Полный текст (10 391 стр.). Показаны 8786–8825 · переход к 8791.
стр. 8786
واجب الشباب في تغيير المنكر والأمر بالمعروف
السؤال
لماذا لا ينزل الشباب إلى الأسواق والشواطئ، للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن هذا يجتمع فيه الصغير والكبير ويحدث فيه من المفاسد ما الله به عليم؟
الجواب
أنا قلت هذا وأنبه إليه وأطلب من الشباب أن ينزلوا لكن بالكلمة وبالقول، لا بمد اليد والإزعاج، يأمرون وينهون، بل وجود كثرة من الشباب الأتقياء الأخيار بشكلهم ومظهرهم الإسلامي؛ ينهي ويحرج أهل الفواحش وأهل المعاصي، وكم رأينا من أناس يشرب أحدهم الدخان ويشيش ويختلط بالأجنبيات فإذا رأى الشباب ارتدع وخاف، وصاحب المعصية ذليل، كما يقول الحسن البصري: والله إن ذل المعصية في قلوبهم ولو طقطقت بهم البراذين.
فمهما كان صاحب المعصية فهو ذليل ينهار سريعاً.
стр. 8787
طلب الدعاء بالغيث
نسأل الله أن يسقينا وإياكم غيث القلوب وغيث الأرض فإن الله قرن بينهما، يقول : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦].
وغيث الأرض: المطر ونحن بحاجة إليه، فأما غيث الأرواح والقلوب فقد أتى به ﵊، يقول في الصحيحين: ﴿مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً﴾ فهذا الغيث ننتظره وقد سمعناه، وننتظر من الله أن يغيثنا، وعسى ألا تكون معاصينا وتخلفنا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتقاعسنا وسكوتنا ألا تكون هذه من النكبات التي جربناها في القحط.
أيها الإخوة: أنا أذكر أننا استسقينا ما يقارب أربع مرات أو خمس مرات وما نزلت قطرة، لأننا يوم خرجنا المصلى خرج منا أناس أموالهم في البنوك الربوية، وخرج أناس بيوتهم مليئة بالأشرطة الغنائية، وخرج أناس عند مخداتهم المجلات الخليعة، وخرج أناس لا يصلون في المسجد، وخرج أناس يتنكرون للسنة، وخرج أناس يغتابون وينمون ويشهدون الزور ويعصون الله ولا نبرأ أنفسنا كلنا ذاك الرجل، فدعونا ولكن سددنا باب الإجابة بالذنوب: ﴿يا رب! يا رب! يا رب! ومطعمه حرام وملبسه حرام ومشربه حرام فأنى يستجاب له!﴾ فنريد من الأخيار أن يسارعوا في إنقاذ الأمة، والنهي عن المنكرات قال تعالى: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:٦٣].
لماذا لا ينهون؟ أين المتكلم؟ أين الدعاة؟ أين الخطباء؟ أين العلماء؟ الله يلوم أولئك يقول: أين هم يتكلمون للأمة ويتكلمون للجيل وينهون عن المنكرات ويأمرون بالمعروف.
يا أيها الإخوة: إن الأمانة أمانة في أعناق الدعاة وطلبة العلم وشباب الصحوة أن يجعلوا للفساد حداً لئلا ندمر تدميراً ما بعده تدمير قال تعالى: ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾ [الطلاق:٩].
يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه
كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناه
ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه
ونركب الجو في أمن وفي دعة فما سقطنا لأن الحافظ الله
ربنا إننا سمعنا منادياً للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً، ربنا إن الناس اتجهوا إلى المناهج الأرضية واتجهنا إليك فلا تحرمنا رحمتك وعفوك ورشدك ونورك.
اللهم إن أعطيت الناس من أسباب الدنيا فاعطنا من أسباب تقواك، ومن الإيمان بك أعظم الأسباب.
اللهم إن الناس تعلقوا بحبال الدنيا ومناهج الدنيا وتعلقنا بحبلك ومنهجك فلا تسلمنا لغيرك يا رب العالمين!
نسألك توفيقاً وهداية ورشداً ونوراً وبصيرة، ونسألك أن تهدي ولاة الأمر وأن تصلحهم وأن تريهم الحق حقاً وترزقهم اتباعه، وتريهم الباطل باطلاً وترزقهم اجتنابه.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
стр. 8788
من ميراث الرسول ﵊
ابتدأ الدرس بمقدمة عن معجزات الرسول وحسن أخلاقه، ثم ذكر بعض الأوامر التي أمر بها الرسول ﷺ كالصلاة جماعة، والتوبة والاستغفار، والاستزادة من النوافل من قيام ليل وصدقة، وعقب بالتحذير من السفور والأغاني وضياع الوقت، ذاكراً وسائل حفظ الوقت والمكفرات العشر للذنوب والمعاصي، واختتم الدرس بالإجابة عن الأسئلة.
стр. 8789
مفتاح التغيير في حياة العرب
стр. 8790
ثناء وابتهال
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض، ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً.
اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول ومثلما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك.
لا إله إلا أنت، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي النار سطوتك، وفي الجنة رحمتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك، أنت رب الطيبين، وأنت سند المضطهدين، وأنت عضد المهضومين، وأنت ملجأ العابدين، لا إله إلا أنت، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.
اللهم صل وسلم على من أرسلته هدايةً ورحمةً للعالمين، بلغت به الرسالة، وأديت به الأمانة، ونصحت به الأمة، وهديت به الإنسانية، وأنرت به أفكار البشرية، وزعزعت به كيان الوثنية، صلى الله وسلم على صاحب الحوض المورود، صلى الله وسلم على صاحب الصراط الممدود، صلى الله وسلم على من كسر الله به ظهور الأكاسرة، وقصر به آمال القياصرة، الذين طغوا وبغوا حتى أرداهم ظلمهم في الحافرة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
لا إله إلا الله، كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون.
لا إله إلا الله كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
لا إله إلا الله خالق الليل والنهار.
لا إله إلا الله تسبح له الحيتان في البحار.
لا إله إلا الله تقدسه الأسماك في الأنهار.
لا إله إلا الله تفوح باسمه الأزهار.
لا إله إلا الله يحمل دعوته النبي المختار.
أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الذي أنزل هذا الغيث، أن ينزل على قلوبنا غيثاً كهذا الغيث، فإنه إذا رحم رحم، وإذا عفا عفا، وإذا منّ منّ، يقول : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦] ثم قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد:١٧].
فيا من أحييت الأرض بعد موتها، بعد أن ذبلت الأزهار، وتقطعت الأشجار، وفلت الحدائق، وماتت البساتين، أنزلت غيثاً مريعاً من السماء فأحييتها فإذا هي مزهرة، نسألك يا أحد، يا فرد يا صمد، يا من له الملك في الدنيا والآخرة، يا قيوم! من يرحمنا إذا لم ترحمنا!
ومن يغفر لنا إذا لم تغفر لنا!
ومن يسترنا إذا لم تسترنا!
اجتمعنا والله في مرضاتك، وجلسنا والله في بيتك، إن الملك من ملوك الدنيا لو طرقه الناس للبى دعواتهم، وأنت ملك الملوك.
إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار
وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقني من النار
اللهم كما جمعت بيننا في هذا المجلس فاجمع بيننا في جنة عرضها السماوات والأرض، مع النبي محمد، مع نوح وإبراهيم وموسى، مع أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠].
عباد الله! إن الرسول ﵊ يوم أراد الله أن يحيي به القلوب، أرسله فأيقظ الأرواح، كان العرب قبل الإسلام أمواتاً، كانوا يعبدون الحجر والشجر والأوثان، يزنون، يغشون، يكذبون، يقطعون الأرحام، يتلاعنون، فلما أراد الله أن يحيي قلوبهم بعث محمداً ﵊: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢]
إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها
بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها
стр. 8791
فضل لا إله إلا الله
أتى ﵊ بكلمتين من أتى بهما يوم القيامة وعمل بمقتضاهما؛ فتح الله له باب الجنة، ومن لم يأت بهما؛ فلن يفتح له باب الجنة وهو من الخاسرين، أتى بـ (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) فمن طرق بهما باب الجنة؛ فتح الله له.
