← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.

стр. 8471

قصائد من تأليف الشيخ عائض السؤال نطلب من الشيخ أن يمتعنا بقصائده مثل التي قالها في سماحة الشيخ ابن باز أو التي قالها في فضيلة الشيخ ابن عثيمين، أو التي قالها في أمريكا أو عن المجاهد الكبير عبد رب الرسول سياف، فنترك الشيخ ليلقي ما عنده؟ الجواب قصيدة أمريكا قصيدتان، هزلية وجدية: أما الجدية: أمريكا التي رأيت: يا أمة ضرب الزمان بها جموح المستحيل وتوقف التاريخ في خطواتها قبل الرحيل سكبت لحون المجد في أذن المجرة والأصيل وسقت شفاه الوالهين سلافة من سلسبيل هذه الأمة الإسلامية أجدادكم يعني: يا أمة ضرب الزمان بها جموح الكبرياء رأس الدعي على التراب ورأس عزمك في السماء لو كان مهرك يا مليحة من براكين الدماء لهفا إليك اللامعون وفر منك الأدعياء يا أمة كم علقوا بكيانها خيط الخيال وهي البريئة خدرها فيض عميم من جلال شاهت وجوه الحاقدين بكف خسف من رمال موتاً أتاتورك الدعي كموت تيتو أو جمال يا أمة في عمرها لم تحي إلا بالجهاد كفرت بمجلس أمن من نصب المنايا للعباد القاتلو الإنسان خابوا ما لهم إلا الرماد جثث البرايا منهم في كل رابية وواد ما زرت أمريكا فليـ ست في الورى أهل المزار بل جئت أنظر كيف ند خل بالكتائب والشعار لنحرر الإنسان من رق المذلة والصغار وقرارنا فتح مجيد نحن أصحاب القرار ورأيت أمريكا التي نسجوا لها أغلى وسام قد زادني مرأى الضلا ل هوىً إلى البيت الحرام وتطاولت تلك السنون فصار يومي مثل عام ما أرضهم أرض رأيت ولا غمامهم غمام أما الهزلية فاسمها: نشرة الأخبار: يقول عائض هو القرني أحمد ربي وهو لي ولي مصلياً على رسول الله مذكراً بالله كل لاهي قد جئت من أبها صباحاً باكراً مشاركاً لحفلكم وشاكراً وحملتنا في السما طيارة تطفح تارة وتهوي تارة قائدها أظنه أمريكي تراه في هيئته كالديك يا سائل الأخبار عن أمريكا اسمع رعاك الله من يفتيكا وهذه أخبار هذي النشرة مسافة السير ثلاث عشرة من الرياض عفشنا ربطنا وفي نيويورك ضحى هبطنا أنزلنا في سرعة وحطنا وقد قصدنا بعدها واشنطنا ثم ركبنا بعدها سيارة مستقبلين جهة السفارة منزلنا في القصر أعني ريديسون يا كم لقينا من قبيح وحسن في بلد أفكاره منكوسة تثقله بصائر مطموسة يقدسون الكلب والخنزيرا ويبصرون غيرهم حقيرا ما عرفوا الله بطرف ساعة وما أعدوا لقيام الساعة فهم قطيع كشويهات الغنم جد وهزل وضياع ونغم فواحش قد أظلمت منها السما والأرض منها أوشكت أن تقصما من دمر العمال في بولندا ومن أتى بالرق في يوغندا من دمر البيوت في نزاكي من ضرب اليونان بالأتراك من الذي ناصر إسرائيلا حتى تصب عنفها الوبيلا استيقظوا بالجد يوم نمنا وبلغوا الفضاء يوم قمنا منهم أخذنا العود والسيجارة وما عرفنا نصنع السيارة ثم أتينا لمباني الكونجرس ولم نجد مستقبلاً ولا حرس بها ملايين حوت من الكتب في كل فن إنه هو العجب ومعنا في ركبنا العجلان أكرم به مع العلا جذلان وصالح المنصور من بريدة يشبه سعداً وأبا عبيدة ومعنا عبد العزيز الغامدي ابن عزيز صاحب المحامد والشهم عبد القادر بن طاشي ذو القلم السيال في انتعاش فهو أبونا في مقام الترجمة لأننا صرنا صخوراً معجمة ثم هبطنا في مطار دنفرا جلودنا في البرد صارت كالفرا ثم دخلنا عند تكسس في دلس عند شباب كالنجوم في الغلس وهل أتاك إذ حضرنا الرابطة كم ضم من ساقطة ولاقطة من عالم وفاهم وشاعر وأحمق وناهب وقاصر وكل من يعمل للإسلام أخٌ ولا عبرة بالأسامي شعبهم لم يعبد الله الصمد ولم يردد قل هو الله أحد لن يعرف النصر ولا لن يعرفه اضحك له وغطه بالمنشفه أما قصيدة سياف فاسمها المدوية: سياف في ناظريك النصر يبتسم وفي محياك نور الحق مرتسم وفيك ثورة إسلام مقدسة بها جراح بني الإسلام تلتئم حطمت بالدم أصناماً محجلة وصافحت كفك العلياء وهي دم ثأرت لله والدين الحنيف فلم يقم لثأرك طاغوت ولا صنم على جبينك من سعد توقده وخالد في رُأَى عينيك يقتحم قامت عزائمك الكبرى لمعركة بها بني العرب ودوا أنهم عجم حلق إذا شئت فالأرواح طائرة فعن يمينك من عاهدت كلهم وصغ من المهج البيضاء ملحمة يظل يقرأها التاريخ والأمم موتاً على صهوات البيد يعشقه أهل البسالة في عليائهم شمم لا موت من تسكر اللذات فطنته حياته في الورى سيان والعدم سياف خذ من فؤادي كل قافية تجري إليك على شوق وتستلم قد صغتها أنت إسلاماً ومكرمة وفي سواك القوافي أشهر حرم منك المعاني ومني نسجها وأنا نظم وأنت على ألفاظها حكم أنفاسها منك إلا أنها مثلاً وروحها فيك إلا أنها كلم بها حياء إذا سارت لحضرتكم ماذا تقولوا ويكفي أنك العلم حب ولكن شعري لا يحيط به من ذا يبلغه عن خاطري لكم لمن تركت القصور الشم في دعة لمن تركت نعيماً كله ألم لمن تركت المقاصير التي رفعت لكل أرعن للذات يلتهم سواك يرشف كأس من سلافته وأنت ترشف كأساً ماؤه الكرم كادت معاليك أن ترويك معجزة لكن تواضعك الأسمى لها كتم كأنما أنت كررت الألى ذهبوا هذا صلاح ومحمود ومعتصم السائرون وعين الله ترقبهم الخائضون وبحر الهول مضطرم الواهبون نفوساً أفعمت ورعاً الشاربون رحيق الموت إن هجموا الساجدون ونار الحرب موقدة الذاكرون وزحف الهول محتدم أكفانهم نسجوها من دمائهم على مطارفها النصر الذي سلموا ماتوا ولكنهم أحياء في غرف من الجنان وذابوا لا فقد تلموا سارت إلى الحرب أرواح مكرمة لو لم تسر لسرت نار الفنا لهم لعل في الموت سراً كيف يعشقه جيل فكم شربوا منه وكم طعموا الميت الشهم يوصي الحي في لهف والحي يغبط موتاهم ويغتنم صاغوا الترانيم من صوت المدافع إذ سواهم يحتويه الناي والنغم فكل أصيد منهم هب منطلقاً كالنجم كم من شياطين به رجموا لو خاطب الموت فرداً واحداً وهم مليون شهم لأموا الموت واستهموا قنابل الموت صيغت من جماجمهم فالموت أصبح من غاراتهم يدم والطائرات على صيحاتهم سقطت صرعى وربانها فوق الربى سحموا يكبرون فتهتز الربى فرقا ويهتفون فيسعى النصر نحوهم من كل أطلس عزرائيل يشبهه في فيلق النصر لا يبكون ميتهم تلك المكارم لا دنيا مزخرفة قد مازج الماء منها الذل والندم يا رب أنت ولي المسلمين ومن سواك من هذه الأصنام ينتقم أنزل على جندك الأسمى ملائكة وراء جبريل روح القدس ينتقم ثبت قلوباً بك اللهم قد علقت ساروا إليك وماتوا فيك واعتصموا بيض الوجوه على الرمضاء قد سجدت إليك وحدك أنت المالك الحكم

стр. 8472

آخر قصيدة أنشدها الشيخ السؤال هناك طلب من الشيخ بأن يلقي آخر قصيدة أنشدها؟ الجواب لا أدري ما هي آخر قصيدة إلا مقطوعات: مقطوعة في جبيل وهي مقتبسة من مقتطفات قديمة: يا مجمع الخير حيوا لي محياه نداء حق من الفصحى سمعناه وفي جبيل لقاءات وأمنية مع الشباب الذي قد طاب مسعاه يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلاينا نسيناه ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه ونركب الجو في أمن وفي دعة فما سقطنا لأن الحافظ الله وأختتم بقولي: سلام الله أرفعه إليكم بأشواقي وحبي والتحية وأرفع من ربى أبها سلاماً إلى الأحساء في أحلى هدية ونادي الفتح أبلغه سلامي وشكري والوفاء بما لديه وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 8473

دور الأدب في معايشة النكبات إن الأدب في اللغة العربية هو البيان الساحر الذي يبين الحقائق والمستشكلات، وقد كان للأدب بين العرب مكانة ومنزلة، والإسلام أشاد بالشعر والبيان، فقد كان الرسول ﷺ يشجع شعراءه، فيذبون عن الإسلام، وكذلك أصحابُه مِن بعده، ومَن بعدهم. إن الأدب الذي يوافق المكارم ويصفها، ويمدح الكرم والجود، ويصف الشجاعة هو الأدب الباقي، والأدب الذي يتألم لما يحصل للمسلمين هو الأدب الرائع الجميل، فلابد أن نحييه وننشره ونحافظ على بلاغته وفصاحته.

стр. 8474

الكلمة ما لها وما عليها الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم. أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أمَّا بَعْد: فإن الكلمة تحكم الكون منذ البدء. فسِّر وجود الكون يكمن في كلمة، أليس الخالق ﵎ يقول لخلقه: (كن فيكون) وبالكلمة نحيا. أليست حياتنا سلسلة كلمات تحمل عقائد وشرائع وعهوداً ومواثيق وعقوداً وإجراءات وبالكلمة ندين؟ أليس مفتاح الإيمان كلمة أو عدداً من الكلمات؟ ألسنا نتعبد الله بكلمات؟ أليس نهاية المطاف كلمة أو عدداً من الكلمات؟ أوليس أنه قد تقتلنا كلمة واحدة، وترفعنا كلمة، وتخفضنا كلمة، وتبكينا كلمة، وترضينا كلمة، وتغضبنا كلمة؟ إذاً: فالكلمة سلطان لا ينازع في عالم البشر، فحين نفرح نخف إلى الكلمات نستسرها فرحتنا وبهجتنا وسرورنا، وحين تضيق علينا السبل ويتملكنا الكرب لا نجد إلا الكلمات، ننفس بها عن همومنا، ونفرج بها كربنا، فنجهر بالدعاء إلى الله القادر تارة، ونبث شكوانا للخلائق تارة أخرى، وكل ذلك بكلمات منثورة ومنظومة. والأدب أيها الأحبة في الله! هو الكلمة في أرقى صورها الجمالية، وهو الشعر، والقصة، والرواية، والخطبة، والخاطرة، والمقالة؛ فما موقع أرقى أشكال الكلمة من حياتنا؟ إن موقعها في الصميم، وأمة بلا أدبٍ أمة بلا حياة، أمة جافة خاوية، وأدبٌ لا يمثل أمة أدبٌ جاف خاوٍ. ودور الأدب في الحياة مما لا يجادل فيه، فإذا اشتدت الخطوب، وقطب الزمان حاجبيه، ففي الأدب ملجأ ومتسع، ونحن المسلمين نعتز دائماً بموقف الأدب من الرسالة الشريفة، حيث وقف الشعراء مع الرسول ﷺ في ضيقه، ونصروه وآزروه ونافحوا عنه بتشجيع منه عليه أفضل الصلاة والتسليم. ونحن نعتز كذلك بتراثنا الأدبي العظيم الذي نستجلي فيه وبه وقفات شرفية لأدبائنا وشعرائنا مع أمتهم، وقد ترك أُدباؤنا الأوائل نتاجاً عظيماً في صدر الإسلام وعهد الفتوحات، وتركوا لنا مثل ذلك بعد سقوط الأندلس، وخلال الحروب الصليبية، وفي هذا العصر وجد أدبٌ متميز واكب الأحداث العظام في الحربين العالميتين وفي فلسطين وأفغانستان وغيرهما، وكما نلمسه هذه الأيام مواكباً للأحداث المؤلمة الحاضرة. أيها الأحبة في الله: لتجلية أكثر لدور الأدب في معايشة النكبات، دعاكم النادي الأدبي في الرياض إلى هذه المحاضرة التي تسعدنا جميعاً أن يتحدث إلينا فيها مفكرٌ وأديب إسلامي هو الشيخ: عائض القرني.

