Полный текст (10 391 стр.). Показаны 8506–8545 · переход к 8511.
стр. 8506
النابغة والنعمان
ويغضب النعمان على النابغة الذبياني ويتوعده، ويأتي النابغة إلى النعمان ويقول له في مجلس محتجب والسيف يكاد يقطر في يد النعمان دماً، يريد أن يفتك بـ النابغة فيقول:
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني وتلك التي أهتم منها وأنصب
إلى أن يقول:
حلفت فلم أترك لنفسي كريبة وليس وراء الله للمرء مذهبُ
لئن كنت قد بلغت عني وشاية لمبلغك الواشي أغش وأكذب
فعفا عنه.
وهذا دور الأدب أن يحول الغضب إلى رضا، ويجعل الناس يغيرون قراراتهم الفاسدة إلى قرارات صحيحة، وأن يوجهوا الأفكار من الخطأ إلى الصواب، وألا ينادي بالاستقرار والاستمرار على الريبة ولسان الحال: (كل شيء على ما يرام) وهو ليس على ما يرام.
стр. 8507
الحسن بن هانئ وعلي الرضي
يقول الذهبي كان علي بن موسى الرضا ولي عهد المأمون ممدوحاً عند الشعراء وهو من أحفاد علي بن أبي طالب مدحه الناس إلا الحسن بن هانئ فاستدعاه وقال: [[لماذا هجرتني ولم تمدحني؟ فاعتذر بقصيدة هي من أجمل الأبيات -يقول الأصمعي: أجزم جزماً أنه ما قيل في المديح كهذه الأبيات- يقول الحسن بن هانئ في علي بن موسى الرضا:
قيل لي أنت واحد الناس في كل معنى من الكلام بديهي
لك في جوهر الكلام بديعٌ يجتنى الدر من يدي مجتنيه
فعلام تركتَ مدح ابن موسى بالخصال التي تجمعن فيه
قلت لا أهتدي لمدح إمامٍ كان جبريل صاحباً لأبيه
هذا إبداع، يقول ابن هاني: قيل لي: أنتَ واحد الناس معكوسة، لكن الذهبي غيرها فغيرتها معه يقول:
قيل لي: أنت واحد الناس في كل معنى من الكلام بديهي
لك في جوهر الكلام بديعٌ اجتنى الدر من يدي مجتنيه
فعلام تركتَ مدح ابن موسى بالخصال التي تجمعن فيه
قلت: كيف أهتدي لمدح إمامٍ كان جبريل خادماً لأبيه
قال الذهبي: ليس بخادم ولكنه صاحب، وهو الصحيح فهذا هو الإبداع، ورضي عنه علي بن موسى وأيده وأصبح شاعراً من شعراء الدعوة.
стр. 8508
خاتمة في موضوع الأدب
стр. 8509
الشعر النبطي
أيها الكرام: أختتم محاضرتي هذه بأمور:
الأمر الأول: يلاحظ في أدبنا طغيان الشعر النبطي، فأنا أعرف أن للشعر النبطي قراء، ولكن ليس معقولاً أن يوجه الإعلام والصحف كلها للشعر النبطي، وهذا يعني أننا صرنا بَدْواً كلنا، تحولت الأمة إلى شعر نبط.
إن الشعر النبطي الذي في نجد لا يناسب الشعر النبطي الذي في الجنوب ولا الذي في الشمال ولا في الحجاز، لكن الذي يناسب الأمة من شرقها إلى غربها: الشعر العربي الفصيح، شعر القرآن والسنة، فهو الشعر الذي يعيش معنا في ضمائرنا، وهو المفهوم الواضح البيِّن، أما أن نرى كل صحيفة نفتحها فيها عشرات الصفحات بقصائد قيلت في مكان ما، فإن ذلك خسارة من وجهة نظري، ونحن الآن نعيش الرأي شورى، فمَن عنده كلام فليتفضل، وهذا ميدان للمصارعات، وسوف يرى مَن يتقدم ماذا يُقال له.
وأما النتائج التي جنيناها من الشعر النبطي فقد كملت، ومعي بعض الإخوة القائمين على الصحف، وسألناهم عن الإنتاج: أين روعة شعر المتنبي وأبي تمام وزهير ومحمد إقبال وشعراء الدعوة قديماً وحديثاً؟
لماذا يُقَدَّم للأمة شعرٌ فيه كلمات لا يدري هل هي من فعل أمر أو مضارع، أو هي من الحروف؟ وهل هي عربية أو فرنسية أو إنجليزية أو بشتوية؟ فهذا ليس بصحيح، فالأمة لا زالت راشدة وواعية ومثقفة، عندها أقلام وأدباء.
стр. 8510
الشعر الحر
الأمر الثاني: انتقلنا من النبطي فوقعنا في الشعر الرخيص (الحر) عندما مر بـ عمر مولاه وابنه؛ وإذا المولى والابن ينشدان نشيداً، قال عمر: [[مَن الذي ينشد منكم؟ قالا: ما أنشدنا، قال: أنشِدْ أنتَ، فأنشَدَ، وقال للآخر: وأنتَ أنشِدْ؟ فأنشَدَ، فقال: أنتما مثل حمارَي العبَّادي]] فـ العبَّادي رجل جاهلي عنده حماران، قيل له: أيهما أخس حمارَيك؟
قال: هذا ثم هذا، ونحن خرجنا من النبط فوقعنا في الحر الذي ليس له ضابط، لا بقافية ولا وزن، وبهذا أصبح كل الناس شعراء.
أنا ذبابة الليمون
أطير من شجرة إلى شجرة
أنام على زورق تحت الأفق
نمت مرة
فانزلقت حذائي
من على الدرج
حلمت أن البحر كفي
هذا الكلام ليس بشعر.
стр. 8511
الفرق بين الشعر والنظْم
هناك فرق بين الشعر والنظم، فالشعر شيء والنظْم شيء آخر، وبعض أهل الخير من طلبة العلم والعلماء ينظُمون قصائد ويقولون: لماذا لا تنشر ولماذا لا يعجب بها الناس؟
و
الجواب
لأنه نظْم! فهناك فرقٌ بين النظْم والشعر، الشعر أسلوب وخيال وإبداع.
وإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال
غضب الإمام محمد بن علي بن دقيق العيد مجدد الشافعية والمالكية في القرن السادس، العالم الكبير الفقيه، ذكره ابن خلدون في المقدمة، وغيره وذلك لأنه يريد أن يكون شاعراً لكنه ليس بشاعر يقول ابن دقيق العيد:
واختلف الأصحاب في وصلنا فرجحوا نجواك وهو الصحيح
فـ (اختلف) عبارة فقهية، و (الأصحاب) عبارة فقهية، و (رجحوا) عبارة فقهية، (وهو الصحيح) عبارة فقهية، فلذلك يموت شعر العلماء بسبب أنه نظْم.
أحد الإخوة جلس معنا في مجلس وأرغمنا وأغضبنا وأغضبناه بسبب قوله: لماذا لا تجعلون ابن القيم أشعر من أبي الطيب المتنبي؟! وهل الفضل عند الله بالشعر؟! وهل المنزلة عند المسلمين بالموهبة؟
لا.
قلنا: اسمع إلى شعر المتنبي واسمع إلى شعر ابن القيم.
المتنبي يقول في الحمَّى:
وزائرتي كأن بها حياء فليس تزور إلا في الظلام
بذلت لها المطارف والحشايا فعافتها وباتت في عظامي
أبنت الدهر عندي كل بنت فكيف نجوت أنتِ من الزحام
إذا ما فارقتني غَسَّلَتْنِي كأنَّا بائتَين على حرام
واسمع لـ ابن القيم ﵀ يقول:
إسناده حسن ومصداقٌ له في الترمذي فافهمه بالبرهان
قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان
فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الـ إنسان كالنغمات بالأوزان
يا خيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان
والله إن ابن القيم أحب إلينا من ملء الأرض من أمثال المتنبي؛ ولكن ذاك شاعرٌ لا يُبْلَغُ هامتَه وهذا ناظم عالم فلا ندخل هذا في هذا، ففرق بين النظم وبين الشعر، ولذلك نسمع صحفنا دائماً والمجلات، خاصة مجلة اليمامة أكثر المجلات اعتذاراً كلما ضاق بها الحال، قالوا نعتذر لسوء أو لعدم إقامة الوزن وربما تكون من أبدع ما يكون لكن ما ندري عنهم، وعلى كل حال شكر الله سعيهم، ولكن ربما أنهم يصدقون في كثير مما يقولون إنها مكسرة الأضلاع، فكثير من القصائد موجودة غير موزونة ولا مقفاة.
أيها الإخوة الكرام! دور الأدب: أنه كلمة مؤثرة تصل إلى القلوب وتعيش على المبادئ، وعندنا الكلمة الأدبية، وعندنا إيمان وخلود ويدعو إلى المسجد وإلى الفضيلة وإلى المصحف، وليس ضياع وقت ولا ترضية خواطر ولا استجابة لنزوات المغرضين، ولكنها وقوف مع الحق أينما وقف.
وانتهت محاضرة: (دور الأدب في معايشة النكبات).
وأشكر رئيس النادي مرة ثانية وأشكركم والآن يفتح المجال للتعليق والمداخلات.
وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
стр. 8512
مداخلات
стр. 8513
مشاركة الأستاذ يحيى المعلمي
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فقد فاجأتني هذه الدعوة الكريمة من أخي وزميلي الأستاذ أحمد بن يحيى البحكلي ولعله قد لاحظ أني أثناء استماعي للمحاضرة كنت أستمع بقلبي وبعقلي، وكنت أتمتم بيني وبين نفسي مردداً كلمات الإعجاب لهذا السيل الدافئ من العبارة البليغة الفصيحة المؤمنة؛ التي شنف أسماعَنا بها فضيلةُ الأستاذ الكريم الأخ عائض القرني، الذي ألوم نفسي كثيراً على أني لم أسْعَ إلى التعرف عليه قبل الآن، وإن كنت قد عرفته وقد قرأت كثيراً من أقواله وكلامه وأحاديثه.
وقد استمعت إلى كثير من الأشرطة التي تفضل بتسجيلها وعمت فائدتها الناس جميعاً، ولقد أعجبني كثيراً تدفقه في الاستشهاد بالآيات الكريمة وبالأحاديث النبوية الشريفة وبالأشعار الطريفة الجميلة، ولقد كنت أظن أنه بعيدٌ عن مجال الأدب والشعر ككثيرٍ من أساتذتنا الأفاضل العلماء الكرام، ولكن ثبت لي ما قدمه به أستاذنا الكبير الشيخ عبد الله بن إدريس إذ قال عنه إنه يملك ناصية البيان، فعلاً إنه يملك ناصية البيان الأدبي كما ملك ناصية البيان الديني، فزاده الله توفيقاً، وشكر له مسعاه، ونفع بعلمه وبأدبه لنا جميعاً.
