← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.

стр. 8716

نصيحة لطلاب العلم السؤال بعض من تسموا بطلبة العلم، وهيأت لهم الدولة كل الوسائل، ومع ذلك نائمون في سباتهم لا يعملون لطلب العلم ولا التحصيل، وهم أصبحوا عالة على مجتمعاتهم، ووبالاً على أمتهم فما حكم الشرع فيهم؟ الجواب أنا أشاركك في الفكرة أنه وجد في المجتمع من أهل التقصير كثير ممن هيئت لهم الأسباب، وتهيئة الأسباب توفيق من الله ثم من أهل الخير القائمين على ذلك فنحمد الله على ذلك، ووجد أن هناك كسلاً، يعرف ذلك من يعايش التدريس، أو من يصحح في الامتحانات أو يرى في المقابلات المستوى العلمي الهابط، والسبب في ذلك الزهد في طلب العلم وكثرة المثبطات، ربما يرتاح كثير من طلبة العلم بالجلوس ساعة أو ساعتين على شرب إبريق من الشاي، وفي هذا الوقت ألف ابن تيمية كتاباً كاملاً وقد سلف في مناسبات أنه ألف كتاب التدمرية من صلاة الظهر إلى صلاة العصر، وقرأناه سنة فما فهمناه لأنها ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] فالوقت الضائع هذا سببه الخمول والكسل وعدم معرفة طرق التحصيل، وهذه الكليات والمعاهد والمؤسسات العلمية إنما تعطي الإنسان أموراً تجريبية واستقرائية ومفاتيح لطلب العلم، أما العلم الغزير، والتحصيل العلمي، وتحقيق المسائل فلا يحصل إلا بمدارسة الكتب ومراجعة طلبة العلم والعكوف في البيت مع المكتبة، وحضور الجلسات وندوات الخير والمحاضرات والدروس وكثرة التعليم والتحقيق والمسائلة والمذاكرة، أما أن يبقى الإنسان هكذا! فلا يمكن أن يحصل على طائل من العلم، وقد يكون عنده نسبة من العلم، لكن قال أحد الحكماء: يُهلك الأجسام نصف طبيب، ويهلك الأديان نصف عالم، ويهلك الجيل نصف مربي، لأنه يريد أن يوجههم وما عنده إلا نصف فقط فلو كان جاهلاً لاعتذر وقال سامحوني ما عندي تربية. ونصف عالم يهلك الناس ولو كان جاهلاً لتعلم أو لتواضع وعرف نفسه، ولو كان عالماً لأفاد لكن يرى أنه عالم وهو ليس بعالم هذه هي المشكلة. وأسباب التحصيل تندرج في أمور: الأمر الأول: تقوى الله الواحد الأحد، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم تقواه. الأمر الثاني: كثرة التوبة والاستغفار. الأمر الثالث: أن يكون لك همة في طلب العلم ولا تقل كبرت ولا شخت ولا شبت فأصحاب الرسول ﵊ تعلموا العلم كباراً. الأمر الرابع: أن يكون لك مكتبة سمعية ونظرية تقرأ وتسمع، ويكون شغلك الشاغل هذا، ثم يكون لك مذاكرة مع طلبة العلم واستحضار، ولا تفوتك أي فائدة، ولا بد أن تعلق وتقول دائماً: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤]. وأسباب حفظ العلم كما يقول ابن هبيرة الحنبلي صاحب الإفصاح: أسباب تحصيل العلم وحفظه ثلاثة: السبب الأول: العمل بالعلم: فإذا عملت أنت بالأحاديث حفَّظك الله الحديث، والذي يريد أن يحفظ كتاباً في الذكر لكنه لا يقرأ الأذكار الصباحية والمسائية وعند النوم وعند القيام فإنه لن يحفظه بل ينساه. السبب الثاني: التصنيف: إذا بلغت إلى درجة أن تبحث المسألة وتحققها فهذا يثبت معك العلم لأنك تخرج الحديث وتراجعه وتحققه وتسأل عنه وتبحث فيثبت ويرسخ. السبب الثالث: التعليم: تعليم الناس نحن نقول إننا لسنا أهلاً لأن نجلس أمام هذه الوجوه لأن في الجمع من هو أعلم منا؛ لكن ليثبت العلم ولأن الإنسان يشحذ نفسه إذا علم أن عنده درس أو عنده إلقاء أو محاضرة أو كلمة فتراه راجع المسائل وحقق الأحاديث ورجع إلى التراجم، وأما إذا لم يعلم أن وراءه طلب ولا كلمة ولا درس فقد لا يهتم بهذا، فالعلم يحفظ بالتعليم والتصنيف والعمل به، فيدعو طلبة العلم إلى أن ينفقوا مما أعطاهم الله ويزكوا هذا الميراث وهذا الكنز الذي معهم وهو الدعوة إلى الله ، ومن كان في قرية أو مدينة أو بادية أو ضاحية فإذا ذهب إلى أهله فليكن رسول خير وداعية إسلام يتحدث بما سهل الله ، فإن الناس لا يريدون كثرة علم، يريدون أي حديث بشرط أن تكون مخلصاً صادقاً متمكناً مما تقول، تسأل الله منه المثوبة وحسن العرض وحسن الخلق للناس فسوف يستفيدون: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ ﴿نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع﴾. أسأل الله لي ولكم القبول والهداية والرشد، وأن يعيننا وإياكم على الدنيا والآخرة، ويسهل لنا أمورنا جميعًا وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 8717

صحيح الأخبار في وصف النار وردت آيات وأحاديث صحيحة كثيرة في صفة النار، وعذابها، وجحيمها، وطعامها وشرابها. وقد أورد الشيخ حفظه الله في هذا الدرس المبارك طائفة كبيرة منها، وختم بذكر بعض الأذكار التي تقي قائلها من عذاب النار.

стр. 8718

خوف السلف من النار الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وإمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وأسعد الله لياليكم بالمسرات، درسنا هذه الليلة بعنوان: (صحيح الأخبار في وصف النار) نعوذ بالله من النار، وقد سبق معنا في الدرس الماضي، وصف الجنة في الكتاب والسنة، وقد ذُكر هناك ما أعد الله لأوليائه في الجنة من نعيم خالد، وما هيأ لهم من نعيم مقيم، فوصف أبواب الجنة وسررها، ولباسها وما فيها من خير عميم، وكيف يدخلها أهل الجنة، وكم صفوفهم، وما هي أزواجهم، وما هو طعامهم، وشرابهم، ومن أول من يدخل الجنة، ورؤية الله إلى مسائل أخرى. وفي هذه الليلة نأتي إلى بحث عن النار أعاذنا الله وإياكم من النار، وجنبنا كل قول أو عمل أو فعل يدلنا على النار. إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقني من النار يقول الله عن آحاد المجرمين: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٧]. ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠]: الغل جمع اليدين وراء الظهر، وقيل: جمعها عند الذقن بالسلاسل. ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣١] أي: أصلوه نار جهنم التي تتلظى، لا يراها راء أو يدخلها داخل إلا سقطت فروة وجهه في النار. ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٢]: يسلك فيها سلكاً حتى تخرج -والعياذ بالله- من فمه ودبره، فتمر مروراً كلما انتهت تعود من أوله. وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:٦٦] فتقلب يمنة ويسرة: ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب:٦٦ - ٦٧] وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٤ - ٧٥]. والخلود هنا لغير الموحدين، أما عصاة الموحدين فلا يخلدون في النار، فقد يدخلون النار فمنهم من يمكث ألف سنة ومنهم من يمكث مائة سنة، ومنه من يمكث سنة، نعوذ بالله من النار. وعقيدة أهل السنة -كما مر معنا في درس بعنوان: (عقيدتنا) أنهم لا يقولون بتخليد أهل الكبائر في النار، بل ربما دخلوها ثم أخرجوا، كما سوف يأتي معنا في بحثنا هذه الليلة إن شاء الله. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً * لِلطَّاغِينَ مَآباً * لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً * لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً * إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً * جَزَاءً وِفَاقاً * إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً * إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا كِذَّاباً * وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً * فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً﴾ [النبأ:٢١ - ٣٠]. وهناك أمور تصرفنا عن نار جهنم أذكرها بحول الله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] وقال سبحانه: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:٦ - ١١]. أيها المسلمون! اسمعوا إلى أخبار الصالحين وهم يتعوذون من النار: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ [الفرقان:٦٥ - ٦٦] فقد وصف الله الصالحين بأنهم يتعوذون من عذاب النار، وأنهم يسألون الله أن يصرف عنهم عذاب النار، فوالله لا ضنك ولا أسى ولا لوعة إلا في النار، والفائز من زحزح نفسه وأنجى نفسه من النار، اللهم نجنا من النار. ذكر أهل العلم بأسانيد جيدة أن عائشة ﵂ وأرضاها زوجة الرسول ﵊ كانت تردد الآية من قوله : ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٧ - ٢٨] قال أحد الرواة أظنه مسروق أو الأسود بن يزيد يقول: [[سمعت عائشة ترددها في صلاة الضحى وتبكي فذهبت إلى السوق وعدت، فأتيت وهي تبكي وترددها]]. وأما ابن عمر فذكر عنه صاحب الزهد وكيع بن الجراح، أنه قرأ قوله : ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ:٥٤] فبكى حتى أُغمي عليه ورش بالماء. وابن وهب ذكر عنه الذهبي في المجلد الثامن في السير أنه سمع ابنه يقرأ: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر:٤٧] فأغمي عليه حتى حمل على أكتاف الرجال. أما ابن تيمية فيذكر عن علي بن الفضيل بن عياض أحد الصالحين الزهاد الكبار، قام أبوه يصلي بهم في الحرم فقرأ سورة الصافات، وكان ابنه علي من أخشى الناس لله، وكان وراءه في الصف فقرأ الفضيل: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٤ - ٢٦] فأغمي على ابنه وحمل إلى البيت، فحركوه فإذا هو قد مات، وقد ذكرها ابن كثير وشيخ الإسلام ابن تيمية وهي قصة صحيحة، فهذا خوف السلف. جاء رجل من الأعراب إلى عمر، قال: يا عمر! الخير لتفعلنه قال: فإن لم أفعل؟! قال: لتفعلنه أو لتكرهنه، قال: فإن أكرهت، قال: أما تخاف النار؟ -وهذا في كلمة طويلة في أبيات ذكرها أهل التاريخ، فبكى عمر - وقال: بلى والله أخاف النار. وأبو بكر وعثمان وعلي، كانوا من أخشى الناس لله وكان أحدهم إذا ذكر النار زفر زفرة، ولاع لوعة، وتذكر ذكرى وكان لذكرهم فائدة في عملهم وخشيتهم وصدقهم لله، ونريد من هذه الأمور أن تتحول إلى أعمال صالحة في حياتنا ومراقبتنا لله ﵎.

