← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 8576–8615 · переход к 8581.

стр. 8576

نماذج من خوارم المروءة وحذار من أن الإنسان يأتي بهذه الخوارم، منها: أن البعض في صلاة الفجر يأتون بثوب النوم المخطط، هذا الذي كأنه من نيجيريا، يأتي بثوب النوم، ولو دعاه سلطان من الناس لتجمل قبل الدعوة بيوم، والبعض في الأعراس يأتي كأنه تحفة، الإنسان لابد أن يعتني بمظهره. منها أنه يشاهد بعض الإخوة وهو يمشي في الطريق يبصق عن اليمين وعن اليسار في طريق المارة، وهذا شاب يمثل الإسلام! أحياناً تجده يدخل عجولاً مهرولاً في مشيته، وهذا لا يليق؛ لأن الإنسان يقدر بالعقل والاتزان، وليس كل ما لم يذكر في القرآن ولا في السنة معناه أن يترك ويهمل، لا. قد علمنا الرسول ﷺ من سيرته الكثير. وأعرف كذلك نماذج كثيرة من خوارم المروءة كما قلت في المثل، كثير من الناس يشرب الماء وهو ماش في السيارة، أو يشرب الببسي ثم يرمي العلبة وراءه فتقع على سيارات الناس، ثم يكتشفون هذا الوجه النير الطاهر فيقولون: كيف تفعل هذا؟ أليس هذا خطأ؟ بلى. منهم من يقطع الإشارة -مثلاً- ويقول هذه إشارة المرور لم تذكر في الكتاب ولا في السنة، ما هذا الفقه؟! وقس على ذلك. والذكي يعرف وإلا فهناك نماذج كثيرة من خوارم المروءة يقع فيها كثير من الناس، ومنها ما هو سوء أدب كأن تجد بعض الشباب ولو كانوا طلبة علم وشاركوا في المراكز وهم دعاة في نفس الوقت لا يقدرون الكبير، أنا حضرت مجالس يدخل طالب علم مشهور بطلب العلم أو قاضي أو عالم أكبر منه سناً، فيجلس الطالب لا يقوم أبداً تقول: لماذا لا تقوم للشيخ يا أخي؟ قال: الرسول ﷺ نهى أن يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن في هذا الموقف لا أدري يتسنى للإنسان أن يبقى في صدر المجلس وتنظر إلى رئيس المحاكم -مثلاً- أو إلى عالم من العلماء وهو عند الأحذية بين الأطفال. أنا رأيت بعض الشباب كذلك يدخل بعض الشيوخ الكبار فيقوم المجلس كله ويبقى هو جالس، وهذا والله لا يصلح، أنا أدري أن عندهم أدلة لكن الأدلة على خلاف ما يقولون، وربما المسألة اجتهادية، وفرضاً أنه مصيب وأنا مخطئ في الدليل؛ لكن هل من اللائق أن يقوم مجلس فيه خمسون لشيخ من المشايخ الكبار، ولا يقوم طالب العلم معهم؟! ليس بالصحيح. ولـ ابن تيمية إشارة إلى هذه المسألة وأن حق المسلم مقدر، وأن المسائل المرجوحة هذه قد يكون المرجوح أعظم في بعض المناسبات -مثلاً- في المسجد إذا أتت محاضرة أتينا لبعض المشايخ في بعض المحاضرات والصف الأول فيه شباب، قلت: يا أخي! من فضلك مشايخ وضيوف أتوا قال: من العصر وأنا هنا، ما أقوم من هنا أبداً قلت: يا أخي! بالتي هي أحسن، قال: ولا أقوم، فجعلنا بعض الضيوف في الصف الثاني، انظر إلى الشكل والمظهر. كذلك كثير من الشباب لا يعطي المشايخ الكبار قدرهم كالتقبيل على الرأس -لا تظنوا سوء نحن كلنا شباب، لكن أقصد العلماء الكبار- يقبل أحدهم على رأسه ويحترمه وألا تتكلم بين يديه. من سوء الأدب أن تعرض المسألة في المجلس وفيه من هو أعلم منك، فلا تتلكم حتى يتكلم هو، ويقفز لك شاب من الثانوية بينما المشايخ موجودون، قال: الذي تطمئن إليه نفسي في هذه المسألة بعد ما رجعت إلى ابن تيمية وابن القيم أن فيها كذا وكذا، هذا لو سكت ولو مات كان أحسن، ثم الناس لن يقبلوا بكلامه أولاً، والأمر الثاني: أنه تعدى على حرمة ومكانة هؤلاء، وقس على ذلك. أيها الإخوة الكرام: المقصود من هذا كله أن نكون متزنين في حركاتنا وسكناتنا ولا تأتي هذه إلا بتربية، وأرى أن أحسن ما يربي بعد تدبر كتاب الله مطالعة سيرة الرسول ﷺ ، وتراجم العلماء، وأنا أرشح سير أعلام النبلاء للذهبي أن تتأملوا آداب العقلاء والفطناء والعلماء حتى يعرف الشاب كيف يتعامل مع الناس، كيف يزور وكيف يجلس، العقل، الأدب، الهدوء، الاتزان، حسن التصرف. أنا أذكر لكم مثلاً حياً: قبل البارحة اتصل بنا شاب -والمؤذن يؤذِّن- يسألني في مسألة، فلم يجد من أربعة وعشرين ساعة إلا وقت الأذان يقول: ما رأيك في نزيف الأنف، يفطر أم لا؟! فلا بد أن يعرف الإنسان كيف يتصل، ومتى يزور ومتى يأتي. إنسان يزورك قبل صلاة المغرب، ويوقفك عند الباب، وتقول تفضل ويقول: لا أنا مستعجل، فلماذا توقفه الآن في هذا الوقت، أو إنسان يتصل بك مع الأذان، أو عند النوم في الهاتف، لا بد أن يكون الإنسان محافظاً على نفسه ويعتني بتصرفاته، وبزياراته وباتصالاته، وقد كررت كثيراً. مما يقول الإنسان من كثرة الإحراج الذي يواجهه من الشباب أن لو كان ذلك من العامة والجهلة لكانوا معذورين، لكن ما بالك بهذه الصفوة المختارة، النخبة التي تربي الناس فتأتي منهم هذه الأخطاء. على كل حال أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية والرشد والسداد، وأن يزيدنا وإياكم بصيرة وتقوى، وهداية، وأن يجعلنا وإياكم من المقبولين، وأن ينفعنا بما سمعنا، وأكرر شكري لكم، ونطلب منكم الدعاء في ظهر الغيب، وصلى الله على محمد وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 8577