وشكراً لكم والسلام عليكم.
стр. 8514
مشاركة الدكتور ناصر بن سعد الرشيد
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد:
فلقد قدمت طلباً للتعليق قبل أن أسمع الكلمة التي قالها محاضرنا الليلة وهي: من أراد أن يعلق فليسمع، فكأن الشيخ يتحداني ولو علمت ذلك لما تقدمت، لكني سأحتال لنفسي وأتجنب غضب الشيخ عليَّ؛ لأني لن أتحداه هذه المرة، وإنما هناك نقطتان أشار إليهما الشيخ ويبدو أن الوقت لم يسعفه لأن يبلورهما؛ فبراءة للذمة أردت فقط أن أوضحهما.
النقطة الأولى: تتعلق بشخصية المعتمد بن عبَّاد: والحقيقة أن المعتمد بن عبَّاد تعرضه كتب النصوص الأدبية على أنه رجلٌ مترف فقط، وتقدمه لنا من خلال زوجته اعتماد البرمكية، ومن خلال نكبته، وقد يكون هذا صحيحاً، وقد قدمت النصوص جوانب غير مضيئة من شخصيات إسلامية مضيئة، كما قدمت لنا بعض الجوانب من حياة الرشيد، وكما قدمت لنا بعض الجوانب من حياة عبد الحميد السلطان، وقد ظلم الأدب كثيراً من الشخصيات الإسلامية العظيمة، وقد عظَّم كثيراً من الشخصيات الإسلامية التي ليست بعظيمة.
وقد أشار الشيخ جزاه الله خيراً إلى تخليد المتنبي لـ سيف الدولة الحمداني، والحقيقة التاريخية أنه لا مقارنة بين سيف الدولة الحمداني وكافور الإخشيدي مطلقاً، فـ كافور الإخشيدي كان رجلاً مشهوراً بالعدل والشجاعة وبغير ذلك، وسيف الدولة الحمداني له ما له وعليه ما عليه، ولن أتعرض لهذا الرجل لأني لا أحب أن أشوه سمعة أحدٍ من علمائنا أو قوادنا أو شخصياتنا.
لكن المعتمد بن عبَّاد من الرجال الذين لم يعرضوا العرض المطلوب، وأنا أردت فقط أن أنبه على ذلك؛ لأن شخصية المعتمد بن عبَّاد لا نحتاجها، ولا نحتاج أن نعرف حقيقته مثلما نحتاج أن نعرفها اليوم، وما أريد أن أقوله عن هذه الشخصية أني أحيلكم على النصوص التاريخية حتى تروا موقف هذا الرجل من الأزمات، ولا أريد أن أقول أكثر من هذا حول شخصية المعتمد بن عبَّاد إلا أن المؤرخين لهذه الشخصية أثنوا عليه ثناءً كبيراً، ووصفوه بأنه البطل الصنديد الغيور على الإسلام، والذي رفض العروض التي انهالت عليه من هنا وهناك لتحمي عرشه، ولا أريد في حقيقة الأمر أن أستشهد لكم لعظمة هذا الرجل، لكني أتمنى أن ترجعوا إلى الكتب والمصادر الأصيلة التي كتَبَت عن ابن عبَّاد هذا وسترون فيه رجلاً مسلماً عظيماً.
وأرجو هذه المرة ألا تسألني عما قصدت؛ لأني لا أستطيع أن أقوله حقيقة لهذا الموقف؛ ولكن من أراده فسيجده.
النقطة الثانية: هي أيضاً لست أدري عتاب للشيخ أم لا! لأنه في حقيقة الأمر قارن بين نص للمتنبي ونص لـ ابن القيم، لا شك أنه لا مقارنة بينهما، ولكن أيضاً سنداعبك أيها الشيخ الجليل وأنت شاعر وعجيب، أنك في حقيقة الأمر لم تنصف الرجل؛ لأنك قارنت بين قصيدة وجدانية للمتنبي وهي قصيدة في وصف الحمَّى بأبيات مِن الكافية الشافية ابن القيم وشافيته التي قالها في العقيدة ولا أظن أن في هذا إنصاف لـ ابن القيم، فيجب علينا أن نتحرى الإنصاف والعدل حينما نقارن بينهما، وأنا في حقيقة الأمر لا أرى أن ابن القيم يرقى إلى المتنبي، ولكن ابن القيم أيضاً رجلٌ جدير بأن يُدْرَس أديباً، ويُدْرَس ناقداً، ويُدْرَس بلاغياً، ولو لم يكن له سوى البيت المشهور الذي سرى بين الناس دون أن يعلموا مَن القائل:
إذا طلعت شمس النهار فسلمي فإنها إشارة تسليمي عليكم فسلموا
أي: أنها أمارة تسليمي فسلموا، ولو لم يكن إلا هذا البيت لكفى.
وصلى الله على محمد.
الرد: أولاً: أشكر الأستاذ الأديب يحيى المعلمي، وأسأل الله أن يغفر لي تقصيري، وأعرف أن مقصده تربوي، وحث الهمم على الاستزادة، وإلا فأنا أصغر مما قال.
ثانياً: أشكر فضيلة الدكتور ناصر الرشيد وأقول له كما قال ابن القيم في قصيدته التي أستشهدُ منها ببيت:
أما والذي شق القلوب وأوجد المحبة فيها حيث لا تتصرمُ
وحملها جهد المحب وإنه ليضعف عن حمل القميص ويعلمُ
لأنتم على بعد الديار وقربها أحبتنا إن غبتمُ أو حضرتمُ
أنت من أحباب قلوبنا، وقد جلست معه وسعدت بالمجلس وعرفت غيرته على دين الله، وانتماؤه لـ (لا إله إلى الله) فأنا أتحمل عنه ما قال، وأعفو عنه إن كان خطر شيء ما
وإذا الحبيب أتى بذنت واحدٍ جاءت محاسنه بألف شفيع
وسوف أراجع -إن شاء الله- ترجمة ابن عبَّاد، وأما المقارنة فلي وجهة نظر وله وجهة نظر، والمسألة ديموقراطية.
стр. 8515
مشاركة الشيخ عبد الوهاب الطريري
الحمد لله وبعد:
أولاً: إن كلماتك شيخنا -أمتع الله عمرك كما أمتعت ليلتنا هذه، وأسعد الله حياتك كما أسعدت ساعاتنا هذه- روعة أدبية في الحديث عن الأدب، ورحلة تاريخية محفوفة بشوارد الأبيات وبديع الكلمات، ومليح القصص، وسداد الرأي، وحسن التوجيه، وإن كنت أرى أنه ينبغي أن يكون لهذه الكلمة عنواناً آخراً غير عنوانها الذي أتينا نسمع الموضوع تحته.
ثانياً: القضية الأخرى قضية الشعر الغث الرث؛ الشعر النبطي المشحون بالإطراء الساذج والمديح الرخيص شحناً، إنه محرمٌ شرعاً، ممجوجٌ ذوقاً، مردودٌ عقلاً، وهو طرح غير حضاري في زمن غير زمن النقائض والمعلقات، فمسئولية مَن تخليصنا من هذا النوع؟
هذا النوع من القصائد التي ينْظُمها ناظِمُها ويعلم أنها كذب، وينشرها ناشرها ويعلم أنها تزلفٌ فارغ.
أما نحن فنعرض عنها ونستغفر الله، وإن مسئولية ذلك على الذين بسط الله أقلامهم وألسنتهم على ساحتنا الفكرية، فعليهم أن يجعلوا في سلة المهملات متسعاً لهذا النوع من الثقافة الفكرية.
ثالثاً: إلى متى تظل عقولنا تخادع أو تفتن من خلال غتامة التعبير والغموض المطلسم في مقالات تظلم أمام عيوننا، لا يتغير فهمك لها إن بدأتها من أولها أو آخرها، ربما يشعرك غموضها وعجزك عن فهمها بالرهبة، لكن إذا أدركتها أصابع النقد تبين أن وزنها قشة، وقيمتها صفر.
أسأل من يكتب هذا النوع إذا كان من أصحاب الشهادات الجامعية فما فوق أن يعلنوا عجزهم عن فهم هذا الكلام؟
وأعجب كيف يكتب كاتب مقالة سريرية في مجلة لنا كبرى، حتى إذا استنكرَتْ قارئة عليه مقالَهُ، ردَّ بأنه يرمز بكتابته لها إلى الوطن، عجباً لمثل هذا النوع من الأدب! أيعلن هوية هذا الوطن ويعبر عن عشقه! أي مبادئ تعلن لها بمثل هذا الكلام؟!
والسلام عليكم.
стр. 8516
مشاركة الشيخ محمد القحطاني
قبل البداية أنا كتبت في ورقة التعليق اسمي بدون لقب وأنا في هذا المكان وفي هذه الدرجة، كتبت محمد بن دريم القحطاني ولم أكتب الشيخ فالألقاب نؤمن بأنها وسيلة للدفاع، أو لحث الإنسان أن يرتقي بمستوى الدفاع عن القرآن وسنة الرسول ﷺ إلى درجة التضحية في زمنٍ افتقدنا فيه التضحية خاصة من أصحاب هذه الألقاب.
وما أودُّ قوله باختصار:
نحن لا نؤمن في زمن التقنية والتكنلوجيا والصناعة والذرة والرقي بكل مفاهيم الرقي والتقدم لـ أوروبا وأمريكا؛ أن نلتزم بالثرثرة، وتركيب الجمل، وزخرفة الكلمات، في وقت يُداس فيه شرف الأمة، ويُطعن فيه القرآن وسنة الرسول ﷺ ، وتحطم قيمة الأخلاق إلى درك الحضيض إلخ.
أقول: أنا أسأل الأدب الملتزم واللا ملتزم، الأدب بكل الصفات التي يحلو لكثيرٍ من الإخوان أن يعلقوها على الأدب المعاصر: ماذا قدم لهذه الأمة؟
فالعلم والثقافة سببان رئيسيان للارتقاء بمستوى الإنسان والمجتمع والفرد والأمة والعالم من درك الحضيض إلى قمة الفضيلة، ومن قاع التبعية والاستعباد والذل إلى قمة القيادة والريادة والسمو.
