← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 8821–8860 · переход к 8826.

стр. 8821

حفظ الوقت بقيت مسألة، وهي مسألة حفظ الوقت عند المسلم، قال : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦]. والوقت -يا عباد الله- من أغلى ما يصان، وهو أغلى من الذهب والفضة، يقول ﵊: ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ﴾ وهذا حديث صحيح، وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع﴾ وذكر من هذه الأربع: ﴿وعمره فيما أبلاه﴾ فوالله لا يغادر الإنسان يوم العرض الأكبر الموقف وهو أجرد أمرد أغرل أبهم عريان حتى يسأله عن هذا العمر، عن الدقائق والثواني، عن الساعات والأيام والليالي. دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثاني والذكر هو العمل الصالح، وهو أفضل ما يتقرب به إلى الله .

стр. 8822

وسائل حفظ الوقت والوقت يحفظ بأمور:- أعظمها ذكر الله ، ثم التنفل لمن وجد فسحة في الوقت؛ لأن الله يحاسب العبد يوم القيامة على هذه النعمة، يقول: أما فرغتك من أشغال الدنيا؟ أما جعلتك تتسود وتتربع وتتخول في الأرض؟ فيقول: نعم يا رب! قال: فماذا فعلت؟ فإني أرشد نفسي وإياكم من وجد فراغاً، وعدم شغل أو لم يجد عملاً يشغله، أن يتقرب إلى الله بالنوافل، وبكثرة التهليل والاستغفار، ومن كان تالياً لكتاب الله فليستصحب هذا الكتاب العظيم، فإنه زاد القبر، ولا زاد للإنسان إلا ما وعاه من هذا العمل الصالح، فلا ينفع يوم القيامة إلا ما قدمه العبد لنفسه. حضرت معاذاً الوفاة ﵁ وأرضاه قال: [[مرحباً بالموت، حبيب جاء على فاقة، ما أفلح من ندم، اللهم إنك تعلم أني لم أحب الحياة لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، ولا لعمارة الدور، ولا لرفع القصور، ولكن كنت أحب الحياة لثلاثة أمور: لأمرغ وجهي في التراب ساجداً لك، ولأزاحم العلماء بالركب في حلق الذكر، ولصوم الهواجر في شدة الحر، طلباً لما عندك يا رب العالمين]] وهذا هو العمل الصالح الذي يقرب العبد يوم القيامة. يا خادم الجسم كم تسعى لراحته أتعبت نفسك فيما فيه خسران أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان وأكثر ما يمكن أن يخشى على الإنسان منه أن يضيع وقته بالمعاصي، فإن كثيراً من المجالس غيبة ونميمة وشهادة زور، تنتهك فيها المحرمات، ويغضب فيها رب الأرض والسماوات، وتتنزل اللعنات، نعوذ بالله من ذلك، هذه المجالس تقرب من النار، ومن غضب الواحد القهار، ومن الدمار والعار، والشنار في الدنيا والآخرة، فعلى المسلم أن يصون سمعه وبصره، وأن يتقي الله في شيخوخته وشبابه، لا يختم لنفسه بخاتمة لا تحمد عند الله؛ فإن الأعمال بالخواتيم، فإن بعض الناس يسدده الله فيصلي ويصوم ويحج ويعتمر، ثم تكون خاتمته خاتمة سوء، فيدهده على وجهه في النار؛ لأنه بعد الطاعة ينتهك محرمات الله ، كأن يغتصب قطعة أرض لا تحل له، كل هذا يحاسبه عليه الله يوم العرض الأكبر، يقول ﵊: ﴿من اغتصب شبراً من أرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة﴾ يطوقه: أي في حلقه، وقال أهل العلم: يخسف به في الأرض سبع مرات، كما أخذ هذا الشبر بحده من سبع أرضين، فنسأل الله العافية والسلامة.

стр. 8823

مكفرات الذنوب والخطايا والمكفرات التي يمكن أن تغسلنا من الذنوب والخطايا، ويمكن أن نستظل بها وأن نتعالج من أمراضنا بها، عشر مكفرات: أولاً: المصائب المكفرة، كلما أصابتك مصبية؛ فاحتسبها في جنب الله، من جوع ومن ظمأ، من هم، أو غم أو موت ولد أو مصيبة، يكفر الله بها من خطاياك. المسألة الثانية: الحسنات والصالحات؛ فإنها ترفع الدرجات عند الواحد الأحد. الأمر الثالث: دعوات المسلمين لك، فكن حسن الخلق قريباً من المسلمين؛ فإنهم سوف يحبونك ثم يدعون لك بظهر الغيب. الأمر الرابع: دعوة المسلمين لك إذا كنت جنازة، إذا أحضرت أمام الصفوف، وقام عليك التكبير، وفارقت الأخت والأم، والزوجة والولد والأحفاد والأجداد، والدور والقصور، وتخلى عنك القريب والبعيد، فإذا دعوا لك في الجنازة بصدق؛ شفعهم الله فيك. الأمر الخامس: سكرات الموت، وما نلقاه فيها من شدة وكرب، ومن عرق. السادسة: ما تجده في القبر؛ فإن للقبر ضائقة وضمة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ الذي اهتز له عرش الله من فوق سبع سماوات، ما سلم من ضمة القبر كما في بعض الآثار إلا سعد بن معاذ الذي شيعه ألف ملك، فالقبر يخفف عنك من السيئات، وبعضهم ينجو بعمله الصالح من عذاب القبر. السابعة: هول الطلوع والخروج من القبر، يوم يبعث ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، فإذا خفت كان لك كفارة. الثامنة: شفاعة سيد الخلق ﵊؛ نسأل الله ألا يحرمنا وإياكم شفاعته، وأن يدخلنا في ظل شفاعته، وأن يجعلنا ممن يشرب من حوضه شربة لا نظمأ بعدها أبداً، فإذا انتهت هذه التسع ولم يجد إحدى هذه التسع في نفسه؛ جاءت العاشرة، وهي رحمة أرحم الراحمين، فإذا لم تدركه رحمة أرحم الراحمين كب على وجهه في النار، فنعوذ بالله من النار.

стр. 8824

الأسئلة

стр. 8825

الصدقة على السؤال السؤال هل يؤجر المتصدق على أي سائل؛ خصوصاً أن بعضاً من السؤَّال يحتالون على الناس؟ الجواب قد أمر الله ألا ينهر السائل، بل يستمع منه، فإن كان عندك قرائن ودلائل، وعندك شواهد على أنه ليس بصادق، فانظر فإن تصدقت فأعطيت؛ فلن تضيع عند الله ، وإن أمسكت فلا عليك حرج، أما إذا ظهر لك بمظهر، وليس لديك دلائل أنه فقير، أو صادق أو كاذب، فأعطه، ففي بعض الآثار ولو أن فيها ضعفاً: ﴿أعط السائل ولو جاء على فرس﴾ فإنها لا تضيع عند الله ، فهذا السائل ما قام وسكب ماء وجهه أمام الناس إلا وهو يحتاج إلى معونة المسلمين، فعليهم مساعدته، فمن يتصدق فهو مأجور ومشكور، ولاينتهر السائل في المساجد، بل يترك إلا إنسان ظهر كذبه، وتكرر هذا الكذب، فتنبه عليه السلطة، ويؤخذ ويزجر، وينصح.

стр. 8826

كفارة الصلاة بلا خشوع السؤال ما هي كفارة الصلاة من غير خشوع؟ الجواب ليس هناك كفارة إلا محاولة العودة إلى الخشوع؛ يقول ﵊: ﴿إن من الناس من ينفتل من صلاته وماكتب له إلا عشرها، إلا تسعها، إلا ثمنها﴾ وبعضهم تكتب صلاته كلها، بحسب مراقبة الله في الصلاة والخشوع، فالإنسان إذا سها وخرج قلبه، أو فات فعليه أن يعود وليس عليه كفارة، لكن قال أهل العلم: من سها في صلاته، وما درى هل قرأ الفاتحة أو لا، فعليه أن يعيد هذه الركعة، أما من شرد ذهنه قليلاً، فهذا ليس عليه كفارة، وعليه أن يستغفر ربه، وأن يحاول الخشوع في الصلاة، ولا يسلم من هذا الذهول، والهواجس والخطرات، أحد من الناس.

стр. 8827

حكم اللعن السؤال ما حكم اللعن والدعاء على الآخرين، وما حكم التهاري؟ الجواب هذا السؤال فيه ثلاث مسائل، التهرية واللعن والدعاء، أما الدعاء فيقول ﷺ : ﴿لا تدعوا على أموالكم ولا على أنفسكم، لا تصادفوا ساعة من الله يستجاب فيها فيجيب ﴾ فعلى المسلم أن يتقي الله في أهله، وفي ماله وولده، فإن بعض الناس يدعو على أطفاله من غير تعمد؛ فتصادف من الله وقتاً إجابة فتعمد إلى هذا الطفل أو هذا المال أو هذه الزوجة، فتكون خسارته في الدنيا والآخرة، ولا يستخدم هذه الألفاظ، إلا من قل إيمانه ومراقبته لله ، ولا بأس أن يتكلم المرء بعض الكلام الذي يؤدب، أما الدعاء فأجرح ما يكون. أما التهاري ودعوة الجن فهي على قسمين: من قصد أن الجن يضرون وينفعون من دون الله وأن لهم تأثير، أو أنهم يخلقون ويميتون، وينفعون أو يضرون، ويرزقون أو يفقرون فهذا مشرك، عليه أن يتوب إلى الله ، وأما أن يكون قالها كلمة ولا يعتقد ما فيها، إنما دعا الجن، فهذا مذنب وعليه إثم من الله؛ لكنه ما أشرك وهو على نيته. وأما اللعن: فإن اللعن معناه الطرد والإبعاد من رحمة الله، وإذا لعن المال قلت بركته، وقل حاله، مرت امرأة مع الرسول ﷺ معها ناقة فقالت للناقة: لعنها الله، قال ﵊: ﴿خذي ما عليها واتركيها فإنها ملعونة، لا تصحبونا بملعون﴾ فمن لعن شيئاً من ماله قلت بركته، ولا يستفيد من هذا المال، والرسول ﵊ يقول: ﴿ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش البذيء﴾ فأوصي نفسي وإياكم بترك اللعن ونظافة اللسان، فإن الله طيب يحب الطيب .

стр. 8828

ولائم العزاء وحكمها السؤال ما حكم التجمعات والولائم في عادات العزاء؟ الجواب تجمعات وولائم العزاء كما علمتم من المنشورات التي نشرتها هيئة كبار العلماء كالشيخ عبد العزيز بن باز، وغيره من العلماء أنها أمر مبتدع، الذي يقع بين القبائل وفي القرى من ذهاب جماعة إلى جماعة، واستقبال أولئك لهم، ثم السلام عليهم وتعزيتهم في الميت ما فعلها الرسول ﵊ ولا أصحابه، وقد قال: ﴿من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد﴾ يقول جرير بن عبد الله: [[كنا نعد الاجتماع على المآتم من النياحة]] فلذلك نهى علماؤنا عن ذلك بهذه الأدلة، فأنا أقول بعد هذه النصوص: إن هذا أمر لا يجوز، وأن على المسلمين أن يتبعوا سنة الرسول ﵊ ويتركوا البدعة، فلا فلاح لهم إلا باتباع سنة الرسول ﷺ ، أما أن نقول: هذه عادتنا، وهذه تقاليدنا، ونشأنا عليها نحن وآباؤنا وأجدادنا فلا يصح لأنه معارضة للشريعة، وشريعة الله تنزل على الناس ليحكموا بها، لا ليتحكموا فيها، فإذا عرف ذلك فالأولى للإنسان أن يترك تلك التجمعات ونصب الخيام، أو استقبال وافد من كل قبيلة في مجلس استقبال، فهذا ليس بوارد ولا عليه دليل، وقد نبه علماؤنا عليه، لكن يكتب رسالة أو يتصل أو يذهب بنفسه وحده إذا كان قريباً أو بينه وبينه صلة، أما التجمع هذا فإنه منكر، من أين لنا دليل على هذا التجمع؟ ونحن لا نحكم إلا بالشريعة. وهذه التجمعات من النياحة؛ لأنها من شعارات الجاهلية، وشعارات أهل الأوثان من قريش قبل الإسلام.

