Полный текст (10 391 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.
стр. 8611
مذهب أبي داود والروياني وغيرهما في الصلاة على الغائب
وأما من قال: لا يصلى عليه إلا إذا مات في أرض لا يصلى عليه فيها فهذا له وجه من النظر، وقرائن الحال والسياقات تؤيد ما ذهبوا إليه، وهذا مذهب الروياني والخطابي وأبي داود فكأن هذا مذهب طيب، لكن نقول: هل نقل لكم أن الحبشة ليس فيها مسلمون ولم يصلوا على النجاشي أم لا؟
وأما من قال: خاص بالنبي ﷺ فليس بظاهر؛ لأن الأحاديث ضعيفة وليست بقائمة، ولأنه لا يؤخذ من دلالتها الخصوصية له ﷺ ولو جلي له عن النجاشي.
стр. 8612
مذهب بعض الأصوليين في الصلاة على الغائب
وأما من قال: خاص بـ النجاشي، فيرد عليهم بما رد على ابن حبان وذلك بأنه جمود، والصحيح أن يقال: الصلاة على الغائب المسلم مشروعة وتتأكد إذا لم يصل عليه في المكان الذي توفي فيه، وتتأكد إذا كان له خطب وله بلاء حسن في الإسلام، كأن يكون مجاهداً، أو مدافعاً أو مسئولاً له مكانة في الدين وفي نصرته، أو عالماً من العلماء، أو داعيةً من الدعاة أو شيخاً جليلاً، فيتأكد هذا، فهي مشروعة في الأصل وتتأكد بهذه الأمور إذا لم يصل عليه في بلاده، وإذا كان له بلاء حسن وكان له مقام، ولا نريد أن نتوقف عند هذه المسألة لأنها وردت عرضاً وسوف تتكرر معنا عند الصلاة على الميت الغائب.
стр. 8613
الصلاة على الغائب فرض كفاية
وهنا مسألة: هل من صلى على الغائب يسقط فرض الكفاية؟
ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يسقط فرض الكفاية، وذهب الآخرون إلى أنه لا يسقط، والصحيح أنه يسقط فرض الكفاية؛ لأن المصلين ولو كانوا غائبين فهم مسلمون، ويقوم بعضهم بهذا العمل الشرعي فيسقط عن البعض الآخر، ولأن الصلاة فرض كفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين ولم يلزم الرسول ﷺ بقية الصحابة الذين يتخلفون عن الجنائز أن يصلوا على الميت إذا لم يحضروا الصلاة عليه، فعلم أنها فرض كفاية تسقط بمن صلى عليه.
стр. 8614
مسائل النعي
العنصر السادس: ماذا يؤخذ من قوله: ﴿نعى النبي ﷺ إلى أصحابه النجاشي ثم تقدم فصفوا خلفه فكبر أربعاً﴾ النعي إذا أطلق في الشريعة فهو على قسمين: بمعنى: الإخبار وبمعنى: التضجر.
فأما إن كان معنى نعى: أخبر، وهذه اللغة تحتمل هذا وهذا، يقال: نعى فلان فلاناً -أي: أخبره وقد تعدى إلى فعلين- ويقال: نعى فلان على فلان -أي: بكى عليه وتضجر من موته- فأما بمعنى: الإخبار فينقسم إلى قسمين: ممدوح ومذموم.
стр. 8615
الإخبار الممدوح
النعي الممدوح في الإسلام: هو الذي يخبر بموت صالح أو مسلم لقصد الصلاة عليه، والدعاء له، وحضور جنازته، ودفنه والاتعاظ بموته، هذا هو النعي الممدوح في الإسلام، وهو الذي عهد عنده ﷺ ومن أفعال الصحابة، فكان ينعى -أي: يدعو الصحابة ليصلوا عليه- فهذا هو الممدوح.
стр. 8616
النعي المذموم والنهي عنه
والنعي المذموم: هو ما كان لتشهير الميت، ولتزكيته، ولرفع صيته، ولتأبينه، ولإشغال الناس به، كما يحدث في بعض الصحف وبعض وكالات الأنباء، إذا مات رجل ولو كان كافراً عدواً لله، أشغلوا الناس بموته وأخبروا وأبرقوا وأعلنوا فهذا مذموم؛ لأن فيه إشهاراً لهذا الرجل؛ ولأن فيه فعلاً من أفعال الجاهلية، فأما فعل أهل الإسلام فإنه من الباب الأول، وكانوا في الجاهلية إذا مات الميت يخبرون بهذا من باب النعي، فيذكرون الناس بموت الرجل وعلى المنائر ويعلنون في الأسواق لرفع صيته ولذلك يقول الأول:
ألا أصبح الناعي بخير بني أسد بـ عمرو بن مسعود وبـ السيد الصمد
يقول: أخبرنا هذا الناعي بموت هذين السيدين الجليلين المذكورين وهما جاهليان، والصمد من تصمد إليه الناس- أي: تتجه إليه، وهذه من المعاني في قوله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:١ - ٢] فإن من المعاني عند أهل التفسير -كما قال الرازي - أنه هو الذي تصمد إليه الكائنات في حاجاتها وقيل: هو معنى آخر أي: أصم لا جوف له، والصمد هنا: أنه سيد معروف يقصده الناس.
وفي تاريخ ابن عساكر أن جحدر بن عدي لما حكم عليه الحجاج بالقتل، استدعاه من اليمامة، وجحدر بن عدي هذا كان فتاكاً، ينصب الكمائن للقوافل، كلما مرت قافلة في نجد من اليمامة سلبها وأخذها، فأرسل الحجاج كذلك عصابة من جنوده فاستولوا على جحدر وربطوه وأركبوه جملاً واتجهوا به إلى الحجاج ليعدمه، فلما مر جحدر بن عدي في طريقه وإذا بحمامتين على نخلتين تتجاوبان قال:
وإني شاقني فازددت شوقاً بكاء حمامتين تجاوبان
تجاوبتا بصوت أعجمي على غصنين من غرب دان
فكان البان أن بانت سليمى وفي الغرب اغتراب غير داني
إذا جاوزتما صخرات نجد ونخلاً باليمامة فانعياني
فقولا جحدرٌ أمسى عتيقاً يحاذر ضرب مسلول يماني
أي فأخبرا الناس بموتي وشهرا بموتي لأنني كنت سيداً من سادات العرب.
وقال طرفة بن العبد لابنته لما حضرته الوفاة:
إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يابنة معبد
هذا النعي المذموم للشهرة.
стр. 8617
النعي بمعنى البكاء والنياحة
وأما النعي بمعنى النياحة ودعاء الويل والثبور والتأسف فهو على قسمين:
القسم الأول: بكاء، وهذا لا شيء فيه، بل هو من الرحمة والرقة، وأدخله بعض أهل العلم في السنة، وأما بكاء فيه تضجر وتسخط ومخالفة لأمر الشارع فهذا هو المذمة.
أما البكاء من الرحمة فقد بكى ﵊ في أكثر من واقعة، ففي الصحيح: ﴿أنه ﷺ ذهب ليزور سعد بن عبادة فأتى فإذا هو مغمى عليه فقال: أمات أخي؟! وبكى ﷺ ﴾.
وكذلك في الصحيح عن أنس: ﴿أن بنت الرسول ﷺ زينب دعت رسول الله ﷺ ليحضر ابنها وقد حضرته الوفاة، فأرسل إليها وقال: مروها فلتصبر ولتحتسب، فإن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، فذهبت فأرسلت إليه أو عزمت عليه ليأتين، وكان ﷺ كما في كتاب الحج -رجلاً سهلاً- فأجابها خاصة أنها ابنته وفلذة كبده ﵂، وصلى الله عليه وسلم، فقام وقام معه الصحابة فسلمت له ابنها فأخذت نفسه تقعقع كما تقعقع الشنة بيده ﷺ فأخذ يبكي وقال له ابن عوف: ما لك يا رسول الله قال: هذه رحمة يجعلها الله في قلب من يشاء من عباده﴾.
وفي الصحيح أيضاً من حديث أنس لما توفي ابنه إبراهيم قال: ﴿تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون﴾ فهذا البكاء عند بعض أهل العلم جائز وهو من رقة القلب، ومن الرحمة، ومن تذكر الوفاة، وبكى ﵊ في أكثر من حديث، إنما هذا شاهد على جواز البكاء بل هو مطلوب.
стр. 8618
أصناف الناس في البكاء
والناس ثلاثة أقسام في هذه المسألة: طرفان ووسط.
الطرف الأول: من يبكي فيدعو بالويل والثبور ويولول ويصيح ويتسخط؛ فهذا مذموم ومأزور غير مأجور ولا مشكور، والطرف الذي يقابله: طرف لا يبكي، فتجف عينه ويقسو قلبه فهذا مذموم أيضاً، والطرف الثالث المتوسط: هو الذي يبكي البكاء الوارد، فيحزن قلبه، وتدمع عينه، ولا يقول إلا ما يرضي الله ، فإن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا اللسان كما قال ﵊.