ففي عام: (١٩١٤م) حتى عام (١٩١٩م) قضى طه حسين فترة نقاهة في باريس وعاد من بعدها بالثقافة الفرنسية كتبعية مطلقة للاستشراق والتغيير، ثم إلى هذه اللحظة نحن نتكلم في الندوات، نتكلم في بطون الكتب، ونتكلم بالألفاظ الطيبة النقية الطاهرة، لكن تصاغ المناهج التعليمية والتربوية عكس ما نسمعه في مثل هذه اللقاءات، فالذي يدرس الآن في كثير من المناهج التعليمية وخاصة على مستوى الجامعات هو الأدب التغريبي والاستشراق.
وأنا لا أحتاج لأن أستشهد بكثير من هذه الأمور، إنما مما قاله أحد دكاترة الأدب في جامعة الملك سعود: إذا لم يكن المثقف حداثياً فلا يستطيع أن يكون مثقفاً هذا أمر، فالذي نريده من هذه الأمور أن نرتقي من مستوى الكلمة الطيبة إلى مستوى العمل، وأن يكون لنا منبراً، وأن تكون هي اللفظة الدارجة على ألسنتنا عندما ندرس هذا الجيل معنى الأدب، وأن تستفيد هذه الأجيال من الأدب، فنحن نسمع كثيراً لكن الواقع يشهد عكس ذلك.
إن المناهج التربوية والتعليمية لا تعكس على الإطلاق أدباً رفيعاً وإن كان هناك قلة في مثل هذه المناهج أو الأماكن التربوية، الحكم بالشريعة للعموم وليس للخصوص، ما صنع الأجيال المعاصرة الآن يجعل لي الحق في الاستشهاد، الثقافة والعلم والأدب المعاصر هو الذي أحط وأوصل الأمة إلى درجة السقوط، ونحن مررنا بمرتبة الخواء الفكري ومرحلة الانبهار والإعجاب، ثم مرحلة التقليد للغرب ولثقافة أوروبا التي أتت من بعد القرن الرابع عشر حتى هذه اللحظات، لوثة بعد لوثة كما ذكر سيد قطب ﵀، ثم مرحلة السقوط ونحن نعيشها الآن، فمن المسئول عنها؟
هل هو الأدب الذي ارتبط ونسمع أنه مرتبطٌ بالقرآن وسنة الرسول ﷺ ؟
كلا.
إنه الذي ارتبط بجميع المذاهب والنظريات الأدبية المستوردة من الغرب، ففي هذا المقام نسأل القائمين على النادي الأدبي بوجه خاص والقائمين على النواحي الأدبية أن يوجهوا الكلمة الصالحة الطيبة الطاهرة المرتبطة بالقرآن وسنة الرسول ﷺ توجيهاً عملياً صادقاً مخلصاً عبر المناهج التعليمية، أما أن يُدرَّس بدر شاكر السياب، وطه حسين فلا.
أنتم تعلمون وقائع وشواهد التاريخ، فضلاً عن شواهد التاريخ والأحداث المعاصرة على رداءة الأدب المعاصر ممثلاً بـ الحداثة أو الرجعية.
وأن نجلس نتسلَّى بالعبارات الطيبة فقط في المحاضرات وفي الندوات هذا أمر لا يسكت عليه على الإطلاق، فنحن نعيش في مرحلة يجب أن تتكافأ فيها الجهود حتى نكون كلنا عمليين بالقرآن وسنة الرسول ﷺ .
ثم ننبثق في جميع تصوراتنا كلها من القرآن وسنة الرسول ﷺ سواءٌ في الأدب، أو التقنية أو التكنولوجيا أو أي صناعة فكرية أساسها كلمة، ثم تأتي بكلمة ترفع من مستوى الأمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله).
الرد: أولاً: أشكر فضيلة الشيخ عبد الوهاب بن ناصر على تعقيبه، وعلى جمله المفيدة والمتوعية والبصيرة، وهكذا عودنا -لا نقولها مجاملة- ووددت أن النص الذي معه كان في محاضرتي، لكن سبقني.
وكذلك الأخ محمد القحطاني أشكره كذلك، وأقول له: ماذا بيدك وبيدي؟! ما نملك إلا الكلمة، أتريد مني أن أغير مجال الأدب أو المقررات أو الإعلام؟! أتريد أن نلغي المحاضرات؟! أتريد أن أذهب بالبندقية لأقتل صدام حسين أو أصنع حنفية أو طائرة أو صاروخاً، فأنا أملك الكلمة وغيري يملك الهندسة، والثالث يملك الإعلام، والرابع يملك الأدب، على كل حال قد علم كل أناس مشربهم، فإن كان عندك تغيير أنت فتفضل.
واعذر حبيبك إن فيه فهاهة نبطية ولك العراق وماؤها
стр. 8517
الأسئلة
стр. 8518
الأدب وشخصية صدَّام
السؤال
إن أدباء الأمة الإسلامية كثيرون -ولله الحمد- ولكنهم لم يتبينوا حقيقة شخص طاغية كـ صدام حسين إلا بعد أن غزى الكويت، فعلى من تقع المسئولية في هذا التضليل أو هذا الجهل الذي ساد هذه القضية؟
الجواب
تقع المسئولية على من يملك المسئولية، على من أظهر صدَّاماً قبل اليوم ومدحه وجعله فاتحاً عظيماً وعبقرياًَ، ثم حطه وسفَّه به هذه الأيام، فهي تقع على من يستمع له من الناس، وتقع على من يحسن أن يتكلم وأن يقول؛ وسوف يسأله الله عن فعله، وقد أشرت أنا إلى أن حَمَلة المبادئ لا يتغيرون، هم يموتون ويقدمون جماجمهم عن مبادئهم.
بعض الناس لو صادقه صدَّام عاد إليه وسلم على رأسه في المربد، وقبَّل يده ونسي أنه بعثي علماني كافر ملحد بالله، أما أهل الخير فمواقفهم من قبل الغزو وما بعده واحدة، والله كنا نعلم أنه عفلقي مجرم، وأنه عدو لله وأنه لا يؤْمَن جانبُه، وأنه خائن قبل أن يدخل الكويت، وما زادتنا فيه الأيام إلا بصيرة لأنا عرفنا لا إله إلا الله وعرفنا الولاء والبراء.
стр. 8519
موقف الشيخ عائض من الشعر النبطي
السؤال
موقف الشيخ عائض من الشعر النبطي فيه بعض القسوة، رغم وجود كثير من نماذج هذا الشعر فيها دعوة إلى الله وسمو بالأخلاق، ودعوة إلى مكارم الأخلاق، فكيف يرى الشيخ عائض هذا الجانب من هذا النوع من الشعر؟
الجواب
على كلٍّ أنا لا أنكر أن فيه بعض الإبداع والفضائل، فحتى كلام العجائز فيه دعوة إلى الفضائل والمبادئ، لكني أنكر أن يكون هذا أدباً خالداً للأمة وأن يكون مرآة لها، وأن يكون طموحاً وأملاً لها ولأدبائها وأقلامها وإعلامها وصحفها، فلا يصلح أن نبيع أفكارنا بهذا المستوى.
أوليس في الأمة علماء وأدباء ومفكرون حتى نأتي برجل لا يعرف الفاتحة ولا ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ولم يصلِّ في الشهر إلا مرتين أحياناً، ونقول: تفضل يا شاعر الأمة ويا أستاذها فيخلط علينا أفكارنا وأمتنا ومقدراتنا، فهو بعشر ريال يمدح وبسحب عشرة ريال يذم، لا يحمل مبدأ ولا عنده فكر ولا قلم وأنا لا أستصغر أحداً، وإلا فأنا أحفظ شعراً نبطياً، وقلت قصيدتين لكني استغفرت الله ، ففيه الطيب وفيه كلمات تعجب.
أقول: الله الله في رسالة الرسول ﵊ وفي هذه اللغة الحية التي أثبتت وجودها وخلودها أن تطفأ بهذا الشعر النبطي، وأن تتحول الأمة إلى أمة لا تعي الشعر ولا تفهمه ولا تستسيغه، حتى لو ألقيت على جمهور من الناس قصيدة للمتنبي فلن يتفاعلوا وسينامون، ولو أتيت برجل من البادية وألقيت من خزعبلاته كل عشرة أبيات بقرش أصغوا وبكوا وسبحوا وحَمَدوا، وهذا من فساد الأمزجة؛ لأننا نحن أطعنا طه حسين فتحولت مقدرات الناس إلى شعر نبطي، حتى الدكاترة الذين في الجامعات أصبحوا يشعرون، فالحمد لله الذي حولهم من عربية إلى نبطية، أصبح في جريدة عكاظ يفتتحها بقصيدة نبطية بتوقيع الدكتور فلان متخصص في قسم اللغة والبيان والأدب، على كل حال هذا ما تم توقيعه.
وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، ومعذرة.
سامحن بالقليل من غير عذل ربما أقنع القليل وأرضى
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 8520
وقفات مع حديث الولي
حديث الولي اهتم به العلماء شرحاً واستنباطاً لما فيه من الأحكام والفوائد الجمة.
والشيخ في هذا الدرس ذكر مسائل وأحكام كثيرة تتعلق بهذا الحديث، ومن أهم مسائله: أهمية الفرائض، فضل النوافل، وحكم تركها، حكم السنن القبلية والبعدية، وتطرق إلى حكم بعض الصلوات كصلاة الوتر، والتسابيح، ركعتا الوضوء.
стр. 8521
حديث الولي
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
معنا في هذا اللقاء حديث الولي، وهذا الحديث من أعظم الأحاديث في الإسلام وسوف نتعرض للقضايا التي فيه بإذن الله، وقد أفرده الإمام الشوكاني بمصنف منفرد، وبحث فيه أهل العلم، وأُورد نصه في هذه الجلسة لنسمع هديه ﷺ ، وكلامه العذب:
عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿قال الله ﵎: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب عبدي إليَّ بأحب مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه﴾ متفق عليه.
هذا حديث قدسي يسمى حديثاً إلهياً، والحديث القدسي تعريفه عند أهل المصطلح:
هو ما كان لفظه من رسول الله ﷺ ومعناه من الله جل وعلا، فالذي تلفظ وتكلم به هو رسول الهدى ﷺ ، وأما المعنى فهو من الواحد الأحد، وهو يختلف عن القرآن، فالقرآن لفظه ومعناه من الله ﵎، والحديث النبوي لفظه من الرسول ﷺ .