стр. 8829

التعزية الشرعية السؤال ما هي السنة في العزاء؟ الجواب سنة الرسول ﷺ في الميت أنه إذا مات أن يأتي الناس فيحضرون مراسيم غسله، والصلاة عليه ودفنه، ولا بأس أن يجلسوا في المجلس، لا بأس أن يجلسوا في القرية، ويقرءوا ما يسر الله من القرآن والذكر الطيب والحديث، لكن أن يستقبلوا الناس وتذهب جماعات وتأتي جماعات ووفود، هذا ليس من السنة. والناس إذا حكموا السنة، فإن الله سوف يهديهم سواء السبيل، وينهى عن مجالس العزاء؛ لأنها تُوهم أن هناك نقصاً في شريعة الرسول ﵊، والأمر الثاني: لم يرد فيها دليل من الكتاب ولا من السنة ﴿ومن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ لم يفعلها ﷺ ولا الصحابة الأخيار، فنحن لا نفعل إلا ما فعلوا، ونترك ما تركوا. وفي الختام أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية والنجاة من النار، اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك علىالخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 8830

استثمار الأدب في خدمة الدعوة الأدب في الإسلام له دوره ومجاله في نشر الإسلام والدعوة إليه، وقد شجع الرسول الصحابة على الشعر المحمود في موطنه. فأمتنا هي أمة الأدب والعلم والفكر والجمال.

стр. 8831

الأمة الإسلامية أمة العلم والأدب الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، كانت أعيننا عمياً ففتحها بإذن الله، وكانت رءوسنا مخفوضة فرفعها بعون الله: إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها لبس المرقع وهو قائد أمة جبتِ الكنوزَ فكسَّرت أغلالها صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فإنها سعادة لي أن ألتقي بهذه الوجوه الباسمة الغانمة في هذا النادي، الذي أتى القائمون عليه ليثبتوا للناس أننا أمة العلم، يوم كانت الجاهلية تُخيِّم على الأذهان، وأننا أمة الفكر يوم سيطرت الهلوسة والهوج على عقول الناس. وأننا أمة العلم والجمال والفن العفيف المسير بطاعة الله على نور من لا إله إلا الله، يوم عرف الناس أن الفن والجمال بالمعصية والصد عن سبيل الله، فنحن أمة علم، وأمة أدب نثراً وشعراً، ندل به على الله، ونسير به إلى الله، نحتسب بالبيت الشعري ما نحتسبه بالكلمة، ونحتسب في البيت الشعري ما نحتسبه بالتسبيحة التي يسبحها العابد في المسجد؛ لأن الله أرسل رسل هداية، كما يقول ربعي بن عامر يوم أن دخل على رستم فهز إيوانه، فقال له رستم: ماذا جاء بكم؟ قال ربعي: [[جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]]. فالرسول ﷺ يوم أتى لنا -نحن أمة العرب- قبل الأمم الأخرى: ماذا كان مجدنا؟ وماذا كان تاريخنا؟ وما هي ثقافتنا؟ وما هي معرفتنا؟ لا شيء قال الله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] فأخرج أعراباً كان أحدهم يطارد الضبع، ولا يدري ما تاريخه، ولا ما مصيره! ولا لماذا خلقه الله! فوضأهم بماء التوبة، وأسمعهم أذان بلال، وأسجدهم لله على الصحراء، ونفض كل ذرة من ذرات الشرك من قلوبهم؛ فانطلقوا يهللون ويكبرون، أخذوا سيف الله تحت لا إله إلا الله، وساروا على أمواج بحر الله يُعلون لا إلا الله في المعمورة، فمات بعض الصحابة في طاشقند، ومات بعضهم في نهاوند، على أبواب القسطنطينية، وماتوا على مشارف أسبانيا، وفي رُبَى نهر الجانج، حتى قيل لـ عمر حين قال: مَن الذي قُتل في نهاوند؟ قال الأحنف: قتل فلان وفلان وفلان، وأناس لا نعرفهم، فدمعت عينا عمر وقال: [[لكن الله يعرفهم]] الله يعرف الذين قتلوا من أجله وبسببه لينشروا راية لا إله إلا الله، يعرفهم يوم يجمع الأولين والآخرين.

стр. 8832

شهيد القسطنطينية ولذلك يقول الشيخ الكبير أبو أيوب الأنصاري الذي استضاف النبي ﷺ يوم أن نزل إلى المدينة، فكان له شرف مقدمه ﵊؛ يوم أتى إلى أهل المدينة، كما يأتي النسيم العليل إلى صدر المريض، أو كما يأتي الماء البارد إلى كبد الظمآن الشديد الظمأ أو كما تأتي العافية إلى المحموم، دخل ﵊ إلى المدينة. فاستفاقت على صباح جديد ملء آذانَها أذانُ بلال فتسابق الصحابة ليأخذوا رحله ﵊، وليكون لهم شرف استضافته ﷺ ، ليتشرفوا برؤيته ﵊، ولكن كان ذلك السبق لـ أبي أيوب. أتى فأخذ بزمام ناقة الرسول ﷺ ، والرسول ﷺ يقول: ﴿دعوها فإنها مأمورة﴾ لأنها مسيَّرة في خدمة دعوة لا إله إلا الله، فلما نزل ﷺ ، سبق أبو أيوب إلى رحل رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ للناس وهو يبتسم: ﴿المرء مع رحله﴾ ثم قام باستضافته، وانتهت حياة أبي أيوب، لكن إيمانه لم ينتهِ، وحين كَبُر وشاخ، وأصبح يدبُّ على عصا كان إيمانه وقلبه شابين لم يهرما ولم يشيبا، فكثير من الناس شابٌّ، ولكنه كهل في تفكيره وإيمانه، وكثير من الناس قوي في جسمه، ولكنه هزيل ضعيف في يقينه وإيمانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤]. فقال أبو أيوب للصحابة - وهو في دمشق -: [[خذوني فوالله لأقاتلنَّ معكم الروم - وقد نيف على مائة عام - قالوا: كيف نأخذك وقد عفا الله عنك وعذرك عن الجهاد، قال: لا. إني سمعت الله يقول: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة:٤١] وأنا ثقيل فوالله لأنفرنَّ]] فلما وصل إلى أبواب القسطنطينية، قال: [[اللهم لا ترجعني من هنا وادفني في هذا المكان، حتى تبعثني يوم القيامة، بين قوم كفار، أقول بينهم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك]] ولبَّى الله له ما سأل؛ لأنه كان صادقاً، فلما انتهت المعركة، مات ودفن عند أبواب القسطنطينية، وهو مدفون هناك، وأرضه ومنزله في طيبة الطَّيِّبة؛ لكنه دفن في القسطنطينية ليشهد الإنسانية أننا حملة رسالة.

стр. 8833

محمد إقبال يصف حال المسلمين من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسـ ـمك فوق هامات النجوم منارا كنا جبالاً في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحارا فهذا شاعر الباكستان - محمد إقبال - أعجمي في لغته، لكنه متيقظ متنور، عربي في قلبه وفي فطرته، أتى يحج في مكة قبل خمسين سنة، وظن أنه سوف يلقى أبناء الصحابة، وأحفاد التابعين، حملة الرسالة الذين رفعوا لا إله إلا الله، ودوخوا كسرى وقيصر، وبنوا المساجد في المعمورة، حتى أصبحت مآذنها سبابات، كما يقول الأستاذ علي الطنطاوي في قصص من التاريخ، يقول: دخلت أسبانيا، فرأيت المآذن كأنها سبابات فبكيت والله؛ لأن المساجد حولت إلى خمارات. حين تحولنا نحن من لا إله إلا الله إلى غيرها، حولت مساجدنا التي بناها أجدادنا إلى خمارات، وإلى أرض للدعارات، وإلى حانات للفسق والخيانة والعهر، مات أصحاب الرسالة، ومات حملة لا إله إلا الله، فحج محمد إقبال شاعر الباكستان، فأخذ يتلمح في وجوه الناس، فإذا أناس لا يعيشون لله - إلا من رحم الله - الوجوه كأنها أتت من باريس، أين السنة التي تظهر على الوجوه؟ القلوب كأنها مستوردة، فهمُّ أحدهم قصر وسيارة، ووظيفة ومنصب، فأين حملة الرسالة؟ فبكى، وسجل قصيدته شكوى وجواب، يقول وهو يبتهل إلى الله ويطوف: من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسـ ـمك فوق هامات النجوم منارا كنا جبالاً في الجبال وربما سرنا على موج البحار بحارا أما سار خالد بن الوليد على موج النهر؟! أما ركب سعد بن أبي وقاص ﵁، وقال للخيل -وكانت ثلاثين ألفاً-: [[يا خيل الله اركبي]] فسمعت الصوت فاقتحمت النهر، فجمد الله لهم النهر فساروا عليه، كما جمد الله البحر لموسى ﵇؟! أما وصل عقبة بن نافع إلى أطراف المحيط وقال: [[والله لو كنت أعلم أن وراءك أرضاً لخضت بفرسي هذا المحيط، حتى أبلغ دعوة الله في تلك الأرض؟!]] . أما وقف عقبة بن نافع وهو في أرض أفريقيا، يتكلم في الغابات ويقول: [[يا أيتها الغابات! أخرجي وحوشك، وثعابينك، وذئابك، وسباعك، فإن معي أصحاب رسول الله ﷺ ]]؟! فوالله لقد خرجت الأسود من الغابة، وخرجت الثعابين، وزحفت الحيات، ثم سار بجيشه. ولذلك يقول محمد إقبال: بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا دخلنا قبرص لا بجيش ولا بكتائب، أذن مؤذن المسلمين، فانقشعت كل قلاع قبرص، وأعلنوا الإستسلام ورفعوا أيديهم؛ لأنهم سمعوا الأذان. بمعابد الإفرنج كان أذاننا قبل الكتائب يفتح الأمصارا لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها سجداتنا والأرض تقذف نارا كم سجدنا في أفريقيا! وكم سجد أجدادنا في سيبيريا وفي آسيا! ولكن حين تغير الحال وأتى أناس لا يسجدون لله، ولا يعرفون الله؛ فسلط الله عليهم أعداءهم، فساموهم سوء العذاب، واستذلوهم، وأهانوهم ومقتوهم أمام العال؛ لأن من لم يعرف الله يسلط الله عليه إنساناً لا يعرف الله ، والذي لا يخاف الله يسلط الله عليه مجرماً لا يخاف الله ، فالله يبتلي من لا يعرفه ولا يتقرب إليه بمن لا يعرفه ولا يتقرب إليه.