قال ابن تيمية لما تعرض للكلام عن أن الفضيل بن عياض ضحك على القبر لما دفن ابنه علي، فتكلم ابن تيمية في هذه المسألة وقال: هل مقامه هو المقام المطلوب؟ أو حاله هي الحالة المطلوبة؟ يعني: أن الإنسان يضحك إذا مات ابنه أو لا؟
قال بكلام ما معناه: ورد على الفضيل واردان، وارد الخوف والبكاء والرقة لموت ابنه، ووارد الرضا والتسليم لله ، فلم يحتمل قلبه إلا وارداً واحداً، ففضل وارد الرضا فتبسم وضحك على قبر ابنه، أما الرسول ﷺ فكان قلبه أكبر وصدره أوسع، وهو أعلم بربه، فاحتمل الواردين الاثنين: وارد الرقة والبكاء ووارد الرضا فجمعهما في قوله: ﴿تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا -هذا الرضا- وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون﴾ فجمع البكاء وجمع الرضا ﵊ ومقامه أشرف.
стр. 8619
البكاء المذموم
وأما القسم الثاني من أقسام البكاء: قسم النياحة والتضجر والسخط، وهذا هو المذموم وصاحبه مأزور غير مأجور ولا مشكور، وفي حديث أنس في البخاري: ﴿أن رسول الله ﷺ مر على قبر وعليه امرأة تبكي فقال لها ﷺ : اتقي الله واصبري، قالت: إليك عني فإنك لم تصب كمصيبتي، ولم تعرفه ﷺ ، فلما ذهب ﷺ قالوا لها: إن هذا رسول الله ﷺ ، فلحقته -فلم تجد عنده بوابين- فقالت: يا رسول الله! إني لم أعرفك -كالمعتذرة- فقال ﷺ : إنما الصبر عند الصدمة الأولى﴾ يعني: ليس هذا وقت الصبر، ولو صبرتي عند الصدمة الأولى كان أأجر وأفضل، فما أقرها الرسول ﷺ عند بكائها لما بكت.
стр. 8620
معنى عذاب الميت ببكاء أهله
في الصحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه لما حضرته الوفاة قال لأهله: ﴿إني أحذركم أن تنوح علي نائحة، فإني أبرأ مما برئ منه ﷺ ، قالوا: وما الذي برئ منه ﷺ ؟ قال: برئ من النائحة والصالقة والحالقة والشاقة﴾ وفي حديث: ﴿النائحة إذا لم تتب توقف يوم القيامة وعليها درع من قطران وسربال من جرب﴾ أو كما قال ﵊، وفي حديث ابن عمر: ﴿الميت يعذب ببكاء أهله عليه﴾ وسوف تأتي مسألة: هل الميت يعذب ببكاء أهله إذا بكوا عليه، وما هو هذا العذاب، وما هي أقوال أهل العلم والراجح؟
أما مسألة هل الميت يعذب ببكاء أهل عليه؟ فقد ورد من حديث عمر وابن عمر والمغيرة بن شعبة وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم بألفاظ متقاربة أن الرسول ﷺ قال: ﴿إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه﴾ وهذا الحديث أصل في المسألة، وقابل أهل العلم هذا النص وغيره من النصوص بأقوال، كلهم يريد الخير والحق والصواب لكن بعضهم مصيب له أجران، وبعضهم مخطئ له أجر واحد، فهي ستة أقوال.
القول الأول: قول من قال: الباء هنا حالية فمعنى، ببكاء أهله عليه أي: في حالة بكائهم عليه، أي: يعذب الوقت الذي يبكون عليه، نسأل الله العافية والسلامة، وأن يثبتنا الله يوم يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة والدنيا والآخرة، ففهم أنه ما أن يوضع في القبر ويبتدئ بكاء أهله عليه إلا ويعذب، فالباء هنا حالية، أي: حالة كونهم يبكون فهو يعذب، وهو رأي متأخر.
والقول الثاني: أن هذا خاص بالكافر، أن الكافر هو الذي يعذب ببكاء أهله عليه، وأما المؤمن فلا يدخل في ذلك، وهذا رأي لـ عائشة ﵂، ولها كلام آخر يخالف هذا الكلام في عمومه، تقول: [[والله ما كذب ابن عمر، ولا كذب أبوه ولكنهم أخطئوا]] لأنهم يقولون بهذا الحديث: ﴿إن الرسول ﷺ مر بقبر من قبور اليهود فإذا به يعذب فقال: إنه يعذب ببكاء أهله عليه -وفي لفظ- مر على يهودية يبكي عليها أهلها فقال: إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها﴾.
فعلى هذا الرأي يكون العذاب خاصاً بالكفار ولا يدخل فيه المسلمون.
القول الثالث: يعذب الميت مطلقاً سواء كان مسلماً أو كافراً إذا بكى عليه أهله، وهو رأي لـ أبي هريرة كما في مسند أبي يعلى بسند مقبول قال: يقول أبو هريرة: [[والذي نفسي بيده، إن الشهيد ليخرج في سبيل الله أهريق دمه، وقتل جواده، فتبكي عليه سفيهة فيعذبه الله ببكاء هذه السفيهة]] هذا رأي لـ أبي هريرة.
القول الرابع: يعذب إذا أمر بذلك وأقره ولا يعذب إذا نهى، وسوف يأتي الترجيح.
القول الخامس: العذاب توبيخ من الملائكة لحديث أبي رافع عند أحمد: أن رجلاً أغمي عليه فأخذت أخته تصيح تقول: وا عضداه! وا ناصراه! وا حبيباه! وا سنداه! وا كاسياه! وا مطعماه! فلما استفاق قال: والله ما قلت كلمة إلا قال لي الملك: أأنت تطعمها؟ أأنت تسقيها؟ أأنت تتكفل برزقها؟ يوبخه الملك فمعنى العذاب هنا: التوبيخ.
القول السادس: يتألم الميت لبكائهم، فهو لا يعذب وإنما يتألم ويصيبه مرارة وألم ولا يرتاح في قبره لأنهم يبكون عليه، وهذا رأي الطبري والقاضي عياض وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن تيمية صرح بهذا وقال: إنما ألم لا عذاب.
والراجح هو الرأي الرابع: وهو الذي دلت عليه النصوص ورجحه كثير من المحدثين، وعليه سياقات الأحاديث والاعتبارات والشواهد التي تسانده في صحيح البخاري وصحيح مسلم وهو الذي يقول: يعذب بالميت إذا أمر بذلك أو أقر ولم ينه، وأما إذا نهى ولم يقر فلا يعذب إن شاء الله، ولذلك كان الصحابة إذا حضرتهم الوفاة ينهون أهلهم وأصدقاءهم أن يبكوا عليهم، ويمنعونهم من ذلك لئلا يعذبوا ببكاء هذا الحي، هذا هو الرأي الراجح في هذه المسألة وهو ما إذا أقر ورضي ولم ينه وهو يعلم أنهم سوف يعملون ذلك، وأما إذا نهى ولم يرض بذلك ولم يقره فإنه لا يعذب ولو بكي عليه أو نعي بعده، هذا هو خلاصة ما أتى في هذه المسألة.
وأما كلام ابن تيمية أنه يتألم، فإن نصوص الأحاديث تدل على أنه يعذب فأي قرينة تصرف اللفظ الظاهر الصريح، واللغة تؤيد أن العذاب عذاب؛ أعني أنه قد عرف من اللغة أنه يعذب؛ فنحمله كما حمله ابن عمر وعمر والمغيرة وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم وأرضاهم.
стр. 8621
الأسئلة
.
стр. 8622
حكم الصلاة على الميت داخل المقبرة
السؤال
ما حكم الصلاة على الميت داخل المقبرة؟
الجواب
لأهل العلم في هذه المسألة أقوال وكل له دليل، منهم من قال: لا يصلى عليه إذا انتهى، وأخذوا بعموم النهى عن الصلاة على المقابر، ومنهم من قال: يصلى عليه لمدة شهر، واستدلوا بحديث عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿صلى رسول الله ﷺ إلى قبر منبوذ إلى شهر فصفنا خلفه﴾ أو كما قال ﵁.
ومنهم قال: يدعى له ولا يصلى عليه صلاة الجنازة لأنه قد أصبح في قبره.
والصحيح ما قال ابن عباس ونتقيد بالمدة الزمنية وهي إلى شهر؛ فإن إيرادها له فائدة، وإيراد التقنين والتحديد في الشرع إنما هي لفائدة، لابد إذا علمت العلة وكانت معقولة فإنا نأخذ بها، والعلة معقولة في تحديد ابن عباس بشهر، لأن ما بعد الشهر إما زيادة في إصابة المصاب، وإما أنه فتح باب للناس ليجعلوا المقابر مساجد يصلون دائماً على موتاهم فيها، فتحديد شهر جيد لمن غاب عن الجنازة، فمن غاب وأتى وقد مات حبيبه أو قريبه أو أحد المسلمين فله أن يصلي عليه صلاة الجنازة.
