدفٍ شريف، فخلقنا وبعثنا أمة لتخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
стр. 8210
ربعي يمثل المسسلمين
وقصة ربعي تتكرر كثيراً، وهي قصة لا تمل.
كرر العلم يا جميل المحيا وتدبره فالمكرر أحلى
فهي كلما كررت كانت هي وأمثالها دروساً لا تنسى للأمة.
فهذا رستم قائد كسرى أنوشروان يرسل في القادسية إلى سعد بن أبي وقاص، خال رسول ﷺ ، وسعد هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو الذي دمر إمبراطورية كسرى، وداس جماجم الطغاة بقدميه ﵁ وأرضاه، وسعد هو الذي قال له ﷺ : ﴿اللهم أجب دعوته وسدد رميته﴾ وهو الذي يقول عنه: علي ﵁ وأرضاه كما في البخاري [[ما سمعت رسول الله ﷺ يفدي أحداً بأبيه وأمه إلا سعد بن أبي وقاص، فإنه كان يقول له يوم أحد: ﴿ارم سعد فداك أبي وأمي﴾]] وهذه القصة في سير أعلام النبلاء في ترجمة سعد.
ولما حضرته الوفاة بكت ابنته عائشة فقال: [[ابكي أو لا تبكي؛ فوالله الذي لا إله إلا هو! إني من أهل الجنة]] قال الذهبي معلقاً: صدقت وهنيئاً لك، ونشهد بالله أنه من أهل الجنة؛ لأن الرسول ﷺ شهد له بالجنة، وكان يقول: ﴿يا رسول الله! ادع الله أن أكون مجاب الدعوة، قال: يا سعد! أطب مطعمك تستجب دعوتك﴾ فالسبب العظيم هو إطابة المطعم، فلا يأكل ربا، ولا رشوة، ولا غشاً، ولا حيلة، فيكون نظيف المدخل والمخرج والملبس، فأطاب مطعمه فأجاب الله دعوته.
ولذلك لا بأس أن نسترسل مع سعد وأمثاله الأخيار، في كتاب الصلاة من صحيح البخاري يقول: باب هل يسمى مسجد بني فلان.
أي: هل لك أن تسمي المسجد بآل فلان؟ ثم أتى بالحديث الذي يقول: سابق الرسول ﷺ بين الخيل التي ضمرت والتي لم تضمر، وكانت الخيل التي لم تضمر إلى مسجد بني زريق، ثم أتى بحديث سعد، أنه ﵁ وأرضاه كان أميراً على أهل الكوفة من قبل عمر، وأهل الكوفة قومٌ مشاغبون، وقومٌ إرهابيون، وثوار دائماً، ينقمون على كل أميرٍ لهم ولو كان من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
اختار عمر ﵁ وأرضاه سعد بن أبي وقاص الأمير المؤتمن، فشكوه في كل شيء حتى في الصلاة، وفي مسند أحمد أنهم شكوه وقالوا: إنه لا يجيد أن يصلي، فيقول سعد: يا عجباً لبني أسد فوالله الذي لا إله إلا هو إني أدخلتهم الإسلام بسيفي هذا وأصبحوا يعيرونني أني لا أحسن الصلاة؟!! فأرسل عمر، محمد بن مسلمة ومعه أحد الصحابة، وقال: [[سل أهل الكوفة ماذا ينقمون على سعد]] فذهبوا من مسجدٍ إلى مسجد ليسألون عن عدل سعد، وعن صدقه ووفائه، وعبادته، فكلهم يثني خيراً.
حتى وصلوا إلى مسجد بني عبس، وهذا الشاهد من القصة للبخاري فدخلوا المسجد فسألوا عنه فأثنوا خيراً إلا شيخاً أضله الله على علم، قام وقال: أما إن سألتم عن سعد بن أبي وقاص فوالله إنه لا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، ولا يخرج مع السرية، فقال سعد وهو جالس: [[اللهم إن كان قام رياءً وسمعة فأطل عمره وأطل فقره وعرضه للفتن]] فطال عمره وطال فقره، قال عبد الملك أحد رجال البخاري في السند: فوالله الذي لا إله إلا هو، لقد رأيته في السكك وهو شيخٌ كبير سقط حاجباه على عينه يتعرض للبنات يغمزهن ويقول: شيخٌ مفتون أصابتني دعوة سعد.
الشاهد أن سعداً أرسل ربعي بن عامر إلى رستم ليفاوضه فأتى ربعي إلى رستم في القصة المعروفة التي اشتهرت وتكررت كثيراً، فقال رستم: ماذا خرج بكم؟ هل انتهت عليكم النفقة؟ لأن كسرى كان ينفق على العرب البدو، وكان يعطيهم نفقة، فيكفون أذاهم في الجزيرة، قال: انتهت عليكم النفقة وتأخرت عليكم فتريدون قتالنا؟ سوف نعطيكم النفقة وعودوا من حيث جئتم، فقال ربعي: [[لا.
إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]].
وبعد ثلاثة أيام أو أربعة دخل سعد المدائن باثنين وثلاثين ألفاً من الجيش ودكدك الذين كفروا: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥] لما رأى سعد ﵁ وأرضاه حصون وقصور كسرى قال: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٩].
стр. 8211
رجوع الناس لدينهم
الدنيا إذا لم تقربك من الله فهي بُعْدٌ لك من الله ، ونحن بحاجة إلى تكرار الخطب والمواعظ والدروس والتربية والتوجيه التي تعمل على رد الناس إلى الله، لأنه وجد من الناس من أصبح عبداً للدنيا، وقته كله مع الدنيا حتى لا يستطيع حضور مجالس العلم والدعوة، ولا يتفرغ للذكر وتلاوة القرآن بسبب الدنيا، فنحن بحاجة إلى تكرار الدرس دائماً وأبداً لعل القلوب أن تصحو من سباتها وغفلتها، يقول ابن عمر ﵄ كما في البخاري في كتاب الرقاق: ﴿أخذ ﷺ بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل﴾.