стр. 8834

مكانة الأدب في حياة النبي ﷺ وهذا النادي نادي أدب، والأدب عندنا نحن المسلمين، ليس أدب غناء، وليس بأن يأتي المسلم القوي العاقل فيتماجن كما تتماجن المغنية، ويذهب بعقله كما تذهب الممثلة السافرة! نحن أمة رجولة ودعوة، وأمة رسالة، نجيد الشعر، لكن في مواضعه، فرسولنا ومعلمنا ﷺ أجاز الشعر، واستمعه؛ ومع أنه لم يقله ﵊، لكنه هش وبش وحيَّا شعراءه في مسجده، ألم بقرِّب المنبر لـ حسان وقال: ﴿اهجهم وروح القدس يؤيدك﴾؟ أما جمع الشعراء في مسجده ﷺ ، وقال: ﴿اهجوهم وانتصروا؛ فإن الله يحب من المؤمن أن ينصره بكنانِه، وينصره بلسانِه﴾ فجهاد الكلمة، وجهاد اليد، وجهاد القلب، وجهاد المال مطلوب. ويقول إقبال كذلك في المقطوعة نفسها - ولا أظن أنه نُظَم مثلها -: أرواحنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا كنا نرى الأصنام من ذهب فنهـ ـدمها ونهدم فوقها الكفارا لو كان غير المسلمين لحازها كنزاً وصاغ الحلي والدينارا أتى محمود بن سبكتكين أحد سلاطين الإسلام، الذي كان يملك المشرق، وسجادته ومصحفه بشماله -كما يقول الذهبي - ومسواكه دائماً بيمينه، والذي يراه يقول: عابد من العُباد، ثوبه بسبعة دراهم، وعنده من الجيوش التي يقول فيها أحد الشعراء: ففي جيشه خمسون ألفاً كـ عنتر وأمضى وفي خُزَّانه ألف حاتم مضى بالجيش، فلما عبر نهر السند، أتى إلى بعض ملوك الهند، وإذا صنم هناك، فقال له الملك: " خذ هذا الصنم -رشوة - واتركنا في بلادنا، قال: هذا الصنم من ذهب، والله لا آخذه مالاً ولا أحوزه كنزاً؛ لأنه عُبد من دون الله " فأتى بالملك فقتله، ثم جعله فوق الصنم، ثم أشعل النار في الصنم وفي الملك، ولذلك يقول محمد إقبال: كنا نرى الأصنام من ذهب فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا لو كان غير المسلمين لحازها كنزاًَ وصاغ الحلي والدينارا

стр. 8835

أدبنا وأدب الأعداء فنحن إنما نجتمع في مثل هذه الجلسة، لنتطلع على أخبارنا وعلى سيرنا وعلى قصصنا، لأن أعداءنا يقولون: إنه ليس عندنا أدب، والأدب كل الأدب في مجدنا وتاريخنا، فهم ماذا قدموا للبشرية من أدبهم، ومن سخفهم، ومن قبحهم، ومن حقارتهم؟ قدموا المرأة الخليعة، قدموا كأس الخمر، قدموا المجلة الممسوخة من مراقبة الله، قدموا الأغنية الماجنة، قدموا الملهى والمرقص، قدموا الضلال، قدموا الصد عن الله وهدم دين الله في أرضه، ونحن قدمنا لا إله إلا الله، ورفعنا لا إله إلا الله، وعلمنا الناس أن يقولوا: لا إله إلا الله، بنينا مساجد يُسبح فيها بحمد الله صباح مساء، وتخرج من مسجده ﷺ ألف شهيد وشهيد، وألف عالِم وعالِم، وألف عابد وعابد، وألف مفكر ومفكر، كان ينطلق الصحابي الواحد، وليس عنده من الخبز إلا ما يسد جوعته، وجبة واحدة، كسرة من الخبز وسيف في غماد، ثم ينطلق مهللاً ومكبراً، يريد أن يرفع راية لا إله إلا الله محمد رسول الله. فيا إخوتي في الله! تعالوا لنرى كيف عاش ﷺ بالأدب، وكيف كان يعيش مع النوادي الأدبية، التي يجب أن تتحول -وهي الآن في طريقها- إلى أن تؤدي للأمة رسالتها الحقيقية، وتؤدي كلمة الحق، وتنفع شباب الإسلام، وتردهم إلى الله ، مسجده ﷺ في المدينة بُني من طين، ليس من (بُلُك) ولا من حديد، ولا فيه زخرفة، وليس فيه كهرباء، وليس فيه (زل شيرازي) وليس فيه (كنبات) ولا زينات ولا زخارف، بل لُبينات من طين، لكنه منارة من منارات الأرض تتلقى نور السماء، كان إمامه محمد ﷺ تلتقي به القلوب كل يوم خمس مرات، وفكر في ذهنك أنت: أن الرسول ﷺ سوف يصلي بك العشاء الليلة، وسوف تسمعه يقرأ، ثم يسلم، ثم تصافحه وتسلم عليه , وتجلس معه، أي شعور وأي كرامة! وأي نعمة فوق هذه النعمة! عاش الصحابة هذا الشعور، فكان ﷺ ، يصلي بهم وهو رسول الله، وأكرم مَن خَلَقَ الله، وأرفع من أوجد الله ، فيلتفت إليهم، ووجهُهُ كالقمر ليلة البدر: لو لم تكن فيه آيات مبينة لكان منظره ينبيك بالخبر فيتحدث معهم، فإذا هو مفتي الأمة، وليس في فن خاص؛ في الفرائض دون الفقه، أو في الفقه دون الفرائض، أو في التفسير بلا حديث، لكنَّ الله أفاض عليه من نعمته، فهو بحر لا ساحل له، يأتي إليه ملوك العرب فيعلمهم ويعطيهم، وتأتي المرأة بطفلها تستفتيه، فيأخذ طفلها -شفقة ورحمة ورقة- فيُقَبِّل طفلها ويضمه بين يديه، حتى يقول الله له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] أي: عظيم هذا الخلق الذي تتعامل مع الناس به، عظيم هذا التحمل الذي تسري في الأمة به، ويقول له: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩] أي: أنت لَيِّن، وأنت سهل، وأنت حبيب للقلوب، تحبك الأرواح، ولذلك يقول أحد المفكرين: " نحن العرب قبل أن يبعث الله فينا محمداً ﷺ ، لا يجمعنا أحد، لا سيف عنترة، ولا صحفة حاتم ولا جود هرم بن سنان أبداً؛ لأننا -كما يقولون- كقرون الثوم، كلما كَسَرتَ قرناً، وجدتَ داخله قروناً، فلمَّا أتى ﵊، تسامح كل التسامح، نسي الحقد والغضب، كظم غيظه، بش للناس، كان قريباً إلى الأرواح والقلوب، فكيف لا يحبونه؟! وكيف لا يتمنون الجلوس معه؟! يقوم في الصلاة -وانظروا إلى هذا المشهد- فيريد أن يطمئن ويقر عينه بالصلاة مع الله؛ لأنها قرة عينه، يريد أن يطيل الصلاة وأن يتدبر الآيات في الصلاة، وهو يصلي بالناس، فيسمع بكاء الطفل، فيعلم أن أمه تجد مشقةً وهي تصلي، فيتجوز في الصلاة ويسلِّم، ثم يلتفت إلى الناس فيقول: ﴿أيها الناس! إني أريد أن أطيل الصلاة، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه﴾ صلى الله عليك وسلم يا صاحب الخلق العظيم! ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. ويأتي في صلاة العصر بطفلة -وهي بنت ابنته ﷺ : ﴿فيحملها على كتفه، ويصلي إماماً بالناس، فإذا سجد وضعها في الأرض، وإذا قام رفعها﴾ من يفعل ذلك؟! إنه ﷺ ، يريد أن يكون قدوة للناس أجمعين.

стр. 8836

الأدب في مسجد الرسول جانب الأدب في مسجده ﷺ ، كان دوره أن يستمع إلى ما جمل وطاب من الكلمات، والخطب والمواعظ، فهو أفصح من نطق بالضاد، وأفصح من استخدم العبارة وأجاد الكلام ﷺ ، يرتقي المنبر يوم الجمعة، لا يُحضِّر الكلمة، ولا يكتب الخطبة؛ لأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، يقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] فهو لم يدرس، ولم يكتب ولم يتعلم، بعث بعد أربعين سنة، فإذا هو أفصح خطيب، وإذا هو أكبر مفتي، وإذا هو أعظم قائد، وإذا هو أجل مُرَبٍّ في المعمورة ﷺ ، يندفع يوم الجمعة يتكلم فلا يتلعثم بحرف، فما تسمع في المسجد إلا البكاء، يقول أحمد شوقي: وإذا خطبتَ فللمنابر هزة تعرو الندي وللقلوب بكاء يقول أنس: والله إني كنت ألتفتُ يوم الجمعة، فإذا الناس لهم خنين في المسجد، وكل وضع رأسه على ركبتيه من البكاء؛ لأنه كان يوصل القلوب بالله .

стр. 8837

الأعشى يمدح الرسول ومِن الطُّرف أن الأعشى -ونحن في مقام الأدب، وسوف نأخذ من هذه القصة عبراً- وكان الأعشى شاعر بكر بن وائل، يقول عن قبيلته وهو يمدحها: لما التقينا كشفنا عن جماجمنا ليعلموا أننا بَكر فينصرفوا قال البقية والهندي يحصدهم ولا بقيةَ إلا السيف فانكشَفوا أتى يريد أن يسلم، ويريد أن يهديه الله ، ولكن كأن الله علم عدم محبة الهداية من قلبه، والله سبحانه إذا علم منك حب الخير والهداية، والمسير إليه هداك وتولاك ورعاك: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٣ - ٢٤] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف:٥] هم الذين زاغوا، فأزاغ قلوبهم بعد أن زاغوا. فأتى هذا الرجل من اليمامة وأراد المال والدنيا، ولم يرد الهداية، فركب ناقته وكان أعْشَى لا يبصر إلا قليلاً، فلما ركب ناقته نظم قصيدة عصماء من أجلِّ القصائد عند العرب، يمدح بها رسول الله ﷺ ، ويريد أن يعطيه من مال الدنيا وذهَبِها وفضَّتِها، وجهل هذا الشاعر أن نعمة الله ورحمته أجلُّ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨] فالسعادة عند المسلم ليست ذهباً وفضة، أو سيارة أو قصراً، أو منصباً أو وظيفة، فهذه والله أتفه من الحذاء الذي في أرجلنا! وكل هذه الأمور لا تساوي جلوسك في المسجد ساعة تسبح وتقرأ القرآن، أو تدعو الله ! والله لو طلعت الشمس على كنوز الدنيا وذهبها وفضتها، ثم قلت -كما صح في صحيح مسلم. سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر -وهن أربع كلمات- لما كانت الدنيا كلها تعدل هذه الكلمات الأربع، يقول ﷺ : ﴿لأن أقول: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) أحب إلي مما طلعت عليه الشمس﴾ فهذه الدنيا زهيدة رخيصة، وسخيفة لا يعشقها إلا السخفاء، إنما نحن نتمول منها، نأكل ونشرب، ونسكن ونتعاطها؛ لأننا نمتهنها، أما إذا دخلت قلوبنا فنعوذ بالله منها. فأتى الأعشى يريد الدنيا، يقول عَزَّ مِن قائلٍ: ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء:٢٠] من أراد الدنيا يؤتيه الله من الدنيا، ومن أراد منصبها يعطيه من مناصبها، ومن أراد ذهبها وفضتها فليأخذ من ذهبها وفضتها، ولكن من أراد التقوى أعطاه الله من التقوى، ومن أراد العلم والفقه في الدين أعطاه الله من العلم والفقه في الدين: ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء:٢٠] فركب الأعشى ناقته، وأخذ يترنَّم على الناقة، يجهِّز قصيدة؛ ليعرضها على الرسول ﷺ ، ويقول: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا وعادك ما عاد السليم مسهدا شباب وشيب وافتقار وثروة فللَّه هذا الدهر كيف ترددا فآليت لا أرثي لها من كلالة ولا من وجى حتى تزور محمدا متى ما تناخي عن باب ابن هاشم تراحي وتلقي من فواضله يدا ثم أتى ببيتين من أحسن الأبيات، ويا ليته نفع نفسه بها واتعظ بها وأفادته في الحياة! لكن لم تنفعه، يقول: إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على ألاَّ تكون كمثله وأنك لم ترصد لما كان أرصدا فهذه موعظة؛ لكن ما اتعظ بها صاحبها، وكم من واعظ لا يتعظ، وكم من ناصح لا ينتصح، وكم من إنسان يرى الحق ولكن لا يتبعه! يقول الله للإنسان: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ١٠] أي: فلماذا لا يهتدي؟! ولماذا لا يسلك الطريق الصواب؟! فذهب هذا الرجل فلقيه أبو سفيان - وكان أبو سفيان عدواً للرسول في تلك الفترة - فقال: إلى أين يا أعشى؟ قال: أذهب إلى محمد الذي يزعم أنه نبي ﷺ قال: ماذا تريد؟ قال: أريد أن أمدحه بقصيدة؛ كما أمدح ملوك العرب، فيعطيني مائة ناقة، هذا مراده، وهذا مقصده، ولو كان يريد الهداية لسهل الله له الهداية، ولو كان يريد الاستقامة لأعطاه الله الاستقامة، لكن أراد الدنيا، فقال له أبو سفيان: أنا أعطيك مائة ناقة وعد من هنا؛ لأن أبا سفيان خاف أن يسلم هذا الشاعر -وقد كان وزارة إعلام متنقلة- فيفضح الجاهلية، ويندد بها في شعره، فرده بمائة ناقة فعاد، ولما قرب من الرياض، في ديراب - المكان المعروف الذي ذكره المؤرخون -وقصته ناقته، فإذا هو ميت، فلا دين ولا دنيا، لا ناقات سلمت له ولا حياة سعد بها، ولا (لا إله إلا الله) تمكنت في قلبه، ولا توجَّه إلى الله، فهذا هو التباب والخسار، وبقي هذان البيتان شاهدين عليه، يشهد كل بيت عليه، لأنه لم يتعظ. فالرسول ﵊ كان يستمع للشعر وكان يقبله.