стр. 8475

الأدب في غير موضعه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله القائل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٥]. والصلاة والسلام على من قال فيه ربه: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩] فهز بفصاحته البلغاء، وأسكت بمنطقه الشعراء، وأفحم ببيانه العرب العرباء، وعلى آله وأصحابه اللُّسَّن المفوَّهين، والكماة الباسلين. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وشكر الله لأهل الفضل فضلهم، وعلى رأسهم الأستاذ الجليل والأديب النبيل عبد الله بن إدريس رئيس النادي الأدبي في الرياض، أدام الله سعوده، وسدد جهوده، وقد دعاني لإلقاء هذه المحاضرة بعنوان: (دور الأدب في معايشة النكبات) وهي تحمل الرقم (٣٠٢) فلبيت دعوته، وأقول له كما قال أبو الطيب المتنبي لـ سيف الدولة: أتاني رسولك مستعجلاً فلباه شعري الذي أدخر ولو كان يوم وغىً قاتماً للبَّاه سيفي والأشقر أصرف نفسي كما أشتهي وأملكها والقنا أحمر أيها الحضور! الأدب كلمة مؤثرة حية تبعث في الشعوب الحياة، عاشها رسول الهدى ﷺ بنفسه متكلماً وسامعاً، وخطيباً وفقيهاً ومفتياً، وقبل أن أبدأ اسمحوا لي بكلماتٍ سطرتُها، ومعذرة إن ندَّ بيان أو اختل لفظ. سيدي علل الفؤاد العليلا أحيني قبل أن تراني قتيلا إن تكن عازماً على قتل روحي فترفق بها قليلاً قليلا الأدب الراقي سوف أذكره بعد هذه الأسطر؛ لكن أتحدث عن أدبٍ رخيص، وعن أدبٍ متبذل، وعن أدبٍ ليس مقصوداً في الإسلام. نعيش اليوم أدباً في مجموعة لا تحمل مبدأً، ولا يتعامل مع قضيتنا الكبرى، ولا يتحمس لرسالتنا الخالدة. أدباً غلب عليه التذبذب، ويبدل المواقف بحسب المنافع والأغراض. أدباً يسترضي الخواطر، ويجامل على حساب الحق. فإذا قائله أول من يُكَذِّبُه ولا يؤمن به، أدباً مزوقاً مستهلكاً، مجته الآذان، وعافته القلوب، وتمردت عليه الأجيال؛ لأنه لا يلبي حاجتها، أدباً يجعل السارق محترماً، والأمين خائناً، والسفاك فاتحاً عظيماً، وإمام المسجد متطرفاً مريباً، والمتزلج على الثلج وجامع الطوابع حكيماً عبقرياً. أدباً سهلاً لسذج البادية، تلطيخ صحف الأمة بساقط القول ومتبذل الهراء، فأصبح دراويش الأعراب حملة فكر، وروَّاد قلم، في حين أَفَلَ نجمُ الطليعة وغاب شمس الرواد وأصحاب المبادئ. إذا عَيَّرَ الطائي بالبخل مادر وعيَّر قساً بالفهاهة باقل وقال السهى للشمس أنت كسيفة وقال الدجى للبدر وجهك حائل فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل أدباً مجمركاً! عليه الوصاية، يصف الزوارق البحرية في شواطئ اللهو والضياع، ويبكي على موت أرانب الصحراء، ويحدثنا عن امرئ القيس وتدمر، والأمة تغرق في بحور الدماء، وتئن تحت سياط الجلادين، وتموت في زنزانات الطغاة الدجاجلة، وتحاصر بطوابير الملحدين المرتزقة.

стр. 8476

مِن شعراء السوء أدباً فصل الأمة عن دينها، فالتطور في نظره: ألاَّ تذكر المسجد ولا المصحف، ولا تفكر في الكعبة ولا في زمزم، ولا تتغنى بـ بدر ولا حطين، ولا تتلهف لـ عمر وخالد والرشيد والمعتصم. أدباً مهمته: توسيع البطون للمتآكلين به من أموال اليتامى والأرامل واللاجئين. أدباً نتيجته: ميدالية ذهبية، أو سيارة فاخرة، أو كلمة شكر من الجنرال، أو ابتسامة من أمير المؤمنين. ولذلك قام طاغية العراق فحكم بالإعدام على ابنه تزويقاً وإلهاءً وضَحِكاً على ذقون الشعوب، هو ما حكَّم الشريعة، وهو داس المصحف بقدمه، وهو قد كفر برسالة محمد ﵊، ولكنه تظاهر بالعدالة ليقتص من ابنه القاتل السفاح، فقام شاعر العراق عبد الرزاق عبد الواحد يقول للسفاح ويستبكي عينه التي ما بكت من خشية الله: أكان هذا امتحان الله نقبله لكن معاً كلنا لله نمتثلُ يا سيدي كل نفس قبلك امتحنت حتى الأئمة والأسباط والرسلُ ولم يقل رب إسماعيل قدمه لكن فداه ألا تفديه يا رجلُ ماذا يقول العراقيون لو سئلوا ماذا يقال لـ صدَّام الذي حملوا بين الضلوع ومن أصفاهم دمه وحبه وإلى أحلامه دخلوا هذا الذي ملأت فلاَّحةٌ فمَه خبزاً ومن كلهَّ من كفه أكلوا ماذا يقال أجل جاءت مسددة وهكذا أبداً تأتي بها الغيلُ لكننا يا كبير القوم نفزع أن تقول أهل العراق اليوم ما فعلوا لقد صنعت سلاماً فارفقن به أعط السلام سلاماً أيها الرجلُ فماذا كان؟ قامت الجماهير تبكي على هذه العدالة، وتشيد بسيادة الرئيس، وتناديه أن يفدي ابنه -كبشه- بكبش سمين وبالفعل، فهذا هو الأدب المنافق المزور الذي ضلل الأمة، أدب أخرج أفراخ العلمانية أبرياء أمام الشعب، نجوماً في وسائل الإعلام، أبطالاً في مسيرة الأمة، وجعل الأعلام خونة، والناصحين غششه، والأتقياء أهل خطورة. ولو أني بليت بهاشمي خئولته بنو عبد المدان لهان علي ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني أدب طارد الجنس، وطلب الشهرة، وحرص على الظهور. فأين أدبنا؟! وأين شعرنا؟! وأين إبداعنا؟! وأين طموحاتنا؟! وأين دموعنا؟!

стр. 8477

الأدب الذي نريد نريد أدباً جميلاً طموحاً عفيفاً، أدباً يستفيد من روعة السبع المثاني والقرآن العظيم، أدباً يلهب حماس الأمة فيوقظ الغافل، وينبه البليد، ويزجر العاصي، أدباً يعيد لنا مجدنا ويذكرنا تاريخنا، ويحمل مبادئنا. أدباً يوصلنا بالماضي، ويحثنا إلى المستقبل، في ظلاله نعيش، في ظلال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]. وفي أحيائه نحيا تحت أفياء لا إله الله محمد رسول الله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]. أدبٌ يزكي النفس من أوضارها ويرتل التوحيد في أذن الملا فرسولنا ﵊ عاش الأدب بكل معاني هذه الكلمة، عاش الأدب فجاشت روحه، ودمعت عينه، وعاشت نفسه مع الأدب، ففي صحيح مسلم عن عمر بن الشريف قال: ﴿رُدِفْتُ إلى رسول الله ﷺ فقال: أتحفظ لـ أمية بن أبي الصلت قلت: نعم. قال: هيه أنشدني، فأنشدته بيتاً، قال: هيه، فأنشدته ثانياً، فما زال يقول: هيه حتى أنشدته مائة بيت، ثم علق محمد ﵊، فقال: آمن لسانه وكفر قلبه﴾. كان ﵊ يجيد الأدب، فإذا تكلم بذَّ الفصحاء، يقول ﵊: ﴿أوتيت جوامع الكلم﴾ أحيا من الأمة الخام، أمة الصحراء، أمة الأرانب والضب، أحيا منها أمة فريدة تكتب باسم الله في قرطبة، وتصلي في إشبيلية، وتسجد في ضفاف دجلة والفرات. يقول الزبيري قاضي اليمن وهو يمدح بلاغة المصطفى ﵊: ما بنا جملة من اللفظ إلا وابتنى اللفظ أمة من عفاء يقول: ما قال كلمة إلا أحيا جيلاً، وما خطب خطبة إلا جهز جيشاً، وما أرسل عبارة إلا فتح مدينة، هذا هو الأدب الذي سيطر به ﵊ على العقول وملك به الأفئدة.

стр. 8478

الأدب في الإسلام وكان ﵊ يجعل من مسجده منتدىً، فيظهره للأنظار، ويقرب المنبر لـ حسان، ويقول: ﴿اهجهم وروح القدس يؤيدك﴾.

стр. 8479

موقع الشعر من حياة النبي ﷺ يسأل النبي ﷺ حسان بن ثابت: ﴿كيف أنت والمشركين؟ -أي: كيف بك إذا جُمِعْنا مع المشركين في صراع أدبي رهيب- فأخرج حسان لسانه متحدياً وضرب أرنبة أنفه، وقال لسانه: يا رسول الله! والله لو وضعته على حجرٍ لفلقه، وعلى شعرٍ لحلقه، فدعا له﴾ فأرسل القوافي كالقنابل، وأرسل الأبيات كالسهام، يقول قبل غزوة الفتح مهدداً الشرك والوثنية والإلحاد والزندقة: عدمنا خيلنا إن لَمْ تروها تثير النقع موعدها كداء أي: نسأل الله ألا يعيد هذه الخيول إلى رحابها وإلى بيوتنا إن لم تصف الحساب معكم، وإن لم تعلن نتيجة النصر مع الباطل. تظل جيادنا متمطراتٍ تلطمهن بالخُمُر النساء فيتبسم ﵊، ويسأل أبا بكر النسابة الحافظ للشعر، والرسول ﵊ لم يكن يحفظ الشعر، وعدم حفظه للشعر كمالٌ فيه، إذ لو حفظ الشعر؛ لقالوا: نسج القرآن شعراً وإن الأمية فيه كمال، إذ لو كان كاتباً؛ لقالوا: كتب القرآن بيده، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩] وقال سبحانه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨]. فيقول لـ أبي بكر وهو يرى خيول خالد قد فتحت من كداء بـ مكة ونساء مكة يخرجن الخمر يلطمن الخيل، فيتبسم ﵊ لتحقيق قول حسان، ويقول: ﴿يا أبا بكر! كيف يقول حسان؟ فيعيد عليه الأبيات﴾ ويسمع القائد العظيم أبيات الحماسة والصدق والنبل فيتأثر بها، ويشهد الرسول ﵊ بدراً وينتصر انتصاراً رائعاً سجله التاريخ، فيأتي حسان ويشارك، فقد كان حسان يقصف بلسانه والأبطال يضربون بأسيافهم، فيقول للحارث بن هشام الذي فر من المعركة - وهو أخو أبي جهل - فبعد أن تغزل حسان، واستفتح بالرقة والعاطفة الجياشة، قال: إن كنت كاذبةَ الذي حدثتني فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ونجى بفضل طمرة ولجام يقول للمحبوبة: إن كنت كاذبة فأنجاك الله كما أنجى الحارث بن هشام، الذي ترك الأبطال في بدر وفر، فوقعت هذه الأبيات وخزاً وسيفاً على الحارث، وقد أسلم وخرج إلى اليرموك ليبيع دمه وليطهر أوضاره من هذه، وليكتب في سجل الخالدين، وتوفي ﵊ وترك لنا شعراء ثلاثة، والله يسطر في الشعراء آيات بينات: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء:٢٢١]. هل نخبركم بالدجاجلة؟ هل نخبركم بالمرتزقة المنافقين؟ هل نخبركم بباعة المبادئ؟ ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء:٢٢٢] الذي لا يحمل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٣] يتشدقون عند الكيانات والأشخاص، يمدح من ذم أمس، ويذم من مدح أمس. عندما أتى شعراء المصطفى ﵊ الثلاثة: حسان، وكعب، وابن رواحة يبكون ويقولون: ﴿يا رسول الله! نحن الشعراء وأنزل الله فينا ما تعلم! فنزل جبريل بقوله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشعراء:٢٢٧]﴾ إلا الذين آمنوا بلا إله إلا الله، إلا الذين توضئوا ودخلوا المسجد، إلا الذين حملوا المصحف، إلا الذين أيدوا الرسالة التي أتى بها ﵊، إلا الذين تطهَّروا من أوضار التخلف والحزبية للباطل، والركوع للآثم الفاجر: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧].