الأسئلة

стр. 8578

ظاهرة ضعف حفظ القرآن وعلاجها السؤال بعد أن هداني الله تعالى إلى طريق الحق والحمد لله، أعاني من مشكلة حفظ القرآن الكريم فبماذا تنصحني حفظك الله؟ الجواب أولاً: إنني أبشركم أن هناك بحثاً لأحد طلبة العلم سوف يخرج بعنوان (كيف تحفظ القرآن) وهو بحث قيم بإذن الله ؛ أسأل الله أن ينفع به، وهذا الأخ طالب علم في المدينة المنورة، ولكن مما يعرف بالاستقراء والتجربة وسماع بعض الحفاظ، أن مهمة حفظ القرآن ليست بالسهلة. ثانياً: تريد من الإنسان إخلاصاً وتجرداً لله، ثم أن تبتهل إلى الله في سجودك وأدبار الصلوات أن يزيدك وأن يوفقك ويعينك على حفظ كتابه . الأمر الثاني: أن تقتصد في الحفظ فتأخذ آيتين، فإن زدت فخمس آيات في اليوم، كرر عليها كثيراً كثيراً حتى تتصورها كالفاتحة. الأمر الثالث: أن يكون لك زميل تحفظان معاً. الأمر الرابع: أن يكون لك وقت للمراجعة، وحبذا لو راجعت في النوافل. الأمر الخامس: أرى أن تطالع التفسير ولو مختصراً حتى تفهم معنى الآية؛ لأن فهم معنى الآية يعنيك على حفظها. ثم منها: كثرةُ الاستغفار، ثم أن يكون لك مصحف واحد. ثم منها أن تختار الوقت المناسب كوقت السحر أو بعد الفجر، ثم منها: أن يكون المكان الذي تحفظ فيه هادئاً ومغلقاً، أي ألا تكون فيه مناظر مزعجة وملفتة للنظر، إلى غير ذلك والله والموفق.

стр. 8579

الحوار والفتيا والفرق بينهما السؤال يقول السائل: ما رأيكم أن بعض طلبة العلم في مجلس، ثم تعرض قضية في الفقه أو غيره ثم يعطي كل منهم ما يعرف في المسألة، وتناقش حتى يظهر الحقُّ أو تبحث؛ فهل هذه هي الفتيا والقول على الله بغير علم؟ الجواب يختلف النقاش العلمي عن مسألة الفتيا، فالفتيا: أن يأخذ منك سائل ما تدلي به من علم، أي أن يعتمد عليك فيحلل ويحرم بسببك وبفتياك، أما المناقشة فلو أخطأت مع زملائك فهم لا يأخذون قولك لأنها وجهة نظر ولا بأس بذلك، فإنه مما ينمي العلم، وهي المذاكرة، ولو أوردت حديثاً ضعيفاً وبان أن رأيك خطأ، لكان لا ينبني على كلامك شيء، سوف يرد عليك زميلك ويلاحظ عليك؛ فالمباحثة مطلوبة، وهي إحياء العلم، وكان الإمام أحمد، يباحث أبا زرعة -حسب ظني- حتى طلع الفجر، وقالوا تماسك الفضيل وابن المبارك يتساءلان عند باب الحرم حتى أذن الفجر، فالمذاكرة واردة وهي طيبة، وخاصة إذا كانت في مكتبة، وكانت الكتب قريبةً حتى تبحثون بقرب من كلام أهل العلم.

стр. 8580

ضابط الحكم الشرعي على المسائل السؤال هل التسرع في إصدار حكم كقول القائل: حلال أو حرام أو جائز ونحوه هل هذا قول على الله بغير علم مع أن مصدر الحكم ليس عليه دليل، أو مصدر الحكم ليس عن دليل، بل قد يكون هناك خلاف أو أدلة أخرى لا علم له بها، وما ضابط إصدار الأحكام الشرعية على المسائل الملقاة على السائل. الجواب أيها الإخوة: أدعوا نفسي وطلاب العلم ألا يتسرعوا في كلمتين؛ في قول: حلال، وفي قول: حرام. يقول سبحانه: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل:١١٦]. لأنَّ تَسرعك وقولك هذه الكلمة توقيع عن رب العالمين، ولذلك سمى ابن القيم كتابه: إعلام الموقعين عن رب العالمين أي أفهم يوقعون ويمضون عن الله ، ثم إذا لم يكن هناك نص يحرم المسألة، فلا يجوز لك أنت حتى تتيقن وتبلغ درجة الإفتاء في المسائل المختلف فيها، أما مسائل ظاهرة التحريم مثل الزنا وشرب الخمر، والسرقة، فإنك تقول: حرام ولا تتلافى، كما تقول شرب الماء حلال، مصافحة الرجل للرجل حلال، فهذه بائنة لكن هناك مسائل مختلف فيها هي التي أحذر كل التحذير أن تتسرع في التحليل والتحريم، كان الإمام أحمد لخوفه من الله يقول: أرجو، أكره، أخشى، لا أدري، وكذلك مالك، وذكر ابن القيم فصلاً في إعلام الموقعين عن تحرزهم في الفتيا، وصعب أن تقول: حلال، وصعب أن تقول: حرام، حتى رأيت بعض المنافقين يهاجمون كثيراً من طلبة العلم أنهم يقولون: حرام، يقول أحدهم: كل شيء حرام ويعلم الله أنه ما قاله أحد، ولا يقوله طالب العلم، لكن من التجريح، سمعت أحدهم يضحك مع زملاء له ويقول: خطيب قام فقال: الدخان حرام، والموسيقى حرام، والتبرج حرام، كل شيء حرام!! وهل يقول هذا عاقل؟ فمثل المسائل الظاهرة يتكلم طلبة العلم، وأرى أن الذين في المنطقة يجتمعون حتى يتحد رأيهم على كلمة، وأما المختلف فيها فيحيلونها إلى العلماء، حتى لا تتضارب الأقوال ويهتز موقف الشباب أمام الناس.