стр. 8838

ابتسام الرسول ﷺ عند إلقاء بعض القصائد عنده يقول الأسود بن شريح: ﴿وفدت على رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! إني مدحت الله بقصيدة﴾. و السؤال هل الله يحب المدح؟ نعم: ﴿لا أحد أحب إليه المدح من الله﴾ لأن الله يستحق المدح، وهو أهل للثناء والمدح، وكل مخلوق تمدحه، فربما قد تبالغ في مدحه أو تزيد، إلا الله ﵎، وهو يحب المدح، أمَا مدحَ نفسَه في القرآن؟ أمَا قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]؟ أمَا قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:١]؟ أمَا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]؟ بلى. تبسَّم ﷺ لما سمع أن هذا الشاعر له قصيدة يمدح الله ، فقال: ﴿إن ربك يحب المدح﴾ ثم أنشده ما تيسر.

стр. 8839

توجيه طاقات الأمة إلى الله ولذلك كان ﵊، يريد أن يوجه طاقات الأمة إلى الله، فنحن في الإسلام لا نطرد الشاعر لأنه شاعر، ولا نقول له: لا مجال لك عندنا في الإسلام، بل نرحب به ونقول: ديننا يحيي هذا الفن، ولك مكان بيننا، فانصر الله بكلمة الشعر، بدلاً من أن تصف به حسناء، أو تتغزل بامرأة معصومة موقرة عفيفة، أو تتطلع بالشعر على عورات المحصنات الغافلات المؤمنات، فتوجه بالشعر إلى الله واخدم هذه الرسالة الطاهرة، وارفع من قيمة الدين، وتحدَّث عن كل شيء في الحياة، لكن بشرط أن تتقي الله. يقول ابن كثير في البداية والنهاية: " لما توفي أبو نواس، وكان أبو نواس من شعراء الدولة العباسية - وكان من الفساق في شعره وفي حياته، وعلمه عند الله -فلما توفي رئي في المنام، قيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأدخلني الجنة، قالوا: بماذا؟ قال: نظمت قصيدة وصفت فيها الوردة، ثم رددتها إلى قدرة الله ". فانظر كيف دخل الجنة من هذا الباب، فقد أتى إلى وردة باسقة في بستان، فوصفها، فأدخله الله الجنة، وقد أورد هذه الأبيات ابن كثير في تفسير سورة البقرة، ومنها: تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليكُ عيون من لجين شاخصات بأحداق هي الذهب السبيكُ على قضب الزبرجد شاهداتٌ بأن الله ليس له شريكُ فأدخله الله بهذه المقطوعة الجنة. ثم يقول ابن كثير في ترجمة جرير الشاعر قال: " رئي في المنام، قالوا: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قالوا: بماذا؟ قال: أذَّنتُ وحدي في البادية حيث لا يراني إلا الله؛ فغفر الله لي بذلك الأذان ". هل أعظم من المسلم حين يكون في سفر ويصبح وحده في الصحراء لا يراه إلا الله، ولا يطلع عليه إلا الله، فينزل من سيارته، أو من مركوبه، ويقف ويتوضأ ثم يؤذن في الصحراء، يرفع كلمة التوحيد في الصحراء، حيث لا يسمعه إلا الشجر أو الحجر أو المدر، لأن هذه تشهد له يوم القيامة، ولذلك كان ﷺ يريد أن يدخل الإنسان إلى هذا الدين وإلى أبواب الجنة، إن كنت متكلماً خطيباً فاتقِ الله في خطابتك، واخدم بها هذا الدين، وإن كنت شاعراً مطبقاً مصقعاً فادخل أبواب الجنة بشعرك، وارفع به راية الإسلام، وإن كنت راسماً فناناً فاتقِ الله في رسمك واخدم به دينك، ارسم ما يقرب قدره إلى الأذهان، ممَّا لا روح فيه، ولا تضاه خلق الله، ولكن قرب الطبيعة إلى الناس، علمهم قدرة الله، بين لهم كيف خلق الله الزهرة، وكيف أبدع لونها، وكيف أرسل شذاها، وكيف جمل مرآها، وكيف سوَّى معناها؛ لتنال المحبة من الله والرضا. إن من أراد دخول الجنة ما عليه إلا أن يصدق مع الله، ثم ليفتح باباً له، فإن الأبواب بعدد الأنفاس.

стр. 8840

قول الصحابة للأدب والشعر ضكان ﵊ يعلم الصحابة أن يقولوا الشعر والأدب -لأننا في ناد للأدب والشعر والثقافة- فكانوا يرتجزون، ليسوا كمثلنا على الكراسي الآن، نقول القصائد العصماء، ونقول القصائد التي نكسر بها رءوس اليهود لكن في الواقع ما كسرنا رأس أحد، أما هم فإن عبد الله بن رواحة يقول - وهو يحمل الراية في مؤتة، وهو يحمل سيفه وقد كسر غمد سيفه على ركبته - يقول: والله لا أعود إلى الدنيا، ثم يقول: أقسمت يا نفس لتنزلنه لتنزلن أو لتكرهنه إن أقبل الناس وشدوا الرنة مالي أراك تكرهين الجنة هل أنت إلا نطفة في شنة فهو يحلف على نفسه أن تنزل إلى المعركة. فنزل مع الغروب، وأدركته الراية، لأنه هو القائد الثالث من القواد الذين عيَّنهم رسول الله ﷺ ، وكانوا ثلاثة آلاف في مقابل مائتي ألف، فلما أتى الغروب قال للناس: إني صائم ولا أستطيع المقاتلة، فناولوني شيئاً آكله، فناولوه عرق لحم، فأخذ منه قطعة - لقمة - فأراد أن يستسيغها وأن يبتلعها فما استطاع - فهو يسمع مع الغروب تحطيم السيوف، ويسمع الرماح وهي تتكسر على رءوس الأبطال، ومعه أصحاب محمد ﷺ قال: والله لا آكل من هذا ولا آكل إلا في الجنة - إن شاء الله - ثم رمى بالعرق من يده، ثم أقبل وهو يقول: أقسمت يا نفس لتنزلنه لتنزلن أو لتكرهنه إن أقبل الناس وشدوا الرنة مالي أراك تكرهين الجنة هل أنت إلا نطفة في شنة يقول: أما تسمعين حَطَمَة السيوف؟ من يكره الجنة؟! الذي يبقى في الحياة، ويحب أن يحيا بلا طاعة ولا عبادة، ولا اتصال بالله يكره الجنة. وقبله أتى الشاب جعفر ﵁ وأرضاه، فأتى يقول: يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها إي والله، أمَّا الدنيا فليست بطيبة، لأنك إذا شبعتَ في الدنيا تنغصتَ بذلك، وإذا سررت وفرحت بأبنائك نغص عليك الموت هذه الفرحة، وإذا اجتمع أهلك فرقهم هاذم اللذات، وإذا صحَّ جسمك أتاه الهرم والأمراض والتعاسة، وإذا رأيت ببصرك، وأمعنت النظر، أتاك العمى والعمش، وإذا سمعت الصوت الجميل بأذنَيك، فهي مرحلة ويصيبك بعدها الصمم أو تموت، فهي دنيا منغصة، يقول الحسن البصري: [[ابتغوا لأنفسكم داراً غير هذه الدار، فإن الموت قد فضح هذه الدار]]. حتى يقول عبد الملك بن مروان لما حضرته الوفاة -كما ذكر عنه الذهبي في المجلد الرابع من سير أعلام النبلاء - يقول: [[أنزلوني من على عرش الملك وسريره، فأنزلوه، فأخذ يمرغ وجهه في التراب ويبكي، ويقول: يا من لا يزول ملكه! ارحم من زال ملكه، وسمع وهو في سكرات الموت غسالاً ينشد، فقال: يا ليت أمي لم تلدني! يا ليتني كنت غسالاً! يا ليتني ما توليت أمر الأمة!]] قال سعيد بن المسيب: [[الحمد الذي جعلهم يفرون عند الموت إلينا، ولا نفر إليهم]] ولذلك يقول علي فيما حُفِظ عنه ﵁ وأرضاه وهو يبكي على منبر الكوفة يوم الجمعة: لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت بانيها فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدار نبنيها أين الملوك التي كانت مسلطنة حتى سقاها بكأس الموت ساقيها فاعمل لدار غداً رضوانُ خازنها والجار أحمد والرحمن بانيها قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها فلذلك كان من المهم عند المسلم أن يعمل لتلك الدار. والشاهد من هذه القصة، أن العمل والاتجاه إنما يكون لدار البقاء لا لدار الفناء. التي لا بقاء فيها، فهي دار ذاهبة مرتحلة.