إذاً الوحي على ثلاثة أقسام:
قرآن، وحديث قدسي، وحديث نبوي.
- فالقرآن: لفظه ومعناه من الواحد الأحد.
- والحديث القدسي: معناه من الله ولفظه من رسول الله ﷺ .
- والحديث النبوي: معناه ولفظه من رسول الله ﷺ .
القرآن معجز، والحديث القدسي ليس بمعجز فلا نتعجز به ولا نتعبد به ولا يتلى في الصلاة، ولفظه من رسول الله ﷺ ، ومعناه من الله.
حديث الولي فيه مسائل، وأعظم مسألة هي مسألة النوافل التي سوف نتعرض لها.
стр. 8522
النوافل مهمة للولاية
ما هي النوافل التي وقتها ﵊، وهل تصلى كلها في البيت أم لا؟
وهل هناك سنن تقضى إذا فاتت أم لا؟
وما درجة أحاديث السنن التي وردت عنه ﷺ ؟
وما هي السنن التي خالف فيها العلماء: كـ ابن تيمية وابن القيم، وأنكروا أن تكون سنة؟
هذه المسائل تقارب اثنتي عشرة مسألة، ويدخل فيها الوتر وصلاة الضحى، وقبل ذلك يقول الله : ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] فما هو الحسن في العمل يا ترى؟
قال أهل العلم: الحسن في الذوات: الجودة، والحسن في المعاني: الجمال.
стр. 8523
العمل المقبول سبيل الولاية
وهذا كلام لا نحتاجه كثيراً، ولكنا نحتاج إلى تفسير الآية قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] قال أهل العلم: أحسن العمل ما توفر فيه شرطان اثنان:
الشرط الأول: أن يكون خالصاً لوجه الله.
الشرط الثاني: أن يكون على سنة رسول الله ﷺ .
فمن أخلص لله في عمله ولم يتابع رسول الله ﷺ فهو مبتدع، ففي المبتدعة من هو مخلص، ففي الرافضة من هو مخلص، وفي المرجئة من هو مخلص، وفي المعتزلة من هو مخلص، وفي القدرية من هو مخلص، ولكنه ضال مبتدع.
ومن تابع رسول الله ﷺ في عمله ولم يخلص فهو منافق مُراءٍ، في المنافقين من يقتدي بالرسول ﵊، وفي المنافقين من يتبع السنة، ولكنه لا يقصد بعمله وجه الله.
وابن تيمية له كلام طويل يقع في أكثر من مائة صفحة في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].
، وسبب تفسير هذه الآية: أن ابن تيمية ﵀ أُتي به مقيداً من بلاد الشام
قيده النفعيون الماديون، وسجنه الأشاعرة، والمعتزلة المبتدعة، وأهل التصوف المنحرف، وسجنه كذلك النصيريون، سجنه أعداء الإسلام، فهذا الرجل فتح جبهات على أعداء الإسلام، فلما أُتي به مقيداً إلى مصر، دخل المسجد وهو مقيد وكان من أعلم علماء الدنيا، بل هو من أذكى أذكياء العالم، يقول المزي: ما قبل ابن تيمية بخمسمائة سنة أعلم منه! ونحن نقول: ما بعد ابن تيمية إلى الآن أعلم منه!! فدخل فلما فكوا الوثاق من يديه سأله العلماء في مصر أن يتكلم لهم كلمة بعد صلاة العصر.
وكان كما يقول ابن كثير: كان العلماء إذا جلسوا، أصبحوا تلامذة عند ابن تيمية، قال: واجتمع علماء مصر وما كانوا والله إلا ذرات صادفت جبلاً، أو قطيرات صغيرة صادفت بحراً، فابتدأ بعد صلاة العصر في ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة:٥] ما تلعثم ولا توقف، ولا انتظر حتى صلاة المغرب، وهذه المقامة تسمى (مقامة الاستعانة) فيقول: من عبد الله ولم يستعن به فهو مشرك في عمله، ومن استعان بالله ولم يعبده فهو ضال مضل كذلك، والناس في ذلك على أربعة أقسام:
- قسم يعبد الله ويستعين به وهم المؤمنون.
- وقسم يعبد الله ولا يستعين به، وهم أهل الدنيا، وأهل الهوى والشهوات.
- وقسم يستعين بالله ويعبد غيره وهم المشركون.
- وقسم لا يعبد الله ولا يستعين به، وهم الملاحدة الذين ينكرون الصانع والخالق ﵎.
إذاً الحسن في العبادة يتركز على الإخلاص وعلى متابعة سنة المصطفى ﵊.
يقول ﷺ : ﴿يقول الله: من عادى لي وليا ً﴾ سبق معنا في مناسبات ولا نقف كثيراً عند لفظ الولي، وأحسن تعريف هو ما ذكره الله في قوله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.
الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] فهذا تعريف الأولياء في الكتاب والسنة.
ولـ ابن تيمية كتاب اسمه (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) عرف الأولياء، وقال: ليس لهم لباس ولا رداء خاص، ولا مراسيم ولا طقوس خاصة، وإنما قد يوجد الولي مع الفلاحين فهو فلاح، ومع التجار ومع الجند، ومع الحرس، ومع الطلاب، ومع الحكام، ومع المسئولين، بل هو موجود في كل طبقات الناس، الذي يؤمن بالله ثم يتقي الله .
стр. 8524
في فقه النوافل
стр. 8525
الفرائض قبل النوافل
فيقول ﵊: قال الله ﵎: ﴿من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضته عليه﴾ من الخطأ وقلة الفقه أن يُهتم بالنوافل أكثر من الفرائض، ولذلك تجد بعض الناس يهتم بقيام الليل ويخشع فيه أكثر من اهتمامه وخشوعه في صلاة الفجر، ويهتم بصلاة الضحى أكثر من صلاة الظهر، ويهتم بنوافل الصيام أكثر من صيام رمضان، وهذا من قلة الفقه، ونحن لا نقول بألا يكثر المسلمون من النوافل، لا بل الكثرة مع الجودة بلاغ وتمام كمال وجمال، بل المطلوب الجودة والحسن، ولذلك يقص ابن الجوزي في كتاب (تلبيس إبليس) أن كثيراً من غلاة الصوفية كانوا يصلون في النهار أربعمائة ركعة، فإذا أتت صلاة الظهر صلوا وهم في نعاس ونوم، لأنهم فتروا بعد صلاتهم أربعمائة ركعة من الضحى، وهو عمل شاق في هذه الصلاة حتى صلاة الظهر، فإذا دخلت عليه الفريضة إذا به قد تعب وكلَّ وملَّ، وهذه الفريضة هي التي خاطب الله بها الناس، ونادى إليها، ومدحهم بالخشوع والخضوع فيها، وصح عنه ﷺ أنه قال لـ أبي هريرة: ﴿أدِّ الفرائض تكن أعبد الناس وفي لفظ: اتق المحارم تكن أعبد الناس﴾ وكلا اللفظين صحيح موجه، ومعناهما مقبول عند أهل السنة والجماعة.
قوله: ﴿ولا يزال عبدي يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به﴾.
стр. 8526
أفضل النوافل
أما النوافل: فهي ما سوى الفرائض، فللصلاة وللصيام وللزكاة وللحج نوافل، والذي أريد أن أتحدث عنه في هذا اللقاء نوافل الصلاة، لنكون على بينة.
ولنعرف ما هي النوافل التي كان يصليها النبي ﷺ ؟
ثم ما هي الأحاديث والنوافل التي لم يصح فيها حديث أو حديثها ضعيف، أو أبطل أهل العلم العمل بتلك الأحاديث؟
أولاً: يدور حول هذه المسألة اثنان وثلاثون حديثاً، هي بين صحيح وحسن، أما الأحاديث الضعيفة فهي تربو عن السبعين، ونذكر بعض هذه الأحاديث:
﴿يقول ربيعة بن مالك الأسلمي: وفدت على رسول الله ﷺ -وهذه القصة في مسند أحمد وأصل الحديث في صحيح مسلم، لأن البخاري ومسلم، يأخذون أصل الحديث والرواية، والإمام أحمد يفصل فيورد القصة، وقد يفعله البخاري - قال: فلما انتهينا إليه ﷺ ، قال: ألكم حاجة؟ قال: فأما إخواني فقد سألوا رسول الله حوائجهم فقضاها -كانت حوائجهم في الدنيا، طلبوا لباساً وطعاماً، وطلبوا أموراً أخرى- قال: وأنت؟ قلت: أريد أن تناجيني يا رسول الله -يعني تسرني بالكلام- قال: خلوت به ﵊، فقال: ألك حاجة؟ قلت: نعم يا رسول الله! قال: وما هي؟ قلت: أريد مرافقتك في الجنة -هذه أعظم حاجة في تاريخ الإنسان، ولم يسمع الإنسان بمثل هذه الحاجة، ومن لم تكن هذه حاجته فليست له حاجة، وليس لله فيه حاجة- قال: مرافقتك في الجنة يا رسول الله! قال: أوغير ذلك؟ -يريد أن يرى ﵊ هل هو عازم ومصمم على هذا الطريق- قال: لا والله يا رسول الله! قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود﴾ وهذه رواية مسلم، وعنده من حديث ثوبان: ﴿فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة﴾ فكان هذا الصحابي العظيم لا يركب ناقته إلا متوضئاً فإذا نزل من ظهر ناقته صلى ركعتين، فلما سئل عن ذلك قال: ﴿إن رسول الله ﷺ قال لي: أعني على نفسك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة﴾.
وكثير من أهل العلم من المحدثين والفقهاء يقولون: إن أفضل النوافل هي الصلاة، وهذا سؤال يطرح: ما هي أفضل النوافل عند أهل السنة والجماعة؟ هل هي نافلة الجهاد، أم الصيام أم نوافل الصدقة أم نوافل الذكر أم غيرها؟
اختلف أهل العلم في ذلك: ذهبت طائفة إلى أن أفضل النوافل هي الجهاد، واستدلوا بحديث ابن عباس: ﴿إلا رجلاً خرج بماله ونفسه ثم لم يرجع منهما بشيء﴾ في العشر من ذي الحجة، فقالوا: الجهاد أفضل نافلة.
وقال قوم: الصيام أفضل عمل، واستدلوا بحديث أبي أمامة عند أحمد بسند جيد، قال: ﴿عليك بالصيام فإنه لا عدلَ له﴾ أي لا مثيل له.
وقال قوم: أفضل عمل: صلاة النافلة، واستدلوا على ذلك بقوله ﵊: ﴿اعملوا ولن تحصوا، واعلموا أن أفضل أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن﴾ والحديث صحيح، قالوا: فالصلاة هنا أفضل النوافل.