وأما النهي العام عن الصلاة على الجنائز وقول مرثد الغنوي في حديثه: ﴿قال رسول الله ﷺ : لا يصلى إلى القبور ولا يجلس عليها﴾ [[وقول عمر -في الصحيح- لـ أنس وهو يصلي إلى القبر: القبر القبر]] أي: لا تصل إليه أو لا تصل عليه، فهذا فيما له سجود لأنه يخشى أن تكون فيه عبادة أو شبه تقرب إلى الأموات، أما صلاة الجنازة فإنها دعاء لا ركوع لها ولا سجود، فالصحيح أنه يصلي عليه صلاة جنازة إلى شهر إذا لم يصل على هذا الميت لأمر ما، أما إذا صلى فيكفي وإذا مر عليه فليدع له وإن دعا له بلا صلاة فحسن.
стр. 8623
مدة الصلاة على الغائب
السؤال
هل لصلاة الغائب مدة محددة ثم لا تجوز بعد هذه المدة؟
الجواب
ما علمت لصلاة الغائب تحديداً، ولو حدد لألزمنا ابن عبد البر ولقال: وأنتم من أين أخذتم الشهر؟ فإن فعله ﷺ في الصلاة على القبر المنبوذ غير الصلاة على الغائب، لأن هذه حادثة عين وهذه حادثة عين، ولا يقتضي العموم في هذه المسألة أن تعمم في الأخرى، فصلاة الغائب صورة تختلف عن الصلاة على القبر المنبوذ وابن عبد البر يقول بيوم للغائب ولو قلنا: شهراً لقال: من أين لكم إلى شهر؟ ونحن قلنا: لـ ابن عبد البر: من أين لك إلى يوم؟ فيبقى على المطلق حتى يأتي مخصص أو حديث أو سياق يبين المدة فلا أعرف في ذلك شيئاً.
стр. 8624
مسألة تعذيب الميت ببكاء أهله كما في فتح الباري
السؤال
في أي كتاب نجد تفصيل مسألة تعذيب الميت ببكاء أهله عليه؟
الجواب
أورد هذا ابن حجر في صفحة (١٥٥) من الفتح وذكر هذه الاحتمالات وقال: يحمل على أمرين: إن كان علم من أهله أنهم سوف يضجون ويصجون ويبكون وينوحون ويندبون فالأولى أن ينهاهم، فإن لم ينههم اشتمل له العذاب، وإن علم أن فيهم صبراً وسكينة فلم يأمر ولم ينه فإنه يحمل على السلامة فلا يعذب إن شاء الله.
стр. 8625
حكم قراءة القرآن عند القبر
السؤال
ما حكم قراءة القرآن عند القبر؟
الجواب
لا أعلم في قراءة القرآن عند القبر حديثاً صحيحاً، وقد أسلفنا في الدرس الماضي أن سورة (يس) وما ورد فيها عن معقل بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: ﴿اقرءوا على موتاكم ياسين﴾ ولهذا الحديث شواهد لكن الصحيح أنه ضعيف، فلا يعمل به في مثل هذه المسألة الخطيرة، بل يتوقف، وما أعلم في القراءة على القبر أنها واردة إلا من فعل ابن عمر، ولكن لا يؤخذ بمثل هذا الفعل خاصة وأن الرسول ﷺ لم يفعله ولا أحد من أصحابه، ويتوقف فيها، ولابد من حديث صحيح صريح يدل على سنية أو جواز القراءة على القبر، فإذا لم يرد فلنتوقف ولا نقرأ على القبر لقوله ﵊: ﴿من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد﴾.
стр. 8626
مناظرة بين ابن عمر وابن عباس
السؤال
اذكر لنا المناظرة التي حدثت بين ابن عباس وابن عمر؟
الجواب
ابن عمر وابن عباس ﵂ في جنازة بنت لـ عثمان بن عفان في مكة قال: جلسوا على شفير القبر فأخذ بنات عثمان يبكين على أختهن وعمر بن عثمان جالس، فقال ابن عمر لـ عمر بن عثمان: انه هؤلاء النسوة فإن الميتة تعذب ببكائهن.
قال ابن عباس معترضاً: قد كنا نقول بهذا القول وكان أبوك -يعني عمر ﵁ يقول بهذا القول، فجئت معه لما اعتمر حتى أصبحنا من قرب من المدينة، فإذا بـ صهيب بن سنان ﵁؛ فسلم عليه عمر، فدخلنا المدينة فما لبث عمر إلا أن طعن ﵁ فدخل صهيب يبكي على عمر ويقول: وا حبيباه! وا صفياه! وا قرة عيناه! فقال عمر ﵁: لا تفعل يا صهيب! فإن الرسول ﷺ يقول: ﴿إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه﴾.
هذا الكلام لـ ابن عباس موافق إلى الآن مع ابن عمر، ثم قال ابن عباس: فأخبرت عائشة بذلك، فقالت: والله ما قال رسول الله ﷺ ذلك، ولا كذب عمر ﵁، ولكنه وهم، وإنما مر ﷺ بقبر يهودية، وأتت بالحديث الذي سلف معنا، أن أهلها بكوا على قبرها فقال: ﴿إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه﴾ ثم قال: قالت ﵂: كيف يعذب ببكاء أهله والله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر:١٨]؟! ثم أخذ ابن عباس يساعد رأي عائشة ويقول: وقال الله : ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم:٤٣] يعني: أن الضحك مقدر على العبد وأنه من جبلاته ومفطور عليه، فما هو ملك العبد في أن يملك الضحك والبكاء؟
والشاهد هنا: أن ابن عباس وعائشة يقولان: لا يعذب، وأوردناه؛ لأنها مناظرة ومن باب إيراد عائشة ﵂ قوله : ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر:١٨] فنقول: هذا عموم ويخصصه حديث عمر وابن عمر والأحاديث التي قالت: ﴿إن الميت يعذب ببكاء أهله﴾ والعموم إذا خصص بقي عمومه في الأفراد التي لم تخصص، والفرد هنا هو الميت الذي ذكر.
في الجملة لا يعذب هذا ولا هذا ولا تزر وازرة وزر أخرى من حيث المبدأ، لكن هذا الحديث خصص، وهذا أحد الردود.
والأمر الثاني: أن الرسول ﷺ بكى، وبكاؤه ﵊ من الأمر الجائز الذي ليس فيه نياحة، وكأن هذا لا يستقيم ولا يظهر منه فرد، لكن زيادة أن اليهودية تعذب من الزيادات التي لم تنقل لأهل العلم بل جمهور الصحابة أو أكثرهم لم يعلموا هذه الزيادة فبقي على الأصل، وأما قول ابن عباس: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم:٤٣] فإن البكاء في أصله جائز، ولكنه قد يقترن بأمر يجعله من غير الجائز أو من المكروه أو المحرم، ومنه: البكاء بالويل والثبور على الميت فيعذب به، هذه مسألة اختصرنا الكلام فيها، وهناك ردود على عائشة ﵂ في باب أصول الفقه لا يدخل في باب الحديث؛ أو لا نريد أن نستطرد لأنه سوف يمر معنا تكراراً إن شاء الله.
стр. 8627
قاعدة جلية في المطعومات والمشروبات
السؤال
نسمع بعض أهل العلم يقول: الأصل في الأشياء الإباحة والحل، فهل الأصل في جميع الأمور هو الإباحة؟
الجواب
ما أصله الحل هو ما لم يرد شيء يحرمه، قد تكون في المطعومات والمشروبات، أما في العبادات فإن الأصل فيها الشرع يعني: الأمور التكليفية أو الأمور التعبدية التي أتى بها ﷺ فالأصل فيها: أننا لا نتعبد الله إلا بنص منه ﷺ من الكتاب أو السنة أو ما أجمعت عليه الأمة، والإجماع لا بد أن يستند كذلك إلى نص، فأما الأصل في الحل فهذا في المطعومات والمشروبات، أما العبادة والأمور التكليفية فأمرها ضيق، ولابد من دليل من المعصوم ﵊، فلا ترتفع إصبع ولا توضع يد إلا بدليل، حتى إشارة السبابة في الصلاة ما فعلناها إلا بدليل منه ﷺ ، وإلا لأصبح الأمر فوضى، ودخل من دخل فهذا أمر ضيق وقد تكلم ابن تيمية عن هذه القواعد وعن الجمع بينها في المجلد التاسع عشر والمجلد العشرين من فتاويه بأحسن كلام، ويأتي بكلام القاعدة في المطعومات والمشروبات وقاعدة في الطهارة وقاعدة في الأمور التعبدية فليعلم ذلك.
стр. 8628
معنى (الألم) عند شيخ الإسلام ابن تيمية
السؤال
هل مقصود ابن تيمية بالألم العذاب؟
الجواب
لكن ابن تيمية يقول: إنه كالمغتاظ أو المتأسف، لأن ابن جرير الطبري هو وابن تيمية والقاضي عياض يقولون: متألم -يعني: أنه لا يريد ذلك ويتأسف على ذلك الفعل- ولو كان بمعنى: أنه العذاب المعروف المحسوس الذي يحس فإنه يكون موافقاً لمن ذهب إلى ذلك، وابن تيمية أتى بهذا في المجلد الحادي عشر -وأظنه أشار إليه في المجلد العاشر- ومقصده: أن يكون من باب الحزن والهم والغم الذي يمر على القلوب لا من باب التعذيب الذي يصل الجسم ويذوقه العبد فيتألم من التعذيب المحسوس، لكن يقصد من باب الأمور التي يتألم منها القلب كأنك ترى منظراً يشغلك ولا ترتاح إليه فتتألم، لكن الحديث نص صريح في التعذيب.