دخل سالم بن عبد الله الحرم وحذاؤه في يده، وهو عالم المسلمين، وعالم الدنيا، وأحد الفقهاء السبعة في المدينة، دخل يطوف بالبيت معتمراً، فدخل هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي معه حرسه وجنوده، فلما رأى سالماً عرف أنه عالم المسلمين فأخذ بيده وقال: يا سالم! هل لك إليَّ حاجة؟ فاحمر وجه سالم وقال: أما تستحي؟! قال: ولم؟ قال: تقول لي هذا في بيت الله، فسكت، فلما انتهى تصدى له خارج الحرم هشام بن عبد الملك وأعاد عليه الكلام، فقال سالم: أمن حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ قال: من حوائج الدنيا فإني لا أملك الآخرة، قال: أما الدنيا فوالله الذي لا إله إلا هو، ما سألتها ممن يملكها فكيف أسألها منك؟!
هذا هو سالم بن عبد الله الذي ما سأل الدنيا من الله فكيف يسألها من الناس، والتجرد معناه أن تأخذ ما ينفعك من الدنيا وألا تشغلك بل تكون عوناً لك على طاعة الله.
ابن تيمية يعرِّف الزهد كما في المجلد العاشر من فتاويه، وهو أحسن تعريف عند أهل السنة والجماعة للزهد، لأن بعض الناس يعرف الزهد أن تتخلى عن الدنيا، وهذا ليس بصحيح، وبعضهم يقول: أن تزهد في الحرام وهو تعريف نسب حتى للإمام أحمد، إذا كان الزهد هو الزهد في الحرام لكان أكثر الناس زهاداً.
فيقول ابن تيمية في تعريف الزهد: "الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة" وأما ما ينفع فإن الزهد فيه ليس بصحيح، أما ما لا ينفعك ولا يقربك من الله فليس بحق وليس بمطلوب.
стр. 8212
قيام الليل
العامل الثالث من العوامل التي تقرب من الله : قيام الليل، ونشكو حالنا إلى الله في قيام الليل، وقد وصف الله عباده فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨] وقال ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] وقال عن مؤمني أهل الكتاب: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران:١١٣] فمدحهم بالتلاوة في آناء الليل، والرسول ﵊ كان يحث الناس على قيام الليل.
وقيام الليل يحصل ولو بركعتين قبل الفجر، ولو بما يقارب النصف أو الثلث ساعة لتكون من الذاكرين الله في تلك الساعة، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عنه ﷺ قال: ﴿ينزل ربنا إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل، فيقول: هل من سائلٍ فأعطيه؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ هل من داعٍ فأجيبه؟﴾ نزولاً يليق بجلاله ، لا نكيفه أو نمثله، ولا نشبهه أو نعطله.
وهذه الساعة تفوت كثيراً من الناس، ومن فاتت عنه فهو محروم أو مخذول إلا من مرض أو سهر لخيرٍ لابد منه أو سفر، والرسول ﷺ يقول: ﴿يا عبدالله -يقصد ابن عمر - لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل ثم ترك قيام الليل﴾ وهذا الحديث في الصحيح، يقول ابن عمر: ﴿كان الصحابة إذا رأى أحدهم رؤيا قصها على رسول الله ﷺ ، فتمنيت أن أرى رؤيا لأقصها على الرسول ﷺ -وهذا حديث صحيح- قال: وكنت شاباً أعزب أنام في المسجد لا أهل لي، قال: فنمت في المسجد فرأيت فيما يرى النائم أن رجلان أخذا بيدي وذهبا بي إلى بئرٍ مطوية فأشرفت عليها فخفت، فقالا لي: لا ترع لا ترع -أو لم ترع لم ترع، ضبطت كذلك قال: ثم أخذت قطعة من الإستبرق أو الحرير لا أشير بها إلى مكان في الروضة الخضراء إلا طارت بي، فلما أصبحت أخبرت أختي حفصة زوجة رسول الله ﷺ ، فقصتها على الرسول ﷺ فقال: نِعْم عبد الله لو كان يقوم من الليل﴾ قال نافع مولاه: [[فكان ابن عمر لا ينام من الليل إلا قليلاً وكان إذا سافر يصليثم يقول: يا نافع! انظر هل طلع الفجر، فإن قال: لا.
استمر في الصلاة، وإن قال طلع أوتر بركعةٍ ثم استقبل صلاة الفجر]].
стр. 8213
الأمور التي تعين على قيام الليل
والأمور التي تعين على قيام الليل ذكرها أهل العلم، منهم الغزالي في الإحياء ومنها: قلة المعاصي في النهار، فإنه لا يقيد العبد إلا الخطايا والذنوب، قال رجل للحسن: يا أبا سعيد! لا أستطيع قيام الليل؟! قال: [[قيدتك خطيئتك ورب الكعبة]] ومنها: الورد الذي علمه الرسول ﷺ علي بن أبي طالب وفاطمة وهو تسبيح الله ثلاثاً وثلاثين، والتحميد ثلاثاً وثلاثين، وتكبير أربعاً وثلاثين وهو في الترمذي، يقول علي: [[طرقنا رسول الله ﷺ أنا وفاطمة ليلاً، فقام بيننا حتى وجدت برد قدميه، فقال ﵊: ﴿ألا أدلكما على خير لكما من خادم؟ -لأن فاطمة سألت من رسول الله ﷺ خادماً من السبي- قالا: بلى.