وقال قوم: بل أفضلها الذكر.
فما هو تحقيق المسألة إذاً؟
يرى ابن القيم ويستشف أن الله يفتح على بعض الناس ما لا يفتحه على البعض الآخر، وقد يفتح على أحد الناس في الصلاة ما لا يفتحه على من يصوم، ويفتح على الذاكر ما لا يفتح على المجاهد، قال: وأبواب الجنة ثمانية، ويدعى كل أهل عمل من باب ذلك العمل الذي عملوا به، فمن كان من أهل الجهاد دعى من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصلاة فمن باب الصلاة، ومن كان من أهل الصوم فمن باب الصوم، فهو يرى أن الله يفتح على بعض الناس، ولذلك تجد بعض الناس قد فتح الله عليه بالمال، فهو يتصدق ليلاً ونهاراً، سراً وعلانية، لا يفتر من الصدقة، فهذا من باب الصدقة، وبعضهم في الجهاد وحديثه في الجهاد وأشواقه في الجهاد، وبعضهم في الذكر جالساً وقائماً، فهو على ذكر دائماً.
ولكن ابن تيمية العالم العبقري العملاق، يرى غير ما يرى ابن القيم:
ففي المجلد العاشر من الفتاوى يُسأل عن هذا وكأن رأيه إن شاء الله هو الأقوم وهو المحقق.
يقول: شبه إجماع بين أهل العلم أن أفضل نافلة هي ذكر الله ، بل هي أفضل من نوافل الصيام ومن نوافل الجهاد، ومن نوافل الصدقة، واستدل على ذلك بأدلة منها:
قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَر﴾ [العنكبوت:٤٥] وقال: هذه قد أخطأ فيها طائفة من المفسرين، لأن للصلاة فائدتين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥] والفائدتان هما:
- أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.
- وتعينك على ذكر الله.
قال: وإعانة الصلاة على ذكر الله أعظم من نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر، وهذا رأي سديد، يقول: ولم أجد من المفسرين أحداً يقول هذا الكلام، فـ ابن تيمية يقول هذا بعد أن قرأ أربعمائة تفسير، فلم يجد هذا الكلام في أحدها لأنه كان قبل أن يقرأ المصحف يستغفر الله أكثر من ألف مرة، ثم يسأل الله الفتح فيفتح الله عليه ما لا يخطر بالخيال ولا يدور بالبال، فيأتي بهذا الفهم، إذاً فهو يقول: نوافل الذكر أو المداومة على الذكر شبه إجماع بين أهل العلم أنها أفضل عمل.
стр. 8527
السنن الرواتب
﴿يقول ابن عمر ﵁ وعن أبيه: حفظت من رسول الله عليه وسلم عشر ركعات﴾ الصحابة حياتهم خصصوها للحفظ من الرسول والتلقي منه ﵊، بل كان الواحد منهم لا يعيش مع الرسول ﵊ إلا ساعة واحدة قبل الوفاة، أو رآه في غزوة، أو رآه في سفر أو مر به الرسول ﵊ في قريته أو في باديته، ففي هذه الساعة حاول أن يحفظ شيئاً ولو حركة ليبلغها إلى الأمة، والذي نقل عنه من الحديث ﷺ مائة وأربعة وعشرين ألف حديث، نقل إلينا كل واحد منهم جزءاً، حتى إن الواحد منهم، رأى الرسول ﷺ ، قال: ﴿رأيته وفي يده خاتم أبيض﴾ فنقل إلينا بالسند، حدثنا فلان عن فلان عن فلان إلى الصحابي أنه رأى في يده ﷺ خاتماً.
ويأتي أحدهم ويقول:
﴿رأيت رسول لله ﷺ وفي لحيته شعرات بيض﴾ وهو شاب كانت في لحيته شعرات بيض، وقال أحدهم: ﴿رأيت رسول الله ﷺ وقد وضع يده على عمامته هكذا﴾ هكذا نقلت إلينا، ولذلك يقول جولد زيهر المجري المستشرق: يكفي المسلمين معجزة هذا الحديث، أن يقدموه للبشرية لتدخل في الإسلام، يكفي الحديث النبوي هذا أن يقدم معجزة للناس ليدخلوا في دين الله زرافات ووحداناً، لأننا نقول الآن لليهود: ائتوا لنا بحديث واحد أو بقصة أو بكلمة أو بموقف لموسى ﵇ بالسند، أعطونا عن فلان عن فلان، وعن فلان، أعطونا عن إسحاق رابين وعن ريجن وعن فلان، حتى تصلوا إلى موسى ﵇، فلا يأتون ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.
بل علومهم ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.
ونقول للمسيحيين: أعطونا عن عيسى ﵇ فلا يأتون عنه بشيء، أما نحن فإن الإنسان إذا تحدث منا يوم الجمعة وأتى بحديث فللمصلين أن يحبسوه عند درجات المنبر ويقولون من أين هذا الحديث؟ ومن أين نقلته؟ وفي أي كتاب؟ ومن رواه ومن خرجه وما درجته؟ وهذا حق شرعي لكل واحد منا أن يوقف الإمام أو العالم مهما بلغ علمه.
لأننا أمة حفظ الله وحيها من السماء قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] وحديث ابن عمر: ﴿حفظت من رسول الله ﷺ عشر ركعات﴾ في الصحيحين، وحديث الصحيحين يقول عنه ابن تيمية: إذا اتفق الشيخان على حديث، فيفيد جزماً أنه صحيح إلى رسول الله ﷺ ، وهذا غالب الظن، وربما أفاد القطع ﴿حفظت من رسول الله ﷺ عشر ركعات، ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر وفي لفظ للشيخين: في بيته -وزاد مسلم - وركعتان بعد الجمعة في بيته ﵊﴾ هذه عشر ركعات كان يحافظ عليها رسول الله ﷺ .
стр. 8528
فائدة النوافل وحكم تركها
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الثالث والعشرين من الفتاوى:
ما حكم من داوم على ترك السنن الرواتب؟
قال: فاسق ترد شهادته.
والنوافل هي عشر ركعات، وما فائدتها؟
قال أهل العلم: فائدة النوافل قبل الصلاة، أن تكون قدوماً على الله كالهدية بين يدي السلطان، ولله المثل الأعلى، فإنك إذا أردت أن تطلب من مسئول أو رئيس طلباً ما فإنك تحضر بعض الأشياء من الهدايا وغيرها، والذي لا يملك هدايا ينظم له قصيدة عصماء وهذا هو الممدوح بها، ويطريه ويثني عليه ثم يقدم طلبه كما يفعل العرب، يأتي أحدهم بمائة وخمسين بيتاً، ويجعل للممدوح بيتين في آخر القصيدة وأما مائة وثمانية وأربعون بيتاً فيصف بها ناقته، ويصف المشارب والأرض التي مر بها، ثم يمدحه وفي الأخير يقول: أعطني.
فلله المثل الأعلى فإنك حين تدخل عليه، لا بد أن تصلي له ركعتين أو أربعاً، لتدخل عليه .
وقال بعضهم: لا.
بل جعل الله السنن الرواتب ليجبر عمل العبد يوم القيامة وقيل: في القبر، فإذا نقص عمله في الفريضة، قال الله : انظروا هل له من نافلة؟ فيُنظر فإن كان له من نافلة جبر الله كسره ونَقْصَ صلاته بتلك النافلة، فالله الله في النوافل.
قال: (ركعتان قبل الظهر) فهل سنة الظهر ركعتان قبلها، أم أربع؟ وكيف نجمع بين هذا الحديث وحديث أم حبيبة عند مسلم قالت: ﴿قال ﷺ : من صلى في يومه وليلته ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً في الجنة، ثم قالت وهي تحسب، أربع ركعات قبل الظهر﴾ وحديث عائشة عند الخمسة، والخمسة هم: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وأحمد، قالت: ﴿قال رسول الله ﷺ : من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع ركعات بعدها حرمه الله على النار﴾ فكيف يقول ابن عمر: ركعتان قبل الظهر، وأم حبيبة تقول: أربع قبل الظهر، وعائشة تقول: أربع، فتحقيق المسألة أن يقال:
الذي داوم عليه رسول الله ﷺ في حياته ركعتان، قبل الظهر، وربما نشط ﵊ فصلى أربع ركعات قبل الظهر، أما سنته الدائمة فإنه داوم على ركعتين.
فسنة الظهر ركعتان قبلها ولك أن تزيد، بل أكثر السنن التي يزاد فيها أربع ركعات قبل الظهر، لحديث أم حبيبة: ﴿ثنتي عشرة ركعة﴾ لأنها قالت: ﴿أربع قبل الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء وركعتان قبل الفجر﴾ وقالت عائشة: ﴿قال رسول الله ﷺ : من صلى أربع ركعات قبل الظهر وأربع ركعات بعدها حرمه الله على النار﴾.
إذاً فالذي داوم عليه ﷺ ركعتان قبل الظهر، وربما زاد ﵊، وأورد صاحب المنتقى، أبو البركات ابن تيمية، هذا جد شيخ الإسلام ابن تيمية، فـ ابن تيمية اسمه أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، فـ عبد السلام هذا هو صاحب المنتقى.
وأبو شيخ الإسلام كان عالماً، ولكن يقول الذهبي: جده كان قمراً، وأبوه كان نجماً، وابن تيمية شمس، فمحونا آية الليل وجعلنا آيه النهار مبصرة، فلذلك كانوا علماء.
داهية الدواهي والطامة الكبرى أنساهم جميعاً، فاقتضى أننا إذا أتينا نعرف الجد نقول: صاحب المنتقى أبو البركات، جد شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول جده: ثبت أن الرسول ﵊ دخل إلى المسجد في الظهر وصلى ولم يتنفل، شغل بعض الأوقات ﵊، فدخل وإذا الوقت قد حان، فقال لـ بلال: أقم وقام بلال فأقام الصلاة ودخل في الفريضة ﵊، وابن تيمية يرى أن من فاتته النافلة قبل صلاة الظهر فله أن يقضيها بعد صلاة الظهر، على قاعدة قضاء النوافل، وسوف نأتي بها إن شاء الله، لكن ابن القيم يقول في زاد المعاد: كان ﵊ يحافظ على أربعين ركعة، ليلاً ونهاراً، ومن داوم على قرع الباب أربعين مرة يوشك أن يفتح له، فالاستئذان ثلاث مرات، فإذا لم يفتح لك فعد، فكيف بك وأنت تقرع باب الواحد الأحد أربعين مرة.