стр. 8480

اهتمام الصحابة بالأدب تولى أبو بكر الخلافة فيجعل الأدب المؤمن في حياته جزءاً كبيراً، بل هو نفسه من مواصفاته ومن مؤهلاته أنه كان خطيباً نَسَّابةً أديباً. في اليوم الأول يعقد مجلس في دار بني ساعدة، وكاد هذا أن يتحول إلى كارثة، وكاد أن يصبح نكبة من النكبات التي أستعرضها لكم هذه الليلة، كاد أن يكون هذا المجلس معناه تغيير مسار الخلافة، كان الأنصار يريدون به أن يتولوا زمام الحكم أو يشاركوا الخليفة خلافته، فتحرك أبو بكر إليهم ومعه عمر وأبو عبيدة وأسكتهم؛ لكن ما سكتوا، وأراد عمر أن يحد القول لكن ما نفع إحداد القول؛ فما هي الحاجة؟ وما هو الموقف؟ وما هو الحل؟ الحل هو أن يتكلم أبو بكر، والحل أن ينطق بالكلمة اللينة التي قالها الله لموسى يوم أرسله إلى فرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]. قال أبو بكر: [[يا معشر الأنصار! آويتم وواسيتم ونصرتم وأكرمتم، فجزاكم الله عنا خير الجزاء، والله ما مثلنا ومثلكم أيها الأنصار إلا كما قال طفيل الغنوي: جزى الله عنا جعفراً حيث أشرفت بنا نعلنا في الشارفين فزلَّتِ هم خلطونا بالنفوس وألجئوا إلى غرفاتٍ أدفأت وأظلتِ أبوا أن يملونا ولو أن أُمنا تلاقي الذي يلقون منا لَمَلَّتِ فتهللت وجوههم، وانشرحت صدورهم، وحيوا القائد العظيم، وقاموا فبايعوه. إن الكلمة المؤدية المؤمنة الصادقة تغير أفكار الشعوب وتوجه طاقات الأمم. ويتولى عمر الجاد الخلافة، فلا يتبسم لأنه صارم، فالشيطان يسلك فَجَّاً، وعمر يسلك فَجَّاً آخر، وإن الأعداء تهاب عمر، وإن الأكاسرة والقياصرة على منابرهم وفي دواوينهم يخافون من سمعة عمر وهو في المدينة، كما يقول محمود غنيم: يا مَن يرى عمراً تكسوه بردتهُ والزيت أدمٌ له والكوخ مأواهُ يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاهُ لكن يرتاح للأدب، وأنا أورد قصة طريفة: أرسل عمر رضي الله وأرضاه النعمان بن عدي أميراً على ميسان قريباً من البصرة، فتولى الإمرة، وكان النعمان صحابياً؛ لكن يجيش الشعر بما لا يستطيع أن يحمله، وينفذ المصدوق وربما قال الشاعر ما لم يعمل، كان هذا الصحابي خفيف الدم، لطيف الشذا، جلس مع أصحابه في سمر، وقال: فمن مبلغ الحسناء أن حليلها بـ ميسان يُسقَى مِن زجاجٍ وحَنتمِ إذا كنتَ ندماني فبالأكبر اسقني ولا تسقني بالأصغر المتثلمِ لعل أمير المؤمنين يسوءه تنادمنا بالجوسق المتهدمِ ما معنى الأبيات؟ لما ولاه عمر يقول: من يبلغ زوجتي في المدينة أنه تطور بي الحال بعد ثورة (١٤) سبتمبر وأصبحتُ بعد أن كنت أنام على الرصيف أصبحت أميراً، وبعد أن كنت أشرب الماء الحار أشرب الخمر، ولا أشربه إلا في الحنتم والزجاج: فمن مبلغ الحسناء أن حليلها بـ ميسان يُسقَى مِن زجاجٍ وحَنتمِ إذا كنتَ ندماني: إن تريد أن تسمر معي وعازم على السمر، فلا تسقني في الكاسات الصغيرة، ابحث لك عن كأس كبير: إذا كنتَ ندماني فبالأكبر اسقني ولا تسقني بالأصغر المتثلمِ ثم قال: لعل خوف عمر يدخل معه حتى في الجوسق: لعل أمير المؤمنين يسوءه تنادمنا بالجوسق المتهدمِ ولم يفعل ولم يشرب الخمر، وما كان له أن يشرب الخمر وقد آمن بالله، وما كان له أن يشرب المسكر وقد عاهد الله وباع نفسه إلى الله. وتصل الأبيات إلى عمر، ويقرأ عمر ﵁ الخبر، ويستدعي أميره، وعمر ليس عنده كل شيء على ما يرام، وليس عنده أنصاف الحلول، كان في الحج يؤدب العمال بالعصا، وكان يتفقد الأمراء، ويسيس سياسة الأمة، ويقبل الرأي الموجَّه والعقل السليم والكلمة الصادقة الحارة. يوافقه أعرابيٌ على المنبر يوم الجمعة وعمر يتحدث للناس، فيقول عمر أيها الناس! ما رأيكم إن رأيتم فِيَّ اعوجاجاًَ، فيقوم الأعرابي فيسل سيفه، ويقول: يا أمير المؤمنين! والذي نفسي بيده! لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بحد سيوفنا، فيتبسم الزعيم، ويقول: الحمد لله الذي جعل في رعية عمر، من لو حاد عن الطريق قوموه إلى الطريق بحد سيوفهم أو كما قال. استدعى الأمير، وقال له: ما قولك: لعل أمير المؤمنين يسوءه تنادنا بالجوسق المتهدم الحد عليك، وقد ساءني والله، قال: يا أمير المؤمنين! لا تعجل علي، والله ما شربت الخمر، وإنَّما قال الله : ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤ - ٢٢٦] قال عمر: أما الحد فقد أسْقَطَتْهُ عنك بهذه الآية، ولكن والله لا تلي لي عملاً، ثم عزله. وكان عمر ينشد هذه الأبيات، -كما قال أهل التاريخ- ويستأنس بها؛ لأنها جميلة ورائعة، فما جعل ما فيها من خدش يسكت عمر أن ينشدها لجمالها، بل هو العاطفة والأدب والرقة ﵁ وأرضاه.

стр. 8481

دور الشعر الإسلامي في النكبات يستمر الحال، وتتوالى النكبات على المؤمنين، فيعيش الشعراء مع النكبة يصورونها، لا يعيشون تحت الأرض والأمة تعيش فوق الثريا، فهم لا يعيشون في البر والأمة تعيش في البحر، ولا يضحكون مع لعبات البلوت والكيرم والأمة تُسحقُ جماجمُها بدبابات الغزاة.

стр. 8482

أبو تمام والمعتصم استشار المعتصم المنجمين: ما رأيكم في فتح عمورية؟ فقال المنجمون: العقرب نزل في كوكب الذنب ولا نصر في هذه الفترة، فقال: آمنت بالله وكفرت بكم، ثم جهز جيشاً عرمرماً. تسعون ألفاً كآساد الشرى نضجت جلودهم قبل نضج التين والعنب وتوجه على بركة الله، ولما انتصر عاد ليسمع ماذا يقول شاعر الإسلام أبو تمام وهو يسجل عمورية بأبدع ما يقال، فافتتح بين يدي المعتصم هذا الرجل العملاق الذي نصر المرأة المسلمة التي لُطِمَت هناك، وقالت: وا معتصماه! ولكنها تردد اليوم في أفغانستان بالآلاف، وفي فلسطين، ولكن لا معتصم، ولا متوكل، ولا طارق، ولا صلاح الدين. رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتمِ لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصمِ قال: السيف أصدق إنباءً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب ثم ضحك على المنجمين، وقال: أين فتواكم الرخيصة؟ أين العمالة؟ أين الكذب على الله وعلى الدين وعلى الرسالة؟ أما انتصر؟ أما ذَبح الأبطال؟ أما مزق أديم الكماه؟ فالنصر في شهب الأرماح لامعة بين الخمسين لا في السبعة الشهبِ هذا هو النصر، ثم قال بروحٍ إسلامية: رمى بك الله جنبيها فحطمها ولو رمى بك غير الله لم يصبِ الله الذي رمى بك أيها المعتصم؛ لأنك ساجدٌ لله، ما كنت بعثياً ولا علمانياً ولا ناصرياً ولا ماركسياً، وإنما كنت حنيفاً مسلماً: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]. رمى بك الله جنبيها فحطمها ولو رمى بك غير الله لم يصبِ ثم يثني عليه بالإيمان، ويقول: تدبير معتصم بالله منتقم لله مرتقب في الله مرتغب ويسجل الإسلام لـ أبي تمام قصيدته الرائعة الإسلامية البديعة التي حملت روح الإسلام، وإنَّا لفي حاجة إلى شاعر في النكبات ينشد مبادئنا، ويمسح جراحنا، ويكفكف دموعنا، ويقيلنا من العثرة، لسنا بحاجة إلى أدب يصف القائد ولا سيارته ولا شارته ولا طابوره، ولا يتهجم تهجم الحطيئة على أعدائه، إن هذا الأدب سوف يموت، وبالفعل مات قبل أيام، وما كتب اليوم يموت غداً.

стр. 8483

المتنبي وسيف الدولة وتستمر القافلة، وتأتي نكبات لنا وعلينا، ويأتي شاعر الدنيا أبو الطيب المتنبي - ولولاه لَمَا ذُكِر سيف الدولة - فيقف مع سيف الدولة بالوغى، ويحشد معه بقوافيه، ويمجده تمجيداً رائعاً، ينتصر في معركة - في شمال الروم - أمام الروم، فيقف أبو الطيب المتنبي فيحيي سيف الدولة القائد قائلاً: وقفت وما في الموت شكٌ لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائمُ أي شجاعة مثل شجاعتك؟ ومَن ينام في عين الأسد؟ ومن الذي يخصي الأسد؟ أنت في قلة قليلة تبارز قوة الروم (الصليبية العالمية) وأنت وحيدٌ! مَن يفعل فعلك؟! وقفت وما في الموت شكٌ لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائمُ تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسمُ من يضحك إلا أنت في المعمعة؟ من الذي يتبسم والسيوف تقصف الرءوس إلا أنت؟ ثم يتذكر أبو الطيب الإسلام، ولو أن عليه ملاحظات كما يقول ابن تيمية وابن القيم فيقول: وما كنت قرناً هازماً لقرينه ولكنه التوحيد للكفر هازمُ أنت فقط ما قتلتَ رجلاً واحداً، إنما انتصرتَ للمبادئ، إنما (لا إله إلا الله) غَلَبَتْ (لا إله والحياة مادة) إنما بيت: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا غَلَبَ: آمنت بـ البعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثانِ إذاً هو التوحيد، والمتنبي يبكي عيون الناس. يقولون: إن الصاحب بن عبَّاد غضب على المتنبي؛ لأنه لم يمدحه أبداً، وقد رفض لأنه لا يمدح إلا الملوك (الحجم الكبير) وقد حاول فيه واسترضاه فرفض فقال ابن عبَّاد: لا ينشدني أحدٌ شعراً لـ أبي الطيب إلا قتلته، فماتت أخت ابن عبَّاد فأتته ستون رسالة مصدرة ببيتين لـ أبي الطيب المتنبي يقول فيها: طوى الجزيرة حتى جاءني خبرٌ فزعت بآمالي إلى الكذب حتى إذا لم يدع لي صدقه أملاً شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي قال: لمن هذا؟ قالوا: لـ أبي الطيب. قال: هذا كالشمس انتشر، أنشدوا شعره أو كما قال. إن المبادئ الإيمانية ترصع بالأدب، والأدب إذا لم يكن في خدمة مبادئنا، أو في خدمة أي مبدأ كان فلا عبرة به، ولا حياة له، ولا نريده.