стр. 8719

مسائل في وصف النار وبقي علينا مسائل في هذا الدرس:

стр. 8720

الاستعاذة من عذاب النار أولها: الاستعاذة من النار، أوصي نفسي وإياكم بكثرة الاستعاذة من النار، فعند مسلم عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿قل أعوذ بالله من عذاب النار وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال﴾ فمن استعاذ من عذاب النار سبع مرات -كما يأتي معنا بحديث- قالت النار: اللهم أجره مني، وفي حديث صحيح ثلاث مرات، وفي حديث الحارث بن مسلم لما أتى إلى الرسول ﵊ قال: ﴿ألا أدلك على عمل؟ قال: بلى. قال: إذا صليت الصبح فقل: ربِّ أجرني من النار سبع مرات، وإذا صليت المغرب فقل: ربِّ أجرني من النار سبع مرات﴾ وهو حديث صحيح نص على صحته ابن القيم. إذاً فأوصي نفسي وإياكم بعد الفجر والمغرب بترداد (ربِّ أجرني من النار) سبع مرات، قال ﷺ : ﴿قل اللهم أني أعوذ بك من عذاب النار وعذاب القبر وإنه لعذاب بئيس﴾ قال الله عن فرعون وأهله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ [غافر:٤٦] أي: في القبر: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] فالنار يعرضون عليها وهم في القبور، فإذا قبر الإنسان فهو -والله- إما في روضة من رياض الجنة، أو في حفرة من حفر النار. فالقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ فليعلم هذا، ولذلك يفتح له روزنة -أو نافذة- فيرى مقعده في الجنة إذا كان من أهل النار، ويقال له هذا مقعدك في الجنة لو كنت من أهل الجنة، فيزداد بؤساً وندامة، ويفتح له لهيب ونار وحرقة إلى النار حتى يبعث؛ ولذلك المجرم يقول: اللهم لا تقم الساعة، فيستمر في ندم وحسرة حتى يقيم الله الساعة. وعند مسلم عن أم حبيبة وهي زوجة المصطفى ﵊ وهي ابنة أبي سفيان قالت: ﴿اللهم متعني بأبي أبي سفيان وبأخي معاوية، فقال لها ﵊: لقد سألت الله لآجال معدودة، ولأرزاق مقسومة، ولأيام مضروبة، ولوسألت الله لأخيك ولأبيك أن يعيذهما الله من عذاب القبر وعذاب النار كان أفضل﴾ أي: تقول: متعني بأبي وأخي وطوّل أعمارهما، كما يقول أحدنا للآخر: طوَّل الله عمرك، وعمره لا يطول، إنما الأفضل أن يقول: وقاك الله من عذاب النار، بيّض الله وجهك، غفر الله لك، زحزحك الله عن النار، فسألت ربها فقال ﵊: ﴿لقد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة - أي: انتهى- ولو سألت الله أن يعيذهما الله من عذاب النار وعذاب القبر كان أفضل﴾ فنسأل الله أن يعيذنا وإياكم من عذاب القبر وعذاب النار. وصح عند أبي يعلى من قوله ﵊ أنه قال: ﴿ما استجار عبد من النار في يوم سبع مرات، فقال: اللهم أجرني من النار إلا قالت النار: يا رب! أجره مني﴾ فالاستعاذة سنة واردة وأوصيكم بها بعد التشهد وفي أدبار الصلوات، وفي السجود وفي آخر الليل وفي كل مناسبة، أن تستعيذوا وتستجيروا بالله من النار.

стр. 8721

الترهيب من النار المسألة الثانية: الترهيب من النار، مهما وصف الواصفون فوالله لا يأتون على وصف النار، ومهما حسبوا، ومهما نسبوا إن أجسامنا لا تقوى على النار. كان عمر بن عبد العزيز الخليفة إذا ذكر النار أغمي عليه على المنبر، وكان عمر ﵁ كما قالت عاتكة زوجته لما سئلت: كيف كان ليل عمر؟ قالت: ما كان ينام كما ينام الناس، عنده ماء بارد فإذا اقترب منه النوم غسل وجهه ثم ذكر الله، فإذا أغفى إغفاءة غسل وجهه وذكر الله، ثم إذا انتصف الليل توضأ وقام يصلي حتى الفجر، قالت له زوجته: لو نمت يا أمير المؤمنين! أمتعب في الليل ومتعب في النهار؟! قال: [[لو نمت في النهار لضاعت رعيتي، ولو نمت في الليل لضاعت نفسي]] ﵁ وأرضاه، ولذلك سعد في الدنيا والآخرة، ويروى أن الرسول ﵊ رأى عمر عليه ثوب أبيض قال: ﴿البس جديداً، وعش حميداً، ومت شهيداً﴾ فلبس جديداً، وعاش حميداً على فطرة الله التي فطر الناس عليها، وعلى الإسلام، ومات مطعوناً شهيداً. قال عدي بن حاتم الطائي والحديث متفق عليه ﴿قال لنا رسول الله ﷺ : استعيذوا بالله من النار، ثم قال: اتقوا النار، ثم أشاح بوجهه ﵊ ثم قال: اتقوا النار، ثم أعرض بوجهه وأشاح، قال: اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة﴾. يا أيها المسلمون! شق التمرة، الريال، الدرهم، البسمة، المنفعة، كلها صدقة ووقاية من النار، من أراد أن يجعل بينه وبين النار وقاية فالعمل الصالح: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١] فالاتقاء أن تجعل شيئاً من العمل يقيك عذاب الله وغضبه ولعنته. وقال أبو هريرة -والحديث متفق عليه- قام رسول الله ﷺ عند الصفا، لما أنزل الله عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] فنادى ﵊ بطون مكة: يا بني عبد مناف! يا بني هاشم! يا بني عبد المطلب! يا عباس عم رسول الله! يا فاطمة بنت محمد! ناداهم بطناً بطناًَ، وقرابة قرابة، فاجتمعوا فقال: ﴿إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار لا أغني عنكم من الله شيئاً، ثم قال: يا عباس! أنقذ نفسك من النار لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد! أنقذي نفسك من النار لا أغني عنك من الله شيئاً﴾ ثم قال أبو لهب: تباً لك! ألهذا دعوتنا؟ فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١ - ٥]. وأما قوله ﵊ عند مسلم من حديث ابن مسعود ﴿يؤتى بالنار يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك﴾ تصور النار تقاد بسبعين ألف زمام والزمام لا يعلم قوته إلا الله، وهي تموج وتهيج على الناس في الموقف، يحطم بعضها بعضاً وتتميز من الغيظ، وتسطو على الناس في الموقف فيفر منها الناس، ومع كل زمام سبعون ألف ملك فكيف بها؟! نعوذ بالله من النار، وأما أبواب جهنم فصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿الجنة لها ثمانية أبواب والنار لها سبعة أبواب﴾ رواه أحمد بسند صحيح. فهذه حكمة بالغة أن جعل الله للجنة -كما سلف- ثمانية أبواب، ورضوان خازنها، وجعل للنار سبعة أبواب ومالك خازنها يقول أهل النار: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] وقد مر معنا أن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة، ويأتي عليه يوم وهو كضيض من الزحام، نسأل الله من فضله. وأما النار فسبعة أبواب، لا يعلم ما بين المصراعين إلا الله، فلهذه ملؤها ولهذه ملؤها، حكمة بالغة من الواحد الأحد، وقد صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿الجنة لها ثمانية أبواب، والنار لها سبعة أبواب﴾ رواه أحمد بسند صحيح. وعلى كل باب -في الصحيح- خزنة وحجاب وحراس في الجنة والنار، وورد أن النار لما ذكر سبحانه عليها تسعة عشر، قال أبو جهل: أنا أكفيكم بعشرة واكفوني بتسعة، عليه لعنة الله، وقد قال الله بعدها: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً﴾ [المدثر:٢٨ - ٣١] فقال: ليسوا ببشر وإنما ملائكة، الواحد منهم قد يحيط بالناس، وقال أبو جهل: أتدرون ما هو الزقوم؟ قالوا: لا ندري، قال: التمر والزبد -التمر والدهن- عليه لعنة الله، فيقول: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩] يقول: ذق من هذا التمر والزبد، إنك أنت العزيز الكريم، قال: أتدرون ماذا يمنينا محمد؟ قالوا: نعم. قال: سحر، فيرده الله على وجهه إلى النار ويقول له: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥] أهذا هو السحر أم لا؟