стр. 8629
حكم زيارة النساء للقبور
السؤال
مسألة زيارة النساء للقبور؟
الجواب
مسألة زيارة النساء للقبور مسألة طويلة اختلف فيها أهل العلم على رأيين: رأي يرى أن للمرأة أن تزور القبر، واستدلوا بأدلة:
منها: أن النسخ عام من مخصص فليس للرجال دون النساء فقال: ﴿ألا فزوروها﴾ فاقتضى دخول المرأة مع الرجال في هذا النسخ العام.
ومنها: أدلة ﴿لعن الرسول ﷺ -في رواية- زوارات القبور﴾ قالوا: المكثرات، أما زائرات: فإن هذا على القلة، فلها أن تزور على القلة.
ومنها: حديث أنس في البخاري: ﴿مر ﷺ بامرأة تبكي على قبر فقال: اتقي الله واصبري﴾ فنهاها عن البكاء ولم ينهها عن الزيارة.
ومنها: حديث عند الترمذي من طريق عطاء: [[أن عائشة مرت بقبر أخيها عبد الرحمن فبكت وقالت:
وكنا كندماني جذيمة برهة من الدهر حتى قيل لن يتصدعَا
وعشنا بخير في الحياة وقبلنا أصاب المنايا رهط كسرى وتبعَا
فلما تفرقنا كأني ومالكاً لطول اجتماع لم نبت ليلة معَا
ومنها: حديث عند مسلم تقول عائشة: ﴿كيف أقول يا رسول الله إذا زرت المقابر؟ فأخبرها ﷺ ﴾ فلو أنه كان ينهاها لكان قال: لا تقولي ذلك ولا تقولي شيئاً ولا تزوري المقابر.
ومنها: حديث عن أم عطية في البخاري في الجنائز: ﴿نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا﴾.
وقابلهم فريق من أهل العلم وقالوا: لا تزور المرأة، واستدلوا بأدلة منها: خوطب بحديث بريدة وغيره الرجال فقال: "فزوروها" والنهي كان للرجال في أول الحين أما النساء فلهن أحاديث تخصهن.
ومنها: أن المرأة التي قال لها ﷺ : اتقي الله واصبري قالوا: إنه نهاها عما فعلت، فنهيها عن زيارة القبور من أجل الندبة، فنهاها ﷺ وقال: اتقي الله، فاتقي الله تقتضي اتقي الله ولا تزوري، واتقي الله ولا تفعلي هذا، وما هو المقصود إذاً من نهي المرأة إلا مثل هذا الأمر، ومن الأدلة -أيضاً- حديث: ﴿ارجعن مأزورات غير مأجورات﴾ على ما قيل فيه، ثم إن المرأة لم يعهد في عهد الصحابة أنها كانت تذهب مع الرجال، والرسول ﷺ قال من حديث أم عطية: ﴿نهينها عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا﴾ قالوا: لم يعزم لأن هناك عجائز أو كبار السن أو ثابتات قلوب لا يندبن ولا يصرخن.
ولست أرجح، هذه المسألة معروضة للأمة ولطلبة العلم وكل يجتهد في هذه المسألة إن استطاع أن يجتهد أو يوفق ويبني على النصوص، لكن الذي أرى والله أعلم على فهمي القاصر بعد أن رأيت كلام أهل العلم أن المرأة تمنع من زيارة القبور لثلاثة أسباب:
السبب الأول: النهي ورد عاماً ثم أتى التخصيص للرجال.
السبب الثاني: لما يخشى عليهن من الفتنة -فتنة النساء- لأنهن أرق قلوباً وأكثر تضجراً.
السبب الثالث: للأحاديث التي وردت منها: ﴿اتقي الله﴾ ومنها: ﴿ارجعن مأزورات غير مأجورات﴾ هذا الذي تميل إليه النفس.
وفي الختام أتوجه إلى الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يتجاوز عنا وعنكم سيئاتنا في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون، وسوف نصلي العشاء إن شاء الله ثم نصلي صلاة الغائب إن شاء الله الذي وافته المنية صباح هذا اليوم فرحمه الله وأسكنه الله فسيح جناته، وسوف يصلي بنا فضيلة الشيخ سعيد شعلان جزاه الله خيراً.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 8630
من مهبط الوحي
مجال التربية والتعليم هو مجال بناء الرجال، ولم يشهد التاريخ منذ بزوغه معلم ومربِّ مثل النبي ﷺ ، ونجاح تربيته ﵊ لعوامل وأسباب منها: أنه كان داعية قولاً وعملاً فكان المتأثر بدعوته أولاً هو نفسه، وأن دعوته ارتكزت على أسلوب اللين والحكمة، وبث روح الألفة والمحبة بين أتباعه المدعوين
стр. 8631
فضل مهبط الوحي
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته:
سلام الله عليكم يا جيران بيت الله! سلام الله عليكم يا سكان الحرم! سلام الله عليكم يا من سكن هذه البقعة الطاهرة! سلام الله عليكم يوم اجتمعت قلوبكم على محبة لا إله إلا الله، وتوحدت أرواحكم في السير في منهج لا إله إلا الله، وأُشْرِبت قلوبكم محبة لا إله إلا الله!
من مهبط الوحي من هنا سارت لا إله إلا الله قوية، ومن هنا انبعثت لا إله إلا الله متوهجة، ومن هنا غرست لا إله إلا الله في قلب كل موحد، وإن كان لي من شكر في أول اللقاء فإني أشكر الله على أن أجلسني مع هؤلاء الأخيار الأبرار، ثم أشكر مدير هذا المعهد، فضيلة الشيخ/ حمدان السُلمي على تفضله ودعوته للحضور إلى هذا المكان، ثم أشكر الأساتذة وأشكركم يا معشر الطلاب!
من مهبط الوحي، من هنا، من قلوبكم الصادقة، من أرضكم المنيبة المخبتة سارت لا إله إلا الله، ولا يجدد مسيرة لا إله إلا الله إلا من أتى من مثل هذه البقعة ومن أمثالها، ومن مهبط الوحي بعث الله محمداً ﷺ للعالمين بشيراً ونذيراً، ومن مهبط الوحي قال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] ومن مهبط الوحي وقف أبو بكر ﵁ وأرضاه خليفةً المسلمين زاهداً وعابداً يبكي الليل والنهار، ليجدد المسيرة بعد وفاة الرسول ﵊، ومن مهبط الوحي كان الخليفة عمر ﵁ يقف على المنبر، وعليه برد مرقع بأربعة عشر رقعة، يبكي ويقول لبطنه وهو يقرقر من الجوع: [[قرقر أو لا تقرقر، فوالله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]].
يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدمٌ له والكوخ مأواه
يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه
عمر الذي كان يضرب أقدامه بالعصا ويقول: [[يا عمر! والله الذي لا إله إلا هو لئن لم تتق ربك ليعذبنك الله عذاباً لم يعذبه أحداً من العالمين]].
ومن مهبط الوحي نشأ عثمان بن عفان، قال ﷺ قبل غزوة تبوك: ﴿من يجهز جيش العُسرة وأضمن له الجنة؟ فيقول عثمان: أنا، فتنهار دموعه ﷺ على خديه، ويقول: اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، اللهم اغفر لـ عثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ما ضرَّ عثمان ما فعل بعد اليوم﴾.
ومن مهبط الوحي نشأ علي بن أبي طالب يقف في ظلام الليل يبكي ويتململ تململ اليتيم ويبكي بكاء الثليم، ويقول: [[يا دنيا يا دنية! طلقتك ثلاثاً لا رجعة بعدها، غري غيري، زادك حقير، وسفرك قصير، وغربتك موحشة، آه من لقاء الموت وبعد السفر ووحشة الطريق]].
فيا أبناء أبي بكر وعمر، وعثمان وعلي: يا من سكن في مهبط الوحي! يا جيران بيت الله! إن لبيت الله حقوقاً من الجيرة: الحياء من الله ، والحياء من الله هو: حفظه ، وإنكم أهل المنزل وأهل الدار، إنكم أول من يُطالب من الناس بحفظ ورعاية بيت الله، إنكم جيران بيت الله، وللجار حقوق.
أولها: الحياء.
حياء من إلهي أن يراني وقد ودعت صحبك واصطفاكا
فما دام أن الله جعلكم سكان هذا البيت في مهبط الوحي، أفليس عليكم حقوق أعظم من حقوق العامة من الناس، ومن حقوق البشرية؟ إي والله! إنه حفظ الله ﵎ في السر والعلن، وكلمتي هذه توجه إلى مدير المعهد، ثم إلى الأساتذة، ثم إلى الطلاب.
стр. 8632
مسئولية المدراء
فأقول لمدير المعهد: سلام الله عليك، إنك كما تعرف أنك مسئول عن هذا الجيل أمام الله، وإنه لا خير فيَّ إذا لم أقل: اتق الله، ولا خير في المنصوح إذا لم يقبلها.