стр. 8484

الشعر في نكبة الأندلس تسقط الأندلس، ونصاب بنكبة؛ قلوبنا ودموعنا وأسرارنا وتاريخنا هناك، هل سمعت بنكبة سقوط الأندلس؟ آهٍ يا تلك الأيام! وآهٍ يا تلك المعالم! بنفسي تلك الأرض ما أحسن الربا وما أحسن المصطاف والمتربعا بكت عيني اليمنى فلما زجرتها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا دفنا علماءنا في الأندلس وتاريخنا وليالينا وسمرنا وقمرنا ونجومنا، دفنا أشجاننا وعتابنا هناك ثم عدنا بلا مصير. يا ليلة الجزع هلَّا عدت ثانية سقى زمانك هطال من الدِّيَمِ عسى الله أن يعيدنا إلى الدنيا، يبكي العالَمُ الإسلامي الأندلس، ولكن بكاءهم ناقص في جانب بكاء أبي البقاء الرندي، فاسمع إليه وهو يستفتح قصيدته باكياً متأثراً صارخاً من ألم النكبة التي عاشها الأطفال والنساء، والكيان والدعاة والعلماء، كما يعيش أهل الكويت اليوم، يعيشونها مرارة كمرارة أهل الأندلس. لكل شيء إذا ما تم نقصانُ فلا يغتر بطيب العيش إنسانُ ويمضي مع القافلة، ثم يقول ونغمته في الإيمان، ومسجده لا يفارقه، ومصحفه في جيبه: ماذا التقاطع في الإسلام بينكم وأنتم يا عباد الله إخوانُ لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ إن كان في القلب إسلامٌ وإيمانُ من منكم لا يعرف بغداد؟ بغداد الحب والجمال والطموح. بغداد أرض أحمد بن حنبل، والشافعي، وابن الجوزية، والجيلاني. بغداد أرض المنصور، والرشيد والمأمون والمعتصم. بغداد أرض أبي تمام والبحتري وأبي العتاهية تصاب بنكبة التتار، يوم انحرف أهلها في مرحلة عن الصلاة، وعن إقامة الإيمان، وعن لا إله إلا الله، وعن التحاكم إلى شرع الله، وأصبح العلماء في الطابور السادس، وأصبح الأوباش والجواري وباعة القيم والرخصاء في الطابور الأول، أصيبت بنكبة: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾ [الطلاق:٨ - ٩]. ويبكي الناس ويقوم شاعر فيخاطب بغداد وهي أطلال والدماء تسيل، والأطفال تحت سنابك الخيل، وكُتُبُ دار الحكمة رُمِيَت في نهر دجلة، فيقول: من ذا أصابك يا بغداد بالعين ألست كنت زماناً قرة العين أستودع الله قوماً ما ذكرتهم إلا تحدر ماء العين من عيني إنه بكاء، وإنه الأدب الذي يتقطع لوعة وحسرة، وهو الأدب الذي نفقده يوم أصبح الكلام بغير حماس، وبغير إحساس، يخرج لكن من اللسان فهو لا يخرج من القلب.

стр. 8485

الشعر وموت العظماء ومن النكبات المدلهمة -أيها البررة-: موت العظماء، وقتل النبلاء، يقول ابن دريد: والناس ألف منهم كواحدٍ وواحدٌ كالألف إن أمر عنا

стр. 8486

أعظم العظماء محمد ﷺ موت بعض الناس موتٌ لأمة، وموت أمة لا يساوي موت واحد، وأعظم العظماء محمد ﵊، وأكبر الزعماء وإنسان عين الدنيا رسولنا وحبيبنا ﵊، يموت كما يموت الناس: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]. وينتقل إلى الله لكن مبادئه لم تنتقل، مليار مسلم اليوم سبَّاباتُهم تشهد أن لا إله إلا الله، وفي عنق كل مسلم يدٌ بيضاء للرسول ﵊ كما يقول شوقي: المصلحون أصابعٌ جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاءُ يقول البردوني، أعمى القلب والبصر، شاعر اليمن ولا زال حياً: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣]. يقول قصيدةً يحيي فيها رسول الهدى ﵊، قصيدة تبكي العيون وتثير في القلب شجون الله أعلم بها من شجون، ويهاجم الطغاة المتمردين على شريعته، فيقول: بشرى من الغيب ألقت في فم الغار وحياً وأفضت إلى الدنيا بأسرارِ بشرى النبوة طافت كالشذى سحراًَ وأعلنت في الدنا ميلاد أنوارِ ثم يقول في آخر القصيدة: نحن اليمانين يا طه تطير بنا إلى روابي العلا أرواح أنصارِ أنا ابن أنصارك الغر الألى سحقوا جيش الطغاة بجيش منك جرارِ إذا تذكرتَ عمَّاراً وسيرته فافخر بنا إننا أحفاد عمَّار إنها بديعة، وإنها جزلة، وإنها مؤثرة؛ لكن ربما يخرج الورد من الشوك، مات ﵊، ولكن كأن الأمة ماتت يوم موته. لعمرك ما الرزية فقد مالٍ ولا شاةٌ تموت ولا بعيرُ ولكن الرزية موتُ شهم يموت بموته بشرٌ كثيرُ ويتولى عمر إلى الله ويذهب، ويُرثى بمرثية، ويبكيه شاعر مسلم، وربما نسب هذا إلى الجن؛ لكن دعونا في عالم الإنس حتى يأتينا سندٌ جيد أن الجن قالوه: جزى الله خيراً من إمامٍ وبارَكَتْ يدُ الله في ذاك الأديم الممزقِ من هو عمر؟ يقول أبو البقاء أحد علماء الأندلس: كُفِّنَت سعادةُ الإسلام في أكفان عمر، كان حاجزاً أو عازلاً لا يخترقه الصوت، فلما قتل دخلت الفتن، وبصبص الأذناب، وتكلم المرتزقة، وتصدر السفلة، لما قُتِل ذهب ذاك اللموع الذي عاشته الأمة الإسلامية؛ فنسأل الله أن يعيد مجدنا كما كنا: كم صرفتنا يدٌ كنا نصرفها وبات يملكنا شعبٌ ملكناهُ المقصود من هذا: أن الأدب المؤمن الملتزم يحول الأنظار والأفكار، ويحيي الأمة فتعيش مع الأدب رسالة خالدة، وأشجاناً ولوعة وأسى.

стр. 8487

محمد بن حميد الطوسي قائد الجيش محمد بن حميد الطوسي: بطل لم يتجاوز عمره السادسة والثلاثين، قاتل في جيوش المعتصم وكان قائد الجيوش في عهد المعتصم، خرج مع الروم فقاتل من بعد الفجر إلى صلاة المغرب. يقولون: كان يأخذ السيف فيقاتل به حتى تتكسر شظاياه من على رءوس الأبطال، فيأخذ السيف الآخر، ومع الغروب فتر فاجتمع عليه الكماة فقتلوه، فأتى أبو تمام ليشارك في المصيبة، فسجل قصيدة مبكية في محمد بن حميد الطوسي، لما سمع المعتصم قال: والله ما مات من قيلت فيه هذه القصيدة. يقول أبو تمام: كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر فليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذرُ توفيت الآمال بعد محمد وأصبح في شغل عن السفر السفرُ ثم يقول عن محمد: ثوى طاهر الأردان لم تبق بقعة غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبرُ تردى ثياب الموت حمراً فما أتى لها الليل إلا وهي من سندسٍ خضرُ فتىً كلما فاضت عيون قبيلة دماً ضحكت عنه الأحاديث والذكرُ ثم يقول عنه -حتى لا يُظَن أنه فر من المعركة أو عَجِزَ عن القتال-: وما مات حتى مات مضرب سيفه من الضرب واعتلت عليه القنا السمْرُ عليك سلام الله وقفاً فإنني رأيت الكريم الحر ليس له عمْرُ ويستمر أبو تمام في هذه الإشادة ويلقيها عند المعتصم، وتسيل دموع المعتصم ويقول: والله ما مات من قيلت فيه هذه القصيدة. فهو ما زال باقياً حياً. دخل وفد غطفان على عمر فقال عمر: أمنكم أحدٌ من أبناء هرم بن سنان الذي مدحه زهير؟ قال رجل: أنا يا أمير المؤمنين. قال: ماذا قال فيكم زهير؟ وماذا أعطيتموه؟ قال الابن: مَدَحَنا وأعطيناه مالاً. قال عمر: ذهب والله ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم. من يستطيع من الشعراء أن يقول كما قال زهير في هرم: قومٌ أبوهم سنان حين تندبهم طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا لو كان يقعد فوق الشمس من كرم قومٌ بآبائهم أو مجدهم قعدوا محسَّدون على ما كان من نعم لا ينزع الله منه ما لهم حسدوا إلى آخر ما قال هذا هو الخلود، ولذلك لا زلنا نتناشدها اليوم ونحيا معها. أما أدَبُ: أنا ذبابة الليمون أطير من شجرة إلى شجرة سيارتي مازدا يا سبور أنت سيارتي عشت في رحلة في الروابي أو كما قال. يا وانت ونيتها يوم صليت وانت غراباً طارداً حمامة فعلى كل حال! لكلٍ مشارب؛ لكن نريد الخلود والروعة والإبداع أن يتجلى بأدب الأمة، وسوف أعرج على هذا الكلام إن شاء الله.

стр. 8488

الوزير ابن بقية ومرثية الأنباري ابن بقية وزيرٌ عباسي، أطعمَ الناس وكسا العلماء، فحسده عضد الدولة؛ لأنه أخذ عليه الاسم الإعلامي، وأصبح رمزاً دائماً، فالصحف الصباحية تحيي ابن بقية في عهد العباسيين، وتركت السلطان عضد الدولة؛ فأتى عضد الدولة فتربص بهذا الوزير حتى أوقعه في حديقة، وأغلق عليه وأرسل عليه الفيل فركضه حتى مات، وفي الصباح تفاجأت الأمة الإسلامية بهذا الكريم الوزير الباذل التقي، وإذا هو مصلوب عند باب الطاق في بغداد، وقد صُلِبَ جثمانُه على خشبة الصلب، فيأتي أبو الحسن الأنباري أحد العلماء والأدباء العاشقين لـ ابن بقية فينظر إلى الجثمان، وإذا هو مصلوب فيقول: علوٌ في الحياة وفي الممات بحق أنت إحدى المعجزاتِ عجيب أمرك حتى في الموت ما يدفنونك في الأرض، دائماً تحب الخلود والعلو، انظر إلى الروعة والإبداع، يقول ابن خلكان: وأجزم جزماً أنه لا توجد مثلها مرثية يقول: علوٌ في الحياة وفي الممات بحق أنت إحدى المعجزاتِ كأن الناس حولك حين قاموا وفود نداك أيام الصِّلاتِ الناس الذين حول الجذع والجثمان كأنهم يمدون أيديهم لتعطيهم الدنانير في الدنيا. كأنك قائم فيهم خطيباً وهم وقفوا قياماً للصلاة مددت يديك نحوهم احتفاء كمدهما إليهم بالهباتِ ثم قال: ولما ضاق بطن الأرض عن أن يواروا فيه تلك المكرمات أصاروا الجو قبرك واستعاضوا عن الأكفان ثوب السافياتِ يقول: ضاقت الأرض أن تواري مكارمك ولموعك وسطوعك وكرمك، فجعلوك في الجو، إلى آخر تلك القصيدة البديعة.