стр. 8581

الفتوى بغير دليل ولا برهان السؤال يسألني بعض الشباب عن بعض المسائل وأنا أعرفها، ولكن لا أحفظ الدليل فهل أجيب أم لا؟ وشكراً. الجواب إذا بلغ طالب العلم إلى الدرجة أنه بحث المسألة وقتلها بحثاً وتأكد واطمأن قلبه فلا بأس، وذكر النووي في أول مجموعه أنه لا يلزم المفتي أن يذكر الدليل للعامي أو الذي لا يسأل الدليل لا يلزمك، لكن إذا طلب طالب علم منك أن تذكر له الدليل فتبحث، الكثير من المسائل قد لا يستحضر طالب العلم الدليل فيها، نعلم -مثلاً- نحن الآن جميعاً أن قدر المضمضة في الوضوء ثلاث مرات، لكن أعرف أن كثيراً ممن هو جالس الآن لو قلت له: ما هو دليل المضمضة ثلاث مرات من الأحاديث النبوية لا يستحضر أن يقول حديث عثمان في البخاري ومسلم وهو برواية: وتمضمض ثلاث مرات واستنثر، وحديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وحديث أبي هريرة وحديث عائشة؛ لا يستطيع لكن يعرف الجميع أنها ثلاث مرات.

стр. 8582

مشكلة النسيان السؤال يقول أنا شاب كثير القراءة وأحبها كثيراً حتى أنني قد أقرأ الكتاب المكون من مائتي صفحة في الصباح وأنتهي منه بالليل دون أن أترك كلمة واحدة، وأحس بعد الانتهاء أني قد فهمته، ولكن بعد مرور الوقت أنسى كل ما قرأت ماذا أفعل؟ الجواب أولاً -يا أخي- تشكر على القراءة، وأنا أوصيكم بكثرة القراءة، من أراد العلم والتوسع فليقرأ أكبر قدر من الكتب التي يجدها، يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر: إنه قرأ في وقت الشباب ما يقارب من عشرين ألف مجلد؟ ويقول: إذا رأيت كتاباً جديداً كأني ظفرت بكنز، فكثرة المطالعة مطلوبة ولا يخلو كتاب من فائدة. الأمر الثاني: سرعة القراءة تكون موهبة وأنا رأيت مقالة في مجلة البيان عن القراءة السريعة، وعن مالها وما عليها، أو فن القراءة السريعة، أو شبه هذا، فأعجبني الموضوع، وهو جيد، والقراءة السريعة موهبة وممن كان سريع القراءة ابن حجر، لأنها ولو لم تفهم لكنها تجمع لك شتات الموضوع وتكون عندك موهبة وملكة، والذي يقول: ما فهمت شيئاً، ليس بصحيح، يأتي يوم تسأل في مسألة تعرف أنها في الكتاب أو تبحث عن حديث أو عن رجل تعرف أنه مر بك، وعلى كل حال قل إنك فهمت (١%) من الكتاب، فكم في الكتاب من مسألة قد تكون ألف مسألة، فإذا فهمت عشر مسائل فهو خير كثير، لكن على كل حال: أرى أن تكثر من الاستغفار حتى لا تنسى كثيراً، وأن يكون عندك قلم وقت القراءة، لتلخص ما قرأت أو تكتب بعض الفوائد أو تفهرس المقروء.

стр. 8583

الملل من القراءة السؤال إني أجد في نفسي تحمساً للقراءة، ولكني عندما أفتح كتاباً وأقرأ فيه شيئاً قليلاً أمله ولا أستطيع إكماله فما الحل؟ الجواب كثير من الإخوة يرى أن القراءة أمر سهل، فإذا ناسب نفسه يجعلها متعة؛ فإن استطاع أن يقرأ فبها ونعمت، وإن لم يستطع تركها، ولذلك تجد بعض الإخوة عنده مكتبة كاملة ما قرأها، ويعرف المؤلف والعنوان، والطبعة، طبعة دار الشروق أو بولاق، ويمسح بيده هكذا، ينظر هل هذا مصور أم مخطوط؟! هذه ما تنفع، قراءة العناوين والمؤلفات ما تنفع حتى تدخل أنت في صلب الكتاب، ولا يحصل المسلم على خير الدنيا والآخرة إلا بالصبر، فلا بد أن تجاهد نفسك، علماً أن النفس إذا دعوتها لتقرأ فتح الباري -مثلاً- دعتك إلى قراءة العقد الفريد، أخبار وأسمار وأشعار وأحياناً ترهات تنفعه في وقت الملل، لكن النفس أمارة بالسوء، والنفس تهوى لا تريد أن تجالد؛ فما معك إلا الصبر، واصبر لأنك سوف تصل بقراءتك هذه إلى ما تتمنى إن شاء الله، ورحم الله من يقول: اطلب العلم وحصله فمن يعرف المطلوب يحقر ما بذل تصور الآن الذين صبروا في شبابهم، كيف تجدهم الآن، تجد كبار الناس يسلمون على رءوسهم، العالم إذا مر أو جلس لا ينظرون لنسبه، أنا رأيت علماء من الموالي، ومر في التاريخ مثل عطاء بن أبي رباح مولى عبد، وكلنا عبيد الله، أسود، مهلهل الشعر، أهنس، ما عنده من الدنيا درهم، وقف سليمان بن عبد الملك يريد أن يستفتيه في الحرم فقال لـ سليمان: لا أفتيك خذ دورك مع الناس فقال سليمان لأبنائه وهم خلفاء ملوك: يا أبنائي! عليكم بطلب العلم، والله ما ذللت في الحياة إلا لهذا العبد، بسبب العلم. إذا تصور الإنسان أنه سوف ينفع الله به لا لرئاسة الدنيا لكن ينفع الله به ويصلح على يديه، ويكون مرجعاً للناس ثقة. الآن أضرب مثلاً: الشيخ عبد العزيز بن باز، الآن تجد في البادية في تهامة في القرى، بل في أمريكا في المراكز الإسلامية رأيت الخلاف في مسائل محتدماً على أشده، والناس من نواحي الكرة الأرضية من بلاد الإسلام، فيقوم شاب عند المايكروفون، يقول: قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز فيقولون: اسكتوا نسمع ما يقول، فإذا سمعوا لقوله سلموا له وارتفع الخلاف، وهذا أمر حصل عليه بالسهر، وكذلك غيره من كبار أهل العلم الذين مروا في التاريخ.