قال رجل لـ عمر ﵁ وأرضاه: [[يا أمير المؤمنين! اتق الله، فوالله إن لم تتق الله ليعذبَّنك، فجلس عمر يبكي، ويقول: لا خير فيَّ إذا لم أقبل قولك -اتق الله- ولا خير فيك إذا لم تقل لي: اتق الله]].
وهذه هي المسئولية وهي الوصية العامة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] وإنما أقول ذلك لمدير المعهد؛ لأنه هو الموجِّه والمربي والأب لهذا الصَّرح، فحيثما يتجه وحيثما يجعل من نفسه قدوة، سوف يراه هذا الجيل، وسوف يكونون في ميزان حسناته، فوالله الذي لا إله إلا هو لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم.
ما يساوي ذهب الدنيا! ومال الدنيا! وسيارات الدنيا! وكنوز الدنيا؟! كلها والله هباء منثور في جنب هداية هذا الجيل، وهداية شاب واحد إلى الله بالقدوة، وبالكلمة المؤثرة النفَّاذة، وبالتصرف السليم، وبالتربية التي تنتهج تربيته ﷺ ، فحي هلاً بك مديراً تقود هذا الجيل، وتغرس في نفسه لا إله إلا الله، فإن الله سوف يسألك يوم القيامة عن هؤلاء، والله ليست القضية قضية إدارة ومدير فحسب، وليست القضية أنظمة ولوائح فحسب، لكنها مسئوليةٌ مِنَ الذي رفع السماوات بلا عمد، ومسئوليةٌ مِن الذي بسط الأرض على مدد، ومسئوليةٌ مِنَ الذي خلق الإنسان في كبد.
стр. 8633
مسئولية الأساتذة
وأنتم أيها الأساتذة: يا قادة الجيل! يا معلمي أبناء المسلمين! أما علمتم أن آباءنا جعلوا الأبناء بين أيديكم أمانة؟ أما علمتم أن فلذات أكبادنا أرواحنا جلسوا على الكراسي ينظرون ماذا تقولون وما تتصرفون؟ أما علمتم أنكم ورَّاث المصطفى ﵊؟ فلا إله إلا الله كم هي المسئولية! ولا إله إلا الله كم هي الأمانة! ولا إله إلا الله ما أعظم التبعة! فيا إخوتي الأساتذة! اتقوا الله في أجيالنا وأكبادنا، فوالله إنهم بكم؛ إن استقمتم استقاموا، وإن اعوججتم اعوجوا، فليست المسئولية أن تلقي درساً، أو حصةً، أو محاضرةً وتخرج، لا.
إن فوق ذلك أمراً عظيماً، إنك أتيت خليفة لمحمد ﷺ لتعلمهم الإيمان، وتغرس في قلوبهم الحب والطموح، فالإيمان تسكبه قبل أن تسكب هذه الحصة، ولو كنت أُستاذاً في أي فن؛ في التفسير أو في الفقه أو في الحديث، أو في التاريخ أو في الجغرافيا، إن الله سوف يسألك يوم القيامة ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤].
إذا قيل أنتم قد علمتم فما الذي عملتم وكل في الكتاب مرتب
فيا ليت شعري ما نقول وما الذي نجيب به إذ ذاك والأمر أصعب
إلى الله نشكو قسوةً في قلوبنا وفي كل يوم واعظ الموت يندب
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤].
يا أساتذة المسلمين: يا مدرسي المسلمين! يا مربي أجيال المسلمين! أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم، وتسكبون لا إله إلا الله في القلوب وما دخلت قلوبكم؟! أتحبون الإيمان أن ينتشر وما نشرتموه في الفصول؟! أتريدون الدعوة المؤثرة في الأجيال وما تأثرت بها نفوسكم؟!
عجيب! إن هذه الآية صارت قارعة لبني إسرائيل تقرعهم على رءوسهم؛ لأنهم يأمرون ولا يأتمرون، يوجهون ولا يتوجهون، يأمرون بالسنة، ولكن لا تظهر السنة عليهم، فقال الله لهم: (﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة:٤٤].
أنتم أساتذة، وأنتم معلمون، وأنتم مربون وتنسون القرآن أفلا تعقلون! أليس هناك عقول تعرف هذه المسئولية! والله- يقول في بني إسرائيل: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥].
سبحان الله! إن الذي يحمل المعلومات في رأسه، ثم لا يطبقها في دنيا الواقع، ثم لا يكون داعية مؤثراً، ثم لا يكون مستقيماً، ثم لا يكون سنياً على منهج محمد ﷺ فهذا ذهنه سلة مهملات، وتموت المعلومات في ذهنه، ويطفأ النور في قلبه، وتموت الإرادة في روحه؛ ولا يستفيد من علمه أبداً؛ قال الله : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦].
ما أكذب الكلمة التي لا يصدقها العمل! وكثير من الناس يجيدون الأقوال، لكن أين الأعمال؟! كيف نريد أن تستقيم بيوتنا؟ كيف نريد أن يهتدي شبابنا ونحن ما أقمنا الإسلام في أشخاصنا؟!
فيا أيها الأساتذة: سامحوني -لطف الله بكم- إذا كنت قوي العبارة، أو صعب الأسلوب، فوالله إن هذا الكلام موجه إليَّ قبل أن يوجَّه إليكم.
أيها الأساتذة الأبرار: أنتم صفوة المجتمع، فإذا أقمتم الإسلام في قلوبكم؛ قام في تلاميذكم وفي طلابكم.
فالأستاذ هو القدوة.
سبحان الله! كيف يتجه الطلاب إلى الخير إذا اتجه الاستاذ إلى الخير، وكيف ينحرفون إلى الشر إذا انحرف إلى الشر، يقول: كونوا صادقين ثم يكذب! يقول: كونوا متبعين لمحمد ﷺ ثم يخالف! يأمر بالمحافظة على الصلاة ثم لا يحافظ! يأمر بتلاوة القرآن ثم لا يتلو! أي أسلوب هذا؟!
إنه الأسلوب الجاف الذي أعلن إخفاقه عند الأمم جميعاً حتى عند الكفار، فهذا الأمريكي الذي كان من أكبر دعاتهم دايل كارنيجي في كتاب دع القلق وابدأ الحياة يقول: إنك لا تعلم تلميذاً من التلاميذ ما لم تقم بعملك.
سبحان الله! حتى الكافر عدو الله وحتى الخواجة يعرف أن هذا العلم لا يسري في الناس حتى يكون المعلم متمثلاً لذلك.
أرأيتم أعظم من رسول الله ﷺ ؟! أسمعتم بأهدى منه؟! أطرق أذهانكم أعظم منه في التاريخ؟! أطرق العالم أشرف منه؟! لا والله.
دعها سماوية تجري على قدرٍ لا تفسدنها برأي منك منكوس
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣].
стр. 8634
الرسول المعلم
كان تدريسه ﵊ وتعليمه على ثلاثة أضرب:
стр. 8635
النبي ﷺ هو المتأثر الأول بدعوته
أولها: أنه كان هو المتأثر بدعوته ﷺ لا يأمر الناس بشيء إلا وهو أقرب الناس إليه، وأكثر الناس تمثلاً بهذا الأمر، يقول: يا أيها الناس! اتقوا الله! خافوا الله! اخشوا من الله! فيكون أخوف الناس لربه ﷺ .
يقول مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه: ﴿دخلت على رسول الله ﷺ ، وهو يصلي ولصدره أزيز من البكاء كأزيز المرجل﴾ وهو القدر إذا اجتمع غلياناً، ويقول ابن مسعود في الصحيح: قال لي ﷺ : ﴿اقرأ عليَّ القرآن، قلت: كيف أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟! قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، قال: فاندفعت أقرأ القرآن، فلما بلغت قوله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] قال: حسبك الآن، فنظرت فإذا عيناه تذرفان﴾.
هكذا يكون التأثير بالدعوة، هكذا يكون القيام بحق الدعوة، يقول ابن أبي حاتم: ﴿كان ﵊ يدور على بيوت الأنصار في الليل الدامس، فسمع امرأة عجوزاً تقرأ قوله : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] فأخذ يبكي ﵊! وهي لا تدري أنه يستمع إليها، ويقول: نعم أتاني، نعم أتاني﴾.
стр. 8636
كان أسلوب النبي ﷺ في التعليم باللين والحكمة
والأسلوب الذي استخدمه ﷺ في الدعوة -وأنتم أيها الدعاة والأساتذة والمعلمون! - اللين والحكمة، أرسل الله موسى ﵇ لفرعون شيخ الطغاة، والدجال الكبير، والأفاك الأثيم، فقال له ولهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
إن العصا لا تغرس الإيمان والحب والطموح، إن العصا ليست وحدها التي تهدي إلى الصراط المستقيم، إن العصا ليست التي تخرج العصاة من الدمار والعار والشنار إلى الإيمان والسلام، والعدل والحب والطموح ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ [طه:٤٤] القول اللين يغرس لا إله إلا الله في القلوب، القول اللين يسكب الدعوة في الأرواح، القول اللين تحبه القلوب وتعشقه النفوس.