стр. 8489

من أشعار النكبات أصابت مصر هزة أرضية بالذنوب والخطايا، فنحن لا نقول كما يقول الطبائعيون الماديون: قشرة أرضية انكسرت، نعم. ولكن من الذي كسرها: تقضون والفلك المسير سائرٌ وتقدرون فتضحك الأقدار من الذي يبدي ويعيد، ويعز ويذل، ويخلع ويعزل، ويقوي ويضعف، ويعطي ويمنع؟ إنه الله. هز مصر في عهد الفاطميين زلزال، فخاف الخليفة الفاطمي وقيل الحاكم بأمر الله وقيل ابنه- من هذه الهزة، فأتاه العلماء، وقالوا: احذر من سخط الله، هذه بسبب الذنوب، فحاول أن يتوب، فدخل عليه شاعر، وقال: لا ليست بالذنوب. ما زُلْزِلَت مصر من كيدٍ ألمَّ بها لكنها رقصت من عدلكم طربا يا سلام على الخيبة! وعلى قلة الحياء من الله! وعلى قلة المبادئ! شاعر الأندلس الحسن الذي ذكره الذهبي وترجم له، ثم فضحه في آخر الترجمة، يقول: مبدع! لكنه كلب دخل على السلطان، يقول: ما شئت لا ما شاءت الأقدارُ فاحكم فأنت الواحد القهارُ فعلمه الله مَن هو الواحد القهار! أصابه مرض عضال حتى كان يتقلب على فراشه، ويقول: أبعين مفتقرٍ إليك نظرت لي فأهنتني وقذفتني من حالق لستَ الملوم أنا الملومُ لأنني علقت آمالي بغير الخالقِ الأدب الذي يجعل من السفاك حليماً حكيماً، ومن المجرم عبقرياً فاتحاً: يا درة الزمان! يا فاتح الدنيا! يا بركة الوقت! بوجودك سالت الأمطار، وكثرت الأشجار، ورخصت الأسعار، وبردت درجات الحرارة. فيقولون: إنه لما سمع عضد الدولة -وكان فتاكاً- بما قيل في ابن بقية، وكذلك ما قيل في الديلمي الذي مدحه أبو الطيب المتنبي بقصيدته الرائعة التي يقول فيها: فداً لك من يقصر عن فداكا فما ملك إذاً إلا فداكا إذا اشتبكت دموعٌ في خدودٌ تبين من بكى ممن تباكا يقولون: يقول عضد الدولة: والله الذي لا إله إلا هو لوددتُ أني قُتِلْتُ وصُلِبتُ وقيلَتْ فيَّ هذه القصيدة، فما دام المسألة مسألة مجد وشهرة وددت أنها قيلت فيَّ (علو في الحياة وفي الممات).

стр. 8490

نكبة ابن عبَّاد الأندلسي ويُنكب المعتمد ابن عبَّاد سلطان الأندلس، وقد غلب عليه الترف، وغلب انحرافه عن الجادة، وكثَّر الجواري في بيته، والدفوف والطنابير، والعزف على الموسيقى، وسماع الغناء الغربي من غناء الإفرنجة، والكأس بعد الثانية ليلاً، فأراد الله أن يؤدبه فاستنجد بـ ابن تاشفين في تونس ليجيره، فدخل بجيش جرار، ظاهره من قبله الرحمة وباطنه من قبله العذاب!! دخل بجيش موحد فلما نصره الله على الغزاة في الأندلس أنزله ابن عبَّاد يضيفه في الحدائق والقصور والدور ويرحب به ويكرم فخامته على هذا النصر، وكان ابن تاشفين كالأسد ينظر في مداخل المدينة وفي مخارجها ومتى يستولي، وبعد ثلاثة أيام هجم على ابن عبَّاد وقيده، وسَلَب مُلكه، وأخذ دوره، ودمر قصوره، وعاث في حدائقه، ونقله إلى أغمات محبوساً، لقد كان شجاعاً ابن عباد، ولكنه إذا نزل القدر عمي البصر. أي يومي من الموت أفر يوم لا قدر أم يوم قدر يوم لا يقدر لا أرهبه وإذا ما جاء لا يغني الحذر ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم:٤٥]. تقلد ابن تاشفين زمام الحكم، وادعى أن أهل الأندلس استنجدوا به، وأنه يريد أن يقيم حكومة ليبرالية في الأندلس بدل ابن عبَّاد، وأن ابن عبَّاد كان ديكتاتورياً مستبداً ظالماً، فمرت الأيام وإذا ببنات ابن عبَّاد يصلنه في السجن حافيات باكيات كسيفات جائعات، فيبكي عند الباب، ويودع البنات وقلبه يتقطع، وهو يقول: فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا فساءك العيد في أغمات مأسورا ترى بناتك في الأطمار جائعةً يغزلن للناس ما يملكن قطميرا ما هذه الحياة؟! برزن نحوك للتسليم خاشعة أبصارهن حسيرات مكاسيرا يطأن في الطين والأقدام حافية كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا إلى آخر ما قال، وهي بديعة أبكت الناس. ابن اللبانة شاعر الأندلس زار ابن عبَّاد في أغمات؛ فأدخل عليه في السجن، فلما رآه يقول: رأى عليه كساء بلا إزار، فبكى ابن اللبانة بكاءاً عظيماً، ثم قال: تنشَّق رياحين السلام فإنما أخض بها مسكاً عليك مختما وقل لي مجازاً إن عدمت حقيقة فقد كنت ذا نعم وقد كنت منعما ثم يقول: بكاك الحيا والريح شقت جيوبها عليك وناح الرعد باسمك معلما وهي قصيدة بديعة أوردها الذهبي ومجَّدها، وعلى كل حال إنما هذه نتيجة الصدوف، والمقصود: كيف عاش هذا الأدب الحي؟ وكيف أحيا في هذه الأمة الروح؟ رثى نفسه، ورثى حياته، ورثى بناته، وأتاه الشاعر يسليه بقصيدة معه وأبكاه، وبكت الأمة مع ابن عبَّاد ولولا هذه القصائد ما سمعنا بـ ابن تاشفين ولا بـ ابن عبَّاد.

стр. 8491

من مرثيات متمم بن نويرة في أخيه مالك روى الترمذي عن عطاء عن عائشة ﵂ أنها: [[مرت بقبر أخيها عبد الله بن أبي بكر فسلمت عليه وقالت: يا عبد الله! مثلي ومثلك كما قال متمم: وكنا كندماني جذيمة برهة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا وعشنا بخيرٍ في الحياة وقبلنا أصاب المنايا رهط كسرى وتُبَّعا فلما تفرقنا كأني ومالكاًَ ً لطول اجتماعٍ لم نبت ليلة معا ثم بكت وأودعت، هذه الأبيات تكتب بماء الذهب. سمع عمر الأبيات فبكى، وقال: [[يا متمم! والذي نفسه بيده لوددت أني شاعر، فوالله ما هبت الصبا من نجد إلا جاءتني بريح زيد. يا متمم! إن زيداً أسلم قبلي وهاجر قبلي وقُتل قبلي]] ثم بكى عمر. يقول: يا ليتني أجيد الشعر! يا ليتني أعرف صنع القصائد لأرثي أخي زيداً الذي قُتل في اليمامة في حرب مسيلمة الكذاب، هذا متمم سطر لأخيه مالك قصائد تبكي القلوب قبل العيون يقول: لعمري لقد لام الحبيب على البُكا رفيقي لتذراف الدموع السوافك فقال أتبكي كل قبرٍ رأيته لقبر ثوى بين اللوى في الدكادك فقلت له إن الشجى يبعث الشجى فدعني فهذا كله قبر مالك إلى آخر ما قال. وما زلنا الآن بعد خمسة عشر قرناً نتأثر به ونتوج به خطبنا، وأمسياتنا وندواتنا، أما شعر الأسمنت ودرجات الحرارة، والصيدليات المناوبة، وشعر البطيخ والكوسة، والأسعار، والمحيطات، والجغرافيا، والعواصم، فإنه يموت سريعاً حتى ربما ينظر إليه بنظرة فإذا رأيت المطلع، قلت: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق). ابن زيدون يبكي الأندلس أسرة في الأندلس، أما ابن جهور أو بني الأحمر فنُكِبوا نكبة ما بعدها نكبة. أتى ابن زيدون وسلم عليهم في السجن، وقدم لهم أعظم هدية أنه عزاهم فقال: الدهر يفجع بعد العين بالأثر فما البكاء على الأشباح والصور أنهاك أنهاك لا آلوك موعظة عن نومة بين ناب الليث والظفر إلى آخر ما قال وفيها شريط مسجل لأحد الأدباء شرحها شرحاً وافياً، وعلى كلٍّ فقد ذكرهم بالله في آخر القصيدة، وهذا هو الفرق بين الشاعر الملتزم المؤمن المصلي، وبين الشاعر المجرم المنحرف.

стр. 8492

نكبة البرامكة إن من أعظم النكبات في التاريخ نكبة البرامكة، وقيلت فيهم قصائد تربوا على العشرين قصيدة يقول يحيى بن خالد البرمكي حين أُدخل السجن ومكث فيه سبع سنوات لا يرى الشمس وقتل أبناؤه جميعاً، ودخل عليه أحد الناس بعد النعيم الذي كان فيه البرامكة في عهد هارون الرشيد، فقد كانوا في نعيم لا يعلمه إلا الله، وقد بلغ فيهم الترف أنهم يموهون القصور بماء الذهب، مثلما فعل شاه إيران يقولون: كان السيفون عندهم في دورة المياه من ذهب، بطرت معيشتها: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦]. أصبح الكافر -الآن- يسير النعمة لمبادئه وماديته أعظم مما يفعل كثيرٌ من المسلمين في تبديد الثروات والأموال، يدخل هذا الرجل على البرمكي، فيقول: يا يحيى! ما هذا بعد النعيم؟ قال: دعوة مظلوم سرت في ظلام الليل غفلنا عنها وما غفل الله عنها. لا إله إلا الله! يقول أحد أهل العلم: أسأل الله أن يغفر له في هذه الكلمة: دعوة مظلوم سرت في ظلام الليل غفلنا عنها وما غفل الله عنها. سجن المهدي أبا نواس في السجن، فأرسل له قصيدة يقول فيها: أما والله إن الظلم شؤمٌ وما زال المشوم هو الظلوم إلى ديان يوم الحشر نمضي وعند الله تجتمع الخصوم فبكى وأطلقه. ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل:٥٢] استبداد، ونكاية بالشعوب، وقتل للصوت الحر، وعدم سماع الرأي الآخر، وقتل الإرادات، وتحطيم المبادئ باسم الحكمة، فالبرامكة فعلوا ذلك ولكن هذا الرجل نسأل الله أن يغفر له حين قال هذه الكلمة. قيل لـ علي بن أبي طالب: [[كم بين العرش والتراب؟ قال: دعوة مستجابة]].

