Полный текст (10 391 стр.). Показаны 8681–8720 · переход к 8686.
стр. 8681
حالة الأمة بلا إيمان
لا نصر لنا ولا بقاء ولا استمرار إلا بالإيمان، بحث الناس عن السعادة ووالله لن يجدوها إلا في كتاب الله وفي سنة الرسول ﵊، يقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥].
أمة بلا إيمان قطيع من الضأن، وعين بلا إيمان مقلة عمياء، وقلب بلا إيمان كتلة لحم، وكتاب بلا إيمان كلام مصنف، ولذلك لا يستنفع المواهب بلا إيمان، نحن لا نريد شعراء فحسب لكن نريد شعراء مؤمنين، ولا نريد علماء فحسب لكن نريد علماء مؤمنين، العالم إذا لم يكن خاشياً لله كان مثل ابن باعوراء عالم اليهود: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦] يقول في علماء بني إسرائيل مَثَلُهُم ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥] حمارٌ عليه مجلدات على ظهره، يقول شاعر على لسان حمار توما الفيلسوف الأحمق:
قال حمار الحكيم توما لو أنصف الدهر كنت أُرْكَبُ
لأنني جاهل بسيط وصا حبي جاهل مُرَكَّبُ
стр. 8682
الإيمان والأدب والشعر
إذا عُلِم هذا فلا ينفع العلم إلا بإيمان، والشعر والأدب لا ينفع إلا بإيمان، ولذلك أتى شعراء فطاحل من أقوى الشعراء في العلم لكن ملاحدة زنادقة.
أبو العلاء المعري من أكبر الشعراء- اسمه سليمان بن أحمد- يناجي الليل، شعره كالسحر الحلال يقول في منظومة استلطفها ابن القيم والذهبي:
يا راقد الليل أيقظ راقد السمر لعل في القوم أعوان على السهر
يود أن ظلام الليل دام له وزِيدَ فيه سواد السمع والبصر
ليته اكتفى بهذا الجمال وليته سكت؛ لكنه اعترض على الشريعة يقول وهو يستهزئ بالقرآن والسنة:
يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار
تناقض مالنا إلا السكوت له ونستعيذ بمولانا من النار
بعد ماذا يا ملحد تستجير بمولاك؟ بعد أن استهزأت بالشريعة؟ يقول: كم دية اليد؟ قالوا: خمسمائة دينار ذهباً، قال: في كم تُقَْطَع؟ قالوا: في ربع دينار، قال:
يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار
تناقض مالنا إلا السكوت له ونستعيذ بمولانا من النار
فرد عليه علماء السنة وشعراء أهل السنة بيَّض الله وجوهَهم.
يقول الشاعر عبد الوهاب المالكي راداًَ عليه بِرَدٍّ يدمغه ويسحقه يقول:
قل للمعري عار أيما عاري جهل الفتى وهو عن ثوب التقى عار
لا تقدحن بنود الشرع عن شبهٍ شرائع الدين لم تقدح بأشعار
فأخذ الله أبا العلاء أخذ عزيز مقتدر: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٦] لكن تعال إلى الشاعر الموحد أبي نواس، وحَّد الله في شعره، رؤي في المنام بعد أن مات، قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأدخلني الجنة، قالوا: بماذا؟ قال: بثلاثة أبيات قلتها في النرجِسة - النرجِسة: زهرة جميلة تأتي في الحدائق - يقول أبو نواس:
تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات بأحداق هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك
فغفر الله له بذلك وأدخله الله الجنة.
يقول كعب بن مالك في قصيدة له وقيل: هي لـ ابن رواحة يسب قريشاً وينتصر للإسلام:
زعمت سخينة أن ستغلب ربها وليغلبن مغلب الغلاب
قريش إذا أرادت العرب أن تسبها تسميها سخينة، فيقول كعب بن مالك: يا سخينة! أتغلبين الله؟!
زعمت سخينة أن ستغلب ربها فليغلبن مغلب الغلاب
﴿فتبسم ﷺ بعد حين وقال: يا كعب! نزل جبريل يقول: إن الله يشكرك على ذاك البيت﴾.
فيا أهل الإبداع! ويا أهل الأدب! ويا أهل القصص! ويا أهل الشعر! ألا تريدون أن تدخلون الجنة بالشعر؟
حسان يقرب له ﷺ المنبر ويقول له: ﴿اهجهم وروح القدس معك﴾ أي: جبريل، فيقول حسان:
وبيوم بدر إذ يصد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد
فيشكر الله له ويكون قائد الشعراء إلى الجنة.
لكن حداثي مستهتر من أبناء بلدنا وأمتنا، استنشق هواء جزيرتنا، وشرب ماءها، وجلس تحت سمائها، وتظلل تحت أشجارها، يقول في المربد في بغداد سافر إلى هناك يقول في معنى قصيدته:
جزيرتنا ما رأت النور منذ ألقى عليها رداءه الهاشمي، من هو الهاشمي يا عدو الله؟ الهاشمي: هو الذي أخرج الجزيرة من الظلمات إلى النور، الهاشمي: هو الذي رفع لا إله إلا الله في الأرض، الهاشمي: هو الذي مرت كتائبه إلى المحيط الأطلنطي، الهاشمي: هو الذي قُتِل أصحابُه في طاشقند وسمرقند ليرفع العدل والسلام في العالم، الهاشمي: هو الذي أتى إلينا نحن الأمة الأعرابية المتخلفة الرجعية البدوية، طويلة الأظفار منتنة الرائحة فأخرجنا إلى النور فأصبحنا ملوكاً للدنيا:
إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها
بل كرم الإنسان حين اختار مِن خير البرية نجمها وهلالها
لبس المرقع وهو قائد أمة جبت الكنوز فكسرت أغلالها
لما رآها الله تمشي نحوه لم تبتغِ إلا رضاه سعى لها
فأمدها مدداً وأعلا شانها وأزال شانئها وأصلح بالها
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢].
قال الأستاذ النبيل البارع علي الطنطاوي بيض الله وجهه في كتابه قصص من التاريخ فصلاً يبكي القلوب قبل العيون يرد به على الملاحدة، يقول: " نحن المسلمين، سلوا كل سماء في السماء عنا، وسلوا كل أرض في الأرض عنا، نحن المسلمين، سلوا عنا نهر الجانج واللوار، وصحراء سيبيريا من بنى منبر العدل، من أطلق عنان الإنسانية، من حطم كيان الطاغوت، من نشر البراء في العالَم، نحن المسلمين، منا أحمد ومالك والشافعي وأبو حنيفة وابن تيمية وابن القيم، نحن المسلمين، منا حسان وابن رواحة وأبو تمام والمتنبي ومحمد إقبال، نحن المسلمين، منا خالد وسعد وطارق وصلاح الدين وعقبة بن نافع ".
إلى آخر تلك المقالة التي تكتب بماء الذهب، وهو رجل إذا كتب فكتابته سحر حلال، وهي أقوى من كلامه إذا تكلم، بل هو أديب العربية لا طه حسين، فعدو الله ذاك ليس بأديب العربية؛ لأنه تزندق في كتاباته ويقول: بدر وأحد وقعت بين قبائل عربية لأحقاد بينها في الجاهلية، واستهزأ بكثير من معاني الإسلام، فليس بـ عميد الأدب العربي ولا كرامة؛ بل عميده مثل هذا الأديب الصادق، مثل سيد قطب ومحمد قطب وأبو الأعلى المودودي وأبو الحسن الندوي، أولئك الصفوة المختارة التي عرفت الكتاب والسنة وسجدت لله الواحد الأحد.
فأنا أدعو نفسي وإياكم بالإيمان، اصدقوا الله في قلوبكم وفي أفكاركم وفي أقلامكم وفي منشوراتكم وفي خطبكم، ويوم نوفق إلى الطريق ويوم يرزقنا الله إيماناً ملوكاًَ ومملوكين، ورؤساء ومرؤسين، وأمراء ومؤتَمِرين، وأدباء ومتأدبين؛ حينها تسعد الحياة ونكون خير أمة أخرجت للناس، حينها نكون مجتمعاً مثالياً: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
أيها الإخوة! أكرر شكري لكم وأسأل الله أن يحفظني وإياكم بحفظه وأكرر شكري ثانية لنادي الشهيد الذي استضاف هذا الجمع هذه الليلة، وشكراً لأمير هذه المنقطة الذي حضر، ومعنى حضوره أنه شجع انتصار الكلمة المؤمنة والدعوة الصادقة والرسالة القائمة لتسعد هذه البلاد ويسعد هذا الشعب، ويكون هذا الجيل جيلاً موحداً، جيلاً يعرف الله ويسجد لله ويحمي مقدسات الله ، فإن نجاتنا بالإيمان وسعادتنا بالإيمان.
آخيتمونا على حب الإله وما كان الحطام شريكاً في تآخينا
إن السلام وإن أهداه مرسله وزاده رونقاً منه وتحسينا
لم يبلغ العشر من قول يبلغه أذن الأحبة أفواه المحبينا
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
وما بقي من وقت فلبعض الأسئلة، ثم نقوم للصلاة، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
стр. 8683
الأسئلة
.
стр. 8684
سلمان رشدي وكتابه آيات شيطانية
السؤال
ما رأيك في كتاب سلمان رشدي المسمى: آيات شيطانية وذلك أن الخميني أباح دمه والأزهر يرفض هذا إلا بعد المناقشة والبينة؟
الجواب
سلمان رشدي هندي، وهو يحمل الجنسية البريطانية ويقيم في لندن، وله مقالات ومنشورات وهو أديب وله لغات، وقد كتب هذا الكتاب لكن علماء أهل السنة لا يزالون يتوقفون حتى تأتيهم البينة؛ لأن مصادر الأخبار هي: هيئة الإذاعة البريطانية، والإذاعات العالمية، وسمعتم أن الخميني أباح دمه، وهذا لا يعني أن ذلك بسبب استهزائه بالرسول ﷺ في الكتاب، فقد يستهزئ بأهل البدعة وأهل الرفض، وهذا أمر آخر، وقد يكون استهزأ بالرسول ﷺ والملائكة والدين فهذا أمر آخر، كذلك علماء الأزهر توقفوا ليقرءوا الكتاب ويَرَوه، وكذلك علماء السنة حتى يروا ما هي المداخل على هذا الكتاب، ولذلك في آخر جمعة خطبها الرئيس علي خامنئي يقول: إنه سوف يعفي عنه إذا رجع عن كتابه.
لكن نقول: كل منشور وكتاب وكل مقالة لا بد أن تُرَى وتُبْصر، ولا يؤخذ بالأخبار الشائعة والإعلام حتى يُقرأ ويُنظر ما فيه، وهو الآن يسحب من المكتبات العالمية لكن لا يكفي سحبه، إنما يحاكَم هذا الرجل بعد أن يدرَك ما في هذا الكتاب، وماذا قال فيه، وهنا مسألتان:
١ - مسألة التثبت فيما قيل.