فيا أيها الأساتذة: أسلوبه ﵊ كما تعرفون: اللين، يعرض الدعوة لا يجرح الشعور، يحب للناس ما يحب لنفسه، رفيقاً رحيماً قريباً من القلوب ﷺ ، يريد أن ينقذ الإنسان، وأنت بمقامك في الفصل اجعل من أكبر مهماتك أن تنقذ أبناء المسلمين من النار، قبل أن ينجحوا في الامتحان ينقذوا من غضب الواحد القهار، ولا يتحصَّل ذلك إلا إذا أحببت لهم ما تحب لنفسك، ومن الأساتذة من يتشفَّى في طلابه، ومنهم مَن ترك الأمانة وراء ظهره، ومنهم من جعل عباد الله خَوَلاً، واستهان بالرسالة، وهذا إن شاء الله قليل، أو لا يوجد في هذا المجتمع، وهذا الصرح مشيد، لكن ينبه خوفاً من أن يقع هذا في بعض الفترات، أو بعض الأزمنة.
стр. 8637
بث النبي ﷺ روح الألفة والإخاء بين الناس
والأسلوب الثالث الذي فعله ﷺ في الأمة أنه بثَّ روح الأُلفة والإخاء، وروح التواد في الناس، يقول الله له: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣] والعرب كقرون الثور كلما كسرت قرناً ظهر لك قرن، العرب قبل الإسلام كانوا قتلة متمردين مشاغبين لا يجمعهم ملك ولا إدارة، ولا حضارة ولا ثقافة، فلما جاء ﵊ وحَّد بين القلوب.
فجعل أبا بكر! أخاً لـ بلال الحبشي، وجعل عمر القرشي أخاً لـ صهيب الرومي، وعثمان العبشمي! أخاً لـ سلمان الفارسي، فاجتمعت والله القلوب.
فمهمة الأستاذ أن يجمع هذه الأرواح تحت مظلة لا إله إلا الله.
إن كيد مطرف الإخاء فإننا نغدو ونسري في إخاء تالد
أو يختلف ماء الوصال فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد
أو يفترق نسبٌ يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالد
إي والله! ليست مبادئ أبي جهل، ولا أبي لهب الذين وقفوا عند الركن والحطيم وزمزم فكفروا بلا إله إلا الله، فأدخلوا النار، أما بلال فأتى من أثيوبيا (الحبشة) يحمل لا إله إلا الله، فدخل الجنة.
دين أساسه التقوى، وفاعليته لا إله إلا الله، ومظلته الإخاء، هذا أمر لا يغيب، والأساتذة يوم يخرجون من بيوتهم متوضئين قاصدين بعملهم وجه الله، متوكلين على الله -الله أكبر! - كم يجعل الله على أيديهم من الفتوح؟! الله أكبر كيف يغرس الله بأيديهم شجرات الإيمان؟! الله أكبر كيف تلين لهم القلوب وتنقاد لهم النفوس؟! الله أكبر كيف يجعل الله هداية الأجيال على أيديهم؟! هذا في جانب الأساتذة؛ القدوة والأسوة، وضع التكلف، ومعرفة الأمانة وحمل الرسالة، وبث الإخاء وغرس الإيمان، وهذا لا يخفى عليهم إن شاء الله أبداً.
стр. 8638
خطاب إلى طلاب العلم
أما أنتم إخوتي الطلاب: أما أنتم يا زرع المستقبل! أما أنتم يا أيها الأمل المشرق للأمة الإسلامية! يا من على أكتافكم تقام معالم لا إله إلا الله محمد رسول الله! فإني أسألكم بالله الذي لا إله إلا هو بحمل الإيمان، أن نحمل قبل العلم الإيمان ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَاْلإيمَانَ﴾ [الروم:٥٦].
стр. 8639
التلازم بين العلم والإيمان
أيها الإخوة الطلاب: علم بلا إيمان هباء منثور، كتاب بلا إيمان كلام مصفَّف، قصيدة بلا إيمان هذر مذر، طالب بلا إيمان جثة من اللحم، فصل بلا إيمان قطيع من البهائم.
إخوتي في الله: الإيمان يوم تخرج من بيتك يكون في ذهنك وفي قلبك، إن أكبر الرسائل التي تحملها في الحياة الإيمان؛ الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر وبما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ .
يا إخوتي في الله: إننا يوم نحمل الإيمان يفتح الله لنا كل باب خير ويغلق عنا كل باب شر، ومعنى ذلك: ألا نطلب العلم- كما يفعل الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، يقول عز من قائل: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧] لا يهم إلا علم البطون وعلم القدور، وعلم الفروج وعلم المتع الدنيوية، وعلم الوظائف والمناصب، وعلم السيارات والموديلات، هذا علم لا يوصل صاحبه إلا إلى القبر، ثم يتركه ويعود، لكن أنت يُطلب منك أن تأخذ علماً يوصلك إلى رضوان الله، إن علماً لا يدخل معك القبر ليس بعلم، علم لا يمرُّ بك على الصراط ليس بعلم، علم لا يسقيك من الحوض المورود ليس بعلم؛ لأن الله ذكر العلم في القرآن على ثلاثة أضرب:
علم ضار.
علم شرير.
علم النهي.
﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة:١٠٢] وهؤلاء الذين يتعلمون للدنيا وللشهادات وللمناصب وللوظائف، والله يعطيهم من المناصب والوظائف والشهادات ما أرادوا، لكن لا يعطيهم من حرث الآخرة شيئاً ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٦].
هذا العلم ليس بنافع، وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله ﵎ لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من أعراض الدنيا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً﴾ وصحَّ عنه ﷺ أنه قال: ﴿من تعلَّم العلم ليماري به السفهاء أو ليجاري به العلماء، فليتبوأ مقعده من النار﴾ أو كما قال ﵊.
إذا ما لم يفدك العلم خيراً فليتك ثم ليتك ما علمتا
وإن ألقاك فهمك في مغاوٍ فليتك ثم ليتك ما فهمتا
فناده إذا سجدت له اعترافاً بما ناداه ذو النون بن متى
وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا
فيا طالب العلم: الإيمان الإيمان! يقول عن الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧] وقال عنهم: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦].
стр. 8640
تقوى الله ومراقبته
المسألة الثانية يا إخوتي في الله: رقابة الله ﵎، وهي وصية رسول الله ﷺ لطلبة العلم، يقول في الترمذي بسند حسن لـ ابن عباس: ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفْك في الشدَّة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾ ورقابة الله معناها: أن تجعل من الله رقيباً عليك، وهذه هي درجة الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك.
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليَّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفي عليه يغيب
يا من تستر بالجدران بالمعاصي! الله يراك وهو الواحد الديان، يا من وقف وراء الحيطان وظن أنه يخفى عن نظر الرحمن! الله يراك آناء الليل وأطراف النهار.
فيا أخي في الله: يا طالب العلم! لا تدنِّس عملك ولا علمك بالمعاصي فالمعاصي تدنيس للعلم، قال أحد الصالحين: نظرت نظرة لا تحل لي فقال أحد العلماء: أتنظر هذه النظرة، والله ليعاقبنَّك الله بها ولو بعد حين، قال: فنسيت القرآن بعد أربعين سنة.
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة:١٣] هذا في بني إسرائيل، طلبوا العلم ونقضوا ميثاق الله، وجاهروا الله بالمعاصي، خلوا فانتهكوا المعاصي، واقترفوا حدود الله، وانتهكوا حرماته؛ فلعنهم الله وطبع على قلوبهم، ولذلك يقول : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].
أتدري ما هو الذكاء؟ أتدري ما هو التفوُّق العلمي؟ إنه تقوى الله .
ترجم الذهبي لـ ابن الراوندي الملحد الزنديق، الفيلسوف الخبيث، قال: كان ذكياً ولم يكن زكياً كان يتوقد ذكاءً لكن ذهنه مظلم، وقلبه موحش، ولم تسكن لا إله إلا الله ومحمد رسول الله في قلبه، ثم قال الذهبي: فلعن الله الذكاء بلا إيمان، وحيا الله البلادة بالتقوى.
ماذا يستفيد الإنسان من ذكاء لا يوصله إلى رضوان الله؟ ماذا يستفيد من شهادة لا تبلغه رضوان الله، ولا تدخله الجنة؟.
فاعمل لدار غداً رضوان خازنها الجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها
فرقابة الله -يا إخوتي! - وتقوى الله هي التي تراد من هذا العلم.
стр. 8641
تحصيل العلم الشرعي وثمرته
المسألة الثالثة لطلبة العلم: هو التحصيل العلمي للعلم الشرعي، لا أشرف في الحياة بعد الفرائض من طلب العلم الشرعي! والتحصيل وتحقيق المسائل هو الهدف الأكبر والنبيل الذي يشغف له طلبة العلم.
ولو كان هناك أشرف من طلبة العلم العاملين لاستشهدهم الله سبحانه على ألوهيته ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨].
فيا طلبة العلم: استشهدكم الله على وحدانيته وعلى ألوهيته؛ فقوموا بالشهادة بحقها وهو العمل والتحصيل، والتحصيل معناه: أن تبذل وقتك وجهدك في تحصيل العلم الشرعي، في تقييد الفوائد، وفي حضور مجالس العلم، وفي استصحاب الكتاب الإسلامي، والشريط الإسلامي، وأن يكون وقتك ويومك، وليلك ونهارك، كله تحصيلاً علمياً.