стр. 8722

شدة حر نار جهنم ومنها شدة حر جنهم نعوذ بالله من حر جهنم، قال ﵊ -والحديث متفق عليه عند البخاري -: ﴿ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، قالوا: يارسول الله! إنها كانت كافية، قال: فإن نار جهنم فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً﴾ فهذه نار الدنيا وهذه نار جهنم والعياذ بالله، نارنا هذه جزءاً من سبعين جزءاً من نار جهنم، وفي بعض الروايات: ﴿أنها غمست في البحر سبعين مرة، حتى بردت ولولاها ما طاقها الناس﴾ نعوذ بالله من النار التي أعدها الله للمعرضين. لون جهنم: في الحقائق والنظريات العلمية التي وصل إليها العلم المتطور اليوم هو أن آخر درجات الحرارة تسود فيها النار، ولذلك في محاضرة مع عالم مسلم وعالم كافر، قال له المسلم: ما هي آخر نظرية توصل لها العلم الحديث؟ قال: توصلنا في العلم الحديث أننا إذا أشعلنا النار وبلغت درجة الحرارة ألفاً، بعد أن تحمر النار، فإنها تبيض، قال: فإذا ابيضت قال: ترتفع ألف درجة، قال: فماذا يحدث؟ قال: تسود النار تماماً، قال عندنا هذا في السنة، قال: في أي كلام؟ قال: روى الترمذي بسند صحيح أن الرسول ﵊ قال: ﴿أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، وأوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، وأوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة﴾ فقال الرجل: لا إله إلا الله محمد رسول الله! وقصته معروفه وإسلامه منظور مشهود، والحق ما شهدت به الأعداء. وإننا نعرض هذا ليعلم الناس أن الناس غاية ما يصلون إليه من العلم إنما هو موجود في كتابنا وسنة نبينا ﵊، وقد أعطاني أحد الفضلاء قبل أيام كتاب الأوائل وفيه مائة عظيم في العالم، وقد ألفه مايكل هارف، أَلَّف مائة عظيم، أتدرون من هو الأول؟ إنه محمد ﵊، وهذا الأمريكي حاقد وغاضب وخصم وعدو ولكن يقول: الحقيقة هي التي فرضت نفسها، حيث أني لم أجد في المرتبة الأولى في عظماء العالم على مر التاريخ وفي بقاع الدنيا والقارات الخمس كمحمد ﵊، فيقول المترجم العربي: على رغم أنفك، فهو سيد الخلق، فهو الأول. وهذه نأخذها حقائق ليظهر للذين انبهروا بحضارة الغرب، وقال أحدهم -كما عرض علينا في أحد الدروس- قال: لو حملنا الأمريكان على ظهورنا لما أنصفناهم، جعلك أنت تحملهم على ظهرك، أما نحن فنبرأ إلى الله أن نحمل أحداً منهم، لماذا؟ إن قدموا شيئاً فالذي خلق أدمغتهم هو الله، والعلم ليس حِجْراً عليهم، لكن انظر إلى محمد ﵊ الذي يقول شوقي فيه: المصلحون أصابع جمعت يداً هي أنت بل أنت اليد البيضاء يمدح الرسول ﵊ ويقول محمود غنيم: أتطلبون من المختار معجزة يكفيه شعب من الأموات أحياه إحياء القلوب أعظم من اكتشاف الذرة والكهرباء والسيارة والطائرة، أحيا شعوباً، ثم ترك هذه العقول تكتشف وتخترع وتقدم للناس، فهذا هو الفرق بين هذا العلم. وللعلم فإن الرجل الواحد والخمسين في عظماء العالم هو عمر بن الخطاب، وأتى بـ هتلر في العظماء وكان رقمه أربعة وسبعين، فهذا هتلر الذي دمر الناس، أتدرون كم قتل هتلر؟ قتل خمسة وثلاثين مليوناً في الحرب العالمية الثانية، أكبر من قتل من ذرية آدم الأحياء هو هتلر، وأتى باليهود الذين سحقوا البشرية فجعلهم من العظماء، وقد ظل سعيه، وإنما نأخذ الشاهد: أن محمداً ﵊ في المرتبة الأولى. ومن لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجي في الأول

стр. 8723

وصف عمق جهنم وأما قعر جهنم نعوذ بالله من جهنم، قال: أبو هريرة: ﴿كنا مع رسول الله ﷺ : فسمعنا وجبة -يعني: وقعة حجر، أو سمعوا صوتاً هائلاً- فقال ﷺ : أتدرون ما هذا؟ -ولم يخبرهم بل سمعوا بآذانهم- قالوا: لا ندري، قال ﵊: هذه صخرة أُلقيت من سماء النار ومكثت سبعين خريفاً ووصلت الآن إلى قعر جهنم﴾ وجهنم عند أهل السنة والجماعة دركات، والجنة درجات، قال ابن قتيبة: الدرجات مرتفعة، والدركات نازلة، فلا تقل للدرج العالي: دركات، ولا تقل للدرج النازل: درجاً، بل قل: دركات، قال : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا﴾ [النساء:١٤٥] فهم في الدرك الأسفل، فهي دركات نعوذ بالله منها. أبو طالب ذب عن الرسول ﵊ وحماه، ووقاه وحفظه، ودافع عنه، فماذا كان جزاؤه؟ شفع له الرسول ﷺ : فجعله الله في ضحضاح من النار، وأبو طالب لا يخرج من النار وهو خالد مخلد في النار، فجعله الله في ضحضاح من النار، في أخمص قدميه جمرة يغلي منها دماغه، وهو أخف الناس عذاباً، وقد ورد في الصحيح: ﴿إن أخف الناس عذاباً رجل يوضع بين أخمص قدميه جمرة يغلي منها دماغه﴾ فنعوذ بالله من النار.

стр. 8724

سلاسل جهنم ورد عند أحمد والترمذي بأسانيد صحيحة، أن الرسول ﵊ ذكر السلسلة من سلاسل جهنم، فقال ﵊ ﴿لو أن حديدة -وأشار إلى الجمجمة- وقعت من السماء وما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وقعت هذه السلسلة قبل الليل لوضعت في الصباح، وإن هذه الجمجمة لتوضع في سلسلة في جهنم من أولها إلى آخرها، فلا تقطعها إلا في أربعين خريفاً﴾.

стр. 8725

حيات جهنم وعقاربها أما حيات جهنم وعقاربها: فقال ﵊: ﴿إن في النار حيات كأمثال أعناق البخت﴾ والبخت: نوع من الجمال تأتي في السودان وشمال ليبيا، وفي أمثالها من بلاد أفريقيا، قالوا: هي الجمال التي لها سنامان، لكن الحية كأعناق البخت، وفيها ما هي كأعناق البغال، وحسبك إذا كانت الحية كذلك، ولكننا نسأل الله ألا يرينا تلك فإن أجسامنا على النار لا تقوى، ونسأله أن يزحزحنا عن النار.

стр. 8726

المرور على الصراط ابن رواحة الشجاع البطل هذا أحد أصحاب الرسول ﵊ الذي قتل في مؤتة، وقد تقدم معنا يوم باع نفسه من الله، وقال: ﴿يا رسول الله! ماذا علينا؟ فقال: أن تحموني مما تحمون منه نساءكم وأطفالكم وأموالكم قال: فإذا فعلنا ذلك؟ قال: لكم الجنة، قال: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل﴾ فقام من مجلس العقد، قال ابن القيم: والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا تفرقا فقد وجب البيع، ماذا حدث؟ ذهب فقتل شيهداً في سبيل الله في مؤتة في أرض الأردن، وكان قبلها قد أخذ المصحف وزوجته معه، وأطفاله حوله فوضع رأسه في حجر زوجته ورفع المصحف وقرأ قوله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٧١] فبكى حتى كادت أضلاعه تختلف، وهو شاب، قالت امرأته: مالك؟ قال: [[أخبرنا الله بالورود ولم يخبرنا بالصدور]] أي: أخبرنا يقيناً أننا نرد ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٧١] لكن ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] فنحن لا ندري، أما الورود فيقيناً أننا نرد جميعاً، أما الصدور فنسأل الله من فضله، والصحيح عند أهل العلم أن هذا الورود على الصراط، وليس هو دخول النار، يعني: تمرون عليها، فالأنبياء والرسل والصالحون والأولياء والعلماء والملوك والأغنياء والفقراء كلهم يمرون على متن النار، على الصراط، طوله شهر وهو أدق من الشعر وأحر من الجمر وأحد من السيف، يمر أناس كالبرق، وكلمح الطرف، وآخرون كالفرس المضمر الجواد، وبعضهم كمن يمشي، وكمن يحبو، ثم من يكردس على وجهه في النار.