٢ - مسألة ما هي مصادر التثبت؟
فالتثبت قال فيه الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] ومصادر التثبت الشهادة والرؤية والثقة، وأما هذه الهيئات في العالم فإنما هي مجرد أخبار ولها مصالح، ولكن إذا تواترت قد يُسْتأنس بأخبارهم، هذا أمر.
стр. 8685
حكم الغناء في الإسلام
السؤال
ما حكم الغناء في الإسلام؟ وما هو الغناء الماجن؟
الجواب
الغناء في الإسلام على القول الصحيح من كلام أهل العلم - وهم الجمهور الذين يمتلكون أدلة - أنه محرم، وقد استدلوا بآيات وأحاديث منها: قوله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان:٦] واستدلوا بقوله ﷺ في صحيح البخاري: ﴿ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف﴾ واستحلالها يكون بعد التحريم، وصح عنه ﷺ عند ابن خزيمة وغيره أنه قال: ﴿إني نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نعمة، وصوت عند مصيبة﴾ قالوا: الصوت عند النعمة هو: الغناء، والصوت عند المصيبة هو: النياحة، قال ابن القيم في غناء أهل الجنة لأنه في مسند الإمام أحمد بسند جيد: ﴿إن في الجنة نساء يغنين يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبأس، طوبى لمن كنا له وكان لنا﴾ قال ابن القيم ناظماً هذه في المنظومة الطريفة:
قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان
فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الإ نسان كالنغمات في الأوزان
يا خيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان
يقول ابن تيمية: الغناء بريد الزنا، وهو يحبب الفاحشة ويكره إلى العبد ذكر الله، وتلاوة كلامه، والأنس بالدعاء، ومناجاة الله، وأثبت ابن القيم في إغاثة اللهفان أنه من أخطر ما يكون على القلوب، وأنه يؤسس الجريمة في القلب، نسأل الله العافية والسلامة.
стр. 8686
صلاة الجماعة حكمها وأهميتها
السؤال
الصلاة في المساجد وصلاة الفجر هل من كلمة حولها؟
الجواب
نعم.
قد اتفقنا من قبل أن أكبر ما نحفظ به الله الصلوات الخمس: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥] ويوم يُتهاون بالصلوات؛ حينها يعم الربا والزنا والفحش والجريمة وتعاطي الحبوب المخدرة والسكر والبعد والفجور عن الله .
فالصلوات الخمس جماعة هي التي تنجيك وتصفي قلبك وتحفظك مع الله، وأولها صلاة الفجر يوم يستيقظ الناس، وقد صح عنه ﷺ عند مسلم أنه قال: ﴿من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فالله الله لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من طلبه في ذمته بشيء فأدركه كبه على وجهه في النار﴾ الحديث، الله الله في الصلوات جماعة، فإنها من أعظم الأعمال ومن ترك الصلاة فقد كفر: ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر﴾ وبرئت منه الذمة وأصبح دمه حلالاً.
стр. 8687
التوبة وعدم اليأس
السؤال
هل من تعليق على قوله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]؟
الجواب
جزى الله خيراً من ذكَّر بالتوبة، فنحن جلسنا هنا مذنبين ونقوم مذنبين، ونمسي مخطئين ونصبح مخطئين: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] فيا من عطاؤه ممنوح، ويا من نواله يغدو ويروح، ويا من بابه مفتوح، جلسنا مذنبين مخطئين معترفين بالتقصير؛ فاغفر لنا، فإنك أنت السميع البصير، نسأل الله لنا ولكم غفرانه فإنه يقول: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦].
стр. 8688
واجب المعلمين نحو المتعلمين
السؤال
ما هو واجبنا كمعلمين نعلم أطفال المسلمين؟
الجواب
حياك الله، وما أعظمها من قضية! فهي تحتاج إلى محاضرات، كيف نحمل الإيمان لأبناء المسلمين في الفصل؟ كيف نلقن أبناء المسلمين وأطفالهم الإيمان في الفصل؟ نحمل رسالة لا إله إلا الله ونلقنهم على الكراسي، هذه ذمة المسلمين، وجيلهم وضعوهم بين أيديكم.
أيها الأستاذ! واجبك أن تدخل وأنت تحمل الإيمان وتزرع لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ في قلوب هذا الجيل، حينها يتقبل الله منك، ويرفع الله درجتك.
نقل لي أحد الدعاة أنه قرأ في بعض المقالات أن داعية في إحدى البلاد العربية دخل مدرسة وهو يحمل رسالة وإيماناً، ومدير المدرسة لا يحمل رسالة ولا إيماناً، فأراد أن يقلص من جهود هذا الأستاذ فأعطاه حصة الرسم لأن الرسم ضياع، يرسم بطة ودجاجة على السبورة، ويضيع أوقات الناس لكن إذا استخدم الرسم فيما وضع له لكان جيداً، فقال: أما هناك حصة غير الرسم؟ قال: ما معك إلا الرسم، فدخل الفصل فرسم زهرة على السبورة، ثم نظر إلى الطلاب فألقى محاضرة عن التوحيد، مَن خلق الزهرة؟ ومن سواها؟ حتى بكى الطلبة أمامه.
وأستاذ آخر -وهذا واقع- دخل فصلاً، فقال: ما هي الحصة لديكم؟ فقالوا: قرآن.
قال: القرآن تدرسونه في المسجد، هذه حصة رياضة، فانظر إلى البون بين هذا وذاك، ذاك يحمل إيماناً جعل من الرسم طريقاً إلى الجنة، وهذا لا يحمل رسالة ولا إيماناً فترك القرآن من ساحته وقلبه.
إذاً: اتقوا الله -يا أساتذة الإسلام- في أبناء المسلمين، في تحفيظهم كتاب الله، وغرس شجرة الإيمان في قلوبهم.
стр. 8689
أفضل الأوقات لاستغلال قراءة القرآن
السؤال
ما هي أفضل الأوقات لقراءة القرآن؟
الجواب
أفضل أوقات لقراءة القرآن: بعد صلاة الفجر، وهذا محمد إقبال شاعر ال الباكستان دخل على ظهير الدين شاه أو أسد الدين شاه الأفغاني -وهي موجودة في روائع إقبال - فقال له: أوصيك بتقوى الله وأن تقرأ القرآن مع الفجر.
وذكر سيد قطب في الظلال أن أحسن أوقات قراءة القرآن: في الفجر.
وقبل هذا وأحسن من هذا: قوله : ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء:٧٨] يوم أن تتنسم الزهور ويطل الفجر وتذهب النجوم، ويعلو النسيم، حينها تقرأ القرآن فتنشرح روحك للقرآن، يقول ابن الصلاح: إن من قرأ القرآن في الفجر سدده الله في حركاته وسكناته في النهار، هو روحك وتأملك وحياتك وإشراقك، وبعد الفجر لا بد أن يكون لك ولو صفحات من المصحف.
стр. 8690
الاستهزاء بأمور الدين
السؤال
ماذا تنصح شباباً يستهزئون بالشباب الملتزمين ويستهزئون ببعض أمور الدين؟
الجواب
عالجتُ مثل هذه القضايا؛ لأنها انتشرت كثيراً، وأسأل الله أن يكف هذا المرض الخطير وأن يصلح شباب المسلمين ويوفقهم للاستقامة: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦].
فيا أيها الإخوة! ليس معنا إلا الدين، ما هو الذي نمتلكه في الحياة إلا (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ما هي أصالتنا؟ ما هو تاريخنا؟ ما عمقنا؟ ما هو منهجنا إلا الكتاب والسنة فإذا أتينا نحارب الملتزمين به والمستقيمين معه فكأننا نهدم بمعول من غضب ومن سحق ومحق في هذا البناء الذي بناه محمد ﵊، فنسأل الله أن يهدي أولئك، وأن يردهم إليه رداً جميلاً، وأن يتقبل منا ومنكم خالص الأعمال.
شكراً لكم أولاً وآخراً.
وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 8691
وإذا مرضت فهو يشفين
المرض ابتلاء من الله للمؤمن يكفر به الخطايا والذنوب كما دلت على ذلك أحاديث المصطفى ﷺ ، وأمراض القلوب أعظم من أمراض الأبدان.
وهذا الدرس تفصيل لأحكام تتعلق بالمريض.
стр. 8692
المرض كفارة للذنوب والخطايا
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩٣].
سلام الله عليكم ورحمته الله وبركاته
ولا نزال مع حديثه ﷺ وكلامه العذب وسيرته العطرة ومع ميراثه الضخم وتراثه الفذ، فعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، جزاء ما قدم للإنسانية وما أعطى للبشرية وما أهدى للإنسان.
يستفتح البخاري رحمه الله تعالى كتاباً آخر وهو كتاب المرضى، وقد انتهينا من كتاب الأدب ولم يبق فيه إلا ما يندرج فيما قبله، أو أحاديث مكررات.
يقول البخاري رحمه الله تعالى: كتاب المرضى -شافاكم الله من المرض- قال تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
ونحن نسأل الله لنا ولكم العافية ففي مسند الإمام أحمد بسند جيد عن العباس أن الرسول ﵊ قال له: ﴿يا عمي يا عباس! سل الله العفو والعافية﴾ وكان أبو بكر ﵁ وأرضاه -في المسند - يقول: [[اسألوا الله العفو والعافية فإنه لم يؤت أحد بعد اليقين خيراً من العافية]] والعافية في الأبدان والأديان والبلدان، فالعافية في الأبدان: صحة وقوة ونشاط، والعافية في الأديان: سلامة ونجاة ومنهج، والعافية في البلدان: أمن ورخاء وازدهار.
باب ما جاء في كفارة المرض، والمسلم لا يأتيه شيء يصيبه إلا كفَّر الله به من خطاياه كضربة الشمس والجوع والظمأ والهم والغم فكل ما أصابك فهو كفارة لك فاحتسبه في ميزان الواحد الأحد، وقول الله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] هذه الآية أبكت أبا بكر الصديق فعندما نزلت هذه الآية تفصم ظهر أبي بكر وهو بجانب الرسول ﷺ حتى تماط فقال له ﷺ : ﴿مالك؟! قال: يا رسول الله! يقول الله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] وكيف العمل بعد هذه الآية، كلفنا من الأعمال ما نطيق ولكن كيف نعمل بعد هذه الآية أإذا وقع منا كل سوء عاقبنا الله ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِه﴾) [النساء:١٢٣] قال ﷺ : غفر الله لك يا أبا بكر! ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تهتم؟ ألست تغتم؟ قال: بلى.
يا رسول الله! قال: فذلك كفارة﴾.