إن الوقت رخيص عند المسلمين إلا من رحم الله، لكن عند أعداء الله غالٍ وعزيز، كيف يرخص الوقت عندنا؟! أليس عندنا قرآن وسنة، أما عندنا فرائض ونوافل؟! ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] تعالى الله أن يخلقنا للعبث.
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] فيا من سار وراء المجلة الخليعة! أفحسبتم أنما خلقنكم عبثاً؟! ويا من سارت حياته وراء الأغنية الماجنة! أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً؟! ويا من قضى ليله ونهاره في الجلسات التي لا تنفع ولا تجدي! أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً؟! ويا من جلس في المقاهي والملاهي التي تصُدُّ عن ذكر الواحد القهار! أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً؟!
أنت مسلم، أنت طالب علم ومعنى ذلك: أن تحفظ لحظاتك وسكناتك مع الله، يقول ابن تيمية: إنه لا يحق لي أن أضيع وقتاً من حياتي، إذا فترت بدأت في الذكر - أي من العبادة- ويقول: إنها لتعجم علي المسألة الواحدة فأسبح وأذكر الله وأستغفره أكثر من ألف مرة، فيفتحها الله عليَّ.
سبحان الله! الله هو الفتاح العليم، فمسألة التحصيل وحفظ الوقت من أعظم القضايا التي ينبغي أن تغرسها في ذهنك، نحن أمة ليست عاطلة، لا ينبغي أن نشكو العطالة والبطالة وأين نقضي الوقت؟! نسمع الشاب يقول: تعال نقضي الوقت، تعال نقطع هذا اليوم، تعال نمضي هذه الساعات، سبحان الله! أمسلم وطالب علم يشتكي من طول الوقت؟ لا والله! يقول ﵊ كما في الصحيح: ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ﴾.
стр. 8642
الاستغفار والتوبة
والمسألة الرابعة التي ينبغي أن يلاحظها طالب العلم هي: مسألة الاستغفار والتوبة دائماً وأبداًَ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] ثم إن كثرة الاستغفار معناها: أن تشعر دائماً أنك مذنب، وهذا يحتاج إلى كلام طويل وبسط مديد.
стр. 8643
مسائل لابد من التنبيه إليها
لكن أنبه إلى أربع مسائل وجدت في الساحة الإسلامية بين شباب الصحوة، ولا بد أن ينبه عليها باستمرار.
стр. 8644
أهمية الاهتمام بالنوافل بعد الفرائض
مسألة عدم الاهتمام بالنوافل بعد الفرائض، لقد وجد شباب مسلم متجه إلى الله، يعمل بالسنة حتى في الثوب واللحية والسواك، وهذا أمر يبشر بالخير ويرفع الرأس، فنحمد الله على ذلك، لكنَّ هذه الاستقامة الظاهرية تحتاج إلى نوافل وإلى وقود، وإلى تربية روحية، فيا طلبة العلم! هل سألنا أنفسنا عن قيام الليل؟ هل سألنا أنفسنا عن ركعتين في السحر حين ينزل الله إلى السماء الدنيا؛ نزولاً يليق بجلاله، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيبه؟
هل قلنا لأنفسنا: هل قمنا في السحر فرفعنا أيدينا وكفينا وقلنا: يا رب: يا فتاح يا عليم! افتح علينا وعلمنا؟ هل شكونا على الله ما نلاقي من صعوبات؟ هل شكونا عليه ذنوبنا وخطايانا؟ هل سألناه العفو والمغفرة؟
قلت لليل هل بجوفك سرٌ عامرٌ بالحديث والأسرار
قال: لم ألق في حياتي حديثاً كحديث الأحباب في الأسمار
ركعتا الضحى، فهاتان الركعتان كانتا من أحب شيء عند السلف الصالح، ولا تأخذ منا إلا دقائق، وهي صلاة الأوابين، وهي تعادل ثلاثمائة وستين حسنة، وتكفِّر من الذنوب ما الله به عليم، هل توضأنا في الضحى يوم يشتغل أهل الوظائف في وظائفهم، وأهل الدور بدورهم، وأهل الأعمال بأعمالهم، فتوضأنا وصلينا ركعتي الضحى؟
القرآن كلام الله ، هذا الكتاب الخالد، بالله هل سألنا أنفسنا كم لنا من ورد في اليوم والليلة؟ سمعنا أن طالب علم يقول: والله لقد مرت بي ستة أشهر ما قرأت في المصحف، سبحان الله! ستة أشهر ما وقعت عيناك على النور وعلى الصراط المستقيم! ستة أشهر ما وقعت عيناك على كلام الله! وعلى الدواء والبلسم الشافي! ستة أشهر وأنت ما أوردت نفسك وأدخلت في قلبك هذا النور الوهاج! ستة أشهر وأنت تعيش الحرمان والوحشة!
نعم.
وجد من يغلِّب المجلات الإسلامية وأنا أقول: المجلات الإسلامية، وما بالكم إذا كانت المجلات الخليعة، مجلة المرأة الخليعة الماجنة، مجلة البعد والفحش والشر والخبث، هذا لا يتكلم معه في مثل هذه الجلسة؛ لأنني أتكلم في المعهد العلمي في مهبط الوحي في مكة لا أتكلم في هذه الناحية أنه بعيد أن يوجد منا من يغلِّب المجلة الخليعة على القرآن! لكن وجد من يأتي بالمجلة الإسلامية، فتأخذ من وقته الساعات، ثم ينام وما قرأ شيئاً من كتاب الله، سبحان الله! روحك القرآن وهو نورك وطريقك.
سمعتك يا قرآن والليل سابح سريت تهز الكون سبحان من أسرى!
فتحنا بك الدنيا فأشرق نورها وسرنا على الأفلاك نملؤها أجرا
فيا سبحان الله! ما هو واقعنا إذا تركنا القرآن؟ وما هي بيوتنا؟ والله تصبح بيوتنا أرخص من الرخص، تصبح بيوتاً ماجنة وحقيرة وهزيلة وصغيرة، وتصبح قلوبنا كتلة من اللحم.
فالقلب إذا لم تدخل فيه القرآن أصبح كالبيت الخرب.
في الترمذي عن ابن عباس مرفوعاً: ﴿إن الذي ليس في قلبه شيء من القرآن كالبيت الخرب﴾ يقول ﵊ في صحيح مسلم: ﴿اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرءوا البقرة وآل عمران، اقرءوا الزهراوين؛ فإنهما يأتيان، أو تأتيان كغمامتين، أو غيايتين، أو فرقان من طير صواف﴾.
فالله الله في الإقبال على العلم الشرعي، فهذا من التحصيل العلمي الشرعي وحفظ الأوقات، ووجد كذلك في الساحة الإسلامية تغليب النوافل وكثرة الذكر والأوراد الصباحية التي صح عن الرسول ﵊ قولها بعد الفجر وبعد المغرب وعند دخول المسجد وعند الخروج.
أطالب علم وفي المعهد العلمي وليس له أوراد من الذكر؟! نام طالب عند الإمام أحمد، وكان هذا الطالب مسافراً، فوضع له الإمام أحمد ماءً عند الباب؛ ليستيقظ ويصلي في الليل، فقام الإمام أحمد ورأى الماء ولم يصل هذا الطالب، قال الإمام أحمد: سبحان الله! ما صليت البارحة؟! قال: أنا مسافر، قال: سبحان الله! طالب علم ليس لك ورد بالليل!
مسروق بن الأجدع العالم العراقي، من يوم خرج من العراق إلى أن حج ورجع من مكة ما نام مضطجعاً، إنما إذا أراد أن ينام صلَّى ثم نام ساجداً.
لا تعرضن بذكرنا في ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه
كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناه
ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه
ونركب الجو في أمن وفي دعةٍ فما سقطنا لأن الحافظ الله
стр. 8645
خطر النفرة والتباغض بين شباب الإسلام
ومما وجد في الساحة الإسلامية بين الشباب النفرة والتباغض إلا عند من رحم الله، من حسد وضغينة وحمل ونميمة في المجالس واستهتار البعض بالبعض والسخرية والاستهزاء، وهذا يخالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣] وفي الحديث الذي يروى عنه ﷺ : أنه نظر إلى الكعبة، فقال: ﴿ما أجلك! وما أعظمك! وما أشد حرمتك! والذي نفسي بيده للمؤمن عند الله أشد حرمةً منك﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم﴾.
فيا إخوتي في الله: نزع الضغينة واجب شرعي، أن نتآخى ونتآلف وأن يصل بعضنا بعضاً وأن نتزاور في الله وأن نتحاب في الله، وأعظم مهمة بيننا معشر الطلاب! أن إذا رأينا المخطئ أخطأ أن نقول له أخطأت، هل ذهب أحد منا إلى أخيه، فأخذه بينه وبينه وسدده ودعاه ونصحه لينقذه من النار؟.