стр. 8727

شراب أهل النار أما شراب أهل النار فهو كالمهل، فسره ﵊ بأنه عكر الزيت، وهو الحار الذي يغلي من الزيت، يشربه الشارب غصباً، من وراء أنفه يشربه، فتنخلع أمعاؤه وتتقطع في الأرض من دبره، وكلما تقطعت أنشأ الله له أمعاء، فيشرب وتتقطع وهكذا أبد الآبدين، نعوذ بالله من ذلك، وهذا عند أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم بأسانيد صحيحه، أنه كعكر الزيت إذا قرب وجهه سقطت فروة وجهه في هذا الزيت أو في الإناء. قر السم حتى امتار فروة رأسه من السم صلٌّ قاتل اللسع مارده وهذا ذو الرمة يصف حية تلدغ، والحيات السود إذا لدغت عند العرب سقطت الجفون من سمها في الأرض، ووصفوا عذاب جهنم في بعض كتب المفسرين بذلك، ولكن أين جهنم من عذاب الدنيا؟ عذاب الدنيا سهل وبسيط. يقول سعيد بن جبير للحجاج: قال له الحجاج في مناظرة حارة ساخنة بينه وبين سعيد بن جبير، عالم المسلمين المحدث الزاهد العابد، وقد أتي به إلى الحجاج بن يوسف السفَّاك فأجلسه أمامه، قال: يا سعيد بن جبير! والله لأقتلنك قتلة ما قتلتها أحداً من الناس، قال: يا حجاج! اختر لنفسك أي قتلة أردت، والله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله بمثلها، فقتله، ثم نام الحجاج في تلك الليلة فرأى كأنه يسبح في الدم، وكان في الصباح يبكي ويقول: رأيت كأن القيامة قامت، وكأني أوقفت عند الصراط، فقتلني الله بكل رجل قتلته قتلة واحدة، وهو قد قتل مائة ألفٍ، وقتلني بـ سعيد بن جبير سبعين مرة. وهذا الجزاء من جنس العمل، يقول له سعيد بن جبير لما أراد قتله: لا إله إلا الله محمد رسول الله خذها يا حجاج حتى تلقاني بها عند الله يوم القيامة، ولذلك لما مروا على الحجاج -كما عند المؤرخين- سمعوه يعذب في القبر ويصيح في الليل، فيقول أخوه محمد: رحمك الله يا أبا محمد! تقرأ القرآن في الحياة وتقرؤه في القبر، فهو يعتذر له أمام الناس، ماأحسن ذاك القرآن في القبر! ونحن نقول: الله يتولى الأمور، ولا نشهد لأحد بجنة ولا نار، لكن نقول: الحجاج نبغضه ونعتقد أن بغضه من أوثق عرى الدين.

стр. 8728

طعام أهل النار أما طعام أهل النار فالزقوم، ﴿لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الدنيا لأفسدت طعام أهل الدنيا عليهم، فكيف بمن كان طعامه الزقوم﴾ رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، بأسانيد صحيحة، ويقول عنها: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٥] قال الأصمعي: جمع هارون الرشيد العلماء والأدباء قال لهم: كيف يصف الله لنا طلع الزقوم بأنه كرءوس الشياطين ونحن ما رأينا رءوس الشياطين؟ فسكتوا جميعاً فدخل أحد الأعراب من أهل اللغة، فقال: فيم تتحاورون؟ أعرضوها علي، قالوا: وصف الله لنا طلع الزقوم بأن طلعها كأنه رءوس الشياطين، فكيف يصف لنا شيئاً ما رأيناه؟ قال: إن العرب تصف شيئاً معلوماً بشيء مجهول تسمع به، قالوا: أتحفظ شيئاً؟ قال: أحفظ قول امرئ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسْنُونَة زرق كأنياب أغوال والأغوال مارأيناها، فيصف المسنونة الزرق، كأنيابها يعني: الرماح، يقول هذا امرؤ القيس الفاجر، وقد دخل على امرأة غير محرم له ويقول: حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا فما إن من حديث ولا صال فقالت: لحاك الله إنك فاضحي ألست ترى السمار والناس أحوالي ثم تهدده بزوجها، وتقول: زوجي سوف يقتلك، قال -وهو قائد الشعراء إلى النار، وقائد الحداثة، وبالمناسبة قد يأتي من شعرهم شعر مليح وفصيح وجميل، لكنهم مفسدون في قلوبهم المظلمة التي ما رأت النور- قال: يقتلني والمشرفي مضاجعي أي: سيف أو رمح يصنع في بلاد مُشْرَف. المشرفي: رمح وقيل: سيف، و (مضاجعي مسنونة زرق كأنياب أغوال) يعني: ما يستطيع قتلي، فأحالهم على شيء مجهول تسمع به العرب. إذاً: العجيب أن الزقوم شجر يحيا وسط النار، وهذه حكمة بالغة، وقدرة نافذة، فسبحان من أخرج الحي من الميت! وأخرج الميت من الحي! لا أرانا الله تلك الأماكن ولا تلك البقاع، وزحزحنا الله وإياكم عن النار.

стр. 8729

غلظ أجسام أهل النار أما غلظ أجسامهم: فعند مسلم في صحيحه والترمذي قال ﵊: ﴿ضرس الكافر في النار مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث﴾ ونقول: آمنا وصدقنا، قال الشافعي: آمنا بما جاء عن الله على مراد الله، وآمنا بما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله، ومن كذّب بهذه الأخبار فهو ملعون زنديق مارد حظه السيف، من كذب بشيء مما صح عن المعصوم ﵊ فالنار مثواه خالداً مخلداً فيها، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً ولا ينظر إليه، ولا يزكيه وله عذاب أليم.

стр. 8730

الغمس في النار أما الغمس في النار: فصح عنه ﷺ عند مسلم أنه ﴿يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار -تظن أن أهل النار ما كانوا منعمين، والله كانوا منعمين، كانوا في الفلل البهية والقصور الرضية، والمطاعم الشهية، والملابس الثرية، في كل ما يريدون لكنهم فجروا مع الله فما وجودوا السعادة، وتجد بعض المؤمنين لا يجد كسرة الخبر في اليوم، فيأتي الله بذاك المجرم- فيغمسه غمسة في النار ثم يخرجه، فيقول: هل رأيت نعيماً قط، هل مر بك نعيم قط؟ قال: لا -والله- يارب ما مر بي نعيم قط، ويؤتى بأهل البؤس في الدنيا من أهل الجنة، فيغمس غمسة في الجنة﴾ هذا الفقير المطرود بالأبواب الذي لا يزوج إذا خطب، ولا يشفع ولا يقبل ولا يعطى ولا يقدم ولا يصدر، فيغمسه الله في الجنة غمسة ﴿فيقول: هل مر بك بؤس قط؟ فيقول: لا -والله- يارب! ما مر بي بؤس قط﴾ وهذا من أهل الجنة. أتي بـ البراء بن مالك، وهو البطل أخو أنس بن مالك أحد الأنصار كان عليه ثوبان ممزقان من أفقر الناس، شاب لا يملك درهماً ولا ديناراً وعنده أسرة كبيرة، دخل على الرسول ﵊ فقال ﵊: ﴿رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن مالك﴾ يعني: لو حلف على الله لأبر يمينه. ولذلك كان المسلمون إذا حضروا في غزوة قالوا: يا براء! نسألك أن تقسم على الله -أن تحلف على الله- أن ينصرنا، أي: بلغ من الولاية وحب الله والرسول له أنه يحلف ويقسم على الله فيجري الله قسمه، وهذه خصوصية لبعض الناس. حضروا في تستر، وكان القائد أبا موسى مع أهل فارس، فلما حاصروا الحصن، قالوا: يا براء! أقسم على الله أن ينصرنا هذا اليوم، قال: أنظروني قليلاً، فذهب واغتسل وتحنط ولبس أكفانه، وأتى بغمد السيف فكسره على ركبته، وقال: يارب! أقسم عليك هذا اليوم أن تنصرنا وأن تجعلني أول شهيد، وبدأت المعركة، فقتل أول الناس وانتصر المسلمون. بعنا النفوس فلا خيار ببيعنا أعظم بقوم بايعوا الغفارا فأعضنا ثمناً ألذ من المنى جنات عدن تتحف الأبرارا فلمثل هذا قم طروباً منشداً يروي القريض وينظم الأشعارا ويقول محمد إقبال وقد مرت كثيراً: - نحن الذين استيقظت بأذانهم دنيا الخليقة من تهاويل الكرى حتى هوت صور المعابد سجداًَ لجلال من خلق الوجود وصورا ومن الألى دكوا بعزم أكفهم باب المدينة يوم غزوة خيبرا أَم من رمى نار المجوس فأُطفئت وأبان وجه الصبح أبيض نيرا ومن الذي باع الحياة رخيصة ورأى رضاك أعز شيء فاشترى هم أصحاب محمد عليهم الصلاة والسلام.