стр. 8493

من أشعار المعاصرين في النكبات

стр. 8494

نكبة فلسطين يُنكب المسلمون في فلسطين نكبة دامية لم يسمع التاريخ بمثلها، ولا زلنا الآن نعيش النكبة أربعين سنة، ومعاملات فلسطين في هيئة الأمم لا يحملها ثلاثة حمير، كل يوم شكوى، والعرب إذا شكوا إسرائيل، يقولون: دولة توسعية لها نوايا سيئة في المنطقة -الغيبة حرام- أإسرائيل لها نوايا توسعية؟! ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦]. واليوم تسعون مليوناً وما بلغوا نضجاً وقد عصر الزيتون والعنبُ لهم شموخ المثنى ظاهراً ولهم هوى إلى بابك الخرمي ينتسبُ إذا تبدت لنا الميراج تقذفنا سعت لتسقطها الصيحات والخطب شجباً ونكراً وتنديداً بغارتها الله كم نددوا يوماً وكم شجبوا يقول موشي ديان في مذكراته الحكم والسيف من أراد أن ينتصر فليقاتل العرب، قلنا له: نعم يا مجرم، قاتلك عرب وما قاتلك مسلمون، وإلا لو كان صلاح الدين وخالد وطارق لكنت رأيت. يقول المجرم نزار قباني -لا حياه الله ولا بياه- وإنما أستشهد بشعره استشهاداً، وأقول: إذا رأيته فابرُك على صدره وتعوذ بالله من الشيطان، وأنا أوصيكم ألا تدخلوا نتاجه، فإنه عقيم ومسموم، وقد حادَّ الله وسب رب العزة والجلال، ورأيت له قصيدة تقطع القلوب، لكنه أبدع في هذه القصيدة، يرثي جمالاً المجرم -جمعه الله به على يساره في جهنم- يقول: نساء فلسطين تكحلن بالأسى وفي بيت لحم قاصرات وقصر وليمون يافا يابسٌ في حقوله هل شجرٌ في قبضة الظلم يثمر رفيق صلاح الدين هل لك عودة فإن جيوش الروم تنهى وتأمر رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم وجيشك في حطين صلوا وكبروا تغني بك الدنيا كأنك طارق على بركات الله يرسو ويُبْحِرُ تناديك من شوقٍ مآذنُ مكة وتبكيك بدر يا حبيب وخيبر تعال إلينا فالمروءات أقفرت وموطن آبائي زجاجٌ مكسر يطاردنا كالموت ألف خليفة ففي الشرق هولاكو وفي الغرب قيصر حقيقة أبدع!! ولكنا لا نقبله؛ لأنه يعيش بلا مبدأ، يعيش بلا إيمان، ولا يعرف المسجد، فهو متخلفٌ زنديق، عدوٌ لله ولرسوله وللمؤمنين، نمقته ونشهد الله على بغضه، ونسأل الله أن ينصفنا ورسالتنا ورسولنا وقرآننا منه، يقول في مقطوعة أخرى: دمشق يا كنز أحلامي ومروحتي أشكو العروبة أم أشكو لك العربا أدمت سياط حزيران ظهورهم فقبلوها وباسوا كف من ضربا وطالعوا كتب التاريخ واقتنعوا متى البنادق كانت تسكن الكتبا وإني أحيي -بالمناسبة- فضيلة الدكتور زاهر بن عواض الألمعي، فهو من شعراء الصحوة الإسلامية ومن روادها، وقد أتحفنا بحضوره، وأنا أقول هذا من باب أن نقول للمحسن: أحسنت، وللمسيء: أسأت، وسبق تحية الشيخ عبد الله بن إدريس ومعي مقطوعات العشماوي وسوف أوردها، وعسى الله أن يكثر من الصف الإسلامي أحبابنا وإخواننا أهل الطهر والوضوء والسجود والقرآن والسنة نحييهم. يقول في أطفال الحجارة: طفلٌ صغيرٌ والمدافع حوله مبهورة والغاصبون تبرموا في كفه حجرٌ وتحت حذائه حجر ووجه عدوه متورم من أنت يا هذا ودحرج نظرة نحوي لها معنى وراح يتمتم أنا من ربوع القدس طفلٌ فارسٌ أنا مؤمنٌ بمبادئي أنا مسلمُ سكت الرصاص فيا حجارة حدثي أن العقيدة قوة لا تهزم إلى آخر ما قال.

стр. 8495

نكبة الكويت وتُنكب الكويت ويدخل صدَّام، ويتمزق الأطفال، وتُسحق الشريعة، ويُكفَر بالله، ويتجمع العالم فيندد به، فما هي آثارها في أدبنا وفي شعرنا؟ قام كثيرٌ من الشعراء إلى صدَّام الذي زكوه بالأمس، وأثنوا عليه، ونادوه يا فاتح الدنيا! ويا رمز النصر! ويا إله الخلود!! بل شاعرة كانت تناديه بـ (يا إله المجد)!! وكانت تقول: الآخرون سكارى يصيدون الحبارى، وكان كثير منهم يبوس كف المجرم وما علموا، وقد علموا أنه قتل الأكراد أجداد صلاح الدين، واكتشفوا فيما بعد أنه عميل، وإلا قد زكوه وطهروه وأثنوا عليه، ومصيبة الكويت أرسلتُ فيها رسالة: كتبتها بدموعي قبل أرسلها وصغتها من دمي روحاً وريحانا ماذا أقول وجرحي من جراحكم فما أصابكم والله أبكانا وتصاب الكويت فلا يجدون لهم إخوة إلا نحن وأمثالنا، نقولها ولا فخر: إخاء الدين ونسب العقيدة، ورسالة لا إله إلا الله، ويأتون إلينا فنواسيهم والفضل لله، ونحييهم والمنة لله، ونعانقهم والخير خير الله: ألهفي لشعبٍ بات في خير نعمة وأصبح في هولٍ من الليل يمرج سيصغي له من عالم الغيب ناصرٌ ولله أوسٌ آخرون وخزرج وتستمر المسيرة، ويأتي أدبه ليشيد بمبادئه ويعيش معه، وزولا، شاعر فرنسا كان يعيش مبادئ ديقول لحظة بلحظة، وحاييم ناتشمان أيضاً، شاعر اليهود. تقول جولد مائير في مذكراتها (ص: ٦٨): إن هذا الشاعر ما حاد عن المبادئ حتى في حرب (١٩٦٧م) أرادوا أن يدخل بأشياء وبعدها في الصلح، ولكن كان ينادي أن تكون دولة إسرائيل من خيبر إلى حيفا ويافا، فهو شاعر مبادئ. يقول شاعر مبادئ البعث: هبوا لي ديناً يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهم ألا أهلاً بكفر يؤلف بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم بلادك قدمها على كل ملة ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم وعلم البعث الذي سارت به الطوابير يقول: آمنت بـ البعث رباً لا شريك له وبالعروبة ديناً ما له ثاني لكن قد اكتشفنا صدَّام في آخر الليل أنه كان مجرماً، عجباً! كيف اتخذناك صديقاًَ؟ وحسبناك أخاً براً شقيقاً؟! أليس بكافرٍ قبل الغزو؟! أليس بعدوٍ لله؟! أما داس المصحف؟! أما قتل الأبرياء؟! أما كان نجساً؟! لماذا تذبذبنا في المواقف؟ متى كان صدَّام صديقاً لنا؟ متى كان باراً رشيداً شقيقاً قريباًَ؟ والله إنه من أبعد البعداء، وقد اكتشفنا أنه كان عميلاً لإسرائيل، وأنه كان يكلمها في الخفاء، ويسالمها في الدجنة، ولكن هكذا يفعل الأدب، ولو صالحنا صدَّام، والله الذي لا إله إلا هو لظهرت أقلامٌ وأدباء كانوا يذمونه، فمدحوه، وقالوا: يا فاتح المشرق والمغرب. وأنا أحفظ نماذج لكني أستعفيكم من ذكرها إبقاء على القلوب أن تُخدش، علَّ الله أن يتوب عليهم إلى المبدأ المسلم، فالأدب يسير بمبدأ (لا إله إلا الله) فهي تنطلق من رسالة, أما أدب الهواية فهذا الأدب كجمع الطوابع وركوب الخيل، وهواية المراسلة، والسفر إلى لندن وباريس، والتزلج على الثلج، فالأدب رسالة، والأدب إيمان، والأدب كلمة يسألك الله عنها، والأدب أن تخدم به هذا الدين وأن تجعله فيما يرضي رب العالمين .

стр. 8496

حدود الشاعر المسلم يقول الشاعر المسلم وهو يذكر بلاده -لأن الوطنيين الآن قالوا: حدودنا إقليمنا وما غيرها من البلاد فليست لنا، لا. فـ بغداد لنا، بغداد أرض المعتصم، وأحمد، والمتوكل، والكويت لنا، وطاشقند لنا، وقرطبة لنا؛ لكن فقدناها لما فقدنا لا إله إلا الله، يقول: وأين ما ذكر اسم الله في بلدٍ عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني بـ الشام أهلي وبغداد الهوى وأنا بـ الرقمتين وبـ الفسطاط جيراني هذه بلاد المسلم، وهذه عقيدته، وهذه رسالته: بلادي كل أرضٍ ضج فيها نداء الحق صداحاً مغنى إذا كابول أعيتها جراحٌ ففي صنعاء إخوان المثنى

стр. 8497

قصيدة للشيخ عائض بعنوان: (بين الأمس واليوم) وهنا قصيدة قلتها في هذه الأحداث بعنوان: (بين الأمس واليوم) قلت فيها: صوتٌ من الغور أم نورٌ من الغار أم ومضة الفكر أم تاريخ أسرار هذه في مدح الرسول عليه الصلاة السلام، وهو أعظم من مدحي، وأقول كما قال أحمد شوقي لما مدح الرسول ﵊: أبا الزهراء قد جاوزت قدري بمدحك غير أن لي انتسابا يقول: أنا تطفلت على جنابك الشريف. صوتٌ من الغور أم نورٌ من الغار أم ومضة الفكر أم تاريخ أسرار يا عيد عمري ويا فجري ويا أملي ويا محبة أعمار وأقطار تطوي الدياجير مثل الفجر في ألَقٍ تروي الفيافي كمثل السلسل الجاري الشمس والبدر في كفيك لو نزلت ما أطفأت فيك ضوء النور والنار أنت اليتيم ولكن فيك ملحمة يذوب في ساحها مليون جبار فما لقومي بلا وعيٍ قد انتكسوا أصغوا لصيحات عربيدٍ وخمار ما جاءهم من صلاح الدين موعظة فما انجلت عن حماهم وصمة العار هم الأسود ولكن في حظائرهم هم الثعالب عند الفاتك الضار لهم لموعٌ ولكن لا شموس لهم لهم سلاحٌ ولكن غير بتار جمع الطوابع من أسمى هوايتهم أعلى مفاخرهم من يوم ذي قار الشاربون دماء الجيل في دعة الراقصون على ناي وأوتار الساهرون على كأسٍ وأغنية العاكفون على طبلٍ وقيثار هل حرروا القدس من صهيون أو حضروا يوم الوغى وارتدوا أسياف أحرار هل طهروا المسجد الأقصى وهل طهرت أكفهم ويحهم ليسوا بأطهار هل أعلنوا الحرب إسلاماً وتضحيةً هل واصلوا سيل سلمان وعمَّار تبرأت منهم الأجيال وانسحبت جيوشهم وعليها وصمة العار وطاردتهم جيوش البغي فانحسروا يروون ملحمةً للقط والفار تبكي المنابر منهم كلما هتفوا لأن في يدهم سكين جزار عروبة ليس للإسلام في دمها وحيٌ وليس عليها فطرة الباري عروبة برئت منها جحافلنا ما لم تتوج بإيمانٍ وأذكار أروي حياة رسول الله أبعثها شذاً تفوح بآمالٍ وأزهار يخشى إعادتها لصٌ ويحذرها نذلٌ تربى على أنغام غدار لأن مجد رسول الله تذكرة على جبين العلا كالكوكب الساري عدلٌ وفضلٌ وإحسانٌ ومرحمة وحيٌ ونورٌ وتخليدٌ لأعمار يغرد المجد في بستان شرعته في هيبة النور لا تغريد أطيار أصحابه عبروا التاريخ وانتصروا وحدثوا طلعة الدنيا بأسرار في قندهار دماء من عروقهم تكفي طموحاً لمهزومٍ ومُنهار سل نخل بيسان والحمراء ما فعلوا اقرأ مكارمهم يا أيها القاري ثم اكتفينا بآمالٍ وفلسفة نيل العجائز أو أخبار سُمَّار عاش الفريق ولا ذلٌ يفارقه تيجان أوهام لا تيجان أحرار عاش اللواء وكم قد باع ألوية قالوا عقيد ولا عقدٌ لختار فن الهزيمة سهلٌ كم تعلمه جيش الموسيقى بطبلاتٍ وأزيار أبكي وأضحك من أفعال صبوتهم يا ألف صدَّام بل يا ألف عمَّار شادوا الدنانير هالات مزخرفة جمَّاعُها لا يساوي ربع دينار يبيع قيمته بالرخص من سفهٍ والدين ينهار منه في شفاً هار دروسٌ من هذه النكبة في عالم الأدب، النكبة التي حلت بشعب الكويت حلت بكل مسلم، أمن وسكينة وهدوء في الليل وفي الصباح دمار. يا راقد الليل مسروراً بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحارا هذا بشار يقول: يا نائم على الأغنية والموسيقى ربما تصحو على دبابة ومن يدريك! أليس الصبح بقريب؟! ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢]. يقول عبد الله بن المبارك الزاهد العابد الولي أمير المؤمنين في الحديث: قصيدة عدي بن زيد خيرٌ عندي من قصر طاهر بن الحسين. وطاهر بن الحسين أمير عباسي كان في خراسان له قصرٌ عجيب، لكن القصيدة التي يقول فيها عدي بن زيد والتي ذكرها ابن كثير وابن خلكان وأثنوا عليها ثناءً حسناً يقول: أيها الشامت المعير بالدهـ ـر أأنت المبرأ الموفورُ يا من يعرينا بالمصايب! يا من يعيرنا بالنكبات! أتظن أنك سوف تسلم: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم:٤٥] ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف:٢٧]. يقول عدي: أين كسرى كسرى الملوك أنوشروان أم أين قبله سابور إلى آخر ما قال عدي بن زيد، وهو جاهلي لكن ما كان يشرب الخمر، نزل مع النعمان بن المنذر في نزهة، فقال: أبيت اللعن، هل تسمح لي بالكلام؟ قال: تكلم، قال: هل تدري ما تقول هذه الشجرة أيها الملك؟ قال: ما أدري! وهل يتكلم الشجر؟ قال: تقول: رب ركبٍ قد أناخو حولنا يخلطون الماء بالخمر الزلال قد مضوا حيناً وساروا زمناً وساروا جثثاً تحت الرمال فبكى النعمان ورفع الخمر، فهذا نذير أمة، يقول: يا نعمان! لا تضيع حياتك في الخمر، فهذه الشجرة تخبرك أن قبلك ملوك سكنوا وجلسوا هنا، وضحكوا وشربوا لكن ذهبوا.