فالحمد لله الذي جعل لنا هذه الأمور كفارة وإلا فخطايانا ملأت السهل والجبل، وإذا لم تدركنا رحمة الله وعفوه وكرمه فقد هلكنا، إذاً كل ما يصيب المسلم فهو كفارة.
وابن عباس عاش ليلة طويلة بطيئة النجوم هادئة السحر يبكي حتى الصباح من قوله : ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [النساء:١٢٣].
стр. 8693
شرح حديث عائشة في أن المصائب تكفر الذنوب
قال البخاري ﵀ حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع هذا الرجل شيخ البخاري وهذا الحديث لا يتلقى إلا بالسند:
أصح وأعلى ما سمعناه في الندى من الزمن المعروف منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا عن الغيث عن كف الأمير تميم
وهذا البخاري سنده كنجوم الليل كل رجل فيه ولي من أولياء الله إن شاء الله، فشيخ البخاري هذا كان من العباد الكبار بكى من خشية الله حتى عمي، ووجد في السلف الصالح من بكى من خشية الله حتى عمي، منهم: الترمذي صاحب السنن بقي يبكي في الليل من العبادة حتى عمي، ومنهم: يزيد بن هارون الواسطي بكى حتى ذهبت عينه اليمنى ثم بكى حتى ذهبت عينه اليسرى فقال له تلاميذه: أين العينان الجميلتان؟ -كما في سير أعلام النبلاء للذهبي - قال: أذهبهما والله بكاء السحر.
من تلظي لموعه كاد يعمى كاد من شهرة اسمه لا يسمى
وقال سعيد بن المسيب سيد التابعين: لا خير في عين لا تعمى من كثرة البكاء.
وبكى حتى عميت عينه وبقي على عين واحدة؛ لأن الحياة مرحلة:
طول الحياة إذا مضى كقصيرها والفقر للإنسان كالإعصار
ولكن الحياة الأبدية التي فيها لذة وسعادة هي دار القرار، وأتفه الناس وأحقرهم وأصغر الناس وأجهلهم من جعل هذه الحياة متاعاً قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
قال أخبرنا شعيب، وهو شعيب بن حمزة الحمصي أحد الثقات الأعلام وكذلك العباد؛ لأن الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان كانوا يتعلمون العلم للعمل، يقول الإمام أحمد: كتبت المسند -أربعين ألف حديث يعني: بالمكرر- ما من حديث فيه يقبل العمل إلا عملت به إن شاء الله حتى أنني وجدت حديثاً: أن الرسول ﷺ اختفى في غار ثور ثلاثة أيام، فاختفيت في غار في الكرخ ثلاثة أيام، هذا الاتباع وهذه الأصالة والنبل حتى لحقوا بركبه ﷺ .
قال الزهري محمد بن شهاب الزهري القرشي العلامة الكبير، حافظ الدنيا، كان من أتقى عباد الله لله، كان صادقاً لا يكذب، حلف بالله الذي لا إله إلا هو لو نادى منادٍ من السماء: إن الكذب حلال ما كذبت في حياتي، وفي الناس من لو نادى منادي من السماء وقد نادى منادي من السماء وهو القرآن والسنة أن الكذب حرام ويكذبون، ونعوذ بالله من الكذب.
له مع السلطان مواقف أثبت فيها صدقه وشجاعته، جلس الناس عند الخليفة الأموي الذي يلقب الأحول هشام بن عبد الملك الذي يقول فيه الفرزدق:
يقلب رأساً لم يكن رأس سيد وعينان حولاوان بادٍ عيوبها
هذا هشام سجن الفرزدق لما مدح زين العابدين علي بن الحسين لما قال أهل الشام وهم حول الكعبة وعلي بن الحسين يطوف، فأراد هشام أن يطوف فما استطاع من الازدحام فوقف معه الأمراء والوزراء حتى ينتهي الناس وهم كالبحر حول الكعبة، فأتى علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب زين العابدين -الذي يقول عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: كان يسجد كل ليلة ألف سجدة- فأتى وفي يده خيزران وكان وجهه كالقمر ليلة أربعة عشر والمسك يفوح من ثيابه وهو ابن بنت رسول الله:
نسب كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عمودا
فلما رآه الناس انقشعوا من حول الكعبة، وأخذ بعضهم يحطم بعضاً يفسحوا له الطريق، ليس عنده حرس ولا جند لكن أصالته تأتي من قلبه الكبير ومكانته في الأمة، فأخذ يطوف وهو يتبسم للناس وهم يحاولون تقبيل يده، فيسحبها من الناس فقال أهل الشام لـ هشام بن عبد الملك: من هذا؟ فـ هشام أخذه الحسد والغيرة وقال: ما أعرفه! سبحان الله! ما تعرفه:
بينما يذكرنني أبصرنني عند قيد الميل يسعى بي الأغر
قلن تعرفن الفتى قلن نعم قد عرفناه وهل يخفى القمر
فقام الفرزدق وهو جالس فعرفه بقصيدة ما طرق التاريخ في المدح مثلها، يقول:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله بجده أنبياء الله قد ختموا
يغضي حياءً ويغضى من مهابته فما يكلم إلا حين يبتسم
بكفه خيزران ريحها من عبق من كف أروع في عِرْنِيْنِه شمم
ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم
فأسكته وسجنه.
فالمقصود: أن الزهري دخل على هشام هذا وهو في دمشق، فقال هشام بن عبد الملك وكان بطاشاً يبطش بالرجال عنده سيف وسلطة وقوة، الخلافة تحت يديه وهو يحمل على علي بن أبي طالب لأن بني أمية فيهم نواصب يحملون على علي ﵁ وأرضاه، والنصب: بغض أهل البيت، ويقول بعض بني أمية: إن الذي تولى كبره في فتنة الإفك هو علي بن أبي طالب سبحان الله! أتقى الناس وأزهد الناس وأخشى الناس أبو الحسن يتولى كبره! والذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول ذاك المنافق الخبيث، لكن بعض بني أمية يقولون: لا.
الذي تولى كبره علي بن أبي طالب.
فأتى عالم فقال له هشام: من الذي تولى كبره؟ قال: عبد الله بن أبي بن سلول، قال: كذبت.
الذي تولى كبره علي بن أبي طالب فقال العالم: الخليفة أعلم بما يقول، وجلس، قام الثاني فقال له الخليفة: من الذي تولى كبره؟ قال: عبد الله بن أبي، قال: كذبت، وقال: الخليفة أعلم بما يقول، معنى ذلك السيف الأملح، فقام الزهري فقال له هشام بن عبد الملك: من الذي تولى كبره؟ قال: عبد الله بن أبي بن سلول، قال: كذبت، قال: بل كذبت أنت وأبوك وجدك، حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة صاحبة الإفك: أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول، وحدثني عروة عن عائشة: أن الذي تولى كبره كذا ووالله لو نادى منادٍ من السماء أن الكذب حلال ما كذبت، فتزلزل الملك وقال: لعلنا هيجنا الشيخ اجلس اجلس.
إن الصادق يظهر في هذه المواقف، وهذا الزهري قال له هشام: اكتب لي أحاديث، فكتب له أربعمائة حديث وبعد سنة استدعاه وقال: ضاع ذاك الدفتر الذي أمليت علينا من الأحاديث، أعد عليَّ تلك الأحاديث، فأملاه، فأخرج ذاك الدفتر وهذا الدفتر الجديد فقارنوا بينهما قالوا: فوالله ما أسقط حرفاً واحداً.
قال: أخبرني عروة بن الزبير من ذاك البيت الأصيل ابن حواري الرسول ﷺ كان عالماً بحراً يقولون: يلف حبوته في مسجد الرسول ﵊ فما ينزل حبوته حتى يقرأ ربع القرآن، ونحن إذا قرأ الواحد منا جزءاً أو حزباً قال: يا رأسي! يا بطني! يا رجلي! إن لعينك عليك حقاً وإن لنفسك عليك حقاً، الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، أما أحاديث الرخص وأحاديث الطعام والطب فنحفظها، فنحن برحمة الله لا من عملنا ولا من قوتنا.
قالت عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ : ﴿قال رسول الله ﷺ : ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها﴾ وهذه بشرى تزف لكل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر.
стр. 8694
مسائل في قوله تعالى: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ)
ومن الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [النساء:١٢٣] فيها قضايا:
القضية الأولى: هل كل من عمل سوءاً يجزَ به؟
القضية الثانية: ما مناسبة قوله تعالى: ﴿وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [النساء:١٢٣].
القضية الثالثة: هل الجزاء أو النكال أو العذاب كفارة أو رفع في الدرجات؟
стр. 8695
هل كل من عمل سوءاً يجز به
السؤال
هل كل من عمل سوءاً يجزى به؟
الجواب
لا.
يقول بعد آية الجزاء: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] فكثير من السيئات تستوجب النكال والعذاب في الدنيا والآخرة لكن الله يعفو، فلسنا نجازى بكل إساءاتنا بل يعفو وهذا ملموس، يقول ابن القيم في الفوائد: احذر المعاصي فإنها في الطريق.
يعني: أنها لك كميناً في طريقك تثور عليك بعد أيام ولو بعد أربعين أو خمسين سنة.
قال بعض أهل السير والتراجم وهي من الإسرائيليات: أن يعقوب ﵇ لما فات يوسف عليه أربعين سنة كان ذلك جزاء له لما قال لأبنائه: أخاف أن يأكله الذئب، ولم يقل أتوكل على الله، ففقده أربعين سنة يبكي عليه، وقال أحد التابعين: نظرت نظرة لا تحل لي فقال لي أحد المشايخ والعلماء: أتنظر إلى الحرام؟! والله لتجدن غبها -أي: نتيجتها- ولو بعد حين، قال: فنسيت القرآن بعد أربعين سنة.
وجاء الإمام الشافعي كما في ترجمة وكيع بن الجراح المحدث صاحب كتاب الزهد، وكان يسمى شيخ الإسلام من رجال البخاري ومسلم، جاء إليه الشافعي فقال: سمعت أنك من أحفظ الناس، يقول ابن المبارك: حفظنا تكلف أما حفظ وكيع فهو جبلة فطرة، قال: فما هو أحسن شيء في الحفظ؟ قال وكيع: جربت الأدوية وجربت كل شيء فوجدت أحسنها ترك المعاصي، فقال الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي
стр. 8696
مناسبة قوله تعالى: (وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً)
القضية الثانية:
ما مناسبة قوله تعالى: ﴿وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [النساء:١٢٣] الولي: من تولاك وتوليته، والنصير: قد لا يكون ولياً بل قد يكون ناصراً ولو كان كافراً، ولذلك قد يستنصر المسلم بالكافر فلا يسمى ولياً ويسمى نصيراً، فإذا استنصر المسلم بالمسلم كان ولياً نصيراً فإذا فصل ينتهي بالواو فهي للمغايرة، ولذلك يقول : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١] لم يقل ولياً لأنه والياً في الأمور وهذا معلوم، وإنما قال هادياً للقلب ونصيراً للحياة، قالوا: هداية القلب وهداية السيف، فالله ينصر أهل المناهج السديدة في الهداية وينصر أهل المبادئ الرشيدة في النصرة والولاية.