стр. 8731

الشفاعة في خروج عصاة الموحدين من النار خروج أناس من النار بالشفاعة، فمن معتقدنا نحن أهل السنة والجماعة أن الموحدين لا يخلدون في النار، قال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي ﵀ في منظومته العقدية: لكن عصاة من أولي التوحيد قد يدخلونها بلا تخليد فمن مات وهو صاحب كبائر قد يدخل النار أو قد تدركه شفاعة الرسول ﵊، ولكن لو دخل النار وهو موحد فلا يخلد في النار، فالسارق والزاني وشارب الخمر ومن أحدث كبائر والقاتل، قد يدخل النار ولكن لا يخلد في النار، والدليل على ذلك ما في الصحيح من حديث أبي موسى، قال: قال سول الله ﷺ : ﴿يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيقول الله: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان -هذه رحمة أرحم الراحمين- فيخرجون من النار وقد امتحشوا واسودوا وتغيرت ألوانهم، فيغمسون في نهر الحياة، نهر عند باب الجنة فيدخلون صفر الألوان مكتوب عليهم الجهنميون، عتقاء الله من النار، وهؤلاء هم آخر من يدخل الجنة من أهل الجنة﴾ ولعلمكم أن آخر من يدخل الجنة، رجل من هؤلاء، يقول: يارب -هذا الموحد أما المشرك فلا يطمع أبداً في الدخول وهو خالد مخلد في النار: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة:٧٢] ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فالمشرك الجنة محرمة عليه أبداً، فآخرهم كما في الصحيحين برواية طويلة من حديث أبي هريرة، يخرجه الله، يقول: ﴿يا رب! أخرجني من النار، قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، قال الله: يابن آدم! إن أخرجتك من النار أتسأل غير ذلك؟ قال: لا يا رب! فيعطي ربه من الوعود والمواثيق ما الله به عليم فيخرجه، فإذا أخرجه رأى الجنة، قال: يا رب! قربني من باب الجنة، قال: ما أغدرك يابن آدم! أتسألني غير ذلك؟ قال: لا والله يا رب -الحديث في الصحيحين - فيقربه الله فيرى نعيم الجنة، قال: يا رب! أدخلني الجنة، فيضحك الله﴾ وهذا معتقد أهل السنة والجماعة أن الله يضحك ضحكاً يليق بجلاله، لا نكيفه ولا نمثله ولا نشبهه ولا نعطله، ولما قال ﷺ : ﴿يضحك ربنا، قال أعرابي بدوي عنده: لا نعدم من رب يضحك خيراً﴾ الأعراب لهم دواهي، يقول: لا نعدم من رب يضحك خيراً، وصدق أنه مادام أن الله يرحم ويضحك فنرجو رحمته ونسأله فضله ﴿فيدخله الله الجنة، فيقول: تمن، فيتمنى، فيقول: لك ذلك وعشرة أمثال من ملك أهل الدنيا﴾ لكن موضع سوط فيها خير من الدنيا وما عليها. أقلهم ملكاً من الدنيا ملك وعشرة أمثالها من دون شك لكنما موطن سوط فيها خير من الدنيا وما عليها

стр. 8732

بعض مكفرات الذنوب والخطايا فمعتقدنا أن الموحدين قد يدخلون النار، لكنهم يخرجون برحمة أرحم الراحمين، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مكفرات الذنوب والخطايا عشرة، من فاتته ولم يدرك ولا واحدة، فليبكِ على نفسه ولا يلومن إلا نفسه، وقد شرد على الله شرود الجمل الشارد على أهله، وقد ذكرها في المجلد العاشر والحادي عشر من مجموع الفتاوى. أولها: المصائب المكفرة. ثانيها: الحسنات الماحية. ثالثها: دعوات المؤمنين له. رابعها: ما يجد في سكرات الموت. خامسها: شفاعة المسلمين في صلاة الجنازة له. سادسها: ما يلقى في القبر. سابعها: هول العرصات، والهول يوم العرض الأكبر. ثامنها: شفاعة الرسول ﵊. تاسعها: شفاعة الولي، أو شفاعة الصالح من أقاربه. عاشرها: رحمة أرحم الراحمين. فإذا فاتته فليبكِ على نفسه. وأما بعث النار، فإذا جمع الله الأولين والآخرين كما في الصحيحين، قال الله: ﴿يا آدم! أخرج بعث النار قال: يا رب! من كم؟ -أي: من أمته- قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون﴾ فذلك يوم يشيب الولدان ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]. نور الدين محمود زنكي، السلطان الكردي الأيوبي الذي فتح الله به البلاد، وجمع الله به كلمة العباد، كان من أولياء الله الكبار، كان يصلي في الليل، وهو عم صلاح الدين الأيوبي، يقول الحارس إذا أتى نصف الليل أيقظني للصلاة، فأيقظ أطفاله وزوجاته، وجواريه وجنوده، فقاموا يصلون حتى الصباح، استعرض جيشه وهو أكثر من مائة ألف في دمشق، فيه العساكر والدساكر والجنود المجندة، والبنود والأعلام، وكان يعدها لفتح بيت المقدس لكن مات قبل ذلك، فلما كان في يوم المهرجان دخل عليه عالم من العلماء فقال له في قصيدة للسلطان: مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور إن قيل نور الدين جاء مُسلِّماً فحذار أن تأتي وما لك نور حرمت كاسات المدام تعففاً وعليك كاسات الحرام تدور فغشي على السلطان حتى رش بالماء. ففي ذاك اليوم، يقول آدم: كم يا رب؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، ﴿فذهل الصحابة وقامت شعور رءوسهم، وقالوا: يا رسول الله! كيف العمل؟ قال: أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، ثم قال ﵊ ألا ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قالوا: الله أكبر، قال: أما ترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة؟ قالوا: الله أكبر، قال: فأبشروا فإنكم في الأمم التي قبلكم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض﴾ نسأل الله من رحمته. أما أعمالنا فو الله نحن نعرف أنفسنا، لا أعمال، وهي مدخولة ومشكوكة، وهي عرجاء، ولكن نحن نضع أنفسنا تحت رحمة أرحم الراحمين، أن يتغمدنا برحمته، فلن يدخل أحد الجنة بعمله، ولكن برحمة أرحم الراحمين!

стр. 8733

أهل الكبائر تحت المشيئة ومن معتقد أهل السنة أن أهل الكبائر قد يدخلون النار، وإذا تابوا تاب الله عليهم، وقد يشفع فيهم الرسول ﵊، لكن قد يدخل شارب الخمر النار، قال أهل العلم: يقاس على شارب الخمر في الكبائر متعاطي المخدرات، والحشيشة وما في حكمها، بل قال ابن تيمية: الحشيشة أضر وأعظم، ووجد من الأنواع هذه الفتاكة أنها أعظم ضرراً من الخمر؛ لأنها قد تسبب هيجاناً وجنوناً وصرعاً وانقطاع نسل وقتلاً وتأبيداً في شرود العقل، فهي أشد وأنكى من الخمر. وقد قال ﵊ والحديث عند أحمد بسند حسن: ﴿من شرب الخمر لم يرض الله عنه أربعين ليلة﴾ شربها مرة يبقى الله غضباناً عليه أربعين ليلة، ويقاس به متعاطي -ولو حبة- المخدرات: ﴿فإن عاد كان على الله حقاً أن يسقيه من طينة الخبال، قالوا: وما طينة الخبال يارسول الله؟ قال: صديد أهل النار﴾ وفي ألفاظ: ﴿عصارة أهل النار﴾ قيح أهل النار، ودمهم وصديدهم، فهذا شارب الخمر. والزناة ولو كانوا موحدين قد يدخلون النار ولهم أفران إذا لم يتوبوا وهي قدور هائلة محماة تضطرم بأهلها، يجمع الله الزناة من الرجال والنساء فيها، فتتمصخ جلودهم. والسارق له حظه، والقاتل له حظه، وقد يدخل أهل العصاة بمعاص أقل كما قال ﵊ في الحديث الصحيح لما قال لـ معاذ: ﴿ألا أدلك على ملاك ذلك كله، قال: بلى يا رسول الله! قال: كف عليك هذا، وأشار إلى لسانه، قال: وإنا لمآخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟! قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على مناخرهم -أو قال: على أنوفهم- إلا حصائد ألسنتهم﴾. رب كلمة يقولها الإنسان لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً، أو نظرة أو همزة أو إشارة معها استخفاف بمحارم الله وتعد على حدود الله، فنسأل الله أن يتوب علينا وعليكم. سبحان من يعفو ونهفو دائماً ولا يزال مهما هفا العبد عفا يعطي الذي يخطي ولا يمنعه جلاله عن العطا لذي الخطا ومر معنا أن النار دركات، وأن الجنة درجات، وأن من الناس من يدخل دركات النار بحسب أعمالهم، والجنة درجات كما في الدرس السابق.

стр. 8734

أول من تسعر بهم النار أما المسألة الثامنة عشرة: أول من تسعر بهم النار ثلاثة، نعوذ بالله من أعمالهم: عالم ومجاهد وكريم: يؤتى بعالم فيقول الله: أما علمتك العلم؟ قال: بلى يا رب! فيقول: ماذا فعلت، والله أعلم؟ قال: علمت الجاهل وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: إنما تعلمت ليقال عالم، خذوه إلى النار، فيسحبونه على وجهه حتى يلقى في النار، ويفعل بالمجاهد المرائي والكريم المرائي كذلك، ولما سمع معاوية الحديث بكى حتى مرّغ وجهه في التراب، وقال صدق الله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]. أما تفسير قوله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٧١] فقد مر والصحيح عند أهل العلم أن جميع الناس يمرون على النار، من على الصراط، وهو الورود، ثم ينجي الله المتقين من على الصراط، ويذر الظالمين ومن استحق العذاب فيها جثياً، نسأل الله السلامة.