стр. 8841

مساجلة شعرية بين يدي الرسول وحين أتى وفد بني تميم يريدون أن يسلموا بين يدي رسول الله ﷺ اختاروا سبعة من رؤسائهم، اختاروا أحلمهم، وخطيبهم، وشاعرهم، وسيدهم، وشجاعهم، وكريمهم، ثم وفدوا، وأتوا بُحلة من الديباج اشتروها بستين ناقة، ولما وفدوا قالوا: يا رسول الله! قال: نعم، قالوا: قبل أن نسلم بين يديك لا بد أن نفاخرك، قال: بماذا تفاخروني؟ قالوا: عندنا شاعر العرب الزبرقان بن بدر، وعندنا الخطيب حاجب بن زرارة، فقال ﷺ : لا بأس، فجمع ﷺ الناس في المسجد، ليريهم سهولة الدين، ويريهم سماحة الدين فاجتمعوا جميعاً، فقام خطيبهم يتكلم ويمدح بني تميم بين يدي رسول الله ﷺ ، فلما انتهوا قال: انتهى خطيبكم؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: أين ثابت بن قيس بن شماس؟ -خطيب الصحابة- فقال: هأنذا يا رسول الله! فقال رسول الله: قم، اللهم أيده، وثبِّت جنانه، وسدِّد لسانه، وهذه دعوات الرسول ﷺ تكفي له أبداً، فقام على المنبر وافتتح خطبةً ما سمع الناس بمثلها، كأنها صواعق، حتى أنزل العرق من جبين كل أحد منهم، وأعلنوا الاستسلام بين يدي خطيب الرسول ﷺ ، ثم قام الزبرقان بن بدر شاعر بني تميم، فقام يمدح بني تميم: نحن الملوك فلا حي يغالبنا منا الملوك وفينا تنصب البِيَعُ فألقى حوالي خمسين بيتاًَ في مدح بني تميم، وسكت عن الرسول ﷺ والصحابة، فقال رسول الله ﷺ : أين أنت يا حسان؟ قال: عندك يا رسول الله! -وحسان بن ثابت شاعر الإسلام، شاعر الدعوة - قال: أتستطيع أن ترد على هذا؟ - لأن هذا بهت الناس، جاء بقصيدة جزلة قوية، ارتجلها وأعد لها، ومحص كلماتها، والموقف عجل، لا يتحمل أن يعد حسان، بل يَرُد في الحال، فقال حسان عندي رد لهم يا رسول الله! عندي لسان لو وضعتُه على شعر لحلقه، ولو وضعتُه على حجر لفلقه، ثم أخرج لسانه وضرب أرنبة أنفه، ثم ألقى قصيدة عصماء، فكانت أعظم من قصيدتهم، وقالوا: غلب خطيبك خطيبنا، وشاعرك شاعرنا، مدَّ يدك نبايعك على لا إله إلا الله، فدخلوا في دين الله.

стр. 8842

تنوع تخصصات الصحابة والرسول ﵊ كانت لديه الاستعدادات الدعوية، فكان يوظف المؤهلين والمتخصصين في وظائفهم، فـ أبو بكر رجل الخلافة بعد موته ﷺ ، لأنه يجيد إدارة الأمة، وتصريف الأمور، وعمر رجل الحزم والمواقف الجادة، وعثمان رجل السكينة والحياء، وعلي رجل المنبر والكلمة النافذة في الأجيال، الصانعة للقلوب، وابن مسعود رجل الدعوة، والسريان في الناس وتخريج الأجيال، وابن عباس رجل القرآن، يستخرج كنوزه ودرره، وزيد بن ثابت فرضي، وخالد بن الوليد ضارب الأعناق في سبيل الله، وسعد بن أبي وقاص الذي حطم إيوان كسرى وزلزل امبراطورية الظلمة الخونة، أعداء الله في الأرض، قد علم كل أناس مشربهم، ﴿أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد:١٧] فمن كان واديه علم، فليصل بالعلم إلى طاعة الله، ومن كان واديه عبادة، فليصل بعبادته إلى الله، ومن كان عنده مهنة أو تجارة، فليخدم بتجارته شريعة الله، ومن كان عنده أدب وفن وخطابة، فليخدم بأدبه دعوة الله، ومن كان جندياً فليحمل راية الله، ومن كان فلاحاً فليتق الله في زراعته وليرفع من مستواه عند الله، فالمراد منا أن نكون عبيداً لله، وما عندنا رجال دين، ورجال آخرون لا يشتغلون بالدين، الذي لا يشتغل بالدين يشتغل بالباطل، وبالسخف، وباللهو، وباللعب، يقول عز من قائل: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢].

стр. 8843

الاجتماع من أجل مدارسة أمر الأمة اعلم أن الرسول ﵊ أوقف حياته وحياة أصحابه لخدمة هذا الدين، يقول ابن القيم: " ما كانت تمر به لحظة ﷺ ، إلا ويصرفها في طاعة الله " ونحن في هذا النادي نجتمع لنتدارس أمر أمتنا، كيف كنا بالأمس! وكيف أصبحنا اليوم! يا سبحان الله! يقول الأول لما رأى مجدنا، ورأى مساجد طويلة عريضة ولا يصلي فيها إلا صف، والحارات والأحياء مكتظة بالسكان! فأين الأمة الحية؟! أين أمة الرسالة؟! أين أحفاد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد وطارق؟! أين هم؟! أماتوا؟! أرى التفكير أدركه خمول ولم تبق العزائم في اشتعال وأصبح وعظكم من غير نور ولا سحر يطل من المقال وعند الناس فلسفة وفكر ولكن أين تلقين الغزالي منائركم علت في كل ساحٍ ومسجدكم من العباد خالي اتقوا الله، زخرفنا المنائر، جملنا المساجد، تباهينا بالعمران، لكن القلوب ميتة. وجلجلة الأذان بكل حي ولكن أين صوت من بلال أما الأذان والمؤذنون فإنهم على الأوقات، لأن هناك أجراً، ولكن لا مصلين، لا علم يُدرس في المساجد، لا فقه في الدين، لا تحمس لرسالة الله ، فموقفنا هذا ينبغي أن يكون أحسن وأحسن، أقرب إلى الله وأقرب وأجد، لأن الأمة التي تحمل الرسالة، لا تشتغل من الدنيا إلا بما تقوم به حياتها، ولا تأخذ من الدنيا إلا حاجتها، فليُعْلم ذلك، فإنه من العلم الذي لا بد أن يعلمه الناس، وهو معلوم عند الكثير.

стр. 8844

معايشة الرسول والجلوس معه إن واجبنا -أيها الإخوة الفضلاء! - أن نستقرئ تاريخ رسولنا ﷺ ، وأيامه ولياليه، فإن العيش معه هو والله عيش السعادة، وإن حلاوة الإيمان لا تحصل حتى تتعرف على أحاديثه، وعلى أسرار كلامه، وتستقرئ سيرته، كيف كان يأكل ويشرب، كيف كان يصلي ويجلس ويصوم ويزكي ويعتمر، لأن الله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١]. نسينا في ودادك كل غالٍ فأنت الآن أغلى ما لدينا نلام على محبتكم ويكفي لنا شرفاً نلام وما علينا ولمَّا نلقكم لكنَّ شوقاً يذكرنا فكيف إذا التقينا تسلى الناس بالدنيا وإنا لعمر الله بعدك ما سلينا الذي يريد أن يهديه الله الصراط المستقيم، فليجعل من حياته عملاً صالحاً وليجعل من رسول الله ﷺ قدوة له. قيل لـ ابن المبارك: [[كيف تذهب وتتركنا، وتجلس وحدك في البيت؟ قال: أنتم لا خير فيكم، أنتم تغتابون الناس، وأنا أجلس مع رسول الله ﷺ ، ومع الصحابة، قالوا: كيف تجلس وبينك وبينهم مائة وعشرين سنة؟ قال: إني أقرأ في الكتب أخبارهم وأعلامهم، فكأني جالس معهم]] جلوسك من صحيح البخاري، وصحيح مسلم جنة إن كان في الدنيا جنة، وسعادة إن كانت في الدنيا سعادة، أحسن لك وأولى من أن تجلس مع المعرضين الصادين عن الله . وأسأل الله -كما جمعنا في هذا المجلس الطيب العامر، والنادي القوي الموجَّه- أن يجمعنا في مستقر رحمته، يوم يتقبل الله عنا أحسن ما عملنا، ويتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون، اللهم بعلمك الغيب , وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى على محمد وعلى آله وصبحه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 8845

الأسئلة .

стр. 8846

من قصائد الشيخ عائض السؤال فضيلة الشيخ هل يمكن أن تسمعنا قصيدة من قصائدك؟ الجواب لا بأس بذلك، سبق في الكلمة أنني ذكرت أنه نسب إلى علي ﵁ قوله: لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت بانيها فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها ولي قصيدة على تلك القصيدة اسميتها: دمعة الخنساء: دنياك تزهو ولا تدري بما فيها إياك إياك لا تأمن عواديها تحلو الحياة لأجيال فتنعشهم ويدرك الموت أجيالاً فيفنيها عاريّة المال قد ردت لصاحبها وأكنف البيت قد عادت لبانيها والأينق العشر قد هضت أجنتها وثلة الورق قد ضجت بواكيها يا رب نفسي كبت مما ألم بها فزكها يا كريم أنت هاديها هامت إليك فلما أجهدت تعباً رنت إليك فحنت قبل حاديها إذا تشكت كلال السير أسعدها شوق القدوم فتعدو في تدانيها حتى إذا ما كبت خوفاً لخالقها ترقرق الدمع حزناً من مآقيها فإن عفوت فظني فيك يا أملي وإن سطوت فقد حلت بجانيها إن لم تجرني برشد منك في سفري فسوف أبقى ضليلاً في الفلا فيها وهنا أبيات من قصيدة نظمتها في موسم الحج، في الدعاة: يا مجمع الخير حيوا لي محياه نداء حق من الفصحى سمعناه قد أطرب الأذن فانصاغت لنغمته وأطرقت برهة تصغي لفحواه يقول للجيل والإيمان رافده عودوا إلى الله فقد ناداكم الله يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه كم نطلب الله في ضر يحل بنا فإن تولت بلايانا نسيناه ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا فإن رجعنا إلى الشاطي نسيناه ونركب الجو في أمن وفي دعة فما سقطنا لأن الحافظ الله فلا تغرنك الدنيا وزينتها فإنها طلل قد هد أعلاه كن كالصحابة في زهد وفي ورع القوم هم ما لهم في الناس أشباه عُبَّاد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه في الخد أجراه وأسد غاب إذا نادى الجهاد به هبوا إلى الموت يستجدون لقياه يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدوا لنا مجداً أضعناه

стр. 8847

أثر المدارس الأوروبية الأدبية على فكر الشباب المعاصر السؤال فضيلة الشيخ لقد اتجه الأدباء في هذا العصور الحديثة إلى المدارس الأدبية الأوروبية الكافرة، وأصبحوا ينهجون منهجهم، ويتبعون بعض أفكارهم، مما أثر على فكر الشباب المعاصر، فما رأيكم في هذا؟ الجواب هذا الكلام واقع، والشيوعية الماركسية جربت نشر الإلحاد بالمادة وبالاقتصاد قبل ما يقارب أربعين سنة، فنجحت بعض النجاح، فلما أتى الأدب واشتغل الناس بالثقافة، وردت إلى السوق بالأدب، وهذا الأدب الإلحادي يصد الإنسان ويجعله أديباً منسلخاً عن قيمه ورسالته ومبادئه، ولذلك وجد في العالم العربي شعراء ألحدوا بالله ، وكفروا به؛ لأنهم اتجهوا إلى الفن، وظنوا أن معنى الأدب أن ينسلخ الإنسان عن إيمانه، وأتوا بقصائد الكفر والإلحاد، مثل قصيدة بشارة الخوري، المسيحي، الذي يقول عن القومية العربية مهاجماً بها الدين: بلادك قدمها على كل ملة ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم هبوا لي دينا يجعل العرب أمة وسيروا بجثماني على دين برهم يقول: سيروا بجثماني على دين برهمٍ، ولا تذكروا لي الإسلام، إذا كان يفرق بين العروبة، فكفر بهذه الكلمة، وأتى السياب في العراق بقصائد يستحي الإنسان أن يقولها، وأتى أدونيس وهو شاعر فلسطيني، سمى نفسه باسم صنم من أصنام اليونان التي كانت تعبد من دون الله، ثم ألحد بشعره، فأتت هذه الموجة تدعو الناس أن يتجهوا إلى هذا المذهب الفكري المنسلخ من لا إله إلا الله، ولكن بقي الحق في الساحة، لأن سنة الله تعالى في الخلق أن تبقى عصابة تدافع عن الدين بالأدب وبالشعر وبالنثر وبالخطابة وبالقصة وبالموعظة وبالعلم وبالعبادة، فأبقى الله من يذب عن دينه من الأدباء الصالحين، ومن التمس أدبهم وجده، لكن هذا السؤال يحتاج إلى محاضرة واستقراءٍ لما قالوا في الساحة، ولما تكلموا به ولما كفروا في شعرهم به -نعوذ بالله من ذلك- فإن بعض الكلام يُسْتَحيا أن يُذْكَر في مثل هذا المجلس، ونكرم مجلسنا أن نذكر كلامهم فيه.