والأربعون التي داوم عليها ﷺ : فالفرائض سبع عشرة ركعة، وغيرها العشر التي ذكرها ابن عمر من الرواتب، فمجموعها سبع وعشرون، وثلاث عشرة ركعة في صلاة الليل، ففي رواية أنها ثلاث عشرة ركعة، فهذه أربعون ركعة كان يصليها رسول الله ﷺ ، ولكن الركعة الواحدة تعادل آلاف الآلاف من ركعات كثير من الناس.
وأتى بعده ﷺ قوم غلو في العبادة فأسرفوا وأكثروا على أنفسهم، فكان يصلي الواحد منهم ثمانمائة ركعة.
ولذلك لامهم كثير من أهل العلم، وقالوا: أين سنة النبي ﷺ في الاقتصاد في العبادة وفي الحسن؟ ابن القيم يقول في مدارج السالكين -المسألة ليست كثرة-: وجرب على نفسك إذا صليت ركعتين، وأحضرت قلبك فيها وخشعت وخضعت، كيف أنها تكون شاقة عليك، لا تستطيع أن تأتي بركعتين بعدها، لكن إذا بقيت المسألة سجود وركوع وقيام بلا خشوع، وقلب الإنسان في السوق أو في الدكان أو في الفصل، فإنه يستطيع أن يأتي بمائة ركعة، فهي أبسط من الماء.
قال: وجرب إذا أخذت المصحف وقرأته وألزمت نفسك أن تتبع كل آية، وتتدبر ماذا يراد من مقاصدها، أو كما قال، كيف تكون عليك الختمة شاقة!! لا تختم القرآن إلا بكل كلفة! أما إذا بقي الإنسان يقرأ هذرمة فإنه يختم والحمد لله في أيام معدودة ويعود ليقرأ من جديد.
فالمسألة بالحسن والتدبر والتعقل والفقه في الدين، وكان ﵊ يصلي ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها، وربما قضى ﵊ النوافل التي تفوته.
والسؤال الذي نطرحه الآن: من فاتته نافلة الظهر حتى أتت صلاة العصر فهل له أن يصلي النافلة بعد صلاة العصر، مع أن بعد صلاة العصر إلى المغرب وقت نهي، والرسول ﵊ يقول: ﴿لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس﴾؟
والصحيح في هذه المسألة إن شاء الله أن من فاتته سنة الظهر أو بعض النوافل، فله أن يصليها بعد العصر، فإنها من ذوات الأسباب.
ثانياً: أن الرسول ﷺ قد قضى النافلة.
ثالثاً: أن من تعود على ترك النوافل، ربما خدشت فريضته، فكان عليه أن يقضي النافلة في هذا الوقت، وإنما نهى ﷺ عن تحري الصلاة وهذا ليس من التحري، لكن لا يداوم الإنسان على صلاة النافلة بعد العصر لكن يفعلها مرة.
وقد فاتت النافلة رسول الله ﷺ ، فصلى ركعتين بعد العصر، فسأله بعض الصحابة عن هاتين الركعتين، قال: ﴿شغلني وفد عبد القيس عن الركعتين بعد صلاة الظهر فقضيتهما الآن﴾ أو كما قال ﵊، فهذا الأمر وارد.
стр. 8529
فضيلة النافلة في البيت
وركعتان بعد صلاة الظهر، وربما صلى ﷺ أربع ركعات بعد صلاة الظهر، فهل هي في بيته أم لا؟
يقول ابن عمر: كانت في بيته، والسنة في صلاة النافلة أن تكون في البيت لبعض الأمور وهي:
يقول ﵊: وهذا لفظ مسلم، ﴿اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تجعلوها قبوراً﴾ وهذا من حديث جابر، وفي حديث عند مسلم ﴿فإن الله جاعل فيها خيراً﴾ أي: من صلاتكم.
إذا علم هذا فإن كانت المصلحة أن تصلي في بيتك السنة، فهو أفرغ لقلبك وتطبيق للسنة فافعل، وإذا كنت إماماً يقتدي بك الناس فإذا انصرفت إلى بيتك ولم يحملوا أنك سوف تتنفل في بيتك، فخرجوا من المسجد وقالوا: الحمد لله ليس علينا نافلة ما دام أن الإمام لم يصل، والله نسخ السنة، فهذا ليس بصحيح وليس بوارد.
ولذلك يقول الشافعي: أستحب النوافل في المسجد من أجل الناس، فإذا كان هذا فصلِّ في المسجد ليراك الناس، وليس هذا من الرياء ولكنه من الدعوة إلى الخير.
فهذه السنة التي كان يصليها الرسول ﷺ في بيته، لكن الإمام أحمد سئل عن سنة المغرب، هل تكون في المسجد؟
قال: لا أظن أنها تجزئ في المسجد، وشدد فيها كثيراً، وقال: السنة أن يسن المغرب في البيت، فأما المغرب فهي من أكثر السنن التي أتت فيها النصوص أن تصلى في البيت، وأما غيرها فلك أن تصلي في المسجد، وافعل الأروح لقلبك والأخشع لك، فإن بعض الناس قد يخشع في المسجد أكثر من بيته فليفعل الأخشع له.
стр. 8530
حكم سنة العصر والمغرب القبلية، وبعدية المغرب والعشاء
وأما سنة العصر، فذكر أبو داود، والترمذي، والإمام أحمد، وابن ماجة عن ابن عمر ﵄، قال: ﴿قال رسول الله ﷺ : رحم الله من صلى أربع ركعات قبل العصر﴾.
وهذا الحديث تكلم فيه أهل العلم وقالوا: فيه محمد بن مهران وهو ضعيف لا تقوم به الحجة، ودفع هذا الحديث ابن تيمية دفعاً عجيباً، وقال: لا يصح، وقال: هو من فعل علي وأيده ابن القيم على هذا، ولكن الأستاذ الشيخ الألباني صحح هذا الحديث، وهو حجة في تصحيحه إلا في بعض الأمور التي خالف بها أهل العلم وجل من لا يخطئ، لكنه محدث، وبعد أن عُلم ذلك فمن صلى لقصد أن تصيبه الدعوة هذه فهو مأجور مشكور، ويكتب الله له الأجر ولو لم يرد فيها حديث لدخل في العموم ﴿إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة﴾ و ﴿أعني على نفسك بكثرة السجود﴾ لكن أن تكون سنة راتبة فليست بسنة راتبة قبل العصر.
أما المغرب، فعن عبد الله بن مغفل المزني، قال: ﴿قال رسول الله ﷺ : صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، ثم قال في الثالثة: لمن شاء﴾ كراهية أن يتخذها الناس سنة، فأما قبل المغرب قد سُئل الحسن البصري عن ركعتين قبل المغرب، فقال: حسنتين لمن أراد الله بهما، وقال سلمة بن الأكوع لما صلى عند المصاحف في مسجد الرسول ﷺ : كان ﵊ يتوخى هذا المكان قبل صلاة المغرب فيصلي فيه.
إذاً المغرب ورد فيها حديث ولكنها ليست بسنة راتبة، لأن ابن مغفل من الصحابة الذين يعرفون مدلولات الحديث يقول: يقول ﷺ في الثالثة: لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة، ولو سكت ﵊ لداوم عليها الناس فصارت سنه.
والعجيب كثرة التحفظ في النوافل، حتى يقول: نخاف أن تكون سنة، وبعض الناس يقول: لماذا لا يترك الرسول ﷺ الباب مفتوحاً، حتى يتنفل الناس ويكثروا؟ نقول: لا ليبقى الدين توقيفياً وليبقى على الوحي، وليبقى على التشريع لا على التبديع! لأنه لو فتح الباب لصلى الناس قبل المغرب وبعده، وبعد العصر، وبعد الفجر وفي كل وقت، وقالوا: لا نتقيد ما دام قال ﵊: ﴿إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة﴾ فعلينا أن نصلي في كل وقت، فأوصد ﷺ هذا الباب، ثم قال ابن تيمية، في سبب آخر: ولتبقى بعض الأوقات مريحة للعبد، ليرتاح فيها ويهدأ لئلا يسأم ويمل من العبادة.
لأنك إذا صليت الفجر فإنك تنتظر الظهر، فتبقى في عملك حتى يأتي الظهر، ثم العصر، ثم المغرب وهكذا.
بعد المغرب فقد ورد أنه كان يصلي ركعتين بعد المغرب في بيته ﵊، وكان يقرأ فيهما: قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد، ,وأمَّا بَعْد العشاء فركعتان، وورد أربع، وورد ست ولك أن تصلي ركعتين أو أربعاً أو ستاً، فقد صحت بذلك الأحاديث، والغالب ركعتان.
стр. 8531
نوافل غير متعلقة بالفرائض
стр. 8532
سنة الوضوء
من توضأ في أي وقت، فهل له أن يصلي ركعتين؟
الجواب
يقول شيخ الإسلام: لمن توضأ بعد الفجر أو بعد العصر أن يصلي ركعتين، والدليل على ذلك حديث معاذ ولفظه عند الترمذي يقول ﷺ : ﴿دخلت الجنة، فسمعت دفي نعلك يا بلال! في الجنة، ورأيت قصراً أبيض، قلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من العرب، قال رسول الله ﷺ : أنا من العرب، قالوا: من قريش، قال ﷺ : أنا من قريش، قالوا: لـ عمر بن الخطاب فقال -في الصحيح- فأردت أن أدخله فذكرت غيرتك يا عمر! فدمعت عينا عمر ﵁، وقال: أمنك أغار يا رسول الله!!﴾ قال الترمذي: حديث صحيح، والحديث في البخاري ومسلم، ولكن تصحيح الترمذي يستأنس به في هذه القصة الطويلة، وإنما قال ﷺ لـ بلال: ﴿فما الذي أدخلك الجنة؟ قال: يا رسول الله! والله ما توضأت وضوءاً في ساعة من ليل أو نهار، إلا صليت ركعتين﴾ فمن توضأ فله أن يصلي ركعتين في أي ساعة.
стр. 8533
ركعتا التوبة
إذا أذنب العبد فنظر إلى منظر لا يحل له، أو تكلم بغيبة، أو أتى بفحش من القول، أو عصى الله بمعصية.
إن مخرجه التوبة والاستغفار، لكن هناك حديث: ﴿أن عليه أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويستغفر الله، فإن الله سيغفر له ذلك﴾ وهذا الحديث في مسند أحمد بسند صحيح.