стр. 8584

الفكر والمفكرون السؤال فضيلة الشيخ: هل يعني كلامك عن الفكر والمفكرين وقراءة الصحف أن نقرأ المتون والمطولات والمختصرات، ونترك الواقع وما يحدث حولنا، وكيف نحصل فقه الواقع، ثم ما قولك في أقوال سيد ومحمد قطب وغيرهم؟ الجواب أنا لا أعني هذا حفظك الله لا من قليل ولا من كثير، وأنا أهتم بهذه الكتب التي ذكرت ولا بد للإنسان أن يطالع ما يكتب، ويطالع الصحف، لكن ما أقصد أن يكون متخصصاً في فن الصحافة، يحفظه من أوله إلى آخره ويترك القرآن والحديث؛ لأنه طغى هذا الجانب على بعض الناس، وأنا ما قصدت هذا، لا بد من معرفة الواقع: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥]. والداعية إذا ما عرف الواقع أخطأ وأساء في تصرفه، أما كتب من ذكرت من سيد ومحمد، فأثابهم الله فقد أحسنوا كل الإحسان، وليسوا بمعصومين، وأعرف أنه لا يسلم عالم من خطأ أو زلل، وهم أرادوا الخير فيما ظهر لنا، وهذا ما نعتقده وندين الله به أنهم ما قصدوا إلا الخير وما قصدوا الإساءة للإسلام والمسلمين، وإن أتى خطأ فهم بشر، فعلى كل حال نرى أن يستفاد منهم، وأن يدعى لهم في ظهر الغيب، وأن ينبه على الخطأ الذي يوجد في كتبهم، حتى يكون الإنسان على بصيرة، ويكون طالب العلم على برهان.

стр. 8585

النعي وحكمه في الإسلام في هذه المادة تعرض الشيخ لحديث نعي النبي ﷺ للنجاشي، واستخرج منه عدة فوائد، وتطرق إلى بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بأحكام النعي والبكاء على الميت؛ كمثل حكم الصلاة على الميت في المسجد وفي المقبرة، وحكم الصلاة على الغائب، ومسائل أخرى.

стр. 8586

الحديث في نعي النجاشي إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. لا زلنا في كتاب الجنائز من صحيح البخاري ولا زلنا نعيش مع البخاري وهو يثلج الصدور، ويشنف الآذان، ويعطر الأنفاس بتبويباته الشائقة، وبتدبيجاته الرائعة، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. يقول رحمه الله تعالى: باب الصفوف على الجنائز، أو بابٌ: الصفوف على الجنازة (على القطع) قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال حدثنا معمر، عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة ﵁ قال: ﴿نعى النبي ﷺ إلى أصحابه النجاشي، ثم تقدم فصفوا خلفه فكبر أربعاً﴾. هذا الحديث في كتاب الجنائز فيه مسائل: الأولى: فائدة ترجمة البخاري. الثانية: بعض رجال السند ولطائف الإسناد. الثالثة: علم من أعلام النبوة في إخباره ﷺ بموت النجاشي. الرابع: حكم الصلاة على الميت في المسجد ويأتي هذا عرضاً. الخامس: الصلاة على الغائب وفيه سبعة مذاهب لأهل العلم. السادس: النعي وحكمه في الإسلام؛ محذوره وممدوحه، وجائزه ومكروهه. السابع: البكاء وأقسامه. الثامن: نختم بمسألة البكاء على الميت وهل يعذب بها، وفيها ستة مذاهب لأهل العلم، وعلى الطريق مناظرة بين ابن عمر أوردها البخاري وبين ابن عباس، وتشترك عائشة ﵂ وأرضاها بحديث من المعصوم ﷺ .

стр. 8587

تراجم رجال حديث نعي النجاشي قال البخاري: باب (الصفوف على الجنائز) أو على الجنازة.

стр. 8588

ترجمة مسدد بن مسرهد مسدد هذا مر معنا في مناسبات كثيرة وأكثركم يعرفه، أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء بسند فيه ما فيه أن اسم مسدد شيخ البخاري: مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مرعبل. يعني: أنه مولى، والاسم عجمي، قال الحافظ أبو نعيم الفضل بن دكين: هذا الاسم يضاف له بسم الله ويرقى بها الملدوغ من العقرب، وهو من الشيوخ الأجلاء للبخاري، بل البخاري من المكثرين عنه، وقال عنه في الصحيح: مسدد كاسمه -أي: أن الله سدده في حياته وفي روايته- وللاسم أثر على المسمى، والله -كما أتى رسوله ﷺ بتلك الشريعة- أمر أن يحسن الاسم، وكره ﷺ المكروه من الأسماء.

стр. 8589

ترجمة يزيد بن زريع يزيد بن زريع من الرواة المقلين، اي: من لم يرو عنهم مسدد إلا قليلاً.

стр. 8590

ترجمة معمر بن راشد معمر بن راشد الصنعاني وهو شيخ عبد الرزاق قال عنه: أصبح معمر على لساني كالماء.

стр. 8591

ترجمة الزهري الزهري هو: الإمام العلم محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الحافظ شيخ مالك، والنجم إذا ذكر في الرواية فهو مالك.

стр. 8592

ترجمة سيد التابعين سعيد بن المسيب قال: عن سعيد بن المسيب سيد التابعين، كما قال ابن كثير في البداية في ترجمته، والإمام أحمد كما روي عنه متوقف في سادات التابعين قال: هم ثلاثة: سعيد بن المسيب وأويس القرني، والحسن البصري. وأتى بعض أهل العلم فقال: أما في العلم فـ سعيد، وأما في الرقائق والمواعظ فـ الحسن، وأما في الزهد فـ أويس القرني. عن أبي هريرة ﵁ قال: ﴿نعي النبي ﷺ إلى أصحابه النجاشي ثم تقدم فصفوا خلفه فكبر أربعاً﴾.