تعمدني بنصحك في انفراد وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوعٌ من التوبيخ لا أرضى استماعه
فإن خالفتني وعصيت أمري فلا تجزع إذا لم تعط طاعة
стр. 8646
نصائح للشباب
إخوتي في الله! ومع هذه الأمور أنصح نفسي وإياكم بالتخلي عن المعاصي التي وجدت في الساحة؛ الشريط الغنائي الماجن، فالأغنية الماجنة أفسدت الجيل وحببت الفواحش إلى الشباب، ودلتهم إلى طريق المرأة الماجنة وإلى الزنا والعياذ بالله.
الغناء بريد الزنا، ويوم يسمع الشاب الأغنية الماجنة معنى ذلك: أن حب كتاب الله سيخرج من قلبه، ويوم يسمع الأغنية معناه: يتخلَّى عن مبادئه الأصيلة، ويوم يسمع الأغنية معناه: أن نفسه ترغب في الفواحش، إلا من رحم الله.
والأغنية الماجنة ليس لها مكان في مجتمعنا، والأغنية الماجنة حرام أن تدخل بيوتنا، الأغنية الماجنة هدَّمت من الجيل ومن الشباب ما لم تهدمه قنابل الاستعمار وصواريخه وطائراته في سنوات كثيرة.
فما هو الحل؟ الحل الشريط الإسلامي أن يدخل البيت وأن يسمع ويشجع وينشر بين الناس، وقد علمت أن هذا المعهد المشيد اهتم بهذه الناحية، فلله الحمد وله الشكر والثناء الحسن، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أن القائمين عليه دعاة قبل أن يكونوا مديرين، وقبل أن يكونوا كذلك مسئولين كانوا علماء يقودون النشء والجيل، هذا أمر ينبه عليه.
وكذلك مما ينبه عليه: المجلة الخليعة التي أخذت مكان صحيح البخاري وصحيح مسلم، وبيت علم ليس فيه صحيح البخاري وصحيح مسلم، أو يتدارس هذا الميراث، ليس بيتاً على المستوى الذي يراد به في الإسلام.
إن الأصالة في علومنا هي قال الله وقال رسوله ﷺ ، إن العمق في رسالتنا أن تأتي الآية والحديث في الجلسة وفي الدرس.
العلم ما قيل فيه قال حدثنا وما سوى ذاك وسواس الشياطين
فأدخل بيتك قال الله، وأدخل بيتك قال رسول الله، وأدخل قلبك قال الله، وأدخل قلبك قال رسول الله حينها تسعد وتفلح تنجو من غضب الله.
أسأل الله لي ولكم توفيقاً وهدايةً ورشداً، أشكر الله ﵎ على أن أراني الوجوه وجوه سكان الحرم، أهل مهبط الوحي الذين أجدادهم حملوا الرسالة العالمية إلى الإنسان إلى أن بلغوها سمرقند وطاشقند ونهر اللوار وأسبانيا الأندلس المفقود، سلام عليكم مرة ثانية، وشكراً لمديركم ولأساتذتكم، وشكراً لكم، وأسأل الله أن يجمعني بكم مرة أخرى، وإن عز اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم وفي جنة عرضها السماوات والأرض إن شاء الله نسعد بكم، يوم يتقبل الله عنا أحسن ما عملنا، ويتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.
إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار
وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شِبْتُ في الرق فاعتقني من النار
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 8647
الأسئلة
стр. 8648
مقولة: (هذه سنن يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها) والرد عليها
السؤال
بماذا أرد على من أقول له: اتق الله وتمسك بسنة النبي ﷺ ويرد بقوله: إن هذه سنن يثاب فاعلها ولا يُؤثَم تاركها، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، هذا يتبع الرسول في أمور ولكنه لا يتبعه في أمور أخرى، فيأخذ شيئاً ويترك شيئاً وهذا من الخطأ البين.
يا مدَّعٍ حب طه لا تخالفه فالخلف يحرم في دنيا المحبينا
أراك تأخذ شيئاً من شريعته وتترك البعض تدويناً وتهوينا
خذها جميعاً تجد خيراً تفوز به أو فاطرحها وخذ رجس الشياطينا
إن على المسلم الذي رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً أن يتبع هذا الرسول ﵊، فوالله الذي لا إله إلا هو لا نجاة لك، ولا فلاح، ولا سعادة، ولا تفوق، ولا اتجاه، ولا استقامة إلا أن تتبع هذا الرسول ﵊ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] نسب إلى ابن تيمية أنه قال: من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدى غير هدى الله الذي أرسل الله به محمداً ﷺ ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
يا إخوتي في الله! إن علامة من يترخص في السنن أنه سوف يقع في الترخص في الفرائض، وفي الإسلام خطوط ودفاعات ثلاث: الدفاع الأول: الفرائض، والدفاع الثاني: السنن، والدفاع الثالث: الآداب، فمن ترك الآداب عاقبه الله بترك السنن، ومن ترك السنن عاقبه الله بترك الفرائض، ومن ترك الفرائض ابتلاه الله بالكفر، فإذا رأيت إنساناً يخل بالسنن فاعلم أنه سوف يخل بالفرائض، وهذا معناه الترخص وهو شعبة من الفسق -نسأل الله العافية- أما أنت -يا أخي الداعية! - فعليك أن ترفق وأن تلين في دعوتك، وأن تسأل الله الهداية للمدعو، وأن تخبره أن من أتى بالصلاة هو الذي أتى -مثلاً- بتربية اللحية، وأن من أتى بالزكاة هو الذي أتى بتطهير الثوب، فليأخذ الإسلام جملة.
стр. 8649
الفتور وسلبياته
السؤال
فضيلة الشيخ/ عائض! والله إني أحبك في الله الواحد الأحد وبعد: فإني الآن صرت في فترة أعاني فيها من الفتور في كل شيء؛ في الدعوة والعبادة والزيادة في طلب العلم، وصرت أقترف من الذنوب ما الله به عليم، فما هي النصيحة التي توجهها إليَّ؟
الجواب
أحبك الله الذي أحببتنا فيه، أولاً: كلنا ذاك الرجل الذي تشكو منه أنت، وحلنا جميعاً أن نتوب ونستغفر الله ، ومما أوصيك به ونفسي ثلاثة أمور:
أولها: هذا القرآن أن تشفي به مرضك، وأن تجعله خدنك وأنيسك دائماً وأبداً، وأن يكون المصحف في جيبك، تقرأ منه صباح مساء، آناء الليل وأطراف النهار.
ثانيها: أن تبتهل إلى الله فإنه الفتاح العليم، وأن إذا سجدت تنادي بصوت خافت أن يفتح عليك، وأن تقول: يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب! صرف قلبي على طاعتك، وأن تدعوه بحرارة وبصدق، وبخشوع وبخضوع فسوف يفتح الله عليك، وتدعو في أدبار الصلوات وفي السحر وفي كل وقت، فسوف ترى الفتح من الله.
ثالثها: أوصيك بقراءة الحديث النبوي، وقراءة سير الصالحين من الصحابة والتابعين والأئمة كالإمام أحمد، وسفيان الثوري، وابن تيمية، وغير هؤلاء فإنهم سوف يشحذون - إن شاء الله - دينك ويوقدون جذوة الإيمان في قلبك، ويقودونك إلى صراط مستقيم.
ومن الأمور التي أوصيك بها: ألا ترافق الأشرار وأن تتخذ لك من الأخيار صحبة ترافقهم، فإن رفقة الشرير كالأجرب، فإن الجرباء تعدي الصحيحة، لكن ما سمعنا أن الصحيحة تعدي، أو تجعل الجرباء صحيحة.
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سوياً في البضاعة
ثم قلل من كثرة المباحات التي تصرفك عن الطاعات، فكثرة المزاح وكثرة الخلطة وكثرة الكلام بغير ذكر الله تشغل القلب، وما دام أنك اعترفت بالذنب فأنت على صراط مستقيم.
في الترمذي قوله ﷺ : ﴿يقول الله : يابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك ذلك ولا أبالي، يابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة﴾ غفر الله لي ولك ولكل مسلم.
стр. 8650
معنى قول الله تعالى: وما قدروا الله حق قدره
السؤال
ما معنى قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]؟
الجواب
معنى هذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]: أي ما أقاموا لله وقاراً وتقديراً كما ينبغي لجلاله ولعظيم سلطانه ولعظيم قدره، ونوح ﵇ لام قومه على ذلك، قال: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح:١٣] يعني: ما لكم لا توقرون الله، والتقدير والوقار معناهما: أن يكون لله في قلبك من الهيبة والجلال والقداسة ما يستحقه ، فإنه أعظم عظيم، وأجل جليل، فحق الله عليك أن تقدره حق قدره، وأن توقره حق توقيره ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠] ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] وهذا التقدير معناه: أن تقدر كل ما يتصل به ، فتقدر وتحترم رسوله وسنة رسوله ﷺ ، وأسماء الله وكتابه وبيته، والمسجد وأولياء الله، وكل من له نسبة بالله تقدره وتوقره؛ ليحبك الله وليجلك، ومن عظم الله عظمه الله، ومن استهان بشيء من حدود الله، أو بأسمائه، أو بصفاته؛ أهانه الله وأذله وقمعه وخسأه، نسأل الله العافية والسلامة.
следующие страницы →