ولـ ابن تيمية طوفان وكلام بديع في هذا المعنى لا يحسنه إلا هو لكن وقته يطول.
стр. 8697
الراجح أن المرض كفارة ولا يرفع الدرجات
القضية الثالثة:
الذي يعلم عند الجمهور أن المرض كفارة وليس رفعاً للدرجات واستدلوا على ذلك بأحاديث وآيات منها هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] ولم يقل يرفع درجته ويثاب، ومنها الحديث الصحيح: ﴿ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها من خطاياه حتى الشوكة﴾ والحديث الصحيح الآخر: ﴿ما يصيب المسلم من هم ولا غم ولا وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه﴾ والحديث الثالث الصحيح: ﴿يا أبا بكر! ألست تمرض وتهتم وتغتم فإن ذلك كفارة﴾ إذاً: هذا الراجح إن شاء الله.
قيل لـ أبي عبيدة وهو مريض: هنيئاً لك رفع الدرجات -هذا في مسند أبي يعلى - قال: لا والله، لكنه حط للسيئات.
فيظهر والله أعلم وهو الراجح أن من أصابه مرض فقد حط الله عنه سيئاته بحسب هذا المرض، ولذلك فرح الصالحون بالمرض.
قال أبو الدرداء: أحب ثلاثاً يكرهها الناس: أحب الفقر؛ لأن فيه مسكنة لربي، وأحب المرض؛ لأن فيه كفارة لخطيئتي، وأحب الموت؛ لأن فيه لقاء لربي.
وفي الحديث الصحيح: ﴿من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه﴾ اتفق الشيخان على إخراجه.
قال حافظ الحكمي ﵀ في منظومته البديعة الرائعة:
ومن لقاء الله قد أحبا كان له الله أشد حبا
وعكسه الكاره فالله اسأل رحمته فضلاً ولا تتكل
والموت فاذكره وما وراءه فمنه ما لأحد براءه
وإنه للفيصل الذي به ينكشف الحال فلا يشتبه
والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران
إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده
وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ
قال رسول الله ﷺ : ﴿ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها﴾.
وورد عن أبي بكر عند الترمذي رفعه إلى الرسول ﵊: ﴿كل شيء يصاب به العبد فهو كفارة﴾ أو كما قال ﵊، ومن كلام أبي بكر عند بعض المحدثين: [[حتى الحاجة يضعها أحدكم تحت إبطه فيفقدها فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون]].
والمصيبة إذا أتت من مرض أو غيره فعلينا فيها ثلاث واجبات:
الأول: أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧].
الثاني: أن نحتسبها في ميزان الكفارة عند الله .
الثالث: أن نحمد الله على أنه لم يجعلها في ديننا ومعتقدنا وجعلها في أبداننا ومالنا:
إذا أبقت الدنيا على المرء دينه فما فاته فيها فليس بضائر
فما رضي الدنيا ثواباً لمؤمن وما رضي الدنيا عقاباً لكافر
كل شيء إلا الدين والمعتقد، فإذا كنت تفقر وتمرض ويموت أبناؤك ويهدم بيتك وتسحق سحقاً وتمزق ويفصل أعضاؤك، لكن قلبك فيه لا إله إلا الله وأنت تحب الله ورسوله فلا والله ما فاتك شيء.
стр. 8698
أقسام المرض
والمرض قسمان:
١/ مرض قلوب.
٢/ مرض الأجسام.
стр. 8699
أمراض القلوب
ولـ ابن تيمية في أول المجلد العاشر من فتاويه رسالة القاعدة العراقية في الأعمال القلبية تحدث بحديث كأنه الشهد إذا انسل أو كأنه الماء الزلال أو كأنه النسيم العليل أو كأنه الحب إذا سرى من قلب محب إلى قلب محب، وفصل المسألة وقال: القلوب تمرض أعظم من مرض الأبدان، لكن بعض الناس يمرض قلبه فلا يحس إلا إذا أصابه زكام أو حرارة أو التهاب لأن حياته حياة الأجسام أما القلب فميت.
يقول المتنبي:
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام
إذا مات الميت وأتيت تطعنه بالخنجر أو تفصل من يده فماذا يضره؟ يقول عبد الله بن الزبير لأمه أسماء العظيمة الرائدة المربية: يا أماه! ما علي من الحجاج إذا قتلني -فالقتل سنة وشهادة- لكن أخاف أن أقطع ويمثل بي، فضحكت وتبسمت تبسم الشجاعة التي تجيد تربية الأبناء، وقالت: وما عليك، لا يضر الشاة سلخها بعد ذبحها، فاستبسل بنفسه وقتل، ورفع على مشنقة الموت وأصبح عالياً كأنه العلم، وسفل الذين عادوه في الله .
فمرض القلوب خطير وله أسباب:
السبب الأول: وهو أفتكها وأعظمها وهو الذي يدمر البيوت والدور والعمار والقصور والشعوب والأمم، ويهلك المجتمعات، ويجعل الذكي غبياً، والوجيه متأخراً، والرائد متخلفاً، والمحب مكروهاً، والمقرب مطروداً، والمنعم عليه بائساً، والغني فقيراً، والكبير صغيراً، إنها الذنوب والخطايا أعاذنا الله وإياكم من الذنوب والخطايا، وأول مصائب الذنوب والخطايا: أنها تميت القلب، وهذا أعظم مرض فيصبح لا يشعر ولا يحس، تفوته صلاة الجماعة أمر عادي لكن لو فاتته عشرة ريال لأقام الدنيا وأقعدها وبحث وقلب البيت ظهراً على عقب، أما مصيبة الدين فلا يحس بها؛ لأنه مات قلبه، فتراه لا يقرأ في اليوم في الأربع والعشرين ساعة شيئاً من القرآن، ولكن الأخبار اليومية لا تفوته، أبداً، ودرجات الحرارة والصيدليات المناوبة لا تفوته أما سورة الأنعام والأعراف وطه وهذه الأسس والمبادئ التي أتى بها محمد ﵊ من فوق سبع سماوات، فيقول: نقرأ يوم الجمعة إن شاء الله إذا فرغنا أو في رمضان أو إذا مات أحد الجيران.
إن اليوم الذي يمر عليك دون أن تقرأ فيه قرآناً هو من أشد الأيام بؤساً عليك، وقد خسرته من عمرك، تمر علينا الساعات ولا نسبح ولا نهلل إلا من رحم الله أنا أتكلم عن القاصرين، ولكن إذا أتى الغروب فلا نعد الساعات التي فاتتنا بلا تسبيح، لكن كم تكلمنا من هذر ومذر وشذر؟ ومن هذا الكلام الذي ليس تحته طائل في الأسعار والأشجار والأمطار، وتزوج فلان وطلق فلان، وأحاديث مشبوهة كأن عليها ظلام بهيم فنشكو حالنا إلى الله، فأعظم الأسباب في أمراض القلوب المعاصي.
السبب الثاني: كثرة المباحات، وقد ذكرها ابن القيم في مدارج السالكين بكلام عطر صدي شجي، والمباحات إذا كثرت أبطلت الإحساس في القلب.
ما هي المباحات؟
كثرة النوم، وكثرة الأكل، وكثرة الخلطة في الناس، وكثرة المزاح، وكثرة الكلام، فإذا زادت هذه كلها عن حدها؛ أتتك كآبة وضيق وقسا قلبك من هذه الكلمات والأمور الواردة.
стр. 8700
مرض الأجسام
والمرض الثاني: مرض الأجسام وهو سهل بسيط بجانب مرض القلوب، ومرض الأجسام لا يعد بالمقارنة مع مرض القلوب شيئاً.
بعض الناس على السرير الأبيض مريض ولكن قلبه حي، وبعض الناس يمشي ويسعى على أقدامه وقلبه ميت؛ لأن هذه حياة بهيمية وتلك حياة إسلامية وفرق بين الحياتين.
لشتان ما بين اليزيدين في الندى يزيد بن عمرو والأغر بن حاتم
والمرض في القرآن إذا أطلق فهو على نوعين:
١/ مرض الأجسام.
٢/ ومرض القلوب.
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح:٧] فالمرض هنا مرض الأجسام وقوله في مرض القلوب: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:١٠] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ * أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:١٢٤ - ١٢٧] ومرض القلوب في القرآن قسمان:
١/ مرض الشهوة.
٢/ مرض النفاق.
مرض النفاق مثل هذه الآية: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٥].
ومرض الشهوة مثل قوله : ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] قالوا: مرض شهوة وهذا من تقسيمات وإفادات محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في تفسيره أضواء البيان وهي من أحسن ما يقال.
стр. 8701
حديث آخر للبخاري في تكفير المرض للذنوب
قال البخاري ﵀: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا زهير بن محمد عن محمد بن عمرو بن حلحلة عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ﴿ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه﴾.
стр. 8702
حال المؤمن والمنافق مع الشدائد
وعنه ﷺ قال: ﴿مثل المؤمن كالخامة من الزرع تُفَيِّئُها الريح مرة وتعدلها مرة، ومثل المنافق كالأرزة لا تزال حتى يكون انجعافها مرة واحدة﴾ يضرب الرسول ﵊ مثلاً للمؤمن والمنافق في باب المرض فالمؤمن كالخامة: قيل هي وليدة الزرع المائسة الرطبة الراوية كالزرع، التي تقبل التمايل؛ لأن الزرعة دائماً تقبل الميلان وهي كسنبلة البر؛ لأن ساقها رقيق فهي تميل من الريح يمنة ويسرة وأي شيء يؤثر عليها.
وقد قرأت في كتاب أن ملكاً من ملوك الهند استدعى الرسامين في عهده وقال: أريد رسمة بديعة لا أحسن منها، فرسموا له رسومات، وكان من أبدع الرسامين رجل هندي رسم سنبلة زرعة من القمح وقد هبط عليها عصفور فأتى بهذه اللوحة فأعجبت أهل الهند جميعاً، فوضعها على قصره فمر رجل أعور قال: هذه الصورة فيها عيب، قال الحرس: ويلك، فقادوه -بعدما أقر أهل الهند أنها أحسن رسمة- إلى الملك، فقال الملك: ما هو العيب؟ قال: العيب فيها أنه ما أمال الزرعة لما رسمها؛ لأن العصفور إذا هبط عليها مالت ولا تبقى منتصبة، قال: صدقت ثم شطب اللوحة.