يقول عمر بن الخطاب وهو في سكرات الموت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول؛ فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء﴾ فأبواب الجنة الثمانية تفتح لك أيها العبد الصالح، يابن من سجدوا لله، يابن من رفعوا لا إله إلا الله، يابن من ماتوا على علم لا إله إلا الله، فليس بغريب أن تهتدي لكن الغريب أن تضل عن سبيل الله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥].
جلس ﵊ في مسجده في المدينة، المسجد الذي خرج علماء الدنيا، وقادتها، جلس بين الصحابة، فأتاه رجل من البادية يريد الإسلام، فلما تخطى الصفوف قال: أين ابن عبد المطلب؟ يعني: رسول الله ﷺ ، فهو ابن عبد الله لكن جده عبد المطلب أشهر في العرب من أبيه، حتى يقول ﵊ وهو يقاتل الأبطال في المعركة:
﴿أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب﴾
قال: ﴿أين ابن عبد المطلب؟ قال ﵊: قد أجبتك، قال: أسألك مسألة فلا تغضب علي، قال: سل ما بدا لك، قال: من رفع السماء؟ قال: الله، قال: من بسط الأرض؟ قال: الله، قال: من نصب الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: الله، قال: أسألك بمن رفع السماء، وبسط الأرض، ونصب الجبال وجعل فيها ما فيها، آلله أرسلك؟ قال: اللهم نعم، قال: أسألك بمن رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجبال، آلله أمرك أن تأمرنا بخمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم، فأخذ يسأله حتى انتهى من أركان الإسلام، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، والله لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص، أنا ضمام بن ثعلبة، أخو بني سعد بن بكر، ثم ولى وفك عقال ناقته، وركبها، فقال ﵊: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا﴾.
هذا طريق الجنة أيها المسلمون، هذا طريق السعادة أيها الأبرار، هذا طريق النجاة أيها الأخيار:
فقل لـ بلال العزم من قلب صادق أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا
توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً به ترقَ أبواب الجنان الثمانيا
стр. 8792
من معجزات الرسول ﷺ
وقف ﵊ يوم الجمعة على المنبر في مسجده في عز الصيف، وفي شدة الحرارة، يقول أنس: والله ما في السماء من سحابة ولا غيم ولا قزعة، وبينما هو يخطب ﵊، بين يديه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، والشهداء والأخيار، وهو في أثناء الخطبة دخل أعرابي من البادية، من الباب الغربي للمسجد، فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يغيثنا؛ فقد تقطعت السبل وجاع العيال وضاع المال، فوالله ماتلعثم ﵊ الصلاة، ولا توقف ولا فكر، وإنما رفع يديه في أثناء الخطبة، ثم قال: ﴿اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا﴾ قال أنس ﵁ وأرضاه: والله الذي لا إله إلا هو، ما في السماء سحاب ولا غيم، ولقد أزبدت السماء وأرعدت في لحظات، ثم أمطرت والله ما نزل عن منبره إلا والمطر يتحدر على وجهه الشريف، وهو يتبسم من هذه النعمة ويقول: ﴿أشهد أني رسول الله﴾.
ونحن نشهد أنك رسول الله، ونشهد أنك بلغت الرسالة، ونحن نشهد أنك أديت الأمانة، وأنك دللتنا على طريق الجنة، وبقي المطر أسبوعاً كاملاً، وفي الجمعة الثانية قام ﵊ يخطب، فدخل ذاك الأعرابي من نفس الباب، فقال: يا رسول الله! جاع العيال، وضاع المال، وتقطعت السبل من كثرة الأمطار، فادع الله أن يكف عنا الغيث، فرفع ﷺ وعليه وسلم يديه وهو يتبسم من هذا الأعرابي الذي أتى أولاً يطلب الغيث ثم هو يريد رفع الغيث، وهو يقول: ﴿اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر﴾ قال الصحابة: والله الذي لا إله إلا هو ما أشار إلى مكان إلا وقع فيه الغيث.
معجزاته ﵊ عند أهل العلم في الإسلام ألف معجزة وأكثر، كل معجزة تكفي إلى أن يسلم بها الكافر، ويذعن لها المتكبر، ويدخل بها الفاجر في الدين.
وكان له جذع نخلة يخطب عليه يوم الجمعة بأبي هو وأمي عليه أفضل الصلاة والسلام فقال للأنصار: اصنعوا لي منبراً أخطب عليه، فأتوا بمنبر من خشب، فلما قام يخطب عليه وترك الجذع الأول -جذع النخلة- قال جابر بن عبد الله: فلما تركه سمعنا للجذع حنيناً كحنين الإبل، وبكاءً كبكاء الأطفال، حتى سمعه أهل المسجد.
جذع من خشب يبكي للرسول ﵊، هذا الحديث في البخاري ومسلم، قال: فانحدرت دموعه ﵊ ونزل إلى الجذع يدهدهه، ويسكته:
يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم
أخذ يدهده العود ويقول: اسكت بإذن الله أنا رسول الله حتى سكت.
يقول : ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر:١ - ٣] خرج ﵊ على كفار قريش وهم في الحرم، فقال: ﴿يا أيها الناس! قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، يا أيها الناس! لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا أيها الناس! إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، قال أبو جهل: لا أسلم لك، ولا أومن لك، ولا أصدقك حتى تشق لي القمر ليلة أربعة عشر، والقمر في سماء مكة، فقال ﵊: إن شققته أتسلم وتؤمن؟ قال: نعم، فدعا ربه ﷺ وقال: اللهم شق هذا القمر، ثم أشار بيده فانشق القمر فلقتين، فلقة ذهبت إلى عرفات، وفلقة ذهبت إلى جبل أبي قبيس، قال: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، فقاموا ينفضون ثيابهم ويقولون: سحرنا محمد، سحرنا محمد﴾.
فيقول : ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر:١ - ٤] جاءهم والله بآيات يشيب منها الوليد، ويسلم منها الكافر، جاءهم والله ببينات ومواعظ تتدكدك منها الجبال، لكن أين القلوب؟ فما أسلم إلا القليل.
стр. 8793
صاحب الخلق العظيم
هذا الرسول الذي بعثه بالقرآن قال له مرة من المرات: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] أعظم الناس خلقاً، وأجل الناس، وأفضل الناس، وأحلم الناس، وواجبك أيها المسلم أن يكون محمد ﷺ قدوتك، وأن يكون إمامك ليقودك إلى الجنة:
ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخصمي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا
مدحه الله في القرآن فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] عاداه قرابته، وأبناء عمه وأعمامه وجيرانه، وأخرجوه من مكة، فطاردوه في كل مكان، آذوه، هدموا بيته، ضربوا بناته، وهاجر إلى المدينة، وبعد أن عاد منتصراً إلى مكة جمعهم والسيف على رءوسهم قال: ﴿ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء﴾ أي: عفا الله عنكم، سامحكم الله، غفر الله لكم ذنوبكم، فتباكوا بين يديه وقال أبو سفيان: لا إله إلا الله ما أرحمك! ولا إله إلا الله ما أوصلك! ولا إله إلا الله ما أبرك! فقال الله له: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
стр. 8794
تواضع الرسول
هذا الرسول ﵊ كان من أشد الناس تواضعاً، مرت به عجوز وهو يأكل على التراب تمرات ﵊، أفضل وأروع وأشرف من خلق الله، والعجوز مشركة، قالت: انظروا إليه يأكل كما يأكل العبد، ويجلس كما يجلس العبد، فقال: ﴿إنما أنا عبد لله﴾ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [الجن:١٩] ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:١].