стр. 8735

الحروز من النار أيها المسلمون! هذا الدرس بعنوان: صحيح الأخبار في وصف النار، وهو مجمل لما ورد من صحيح الأخبار، أما الضعيفة أو الواهية فتجنبتها، وهناك أخبار تشيب لها الرءوس، لكننا نخبركم بحروز عن النار، إذا فعلتموها أحرزتم أنفسكم، علّ الله أن يتولانا وإياكم:

стр. 8736

التوبة النصوح أولها وأعظمها: التوبة النصوح، أن نمسي وإياكم تائبين ونصبح تائبين: ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]. وباب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها، ولا يزال كل يوم كلما برق بارق، وكلما سطع نجم وأضاء، ونزل قطر من السماء، وكلما لمع ضياء، وترقرق الماء، فلله تائب من الأولياء يعود. هذا اليوم أتت رسالة من رجل اسمه المطبقاني من المدينة، أعلن توبته، ويريد أن تُقص توبته ولا يخبر باسمه، وأموره عجيبة فقد كان من الأثرياء التجار الكبار -أنا لا أذكر اسمه لكن أسرته معروفة- وقد سافر إلى أوروبا فأنفق مليوناً في عطلة من العطل في الفجور والإجرام والخسارة، وفي الأخير عاد وصلَّى صلاة التراويح في مسجد الرسول ﵊ المسجد النبوي وسمع المقرئ وهو يقرأ: ﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتْ الأَرْضُ رَجّاً﴾ [الواقعة:١ - ٤] فَرُج قلبه وبعد الصلاة أتي عليه وهو مغمى، وحمل وأعلن توبته. وقد وعدني أحد الإخوة بقصص كثيرة سوف نسمع إليها ونعرض لها في دروس ممن تاب وأناب، فحلنا من الورطة وخروجنا من هذه المدلهمة والنار التوبة النصوح. ﴿إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها﴾.

стр. 8737

المحافظة على الفرائض الأمر الثاني: المحافظة على الفرائض بخشوع وخضوع ووضوء، بتفكر وتدبر، جماعة، فأعظم ما ينجيك من المعاصي الصلوات الخمس جماعة، وأعظم ما يردك عن المخالفات الصلوات الخمس جماعة، وأعظم ما يجعلك مؤمناً حاراً حياً الصلوات الخمس جماعة: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥]. ابن تيمية يسأله رجل يقول: أصبت بسهم مسموم -يعني: عشق- وبعض العشق يقتل، وبعضه يخرج الإيمان والقرآن وحب الله من القلب، وبعض العشق يترك الإنسان كالدابة بهيمة- قال: ماذا أفعل؟ قال: عليك بالصلوات الخمس جماعة، وأكثر من الدعاء أدبار الصلوات، وفي السجود، وفي آخر الليل.

стр. 8738

ذكر الله دائماً ومنها: ذكر الله دائماً وأبداً، فلا ينجي من عذاب الله كذكر الله، ومنها -أيها الأحباب- قرآن الله وكتابه وكلامه، بالقراءة بتدبر وتلاوة وحرارة، وبحفظ ما يستطاع من القرآن. ومنها الانتهاء عن المعاصي. اتقِ الله الذي واستمع قولاً به ضرب المثل اعتزل ذكر الأغاني والغزل وقل الفصل وجانب من هزل كم أطعت النفس إذ أغويتها وعلى فعل الخنا ربيتها إن أهنا عيشة قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حل كيف يستفيق قلب ينام على الأغنية ويستيقظ عليها، قرآنه المجلة الخليعة، والفيديو المهدم، والمسلسل المخرب؟! كيف يستفيق ميت؟ فلذلك لا يرى النور. فأوصي نفسي وإخواني أن يستجيبوا لله وللرسول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤] ما هي الاستجابة؟ هي أن تدخل الإيمان قلبك وإلا سوف تكون ميتاً: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] ظلمات الشهوة والمعصية، الانتهاء عن المعاصي، الغناء الماجن، وتسمعون كثيراً من التركيز عن الغناء؛ لأن ابن تيمية قال: هوبريد الزنا، وقال بعض أهل العلم: هو الذي يحبب النفاق ويزرعه ويغرسه، وقال غيرهم: ما أدمن عبد على سماعه إلا وقع في الفاحشة الكبرى، ومنها: إطلاق النظر في المحرمات، ومنها: سفور المرأة، وتبرجها وذهابها مع السائق بلا محرم، ومرورها على الخياطين والمغرضين والباعة بلا محرم، كل ذلك سبب للفساد والجريمة التي وقعت وتقع، إذا لم يتب التائبون ويعود المعرضون إلى الواحد الأحد، فهذه مسائل تنجي صاحبها من النار.

стр. 8739

المحافظة على صلاة الفجر ومن أعظم ما أقول لكم: صلاة الفجر جماعة، قال ﵊: ﴿من صلَّى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فالله الله لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من طلبه أدركه ومن أدركه كبه على وجهه في النار﴾ والحديث عند مسلم، وقال بعض العلماء: المعهود أن من صلَّى الفجر في جماعة لا يصاب بكبيرة ذاك اليوم، ولذلك لا تجد مصلياً صلى الفجر في جماعة يتناول المخدرات أو يزني أو يسرق أو يقتل، لهذا بإذن الله يحفظه الله ويسدده لأن حرزه صلاة الفجر.

стр. 8740

التهليل وفضله ومن الحروز أيضاً: تهليل مائة تهليلة، بصيغة: ﴿لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، من قالها في يوم مائة مرة غفرت له مائة سيئة وكتبت له مائة حسنة، وكانت له عدل عشر رقاب -كأنما أعتقها- وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأتِ أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل بعمله أو زاد عليه﴾ رواه البخاري عن أبي هريرة. وهذه حروز ومن شاء فليعتبر، ولعل الله أن يجعل لنا ولكم سبيلاً إلى رضوانه، وباباً إلى رحمته، نسأله أن يجنبنا وإياكم النار والعار والشنار والدمار. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٢ - ١٩٣] ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ [الفرقان:٦٥ - ٦٦] ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥].

стр. 8741

الأسئلة

стр. 8742

من عقائد أهل السنة: الإيمان بوجود النار الآن السؤال هل النار موجودة الآن؟ وما معتقد أهل السنة والجماعة في ذلك؟ الجواب معتقد أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار موجودتان الآن، ومخلوقتان وأنهما لا تفنيان، قال الشيخ حافظ الحكمي والنار والجنة حقاً وهما موجودتان لا فناء لهما أي: موجودتان الآن ومخلوقتان، فالصحيح أن النار مخلوقة، وخالف في ذلك الفلاسفة أذناب الصابئة وفروخ المعرضين والملحدين الزنادقة، فقالوا: تخلق يوم القيامة وأنكروا خلقها، فقالوا: تخلق على صورة تعذيب تمثيل، فعليهم لعنة الله، بل هي مخلوقة اليوم وموجودة، ولا تخلق فيما يأتي بل هي الآن موجودة. هذا معتقد أهل السنة والجماعة، والنار لا تفنى ولو نقل هذا عن بعض أهل العلم فهي مقولة، إما لا تثبت عنه وإما أنه واهم، والصحيح أن من في الجنة خالدون فيها أبداً، ومن في النار خالدون فيها أبداً.

стр. 8743

الجن وأحكامهم في الآخرة السؤال هل يدخل الجن النار؟ الجواب سبق في الدرس الماضي أنه عرض سؤال هل يدخل الجن الجنة؟ قال ابن تيمية يجيب على هذا السؤال ليس في الكتاب والسنة تصريح أن الجن يدخلون الجنة، لكن ورد في سورة الرحمن ما يشير إلى أنهم سوف يدخلون لقوله عن الحور العين: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦] فدل على أن الجن يدخلون. أما دخول الجن النار فقد ورد صريحاً، قال سبحانه: ويقول الجن عن أنفسهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن:١٤ - ١٥] فعصاتهم يدخلون النار، فهذه من المسائل.

стр. 8744

حكم سفك الدم في البلد الحرام السؤال طالعتنا جريدة المدينة اليوم بفتاوى بعض العلماء المخالفين، يستنكرون فيها عمل الطغمة الفاسدة في بيت الله الحرام، في الحج العام الماضي، نرجو التوضيح؟ وهل علينا واجب نحو ذلك؟ وماهو موقفنا من هذه الطغمة؟ الجواب أولاً: أيها الأخ: قتل هؤلاء المجرمين عدالة، وسوف يكون هناك محاضرة يوم الأربعاء -إن شاء الله- في الرياض بعنوان: قتل المجرمين عدالة، وسوف يؤتى بالنصوص من الكتاب والسنة، ومواقف أهل العلم والنقولات من بعض المشايخ عن هذه المسألة وسوف تصلكم الأشرطة، وموقفنا أن نقول: إن قتلهم من العدالة، وهؤلاء زنادقة، وارتكبوا أعظم جرائم في الدنيا، فإنهم لم يسرقوا ويزنوا، بل فعلوا أعظم من السرقة، والزنا، ماذا فعلوا؟ سفكوا الدم الحرام في الشهر الحرام في البلد الحرام. وهؤلاء في قتلهم دروس: أولها: أن إقامة شرع الله في الأرض سلام وأمان للبلاد والعباد وأنها سعادة، وأن من لم يقم شرع الله فسوف يقع في مدلهمات وتمزق وويلات، وفي انحراف وإرهاب وفي قتل وإعدامات، كما فعلت الشعوب من حولنا، لمَّا لم يطبقوا شرع الله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]. يقتل القاتل عندهم ثم يتركونه سبع سنوات، ثم يخرج اليوم الثاني، يزني الزاني ويفجر الفاجر، ويرهب الراهب، ويأتون بمدلهمات ويقتلون قتلاً ذريعاً، وفي الأخير تطلمس الفتاوى وتخرج وتميع القضايا فيخرجون من الباب الثاني للسجن، فيقعون في خوف عظيم. أين الرواية أم أين الدراية كم صاغوه من زخرف فيها ومن كذب بهارج وأحاديث منمقة ليست بنبع إذا عدت ولا غرب فالنصر في شهب الأرماح لامعة بين الخميسين لا في السبعة الشهب وفيها الدرس الثاني: أن الله يحمي المقدسات ومهما حاول مختف أن يختفي، فإن الله سوف يفضحه على رءوس الأشهاد. والثالث: أن هذه البلاد قامت على الكتاب والسيف: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١] كتاب وسنة وسيف ينصر، ودرس للزنادقة من أهل الحداثة، أن سيفاً قطف تلك الرءوس لجدير أن يمر على رءوسهم مرة ثانية ليقطفها؛ لأنهم يعادون الإسلام والكتاب والسنة، والمقدسات وولاة الأمر، فجدير على سيف أخذ دماء أولئك أو قطف رءوسهم يوم الخميس أن يقطف رءوسهم يوم الجمعة، أليس الصبح بقريب! كذا مضت الأيام في الناس عبرة مصائب قوم عند قوم فوائد