стр. 8848

التشكيك في قدرة كعب بن زهير الشعرية السؤال بعض أدباء الشعر يشكك في قدرة كعب بن زهير الشاعرية، ويخبر أحدهم أنه في قصيدته البردة بنى منها خمسة عشر بيتاً على وزن أبياتٍ لـ كعب بن مالك. الجواب أولاً هذا الكلام الوارد عارٍ من الدليل، وما أعرف أحداً من أهل العلم ولا أهل السير، ولا أهل التاريخ، ذكر هذه القضية. أولاً: كان كعب بن زهير مزنياً من مُزَينة، وكعب بن مالك أنصاري، ﵁ أورضاه. ثانياً: كيف يُنكَر أن القصيدة لذاك الرجل، وهو فحل في الشعر لا يقارَن، وهو ابن زهير بن أبي سلمى، الذي كان من شعراء العرب، فما هو دليله على إيراد هذه الكلمة؟ على أن حديث بانت سعاد، ضعيف عند المحدثين، بأنه ألقاه عند الرسول ﷺ ؛ لكنه يستند أولاً إلى أن القصيدة في جودتها وفي أصالتها، لا بد أن لها أصلاً، ولا يقولها إلاً مثل كعب، أما هذا الكلام فليس بصحيح، من ثلاثة واجهات: أولاً: بُعْدُ ما بين الرجلين. ثانياً: شاعرية كعب بن زهير، فهو أقوى من شاعرية كعب بن مالك فكيف يحتاج إليه؟! ثالثاً: أنه ذكر التوبة والإنابة فيها، والرجوع إلى الرسول ﷺ ، وأما كعب بن مالك فلم يقع منه ذلك في تلك الفترة حتى يذكر هذا.

стр. 8849

حكم الإسلام في الهجاء بالشعر السؤال من المعروف أنه حدث في عصر من عصور الإسلام معركة كانت بين جرير والفرزدق، بالشعر يهجو بعضهم بعضاً، فما هو رأي الإسلام في مثل هذا الهجاء بين الأخ وأخيه المسلم؟ الجواب نعم، هذا الكلام ورد، ولذلك ألفت النقائض، والعجيب أن مطابع النصارى، مثل مطابع لبنان، لا تخرج إلا النقائض، أمسكت عن الشعر الإسلامي الذي يستفاد منه، وديوان حسان وأمثاله، ثم أخذت النقائض ونشرتها بين الناس وبين الأمة العربية الإسلامية، لتثير الدخيلة بينهم والضغائن والحقد والغش، كما وقع بين جرير والفرزدق، وكلاهما من بني تميم. النقائض: هذا يهجو هذا، وهذا يرد عليه، وربما تطرق للقبيلة بأسرها فهجاها، وصح عنه ﷺ ، أنه قال: ﴿إن من أفرى الفرى أن يهجو الشاعر القبيلة بأسرها﴾ وهذه فرية على الله ، فرأي الإسلام أن هذا الأمر حرام، وسب المسلم أو شتمه أو لعنه كقتله، نعوذ بالله من ذلك، فليُعْلم - بارك الله فيكم - أن هذا فرى، وأنه دجل وضياع للعمر، وأنه صد عن طاعة الله ، ولا يفعل ذلك إلا من سفه نفسه، وليس له رسالة في الحياة، وهؤلاء نأخذ شعرهم مثل جرير والفرزدق في جانب الأدب والاستشهاد، أما في جانب القضايا الاجتماعية والأخلاق، فلا نأخذ ديننا إلا من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ .

стр. 8850

الأمنية العذبة في شرح حديث الغربة إن الغربة سنة كونية شعر بها الإنسان أم لم يشعر، فلها مفهوم عام وخاص، ولها أنواع وحالات، بل ولها أناس يتصفون بها. فما معنى الغربة؟ وما هي حقيقتها؟ وما هي أنواعها؟ ومن هم الغرباء؟ وما هي صفاتهم؟ وما هي أحوالهم؟ هذا ما أجاب عليه الشيخ حفظه الله في هذا الدرس بالشرح والتفصيل والتوضيح بالأمثلة من التاريخ والواقع.

стр. 8851

ابن عمر وحديثه عن الغربة الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير، الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكراً. والصلاة والسلام على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، المعلم الجليل، الهادي النبيل، وعلى آله وصحبه أجمعين. وأشهد أن لا إله إلا الله، شهادة تكون لي ولكم حجة عند الله ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. بين يدي الحديث: أتيتُ من أبها بلاد الجمال أقول: أهلاً مرحباً بالرجال تعالَ يا من قلبه في العلا يهوى المعالي ويحب الجلال أحبكم في الله سبحانه يجمعنا الله بدار الكمال روض النبي المصطفى وارفٌ أزهاره فاحت بريا الجمال ميراثه فينا جميل الحلى وأنتم أحفاده يا رجال نعم فهذا الحديث عن الغربة، يوم يعيش المسلم غريباً بين أهله، غريباً في حَيِّه، غريباً في مجتمعه، غريباً في أمته. ولنستمع خاشعين إلى حديث المصطفى ﷺ الذي يفيض روحانية وهداية ونوراً، وكأن لسان الحال للقارئ يقول للمصطفى ﷺ : بالله لفظك هذا سال من عسل أم قد صببت على أفواهنا العسلا أم المعاني اللواتي قد أتيتَ بها أرى بها الدر والياقوت متصلا لو ذاقها مذنف قامت حشاشتُه ولو رآها غريبٌ دارُه لسلا عن ابن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي، وقال: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل﴾ كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل، كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وكان ابن عمر ﵄ يقول: [[إذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك]] رواه الإمام البخاري وابن ماجة والإمام أحمد والبيهقي وأبو نعيم، وجَمٌّ غفير من أهل العلم والحديث صحيح وفيه قضايا: القضية الأولى: من هو ابن عمر، صاحبنا هذه الليلة، حياه الله وبياه وحيا الله جهده وإيمانه وإخلاصه، إنه تلميذ من مدرسة المعلم الكبير محمد ﷺ ، بأبي هو وأمي من معلم. ابن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. نسب كأن عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عمودا عاش مع الرسول ﵊ الإيمان والحب والطموح، وتعلم في مدرسته، وله أحاديث ذكر صاحب كتاب الزهد الإمام وكيع بسند حسن، أن ابن عمر ﵁ وأرضاه من كثرة خشيته لله ومن كثرة بكائه، قرأ من سورة المطففين حتى بلغ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] فبكى حتى أغمي عليه، وهي والله من أعظم الكلمات، وهي والله عبرة للمعتبر، يوم يتصور المسلم والمسلمة، والذكر والأنثى يوم يقوم من القبر لرب العالمين! أيُّ منظرٍ هذا؟ أيُّ هَولٍ هذا؟ أيُّ دهشٍ هذا؟ وهذا استطراد ولكن لحكمة! ولذلك روى ابن كثير أن الخليفة العباسي المهدي دخل المسجد النبوي على صاحبه الصلاة والسلام، فقام له الناس جميعاً إلا ابن أبي ذئب فقال له المهدي: قام لي الناس إلا أنت، قال: كِدت أقوم، فذكرت قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] فتركت هذا القيام لذاك اليوم، قال المهدي: اجلس فوالله ما بقيت شعرة في رأسي إلا قامت. ابن عمر في صحيح البخاري أنه ﵁ وأرضاه قال: ﴿كنتُ عَزَباً، وكنتُ أنام في المسجد، وكان الناس يرون الرؤى فيعرضونها على رسول الله ﷺ بعد صلاة الصبح -فأراد ابن عمر أن يشارك الناس، ويرى رؤيا، فكان يتمنى أن يرى رؤيا في المنام علَّه يظفر بعرضها على المصطفى ﵊ فرأيتُ في المنام كأن رجلين أتياني فأخذا بيديَّ -باليمنى واليسرى- فذهبا بي إلى بئر مطوية، فإذا بها بئر مطوية، ولها قرنان، فخفتُ، وفزعت، فقال لي الملكان: لَمْ تُرَعْ، لَمْ تُرَعْ -أي: لا تخف، لا تخف- قال: ثم أعطياني قطعة من حرير، لا أُشير بها إلى روضة في الجنة إلا طارت بي إلى تلك الروضة، فلما أصبحتُ في الصباح، استحيت أن أعرض الرؤيا على رسول الهدى ﷺ ، فعرضهتا على حفصة، فعرضتها على الرسول ﵊، فقال: نِعْم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل، قال نافع: فوالله الذي لا إله إلا هو ما كان عبد الله ينام من الليل إلا قليلاً﴾ كان يسجد في الحرم، ويبكي، ويقول في سجوده: اللهم إنك تعلم أني ما تركت الخلافة لقريش إلا من مخافتك، أي نعم والله: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب﴾ بقي هذا الحديث يرن في ذهنه صباح مساء، لا ينساه أبداً إنها وصية محمد ﵊. كان زاهداً بمعنى الزهد، ثيابه وماله وبيته كثياب ومال وبيت من ترك الدنيا لوجه الله . ابن عمر ﵁ وأرضاه كان ذكياً في مجلسه ﷺ ، كان يقول: قال ﷺ مرة من المرات: ﴿شجرةٌ مَثَلُها كمَثَلِ المسلم، حدثوني ما هي؟ -والحديث في الصحيحين - فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي: أنها النخلة، فاستحييت، فقال ﵊: هي النخلة، فأخبرت أبي فقال: ودِدْتُ أنكَ قلتَ ذلك، وأنها بكذا وكذا من الدنيا﴾ أو كما قال. كان يقرأ كل ليلة: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] ويبكي ويقول: [[هو عثمان بن عفان]] مضى لسبيلِه وما تدنس من الدنيا بشيء، بقي إيمانه وإخلاصه وزهده وعبادته.