стр. 8593

فوائد من ترجمة البخاري للحديث أما فائدة تبويب البخاري فظهر لأهل العلم فائدتان من هذا التبويب: (الصفوف على الجنازة) وهما:

стр. 8594

الإبهام من أجل لفت الأنظار البخاري ﵀ كما يقول الزين بن المنير: يبهم الإجابة على الأبواب لفائدة، ليترك الأنظار لأهل العلم لتتحرك ولتجيد السر في التبويب، وهذا من فقهه ﵀، أو لأن المسألة خلافية لم يتحقق رأي راجح له أو لغيره. قال: الصفوف على الجنازة، أي فضلها وثوابها، أو ما ورد فيها، أو الآثار التي وردت في فضل الصفوف على الجنائز، أو ثَوابٌ ذَكَره ﷺ للصفوف على الجنازة. كل هذه محتملة من تبويب البخاري قال ابن حجر: يشير البخاري ﵀ إلى قولٍ أثر عن عطاء [[أنه سئل هل نصف على الجنائز؟ قال: لا. بل تستغفرون وتدعون له]] روى هذا الأثر عبد الرزاق في مصنفه، قال البخاري راداً عليه: الصفوف على الجنازة؛ وذلك لورود أحاديث تنص على أن الصفوف على الجنازة سنة.

стр. 8595

التنبيه على أن المسألة خلافية والأمر الثاني: كأنه يشير إلى الحديث الذي ليس على شرطه من حديث مالك بن هبيرة مرفوعاً: ﴿من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب﴾ حسن هذا الحديث الترمذي، ورواه أبو داود وصححه الحاكم، ومعناه: وجبت له الجنة والحالة المسكوت عنها تعني: من المسلمين كما هو معروف. وفي تصحيح الحاكم له نظر، فهو من رواية محمد بن إسحاق صاحب السيرة وهو مدلس، وقد عنعن في هذا السند عند الحاكم فكيف يصححه الحاكم، وتصحيحه ليس بجيد كما أشار بعض أهل العلم إلى ذلك؟! فهذا تبويب البخاري ينص على المسألتين، وهناك أحاديث تغني عن هذا الحديث الذي أورده ابن حجر في الشرح وهو حديث جابر في صحيح البخاري: ﴿فصفنا ﷺ فكنت في الصف الثاني﴾ وفي رواية ﴿كنت في الصف الثالث﴾ فدل على أنه ﷺ صفهم صفوفاً. وتوفي ابن لـ ابن عباس ﵄ في عسفان، فقال لـ عكرمة: ناد الناس، فلما ناداهم صفهم ﵁ ثلاثة صفوف، فعلم أنه على أثر ﵁، وكأنه يعتضد بحديث مالك بن هبيرة في ثلاثة صفوف، فالأجر والمثوبة في تعداد الصفوف، وهو مقصود في الإسلام لهذا الحديث ولحديث جابر، ولأن فيه تكثيراً للصفوف وحكماً أخرى. وهنا مسألة: هل الأفضل إذا كان الناس في صحراء أن يكونوا صفاً واحداً أم يتوزعوا صفوفاً؟ الذي يميل إليه أهل العلم من المحدثين وأورده ابن حجر أن الصفوف أولى ولو اتسع المكان للناس.

стр. 8596

من علامات النبوة الإخبار ببعض الغيبيات العنصر الثالث: علم من أعلام النبوة في إخباره ﷺ بموت النجاشي كما يأتي بيانه.

стр. 8597

الإخبار بموت النجاشي كان ﵊ في المدينة، والنجاشي في الحبشة، فلما توفي قال ﵊: ﴿لقد توفي اليوم رجل صالح في الحبشة، فقوموا بنا لنصلي عليه﴾ والحبشة كما تعلمون تبعد عن المدينة أميالاً كثيرة، ولا يخبر به ﷺ إلا بإخبار الله من علم الغيب، فهو علم من أعلام نبوته ﷺ ، وهذه معجزة.

стр. 8598

موت زيد وجعفر وابن رواحة وقد تكررت له ﷺ هذه المعجزة في أكثر من مرة، فيخبر بموت أناس في نفس اليوم الذي ماتوا فيه، ففي الصحيحين عن أنس وابن عمر وعائشة قالا: ﴿لما قتل زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة في معركة مؤتة، أخبر ﵊ بهم في ذلك اليوم وهو بالمسجد، وكان يتكلم للناس، وجلى الله له المكان فكان ينظر إلى المعركة ويحدث الناس عن المعركة حركة حركة وسكنة سكنة، فيقول: أخذ الراية الآن زيد فقتل، ثم انتحب ﷺ قال: أخذها جعفر وقتل، ثم أخذها ابن رواحة فقتل، ثم جمع ﷺ الناس وقام خطيباً على المنبر فحدثهم بقصة قتلهم في سبيل الله، ثم قال: رأيتهم عرضوا علي وقد أدخلوا إلى الجنة على أسرّة، وفي سرير عبد الله بن رواحة ازوراراً لأنه تلبث قليلاً﴾ ﵁، وكان صائماً آنذاك وقد دنت الشمس إلى الغروب، وأراد أن يفطر بشيء لكي يتقوى به في المعركة فسمع الدعاء من أطراف الصفوف -لأنه الأمير الثالث- وقالوا: حي هلاً يـ ابن رواحة! خذ الراية فتلعثم لا يدري هل يأكل شيئاً ليتقوى به في سبيل الله أو يقدم على الموت، فأخذ عرقاً من لحم فلاكه فما وجد له طعماً لأنه يسمع السيوف تتكسر، والرماح تسقط على رءوس الأبطال، ويسمع الناس في غمغمة، وقد قتل القائدان المقدامان جعفر وزيد، فنزل -وكان شاعراً ﵁ وأخذ سيفه فسله وقال: أقسمت يا نفس لتنزلنه لتنزلن أو لتكرهنه إن أقبل الناس وشدوا الرنة مالي أراك تكرهين الجنة هل أنت إلا نطفة في شنة ثم تقدم فأخذ الراية فقتل مع الغروب ﵁، وأما جعفر فإنه استمات في سبيل الله وقد تقدم بالراية وهو يقول: يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها علي إن لاقيتها ضرابها فضربت يمينه حتى قطعت، فأخذ الراية بشماله فقطعت، فضم الراية إلى صدره بعضديه فكسرت الرماح في صدره فهوى شهيداً في سبيل الله، فأبدله الله جناحين يطير بهما في شجر الجنة من شجرة إلى شجرة في مقعد صدق عند مليك مقتدر: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١]. وأما زيد فكان قائدهم في أول المعركة فقتل ﵁، وهو من الشهداء الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، الشهداء منهم من كلمهم الله كفاحاً كما في الحديث الصحيح الذي استحسن سنده ابن كثير: ﴿أن الله جمعهم فقال: تمنوا علي قالوا: نتمنى أن تعيدنا إلى الدنيا فنقتل فيك ثانية، قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فتمنوا قالوا: نتمنى أن ترضى عنا فإنا قد رضينا عنك، فجعل الله أرواحهم في حواصل طير خضر ترد الجنة فتشرب من مائها وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش حتى يرث الله الأرض ومن عليها﴾.