فالمقصود: أن هذه الزرعة أدنى شيء يؤثر فيها، فالمؤمن دائماً بين الأمراض والحسرات والنكبات، دائماً يمنة ويسرة في كبد، تراه دائماً إما طفله يموت، أو بنته تمرض، أو ولده يرسب، أو سيارته تصدم، أو هم أو غم ليحتحت الله عنه الخطايا، أما المنافق فتجمع وتحمل عليه المواد مادة على مادة حتى يسلخ مرة واحدة فما يأتيه إلا كير جهنم، فهذا مثل المؤمن ومثل المنافق.
стр. 8703
حال المؤمنين وقت الشدائد
كان خالد بن الوليد يستبشر بالصداع وبالحمى، وهي علامة الخير في الرجل؛ لأن المنافق دائماً بدين سمين لا يتأثر أبداً، تجده في الحياة منعماً يعيش في رغد لكنها في الحقيقة عذاب، وحياة ضنك ولو أنها في الظاهر رغد يقول أبو تمام:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
والحمى تأتي الصالحين كثيراً، وسبب موت أبو بكر الصديق ﵁ بالحمى فقد دخل عليه الصحابة وقالوا له: [[يا خليفة رسول الله! ماذا يوجعك؟ قال: الطبيب يدري، قالوا: أشكيت أمرك إلى الطبيب؟ قال: نعم.
قالوا: ماذا قال؟ قال: إني فعال لما أريد]] هو الله ، فأخذها أحد الناظمين وقال:
كيف أشكو إلى طبيبي ما بي والذي قد أصابني من طبيبي
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم على الذي لا يرحم
وبعض الناس يقول أمام الناس: أنا مريض من عشرين سنة سبحان الله! تشكو الله الذي فوق سبع سماوات أنه أمرضك وإذا عافاك لا تخبر الناس! والله أمر بكتم الأمراض لتبقى سراً بين العبد وبينه ، وأما النعمة فقال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١] وفي سنن البيهقي بسند حسن: ﴿إن الله إذا أنعم على عبد أحب أن يرى أثر نعمته عليه﴾.
وهذا الوزير ابن هبيرة الحنبلي الكبير وهو ولي من أولياء الله صاحب كتاب الإفصاح يقول لما حضرته سكرات الموت: فقدت عيني هذه من أربعين سنة والله ما علمت زوجتي وهي معي في البيت، لأن الشكوى على الله، عجيبة سيرته أوردها صاحب طبقات الحنابلة وسير أعلام النبلاء وهو من الحفاظ الكبار، حج بالناس وهو وزير الدولة العباسية فانقطع الماء في منى فرفع يديه يستسقي فنزل الماء والغيث من السماء وفيه ثلج، فبكى وقال: يا ليتني سألت الله المغفرة.
والخليفة المستنجد أعجب بوزيره فقال:
صفت نعمتان عمتاك وخصتا فخيرهما حتى القيامة يذكر
وزهدك والدنيا إليك فقيرة وزهدك والمعروف في الناس ينكر
ثم يقول:
ولم أر من ينوي لك السوء يا أبا الـ مظفر إلا كنت أنت المظفر
كل ما نوى له أحد من المبتدعة أتى من تحته؛ لأن الله ينصر أولياءه، ومما يجدر أن نشير إليه أن الأحنف بن قيس ذكر الذهبي في ترجمته أنه فقد عينه ثلاثين سنة وما أخبر بها أحداً لكن من يستطيع هذا! الزكام إذا أصاب بعض الناس اليوم أخبر أهل الحي وعطس في المسجد وشكا وبكى وناح وقال: ثلاثة أيام وأنا في هذا الزكام، اللهم ارفعه عنا اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر، تقوم القيامة من أجل الزكام فقد جعلنا مستوياتنا وقلوبنا في هذه الدرجة!!!
وعمران بن حصين ذكر عنه ابن حجر في الإصابة أنه مرض أربعين سنة، فما قام من على الفراش حتى كانت الملائكة تصافحه في السحر بأيديها، قال ابن تيمية: نعم.
صافحته في السحر بأيديها فلما اكتوى تركت مصافحته.
وقالوا عن أيوب ﵇ أنه مرض ثمانية عشر سنة فقالوا له: ادع الله بالشفاء، قال: أنا تشافيت خمسين سنة فإذا تساوى المرض والعافية دعوت الله، بقيت سنوات كثيرة، لكن من يستطيع هذا إلا أهل الصدق عند الله! أما نحن فكما قال الفضيل بن عياض لما قرأ قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١] قال: اللهم لا تبلونا فتفضحنا.
الستر الستر فإن العملة إذا عرضت على الصراف أخرج البهرج منها، ما كل شيء يدخل النار فيخرج ذهباً أحمر فإن بعضها يخرج فحماً فنحن نسأل الله العافية ألا يبلونا فيفضحنا.
وقالوا عن الإمام أحمد كان ذهباً فدخل النار فخرج ذهباً أحمر في فتنة القول في خلق القرآن، على أنه نحيف هزيل لا يجد اللحم إلا من الأضحية إلى الأضحية، عنده بقشة فيها كسار شعير، يطوف الدنيا ويسعى الفراسخ في جمع الأحاديث من اليمن وخراسان ومصر وبغداد ودمشق حتى يقول ابنه: لقد رأيته أحياناً تكاد هذه -أي: اللحم الذي تحت خذيه- تلتصق بهذه من الضعف، كان يصبغ لحيته بالحناء وكان ربما انحنى من الهزال والتعب، يخرج إلى السوق يقتضي الحطب على يديه فيأتي أهل السوق وبعض الوزراء من بني العباس يأخذون الحطب لأنه إمام أهل السنة والجماعة فيقول: نحن قوم مساكين، لولا فضل الله لا فتضحنا، فلما أتت فتنة القول بخلق القرآن وجاء الحزب البدعي التحالفي ضد أهل السنة؛ كان هو الإمام المعتبر وكان أسداً هصوراً مثل الليث إذا غضب، قامت الدنيا وقعدت وطوق بيته بالجيش وبالحرس وسلت السيوف عند أذنيه وهدد بالموت فقال: لا.
ولا يكون هذا، وفي الأخير رفع الله منزلته لما صبر: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]:
علو في الحياة وفي الممات بحق أنت إحدى المعجزات
هذا يقال في الإمام أحمد وفي أمثاله.
стр. 8704
حال المنافقين وقت الشدائد
وأما المنافق فقليلة أوصابه وأحزانه لأن رَغَدَه الحياةُ، والله لا يجمع للعبد سعادتين وراحتين في الدنيا والآخرة إلا النادر، ولا يجمع شقوتين على العبد إلا النادر، قال يهودي للشافعي: ما بالنا نحن أقل منكم أمراضاً وأنتم تمرضون وأنتم مسلمون؟! قال الشافعي: لأن هذه هي جنتكم وهذا سجننا، فإذا خرجنا منها خرجنا إلى الجنة وخرجت أنت إلى النار، وهذا رد بديع مليح، قال في المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤]:
لا بأس بالقوم من طول ومن عرض جسم البغال وأحلام العصافير
أما الأجسام فممتلئة، والشخصيات فارهة لكن لا قلوب
لقد ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمار
والقلب إنما يكون لأهل القلوب الذين يسكبون فيها القرآن والسنة، قال: ﴿ومثل المنافق كالأرزة لا تزال حتى يكون انجعافها مرة واحدة﴾ الأرزة هذه هي: الأرز الذي ينبت في لبنان هذه الشجرة المتينة وقيل الصنوبر لكن لا يهمنا هذه أو تلك إنما هي شجرة متينة لا تؤثر فيها الريح، ولذلك تمر المصائب بالناس، والمؤمن دائماً مصاب وأما المنافق فلا يمر به شيء في الغالب، حتى إن بعض المنافقين وبعض الفجرة يستهزئ بمصائب المؤمنين ويشمت بهم، ويقول: فلان نسأل الله العافية نظن من ذنوبه مات ابنه ورسب أولاده، وهو لا يفكر في نفسه.
وعروة بن الزبير قطعت رجله من الفخذ فقال الناس الذين إيمانهم ضعيف: أظن عروة ما قطعت رجله إلا لذنب أصابه، ولم يدر أنها رفعة في الميزان، وأنها حط من الخطايا، فقال عروة:
لعمرك ما مديت رجلي لريبة ولا حملتني نحو فاحشة رجلي
ولا قادني فكري ولا نظري لها ولا دلني فكري إليها ولا عقلي
وأعلم أني لم تصبني مصيبة من الله إلا قد أصابت فتى قبلي
ثم قال البخاري ﵀: وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع من حيث أتتها الريح كفأتها فإذا اعتدلت تكفأً بالبلاء، والفاجر كالأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء﴾ هذا بلفظ آخر وهو من سياق هذا الحديث ومعانيها واحدة.
وقد أكثر الأدباء في المرض وفي التكلم عنه، وأكثروا من ذكر محمدتهم من مكث الأمراض وصبرهم على ذلك، ويقول بعضهم في أبيات معناها: إنه إذا مرض حبيبي وزرته مرضت أنا من النظر إليه، وإذا زارني وأنا مريض تشافيت من النظر إليه يقول:
مرض الحبيب فزرته فمرضت من خوفي عليه
وأتى الحبيب يزورني فشفيت من نظري إليه
واستدل بها ابن القيم وهي من أحسن ما يقال، يقول أبو تمام حبيب بن أوس:
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم وتذنبون فنأتيكم ونعتذر
стр. 8705
واجب المسلم تجاه المريض
وواجبنا نحو المريض:
الزيارة الشرعية طلباً للثواب من الله ففي صحيح مسلم: ﴿من زار أخاه المسلم إذا مرض لا يزال في خرفة الجنة حتى يمسي﴾ وفي لفظ صحيح آخر: ﴿شيعه سبعون ألف ملك حتى يمسي﴾ وفي الصحيح أن الرسول ﷺ قال: ﴿حق المسلم على المسلم ست -وفي رواية خمس- ومنها: وإذا مرض فعده﴾.
وللزيارة آداب منها:
١/ أن تتوخى الوقت المناسب لزيارته، وتختار أحسن وقت لزيارته كالعصر أو المغرب أو الصباح بحسب المريض وظروفه، وأما أن تفاجئه في وقت لا يزار فيه فهذا ليس بصحيح، وهو تعكير للصفو، وربما يذهب الإثم بالأجر وبعضهم يطرق عليك وسط الليل، فتقول ماذا؟! فيقول: سمعت أنك مزكوم فأتيت أزورك في الله ، أهذه زيارة؟!
٢/ أن يخفف الجلوس لديه إذا زاره، ولا يتأخر طويلاً في الجلوس، وإنما يبقى عنده بقدر ما يسأل عن حاله، ويدعو له، فإن بعض الناس ربما يطيل على المريض حتى يزداد مرضاً إلى مرضه، إلا إن علم بارتياح المريض لبقائه معه.