стр. 8498

ما يستفاد من النكبات يقول صاحب كليلة ودمنة، عبد الله بن المقفع: أرسل الأسدُ الحيوانات تجمع له صيداً، فأتت بغزال وأرنبٍ وظبي، قال: من يقسم بيننا؟ فأتى الذئب -الذئب دائماً فيه عجلة سامحه الله- فقال: أنا، قال: تفضل يا أبا حسل -وقيل: أنها كنية الضب- قال: أما الأرنب فللثعلب أبي معاوية، وأما الظبي فلي، وأما الغزال فلك، فالغزال أكبرها، فغضب الأسد ومد ذراعه فخلع رأس الذئب فإذا هو ميت، قال: من يقسم؟ قال أبو معاوية الثعلب: أنا، قال: تفضل، قال: أما الأرنب ففطورٌ لك، وأما الظبي فغداء لك، وأما الغزال فعشاء، لك قال: أحسنت، بارك الله فيك، من علمك هذه الحكمة؟ قال: رأس الذئب المخلوع.

стр. 8499

عدم الوقوع في نفس المشكلة بتفادي الأسباب ومقصود صاحب كليلة ودمنة أنه يخاطب السادة، يقول: اعتبروا بما حل بجيرانكم قبل أن يحل بكم، ورأس الذئب المخلوع درسٌ عظيمٌ ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧]. إياك أعني واسمعي يا جارة!! يقول ابن القيم: نزل أعرابي يسأل عن بعير له ضاع، قال: مَن القوم؟ قالوا: بنو سعد، فارتحل إلى الوادي الآخر، قال: مَن القوم؟ قالوا: بنو سعد، فارتحل إلى الوادي الثالث، قال: مَن القوم؟ قالوا: بنو سعد، قال: في كل وادٍ بنو سعد! فصارت مثلاً. والمعنى: في كل دارٍ مصيبة. وهكذا فعل الله بالأيام وبالساعات وبالحوادث، والمقصود هو: سرعة تغير الحال، فليس عندنا عهد من الله، فالعهد الذي بيننا وبين الله أن نطيعه ونتولاه وننصر دينه. أرسل عمر إلى القادسية سعد بن وهيب، فقال: [[يا سعد بن مالك بن وهيب -لم ينسبه لأبي وقاص-: لا يغرنك قول الناس: إنك خال رسول الله ﵊؛ فإن الله ليس بينه وبين أحدٍ من خلقه نسب؛ فإن أحبهم إلى الله أتقاهم]] ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] متى كانت الشعارات الكاذبة تبرئة لأصحابها؟ متى كان المجرم الذي يَلِغ في الدم ولياً لله؟ متى كان المتكلم أمام الجماهير بالعدالة وهو ظالم قريباً من الله؟ هذا المجرم يدعي حماية المقدسات والشريعة والإسلام والجهاد وأمثاله كثير: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة:١٨].

стр. 8500

الاستفادة من المصيبة في إصلاح الأحوال دريد بن الصمة أوصى قومه فقال لهم: أرى ألا تتوقفوا هنا لقسمة الغنائم، فإن العدو مقبل، قالوا: لا يوجد عدو، وأصروا على الاقتسام هناك، فداهمهم العدو واجتاحهم، وقَتل منهم من قَتل، فيقول دريد: أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغدِ فقلتُ لهم ظنوا بجيش مدجج سراتهم في الفارسي المسرَّدِ قال: سوف يصبحكم جيشاً عرمرماً، يلبس الفارس والقائد منهم البازوك والكلاش نكوف وغيرها -من سلاح زمانهم- لكن ما أطاعوه، قالوا: أنت مهلوس، وفي الصباح اجتاحهم، قال: وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزيةُ أرشدِ وهذا منطقٌ جاهلي: لا. أنا لست من الضالين، وأنت لا تقل في الدنيا: نفسي نفسي، أنت مسئول أن تصلح وأن تدعو، وتوجه وتأمر وتنهى، ثم تتبرأ من أعداء الله، أما أن تكون مع الأمة ومع الرأي العام ومع الجماهير فهذا ليس مبدأً إسلامياً، بل هو خطأ.

стр. 8501

الاستعداد وترك التَّرَفُّه استفدنا من هذه النكبة: أن علينا أن نستعد وأن نترك التَّرَفُّه، والشهيق والزفير، وحمامات السباحة، ومطاردة الحمام، والتزلج على الثلج، وبيع الأوقات الغالية في البلوت والكيرم، والأغاني الساقطة، فلن يبقى معنا إلا مبادئنا وإرادتنا ورجولتنا، تقول أم الملك الأندلسي حين ضيع ملكه: ابكِ مثل النساء مُلكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجالِ أنت الذي ضيَّع مجده ومبادئه وخلوده. ذكر ابن كثير: أن معاوية بن أبي سفيان حضر صفين فخرج علي بن أبي طالب وتعرفون من هو علي أشهر ما فيه أنه حيدرة الأسد يقول: أنا الذي سَّمتني أمي حيدره كَلَيْثِ غاباتٍ كريه المنظره أكيلكم بالسيف كيل السندره كان إذا خرج الأبطال وضعوا الدروع في الأرض علامة: (خطر ممنوع الاقتراب!!) أخرج السيف يوم صفين وقال: [[مَن يبارز؟ قال المسلمون: بارز أنت يا معاوية، قال والله لا أقدر عليه، ثم ردها على عمرو بن العاص، وقال: يا عمرو بن العاص! بارز الرجل، قال: لا أريد، قال: عزمت عليك أن تبارزه، فخرج عمرو، فلما رأى علياً وضع درعه وسيفه، قال: (مكرهٌ أخاك لا بطل!!) وبدأت المعركة وفر معاوية، ولما وقف في الصحراء تذكر ابيات ابن الإطنابة الحجازي، الرائعة الجميلة التي حثَّته على حفظ المبادئ وحفظ أصالته ورجولته وإيمانه. يقول ابن الإطنابة الحجازي وهو جاهلي أراد أن يفر لكن أبى عار الفرار قال: أبت لي عفتي وأبى حيائي وأخذي الحمد بالثمن الربيح وإقدامي على المكروه نفسي وضربي هامة الرجل السميح وقولي كلما جشأت وجاشت مكانك تحمدي أو تستريحي ذكرها معاوية فعاد إلى المعركة وانتصر بآخر المطاف]] والمقصود أن أهل المبادئ ولو كانوا أهل جاهلية يثبتون على مبادئهم، فالنار نار، والموت موت. لبَّث قليلاً يشهد الهيجا جمل لا بأس بالموت إذا حان الأجل أما التلوي، وتضييع الوقت، فليس من دأبنا.

стр. 8502

النكبات تربي الرجال إن هذه النكبة علمتنا أن علينا أن نكون رجالاً، وأن نعد للموقف عدته، وأن نحفظ عهد الله، وأن نسير أمورنا على منهج: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] فالشعر خالد، والأدب إذا وجه بهذه الوجهة الصحيحة أصبح أدباً رائداً، أمَا تعرف أن الجاهلي يتحول من بخيل إلى كريم بسبب أبيات؟ يقولون عن المحلَّق إنه كان أبخل العرب، عنده ثمان بنات نشبن في حلقه لم يتزوجن؛ لأن العرب تعفو عن كل شيء إلا عن بخل البخيل، كُن عند العرب الجاهليين ما كنت: كن مجرماً، كن سكيراً، خماراً، مجرماً، ضائعاً؛ لكن لا تكن بخيلاً! فـ المحلق لم يتقدم إليه رجل يخطب بناته، فهن ثمان، فذهب فشاور امرأته: ما رأيكِ في هؤلاء الثمان البنات؟ قالت: اذهب إلى الأعشى، شاعر العرب وضيفه وأعطه هدية علَّه يمدحك، فيسري مديحه في العرب فيتزوجون بناتك، فذهب فاستدعى الأعشى، وضيفه وذبح له ناقة، وكساه جلباباً، وأعطاه دنانير، وخرج الأعشى ولما ركب الناقة طَرِب وقال: لعمري لقد لاحت عيونٌ كثيرةٌ إلى ضوء نارٍ باليفاع تحرق تشب لمقرورين يصطليانها وبات على النار الندى والمحلق وذهبت هذه الأبيات كالسحر وكالماء وكالضياء حتى بلغت آذان العرب، فقالوا: فما أتى شهرٌ إلا وقد تزوجن بناته جميعاً، الأدب الذي يحول أفكار الناس وأنظارهم. أبو نعامة قطري بن الفجاءة خارجي حضر المعركة، ولما رأى القوم كادوا أن يفروا تماسك، وقال وهو في المعركة، وأحسنُ الشعر ما كان وقت المعمعات: أقول لها وقد طارت شعاعاً من الأبطال ويحكِ لن تراعي فإنكِ لو سألتِ بقاء يوم على الأجل الذي لكِ لم تطاعِ فصبراً في مجال الموت صبراً فما نيل الخلود بمستطاعِ إلى آخر ما قال، ثم قُتِل في المعركة، لكن قُتِلَ شريفاً، فإن قتل المرء وهو مقدمٌ صابرٌ محتسبٌ على مبادئه أحسن من أن يؤخذ وهو فارٌ هارب يترك حذاءه وأهله وعرضه، وهذا هو العار. يقف حسين بن الحمام الجاهلي في المعركة ويقول: وليس على الأعقاب تدمى كُلومُنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما يقول: أنا لا أموت إلا مقبلاً، وهذه شارة الإيمان التي علمها الله أولياءه.