стр. 8599

موت معاوية بن معاوية الليثي ومعجزة له ﷺ في حديث معاوية بن معاوية الليثي، وضعف هذا الحديث بعض أهل العلم، وقواه ابن حجر في الإصابة في ترجمة معاوية بن معاوية الليثي، ومفاد القصة أن الرسول ﷺ خرج بالجيش إلى تبوك وخلف معاوية بن معاوية الليثي في المدينة لأنه مريض، فلما أصبح ﷺ في تبوك أتاه الخبر أن معاوية بن معاوية الليثي قد توفي فقام ﷺ فصف الناس وصلى بالجيش من تبوك على معاوية وهو في المدينة ثم سلم ﷺ ثم قال: ﴿لقد صلى على معاوية بن معاوية الليثي سبعون ألف ملك، فقالوا: يا رسول الله! لماذا؟ قال: كان يقرأ قل هو الله أحد قاعداً وقائماً وعلى جنبه﴾ قوى ابن حجر هذا الحديث واستحسنه وعضده بطرق له، وضعفه على انفراد بعض أهل العلم وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة فبتر الحديث، وأصل الحديث عند أبي نعيم في الحلية ولكن حديثه في الحلية لا يستقيم والعهدة على ابن حجر ومن أحيل على ملء فليحتل.

стр. 8600

بعض كرامات عمر بن الخطاب وأما غير الرسول ﷺ في مثل هذه الأخبار فهي من باب الكرامة، إذا أخبر أحد الصحابة أنه رأى خبراً وكان هذا الخبر صحيحاً فهي كرامة، ففي تاريخ داريا للمؤرخ الداري بسند جيد قال: كان عمر ﵁ يصلي بالناس يوم الجمعة على المنبر، فلما كان في أثناء الخطبة، قطع الخطبة مباشرة وقال: يا ساريةُ! الجبلَ، يا ساريةُ! الجبلَ، يا ساريةُ! الجبلَ، فلما نزل سأله الناس: مالك يا أمير المؤمنين؟ قال: جلَّى لي الله الأرض فرأيت سارية وقد أحيط به، فقلت: اعتصم بعد الله بالجبل، فالتجأ إلى الجبل فنجاهم الله هو وأصحابه، ولما قدم سارية سألوه فقال: كدنا نهلك وأحيط بنا حتى سمعت صوت عمر يوم الجمعة يقول: يا ساريةُ! الجبلَ، فعمدت إلى الجبل فنجانا الله، وهذه الكرامة أوردها صاحب تاريخ داريا بسند جيد. هذا علم من أعلام نبوته ﷺ .

стр. 8601

الصلاة على النجاشي من هو النجاشي؟ النجاشي هو ملك الحبشة، وكل من ملك الحبشة لقبه النجاشي، وكل من ملك اليمن لقبه: قَيْل، وجمعه أَقْيال أو قِيل بالكسر، ومن ملك الروم لقبه: قيصر، ومن ملك بلاد فارس لقبه: كسرى، إلى آخر تلك الأسماء للملوك الذين يملكون تلك البلاد، اسم هذا النجاشي أصحمة. وإنما صلى النبي ﷺ على النجاشي لثلاثة أسباب: السبب الأول: لأنه لم يصل عليه في الحبشة، فصلى عليه النبي ﷺ صلاة الغائب. السبب الثاني: قيل فيه تأليف لقلوب ملوك العرب؛ لأنه ما دام ﷺ يصلي على أولئك؛ فمن باب أولى أن يصلي أو يترحم على هؤلاء. السبب الثالث: لموقفه الكريم الشريف الماجد من صحابة الرسول ﷺ لما هاجروا إلى الحبشة، فكان حقاً لرسول الله ﷺ أن يصلي عليه صلاة الغائب، وتجتمع هذه الأسباب أو تفترق إنما المقصود: أنه صلى عليه ﷺ . وعند البزار بسند فيه ضعف تقويه رواية الدارقطني في كتاب الأفراد: أن رجلاً قال: انظروا ينعى إلينا علجاً من علوج الحبشة أي: يخبرنا بموت علج وهي صفة فيها رذالة وتحقير، والعلج مفرد علوج، وقد تجمع جمع قلة على أعلاج كأسياف، فقام ﵊ فصلى عليه، فأنزل الله : ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء:١٥٩] رواية البزار ضعيفة كما قلت لكم، لكن قد تكفي بعض هذه الأسباب الثلاثة في أن يصلي الرسول ﵊، وإنما المقصود: أن الرسول ﷺ صلى عليه.

стр. 8602

حكم الصلاة على الميت في المسجد العنصر الرابع: ما حكم الصلاة على الميت في المسجد؟ وما مناسبة إيراد هذه المسألة في هذا الباب وفي هذا الحديث الذي أتى به البخاري؟ وهل في الحديث أن الرسول ﷺ ذكر المسجد من غيره أو قال: اخرجوا بنا من المسجد إلى الصحراء؟ نقول: وردت لأن في الرواية أن الرسول ﷺ قال: ﴿اخرجوا بنا أو هيا بنا نصلي على هذا﴾ فعلم أن الخروج من المدينة، ومن روايات أخرى عند غير البخاري أنه كان في الصحراء، فقام ﵊ في الصحراء فصلى بهم، والمسألة: هل يجوز أن نصلي على الميت في المسجد؟ لأهل العلم أقوال:

стр. 8603

قول الحنفية والمالكية في الصلاة على الغائب ذهبت الحنفية والمالكية إلى أنه لا يصلى عليه في المسجد، وأن الصلاة في المسجد إنما هي صلاة الأحياء، وأن الذي ورد عنه ﷺ أنه يصلي في الصحراء ليقترب من المقبرة، وليكثر الجمع، وليتعظ في الصحراء بالميت، ولئلا يدخل بالميت المسجد، ربما لا يعلم حال الميت فلا يكون المسجد ذريعة لدخول أموات كثيرين ربما كانوا غير مسلمين، أو ربما غير مستقيمين -من الفسقة- وغيرهم إلى غير تلك الأسباب.