стр. 8795
حلم يفوق الخيال
أتاه أعرابي من البادية، فسحب جبته ﵊ حتى أثرت الحاشية في عنقه، فالتفت إلى الأعرابي قال: ﴿ماتريد؟ قال: أعطني من مال الله الذي عندك لا من مال أبيك ولا من مال أمك، فأراد الصحابة أن يضربوا هذا الأعرابي، قال: اتركوه، وأخذه ﵊ وشبك أصابعه بأصابعه، وذهب به إلى بيته، فأعطاه مما أعطاه الله، فيقول الأعرابي: جزاك الله من أهل وعشيرة خير الجزاء﴾.
أي خلق هذا الخلق؟! كان ﵊ يأبى أن يعظم وأن يمدح، يقول: ﴿لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله﴾.
حضرته سكرات الموت، فتواضع لله وسكرات الموت تلاحقه، وهو يبل خميصة بيده ويضعها على وجهه ويقول: ﴿لا إله إلا الله إن للموت لسكرات، اللهم أعني على سكرات الموت﴾ ثم قال: ﴿لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد﴾.
стр. 8796
من أوامر الرسول ﷺ
أمرنا رسول الله ﷺ بأمور، وأعظم ما أمرنا به بعد التوحيد -بعد شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله- الصلوات الخمس، إنها العهد الذي بين العبد وبين الله، إنها ذمة الله، إنها حبل الله، إنها مفتاح لجنة عرضها السماوات والأرض أعدها الله للمتقين.
стр. 8797
الصلاة عماد الدين
من أتى بالصلوات الخمس في يوم القيامة بيض الله وجهه، وأسعده في الدنيا والآخرة، وما تعرض للجحيم، ولا تردى في النار، ومن تهاون بالصلاة شقي في الدنيا والآخرة، وكانت معيشته ضنكاً وداره جحيماً، فهو يصلى عذاباً دائماً أبداً في الدنيا والآخرة، من أراد أن ينقطع من حبل الله انقطع من الصلوات الخمس، من أراد أن تحيط به لعنة الله ترك الصلاة، فتارك الصلاة يرتكب أكبر جريمة في تاريخ الإنسان، تارك الصلاة -يا عباد الله- كافر، يقول ﵊: ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر﴾ يقول ﵊: ﴿بين المسلم والكافر ترك الصلاة﴾ فإذا تركها فقد خرج من الدين , وقد باء بغضب الله ولعنته.
قال بعض أهل العلم: من ترك صلاة فرض واحد عامداً متعمداً؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً، ولا يزكيه ولا ينظر إليه وله عذاب أليم.
تارك الصلاة تستجير منه الحيتان في البحر، تارك الصلاة تشكو منه الأسماك في الأنهار، تارك الصلاة تبكي منه النملة في جحرها.
تقول الببغاوات والعجماوات لرب الأرض والسماوات: يا رب منعنا القطر بتارك الصلوات، والله يقول من فوق سبع سماوات: ﴿أبي تغترون؟ أم عليّ تجترئون؟! فبي حلفت لأنزلن فتنة تدع الحليم حيراناً﴾ رواه الترمذي، ويقول: ﴿وعزتي وجلالي لولا الشيوخ الركع والأطفال الرضع لخسفت بكم الأرض خسفاً﴾.
стр. 8798
المحافظة على صلاة الجماعة
والصلاة -يا عباد الله- لا تقبل إلا جماعة إلا من عذر يبيح للمسلم أن يتخلف عنها، يقول ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء:١٠٢] ويقول: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] ويقول ﵊: ﴿والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بالصلاة، ثم أخالف إلى أناس لا يشهدون الصلاة معنا، فأحرق عليه بيوتهم بالنار، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء معنا﴾ ويقول ﵊: ﴿بيننا وبين المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر لا يستطيعونها﴾ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥].
يقول ﵊ للأعمى وقد سأله هل يجد له رخصة قال: ﴿أتسمع حي على الصلاة حي على الفلاح؟ قال: نعم.
قال: فأجب فإني لا أجد لك رخصة﴾ حديث صحيح.
وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿من سمع النداء فلم يأت؛ فلا صلاة له إلا من عذر﴾ ويقول ﵊ في حديث فيه نظر: ﴿من رأيتموه يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان﴾ وذلك لقوله : ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة:١٨] والصلاة في الجماعة من أوجب الواجبات، ولا يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق.
стр. 8799
صلة الرحم
ومن الأمور التي ينبه عليها صلة الرحم: يوم يقطع الإنسان رحمه يقطعه الله من فوق سبع سماوات وفي الحديث الصحيح: ﴿خلق الرحم ضعيفة فتعلقت بالعرش، قالت: يا رب! هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك، قالت: نعم يارب قال: فذلك لك﴾ قال: فأنزلها إلى الأرض، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله، ويقول : ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣] فقاطع الرحم أصم أبكم أعمى لا يفهم شيئاً، قاطع الرحم تلحقه اللعنة في كتاب الله ، وقاطع الرحم يقترف أكبر جريمة في التاريخ بعد ترك الصلاة، ولو نزل غيث من السماء لعم الناس إلا قاطع الرحم، ولو نزلت رحمة من عند الواحد الأحد لنالها كل أحد إلا قاطع الرحم، ولذلك كان أوصل الناس رسول الله ﷺ ، لما عاداه قرابته وقاطعوه، ودخل مكة منتصراً، أتاه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث، فأخذ أطفاله وخرج في الصحراء، لأنه آذى الرسول ﵊، وحاربه وقاتله وشتمه، قال الصحابة: أين تذهب يا أبا سفيان؟ قال: أذهب بأطفالي أموت بهم جوعاً وعرياً وظمأً في الصحراء، قالوا: عد إلى رسول الله ﷺ ، وقل له كما قال إخوة يوسف ليوسف: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١] فأقبل بأطفاله، وقال: يارسول الله! سلام الله عليك: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١] فبكى ﵊، وقال: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٩٢] وصلة الرحم، ليس معناها أن تصل من وصلك بل وأن تصل من قطعك، وأن تعفو عمن ظلمك، وأن تعطي من حرمك: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الرعد:٢١] ويقول : ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] وفي الحديث: ﴿إذا جمع الله الأولين ليوم القيامة اجتمعوا جرداً مرداً حفاة عراة غرلاً بهماً، فينادي في ذلك اليوم بصوت يسمعه من قرب ومن بعد: لمن الملك اليوم، فلا يجيبه ملك مقرب ولا نبي مرسل، فيجيب نفسه بنفسه: لله الواحد القهار، فيقول: أين الكاظمون الغيظ والعافون عن الناس؟ فيقومون يتخطون رقاب الناس، حتى يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ثم ينادي: أين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون؟ فيقومون يتخطون الناس، حتى يظلهم الله في عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ثم ينادي: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي، فيقومون يتخطون الناس حتى يظلهم الله في عرشه يوم لا ظل إلا ظله﴾.
يا عباد الله! صلة الرحم من أعظم الأعمال، بالزيارة، بالمواصلة، بالهدية، بالدعاء؛ عل الله أن يرحمنا من فوق سبع سماوات، ما تأخر القطر إلا بالذنوب، وما جف الماء إلا بالعيوب، وإذا رجعنا وتبنا إلى الله؛ غفر الله لنا ذنوبنا ظاهرها وباطنها.