стр. 8503

الشعر وتخليد المواقف ونزع الأحقاد

стр. 8504

صلاح الدين بن أيوب يوم انتصر صلاح الدين خطب شمس الدين الحلبي الجمعة في بيت المقدس فمدح صلاح الدين. وذلك أنه لما ترك العرب مبادئهم وتولوا إلى التصفيق والصفير، وترصيع البيوت والمنازل والحدائق، نقل الله الرسالة ومبادئها إلى الأكراد وانتصر صلاح الدين، ودخل يوم الجمعة، وأذن المؤذن في بيت المقدس، فبكى المسلمون جميعاً مما أثاره ذلك الأذان من خلودٍ وذكريات في أذهانهم، قام الخطيب شمس الدين -وكان شاعراً- فابتدأ بحمد الله وأثنى عليه، وذكر النصر، ثم قال لـ صلاح الدين: تلك المكارم لا قُعبان من لبنٍ وهكذا السيف لا سيف بن ذي يزن إلى آخر ما قال، يقول: هذا هو التاريخ والمجد، وهذا هو الجيش، هذا هو اللموع والسطوع، وهذا هو الخلود لك ولأمثالك. تلك المكارم لا قُعبان من لبنٍ وهكذا السيف لا سيف بن ذي يزن وعاش صلاح الدين في ضمائرنا، وسوف يعيش إن شاء الله، وعسى الله أن يجمعنا به في دار الكرامة. لـ أبي الصلت، والد أمية بن أبي الصلت من أهل الطائف من ثقيف مدحٌ لـ سيف بن ذي يزن يقول فيه: تلك المكارم لا قُعبان من لبنٍ شيبا بماء فعادا بعدُ أبوالا اجلس بـ غمدان عليك التاج مرتفقاً في قصر غمدان حالاً دونه حالا إلى أن أتى إلى هذا البيت. وأنا أذكر قصة، فأستطرد لذكر المكارم والخلود والمبادئ: دخل ثلاثة من الشباب على عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الزاهد ﵁ وأرضاه، مجدد أمر الأمة الإسلامية وحافظ مبادئها في القرن الأول، فجلس الشباب الثلاثة، فقال للأول: أنتَ ابنُ مَن؟ قال: أنا ابنُ الأمير الذي كان أميراً لـ عبد الملك بن مروان على الكوفة. فماذا تعني هذه عند عمر بن عبد العزيز؟ لا شيء. المؤهلات عند عمر بن عبد العزيز غير هذا، فالنسب عند عمر بن عبد العزيز هو: لا إله إلا الله؛ التقوى، الصلاة، قيام آخر الليل، صيام ثلاثة أيام من كل شهر، حمل الرسالة، نصرة دين الله، أما ابن أمير أو وزير أو جنرال في حرب (١٩٦٧م) أو في العدوان الثلاثي، فهذه كلها خزعبلات، فسكت عمر بن عبد العزيز وأشاح بوجهه. وقال للآخر: وأنتَ ابنُ مَن؟ قال: أنا ابن شريك بن عرباء، الوزير الذي كان عند الوليد فسكت. وقال للثالث: وأنتَ ابنُ مَن؟ وكان الثالث -ابن أنصاري- ابن قتادة بن النعمان، الذي شارك مع الرسول ﷺ في معركة أحد، فضُربت عينه بالسيف فنزلت إلى خده فردها المصطفى ﵊ بيده- فقال: أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فرُدَّت بكف المصطفى أحسن الردِ إلى آخر القصيدة، فدمعت عين عمر بن عبد العزيز وقال: تلك المكارم لا قعبان من لبنٍ شيبا بماء فعادا بعدُ أبوالا ومعنى البيت يقول: أمية بن أبي الصلت: يا سيف بن ذي يزن! تحريرك العرب من أبرهة وأذناب أبرهة والملاحدة والمرتزقة هذا هو المجد، فما هو مجدنا نحن معشر العرب؟ يخرج الواحد منا من الخيمة بقعبان من لبن في كفه فيعطيها، فنقول: هذا أكرم الناس، هذا هو الكرم؛ لكن أكرم من سيف بن ذي يزن وأحسن منه من ثبت على مبادئه وهو صلاح الدين الأيوبي. تلك المكارم لا قُعبان من لبنٍ وهكذا السيف لا سيف بن ذي يزن أيها الإخوة الكرام! ومن شعر المبادئ: لماذا كان يقاتل الأشتر؟ تقدم الأشتر إلى محمد بن طلحة بن عبيد الله أحد أبناء الصحابة، فإذا هو سَجَّادٌ ولِيٌّ لله، فأراد قتله، فقال: لا تقتلني، قال الأشتر: ولِمَ لا أقتلك؟ قال: أتقتلون رجلاً يقول: ربي الله، فسل الأشتر سيفه وقتله، ثم لما قتله قال: وأشعث قوامٍ بآيات ربه قليل الأذى فيما ترى العين مسلم شققت له بالسيف جيب قميصه فخر صريعاً لليدين وللفم على غير شيء غير أن ليس تابعاً علياً ومن لا يتبع الحق يندم يذكرني (حم) والرمح شاجرٌ فهلا تلى (حم) قبل التقدم قتلته لأنه ما تبع علياً على المبادئ، فأنا أقاتل من أجل أن تنتصر راية علي، إنهم أهل المبادئ.

стр. 8505

كعب بن زهير مع النبي ﷺ أيها الإخوة! الأدب يُسِّل السخيمة في النكبات، وسوف أجعلها آخر فقرة لتبدأ المداخلات. غضب الرسول ﵊ غضباً شديداً، وكان إذا غضب غضب. وإذا وعدت وفيت فيما قلته لا من يكذب فعلها أقوالها أنت الشجاع إذا لاقيتَ كتيبة أدبت في هول الردى أبطالَها غَضِبَ على كعب بن زهير لأنه هجاه فأهدر دمه في العرب، وذهب كعب في القبائل يمضي النهار، وينام الليل حتى وصل إلى أبي بكر الصديق فقال له: أعندك شيء من الشعر، كما يقول عمر بن الخطاب: [[الرجل يقدم بين يدي حاجته شيئاً من الشعر]] فأتى في صلاة الفجر وسلم على الرسول ﷺ -وهذه تروى في السيرة- فقال: يا رسول الله! اسمع مني، قال: قُلْ، فقال: بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ مُتَيَّمٌ إثرها لم يفْدَ مكبولُ قال الرسول ﷺ : ومَن سعاد؟ قال: زوجتي، قال: لم تَبِنْ إذاًَ، فهي ما زالت معك. ثم استطرد قائلاً: إن الرسول لنورٌ يستضاء به مهند من سيوف الله مسلولُ إلى أن قال: نُبِّئتُ أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمولُ مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة الـ ـقرآن فيها مواعظٌ وتفصيلُ وسل سخيمته ورضي قلبه ﵊ وأعطاه بردته، وأطلق قياده وجعله حراً بسبب تلك الأبيات الرائدة التي حملت مبدأً وحباً.

стр. 8506

النابغة والنعمان ويغضب النعمان على النابغة الذبياني ويتوعده، ويأتي النابغة إلى النعمان ويقول له في مجلس محتجب والسيف يكاد يقطر في يد النعمان دماً، يريد أن يفتك بـ النابغة فيقول: أتاني أبيت اللعن أنك لمتني وتلك التي أهتم منها وأنصب إلى أن يقول: حلفت فلم أترك لنفسي كريبة وليس وراء الله للمرء مذهبُ لئن كنت قد بلغت عني وشاية لمبلغك الواشي أغش وأكذب فعفا عنه. وهذا دور الأدب أن يحول الغضب إلى رضا، ويجعل الناس يغيرون قراراتهم الفاسدة إلى قرارات صحيحة، وأن يوجهوا الأفكار من الخطأ إلى الصواب، وألا ينادي بالاستقرار والاستمرار على الريبة ولسان الحال: (كل شيء على ما يرام) وهو ليس على ما يرام.

стр. 8507

الحسن بن هانئ وعلي الرضي يقول الذهبي كان علي بن موسى الرضا ولي عهد المأمون ممدوحاً عند الشعراء وهو من أحفاد علي بن أبي طالب مدحه الناس إلا الحسن بن هانئ فاستدعاه وقال: [[لماذا هجرتني ولم تمدحني؟ فاعتذر بقصيدة هي من أجمل الأبيات -يقول الأصمعي: أجزم جزماً أنه ما قيل في المديح كهذه الأبيات- يقول الحسن بن هانئ في علي بن موسى الرضا: قيل لي أنت واحد الناس في كل معنى من الكلام بديهي لك في جوهر الكلام بديعٌ يجتنى الدر من يدي مجتنيه فعلام تركتَ مدح ابن موسى بالخصال التي تجمعن فيه قلت لا أهتدي لمدح إمامٍ كان جبريل صاحباً لأبيه هذا إبداع، يقول ابن هاني: قيل لي: أنتَ واحد الناس معكوسة، لكن الذهبي غيرها فغيرتها معه يقول: قيل لي: أنت واحد الناس في كل معنى من الكلام بديهي لك في جوهر الكلام بديعٌ اجتنى الدر من يدي مجتنيه فعلام تركتَ مدح ابن موسى بالخصال التي تجمعن فيه قلت: كيف أهتدي لمدح إمامٍ كان جبريل خادماً لأبيه قال الذهبي: ليس بخادم ولكنه صاحب، وهو الصحيح فهذا هو الإبداع، ورضي عنه علي بن موسى وأيده وأصبح شاعراً من شعراء الدعوة.

стр. 8508

خاتمة في موضوع الأدب

стр. 8509

الشعر النبطي أيها الكرام: أختتم محاضرتي هذه بأمور: الأمر الأول: يلاحظ في أدبنا طغيان الشعر النبطي، فأنا أعرف أن للشعر النبطي قراء، ولكن ليس معقولاً أن يوجه الإعلام والصحف كلها للشعر النبطي، وهذا يعني أننا صرنا بَدْواً كلنا، تحولت الأمة إلى شعر نبط. إن الشعر النبطي الذي في نجد لا يناسب الشعر النبطي الذي في الجنوب ولا الذي في الشمال ولا في الحجاز، لكن الذي يناسب الأمة من شرقها إلى غربها: الشعر العربي الفصيح، شعر القرآن والسنة، فهو الشعر الذي يعيش معنا في ضمائرنا، وهو المفهوم الواضح البيِّن، أما أن نرى كل صحيفة نفتحها فيها عشرات الصفحات بقصائد قيلت في مكان ما، فإن ذلك خسارة من وجهة نظري، ونحن الآن نعيش الرأي شورى، فمَن عنده كلام فليتفضل، وهذا ميدان للمصارعات، وسوف يرى مَن يتقدم ماذا يُقال له. وأما النتائج التي جنيناها من الشعر النبطي فقد كملت، ومعي بعض الإخوة القائمين على الصحف، وسألناهم عن الإنتاج: أين روعة شعر المتنبي وأبي تمام وزهير ومحمد إقبال وشعراء الدعوة قديماً وحديثاً؟ لماذا يُقَدَّم للأمة شعرٌ فيه كلمات لا يدري هل هي من فعل أمر أو مضارع، أو هي من الحروف؟ وهل هي عربية أو فرنسية أو إنجليزية أو بشتوية؟ فهذا ليس بصحيح، فالأمة لا زالت راشدة وواعية ومثقفة، عندها أقلام وأدباء.

стр. 8510

الشعر الحر الأمر الثاني: انتقلنا من النبطي فوقعنا في الشعر الرخيص (الحر) عندما مر بـ عمر مولاه وابنه؛ وإذا المولى والابن ينشدان نشيداً، قال عمر: [[مَن الذي ينشد منكم؟ قالا: ما أنشدنا، قال: أنشِدْ أنتَ، فأنشَدَ، وقال للآخر: وأنتَ أنشِدْ؟ فأنشَدَ، فقال: أنتما مثل حمارَي العبَّادي]] فـ العبَّادي رجل جاهلي عنده حماران، قيل له: أيهما أخس حمارَيك؟ قال: هذا ثم هذا، ونحن خرجنا من النبط فوقعنا في الحر الذي ليس له ضابط، لا بقافية ولا وزن، وبهذا أصبح كل الناس شعراء. أنا ذبابة الليمون أطير من شجرة إلى شجرة أنام على زورق تحت الأفق نمت مرة فانزلقت حذائي من على الدرج حلمت أن البحر كفي هذا الكلام ليس بشعر.
следующие страницы →