стр. 8604

أرجحية مذهب الإمام أحمد والشافعي وجمهور العلماء في حكم صلاة الغائب وذهب الإمام أحمد والشافعي وجمهور السلف، وقال ابن حزم في المحلى: لا أعلم مخالفاً من الصحابة، إلى أنه يصلى عليه في المسجد، والجبانة والصحراء أفضل، ودليلهم: ما روي عند أبي داود وعند بعض أهل السنن: ﴿أن الرسول ﷺ صلى على سهيل وسهل ابني بيضاء في المسجد﴾ قال القرطبي: لا تلبسوا علينا ما دام أن الحديث ورد؛ فبطلت الآراء المضادة للحديث، وصدق، فإنه إذا أتى الحديث فحسبك به، فما دام أن الرسول ﷺ صلى على هذين الرجلين في المسجد؛ فهو دليل على جواز الصلاة المسجد، في وهو مذهب الشافعي وأحمد وجمهور السلف وهو الصحيح في هذه المسألة.

стр. 8605

وقفة مع سعد بن أبي وقاص ثم ورد من حديث عائشة أنها قالت -لما توفي سعد ﵁ وأرضاه-: [[مروا به علينا لندعو له]]. p=١٠٠٠١٩٣>> سعد بن أبي وقاص ﵁ أحد المبشرين بالجنة، وأحد أهل بيعة الرضوان ومن أهل بدر ومن الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، توفي كما يقول أبو يعلى في مسنده في بادية قلهى، فلما توفي هناك حمل إلى الصحراء فصلي عليه، فقالت عائشة: مروا بـ سعد علينا لندعو له، يعني: على حجر نساء الرسول ﷺ . وعند الذهبي في سير أعلام النبلاء: أنه لما توفي سعد قالت له ابنته وأظنها عائشة: يا أبتاه! أتموت في الصحراء بعد أن صاحبت الرسول ﷺ فأحسنت صحبته؟ قال: اسكتي لا تبكي علي، فوالله إني من أهل الجنة، قال الذهبي ﵀: صدق فهنيئاً له ومريئاً إنه من أهل الجنة. وقد اعتزل الفتنة -من باب الاستطراد للفائدة- وخرج لما اختلف علي ومعاوية -رضي الله عن الجميع- إلى الصحراء, فجاءه ابنه عمر وقال: يا أبتاه! أتتبع الضأن في هذه الرءوس وتترك الأمة تختلف في الملك، قال: اغرب عني فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿إن الله يحب العبد الغني الخفي التقي﴾ والحديث في صحيح مسلم بهذا اللفظ بدون قصة: ﴿إن الله يحب العبد الغني الخفي التقي﴾ من حديث سعد. فمروا بـ سعد ﵁ فقال بعض الصحابة: لا تصلوا عليه في المسجد، فقالت عائشة: ﴿ما أسرع ما نسي الناس! والله، لقد صلى رسول الله ﷺ على سهل وسهيل ابني بيضاء في المسجد﴾ وصدقت ﵂ وأرضاها، فالصلاة في المسجد جائزة، والأولى أن يصلى عليه في الصحراء؛ لأنه النبي ﷺ داوم في الصلاة على الناس في الصحراء وخرج بهم إلا في بعض المواطن التي تقتضي الجواز، والسنة إذا وردت مطلقة ثم ورد ما يخالفها من أمر فإنما يحمل على الجواز إذا فعله ﷺ على مذهب من يخصص القول الصريح بالفعل الخاص به ﷺ ، وهنا أحيل طلبة العلم إلى كتاب اسمه: أفعال الرسول ﷺ ودلالتها على الأحكام لأستاذ جليل في جامعة أم القرى وهو مطبوع وموجود بالأسواق.

стр. 8606

الترجيح في حكم الصلاة على الغائب العنصر الخامس: هل يصلى على الغائب؟ لأهل العلم فيه سبعة مذاهب أوردها، ثم أذكر الراجح منها، إن شاء الله. الول: الجواز مطلقاً: وهو قول الشافعي وأحمد. الثاني: المنع مطلقاً وهو قول المالكية والحنفية. والثالث: ابن عبد البر قال: يجوز أن يصلى على الغائب في اليوم الذي يموت فيه. والرابع: قال ابن حبان: إن كان في جهة القبلة صلي عليه وإن لم يكن فلا يصلى عليه، لأن النجاشي في جهة قبلته ﷺ وهذا كما قال ابن حجر جمود. والخامس: لا يصلى عليه إلا إذا مات في أرض لا يصلى عليه فيها، وهذا رأي أبي داود صاحب السنن، والروياني من الشافعية، والخطابي منهم أيضاً، وسوف يأتي توجيه كلامهم. والسادس: خاص بالنبي ﷺ يقولون: لأن الله جلَّى له الأرض فرأى النجاشي، أما غيره فمن يجلي له المكان حتى يرى الميت؟ واعتمدوا على حديث لـ ابن عباس عند الواقدي بسند ضعيف لا يصح: ﴿إن الله جلى لرسوله ﷺ عن النجاشي حتى رآه﴾ وعند ابن حبان عن جابر: ﴿لقد صلى ﷺ على النجاشي وإنه ليراه﴾ وعند أبي عوانة: ﴿صلى ﷺ وقد جلى له الله جنازة النجاشي﴾ أو كما قال، فقال هؤلاء: هذا خاص بالنبي ﷺ . والسابع: خاص بـ النجاشي -أي أن صلاته ﷺ على النجاشي ليس فيها عموم- لأن الفعل لا يعم إذا لم يقارنه القول، وهو مذهب لبعض الأصوليين كما قاله الشوكاني في إرشاد الفحول: الفعل لا يعم ما لم يقترن بالقول، فأي الأقوال أرجح وما دليل كل قول؟

стр. 8607

مذهب الإمام أحمد والشافعي في الصلاة على الغائب أما قول الإمام أحمد والشافعي: أنها مشروعة، فاستدلوا بأن الرسول ﷺ صلى على النجاشي وصلى على معاوية بن معاوية الليثي، وقال ﵊: ﴿قوموا نصلي على هذا﴾ فاقترن قوله بفعله ﷺ ولم يرد مانع فيبقى العموم، وقاعدة حمل العموم على وجهه أقرب من تخصيصه ببعض المخصصات الفعلية، وهذا هو المذهب الصحيح، بل من فقه وفهم المحدثين أن يحملوا العموم دائماً على أصله، وهذا قول وسوف يأتي كلام عنه.