قال: إذا أخذتما مضجعكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبرا أربعاً وثلاثين، فهو خيرٌ لكما من خادم﴾ ولذلك يرون أن مناسبة الخادم للحديث أن هذا قوة تغني الإنسان في جسمه وبدنه عن مثل الخادم، ومن كررها كانت عوناً له على قيام الليل إن شاء الله.
ومن الأسباب كذلك: ألا يسهر العبد؛ لأن سهر كثير من الناس الآن في غير مرضاة الله، وكيف يقوم الليل من يسهر إلى الثانية عشرة والواحدة، وهذا الوقت هو وقت قيام السلف الصالح، ونحن نبدأ فيه النوم.
ومن الأسباب التي تعين على قيام الليل: القيلولة في النهار لتستعين بها على القيام ومرضاة الله ، فقيام الليل سنة من سنن المصطفى ﷺ ، وشعيرةٌ إسلامية لما فاتتنا فاتتنا حرارة الإيمان ومحاسبة النفس والإقبال على الله .
стр. 8214
التفكر في آيات الله
ومن الأسباب التي تعين على محبته : التفكر في آيات الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١] فكلما نظرت في شيء دلك على الله.
وفي كل شيءٍ له آية تدل على أنه واحدٌ
فيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
ففي كل لمحة ونظرة وشجرة وفي كل زهرةٍ وجبلٍ، وفي كل تل آية من آيات الله، لكننا لا نتفكر، فكم من آية نمر عليها ولا نعتبر، إلا من وفقه الله في التفكر: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٠] فالتفكر من أعظم ما يقودك إلى عبادة الله ، وهذه عبادة الصالحين الذين يتفكرون في الآيات البينات، ويتفكرون في المخلوقات، وفي عجيب صنع رب الأرض والسماوات، فيعودون بإيمانٍ ويقين، وحبذا لو جعلنا رحلاتنا ونزهاتنا الكثيرة في التفكر في آيات الله، لا يمر الإنسان بالشجرة إلا وكأنها تكلمه وتدله على الله الذي لا إله إلا هو في كل شيء، فهذا عاملٌ كبير ينبغي ألا يفوت المؤمن، ولابد من استصحابه دائماً وأبداً، ومن أحسن ما يتفكر فيه العبد ويتدبر آيات الله الكونية والشرعية.
قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطبه أرداكا
قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب من عافاكا
والنحل قل للنحل يا طير البوادي من الذي بالشهد قد حلاكا
وإذا ترى الثعبان ينفث سُمَّهُ فاسأله من ذا بالسموم حشاكا
واسأله: كيف تعيشُ يا ثعبانُ أو تحيا وهذا السم يملأ فاكا
فالحمد لله العظيم لذاته حمداً وليس لواحدٍ إلاكا
فكل آية تدل على الله ، فلينتبه لها المسلم.
стр. 8215
الأسئلة
стр. 8216
حكم من يرد الحديث حتى يوافقه العلم
السؤال
ما هو القول في إنسان يدعي أنه مسلم، وإذا ذكرت له حديث الرسول ﷺ لا يقبله، بل يقول: إذا وافق العلم قبلناه، وإذا خالف تركناه، لأن العلم اليوم أكثر معرفة؟
الجواب
من يفعل هذا ففي قلبه شك وشبهة، وفي قلبه نفاق.
والله أخبرنا عن المنافقين الذين استهزءوا بالكتاب والسنة وبالرسول ﷺ ، أو جعلوا الكتاب والسنة عرضة للاستهتار أو أنهما قابلان للقبول وللرفض، قال: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] وإذا فعل هذا واعتقد أن الرسول ﷺ قاله فهذا تكذيب لرسول الله ﷺ ، ولذلك فهو كافر كافر كافر، ولابد له من العودة إلى الدين فقد ارتد عن منهج الله ، وعن دين الله .
وعلى سبيل المثال كما تفضل الأخ: بعض الناس الذين في قلوبهم شبهة كـ أبي رية وغيره من الكتاب الذين أصبحت قلوبهم ظلمات بعضها فوق بعض، ممن ردوا حديث الذباب، وبعض الأحاديث وقالوا: لا توافق العلم، فخابوا وخسروا.
وهل يحتاج حديث المصطفى ﷺ الذي هو وحيٌ يوحى لا ينطق عن الهوى إلى أن نحاكمه إلى الأطباء وآراء الخواجات ومع ما صدر من البشر، أهل النقص والاضمحلال؟! إن فعل ذلك معناه انسلاخ وقلة إيمان ونفاق، والذي خار في عقله وقلبه، ونعوذ بالله من هذا الفعل.
فلا يفعل هذا إلا من هو منافق، وعليه أن يتوب إلى الله ولذلك ذكر الإمام الذهبي في ترجمة ابن الراوندي الملحد الكلب المعفر الذي ألف كتاب الدامغ على القرآن ليدفع به القرآن، وقد كان يقرأ الحديث، وهو فيلسوف من فلاسفة الإسلام، ولكن أضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وبصره، وذكره ابن تيمية وقال: إن كان صح عنه ما يقول فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، كان يجعل الأحاديث النبوية على ما يريد، فإذا وافقت رأي سقراط قبلها، وإذا خالفت ردها، وألف كتاب الدامغ على القرآن ليدفع به القرآن ليرد على بعض الآيات، يقول: هذه بعض الآيات لا توافق الآيات الأخرى، وهذا لا ينفع معه إلا درة وسيف عمر ﵁ وأرضاه.