قال علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه: كان الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ إذا حدثني حديثاً استحلفته، فإذا حلف صدقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر، لا أستحلف أبا بكر.
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿ما من عبد يذنب فيتوضأ ويصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر الله له ذلك الذنب﴾ ثم قرأ ﵁ وأرضاه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ.
أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٦].
فعلم من هذا الحديث أن للتوبة صلاة، فمن أذنب ذنباً فليتوضأ وليصلِّ ركعتين، وليستغفر الله على ذلك الذنب علَّ الله أن يغفر له ويتوب عليه.
стр. 8534
صلاة التسابيح
وهناك صلاة التسابيح ولكن ما هو موقف أهل السنة، أو المحدثين من هذه الصلاة؟
ورد عند الترمذي وعند غيره من المحدثين: أن الرسول ﵊ قال لعمه العباس بن عبد المطلب: ﴿يا عم! ألا أحبوك، ألا أمنحك، ألا أعطيك -أحبوك: أهدي لك، وأمنحك: أبذل لك- قال: بلى.
يا رسول الله! قال: إذا أردت فتوضأ وصل ركعتين -ثم وصف له ﷺ التسبيحات- قال: بعد أن تكبر تكبيرة الإحرام، قل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله خمس عشرة مرة، وقل بعد أن تركع خمس عشرة مرة، وبعد أن ترفع خمس عشرة مرة -في كل انتقال خمس عشرة مرة من هذا الذكر ففي الركعة خمسة وسبعون تكبيرة وتهليلة وتحميدة.
في الصلاة ثلاثمائة من هذه الكلمات الطيبات- افعل ذلك في عمرك مرة أو قال: في اليوم مرة، أو في الأسبوع مرة، أو في الشهر مرة أو في العام مرة، فإن لم تستطع، ففي العمر مرة، يغفر الله لك ذنبك﴾ وقد ألف ابن ناصر الدين وهو محدث في القرن السابع رسالة اسمها (الترجيح في صلاة التسابيح) وأتى بهذا الحديث وقال المحقق:
انقسم أهل العلم إلى أربعة أقسام في هذا الحديث: قسم صححوه، وهذا موجود، وقسم حسنوه، وقسم ضعفوه، وقسم قالوا بوضعه.
فأما ابن تيمية فقال في سند الحديث ظلمات بعضها فوق بعض، وتبعه في ذلك أئمة كبار، وحسنه بعضهم وضعفه الآخرون، وصححه البعض الثالث، والصحيح أن هذا الحديث ليس بصحيح.
وليتنا نقوم بما صح عنه ﷺ حتى نأتي لهذا الحديث، وذلك لثلاثة أمور:
أولاً: في سنده رجال تُكُلِّم فيهم.
ثانياً: كيف لا تشتهر السنة، بين الناس وتنشر بين الملأ، ويتناقلها الجيل بعد الجيل، وهي مما تتوفر الهمم والدواعي على نقلها.
ثالثاً: إن في الأحاديث الصحيحة غنى عن الأحاديث الضعيفة على فرض أنه ضعيف فكيف إذا كان موضوعاً، ففي الحديث الصحيح غنية، وهل قمنا بالأحاديث الصحيحة التي قام بها النبي ﷺ كصلاة الليل، وكركعتي الضحى، والنوافل التي سنها ﷺ !! فكيف نذهب إلى هذا؟ وما أظنه إلا عند خواص الناس، فهذه تسمى صلاة التسابيح وليعلم أن الحديث لا يصح فيها بحال، فلا تفعل، وليكتف العبد بما صح.
стр. 8535
قاعدة الإمام أحمد في الحديث الضعيف
وعلى سبيل الفائدة فهناك كلمة تقال من كثير من المحدثين وقد قيلت في مناسبات: أن الحديث الضعيف إذا كان في الفضائل، قالوا: نتساهل فيه، وهذه كلمة منقولة عن الإمام أحمد، يقول: إذا جاء الحديث في الحلال والحرام تشددنا، وإذا جاء الحديث في الترغيب والترهيب والفضائل تساهلنا، فما معنى هذا الكلام؟ يشرحه ابن تيمية، يقول: ليس المعنى أننا نقول في الفضائل والترغيب والترهيب هذه سنة، فنسنن للناس بأحاديث ضعيفة، فلا يقوم بالحديث الضعيف مستحب ولا سنة، فهذه القاعدة شريفة ومن أعظم قواعد مصطلح الحديث.
ومعنى ذلك أن نقول: إن الحديث إذا كان في فضائل الأعمال، إن عمل به لا على أنه سنة؛ وله أصلٌ من أصول الدين الصحيحة يندرج تحتها فيدخل فيها، مثال ذلك:
في الكلم الطيب ذكر حديثاً، يقول ﷺ فيه: ﴿من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتبت له: ألف ألف حسنة، ومحيت عنه: ألف ألف سيئة﴾ هذا حديث ضعيف، والمخرج أن نقول: إذا كان الحديث ضعيفاً، فلا يكون العمل به مسنوناً، ولا يكون من السنة أن إذا دخلت السوق أن تقول: لا إله إلا الله الدعاء.
فليس هذا من المستحب، لكن يقال: إن من فضائل الأعمال إذا دخلت السوق لتؤجر، أن تقول: لا إله إلا الله الدعاء، وذلك لأن قواعد الدين وأصوله تحبذ الذكر، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] وقال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
فإذا دخلت السوق فقل: لا إله إلا الله واطمع في أجر الله ليكتب لك ألف ألف حسنة، ويمحو عنك ألف ألف سيئة، لا لأنه سنة، أو مستحب، لأن السنة لا بد أن يكون فيها حديث صحيح أو حسن.
стр. 8536
أنواع السنن
السنة الراتبة: هي المرتبة التي تفعل وقتياً وزمنياً، بالترتيب أو بالمداومة، فهذه تسمى راتبة لأنها مرتبة.
وأما السنن الطارئة التي كان يفعلها الرسول ﷺ ، فمنها سنن كمالية ومنها سنن ناقصة:
السنن الكمالية: كسنَّة ركعتي الاستخارة.
وسميت كمالية؛ لأن فيها ركوعاً وسجوداً وقراءةً وذكراً، وأما السنن الناقصة: فكسجود التلاوة وسجود الشكر، فهذه سنن ناقصة، لأنه ليس فيها قراءة ولا ركوع، وإنما هي سجود فحسب.
وفي صحيح البخاري في كتاب الذكر: ﴿أن الرسول ﷺ كان يعلم الصحابة دعاء الاستخارة كما يعلمهم السورة من القرآن، وقال إذا عزم أحدكم على أمر إلخ ثم علمهم الدعاء: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب ثم يذكر حاجته إلى آخر الحديث﴾ فيحفظ هذا الحديث ويعمل به متى ما اشتبه على المرء أمران كلاهما حسن، أما أن يشتبه أمر محرم وأمر واجب ويقول: لا أدري.
أستخير الله ، هل أصلي العشاء في البيت أو أصلي في المسجد؟ هذا الأمر ظاهر لا يحتاج إلى استخارة، أو يقول: أستخير الله هل أحضر مجلس الذكر أو أبقى في بيتي؟ أو أستخير الله هل أصلي الفجر أو أنام حتى طلوع الشمس؟ لا.
لا خيرة بين عمل واجب وعمل محرم.
وكذلك لا خيرة بين عمل فاضل وعمل مفضول، كأن تستخير الله في أن تقرأ القرآن!! أو أن تجلس مع أناس يتحدثون في حديث عام!! لا.
بل اقرأ القرآن.
إذاً فالاستخارة تأتي في عمل اشتبه فلا تدري ما الأصوب فيه، مثل أن تذهب لحج النافلة أو تذهب إلى الجهاد مثلاً!! وأنت لا تدري؛ هل الخيرة في هذا أو هذا؟ ومثل أن تدرس في هذا القسم أو في هذا القسم، ومثل أن تقرأ في هذا الكتاب أو في هذا الكتاب، فتستخير الله ، فالاستخارة هذا بابها، مثلاً: اضطربت في أمر أو أتاك ارتباك في بعض الأحوال فعليك أن تستخير الله ، والاستخارة تأتي بعد السلام من التشهد أو بعد التشهد وقبل السلام وقيل في السجود، والأفضل أن تأتي بعد التحية إذا صليت وتشهدت، فتأتي بدعاء الاستخارة، ثم ما توجه قلبك إليه فافعله.
وبعض الناس يشتكي ويقول: أنا أستخير الله ولا يظهر لي شيء!!
الجواب
استخر الله واستشر الناس، لأنه ما ندم من استخار الله وشاور المخلوقين، فإذا استخرت الله فافعل الأمر الذي أنت تفعله، فهو الذي اختاره الله لك ولو لم يظهر لك شيء؛ لأن هذا هو القدر والقضاء في الأفعال، والله إذا علم أنك استخرته سوف يصوبك ولو لم يظهر لك رجحان، والعمل الذي فعلته هو الذي أراده الله -إن شاء الله- هذا هو الذي يظهر من هذه النصوص.
стр. 8537
صلاة الوتر وأهميتها
ومسألة الوتر قد مرت فيها مسألة، وهناك أمور يحسن أن نذكر بها لبعض النصوص التي وردت؛ لأنها في صلاة التطوع، الرسول ﷺ يقول: ﴿أوتروا يا أهل القرآن﴾ ويقول ﵊: ﴿لا وتران في ليلة﴾ ويقول: ﴿صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بركعة﴾ إذا علم هذا فلك أن تصلي الوتر بعد العشاء مباشرة.
والدليل على ذلك ما أورد ابن حزم في المحلى أن بعض الصحابة كانوا يصلونه بعد العشاء منهم معاوية روي أنه صلى ركعة بعد العشاء، وسئل ابن عباس عنه فقال: إنه فقيه.
ولك أن تصليها قبل النوم إذا خشيت ألا تقوم من الليل، ودليلها ما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: ﴿أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لا أدعهن حتى أموت: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام﴾ ولك أن تصليها في الليل، في جوفه أو آخره، وهذا أجملها وأحسنها، وهو وقت نزول الله إلى السماء الدنيا، فينادي هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيبه؟
وأقل الوتر ركعة، ولا حد لأكثره، وكره بعض أهل العلم الوتر بركعة، وقالوا: لا بد أن يكون قبلها ركعات، ولكن الأولى أن يكون قبلها أربع ركعات، أو ست ثم تأتي بركعة، أما أن يصلي الإنسان العشاء ثم يصلي ركعة، فهذا خلاف الأولى، وإن فعله بعض الصحابة فهو لبيان الجواز.