стр. 8800
الصدق مع الله
ومن الأمور التي ينبه عليها -عباد الله- الصدق مع الواحد الأحد، الصدق مع الله (الإخلاص) وهذا عمر وهو من المخلصين الكبار، يمرغ وجهه في التراب، ويبكي وهو خليفة المسلمين، وقائد الأمة الإسلامية بعد أبي بكر، تولى الخلافة الراشدة، وكان يصلي الجمعة وفي جبته أربع عشرة رقعة، وذهب الدنيا وفضتها وكنوزها تحت يديه يقرقر بطنه من الجوع فيقول: [[قرقر أو لا تقرقر، والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]].
يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواه
يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه
стр. 8801
سؤال عمر ربه الشهادة
أتي ﵁ وأرضاه في آخر حجة حجها، فوقف عند الجمرات، ورفع يديه وهو صادق، لأن الله إذا علم الصادق؛ أعطاه ما تمنى قال تعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [محمد:٢١] وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] فرفع يديه وقال: [[اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتة في بلد رسولك]].
يجود بالنفس إن ضن البخيل بها والجود بالنفس أغلى غاية الجود
стр. 8802
رؤيا عمر قبل استشهاده
فعاد ﵁ والصحابة يقولون: كيف تطلب الشهادة في المدينة؟! إن الذي يطلب الشهادة يخرج إلى الثغور، إلى بلاد الكفار يقاتل، قال: [[هكذا سألت الله وأسأل الله أن يلبي لي ما سألت]] فعاد إلى المدينة وفي أول ليلة نامها رأى في المنام كأن ديكاً ينقره ثلاث نقرات، فخرج في الصباح وذهب إلى امرأة صالحة تفسر الأحلام اسمها أسماء بنت عميس، فسألها ما هو تعبير الرؤيا والأحلام، فبكت، قال: مالك تبكين؟ قالت: أستودع الله نفسك الذي لا تضيع ودائعه، يقتلك رجل من العجم ويطعنك بالخنجر، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، حسبي الله، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، الله المستعان: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧].
стр. 8803
استشهاد عمر
بينما عمر في صلاة الفجر يصلي، أراد الله أن يشرفه بالشهادة، في أحسن فريضة (صلاة الفجر) وفي أحسن مكان (مسجد الرسول ﵊ فلما كبر وركع تقدم له أبو لؤلؤة المجوسي من فارس، رجل مجرم، حاقد على الإسلام، فأخذ خنجراً سمها بالسم شهراً كاملاً حتى أصبحت زرقاء، ثم ضربه بحدين ثلاث ضربات، ست طعنات، فوقع على وجهه وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، الله أكبر، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، ثم التفت بعد الركعة الأولى قال: من قتلني؟ وتقدم ابن عوف أحد الصحابة فأكمل الصلاة، قالوا: قتلك أبو لؤلؤة المجوسي، قال: [[الحمد لله الذي جعل منيتي على يد رجل ما سجد لله سجدة]] قال أنس: فرفعناه على أكتافنا، ودماؤه تثعب على ثيابنا، وكأن القيامة قامت، قال: فوالله ما ذكر مالاً ولا ولداً، ولا زوجة ولا ميراثاً، وإنما يقول: هل أكملت الصلاة؟ قالوا: لا.
قال: هل صليت؟ قالوا: لا.
قال: الله المستعان!
فذهبوا به إلى البيت فوضعوه على حصير عنده، فرفع الحصير عن التراب، ومرغ وجهه وهو يبكي والناس يبكون حوله ويقول: يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه، يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه، ثم قال: صدق الله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦] فوضعوه على الفراش، ووضعوا تحت رأسه مخدة قال: انزعوا المخدة عن رأسي، عل الله أن يرحمني، فقال علي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين! طوبى لك الجنة، توليت فكانت ولايتك رحمة، وأسلمت فكان إسلامك نصراً، وهاجرت فكانت هجرتك فتحاً، قال: [[ليتني نجوت كفافاً لا لي ولا علي]] ثم قال: يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت شجرة تعضد، يا ليتني ما عرفت الحياة، وهو من الصادقين الكبار، وهو من الزاهدين الأخيار، وهو من أعظم من صام بعد أبي بكر وبعد رسول الله ﷺ .
عمر بن الخطاب رضي الله وأرضاه، كان يطوف على رعيته في الظلام الدامس، ويقول: يا رب أتحاسبني بكل طفل، وبكل يتيم وبكل مسكين، وكان يبكي ويقول: كم قتلت يا عمر من أطفال المسلمين! فرضي الله عن تلك الروح الطاهرة، وسقى الله تلك العظام شآبيب الرحمة، وألحقنا بهم في دار الصدق.
والمقصود من هذا الكلام: هو الصدق مع الله والإخلاص فإن من أخلص لله في عبادته، رزقه الله بالصدق صدقاً، وبالإخلاص إخلاصاً.
стр. 8804
عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري تظله الملائكة
لما حضرت معركة أحد بين الكفار والمسلمين، بين قريش والمهاجرين والأنصار، خرج عبد الله بن عمرو الأنصاري فقال: يارب اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى، ثم اغتسل ولبس أكفانه، فلما أتى المعركة، قاتل حتى صلاة الظهر، ثم قتل، قالت أخته: والله لقد وجدت فيه أكثر من ثمانين ضربة بالسيف، قالت: فرأيت الرسول ﵊ فأتيته فقلت: يا رسول الله، هل أخي في الجنة فأصبر وأحتسب أم في غير ذلك، فسوف ترى ماذا أصنع؟ قال: تبكين أو لا تبكين، فما زالت الملائكة تظلله حتى رفعتموه، والذي نفسي بيده، لقد كلم الله أخاك بلا ترجمان، قال: يا عبدي تمن، قال: أتمنى أن تردني إلى الدنيا، فأقتل فيك ثانية، قال: إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فتمن، قال: أتمنى أن ترضى عني فإني قد رضيت عنك، قال: فإني قد أحللت عليك رضواني لا أسخط عليك أبداً، فجعل الله روحه وأرواح إخوانه الشهداء السبعين في حواصل طير، ترد الجنة فتشرب من مائها، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
هذا ثواب الصدق يوم يصدق الإنسان مع الله، يوم يعلم الله أنه صادق يرزقه هذا الثواب العظيم في الدنيا وفي الآخرة، فنسأل الله لنا ولكم الصدق.
стр. 8805
حقوق الجيران
ومن الأمور التي ينبه عليها، والتي قصرنا فيها جميعاً: حقوق الجيران، من أكبر نعيم الدنيا أن يوفق الله بينك وبين جار صالح، وإذا كتب الله عليك تنغيص الحياة، جعل لك جار سوء لا يستر زلتك، ولا يعفو عن خطيئتك، ولا يسامحك، يلاحقك في الليل والنهار.
آسية امرأة فرعون ﵍ لما حضرتها الوفاة قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١] قال ابن القيم: انظر كيف طلبت الجار قبل الدار، الجار قبل الدار، وكانت العرب تقول: الجار قبل الدار، ولا تنزل الدار إلا بالجار، حديث الوصية بالجار يقول أبو ذر: ﴿خرجت مع الرسول ﵊ في ليلة من الليالي والقمر متمكن من السماء، خط لي خطاً وقال: لا تخرج من هذا الخط حتى آتيك، قال: فخرج فسمعت خطيفاً كالحدأة وكالصقور والنسور، وعلمت أنها الجن، اجتمع بهم ﷺ : ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن:٣٣]
فهو رسول الإنس والجن، والله أرسله في تلك الليلة ليتكلم مع الجن قال: فإذا كالحدايا وكالصقور والنسور تخاطف من حولي، فأردت أن أخرج فتذكرت قوله ﷺ : لا تخرج من هذا الخط حتى آتيك، قال: فمكثت مكاني حتى آخر الليل، فأقبل ﵊ وإذا رجل معه يكلمه طويلاً، كلما مشى كلمه، وأخذ بتلابيب ثيابه، فلما انتهى إلي ﷺ قال: كيف أنت يا أبا ذر؟ قلت: هممت أن أخرج يا رسول الله! فتذكرت وصيتك، أبطأت عليّ، قال: لو خرجت من هذا الخط ما عدت أبداً حياً، أتدري من هؤلاء الذين أتوا إلي؟ قلت: لا والله يا رسول الله! قال: هؤلاء الجن، خاطبتهم، وأسلم منهم نفر كثير وأصلحت فيما بين قبيلتين منهم، وجعلت لهم كل عظم لم يذكر اسم الله عليه، وكل روث يوضع في الأرض، فهذا طعام لهم وذاك طعام لدوابهم، ثم قال: يا أبا ذر أرأيت الذي يكلمني في صفد القمر؟ قلت: نعم يا رسول الله! قال: ذاك جبريل، والذي نفسي بيده ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه﴾ أي: يجعل له حقاً في الميراث.