стр. 8745

حكم السكنى في بلد اسمه: الزقوم ونحوه السؤال أنا شاب أسكن في قرية، واسم هذه القرية: الزقوم، فهل أنتقل من هذه القرية أو عليَّ خوف؟ الجواب لا عليك، باسم الله عليك، تبقى في القرية وأعيذك بكلمات الله التامات من شر ما خلق، نسأل الله أن يحميك من بين يديك ومن خلفك، وعن يمينك وعن شمالك، وما عليك -إن شاء الله- خوف، وأن تبقى في القرية، وتسكن فيها، وما عليك خوف منها، لكن إذا أردت أن تدخل فقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. يقولون: في قرية اسمها: جهنم، حتى يقول صاحبها وهو بدوي أعرابي شاعر سكن في هجرة من الهجر، قال: قال يا ديرتي جعلش من العام تسعين عام ولا حل الحياة وسط جنات جعلش جهنم من جهنم تصيرين حشائش تأكلني أدناش وأولاش هذا أنا ما أنطق الكاف؛ لأن الكاف ينطق عندهم بلهجة ثانية.

стр. 8746

قصيدة اللحية والتعليق عليها السؤال أحد الإخوة طلب مني قصيدة اللحية؟ الجواب أنا كررتها كثيراً لكن أوردها: كرر العلم يا كريم المحلى وتدبره فالمكرر أحلى وهذا شاعر حربي بطل، وهو داعية من الدعاة، وهو شاعر بالعربي وبالنبطي، وقد دخل على مجموعة فرآهم حالقين لحاهم، وهو من قبيلة الحروب، والحروب حرب على أعداء الله، فيقول في الحالقين: ياربعنا ياللي حلقتم لحاكم ويش ترمونها في القمامة ذي سنة ما سنها مصطفاكم علامة ياشينها من علامة ترى اللحى زيناتكم هي حلالكم لها مع الخير وقار وشهامة وترى اللحى يوصي بها مصطفاكم صفوة قريش اللي رفيع مقامه شابهتم الكفار شغلة عداكم ومن شابه الكافر عليه الملامة عفواً لعل الله يغفر خطاكم وتفوزوا يوم اللقاء في القيامة هذه وصيتي كان ربي هداكم أقولها يالربع ومع السلامة هذا من أحسن ما قيل في هذه القصيدة، فلا ضرر عليك بتسمية القرية حفظك الله، لكن إذا حصل أن اجتمع أهل القرية والمسئول والإمام ومشائخها وحولوا الاسم فيجوز لهم ذلك، ولا يسجدوا سجدتي السهو، لا عند المالكية ولا الحنابلة ولا الشافعية ولا حتى الأحناف، بل يغيرون اسمها والحمد لله.

стр. 8747

حديث (ليس منا من استنجى من ريح) السؤال ما صحة الحديث ﴿ليس منا من استنجى من ريح﴾؟ الجواب الحديث سنده غير صحيح ومعناه صحيح، فلا يستنجى من الريح، وإنما يستنجي أهل البدع، والريح لا يستنجى منه، إنما يستنجى من الغائط والبول، لكن الحديث لا يصح سنداً.

стр. 8748

حكم الاستهزاء بعذاب القبر والنار السؤال بعض الناس إذا ذكرتهم باليوم الآخر، والنار والجنة وعذاب القبر، استهزءوا وتجاهلوا ويأتون بفكاهات على أهل النار؟ الجواب هؤلاء إذا فعلوا ذلك ولم يعلنوا توبتهم إلى الله، فهؤلاء زنادقة منافقون كفرة والعياذ بالله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] ومن ثبت عنه أنه استهزأ بالجنة أو بالنار أو بالرسول ﷺ أو بالقرآن، فيشهد عليه ويرفع أمره إلى السلطان أو القاضي، ليرى حكم الله فيه ويقطف رأسه، فهو حلال الدم ويتقرب بدمه إلى الله. وأنا قد ذكرت لكم أن بعض الفجرة من أهل الحداثة، في بلد من البلدان يقولون: كان يدرس في الكلية فيخرج في الفسحة، فيجمع معه فروخ الماسونية، وأذناب استالين ولينين، ويجلس معهم يشربون الببسي في الفسحة، فيقولون: حدثنا بالحديث النبوي، قال: حدثتني عمتي قالت: حدثتها جدتها، أن خالتها قالت: قال أبو هريرة، قال الرسول ﷺ للصحابة: أتدرون ما الببسي؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: سبحان الله ما تدرون ما الببسي! قوموا عني، فيضحكون، فهذا قد أُفتي فيه أنه زنديق مارد ملحد. ولذلك قصائدهم التي تنشر الرموز هم يريدون فيها الاستهزاء، حتى يقول أحدهم: إن ابن أبي هاشم -يعني: الرسول ﷺ نشر رداءه، وقد سبق أن عُرفوا -لعنهم الله لعنة تحيط بهم إن لم يتوبوا- وأنا أركز عليهم دائماً، وذلك مما رأينا من إصرارهم والمحاربة للكتاب والسنة في بلد قام على الكتاب والسنة، بلد المقدسات والحرمين، ثم يأتون من أبنائنا ممن يستنشقون هواءنا، ويشربون ماءنا، فيأتون بهذا الكلام الإلحادي، فحسبنا الله عليهم ونعم الوكيل! فيا أيها الأخ! عليك أن تدعوهم بالتي هي أحسن، وإن كانوا سوف يستهزئون ويستمرون فلا تكلمهم ولا تجلس معهم: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨] فتقطع المجلس وتظهر الغضب، ولا تجاريهم في كلامهم.

стр. 8749

حكم المنافق في الآخرة السؤال أنا شخص أخشى على نفسي النفاق، فهل المنافقون مخلدون في النار؟ الجواب نعم. المنافق مخلد في النار، والنفاق قسمان: نفاق عملي ونفاق اعتقادي. النفاق الاعتقادي: كأن ينكر اليوم الآخر، أو يكذب الرسول ﷺ في الباطن. النفاق العملي مثل: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان، والنفاق العملي: لا يخرج من الملة، لكنه نقص في الإيمان وذم. والنفاق الاعتقادي مخرج من الملة، وصاحبه كافر، وخوفك من النفاق علامة إيمانك وخيرك وإخلاصك، فلا يخاف النفاق إلا مؤمن، ولا يأمن النفاق إلا منافق، هذا كلام الحسن البصري معلقاً في البخاري.

стр. 8750

حكم توبة من أصاب حداً ولم يرفعه إلى القاضي السؤال رجل ارتكب حداً من الحدود، لكن لم يذهب إلى القاضي ليقيم عليه الحد، فتاب بينه وبين نفسه هل تقبل توبته؟ الجواب نعم تقبل توبته، وقد أصاب كل الإصابة، وعند الحاكم من حديث ابن عباس، وأورده ابن حجر في بلوغ المرام: ﴿من ابتلي بشيء من هذه القاذورات، فليستتر بستر الله، فإنه من يبدي لنا صفحته نقم فيه حد الله﴾ فالصحيح من ابتلي بحد، فعليه أن يستتر ويتوب بينه وبين الله، ولا يذهب إلى القاضي أو المسئول ليخبره بما أصاب، وقد تقول: إن ماعزاً والغامدية والجهنية ذهبوا إلى الرسول ﵊، أقول: حدث هذا، وقد رجموا وقتلوا وكان جزاؤهم أنهم في الجنة، حتى قال ﵊ في الغامدية: ﴿إني لأراها تنغمس في أنهار الجنة﴾ وقال: ﴿لقد تابت توبة لو وزعت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم﴾ فحصل هذا. أما المسلم لو أتى كبيرة فعليه أن يتوب ولا يذهب إلى الحاكم، وإنما يتوب بينه وبين الله، والله يتوب على من تاب.

стр. 8751

كيفية طلب العلم السؤال يقول: أريد أن أطلب العلم فكيف أطلب العلم؟ الجواب هذا كلام طويل، وسوف يخرج كتيب بعد أسبوعين أو ثلاثة اسمه: كيف تطلب العلم، يخبرك هذا الكتاب بطريقة طلب العلم حفظاً ومطالعة وقراءة ومذاكرة ومناقشة فانتظره قريباً، وسوف يأتي إن شاء الله.