وفرق بين الأولى وبين بيان الجواز: فبيان الجواز أن يأتي إلى أمر يُفعل مرة كما يفعله ﷺ فيبين أنه جائز، والأولى الذي داوم عليه ﷺ ، إذاً فالأحسن أن تصلي ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، أو أكثر.
стр. 8538
قضاء الوتر
ومن فاته الوتر فليقضه من النهار، يقول عمر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿من فاته حزبه أو شيء من حزبه من الليل فصلاه من بعد طلوع الشمس إلى صلاة الظهر كتب الله له كأنما صلاه من الليل﴾.
فإذا فاتك وردك من قراءة القرآن في الليل أو ذكر أو صلاة فافعله من بعد طلوع الشمس إلى وقت صلاة الظهر.
وأما قضاء الوتر: عند الخمسة: أن الرسول ﷺ أمر بقضاء الوتر على حالته، فقال: ﴿من لم يصله في الليل فليصله في النهار﴾.
ولكن في صحيح مسلم عن عائشة قالت: ﴿كان ﷺ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، فإذا نام من سفر أو مرض صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة﴾ فكيف نجمع بين الحديثين؟
هناك حديث يأمر بأن نصلي الوتر على هيئته، فإن كان يصلي ثلاث ركعات ونام فيصلي في النهار ثلاث ركعات أو خمس، وحديث عائشة يقول: ﴿كان رسول الله ﷺ يصليها شفعاً﴾ كان وتره إحدى عشرة ركعة، فيصليها ثنتى عشرة ركعة، فما المخرج من هذا.
تحقيق المسألة -إن شاء الله-: أن من فاته وتره فعليه أن يصليه شفعاً في النهار، ولا يصليه وتراً لثلاثة أمور:
أولها: أن الحديث الذي يقول بقضائه وتراً عند الخمسة لا يبلغ صحة الحديث الذي رواه مسلم عن عائشة.
ثانيها: أن الرسول ﷺ قال: ﴿لا وتران في ليلة﴾ لكي لا يجتمع وتران في ليلة واحدة، وكذلك وتر اليوم صلاة المغرب، فإذا أوترت أنت ضحى فقد أوترت في اليوم وترين، لأن صلاة المغرب وتر النهار.
ثالثها: لفعله ﵊، وصرحت به عائشة، فكان يصلي ثنتي عشرة ركعة، إذاً من فاته وتره فليقضه في النهار، ولو لم يتذكر الوتر إلا بعد شهر فلك أن توتر.
الليلة عند العرب إذا أطلقت، فهي من غروب الشمس إلى الصباح، أي: إلى صلاة الفجر أو إلى طلوع الصبح، هذه هي الليلة ﴿لا وتران في ليلية﴾ هذا هو اللفظ الصحيح، وإنما اختلف أهل العلم في قوله ﷺ : ﴿صلاة الليل مثنى مثنى﴾ واختلفوا في لفظ: ﴿صلاة النهار مثنى مثنى﴾ هل هو صحيح أم لا؟
ادعى ابن حبان والحاكم وابن سيرين، وغيرهم من أهل العلم أنها صحيحة، وقال غيرهم: لا يصح هذا اللفظ وهو شاذ.
قال الخطابي في سنن أبي داود: وهي زيادة ثقة فتقبل، إذا علم هذا فإن صلاة النهار مثنى مثنى، ولكن تبقى مثنى مثنى، ولا يوتر لها، فوترها صلاة المغرب، وأما صلاة الليل مثنى مثنى، وزيادة إذا خشيت الصبح فأوتر بركعة، ولم يقل إذا خشيت الظهر أو العصر.
стр. 8539
الأسئلة
стр. 8540
حكم صلاة الوتر
السؤال
هل كان النبي ﷺ يترك الوتر أحياناً؟
الجواب
لم يترك النبي ﷺ الوتر حضراً ولا سفراً، بل كان يوتر على راحلته ﵊، وإنما اختلف أهل العلم هل ترك ﷺ الوتر ليلة المزدلفة، لما نام ﵊ في المزدلفة بعد عرفة؟ والصحيح أنه ترك الوتر تلك الليلة.
وذلك أنه قبل العشاء صلى ركعتين ثم نام ولم يقم إلا في صلاة الفجر، فأما في السفر، يقول ابن القيم: ما تركه ﷺ حضراً ولا سفراً، فكان يقصر الصلاة ﷺ ركعتين ركعتين، وكان يترك النوافل العشر التي ذكرنا، لكن في الليل كان يقوم فيصلي ﷺ ، وربما صلى على الراحلة تتجه به في أي اتجاه، ولو كان مستدبراً القبلة، فعلى المسلم ألا يترك الوتر في السفر، فإنه ما تركه ﵊، ولذلك أوجبه الأحناف والصحيح أنه ليس بواجب، ولو كان واجباً لعد مع الصلوات الخمس، والأعرابي الذي أتى من نجد وسأل الرسول ﵊ عن الصلوات: ﴿قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا.
إلا أن تطوع﴾ ولو كان غيرها واجباً لذكره، فلا يترك الوتر حضراً ولا سفراً.
стр. 8541
حكم صلاة الوتر بعد أذان الفجر
السؤال
هل يجوز الوتر بعد أذان الفجر؟
الجواب
هذه المسألة بحثت، وأهل العلم فيها على قولين اثنين:
القول الأول: إنه ليس لك أن تصلى الوتر؛ لأنه إذا طلع الفجر فلا نافلة إلا ركعتي الفجر.
وتستقبل صلاة الفجر، ووقت الوتر قد انتهى في الليل، ثم استدلوا على ذلك بقوله ﷺ : إذا خشيت الصبح فأوتر بركعة، فأنت قد حل بك الصبح، فليس عليك وتر الآن إلا أن تقضيه في النهار.
والقول الثاني: عليك أن تصلي لأنه وقت، ولأنه قضاء، ولأنه من ذوات الأسباب وهذا الذي رجحه ابن تيمية فقال: ليس هناك مانع، وهذا يفعل في الندور، لكن من تعود يمنع منه، كإنسان يتعود دائماً كلما طلع الفجر وأذن يوتر يومياً فلا.
لكن نادراً في الأسبوع أو في الشهر مرة فيفعله، ولا شيء عليه.
стр. 8542
بيان وقت صيام الثلاث الأيام البيض
السؤال
ما هي الثلاث البيض؟
الجواب
الثلاثة الأيام في حديث أبي هريرة وحديث أبي الدرداء وحديث أبي ذر، ليست الأيام البيض، بل الرسول ﷺ أطلق القول فيها، ولذلك ذكر ابن حجر فيها أحد عشر قولاً لأهل العلم في الثلاثة الأيام البيض، منهم من قال هي في وسط الشهر، ومنهم من قال: في أول الشهر، ومنهم من قال: في آخر الشهر، ومنهم من قال: من كل عشرة أيام يوم، والصحيح أنها لا تتقيد ولو صمتها في أيام البيض لكان أفضل، ولو طرأ لك سفر أو عارض، أو أمر فلك أن تنثرها في أي وقت شئت.
стр. 8543
البدعة والتحذير منها
السؤال
ما حكم الزيادة في الدين من غير دليل؟
الجواب
إن الله لا يتعبد بالهوى أو بتشريع من أنفسنا، فإن الإسلام مبني على الاتباع لا على الابتداع، فما أتانا به النص نعمل به، وما لم يأتنا نتوقف فيه.
ولذلك يقول ﵊: ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد﴾ وقد جاء رجل عند سعيد بن المسيب -أحد العلماء التابعين- وإذا به يصلى قبل الفجر، فصلى ركعتين ثم سلم، ثم صلىْ ركعتين، ثم صلىَ ركعتين، فقال سعيد بن المسيب ﵀: [[والله إني أخشى أن يعذبك الله بالنار، فقال الرجل: يا سبحان الله! يعذبني الله على أني صليت له، قال: لا يعذبك الله لأنك تصلي له، ولكن يعذبك على البدعة]].
لأنه زاد صلاة ليست في وقتها، فلو كان الدين بالرأي لقلنا ماذا كان في صلاة التسابيح؟ فنحن نقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر، وكلها حسن، ولكن المسألة توقيفية، لا يتحرك الإنسان فيها خطوة، إلا بأمر من الله، وأمر من رسول الله ﷺ .
стр. 8544
حكم تحية المسجد
السؤال
هل للخطيب أن يصعد المنبر دون أن يصلي ركعتين؟
الجواب
إذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال.
تقول للناس مثلاً -وهذه أمثلة يضربها ابن تيمية - فنقول مثلاً: لو لم يخطب الخطيب الخطبة الثانية؟ فنقول: الخطبة الثانية سنة، فتقول أنت: يحتمل أنه سقط يوم الجمعة من المنبر، فهذا احتمال، لكن أين الدليل؟
أبو البركات جد ابن تيمية في المنتقى يقول: لما دخل الرسول ﷺ ، قال لـ بلال: أقم الصلاة فلم يصلِّ، وأتى بهذا السؤال، وقال أهل العلم: ربما صلى في بيته، فإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال، وليس هناك دليل في الاحتمال، فنبقى على الأصل.
стр. 8545
حكم الصلاة في أوقات الكراهة لغير سبب
السؤال
لماذا اعترض ابن المسيب على الرجل مع أنه قد يكون صلى لسبب؟
الجواب
لا.
لأن سعيد بن المسيب ﵀ لما صلى هذا الرجل لم يصلّ لسبب فقد صلى ثمان ركعات أو عشر ركعات ليست لأسباب، فالداخل يصلي ركعتين سببها تحية المسجد، لأن الرسول ﷺ يقول: ﴿من دخل المسجد فليصل ركعتين﴾ فعندك سبب ومعك حديث بيدك، ولك أن ترد على سعيد بن المسيب تقول: حديث أبي قتادة في الصحيحين كذا وكذا وتأتي به، لكن الرجل ليس عنده حديث، يصلي ثمان ركعات فيقول ابن المسيب: [[أخشى أن يعذبك الله في النار]] فما استطاع أن يأتي بدليل، قال: لا.
لا يعذبني الله في النار لأنني أعبده، ثم إن ابن حزم في المحلى يقول: من أتى المسجد في الفجر فليصل ركعتين تحية المسجد وركعتين سنة الصبح.
فرد عليه العلماء وقالوا: لا.
النوافل تتداخل، فالتحية تدخل في سنة الصبح.
следующие страницы →