وعند الدارمي أن صبيغ بن عسل أو ابن عُسل أتى فجلس في طريق الجيش الذي يجهز في العراق، فقال: أيها الناس! كيف يقول الله: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً * فَالْحَامِلاتِ وِقْراً﴾ [الذاريات:١ - ٢] ويقول: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً﴾ [النازعات:١ - ٢] كيف نؤلف بين هذه وهذه؟ وأخذ يضرب القرآن بعضه ببعض -وهذا الحديث في أول سنن الدارمي في كتاب السنة- قال بعض الصحابة: نخبر عمر حتى يجيب عمر عليك، فإجابات عمر من نوعٍ آخر، وأخبروا عمر ﵁ فقال: عليَّ به، فاستدعى الرجل وقبل أن يأتي هيأ له عمر ﵁ ضيافةً تليق به وبأمثاله من الشباب، عراجين النخل بلها في الماء، فهذا عمر ﵁ وأرضاه.
وقال: أين السائل؟ فقال: هأنا يا أمير المؤمنين! قال: تعال، ثم أمر رجلين بمسكه فضربه حتى أغمي عليه، ولما استفاق ضربه حتى أغمي عليه، فلما استفاق ضربه حتى أغمي عليه، ثم استفاق الرجل فقال: يا أمير المؤمنين! إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً، وإن كنت تريد دوائي فوالله قد برئت.
فأخرج عمر وساوس الشيطان من رأسه.
فالذي يفعل هذا حكمه السيف، فمن يعرض حديث رسول الله ﷺ وميراثه على الآراء ويقول: إذا وافقنا قبلناه، فهو جالس على أريكة يثني رِجْلاً على رِجْل ويقول: إذا وافقنا قبلنا وإذا خالف العلم والطب رددناه.
كيف يرد حديث المصطفى ﷺ وهذا معناه أنه يرد الإسلام؟! ومعناه أنه يكفر بالله رب العالمين! وقد أخبر ﷺ هذا في حديث المقداد بن عمرو وفي أحاديث أخرى: ﴿أنه يوشك أن يجلس رجل شبعان ريان على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول: حسبنا القرآن، ما وجدنا في القرآن أحللناه حلالاً وما وجدنا في القرآن حراماً حرمنا، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه﴾ وفي بعض الألفاظ: ﴿ومثليه﴾ لكن (مثله) أستحضر أنها صحيحة، أما (مثليه) فتحتاج إلى بحث، فإذا علم فهذا فحكمه -ونسأل الله العافية- ولن يفعل هذا إلا من في قلبه نفاق وكفرٌ ورجس.
стр. 8217
التوجيه إلى حفظ القرآن والعلم
السؤال
كيف توجهنا إلى حفظ القرآن ثم الفقه فيه، ثم طلب العلم؟
الجواب
هذا يحتاج إلى كتب وجلسات طويلة وأحسن من ألف لطلبة العلم كتاب صيد الخاطر لـ ابن الجوزي، فقد أتى بمنهج وبرنامج لطالب العلم كيف يطلب العلم، وكتاب أدب الطلب ومنتهى الأرب للشوكاني، وكتاب الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي، لكن الظاهرة عند كثير من الشباب أنهم يبدءون بالمتون قبل القرآن، سبحان الله! كيف يقدمون مالم يقدمه الله ، تجد أحدهم يتشاغل بمتن زاد المستقنع أو الرحبية وهو لم يحفظ شيئاً من القرآن وهذا خطأ، فهو استفراغ للجهد والعقل والطاقة والوقت وهو لم يحفظ كتاب الله .
فأنا أوصي نفسي وإخواني بحفظ كتاب الله، وإذا حفظ كتاب الله فقل على المتون السلام، إذا جاء بعد القرآن شيء فليكن بعده الحديث، وإذا شاء غيره فزيادة في الخير، لكن إذا كان ولابد فلا يبدأ ولا يقدم على القرآن شيئاً، بل لابد أن يكون القرآن هو المقدم، وحفظ القرآن له أسباب، ومن أعظم أسباب حفظ القرآن والعون على حفظ القرآن: تقوى الله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] والمسألة الثانية: كثرة الاستغفار، وكثرة التوبة.
ذُكر عن ابن تيمية أنه كان يقول: إنها لتعجم عليَّ المسألة -يعني: تشتد وتصعب- فأستغفر الله ألف مرة أو أكثر أو أقل فيفتحها الله عليَّ.
والله يقول للرسول ﷺ لما ذكره بالحكم: ﴿لتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء:١٠٥] ثم قال له في آخر الآيات: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء:١٠٦] قال بعض أهل العلم يؤخذ منه أن من أراد أن يستنبط أو يفقه أو يفهم فعليه بكثرة الاستغفار.
ومن أسباب حفظ القرآن: التقليل من الحفظ، فالتقليل والمداومة أصلٌ عظيمٌ من أصول الحفظ، فإن أكثر ما يصاب به الشباب مسألة الإحباط، أن يأتي أحدهم إلى عشرين آية أو ثلاثين أو سورة كاملة فيجهد نفسه حتى يقصها يوماً من الأيام ثم لا يكون له روح في حفظ آيات أخر، فعلينا أن نقلل.
وقد كان الصحابة كما في حديث أبي العالية يأخذون القرآن خمساً خمساً، ثلاث آيات في اليوم أو أربع أو خمس وتكرر كثيراً.
ومما يعين على حفظ القرآن: أن يقام بهذا المقروء في النوافل، وفي الصلوات المفروضات وفي قيام الليل.
ومما يعين على حفظه: أن يكون هناك وقت للمراجعة والمدارسة مع الإخوان أو مع نفسه.
ومما يعين على حفظه: معرفة التفسير، لأن تفسير المعاني وأسباب النزول ودلالة الألفاظ وغريب القرآن تعينك بإذن الله على حفظه، فإن من يحفظ التذييل في الآيات يعرف أن الآية لابد أن يكون آخرها هكذا (لعلكم تعقلون) (لعلكم تذكرون) (لعلكم تفقهون) لا تأتي إلا بمناسبة معرفة المعنى، وهذه يقع فيها كثير ممن لا يعرفون معاني الآيات، فيذيل من عنده في بعض المناسبات، ولو عرف المعنى لأعانه على حفظ القرآن بإذنه .