стр. 8806
شكوى أحد الصحابة أذى جاره
ورد في السنن أن رجلاً أتى إلى الرسول ﵊ قال: ﴿يا رسول الله! جاري آذاني، ما يترك عورة إلا اقتنصها، ولا محرماً إلا انتهكه، إن غبت ما أمنته على أهلي، وإن حضرت سبني وشتمني، ماذا أفعل يا رسول الله؟ قال: اصبر واحتسب، فإن الله يأجر الصابرين، فعاد فصبر واحتسب لكن نفد الصبر -لأن الإيمان إذا لم يسكن في القلوب لم تدخل الرحمة- فعاد إليه ﷺ فقال له: اصبر واحتسب فقال: يا رسول الله! ولكن نفد الصبر، قال: خذ متاعك واخرج في الطريق واجلس في السكة أمام الناس، فأخذ زوجته وأطفاله، وأخذ متاعه من البيت، وجلس في طريق الناس، فكان المصبح إذا أصبح قال: مالك يا فلان؟ قال: آذاني جاري، قال: لعنه الله، والممسي إذا أمسى قال: مالك يا فلان؟ قال: آذاني جاري قال: لعنه الله، فلما استحق اللعنة سمع الرجل فأتى إلى جاره فقال: عد والله لا أوذيك أبداً﴾ لكن بعد ماذا؟ بعد الأذية.
стр. 8807
تحذير النبي ﷺ من أذية الجار
يقول ﵊: ﴿والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: من يا رسول الله؟ خاب وخسر، قال: من لا يأمن جاره بوائقه﴾ أي: آذاه.
أين الإيمان؟ أين الصلوات الخمس؟ أين مفهوم لا إله إلا الله؟ أين أثر القرآن في القلوب؟ أين تأثير الإيمان في النفوس؟ لو كان مؤمناً ما آذى جاره، لكن ما دخل الإيمان في قلبه، فتعدى على الجيران، ينتهك المحرمات، ويتعدى بشتى التصرفات، ولا يخاف من رب الأرض والسماوات، سبحان الله! ألا يرتدع العبد كلما ذكر القبر، والله إنها حفرة من أظلم الحفر، وإنها ضيقة وموحشة.
يقول عثمان ﵁ وقد رأى القبر: [[ما أضيقه وما أظلمه وما أوحشه]].
والقبر فاذكره وما وراءه فمنه ما لأحد براءه
وإنه للفيصل الذي به ينكشف الحال فلا يشتبه
والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران
إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده
وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ
العار كل العار على من لم ينجه الله من النار، والندامة كل الندامة لمن دخل القبر بلا زاد، والخسران كل الخسران، والخذلان كل الخذلان، والحرمان كل الحرمان لمن طرح في القبر، ثم تولى عنه الأصحاب والأحباب والأولاد والأحبة، وبقي مرتهناً بعمله.
يقول عمر بن عبد العزيز: [[ويلكم أيها الناس! أتدرون ماذا يقول الموت؟ قالوا: ما ندري، قال يقول: ذهبت بالعينين، وأكلت الحدقتين، وفصلت الكفين من الساعدين، والساعدين من العضدين، والقدمين من الساقين، يا أيها الناس! كم من غادٍ ورائح إلى الموت! قد وسد التراب، وترك الأحباب، وفارق الأصحاب، غنياً عما ترك، فقيراً إلى ما قدم]] يتمنى الميت أن يستطيع أن يقول في القبر: لا إله إلا الله، فما يستطيع أن يقول: لا إله إلا الله؛ يقول : ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ:٥٤].
مر أحد الصالحين بالمقبرة في ظلام الليل، والسماء تمطر فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير؛ آنس الله وحشتكم، ونور الله ظلمتكم، ثم تولى، فنام تلك الليلة، فرأى أحد الأموات في المنام، قال: يا فلان، أتدري ماذا فعل الله بنا؟ قال: ما أدري؟ قال: والله لقد نور علينا قبورنا هذه الليلة بسبب قولك: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آنس الله وحشتكم ونور الله ظلمتكم، يا فلان! والله لقد حيل بيننا وبين لا إله إلا الله، نريد أن نقول: لا إله إلا الله، فما نستطيع أن نقول لا إله إلا الله، يا فلان! والله لو تدري بعظم لا إله إلا الله لقطعت بها عمرك جميعاً، وإنما يكون ذلك في هذه الدار.
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت بانيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها
أين الملوك التي كانت مسلطة حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
اعمل لدار غداً رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها
أبيض الوجه من لقي الله بعمل صالح، الفائز يوم القيامة من زحزح عن النار، السعيد من سعد في بطن أمه وسعد في الأرض، وسعد في القبر وسعد على الصراط، فنسأل الله أن يسعدنا وإياكم يوم العرض الأكبر، يوم الحسرات، والندامات، يوم البكاء والصرخات، نسأل الله ألا يعرضنا وإياكم على النار.
стр. 8808
حق المسلم على أخيه
ومن المسائل التي يجدر الإشارة إليها: حق المسلم على المسلم، نظر ﵊ إلى الكعبة فقال: ﴿ما أعظمك وما أجلك! والذي نفسي بيده للمسلم أعظم منك حرمة عند الله﴾ ﴿المسلم دمه حرام، وماله حرام، وعرضه حرام﴾ المسلم أطهر من ماء الغمام، المسلم أحب إلى الله من أي بقعة في الأرض، المسلم يدافع الله عنه : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨].
إذا اعتدي على المسلم في ماله، دافع الله عنه.
وحق المسلم أن إذا مرض فعده، وإذا مات فاتبع جنازته، وإذا عطس فشمته، وإذا استنصحك فانصحه، وإذا أراد منك خيراً فقدمه له، صح عنه ﷺ أنه قال: يقول الله يوم القيامة وهو يحاسب العبد: ﴿يابن آدم! مرضت فلم تعدني أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدت ذلك عندي، يابن آدم! جعت فلم تطعمني، قال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان جاع فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي﴾ والجزاء من جنس العمل.
стр. 8809
التوبة والاستغفار
ومن المسائل التي ينبه عليها: التوبة والاستغفار والعودة إلى الله، ونحن نشكو حالنا وتقصيرنا وذنوبنا إلى الواحد الأحد، فلا يغفر الذنوب إلا الله، ولا يستر العيوب إلا الله، ولا يكشف الضر إلا الله، ولا يبرئ ولا يعافي، ولا يرحم إلا الله، فنسأل وهو الذي فوق سبع سماوات أن يعفو عنا وعنكم، وأن يغفر لنا ولكم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
يا من أذنب وأخطأ! يا من أسرف وتمرد! يا من بعد عن الواحد الأحد! يا من شرد عن الفرد الصمد! عد إلى الله، فباب الله مفتوح، ونواله ممنوح، وعطاؤه يغدو ويروح: ﴿يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها﴾ فنسأل الله أن يتوب علينا وعليكم.