٣/ أن يكون كلامه مناسباً للموقف، فإذا مرض أحد الناس فلا يأتي بكلمة عن القبر، أو رجل مزكوم أو أصابه جرح بسيط في يده فيقول: نسأل الله العافية، فلان بن فلان أصابه الزكام فما زال به الزكام حتى أرداه في القبر، وفلان أصابه جرح فتسمم من الجرح حتى بترت يده! وإن كان من أهل الآخرة فيرجيه برحمة الله ويقربه من النعيم ويحسن ظنه بالله ﵎.
ولا يزال الحديث مستمراً مع أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ : ﴿من يرد الله به خيراً يصب منه﴾ في الصحيحين عن معاوية: ﴿من يرد الله به خيراً يفقه في الدين﴾ ومفهوم المخالفة أن الذي لا يريد الله به خيراً لا يفقه في الدين، وهنا: ﴿من يرد الله به خير يصب منه﴾ أي: تصيبه مصيبة من مرض أو نصب أو غيرهما.
стр. 8706
باب: أشد الناس بلاءً الأنبياء
قال البخاري ﵀: عن عبد الله بن مسعود قال: ﴿دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك، فقلت: يا رسول الله! إنك توعك وعكاً شديداً، قال: أجل، أوعك كما يوعك رجلان منكم، قلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي ذلك لأن لك الأجر مرتين؟ قال: أجل ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى أو نصب أو غم أو حزن أو مرض إلا كفر الله به من خطاياه﴾.
стр. 8707
باب: عيادة الأعراب
وبعض الناس لا يصبر للمرض.
ذكر البخاري في كتاب المرض: أن الرسول ﵊ زار أعرابياً من الأعراب من البادية وكان مريضاً بالحمى، فوضع ﷺ يده عليه وقال: ﴿لا بأس طهور إن شاء الله﴾ يعني: الحمى طهور لك من الذنوب والخطايا، فقال الأعرابي: ليس بطهور بل حمى تفور على شيخ كبير تزيره القبور، يقول: أهذه الحمى طهور إنها تهزني هزاً عنيفاً؛ لأنه ما تمكن في الإسلام قلبه.
يقولون: دخل ثعلبان في غرفة فأكلا من الدجاجة حتى تنعما وشبعا فانتفخت بطونهما، فقاما يخرجان من المكان الذي دخلا منه فما استطاعا فوقف أحدهم يشكو على الآخر يقول: من أين نخرج، وما هو المصير؟ قال: غداً في الزبالة -يعني: إن صاحب البيت سوف يأخذهم ويقتلهم ويرميهم- جاء بها ابن القيم في كتاب الفوائد مثلاً لمن نسي الله وموعوده ولقاءه وأكل وتنعم على حساب دينه واستقامته وسلوكه، فقال ﷺ : نعم إذاً.
فمات الأعرابي من تلك الحمى، فمن سخط فله السخط ومن رضي فله الرضى.
стр. 8708
باب: عيادة الصبيان
وقال البخاري: باب عيادة الصبيان.
هل يزار الطفل؟ وذكر ﵁ وأرضاه أن الرسول ﵊ زار ابن ابنته زينب ﵂ وأرضاها وسلم عليه وأخذه وهو يقعقع في سكرات الموت فبكى ﷺ فزيارة الطفل واردة وهل يزار من الرمد؟ قال أهل العلم: لا يزار من رمد العينين، وبعض الأمراض لا يزار منها مثل الزكام الخفيف، ومثل الأمراض التي لا تعطل المسلم على فراشه وإنما يسأل المسلم عرضاً إذا لقي وإذا وجد.
стр. 8709
باب: وضع اليد على المريض
ثم قال البخاري: باب وضع اليد على المريض:
هل توضع اليد على المريض أم لا؟ هذا من الأنس واللطافة، وهي من أخلاق محمد ﷺ ، أتى إلى سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرين بالجنة وقائد المسلمين في القادسية ووجده مريضاً في مكة بعد الهجرة فوضع يده عليه، ودعا له بالبركة والصحة والعافية.
قال جابر أغمي علي من المرض، فما وعيت بنفسي إلا والرسول ﵊ تمضمض ومج في وجهي، فانتبهت فإذا رسول الله ﷺ على رأسي، ووضع ﷺ يده.
قال سعد بن أبي وقاص: والله الذي لا إله إلا هو ما زال برد يده ﷺ على صدري حتى بعد عشرين أو ثلاثين سنة، لما جعل الله فيه من البر والبركة والطيب لكن ليس لأحد غيره ﷺ .
كان يُفْلت يده للأعراب وهو حاج فيأخذ الأعرابي يده فيمسح بها وجهه وبعضهم يبل يده في الماء ويشرب الماء، وفي المسند للإمام أحمد في ترجمته التي أوردها أحمد شاكر وهي موجودة عند الذهبي وغيره أن الإمام أحمد وجد شعرة من شعره ﷺ فأخذ يبلها في الماء ويضعها على عينه ويبلها في الماء ويستنشقها ويشمها ويضعها في الماء ويمص ماءها، قال الذهبي: والهف نفسه على شعرة من شعره ﷺ ، وهذا لكمال الحب الذي أوجدته سيرته ﷺ في القلوب.
стр. 8710
باب: وجوب عيادة المريض
قال البخاري: باب وجوب عيادة المريض.
وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أطعموا الجائع، وعودوا المريض وفكوا العاني﴾ وصح عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً: ﴿يقول الله يوم القيامة لابن آدم: يابن آدم! جعت فلم تطعمني، قال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان جاع فما أطعمته أما علمت أنك لو أطعمته وجدت ذلك عندي؟ يابن آدم! مرضت ولم تعدني، قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان مرض فلم تعده؟ أما أنك لو عدته وجدت ذلك عندي﴾ وفي حديث يقبل التحسين أورده صاحب كشف الخفا ومزيل الإلباس: ﴿الناس عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم إلى عياله﴾.
ولو أن في سند الحديث ضعفاً عند بعض أهل العلم لكن بعضهم يحسنه بشواهده، والجزاء من جنس العمل.
قال البخاري: وعن البراء بن عازب أحد الصحابة الشباب ﵄ قال: ﴿أمرنا الرسول ﷺ بسبع ونهانا عن سبع، نهانا عن خاتم الذهب﴾ خاتم الذهب ودبلة الذهب للرجال حرام لا يقبل أي فتية هزيلة، أو أي ترخص في دين الله ، ومن لبس خاتماً في يده أو دبلة فإنما تقلد جمرة من نار فليلبسها أو يتركها، وإذا رأيت إنساناً يفعل هذا ويماحر النصوص فاعلم أنه مسلوب العلم أو واهم أو جاهل يعلم، ويلحق بذلك الأقلام المذهبة التي هي من ذهبٍ خالص، والسلاسل والميداليات فهذه حكمها التحريم لأنها تبذل للنقدين، ولأن فيها علواً، ولأن استخدامها للزينة التي حرمها الرسول ﷺ للرجال، وأما المموه بالذهب فهو موضوع آخر، لكن الذهب الخالص الذي يستخدم في السلاسل والأقلام والدبل والخواتم حرام، فينبه على الناس لأن هذه العادة انتشرت وصادمو النصوص بعاداتهم واستقراءاتهم الهزيلة التي لا تنفعهم عند الله .
ولبس الحرير حرام على الرجال فعند أحمد في مسنده بسند صحيح عن علي ﵁ وأرضاه، قال: ﴿أخذ ﷺ قطعة من ذهب في يده وقطعة من حرير وصعد المنبر وقال: هذان حلال لإناث أمتي حرام على ذكورها﴾ وهو نص في أن الذهب والحرير للنساء ليس فيه تحريم حتى الذهب المحلق لا كما قال بعض الناس أنه محرم؛ بل الصحيح للعموم في الأحاديث هذه وفي غيرها أنه حلال المحلق والمسلسل والمقطع وغيره، وهذا شبه إجماع ينقضه ابن الجصاص في كتاب الأحكام وهو حنفي، وقد قاله كثير من العلماء في هذا العصر.
﴿نهانا عن خاتم الذهب، ولبس الحرير، والدِّيباج، والإستبرق، وعن القسي والميثرة﴾ فالحرير لا يلبسه الرجال إلا في حالتين:
إما مرض شديد مثل شدة حكة، أو مرض جسمي يرى أهل الطب أن علاجه أن يلبس الحرير فليلبس ذلك، ففي الصحيحين من حديث أنس وغيره: ﴿أن عبد الرحمن بن عوف والزبير شكيا إلى الرسول ﷺ حكة في جلودهما فأمرهما ﷺ بلبس الحرير﴾ والناحية الثانية أن يلبس لإرهاب العدو وقت مصافة الأعداء في وقت الحرب فلا بأس بذلك، فقد شكي لـ عمر أن أهل الروم يأتون بلباس من حرير فيفتنون المسلمين قال: البسوا ذلك، أو كما قال ﵁ وأرضاه، وبعض الأمور المحرمة قد تحل لأمور أو لمناسبات أو مصالح أعظم منها مثل مشية الخيلاء حرام، لكن الرسول ﷺ أباحها لـ أبي دجانة لما اختال بين الصفين وقال: ﴿إن هذه مشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموضع﴾.
والإستبرق نوع من الحرير وقيل أجود منه وهو نوع آخر أملس أغلى، والقسي ثياب من اليمن تأتي مخططة.
والميثرة يقولون كذلك: لحاف يأتي من اليمن يأتي مخططاً يوضع قيل من حرير أو من غيره ويركب عليه.
﴿وأمرنا أن نتبع الجنائز ونعود المريض﴾ وهو الشاهد ﴿ونفشي السلام﴾ وترك بقية الحديث لأن الشاهد عيادة المريض فليحتسب المسلم في عيادة المريض.
стр. 8711
باب: عيادة المغمى عليه
قال: باب عيادة المغمى عليه:
انظر إلى البخاري يأتي بأمور لا ينتبه إليها إلا من فقه ودقَّقَّ، هل الإنسان الذي أغمي عليه وأغشي وفقد وعيه بأمر ما هل يعاد أم لا؟
عن ابن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: ﴿مرضت مرضاً فأتاني النبي ﷺ يعودني وأبو بكر وهما ماشيان -من الحفاوة أنهما ماشيان إما قصداً وإما توافق- فوجداني أغمي علي، فتوضأ النبي ﷺ ثم صب وضوءه علي، فأفقت فإذا النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! كيف أصنع في مالي، كيف أقضي في مالي؟ فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية الميراث﴾.