стр. 8218
الفتور في قراءة القرآن والعبادة
السؤال
إنني أشعر ببعد عن كتاب الله، على غير ما كنت قبل سنتين، فلقد سافرت إلى الخارج للدراسة في خلال تلك السنتين وعندما عدت شعرت بنقصٍ في عبادتي وفي الخشوع في الصلاة، وتلاوتي لكتاب الله ، فبماذا تنصحني؟
الجواب
أنصحك ونفسي بتقوى الله ، وقبل الكلام عن مسألة التلاوة والحفظ أتكلم عن مسألة السفر إلى الخارج فهي من أعظم ما مني به المسلمون في هذا الزمن، والسفر كما سمعتم في رسالة الشيخ عبد العزيز بن باز أن من أعظم أضراره أنه يهون المعاصي، وأضرار عظيمة أيضاً منها: أن مسألة الولاء والبراء يصبح فيها غبش عند المسافر إلى الخارج، فبعد أن كان يرى أن الكافر عدو لله في بلاد الإسلام، يراه بعد فترة كأنه أخٌ له حميم، من القلب والروح.
والمسألة الثانية: أنه يرى الكبائر أصبحت صغائر، يوم كان يتحدث في المجتمع المسلم عن الصغائر أصبح هناك لا يتكلم إلا عن الكبائر وخفت المعاصي عنده.
المسألة الثالثة: أنه أصبح لا يحجبه عن المعاصي شيء، فهو ينظر إلى النساء ببرود، وتجد من يسافر إلى هناك يصبح النظر عنده شيئاً عادياً إلا عند من رحم الله ، فيصبح من المسائل التي لا يتحدث فيها، فهو يقول: أصبح الناس في كفر ونحن نتحدث في النظر، إلى غير ذلك من المفاسد، إلا سفر لضرورة من دراسة تنفع المسلمين، أو الاستشفاء، أو لعلمٍ لابد منه، أما غير ذلك فإن المرض العضال والسم الزعاف في السفر إلى الخارج.
أما ما ذكرت من شكواك وبعدك عن القرآن فكلنا ذاك الرجل، لكن أدلك على كثرة الاستغفار والتوبة وكثرة الدعاء في أدبار الصلوات والسجود، وكذلك لا تشدد على نفسك في كثرة التلاوة؛ لأن بعض العبادة تكره إلى النفس، والرسول ﷺ دل ابن عمرو إلى أن يقرأ القرآن في شهر فنازله حتى أوصله إلى سبع ليالٍ، ونحن -والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه- لا نشكو من كثرة العبادة إنما من قلتها، فلا ما ندعو الناس إلى أن يخففوا على أنفسهم، فأحاديث الرخص موجودة عند الناس، فلا يحفظ الناس إلا أحاديث الرخص، إذا أتى أحدهم يقوم الليل، قال له الشيطان: إن لعينك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً، لكن لو نام عشرين ساعة ما قال له الشيطان: إن لربك عليك حقاً.
فنحن نحفظ أحاديث الرخص بأسانيدها، أما أحاديث العزيمة وأحاديث الإقبال والهمم ما تحفظ إلى عند بعض الناس.
فأنا أقول: ليكن لك وردٌ من القرآن ميسر يناسب سفرك ومرضك وانتقالك، كجزء من القرآن أو جزئين في اليوم تتدبره وتتلوه، فالقصد والمداومة أصلٌ عظيم في العبادة، فالقصد القصد تبلغ ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وهو منهج أهل السنة في عبادتهم وتفقههم وتدبرهم لكتاب الله .
ثم أوصيك كذلك بأن تبتهل إلى الله -وهو ما أسلفته في الكلام- لأنه الذي يفتح ، فإنه قد تأتي بعض القلوب تقرأ القرآن فلا تفقهه بسبب كثرة معاصيها، فإذا دعا الإنسان وابتهل وخاصة في السجود وأدبار الصلوات ويوم الجمعة، وفي المناسبات والنفحات التي يتعرض فيها لرحمة الله فتح الله على العبد، فأنت ادع ولا تمل، وسوف يفتح الله عليك.
стр. 8219
مشكلة عدم التعاون مع رجال الهيئة
السؤال
أنا أخوكم من الرياض أتيت إلى أبها، ورأيت الشباب هنا غير متعاونين مع رجال الهيئة، ويتهربون منها، فأرجو إرشادهم إلى ذلك؟
الجواب
مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تتوقف عليَّ ولا على هيئة، وإنما الأمة مطالبة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواءً توظف العبد أو لم يتوظف، فهي وظيفة من رب العالمين ، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] وقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩] ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧].
فمسألة الأمر بالمعروف لا تتوقف على هيئة وإنما الهيئة أكثر مسئولية؛ لأنها أوكلت كثيراً من الناس عن هذا الشيء، فإذا لم تقم بواجبها وأداء حقها أصبحت أكثر ذنباً ومأثمة ومسألة عند الله وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان﴾.
فأدعو إخواني في الله إلى الدعوة في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا منكر، وليكن عندهم حصيلة من العلم الذي ينفعون به الناس، ويستصحبون الإخلاص ليدفع بهم الله ويجعل لهم قبولاً، فإن العمل إذا لم يكن فيه إخلاص لم يجعل الله فيه قبولاً، وليكن غرضهم للدعوة للناس باللين، يقول الله لموسى وقد أرسله إلى شيخ الطغاة المتمرد على الله فرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] فباللين وبالحكمة ينفع الله .