стр. 8852

فضايا في حديث الغربة أما قضايا الحديث: فأولها: ما هو المعنى المتجه للحديث، عند الفقهاء من المحدثين؟ والقضية الثانية: ما هية الغربة التي أشار إليها الحديث؟ وأول ما نتناول بالدراسة في هذه الليلة: الغربة الأولى: غربة أهل السنة بين أهل البدعة. الغربة الثانية: غربة المسلمين بين الكفار. الغربة الثالثة: غربة المستقيمين بين المتفلتين، والعصاة. وغربة أهل السنة، هي أهم ما ندرسه في هذه الليلة، حيث: نعرِّج بمبدأ البدعة، كيف انتشرت، وكيف حاربها ﷺ . ثم نمر بـ عمر بن الخطاب حصن الإسلام ﵁ وأرضاه، ونقف مع مبتدع يجلده عمر، ويؤدبه. ثم نمضي إلى علي بن أبي طالب وهو يصارع البدع، ويلاحق المبتدعة، ويحرقهم بالنار. ثم مدرسة واصل بن عطاء الابتداعية، وموقف الحسن من ذلك. ثم المأمون وما أدخل في ديار الإسلام من بدع، وموقف أهل السنة والجماعة على رأسهم الإمام الموفق الجهبذ العظيم أحمد بن حنبل. ثم نمُرُّ بـ أحمد بن نصر الخزاعي يوم ذُبِح كما تذبح الشاة من أجل نصرة السنة، شهيداً في سبيل الله. ثم المدرسة الكبرى التنظيرية العلمية العملية، الميدانية، التي أسس كيانها شيخ الإسلام ابن تيمية. ثم التفوق السني العجيب الذي حققه الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وموقف الدنيا في تلك الفترة منه ومن دعوته. ثم مسائل في الحديث، تمر معنا إن شاء الله.

стр. 8853

شرح صدر حديث الغربة يقول ابن عمر ﵄: ﴿أخذ ﷺ بمنكبيَّ، وفي لفظ: بمنكبِي﴾. ولكن الأخذ بالمنكب فيه دلالة وأي دلالة، فقد كان ﵊ حبيباً إلى القلوب كان سهلاً إلى الأرواح كان ليناً كما وصفه الله بقوله سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]. كان ربما شبك أصابعه بأصابع أحد الصحابة، ليُظهِر الأُنس والوداد والقرب، يقول معاذ كما في: سنن أبي داود بسند صحيح: ﴿أخذ ﷺ بيَدِي، فقال: يا معاذ! والله إني لأحبك﴾ انظر! ما أحسن القسم! ﴿والله إني لأحبك، لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك﴾ جاءه جرير بن عبد الله البجلي، فقال: ﴿يا رسول الله! أنا رجل لا أثبت على الخيل، فضرب في صدره، وقال: اللهم اجعله هادياً مهدياً﴾ فثبت على الخيل بإذن الله، أيُّ حبٍّ؟ وأيُّ سِعَةِ خاطرٍِ؟ وأيُّ فيضٍ من الحنانِ تركه في الدنيا ﵊؟! كان ابن عمر في تلك الفترة شاباً، والشاب تضره نفسه عُجْبٌ وزَهْوٌ ولِبْسٌ وعطرٌ وطِيبٌ وأخذٌ وعطاءٌ وتناولٌ وتداولٌ لكن لقنه ﷺ درساً لا ينساه، قال: ﴿أخذ بمنكبَيَّ، فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل﴾ وهذا ترقٍ عند المحدِّثين.

стр. 8854

الغربة والغرباء يقول له: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب﴾: أرأيتَ الغريبَ الذي نزل في بلدة ليس له زوجة، ولا ولد، ولا والدة، ولا أحباب ولا أصحاب، ولا أصدقاء، ليس له دار، ولا قصر، ولا مزرعة ولا بستان، يريد ﷺ من ابن عمر ومن المسلم أن يكون هكذا. أرأيت الغريب المضطهد، الذي لا يُنظَر إليه بعين الرأفة والرحمة بين قوم غرباء، يرون أنه نزل ليرتحل؟! يريد ﷺ من ابن عمر ومنا أن نكون ذلك. أرأيتَ الغريبَ الذي لا يدري متى يرتحل، لا يعرف البلدة، ولا يعرف في البلدة معروفاً؟ غريبٌ من الخلان في كل بلدة إذا عَظُمَ المطلوبُ قلَّ المُساعِدُ فقال له ﷺ : ﴿كن في الدنيا كأنك غريب﴾ أرأيت هذه الدنيا، إنها دنيا، ويكفي أنه اشتق اسمها من الدنو، أو من الدناءة، من الدنوِّ: من قرب تصَرُّمِها وانتهائها ولقائنا بالله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦] هذه الدنيا يريد ﷺ منا أن نكون فيها غرباء.

стр. 8855

غربة أهل الاستقامة بين أهل المعاصي والغربة على أنواع: غربة الرجل في أهله وفي بيته: يوم يريد الإسلام أن يدخل بيته، ولكن زوجته وأطفاله وجيرانه لا يريدون الإسلام، فهو غريب يُدخل السنة؛ فيُخرجونها يتكلم بالسنة فيُسكتونه، يفعل السنة فيُحاربونه فهو غريب. وغربة الشاب في أسرته: يوم يهديه الله صراطاً مستقيماً، يوم يدله على سبيل النجاة، فيجد أول من يحاربه في البيت أبوه وأمه، وأخوه وأخته، فيقف غريباً، وهذه والله غربة من أعظم الغرب! وغربة المرأة الصالحة في بيت لا يدين بالولاء للسنة، تبقى غريبة تصارع الأحداث بضعفها، تريد من بيتها أن يكون بيتاً إسلامياً مستقيماً على هدي محمد ﷺ فتفاجأ! فإذا البيت يحاربها، والزوج والأب والابن، حينها تكون غريبة في بيتها، ولها ما للغرباء! والغرباء جزاؤهم جيرة محمد ﵊ في الجنة، والغرباء جزاؤهم أن يرفع الله مقامهم عنده ؛ هذا أمر. ﴿كن في الدنيا كأنك غريب﴾ تشبيه وإلا فالحقيقة أنه ليس بغريب؛ ولو قال: كن في الدنيا غريباً، لاقتضى أن يكون هناك معنىً آخر؛ لكن قال: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب﴾ ولو أنك في الواقع لستَ بغريب: أبوك موجود، وأخوك، وزوجتك، وأطفالك، وبيتك؛ لكن تخلص من هذا لتكون غريباً.

стр. 8856

من صفات الغرباء والغرباء من صفاتهم: أولاً: قوم يعتقدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويعتقدون ما يعتقده أصحاب رسول الله ﷺ . والغرباء: لا يفارقون الصلوات الخمس جماعة، إلا من عذر شرعي قاهر. والغرباء: يُظهرون السنةَ على محيَّاهم وفي ملابسهم وفي حركاتهم وسكناتهم. والغرباء: دَيْدَنُهم: قراءة كتاب الله ، وتدبر القرآن. والغرباء: يتدارسون السنة، ويعملون بها ويحبون بها. والغرباء: لا يجدون ضغينة على عباد الله وعلى المسلمين كافة جماعات وأفراداً وأحزاباً وانتماءات، ما داموا في مظلة الإسلام، ومظلة (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) وقد ذكر الذين صنفوا كـ أبي عثمان الصابوني، وابن بطة، من الحنابلة، وأبي الوفاء وابن الجوزي من صفات الغرباء وصفاً عجيباً، فإن وصف الغرباء لا يقتضي أن يحملوا شهادات، ولا يقتضي أن يتَوَلَّوا مناصب، ولا يقتضي أن يكون لهم وظائف، ولا يقتضي أن يكونوا بيضاً أو حمراً أو سوداً، وإنما أن يكونوا أتقياء، أولياء لله ﵎. ﴿كن في الدنيا كأنك غريب﴾ هذا الذي يريده ﷺ . ولدتك أمك يا ابن آدم باكيا والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا

стр. 8857

بداية الغربة أول ما تقع على التراب: تقع غريباً لا ثياب، ولا مال، ولا جاه، ولا أسرة، ولا منصب، ولا بيت، ولا وظيفة، ولا أي شيء؟! فيوم تقع تبكي، وهذا البكاء، بعضهم يفلسفه، ويقول: (لأنك خرجت من السعة إلى الضيق) بطن أمك أوسع من الدنيا وما فيها. دنيا الطغيان دنيا الفجور دنيا المعاصي دنيا الشهوات دنيا الشبهات ولكن صحَّ عند البخاري: أن أول ما يولد المولود يغمزه الشيطان وينغزه، إلا عيسى بن مريم ﵇ فسلم من ذلك، فيبكي المولود يوم ينْغَزُه الشيطان، وكأنه يقول لهذا المولود: تَحَرَّ وانتظرْ حرباً شعواء، فسوف أحاربك إلى آخر ساعة. يوم يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١]. حضرت الوفاة عمر بن عبد العزيز ﵁ ورحم الله تلك العظام، فهو الشاب الذي قاد الأمة، وجدد أمرها في القرن الأول، حضرته الوفاة، فأصبح في سكرات الموت، فدخلت زوجته فاطمة بنت عبد الملك، فقال: [[يا فاطمة! اخرجي من بيتي، فإني أرى نفراً ليسوا بإنس ولا جن]] قال أهل العلم: هم ملائكة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٢]. وذكر عن الإمام أحمد الزاهد العابد، الذي أصبح جسمه كالعود من كثرة الصيام والعبادة، وكثرة الإنابة والدعاء، الذي كتب أربعين ألفاً من حديث رسول الله ﷺ ، وحفظ ما يقارب ألف ألف حديث بالآثار والموقوفات والمقطوعات، الذي وقف حصناً مع أهل السنة في وجه البدعة، جُلِد بالسياط، ومع ذلك حضره الموت، وجاء إبليس يصارعه حتى في سكرات الموت، يا إبليس، ما وجدت إلا الإمام أحمد، إمام أهل السنة والجماعة تصارعه؟ أما علمت أنه رجل تربى وخلط دمه ولحمه بالسنة، فأخذ يعظ أنامله ويقول الإمام أحمد: [[لا بَعْدُ، لا بَعْدُ]] أي: ما نجوتُ من مكيدتك أيها الكائد الخبيث، هذه فتن، يتعرض لها المغترب يوم يسافر بغربته وإيمانه وسنته، إلى الله .