стр. 8752

كيف يكون التخفيف في الصلاة السؤال يقول ﷺ : ﴿إذا أمَّ أحدكم الناس فليخفف﴾ كيف يكون التخفيف؟ وكيف يكون الإمام فقيهاً في الإمامة؟ الجواب التخفيف هو شبه صلاته ﵊، لا يذهب روعتها وروحها، ولا خشوعها وخضوعها، كأن ينقرها نقراً، بعض الناس إذا صليت معهم كأنك في تمارين رياضية، حتى ما تنتهي الصلاة وقد انقطع قلبك، فما تقول: سبحان ربي الأعلى وإذا هو قد وقف، سبحان ربي العظيم إلا وقد وقام، وهذه ليست بصلاة، وبعضهم إذا صلى أطال حتى يتوب الناس من الصلاة خلفه، فتجد بعض المهتدين يأتي الفريضة فيبقى يطيل ويطيل فيها حتى يذهب الخشوع والخضوع. أحد الناس العوام أخبرني أنه سافر مرة إلى الرياض فمرَّ بطريقه بمسجد، فترك أهله -امرأته وأخواته وبناته- في السيارة في الشمس ودخل مع إمام مشهور بالإطالة، حتى إن هذا الإمام صلَّى معه رجل آخر من المنطقة الجنوبية، قال عنه: يجلس في السجود حتى تنسى أين أنت، هل أنت في المملكة أو في مدغشقر، أي: في السجود دماغك ينقلب، حتى لا تتذكر هل أنت ساجد أو نائم، فلما سلم -هذا الرجل الثاني- قام وقال: يا شيخ! مبروك، قال: على ماذا؟ قال: والله الفريضة الواحدة معك مثل حجة كاملة كاملة. فالرجل الأول ترك أطفاله في السيارة في الشمس، قال: فدخلت معه في أول ركعة في الصف الأول، وأتت الصفوف وراءنا، قال: فقرأت الفاتحة وما أحفظ من سور -كل ما يحفظ من سور قرأها- قال: ثم قرأت التحيات، ثم صليت على النبي ﷺ ، ثم استغفرت ثم سبحت، ثم دعوت الله، قال: في الأخير كنت أنظر في المحراب هل الإمام موجود، -أي: خاف لو يكون راح يتغدى أو ينام- قال: فلما رأيته أطال قلت: هذه الركعة الأولى فكيف بالركعة الثانية والثالثة والرابعة، وأهله حموا في السيارة، فقطع الصفوف، قال: وصليت أربع ركعات وهو لا يزال في الأولى. ولذلك هذا الإمام نحي عن الإمامة. فالصحيح أن تصلي صلاة الرسول ﷺ التي علمها لـ معاذ في صلاة العشاء، حيث كان يصلي بهم بعد الفاتحة، بمثل: سبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والضحى والليل إذا سجى، وأمثالها وأشباهها، فلا هذا ولا هذا، والإنسان عليه أن يكون فقيهاً، ويعرف أحوال الناس، لأن بعض الناس يقول: ما علي منهم والله لا أجامل أحداً، ولا أريد إلا الله، وهذا جيد لكن والجماعة التي وراءك، شيخ كبير: طفل صغير، مريض، وذو حاجة، هل تحبس الناس؟ لا. وكذلك لا تذهب خشوع الصلاة، فكن فقيهاً واقرأ هديه ﷺ في الصلاة، كما في زاد المعاد، لـ ابن القيم. وفي ختام هذا الدرس: نسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية، وأستبيحكم عذراً على من لم أجب على سؤاله؛ لضيق الوقت، ولها -إن شاء الله- مواقف أخرى، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 8753

معركة بين التوحيد والإلحاد إن توحيد الله وإفراده بالعبودية والبراءة من الكفر هي أهم ركيزة في دين الإسلام، وهي دعوة الرسل أجمعين، وهي تمثل صراعاً ومعركة منذ أن خلق الله البسيطة وما عليها، صراعاً بين الحق والباطل، بين الخير والشر، وهذا الصراع سنة من سنن الله الكونية، فما هي أسباب هذا الصراع؟ وما هي فوائده؟ والصراع موجود حتى في الأدب والمقالات والكلمات، وللإلحاد مدارس خاصة مثل مدرسة التلمساني وأبي العلاء المعري، وليس لنا سعادة إلا بالرجوع إلى التوحيد والالتزام بدين الله لنحيا حياة هادئة مطمئنة بعيدة عن ضنك العيش؟ لكن ما هو الواجب المتحتم علينا في هذا الصراع؟

стр. 8754

الصراع بين الحق والباطل إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. رفيقي من بعد اللظى والأسى قفا ولا تريا جنح الظلام الملازم فهيا فهذا معبق الشيخ عائض وحسب الحجى إن قلت معبق عالم ألم تريا الأزمان كيف ظلمننا فما مقسط فيها بواهي الدعائم أعائض للخلان فيك منازل لدينا ولكن يوم عمرو وحاتم إذا ارتاد بيت الله في حي صفونا سعادتنا فيمن بباب الحوائم ألست ترى هذي الوجوه برفعة فليس لها الكفر العنيد بهادم أعائض بات السعد حوزة عالم وما كان لولا أنت ضربة جاثم فيا رب فاحفظ شيخنا من بعلمه مدينتنا تزهو لفضل الغنائم هذه مقدمة كتبها أحد إخوانكم في حي السعادة، مرحباً بأخينا الحبيب وشيخنا الفاضل: الشيخ عائض بن عبد الله القرني الذي سوف يتحفنا هذه الليلة بما وهبه ربه جل وعلا، ونسأل الله أن يجعل هذه المحاضرة في ميزان حسناته يوم القيامة، وألا يحرمكم الأجر الذي حدى بكم إلى الحضور إلى هذه المجالس الطيبة العطرة، وأسأل الله جل وعلا أن يكون هذا العلم الذي أعطيه الشيخ عائض حجة له يوم القيامة لا حجة عليه، وأسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم ويجعلنا وإياكم ممن يستمع فيتبع أحسن الكلام وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، عنوان المحاضرة: معركة بين التوحيد والإلحاد. الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذّكر أو أراد شكوراً، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، لـ جدة حشد من شباب محمد لها من بني الإسلام كل موحد أضاءت لياليها بنور أحبة وكبرت الدنيا على كل مفسد أنا من رسول الله أروي قصائدي فأتحف ربوع القلب يا خير منشد بعثت له دمعي وأهديته دمي وأسلمت للرحمن وجهي ومقصدي عندي تحيتان: الأولى: خاصة لفضيلة الشيخ عبد العزيز الحمدان أثابه الله وبارك الله في جهوده ودعوته، وقد لبيت دعوته ولسان حالي يقول: أتاني رسولك مستعجلاً فلباه شعري الذي أذخر ولو كان يوم وغىً قاتماً للباه سيفي والأشقر أصرف نفسي كما اشتهي وأملكها والقنا أحمر وتحية عامة لكم يا أهل الصحوة في مدينة جدة، يا حملة لا إله إلا الله، يا من رفعوا لافتة: (إياك نعبد وإياك نستعين). هذه ليلة لا تغيب نجومها لأنكم حضرتم هنا، تعلنون بحضوركم أن البقاء للتوحيد وللإسلام، وأن الانتصار للا إله إلا الله، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩]. نعم. عنوان المحاضرة: (معركة بين التوحيد والإلحاد) وهي معركة قديمة منذ وجد آدم وإبليس، ومروراً بموسى وفرعون، وإبراهيم والنمرود، ومحمد ﷺ وأبي جهل، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. معركة بين (لا إله إلا الله) و (لا إله والحياة مادة) بين المسجد والخمارة، بين المصحف المرتل والمجلة الخليعة، بين التلاوة الحسنه والأغنية الماجنة، بين تجمع المساجد وبين الشاطئ البعيد، بين المرأة الملتزمة المتحجبة وبين المرآة العلمانية السافرة، بين الكاتب المبدع المؤمن والكاتب الزنديق الملحد، وبين الصحفي الذي يرجو الله ويخاف الله ويأمل لقاء الله وبين الصحفي المتهتك الذي ينشر الجنس والفحش والتمرد على آيات الله، بين العالم المؤمن والعالم المجرم.

стр. 8755

النور من الله أنا أروي في هذه الليلة صراعاً بين التوحيد والإلحاد، يبدأ هذا الصراع بوسط التاريخ، ولا أعتني أن أبدأ من أول التاريخ، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق، يقول سبحانه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦] يقف فرعون واعظاً في الجماهير، هذا المجرم السفاك الذي أدخل المجلة الخليعة، والأغنية الماجنة، شارب الخمر، صاحب الليلة الحمراء، يقول لموسى الصحوة، موسى الإيمان، موسى الإمام، موسى النور. أين ما يدعى ظلام يا رفيق الليل أينا إن نور الله في قلبي وهذا ما أراه قد مشينا في ضياء الوحي حباً واهتدينا ورسول الله قاد الركب تحذوه خطاه قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] من يعطيه النور؟ الشاطئ!! الأغنية!! الكأس!! المجلة الخليعة!! الفيديو المهدم!! ريفر سايد!! لوس أنجلوس!! باريس!! بانكوك؟!! لا. لا يعطيه النور إلا من أنزل النور، القائل: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥٧] ويقول سبحانه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام:١٢٢] كثير من الناس أموات، يأكلون ويشربون ويغنون ويرقصون، ويسمرون ويسهرون، ولكنهم أموات غير أحياء، لم يروا النور ولا عرفوا الرسالة، ولا سجدوا لله، فهم في عالم الأموات، قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤]. يسمع الأغنية لكن لا يسمع الله أكبر، ويسمع الكلمة الماجنة ولا يسمع حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] وقال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ [غافر:٢٦]. قال سيد قطب: يظهر أن الرأي العام يضغط على فرعون، فيريد فرعون أن يستأذن الرأي العام في أن يذبح موسى.
следующие страницы →