يارب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه
كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناه
ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي نسيناه
ونركب الجو في أمن وفي دعة فما سقطنا لأن الحافظ الله
فيا حافظ النفوس، ويا بارئ الأرواح، أسألك أن ترحمنا رحمةً ظاهرة وباطنة.
стр. 8810
توبة قاتل المائة
يقول ﵊: ﴿كان في من كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً﴾ أخذ سيفه وهو ظالم فاجر، فأخذ تسعة وتسعين من الأنفس المعصومة فقتلها، فلما تلطخ بالدماء، وتلطخ سيفه بسفك الأبرياء، تذكر رب الأرض والسماء، وتذكر العرض على الواحد الأحد يوم القيامة، فذهب إلى الناس فقال: هل لي من توبة؟ قالوا: اذهب إلى ذاك الرجل الذي يعبد الله في هذا الغار، فاسأله هل لك من توبة، فذهب إلى رجل عابد ما عنده من العلم شيء، عابد لكنه جاهل، فدخل عليه فطرق عليه الغار، فخرج هذا الرجل، فقال: يا فلان! قال: نعم.
قال: قتلت تسعة وتسعين نفساً، فصرف وجهه عنه، وقد أخطأ في هذا العمل، لأنه يغلق باباً فتحه الله، ويقطع حبلاً مده الله، قال: هل لي من توبة؟ قال: لا توبة لك، فأخذ سيفه فقتله، فوفى به المائة، ثم رجع إلى الناس فقال: أيها الناس! هل لي من توبة؟ قالوا: اذهب إلى ذاك العالم، عالم بصير بالأحكام فقيه في الدين: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١] قال: يا أيها الرجل! هل لي من توبة؟ قال: ماذا فعلت؟ قال: قتلت مائة نفس، قال: من يغلق عليك باب التوبة؟ باب التوبة مفتوح، حتى تطلع الشمس من مغربها، فأتى هذا الرجل فقال: تب إلى الله واستغفر الله، قال: أين أذهب؟ قال: القرية التي عصيت الله فيها هي قرية ظلم وأهلها فجرة، يعينونك على المعصية، فتب إلى الله، وهاجر من قريتك إلى قرية بني فلان، بعض القرى تعين على الصلاح، بعض القرى تعين على إقامة لا إله إلا الله، بعض القرى يتواصى أهلها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن بعض القرى ظالم أهلها، يتعاونون على الإثم والعدوان والفساد، وانتهاك الحرمات وتعدي حدود الله الواحد القهار، فذهب هذا الرجل تائباً إلى الله الواحد الأحد، فلما مشى في الطريق، أدركه الموت فمات وما سجد لله سجدة، ولا ركع لله ركعة، ولا تصدق بصدقة، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، نزلوا من فوق سبع سماوات، أما ملائكة الرحمة فتقول: يا رب! هذا العبد خرج تائباً يريدك ويريد المغفرة، فجزاؤه أن تغفر له، وأما ملائكة العذاب، فتقول: يا رب! هذا الرجل ما سجد لله سجدة، ولا ركع ركعة، ولا تصدق بصدقة، فجزاؤه النار، قال الله ﵎: إنني الحكم العدل ولست بظلام للعبيد، قيسوا ما بين المسافتين من المكان الذي مات فيه والقرية التي خرج منها، وما بين المكان الذي مات فيه والقرية التي خرج إليها، فما وجدتموه أقرب إليها فهو من أهلها، إن كان أقرب إلى الصالحة فهو صالح، وإن كان أقرب إلى الفاجرة فهو فاجر، ثم أوحى الله من رحمته وفضله إلى تلك القرية الصالحة أن تقاربي، وأوحى إلى تلك أن تباعدي، فتقربت بجبالها، ومهادها وصخورها، فقاسوا ما بين المسافتين، فوجدوه أقرب إلى تلك القرية، قال: يا ملائكتي! أشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة.
هذه رحمة الله، قتل مائة نفس معصومة، سفك دماءهم، ثم تاب الله عليه.
стр. 8811
قصة أصحاب الغار الثلاثة
يقول ﵊: ﴿كان في من كان قبلكم -والحديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم - ثلاثة أواهم المبيت إلى غار﴾ ثلاثة من بني اسرائيل، ذهبوا يطلبون إبلاً لهم ضلت، وقيل غنماً وقيل غير ذلك، فأدركهم المبيت في الليل، إلى غار في الجبل، فدخلوا الغار في ظلام الليل؛ لأن بيوتهم بعيدة فلما دخلوا الغار، أنزل الله القطر من السماء، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليه فم الغار، في مكان لا أنيس فيه إلا الله، ولا حافظ إلا الله، ولا قريب إلا الله، ولا مسدد ولا هادي إلا الله، فحاولوا أن يصرفوها عن فم الغار فما استطاعوا، وهم بعيد عن الأهل والدار؛ لا زوجة ولاولد، ولا أخ ولا صديق ولا حميم، ولكن الله فوق سبع سماوات، فجلسوا يتباكون، فقال أحدهم: ما لكم؟ قالوا: أهلنا حجزنا دونهم وأطفالنا ﴿قال أحدهم: والله لا ينجيكم هذه الليلة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم﴾ أي: فكل من كان منكم عنده عمل وسريرة بينه وبين الله، أو فعل حسنة في الدهر فليذكره هذا اليوم عل الله أن يرحمنا بها، قال الأول: أنا أتكلم، قالوا: تكلم، قال: اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وإني كنت لا أقدم عليهم أهلاً ولا مالاً، وإنه قد نأى بي طلب الشجر، فلم أرح عليهما إلا وقد ناما فحلبت إبلي وأتيت إلى والدي ليشربا، فوجدتهما نائمين، قال: فأخذت الإناء بيدي وصبيتي وأطفالي يتضاغون من شدة الجوع عند أقدامي، فما سقيتهم قبل والدي، وما أيقظت والدي لئلا أزعجهم من النوم، فبقيت حتى طلع الفجر، والإناء في يدي، وأبنائي يتباكون عند قدمي، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك؛ فافرج عنا ما نحن فيه، قال: فانفرجت الصخرة، لكنهم لا يستطيعون الخروج، وقام الثاني وقال: اللهم إنك تعلم أنه كان لي ابنة عم جميلة من أجمل النساء، راودتها عن نفسها فأبت، فلما ألم بها الفقر، أتيت إليها فذكرتني الله فانصرفت عنها، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك؛ ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج، وقال الثالث: اللهم إنك تعلم أنه كان لي أجراء يعملون عندي فأعطيتهم أجرتهم إلا رجلاً واحد أردت أن أعطيه فغضب فترك أجرته، فأخذت أجرته فثمرتها حتى أصبحت إبلاً وغنماً وبقراً وشيئاً كثيراً من المال فلما أتى قلت: خذ هذا المال أجرتك، قال: لا تستهزئ بي، قلت: هذا مالك، فأخذه فما ترك لي شيئاً، اللهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك وما عندك؛ ففرج عنا ما نحن فيه، قال: فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون، وفيه دليل على أنه لا ينجي العبد إلا العمل الصالح، لا يحفظه الله إلا بالعمل الصالح، وهذا مصداق لقوله ﷺ : ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾.
стр. 8812
قصة صاحب المحرقة
في الصحيح قوله ﷺ : ﴿كان رجل من بني إسرائيل أسرف على نفسه في الخطايا والذنوب، فلما أدركته الوفاة، قال لأبنائه: كيف أنا لكم؟ قالوا: من خيرة الآباء، قال: فإني ما فعلت مع الله جميلاً أبداً، ما تركت منكراً إلا أتيته، فإذا مت فاجمعوا لي حطباً، ثم حرقوني بالنار، ثم اسحقوني ثم ذروني، عل الريح أن تذهب بي في كل مكان﴾ سبحان الله! ظن أن الله لا يحييه، كما بدأه أول مرة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراًى * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:١ - ٢] وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩].
ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا
﴿فلما مات جمع له أبناؤه الحطب، وأحرقوه بالنار، ثم أشعلوا جثمانه، ثم سحقوه، ثم ذروه في الريح، فأخذته في كل مكان، فقال الله له: كن، فكان رجلاً﴾ ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠] ﴿فلما أصبح أمامه رجلاً قال: يا عبدي ما حملك على ما فعلت؟ قال: يا رب خفتك وخشيت ذنوبي، قال الله : أشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة﴾.
فيا أيها الناس! التوبة التوبة، والاستغفار الاستغفار إلى الواحد الأحد، فإنه لا يهلك على الله إلا هالك، والمكفرات كثيرة، نسأل الله أن يغفر لنا ولكم الذنوب والخطايا، فإنه لا يغفر الذنوب إلا هو، ولا يستر العيوب إلا هو.
بعض الناس يقاطع أخاه وقريبه وجاره المسلم، وتمر عليه السنوات الطوال لا يسلم عليه؛ وهذا من أعظم المنكرات، ولا يفعله إلا من قسا قلبه، وأصبح من الفجور بمكان، ونسي الله واليوم الآخر، فإن كانت القطيعة من أجل الدنيا، فهذا يحرم -كما في الحديث الصحيح-: ﴿ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام﴾.
ويوم يلقى المسلم المسلم، ويصافحه تتحات خطاياهما كما تحات ورق الشجر في الشتاء، ويوم يصد عنه يصد الله عنه يوم القيامة، وهذا من أعظم الإجرام، فوصيتي لكل مسلم أن يتقي الله في إخوانه المسلمين، وألا يهجرهم خاصة الأرحام، خاصة من جعل الله بينك وبينهم قرابة في الحياة الدنيا، فإن الله يسألك يوم القيامة: ماذا فعلت فيهم؟ من أعظم وأكبر المعاصي أن تقطعهم، ولذلك من قطع رحمه، قطعه الله ، فهذا ينبه عليه أنه من المنكرات ومن الفواحش الكبار التي ينبغي أن نعي أمرها وحكمها، لنتوب إلى الله عل الله أن يرحمنا: ﴿الخلق عيال الله، أقربهم إلى الله أنفعهم لعياله﴾ وهذا أمر يعلم.
стр. 8813
الاستزادة من النوافل
من المسائل التي يجدر التنبيه إليها، مسائل النوافل -يا عباد الله- أحد الصحابة أتى إلى الرسول ﵊ فقال: ﴿يا رسول! أريد مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قال: لا.
قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة﴾.
فالذي أوصي به نفسي وإياكم كثرة النوافل، والتقرب إلى الله ، إنك ما سجدت لله سجدة إلا رفعك بها درجة، ولذلك يقول ﵊ فيما يرويه عن ربه ﵎ أنه قال: ﴿وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه﴾.
стр. 8814
النوافل وأنواعها
والنوافل أنواع، أولها: نوافل الصلاة، وفيها سنن الرواتب وسنن مطلقة، ومن أعظمها عشر ركعات بعد الفرائض: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، قال ابن تيمية: "من داوم على ترك هذا النوافل كان فاسقاً ترد شهادته" العشر هذه لا بد منها، إلا من مرض أو سفر، فهذا عذر.
والسنن المطلقة منها الضحى وهي صلاة الأوابين، ويوم تركع ركعتي الضحى، يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك، وفي بعض الآثار فيها نظر: ﴿انظروا لعبدي ترك أشغاله وأعماله وأتى يتملقني ويدعوني، أشهدكم أني غفرت له﴾ يقول ﵊ في الحديث الصحيح: ﴿يصبح على كل سلامى من الناس صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس؛ تصلح بين اثنين صدقة، وتعين الرجل على دابته، فتحمله عليها أو تحمل متاعه عليها صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان من الضحى﴾.
стр. 8815
فضيلة قيام الليل
ومن السنن كذلك: قيام الليل، ومن استطاع قيام الليل؛ فقد فاز بأسعد اللحظات، وهو من أجل القربات إلى الواحد الأحد، وخاصة في الثلث الأخير من الليل حين: يتجلى الله إلى سماء الدنيا، وينزل إلى سماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله فيقول: ﴿هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيبه؟﴾ فيجيب الله دعوة المضطر في تلك الساعة، فأوصيكم ونفسي بهذه الساعة ولو بركعتين يداوم عليها العبد دائماً وأبداً.
فمن استطاع أن يقوم من آخر الليل، فليؤخر الوتر حتى يصليه من آخر الليل، ومن خاف على نفسه ألا يوتر، فليوتر قبل أن ينام، يقول أبو هريرة ﵁ وأرضاه: ﴿أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لا أدعهن حتى أموت: بركعتي الضحى، وبصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام﴾ فهذه وصيته ﷺ .
стр. 8816
الصدقة
ومن النوافل: الصدقة، يوم يضم عليك القبر لا يوسعه عليك إلا الصدقة، يوم تدنو الشمس من الرءوس ويبلغ الكرب النفوس، لا يظلك يوم القيامة إلا صدقتك، يقول : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦١].
يقول ﵊: ﴿كل إنسان في ظل صدقته يوم القيامة حتى يقضى بين الناس﴾ ويقول ﵊: ﴿ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وملكان يناديان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، والآخر يقول: اللهم أعط ممسكاً تلفاً﴾ فالله الله في الصدقة، والتقرب بها بالقليل والكثير، فإنها لا تضيع عند الله الذي لا تضيع ودائعه، في خزائن عند الله يوم العرض الأكبر، يقول ﵊: ﴿إذا تصدق العبد بصدقة، فإن الله يقبلها بيمينه ، فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه، حتى تبلغ مثل جبل أحد﴾.
стр. 8817
كثرة الذكر والاستغفار
ومن النوافل: كثرة الذكر والاستغفار، فأوصيكم ونفسي بكثرة الذكر قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١] وقال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] وقال: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥] وقال: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
أتى شيخ كبير إلى المصطفى ﷺ ، قال: ﴿يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ؛ فدلني على عمل أتشبث به، قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾ يقول ﵊: ﴿لأن أقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس﴾ وفي لفظ: ﴿أو غربت﴾ فالله الله في كثرة الذكر والتهليل والتكبير صباح مساء، عند الترمذي بسند حسن: ﴿من قال: سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة﴾ ويقول ﵊ في الحديث الصحيح: ﴿ألا أدلكم على ما هو أرفع لكم في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: ذكر الله﴾.
стр. 8818
منكرات شائعة
ومن الأمور التي أنبه عليها مما انتشر في المجتمعات يأتي:
стр. 8819
سفور المرأة
فإن الله حرم على الرجل أن ينظر إلى زينة المرأة الأجنبية، التي لا تحل له، وهذه قد يتهاون فيها في بعض الأماكن وخاصة في القرى، والله يقول من فوق سبع سماوات: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠].
فعلى المسلم أن يحجب أهله ومن له سلطة عليهم من الأجانب، فإن النظر إلى الأجنبيات المحرمات لا يحل، ومن استتر بستر الله ستره الله، ومن استظل بظل الله أظله الله، فعلى المسلم ألا يتساهل في هذه القضية.
وقد يتساهل في الخلطة بين الأقارب، كبنت العم وبنت الخال، وأخو الزوج لزوجة أخيه، وقد يتساهل ويجلس مع بعض المتبرجات، وهو أمر منكر يلاحظ، ولا بد أن ينهى عنه؛ لأنه يغضب الله الواحد الأحد.