يقول أبو ذر فيما صح عنه: ﴿كان الرسول ﷺ يأتيني في بيتي فيصافحني إذا رآني قال: فأتاني مرة فلم يجدني فجلس على السرير، فلما أتيت التزمني فكانت أحسن﴾ كان الغالب أن يصافحه مصافحة فأتى مرة فلم يجده فجلس على السرير ينتظره، ينتظر أحد تلاميذه وطلابه وحسنة من حسناته، فلما أتى ﷺ صافح أبا ذر والتزمه فكانت أحسن يعني: من كثرة الحفاوة، ولذلك كان ﷺ إذا أراد أن يكرم أحداً من أصحابه يلتزمه أو يشبك أصابعه في أصابعه كما في سنن أبي داود بسند صحيح، قال معاذ ﵁ وأرضاه: ﴿خرجت من المسجد فأخذ ﷺ يدي فشبك أصابعه بأصابعي وقال يا معاذ: والله إني لأحبك لا تدع دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك﴾.
هل تشبك الأصابع في المسجد، البخاري من يقظته وفطنته يأتي بهذا الباب لأنه عند الترمذي في حديث كعب بن عجرة في سنده كلام وفيه ضعف، قال ﷺ : ﴿إذا ذهب أحدكم متوضأ إلى المسجد فلا يشبك بين أصابعه﴾ لكن البخاري يقول: باب تشبيك الأصابع في المسجد، ثم من أين يأتي لنا بحديث قال: ﴿قام رسول الله ﷺ بعد صلاة العشاء وقال: المؤمن للمؤمن كالبنيان وشبك بين أصابعه﴾ فهو في المسجد ﷺ متوضأ، فلا بأس بتشبيك الأصابع، فبعض الاتحافات منه ﷺ من باب التكريم لأصحابه يكرمهم بهذا العمل ﵊.
стр. 8712
باب: فضل من يصرع من الريح
من يصيبه الصرع من الجان ما جزاؤه عند الله إذا كان مسلماً؟
هل يذهب عقله هدراً؟
هل ليس له مثوبة؟
هل يساويه الله بمن تمتع بالعقل؟
فإن من أعظم النعم نعمة العقل ونعمة الإدراك فيأتي البخاري بحديث ابن عباس قال لـ عطاء بن أبي رباح: ﴿ألا أريك امرأة من أهل الجنة تمشي على الأرض- أريك امرأة أصبح مكانها وموقعها في الجنة تمشي في الأرض- قال: بلى.
قال: تلك المرأة السوداء أتت الرسول ﵊ فقالت: يا رسول الله! إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي﴾ يصيبها الصرع فتفقد عقلها ووعيها وقد انتشر هذا الصرع في هذا الزمن لقلة الأذكار، وقلة الوضوء، وقلة قراءة القرآن في البيت، فالبيت الذي يدندن فيه المغني والمغنية كيف لا يصرع أهله، والبيت الذي لا يجيد تلاوة القرآن، والأذكار الصباحية والمسائية، كيف لا يصرع؟ ولكن هل سمعتم بإنسان يحافظ على أذكار الصباح والمساء وآية الكرسي والمعوذات وسورة الإخلاص والتهليل والتكبير يصرع أهله؟ لا.
ولذلك لو ربي الأطفال على هذا فإنهم لا يصرعون إن شاء الله، ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢] ولا جنده ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥] أما أولياء الله فلا، لكن لما قلت الأذكار وقراءة القرآن وكثر الغناء والكلمات البذيئة أتى هذا الأمر.
تقول: ﴿يا رسول الله! إني أصرع فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، قالت: بل أصبر، لكن أدع الله ألا أتكشف فدعا لها﴾ فهي من أهل الجنة.
стр. 8713
باب: فضل من ذهب بصره
وذكر البخاري في أهل المصائب في أعضائهم جوارحهم أبواباً منها:
فضل من ذهب بصره: وقد أورد حديث أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ : ﴿إن الله يقول: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة﴾ والحبيبتان: العينان، لأنهما من أحب الأعضاء عند الإنسان وهما النوران والجوهران، ولقد ابتلى الله بذهاب العينين كثيراً من الناس لرفع الدرجات منهم: ابن عباس الحافظ العالم صاحب الدراية والرواية المفسر الكبير ﵁ وأرضاه، فقد ذهب بصره في آخر حياته، فدخل على قوم فكأن بضعهم شمت به، وقال: لا تصاب بمكروه يا ابن عباس! ففهم ابن عباس، فقال:
إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي فؤادي وقلبي منهما نور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي عوج وفي فمي صارم كالسيف مشهور
يقول: إذا أخذ الله هاتين الحبيبتين فقد عوضني الله خيراً منهما، والله إذا أخذ شيئاً عوض خيراً منه، قالوا لأحد العمي وكان مزاحاً: ما الذي عوضك الله يوم أخذ بصرك؟ قال: لئلا أرى من أمثالك أحداً، فمما يعوض الله الأعمى: الحافظة
.
ومنها: أن الله قد يعلم أن هذا العبد خير له أن يذهب بصره لئلا يرى المفاتن والمحرمات وينتهك حدود الله ، ولكي تزهد نفسه في الدنيا وليبني له الله قصراً مشيداً في الجنة، وليكفر عنه سيئاته والعوض العظيم هو الجنة: ﴿إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته عنهما الجنة﴾ وورد عند الترمذي في الإصابة بالولد، قال ﷺ : ﴿يقول الله لملائكته وهو أعلم: قبضتم ابن عبدي فلان؟ قالوا: قبضناه، قال: قبضتم ثمرة فؤاده؟ قالوا: نعم.
يا رب، قال: فماذا قال عبدي؟ وهو أعلم.
قالوا: حمدك واسترجع -أي قال: الحمد لله إنا لله وإنا إليه راجعون- فقال الله لهم: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد﴾ جزاء ما صبر وحمد الله .
стр. 8714
باب: عيادة النساء للرجال
عادت أم الدرداء رجلاً من الأنصار.
هل تعود المرأة الرجل إذا مرض، ويعود الرجل المرأة إذا مرضت أم لا؟!
في الأمر تفصيل: إذا كانت من المحارم فلا بأس بعيادتها، أو من غير المحارم إذا انتفت الشبهة بأن تكون طاعنة في السن كسن والدته أو أكبر، ولم يكن هناك ريبة، فلا بأس بالسؤال عنها وإغلاق هذا الباب أولى، أما المحارم فإن عيادتهم واجبة كالخالة أو العمة أو البنت أو الأخت كما فعل ﵊، أما إذا سمع الإنسان ببنات الناس يمرضن فيطرق بيوتهن أريد زيارة فلانة بنت فلان! فلا زيارة ولا قدوم ولا أجر ولا مثوبة، وقيل للإمام أحمد: عطست امرأة أفؤشمتها؟ قال: رجل أحمق، ما بقي يشمت هذه المرأة إلا هو! وتوقف الإمام أحمد في الرد على المرأة إذا سلمت، ولكن الصحيح أنها إذا سلمت ولم يكن هناك فتنة فرد عليها رداً موجزاً وعليكم السلام، أو إذا لم يكن هناك فتنة فسلم أنت وقل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ورضاه ومرضاته وكيف أصبحتم، وكيف حالكم، وأهلاً وسهلاً، وصبحكم الله بالخير، وكيف حال الإخوان والجيران، فيستمر ساعة إلا خمس دقائق فهذا من الحمق، وهذا من مداخل الفتنة والريبة.
стр. 8715
الأسئلة
هنا سؤال يلفت الانتباه لأنها قضية كبرى يقول:
стр. 8716
نصيحة لطلاب العلم
السؤال
بعض من تسموا بطلبة العلم، وهيأت لهم الدولة كل الوسائل، ومع ذلك نائمون في سباتهم لا يعملون لطلب العلم ولا التحصيل، وهم أصبحوا عالة على مجتمعاتهم، ووبالاً على أمتهم فما حكم الشرع فيهم؟
الجواب
أنا أشاركك في الفكرة أنه وجد في المجتمع من أهل التقصير كثير ممن هيئت لهم الأسباب، وتهيئة الأسباب توفيق من الله ثم من أهل الخير القائمين على ذلك فنحمد الله على ذلك، ووجد أن هناك كسلاً، يعرف ذلك من يعايش التدريس، أو من يصحح في الامتحانات أو يرى في المقابلات المستوى العلمي الهابط، والسبب في ذلك الزهد في طلب العلم وكثرة المثبطات، ربما يرتاح كثير من طلبة العلم بالجلوس ساعة أو ساعتين على شرب إبريق من الشاي، وفي هذا الوقت ألف ابن تيمية كتاباً كاملاً وقد سلف في مناسبات أنه ألف كتاب التدمرية من صلاة الظهر إلى صلاة العصر، وقرأناه سنة فما فهمناه لأنها ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] فالوقت الضائع هذا سببه الخمول والكسل وعدم معرفة طرق التحصيل، وهذه الكليات والمعاهد والمؤسسات العلمية إنما تعطي الإنسان أموراً تجريبية واستقرائية ومفاتيح لطلب العلم، أما العلم الغزير، والتحصيل العلمي، وتحقيق المسائل فلا يحصل إلا بمدارسة الكتب ومراجعة طلبة العلم والعكوف في البيت مع المكتبة، وحضور الجلسات وندوات الخير والمحاضرات والدروس وكثرة التعليم والتحقيق والمسائلة والمذاكرة، أما أن يبقى الإنسان هكذا! فلا يمكن أن يحصل على طائل من العلم، وقد يكون عنده نسبة من العلم، لكن قال أحد الحكماء: يُهلك الأجسام نصف طبيب، ويهلك الأديان نصف عالم، ويهلك الجيل نصف مربي، لأنه يريد أن يوجههم وما عنده إلا نصف فقط فلو كان جاهلاً لاعتذر وقال سامحوني ما عندي تربية.
ونصف عالم يهلك الناس ولو كان جاهلاً لتعلم أو لتواضع وعرف نفسه، ولو كان عالماً لأفاد لكن يرى أنه عالم وهو ليس بعالم هذه هي المشكلة.
وأسباب التحصيل تندرج في أمور:
الأمر الأول: تقوى الله الواحد الأحد، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم تقواه.
الأمر الثاني: كثرة التوبة والاستغفار.
الأمر الثالث: أن يكون لك همة في طلب العلم ولا تقل كبرت ولا شخت ولا شبت فأصحاب الرسول ﵊ تعلموا العلم كباراً.
الأمر الرابع: أن يكون لك مكتبة سمعية ونظرية تقرأ وتسمع، ويكون شغلك الشاغل هذا، ثم يكون لك مذاكرة مع طلبة العلم واستحضار، ولا تفوتك أي فائدة، ولا بد أن تعلق وتقول دائماً: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤].
وأسباب حفظ العلم كما يقول ابن هبيرة الحنبلي صاحب الإفصاح: أسباب تحصيل العلم وحفظه ثلاثة:
السبب الأول: العمل بالعلم: فإذا عملت أنت بالأحاديث حفَّظك الله الحديث، والذي يريد أن يحفظ كتاباً في الذكر لكنه لا يقرأ الأذكار الصباحية والمسائية وعند النوم وعند القيام فإنه لن يحفظه بل ينساه.