أما التعليق بالهيئة فهذا ليس بصحيح، بل كل إنسان مسئول أن يأمر بقدر جهده وطاقته، والشيطان دخل علينا بأمور، يقول: كيف تتصدر للناس؟ وكيف تدعو ولم تتمكن في العلم؟ حتى أصبح كثير من طلبة العلم، يحملون علماً جماً وكثيراً ولكن ما أنفقوا منه، والعلم إذا لم ينفق منه ذهبت بركته، فكثير من القرى فيها كثير من الدعاة وطلبة العلم العدد الضخم ولكن يشكون من الجهل، وأخذتنا هذه المحاضرات الطنانة الرنانة التي نعرضها على الناس، والناس لا يريدون كثرة علم ولا علم تخصص ولا علم سند، بل يريدون أن يعرض الإسلام سهلاً ميسراً كما عرضه الصحابة.
وفي سنن أبي داود عن عبد خير وهو من أول الأحاديث في الطهارة: أن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه يوم أن وصل إلى الكوفة جمع الناس، فلما اجتمعوا قام فتوضأ أمامهم، ولما انتهى قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ فهذا هو العلم، تعليم الناس الوضوء، والغسل من الجنابة، والصلاة والحج، فليس هناك ألغاز ولا أحاجي ولا شؤم مدسوس، فهذه هي الدعوة التي يدعى إليها، وهذا هو العلم الذي يريده الناس، وهو علم ميسرٌ ومسهل، وهذا هو علم السلف، لأن امتياز علم السلف باليسر والأصالة والعمق، وأما هذا العلم، أي: الذي يظهر بكلمات لا أثر لها وإنما تبدي الثقافة وتبدي مدى التعمق في الطلب فهذا ليس بصحيح، وهذا ليس له أثر، يقول ابن مسعود ﵁ وأرضاه: [[عليكم بأصحاب الرسول ﷺ فإنهم أخلص الأمة قلوباً وأبرها، وأصدقها لهجة، وأقلها تكلفاً، وأعمقها علماً]] فالعلم هو علم السلف، علم ميسر مسهل، فهل عزيز علينا أن يقوم أحد من الناس فيتوضأ ثم يقول: هكذا وضوء الرسول ﷺ ، أو يصلي للناس كما في حديث سهل، فيقول هكذا صلاة الرسول ﷺ ؟!
إن العلم سهل ميسر، وإننا نحتاج إلى تبليغه للناس، وإن الشباب بحاجة إلى أن يدعوا ليبارك الله في الجهد، خاصة لأن على منطقتنا لائمة، ومسئولية بسبب كثرة الاصطياف، وكثرة الوافدين، وهؤلاء يأتي فيهم مزيجٌ من أهل الخير، ومن غيرهم ممن يحتاجون إلى توعية، وإنا ندعو إخواننا وشبابنا إلى التعاون ورفع كلمة لا إله إلا الله ، وإلى التأثير في الناس بالحكمة والموعظة الحسنة عل الله أن يبارك في الجهد وأن يصلح الحال، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.
اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا.
اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 8220
التوسل بالأعمال الصالحة (٢)
في قصص الأولين عبرة، ونحن في هذا الدرس مع قصة من قصص بني إسرائيل، وفيها من العظات والعبر والدروس المتعلقة بالعمل والاعتقاد شيئاً مفيداً، إنها قصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار.
стр. 8221
حديث الثلاثة النفر الذين انطبقت عليهم الصخرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد:
أيها الناس: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإن أبعد الناس عن الله أكثرهم معصية، وإن أقربهم إليه ﵎ أكثرهم طاعة، وإن الله ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، إنما نسبهم التقوى وصلتهم القربى، ومعين قربهم تقوى الله .
يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه
كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناه
ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه
ونركب الجو في أمن وفي دعة فما سقطنا لأن الحافظ الله
стр. 8222
وعود الله لعباده المؤمنين
أيها الناس: يقص علينا رسول الهدى ﷺ أحسن القصص، ومنها قصة قوم سلف بهم الدهر، ووقعوا في ورطة من الورطات، وفي نكبة من النكبات، وفي مصيبة من المصائب، فما أنجاهم الله إلا بعد أن توسلوا بأعمالهم الصالحة.
والله وعد المؤمنين بالهداية، فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] والله ﵎ وعد المؤمنين بالنصر فقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٢] والله ﵎ وعد المؤمنين بالتثبيت فقال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] والله ﵎ وعد المؤمنين بالحياة الطيبة في الدنيا وبالنعيم المقيم في الجنة فقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧].
يقول ﵊ فيما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عمر ﵁ وعن أبيه قال: قال ﵊: ﴿انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم﴾:
أي: من الأمم السالفة التي جعل الله أخبارهم عبرة لنا فقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣] علنا نفهم أو نعقل، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ [يوسف:١١١] لكن لمن كان له قلب لمن كان له عقل لمن كان يعتبر.
стр. 8223
التجاء العبد إلى الله في الشدة وكفره بالنعمة في الرخاء
﴿انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى كهف في الجبل، فآووا إلى الغار وقد أمطرت السماء، فانطبقت صخرة من الصخرات على فم الغار فسدَّته﴾:
يا ألله! لم يبق منجى ولا ملتجى ولا مفر من الله إلا إليه، ومن الذي ينجي العبد في الأزمة إلا الله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢].
فأصبحوا في ورطة لا يعلمها إلا الله، لا أنيس، ولا قريب، ولا ولد، ولا صاحب، ولا عشيرة، ولا قبيلة.
جلس الثلاثة وضمهم الليل الدامس، وليس عندهم من الطعام والشراب ما يكفيهم، وهم في صحراء مقحلة وقفر، إن صوتوا لا يسمع صوتهم إلا الله، وإن بكوا لا يسمع بكاءهم إلا الله، وإن صاحوا لا يسمع صياحهم إلا الله، فتشاوروا.
والعبد إذا ضاقت به الضوائق أخلص التوحيد لله الواحد الأحد.