стр. 8820
مسألة الغناء
ومن تلك الأمور مسألة الغناء الماجن الرخيص الذي يحبب الفاحشة والزنا، ويحبب العشق والوله، ما دخل الغناء في بيت إلا خرج منه القرآن، ولا دخل الغناء في قلب إلا خرج منه القرآن، ولا دخل الغناء في نفس ِإلا خرج من هذه النفس حب الله ورسوله، وجزاء من ترك الغناء مخافة لله أن يسمعه غناء الجنة، قيل لـ ابن عباس: ما هو غناء الجنة؟ قال: إذا اشتهى أهل الجنة الغناء، أرسل الله عليهم ريحاً باردة تهب فتصطك أغصان الجنة، فتحدث أصواتاً عجيبة، قال ابن القيم:
قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان
فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الـ إنسان كالنغمات بالأوزان
يا خيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان
стр. 8821
حفظ الوقت
بقيت مسألة، وهي مسألة حفظ الوقت عند المسلم، قال : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦].
والوقت -يا عباد الله- من أغلى ما يصان، وهو أغلى من الذهب والفضة، يقول ﵊: ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ﴾ وهذا حديث صحيح، وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع﴾ وذكر من هذه الأربع: ﴿وعمره فيما أبلاه﴾ فوالله لا يغادر الإنسان يوم العرض الأكبر الموقف وهو أجرد أمرد أغرل أبهم عريان حتى يسأله عن هذا العمر، عن الدقائق والثواني، عن الساعات والأيام والليالي.
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني
فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثاني
والذكر هو العمل الصالح، وهو أفضل ما يتقرب به إلى الله .
стр. 8822
وسائل حفظ الوقت
والوقت يحفظ بأمور:-
أعظمها ذكر الله ، ثم التنفل لمن وجد فسحة في الوقت؛ لأن الله يحاسب العبد يوم القيامة على هذه النعمة، يقول: أما فرغتك من أشغال الدنيا؟ أما جعلتك تتسود وتتربع وتتخول في الأرض؟ فيقول: نعم يا رب! قال: فماذا فعلت؟
فإني أرشد نفسي وإياكم من وجد فراغاً، وعدم شغل أو لم يجد عملاً يشغله، أن يتقرب إلى الله بالنوافل، وبكثرة التهليل والاستغفار، ومن كان تالياً لكتاب الله فليستصحب هذا الكتاب العظيم، فإنه زاد القبر، ولا زاد للإنسان إلا ما وعاه من هذا العمل الصالح، فلا ينفع يوم القيامة إلا ما قدمه العبد لنفسه.
حضرت معاذاً الوفاة ﵁ وأرضاه قال: [[مرحباً بالموت، حبيب جاء على فاقة، ما أفلح من ندم، اللهم إنك تعلم أني لم أحب الحياة لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، ولا لعمارة الدور، ولا لرفع القصور، ولكن كنت أحب الحياة لثلاثة أمور: لأمرغ وجهي في التراب ساجداً لك، ولأزاحم العلماء بالركب في حلق الذكر، ولصوم الهواجر في شدة الحر، طلباً لما عندك يا رب العالمين]] وهذا هو العمل الصالح الذي يقرب العبد يوم القيامة.
يا خادم الجسم كم تسعى لراحته أتعبت نفسك فيما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
وأكثر ما يمكن أن يخشى على الإنسان منه أن يضيع وقته بالمعاصي، فإن كثيراً من المجالس غيبة ونميمة وشهادة زور، تنتهك فيها المحرمات، ويغضب فيها رب الأرض والسماوات، وتتنزل اللعنات، نعوذ بالله من ذلك، هذه المجالس تقرب من النار، ومن غضب الواحد القهار، ومن الدمار والعار، والشنار في الدنيا والآخرة، فعلى المسلم أن يصون سمعه وبصره، وأن يتقي الله في شيخوخته وشبابه، لا يختم لنفسه بخاتمة لا تحمد عند الله؛ فإن الأعمال بالخواتيم، فإن بعض الناس يسدده الله فيصلي ويصوم ويحج ويعتمر، ثم تكون خاتمته خاتمة سوء، فيدهده على وجهه في النار؛ لأنه بعد الطاعة ينتهك محرمات الله ، كأن يغتصب قطعة أرض لا تحل له، كل هذا يحاسبه عليه الله يوم العرض الأكبر، يقول ﵊: ﴿من اغتصب شبراً من أرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة﴾ يطوقه: أي في حلقه، وقال أهل العلم: يخسف به في الأرض سبع مرات، كما أخذ هذا الشبر بحده من سبع أرضين، فنسأل الله العافية والسلامة.
стр. 8823
مكفرات الذنوب والخطايا
والمكفرات التي يمكن أن تغسلنا من الذنوب والخطايا، ويمكن أن نستظل بها وأن نتعالج من أمراضنا بها، عشر مكفرات:
أولاً: المصائب المكفرة، كلما أصابتك مصبية؛ فاحتسبها في جنب الله، من جوع ومن ظمأ، من هم، أو غم أو موت ولد أو مصيبة، يكفر الله بها من خطاياك.
المسألة الثانية: الحسنات والصالحات؛ فإنها ترفع الدرجات عند الواحد الأحد.
الأمر الثالث: دعوات المسلمين لك، فكن حسن الخلق قريباً من المسلمين؛ فإنهم سوف يحبونك ثم يدعون لك بظهر الغيب.
الأمر الرابع: دعوة المسلمين لك إذا كنت جنازة، إذا أحضرت أمام الصفوف، وقام عليك التكبير، وفارقت الأخت والأم، والزوجة والولد والأحفاد والأجداد، والدور والقصور، وتخلى عنك القريب والبعيد، فإذا دعوا لك في الجنازة بصدق؛ شفعهم الله فيك.
الأمر الخامس: سكرات الموت، وما نلقاه فيها من شدة وكرب، ومن عرق.
السادسة: ما تجده في القبر؛ فإن للقبر ضائقة وضمة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ الذي اهتز له عرش الله من فوق سبع سماوات، ما سلم من ضمة القبر كما في بعض الآثار إلا سعد بن معاذ الذي شيعه ألف ملك، فالقبر يخفف عنك من السيئات، وبعضهم ينجو بعمله الصالح من عذاب القبر.
السابعة: هول الطلوع والخروج من القبر، يوم يبعث ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، فإذا خفت كان لك كفارة.
الثامنة: شفاعة سيد الخلق ﵊؛ نسأل الله ألا يحرمنا وإياكم شفاعته، وأن يدخلنا في ظل شفاعته، وأن يجعلنا ممن يشرب من حوضه شربة لا نظمأ بعدها أبداً، فإذا انتهت هذه التسع ولم يجد إحدى هذه التسع في نفسه؛ جاءت العاشرة، وهي رحمة أرحم الراحمين، فإذا لم تدركه رحمة أرحم الراحمين كب على وجهه في النار، فنعوذ بالله من النار.
стр. 8824
الأسئلة
стр. 8825
الصدقة على السؤال
السؤال
هل يؤجر المتصدق على أي سائل؛ خصوصاً أن بعضاً من السؤَّال يحتالون على الناس؟
الجواب
قد أمر الله ألا ينهر السائل، بل يستمع منه، فإن كان عندك قرائن ودلائل، وعندك شواهد على أنه ليس بصادق، فانظر فإن تصدقت فأعطيت؛ فلن تضيع عند الله ، وإن أمسكت فلا عليك حرج، أما إذا ظهر لك بمظهر، وليس لديك دلائل أنه فقير، أو صادق أو كاذب، فأعطه، ففي بعض الآثار ولو أن فيها ضعفاً: ﴿أعط السائل ولو جاء على فرس﴾ فإنها لا تضيع عند الله ، فهذا السائل ما قام وسكب ماء وجهه أمام الناس إلا وهو يحتاج إلى معونة المسلمين، فعليهم مساعدته، فمن يتصدق فهو مأجور ومشكور، ولاينتهر السائل في المساجد، بل يترك إلا إنسان ظهر كذبه، وتكرر هذا الكذب، فتنبه عليه السلطة، ويؤخذ ويزجر، وينصح.
следующие страницы →