стр. 8608

مذهب الحنفية والمالكية في الصلاة على الغائب وأما الحنفية والمالكية قالوا: لا يشرع ذلك، ولكن هذا فيه ضعف، واستدلوا على ذلك بأن الرسول ﷺ لم يقل: صلوا على الغائب، وإنما فعل هذا في ظرف من الظروف أو في حالة من الحالات فلا تعم، وإلا لبين للناس بياناً عاماً على كثرة من يموت من الصحابة، وكثرة ما فعل الصحابة وصلوا فلم يصلوا على الغائب، فإن هذا خاص، وربما يشارك المذهب السابع، لكنهم قالوا: لا يشرع مطلقاً وسكتوا عن قضية النجاشي.

стр. 8609

قول ابن عبد البر في الصلاة على الغائب وأما ابن عبد البر فقال: في اليوم الذي يموت فيه، ولكن يرد عليه بأن العلة مجهولة، فنقول له: ما علة تخصيصه باليوم الذي يموت فيه؟ أو ما هي العلة لنجعل هذا يوماً خاصاً بالصلاة فيه، فإذا تجاوزت الأيام أو زادت لا نصلي عليه؟ فالعلة مجهولة، ولابد من استحضار العلل إن كانت عند الاحتجاج معقولة فتقبل.

стр. 8610

قول ابن حبان في الصلاة على الغائب وأما ابن حبان فقال: لمن كان في جهة القبلة، قلنا: وليس عليه دليل وهذا كما قال ابن حجر جمود، ولا تكفي الواقعة التي وقعت ما لم يقرنها بعلة معقولة، أو بدليل صريح وإلا فالعبرة بالعموم.

стр. 8611

مذهب أبي داود والروياني وغيرهما في الصلاة على الغائب وأما من قال: لا يصلى عليه إلا إذا مات في أرض لا يصلى عليه فيها فهذا له وجه من النظر، وقرائن الحال والسياقات تؤيد ما ذهبوا إليه، وهذا مذهب الروياني والخطابي وأبي داود فكأن هذا مذهب طيب، لكن نقول: هل نقل لكم أن الحبشة ليس فيها مسلمون ولم يصلوا على النجاشي أم لا؟ وأما من قال: خاص بالنبي ﷺ فليس بظاهر؛ لأن الأحاديث ضعيفة وليست بقائمة، ولأنه لا يؤخذ من دلالتها الخصوصية له ﷺ ولو جلي له عن النجاشي.

стр. 8612

مذهب بعض الأصوليين في الصلاة على الغائب وأما من قال: خاص بـ النجاشي، فيرد عليهم بما رد على ابن حبان وذلك بأنه جمود، والصحيح أن يقال: الصلاة على الغائب المسلم مشروعة وتتأكد إذا لم يصل عليه في المكان الذي توفي فيه، وتتأكد إذا كان له خطب وله بلاء حسن في الإسلام، كأن يكون مجاهداً، أو مدافعاً أو مسئولاً له مكانة في الدين وفي نصرته، أو عالماً من العلماء، أو داعيةً من الدعاة أو شيخاً جليلاً، فيتأكد هذا، فهي مشروعة في الأصل وتتأكد بهذه الأمور إذا لم يصل عليه في بلاده، وإذا كان له بلاء حسن وكان له مقام، ولا نريد أن نتوقف عند هذه المسألة لأنها وردت عرضاً وسوف تتكرر معنا عند الصلاة على الميت الغائب.

стр. 8613

الصلاة على الغائب فرض كفاية وهنا مسألة: هل من صلى على الغائب يسقط فرض الكفاية؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يسقط فرض الكفاية، وذهب الآخرون إلى أنه لا يسقط، والصحيح أنه يسقط فرض الكفاية؛ لأن المصلين ولو كانوا غائبين فهم مسلمون، ويقوم بعضهم بهذا العمل الشرعي فيسقط عن البعض الآخر، ولأن الصلاة فرض كفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين ولم يلزم الرسول ﷺ بقية الصحابة الذين يتخلفون عن الجنائز أن يصلوا على الميت إذا لم يحضروا الصلاة عليه، فعلم أنها فرض كفاية تسقط بمن صلى عليه.

стр. 8614

مسائل النعي العنصر السادس: ماذا يؤخذ من قوله: ﴿نعى النبي ﷺ إلى أصحابه النجاشي ثم تقدم فصفوا خلفه فكبر أربعاً﴾ النعي إذا أطلق في الشريعة فهو على قسمين: بمعنى: الإخبار وبمعنى: التضجر. فأما إن كان معنى نعى: أخبر، وهذه اللغة تحتمل هذا وهذا، يقال: نعى فلان فلاناً -أي: أخبره وقد تعدى إلى فعلين- ويقال: نعى فلان على فلان -أي: بكى عليه وتضجر من موته- فأما بمعنى: الإخبار فينقسم إلى قسمين: ممدوح ومذموم.

стр. 8615

الإخبار الممدوح النعي الممدوح في الإسلام: هو الذي يخبر بموت صالح أو مسلم لقصد الصلاة عليه، والدعاء له، وحضور جنازته، ودفنه والاتعاظ بموته، هذا هو النعي الممدوح في الإسلام، وهو الذي عهد عنده ﷺ ومن أفعال الصحابة، فكان ينعى -أي: يدعو الصحابة ليصلوا عليه- فهذا هو الممدوح.
следующие страницы →