стр. 8858

حقيقة الغربة وأحوال الغرباء قال ﷺ : ﴿كن في الدنيا كأنك غريب﴾ ثم ترقى ﵊ إلى درجة أعلى فقال: ﴿أو عابر سبيل﴾ وعابر السبيل: أعظم من الغريب الغريب: يقيم يوماً أو يومين أو ثلاثة أو شهراً أو سنة، لكن عابر السبيل: لا يقيم. وأعرف الناس بالدنيا، وحقيقتها: محمد ﵊، كان يقول: ﴿ما لي وللدنيا، وإنما مثلي ومثل الدنيا كراكب، قال في ظل شجرة ثم سار وتركها﴾ حديث صحيح. الرسول ﷺ تتوالى عليه ثلاثة أيام لا يجد فيها كسرة خبز. فما لنا نشبع من الموائد الشهية؟ ونركب المراكب الوطية؟ ونسكن في المنازل البهية؟ كفاك عن كل قصر شاهق عمداً بيت من الطين أو كهف من العلم تبني الفضائل أبراجاً مشيدة نصب الخيام التي من أروع الخيم إذا ملوك الورى صفوا موائدهم على شهي من الأكلات والأدم صففت مائدة للروح مطعمها عذب من الوحي أو هدي من الكلم نبينا محمد ﷺ بيتُه من طين، إذا نام وصل رأسه إلى الجدار، وأرجله إلى الجدار الآخر، أظهر الناس عن حجر واحد يوم يحفرون الخندق يربطون بطونهم من الجوع، وأظهره على حجرين ﷺ ، عاش عبداً رسولاً لكن ادخر الله له الرضوان، فقال : ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥] يقول وهو يتلو هذه الآية، ويبكي: ﴿والذي نفسي بيده لا أرضى وأحد من أمتي في النار، والذي نفسي بيده لا أرضى وأحد من أمتي في النار﴾ فصلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً. فعابر السبيل: لا يأخذ إلا ما يكفيه في الطريق دخلوا على أبي ذر ﵁ وأرضاه وهو في سكرات الموت يبكي، قالوا: [[ما لك؟ قال: استثقلت من الدنيا، وأكثرت منها، وورائي عقبة كئود، لا يجوزها إلا المُخِِفّ، قالوا: ما هي دنياك يا أبا ذر؟ فنظروا في بيته، فوجدوا شملة: (فراشاً يفترشه) ووجدوا قعباً، ووجدوا صَحفة وعصا!! أهذا استكثار من الدنيا؟ قالوا: ما معك شيء، قال: إن خليلي ﷺ قال لي: ﴿ليكن زادك من الدنيا كزاد الراكب﴾ ليكن متاعك من الدنيا كمتاع الراكب]] ﵁ وأرضاه. أرسل عمر ﵁ وأرضاه سلمان الفارسي، الذي استجاب لـ (لا إله إلا الله). سلمان الذي كفر بالطاغوت سلمان الذي ترك النار وعَبَدة النار وأباه وأهله وأجداده وزوجته وأطفاله، وأتى يركب القفار والبحار حتى وصل إلى المدينة، فكان جزاؤه أن يقول له ﷺ فيما يُروى عنه: ﴿سلمان منا آل البيت﴾ وهي والله وسام من أعظم الأوسمة، يوم يُترك أبو لهب، وأبو طالب، المدهدهان على رءوسهما في النار، أما سلمان الفارسي فهو من أهل البيت. يجلس العرب في حلقة، فينتسبون لأجدادهم، وترابهم، فيقولون لـ سلمان: من أبوك؟ قال: أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم رضي الله عنك وأرضاك. أرسله عمر ﵁ وأرضاه أميراً إلى العراق، فذهب على حمار انظر إلى صحابة الرسول ﷺ ، الذين فتحوا الدنيا! يركبون الحمير! الذين أسسوا حضارةً عالميةً مشرقةً وضَّاءةً يركبون الحمير! فوصل، فلما خرج أهل العراق، لاستقباله، قالوا لـ سلمان: أرأيت أميراً أرسله عمر إلينا اسمه سلمان الفارسي؟ قال: أنا سلمان الفارسي، قالوا: لا تضحك علينا، قال: أنا والله الذي لا إله إلا هو سلمان الفارسي!! فعجبوا وذهلوا من هذا الدين، الذي الأمير فيه كأنه أفقر فقير في الناس!! فسكن هناك، وأخذ راتبه، فوزعه على ثلاثة أنحاء: قسم يتصدق به، وقسم يهديه لإخوانه، وقسم يتقوت به وقيل: كان يتصدق بكل المال، ويتقوت من خصفه الذي يخصفه بيده ﵁ وأرضاه. يأتي عمر ﵁ وأرضاه، وهؤلاء عالم الغربة، وأهل الغربة والاستقامة، فيرسل سعيد بن عامر الصحابي الجليل إلى حمص، فيبعثه فيقول: اعفني يا أمير المؤمنين، قال: [[أتولونني الخلافة في عنقي، ثم تتركونني؟ والله لتتولين الإمرة لي]] فذهب ﵁ وأرضاه، ولما سافر من المدينة، قالت زوجته: [[عندي مال كثير، أعطيك إياه تستنفقه لك، أو تضعه في تجارة بيني وبينك، فأخد المال فتصدق به في سبيل الله، فقالت: أين المال؟! قال: أعطيناه شريكاً، يضاعف لنا به أضعافاً على الدرهم الواحد إلى سبعمائة درهم]] فصدقت وسكتت. دخل حمص، وأخذ هذا الغريب يَعْدِل في الناس ويصلي بهم، حتى مرَّ عمر ﵁ وأرضاه على أمرائه وولاته في الأقاليم، فأخذ سعيد بن عامر وسأل أهل حمص عنه: كيف سعيد بن عامر؟ أي: كيف مسيرته فيكم؟ كيف عدله؟ كيف زهده وورعه؟ فكلهم أثنوا خيراً، لكن أخذوا عليه أربعاً من الخصال: ما هي الأربع؟ قال عمر ﵁ وأرضاه: [[اللهم إني ما علمت فيه إلا خيراً، اللهم لا تخيب ظني فيه، قالوا: أما الأولى: فيُصرع بين أيدينا، وأما الثانية: فلا يخرج لنا يوماً من أيامه من الأسبوع، فلا نراه ولا يرانا، وأما الثالثة: فإنه لا يخرج حتى يرتفع النهار، وأما الرابعة: فإنه لا يخرج في الليل، مهما طرقنا عليه بابه]]. لا يخرج علينا في الليل، قال عمر ﵁ وأرضاه، وقد نكس رأسه، ودموعه تهراق على خديه: [[اللهم لا تخيب ظني في سعيد بن عامر، قم يا سعيد، فقام يتكلم، فقال: يا أمير المؤمنين، والله لوددت أن أكتم هذا الأمر، فأما والحالة هذه فسأتكلم، فأمَّا قولهم: أني أصرع، فقد حضرتُ مشهداً ما وددت أني حضرته: رأيت خبيب بن عدي وهو يُقتل في مكة، وأنا مع المشركين آنذاك، فسمعته يقول للكفار: اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، فكلما تذكرت ذاك المشهد صرعت، ووددت أنني نصرته، وأما اليوم الذي لا أخرج فيه للناس: فأنا رجل ليس لي خادم، وزوجتي مريضة، أغسل ثيابي، وأنتظر جفافها، أو أغسل ثيابي وثياب أهلي في هذا اليوم -سبحان الله! أيُّ حياةٍ هذه الحياة، حياة الغرباء؟ - وأما الليل لا أخرج إليهم: فقد جعلت النهار لهم، والليل لربي ﵎: قلت لليل هل بجوفك سر عامر بالحديث والأسرار لَمْ ألْقَ في حياتي حديثاً كحديث الأحباب في الأسحارِ وأما قولهم: لا أخرج حتى يرتفع النهار، فزوجتي مريضة، فأنا أصنع إفطاري بنفسي، فإذا أفطرتُ خرجتُ إليهم، فرفع عمر يديه إلى السماء يبكي، ويقول: الحمد لله الذي لم يخيب ظني في سعيد بن عامر]] سلام على أصحاب محمد ﷺ ورحمة الله وبركاته. إن لم تؤخذ السيرة والعقيدة، والمبادئ الأصيلة والسلوك منهم، فمن أين تُؤخذ؟ إنهم من ﴿الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠].

стр. 8859

غربة أهل السنة بين أهل البدعة الغربة كما أسلفت على ثلاثة عناصر، أو ثلاث مسائل: أولها: غربة أهل السنة بين أهل البدعة: يوم تجد المسلم العالم يتسنن بسنة رسول الله ﷺ في كل شيء: في المعتقد، وفي حمل (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) وفي الحضور في الجماعات، وفي المحافظة على الفرائض والنوافل، وفي مضاعفة الحسنات ورفع الدرجات، وفي اللحية، والثوب، والسواك، والهدي الظاهرِ والباطن؛ لأنه ليس في الإسلام قشور، وليس في الإسلام تنافر، كله سنة، وكله يؤخذ جملة، وكله عبادة وشريعة من الله الذي لا إله إلا هو، لكن أهل البدع يأبون إلا أن يجعلوا أهل السنة يَحْيَون معهم غرباء.

стр. 8860

الغربة في عهده ﷺ هل علمتم أعدل من محمد ﵊؟ , هل عرفتم أنصف منه؟ , هل عرفتم أجل منه؟ لا والله! ومن زعم أن هناك في العالم -قديماً أو حديثاً- رجلاً أعظم من الرسول ﵊ وأعدلَ منه، أو أكرم منه، فقد افترى على الله، وعليه دائرة السَّوء -من قال هذا القول-. أتى يقسِّم الغنائم بين الناس، فلما قسم الغنائم ﷺ ، تألف بها أناساً يحبون الدنيا، قوم لا يحبون الإسلام إلا لوسائل، أعطاهم ﷺ ليتألف قلوبَهم، أعطى عيينة بن حصن: مائة ناقة، والأقرع بن حابس: مائة ناقة، وأبا سفيان مائة ناقة، وصفوان بن أمية: مائة ناقة، وترك الأنصار سبحان الله! الأنصارُ يُتْرَكون! الذين قُتِل منهم في المعارك: (٨٠%) والذين قدَّموا دماءهم رخيصة في سبيل الله، تُرِكُوا! لكن المؤمن يوم يظهر له شيء من أخيه، أو من قريبه، أو من صديقه في طريقه إلى الله يستفسر ولا يحمل ضغينة فاجتمع الأنصار، وقالوا: ﴿غفر الله لرسول الله ﷺ ، أعطى هؤلاء وتركنا، وسيوفنا تسيل من دمائهم﴾ فبلغ الخبر رسول الله ﷺ ، فجمعهم؛ فلما جمعهم أشرف عليهم، وقال كلمات كلها حرارة، وكلها صدق وإخلاص، وكلها حب ومودة، قال: ﴿يا معشر الأنصار! ما مقالة بلغتني عنكم؟ قالوا: هو كما سمعتَ، يا رسول الله! قال ﷺ : يا معشر الأنصار! أما أتيتكم ضلالاً فهداكم الله؟ أما أتيتكم فقراء فأغناكم الله؟ أما أتيتكم مشتتين فجمعكم الله؟ فنكَّسوا رءوسهم، يبكون، ويقولون: لله المنةُ ولرسوله، قال: يا معشر الأنصار! والله لو شئتُم لقُلْتُم؛ فلَصَدَقْتُم، ولصُدِّقْتُم: أتيتَنا طريداً فآويناك، وفقيراً فواسيناك، ومظلوماً فنصرناك، قالوا: لله المنة ولرسوله، فرفع صوته، وقال: والذي نفسي بيده! لو سلكَ الناسُ وادياً وشِِعباً، لسلكتُ وادي الأنصار، وشِعب الأنصار، الأنصار شعار، والناس دثار، اللهم اغفر للأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار﴾ فأخذوا يبكون حتى سالت دموعهم من لحاهم ﵃ وأرضاهم. لكن اسمع إلى المبتدع، يأتي ويقول للرسول ﵊: اعدل يا محمد! أي: في القسمة! قال ﷺ : ﴿ويلك! خِبْتَ وخَسِرْتَ إن لم أعدل﴾ وضبط: ﴿خِبْتُ وخَسِرْتُ إن لم أعدل﴾ فمن يعدل إذا لم يعدل ﵊ فقام خالد ﵁ وأرضاه وسَلَّّ سيفه، وأراد أن يقتل هذا المجرم، فقال ﵊: ﴿دَعْهُ، يا خالد! لا يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، سوف يخرج من ضِئْضِئ هذا قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، وقراءتكم إلى قراءتهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية﴾ وفي لفظٍ في: صحيح مسلم: ﴿لئن أدركتُهم؛ لأقتلنهم قتل عاد﴾ وبالفعل: ظهر هذا المسرح فيما بعد.
следующие страницы →