والعجيب أن العبد وقت الرخاء يتمرد على الله، ويعصيه ويتعدى حدوده، وينتهك حرماته إلا من رحم الله، لكن إذا أُخِذَ بزمامه وشد عليه خناقه عاد إلى الواحد الأحد: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥].
فالشاب قوي البنية، الصحيح، المتكامل العضلات يفجر إلا من رحم الله، ولا يصلي مع الجماعات إلا من وفق الله، ولكن إذا أصبح في المستشفى على السرير الأبيض عاد بقلبه إلى الواحد الأحد.
стр. 8224
إجابة الله عباده المؤمنين في الشدة
فتشاور الثلاثة ماذا يفعلون، فقال أحدهم: ﴿والله لا ينجيكم من مكانكم هذا إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم﴾:
إن كنتم أحسنتم في الرخاء فالله يجيبكم في الشدة؛ لأن الله يجيب من يطيعه في الرخاء وقت الشدة.
أما رأيتم يونس بن متى ﵇ يوم ضاقت به الحِيَل، وأُلْقِي في اليم، يوم أصبح في ظلمة الليل فرد إلهامه ورشده إلى الله فقال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] فقال الله عنه: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤].
﴿إنه لن ينجيكم إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم﴾:
ومعنى ذلك: أن لهم رصيداً من الأعمال الصالحة وقت الرخاء، أما الذي ليس له رصيد من العمل الصالح فبماذا يدعو ويتوسل؟ أيقول لله: أنا فلان بن فلان من آل فلان؛ الأسرة العريقة على مر التاريخ؟ أو أبي كان أميراً أو وزيراً أو تاجراً؟ ليس بين الله وبين خلقه نسب، بل النسب التقوى، ولذلك لما أدرك الموت شيخ الطغاة فرعون قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] ففعل في الدعاء كما فعل يونس؛ لكن شتان ما بين الرجلين، ذاك عبد صالح وهذا عبد فاجر، فقال الله لفرعون: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١] أنسيت جرائمك يا لعين؟! أنسيت خبائثك على مر التاريخ يا خبيث؟! لا تنفعك الشهادة في هذا الموضع، فأهلكه الله ومزقه وأرداه.
стр. 8225
توسل الثلاثة بصالح أعمالهم
﴿قال أحدهم: لن ينجيكم إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم -الصخرة مطبقة، والليل دامس، والقريب بعيد، لا طعام ولا زاد-؛ فقام الأول فاستقبل قبلتهم وقال: اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران - أب وأم عجوزان، أكل عليهما الدهر وشرب، شابت نواصيهما، واحدودبت ظهورهما، وقاربهما الفناء- اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً -والغبوق عند العرب: اللبن يُشرَب في المساء، أي: لا أقدم عليهما أحداً من الناس حتى أطفالي، أي: مِن بِرِّي بوالدي لا أقدم أحداً من الناس عليهما- وإنك تعلم -يا رب! - أنه نأى بي طلب الشجر يوماً من الأيام -أي: ذهبت أرعى في الصحراء إبلي وما أتيت إلا بعد أن ناما- فلم أَرُحْ عليهما إلا بعد أن ناما، فحلبت غبوقهما، وأتيت إليهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما -يا للبر! يا للسماحة! يا للين! من يفعل هذا منا مع أبيه وأمه؟ وقف باللبن والكوب في يده وأبوه وأمه نائمان، والصبية يتضاغون عند قدمه من الجوع، أبناؤه وفلذات كبده وشذا روحه وقلبه يتضاغون عند قدمه يريدون اللبن في الإناء- قال: فلم أوقظهما ولم أسق الصبية حتى طلع الفجر -من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر والإناء في يده واللبن فيه، والصبية يتضاغون عند قدمه يكادون يتفطرون من السغب، وكره أن يوقظ أباه وأمه لئلا يعكر عليهما المنام- فلما استيقظا سقيتهما، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرِّج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئاً لا يستطيعون الخروج منه﴾:
ثلث الصخرة انفرج، صخرة مدلهمة عظيمة تحركت بقدرة الله، ولكن لا يستطيعون الخروج لأنه بقي اثنان لهما دعاء.
стр. 8226
فضل بر الوالدين
والشاهد: أن بر الوالدين الذي انتهك وضيع في هذه الأزمان إلا فيمن رحم الله، فتجد الأب إذا شاخ ازدراه ابنه، واستهزأ به، وجفاه وتغلظ عليه وتأمر، فلا يطيعه أبداً، يرى أن نفسه قد كبرت وأنه قد أصبح من الرجال الذين لا يحتاجون إلى أن يتأمر عليهم أحد من الناس، سبحان الله! أبوك وأمك اللذان تعبا لترتاح، وسهرا لتنام، وجاعا لتشبع، وظمئا لتروى.
روى الطبراني بسنده: أن رجلاً قدم على رسول الله ﷺ وهو يبكي فقال: يا رسول الله! أشكو إليك شكاية، قال: ما لك؟ -شيخ كبير يبكي عند رسول الله ﷺ قال: ما لك؟ قال: يا رسول الله! أشكو إليك ابني، قال: ما فعل بك؟ قال: ربيته يا رسول الله، فلما كبر تغمط حقي وأغلظ لي، وجفاني وتنكر لي، وبلغ به العقوق أن لوى يدي وراء ظهري، فدمعت عيناه ﷺ وقال: أقلت في ذلك شعراً؟ -والعرب كانت تنفس عن أحزانها وهمومها بالشعر- قال: نعم.
قال: ماذا قلت فيه؟ قال: قلت فيه:
غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً تعل بما أجري عليك وتنهل
يقول: ربيتك صغيراً وحفظتك حتى كبرت.
إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبِتْ لسقمك إلا شاكياً أتململ
يقول: إذا زارك المرض فكأنه زارني أنا، فلا أنام وأنت المريض.
فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما فيك كنت أؤمل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل
فليتك إذ لم ترع حق أبُوَّتي فعلت كما الجار المجاور يفعل
ليتك يوم ما بررتني ولنت لي وتسهلت لي وأكرمتني؛ حفظت أذاك عني وفعلت كالجيران، لكن زيادة في النكاية آذيتني وشتمتني وعصيتني.
قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤].
فيا سرور مَن بَرَّ أبويه! ويا حبور من بر أبويه يوم أن يشيبا؛ ويقتربا من القبر، يوم يكون أملهما بعد الله أنت، فتتقرب إلى الله ببرهما، حينها يفتح الله لك باب الجنة، ويسدل عليك رحمته، ويجعل أبناءك بارين بك، ويتولاك في الدنيا والآخرة.
стр. 8227
فضل العفة ومخالفة الهوى
﴿وأتى الرجل الثاني وقال: اللهم إنك كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فراودتها عن نفسها فأبت -استعصمت بحبل الله، امرأة تقية صَيِّنَة دَيِّنَة- قال: فألمت بها سنة قحط وفقر -والفقر والجهل قريبان من المعصية- قال: فعرضت عليها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، فلما فَعَلَتْ واقْتَرَبْتُ منها قالت لي: يا عبد الله، اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، قال: فقمت عنها وأنا أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك ففرِّج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئاً لكن لا يستطيعون الخروج منه﴾:
وهذه هي العفة، وهذه هي أسوة يوسف ﵇ يوم ابتلاه الله فرفع منزلته بالعفة والأمانة، عرضت له الملكة الجميلة نفسها في القصر وهو شاب أعزب من أجمل الناس، فتذكر لقاء الله، وموعوده، وعذابه الذي: ﴿لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٥ - ٢٦] فقال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف:٢٣] فمن يقول منا -يا شباب الإسلام- اليوم معاذ الله؟! من إذا نظر إلى المرأة الجميلة في السوق غض طرفه وقال: معاذ الله؟! من إذا سمع نغمة اتصال من امرأة أجنبية قال: معاذ الله؟! من إذا حدثه الشيطان وسوَّل له قال: معاذ الله؟! من إذا عرض عليه الفيلم الماجن الذي ضيع عقول الشباب ودينهم ومروءتهم قال: معاذ الله؟! من إذا رأى المجلة الخليعة قال: معاذ الله؟! من إذا سمع الأغنية الماجنة قال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف:٢٣]؟!
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل طرفةً ولا أن ما يخفى عليه يغيب
لهونا لعمر الله حتى تتابعت ذنوب على آثارهن ذنوب
فيا ليت أن الله يغفر ما مضى ويأذن في توباتنا فنتوب
إي والله! من لم يحفظ الله في الرخاء لا يحفظه في الشدة.
стр. 8228
فضل الأمانة والتسامح
﴿وتقدم الثالث فقال: اللهم إنك تعلم أنه كان لي أُجراء -خُدَّام- قال: فحاسبتهم فأعطيتهم أجورهم إلا رجلاً واحداً منهم ذهب مغاضباً وترك أجرته، فأخذت أجره فثمَّرته له وبعت واشتريت له، حتى أصبح له من المال والغنم والإبل والرقيق شيء كثير، ثم أتاني بعد سنين فقال لي: يا عبد الله! اتق الله وأعطني حقي الذي عندك، قلت: خذ هذا المال فإنه مالك، قال: أتستهزئ بي؟ -مِن كثرة المال- قلت: لا والله لا استهزئ بك، قال: فساقه فلم يترك منه شيئاً؛ اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون﴾.
فيا لسعادة الصلحاء وقت الرخاء، يوم ينجيهم الله في الأزمات! ويا لفرحة من قدم لنفسه في الساعات الثمينة الغالية! وهذا مصداق لحديث النبي ﷺ الذي رواه الترمذي بسند حسن، وهو حديث مذهل مدهش، يقول أحد العلماء كما ذكر ذلك ابن رجب: " ما قرأت هذا الحديث إلا أصابني الذهول منه، حيث يقول الرسول ﵊ لـ ابن عباس: ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرَّف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾.
عباد الله: أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.
стр. 8229
كرامات الأولياء
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 8230
شرطا الكرامة
عباد الله: في الحديث السابق كرامة من كرامات الأولياء، وكرامات الأولياء أثبتها أهل السنة والجماعة؛ لكن بشرطين كما يقول شيخ الإسلام وعلم الأعلام ابن تيمية ﵀ في المجلد الحادي عشر من فتاويه قال: يشترط في الكرامة شرطان:
الشرط الأول: أن تكون على طاعة، أو تكون ثمرة ونتيجة لطاعة، فتحصل على يد رجل طائع لله ؛ لا فاجر ولا كاهن ولا مشرك ولا ساحر ولا منجم؛ لأن هؤلاء أعداء الله وأعداء رسله عليهم الصلاة والسلام، وقد يحدث لهم خوارق وأمور تخالف عادات الناس، وأمور يحدثها الله فتنة وابتلاء لهم.
فلا بد للكرامة أن تكون على طاعة، وأن يكون صاحبها على الكتاب والسنة، قال الشافعي رحمه الله تعالى: لا تغتروا بالعبد ولو طار في الهواء وسار على الماء حتى توازنوا عمله بالكتاب والسنة.
أو كما قال.
والشرط الثاني: أن تستغل هذه الكرامة في مرضاة الله، وفي رفع دعوة الله ، وفي نصرة دينه وحماية أوليائه.
والله يجعل الكرامات للأولياء بسبب إخلاصهم.
следующие страницы →