السبب الثاني: التصنيف: إذا بلغت إلى درجة أن تبحث المسألة وتحققها فهذا يثبت معك العلم لأنك تخرج الحديث وتراجعه وتحققه وتسأل عنه وتبحث فيثبت ويرسخ.
السبب الثالث: التعليم: تعليم الناس نحن نقول إننا لسنا أهلاً لأن نجلس أمام هذه الوجوه لأن في الجمع من هو أعلم منا؛ لكن ليثبت العلم ولأن الإنسان يشحذ نفسه إذا علم أن عنده درس أو عنده إلقاء أو محاضرة أو كلمة فتراه راجع المسائل وحقق الأحاديث ورجع إلى التراجم، وأما إذا لم يعلم أن وراءه طلب ولا كلمة ولا درس فقد لا يهتم بهذا، فالعلم يحفظ بالتعليم والتصنيف والعمل به، فيدعو طلبة العلم إلى أن ينفقوا مما أعطاهم الله ويزكوا هذا الميراث وهذا الكنز الذي معهم وهو الدعوة إلى الله ، ومن كان في قرية أو مدينة أو بادية أو ضاحية فإذا ذهب إلى أهله فليكن رسول خير وداعية إسلام يتحدث بما سهل الله ، فإن الناس لا يريدون كثرة علم، يريدون أي حديث بشرط أن تكون مخلصاً صادقاً متمكناً مما تقول، تسأل الله منه المثوبة وحسن العرض وحسن الخلق للناس فسوف يستفيدون: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ ﴿نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع﴾.
أسأل الله لي ولكم القبول والهداية والرشد، وأن يعيننا وإياكم على الدنيا والآخرة، ويسهل لنا أمورنا جميعًا وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 8717
صحيح الأخبار في وصف النار
وردت آيات وأحاديث صحيحة كثيرة في صفة النار، وعذابها، وجحيمها، وطعامها وشرابها.
وقد أورد الشيخ حفظه الله في هذا الدرس المبارك طائفة كبيرة منها، وختم بذكر بعض الأذكار التي تقي قائلها من عذاب النار.
стр. 8718
خوف السلف من النار
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وإمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أمَّا بَعْد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وأسعد الله لياليكم بالمسرات، درسنا هذه الليلة بعنوان: (صحيح الأخبار في وصف النار) نعوذ بالله من النار، وقد سبق معنا في الدرس الماضي، وصف الجنة في الكتاب والسنة، وقد ذُكر هناك ما أعد الله لأوليائه في الجنة من نعيم خالد، وما هيأ لهم من نعيم مقيم، فوصف أبواب الجنة وسررها، ولباسها وما فيها من خير عميم، وكيف يدخلها أهل الجنة، وكم صفوفهم، وما هي أزواجهم، وما هو طعامهم، وشرابهم، ومن أول من يدخل الجنة، ورؤية الله إلى مسائل أخرى.
وفي هذه الليلة نأتي إلى بحث عن النار أعاذنا الله وإياكم من النار، وجنبنا كل قول أو عمل أو فعل يدلنا على النار.
إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار
وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقني من النار
يقول الله عن آحاد المجرمين: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٧].
﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠]: الغل جمع اليدين وراء الظهر، وقيل: جمعها عند الذقن بالسلاسل.
﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣١] أي: أصلوه نار جهنم التي تتلظى، لا يراها راء أو يدخلها داخل إلا سقطت فروة وجهه في النار.
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٢]: يسلك فيها سلكاً حتى تخرج -والعياذ بالله- من فمه ودبره، فتمر مروراً كلما انتهت تعود من أوله.
وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:٦٦] فتقلب يمنة ويسرة: ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب:٦٦ - ٦٧] وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٤ - ٧٥].
والخلود هنا لغير الموحدين، أما عصاة الموحدين فلا يخلدون في النار، فقد يدخلون النار فمنهم من يمكث ألف سنة ومنهم من يمكث مائة سنة، ومنه من يمكث سنة، نعوذ بالله من النار.
وعقيدة أهل السنة -كما مر معنا في درس بعنوان: (عقيدتنا) أنهم لا يقولون بتخليد أهل الكبائر في النار، بل ربما دخلوها ثم أخرجوا، كما سوف يأتي معنا في بحثنا هذه الليلة إن شاء الله.
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً * لِلطَّاغِينَ مَآباً * لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً * لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً * إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً * جَزَاءً وِفَاقاً * إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً * إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا كِذَّاباً * وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً * فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً﴾ [النبأ:٢١ - ٣٠].
وهناك أمور تصرفنا عن نار جهنم أذكرها بحول الله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] وقال سبحانه: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:٦ - ١١].
أيها المسلمون! اسمعوا إلى أخبار الصالحين وهم يتعوذون من النار: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ [الفرقان:٦٥ - ٦٦] فقد وصف الله الصالحين بأنهم يتعوذون من عذاب النار، وأنهم يسألون الله أن يصرف عنهم عذاب النار، فوالله لا ضنك ولا أسى ولا لوعة إلا في النار، والفائز من زحزح نفسه وأنجى نفسه من النار، اللهم نجنا من النار.
ذكر أهل العلم بأسانيد جيدة أن عائشة ﵂ وأرضاها زوجة الرسول ﵊ كانت تردد الآية من قوله : ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٧ - ٢٨] قال أحد الرواة أظنه مسروق أو الأسود بن يزيد يقول: [[سمعت عائشة ترددها في صلاة الضحى وتبكي فذهبت إلى السوق وعدت، فأتيت وهي تبكي وترددها]].
وأما ابن عمر فذكر عنه صاحب الزهد وكيع بن الجراح، أنه قرأ قوله : ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ:٥٤] فبكى حتى أُغمي عليه ورش بالماء.
وابن وهب ذكر عنه الذهبي في المجلد الثامن في السير أنه سمع ابنه يقرأ: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر:٤٧] فأغمي عليه حتى حمل على أكتاف الرجال.
أما ابن تيمية فيذكر عن علي بن الفضيل بن عياض أحد الصالحين الزهاد الكبار، قام أبوه يصلي بهم في الحرم فقرأ سورة الصافات، وكان ابنه علي من أخشى الناس لله، وكان وراءه في الصف فقرأ الفضيل: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٤ - ٢٦] فأغمي على ابنه وحمل إلى البيت، فحركوه فإذا هو قد مات، وقد ذكرها ابن كثير وشيخ الإسلام ابن تيمية وهي قصة صحيحة، فهذا خوف السلف.
جاء رجل من الأعراب إلى عمر، قال: يا عمر! الخير لتفعلنه قال: فإن لم أفعل؟! قال: لتفعلنه أو لتكرهنه، قال: فإن أكرهت، قال: أما تخاف النار؟ -وهذا في كلمة طويلة في أبيات ذكرها أهل التاريخ، فبكى عمر - وقال: بلى والله أخاف النار.
وأبو بكر وعثمان وعلي، كانوا من أخشى الناس لله وكان أحدهم إذا ذكر النار زفر زفرة، ولاع لوعة، وتذكر ذكرى وكان لذكرهم فائدة في عملهم وخشيتهم وصدقهم لله، ونريد من هذه الأمور أن تتحول إلى أعمال صالحة في حياتنا ومراقبتنا لله ﵎.
стр. 8719
مسائل في وصف النار
وبقي علينا مسائل في هذا الدرس:
стр. 8720
الاستعاذة من عذاب النار
أولها: الاستعاذة من النار، أوصي نفسي وإياكم بكثرة الاستعاذة من النار، فعند مسلم عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿قل أعوذ بالله من عذاب النار وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال﴾ فمن استعاذ من عذاب النار سبع مرات -كما يأتي معنا بحديث- قالت النار: اللهم أجره مني، وفي حديث صحيح ثلاث مرات، وفي حديث الحارث بن مسلم لما أتى إلى الرسول ﵊ قال: ﴿ألا أدلك على عمل؟ قال: بلى.
قال: إذا صليت الصبح فقل: ربِّ أجرني من النار سبع مرات، وإذا صليت المغرب فقل: ربِّ أجرني من النار سبع مرات﴾ وهو حديث صحيح نص على صحته ابن القيم.
إذاً فأوصي نفسي وإياكم بعد الفجر والمغرب بترداد (ربِّ أجرني من النار) سبع مرات، قال ﷺ : ﴿قل اللهم أني أعوذ بك من عذاب النار وعذاب القبر وإنه لعذاب بئيس﴾ قال الله عن فرعون وأهله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ [غافر:٤٦] أي: في القبر: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] فالنار يعرضون عليها وهم في القبور، فإذا قبر الإنسان فهو -والله- إما في روضة من رياض الجنة، أو في حفرة من حفر النار.
فالقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران
إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده
وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ
فليعلم هذا، ولذلك يفتح له روزنة -أو نافذة- فيرى مقعده في الجنة إذا كان من أهل النار، ويقال له هذا مقعدك في الجنة لو كنت من أهل الجنة، فيزداد بؤساً وندامة، ويفتح له لهيب ونار وحرقة إلى النار حتى يبعث؛ ولذلك المجرم يقول: اللهم لا تقم الساعة، فيستمر في ندم وحسرة حتى يقيم الله الساعة.
وعند مسلم عن أم حبيبة وهي زوجة المصطفى ﵊ وهي ابنة أبي سفيان قالت: ﴿اللهم متعني بأبي أبي سفيان وبأخي معاوية، فقال لها ﵊: لقد سألت الله لآجال معدودة، ولأرزاق مقسومة، ولأيام مضروبة، ولوسألت الله لأخيك ولأبيك أن يعيذهما الله من عذاب القبر وعذاب النار كان أفضل﴾ أي: تقول: متعني بأبي وأخي وطوّل أعمارهما، كما يقول أحدنا للآخر: طوَّل الله عمرك، وعمره لا يطول، إنما الأفضل أن يقول: وقاك الله من عذاب النار، بيّض الله وجهك، غفر الله لك، زحزحك الله عن النار، فسألت ربها فقال ﵊: ﴿لقد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة - أي: انتهى- ولو سألت الله أن يعيذهما الله من عذاب النار وعذاب القبر كان أفضل﴾ فنسأل الله أن يعيذنا وإياكم من عذاب القبر وعذاب النار.
وصح عند أبي يعلى من قوله ﵊ أنه قال: ﴿ما استجار عبد من النار في يوم سبع مرات، فقال: اللهم أجرني من النار إلا قالت النار: يا رب! أجره مني﴾ فالاستعاذة سنة واردة وأوصيكم بها بعد التشهد وفي أدبار الصلوات، وفي السجود وفي آخر الليل وفي كل مناسبة، أن تستعيذوا وتستجيروا بالله من النار.
следующие страницы →