Полный текст (10 391 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
بعد الفجر
هذا الوقت مبارك، ولكنه يضيع منا دائماً، فيضيعه كثير من الناس بالنوم، أو بالشرود والغفلة، وقد جاء عند أحمد والترمذي من حديث أبي صخر الغامدي مرفوعاً إليه ﷺ : ﴿بارك الله لأمتي في بكورها﴾ وأبرك وقت هو بعد الفجر، فأنا أقترح للصائم بعد الفجر أن يجعله في المسجد، والمرأة في مصلاها، يذكرون الله حتى طلوع الشمس، فإذا ارتفعت الشمس صلى ركعتين، يقول ﷺ : ﴿من صلى الصبح في جماعة، ثم جلس في مجلسه الذي صلى فيه يذكر الله حتى ترتفع الشمس، ثم صلى ركعتين كان له أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة﴾ رواه الترمذي وهو حديث صحيح فيما أراه، وقد صححه بعض الفضلاء والعلماء، وهذا مكسب عظيم، فإن جلسة ساعة تكسبك أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة، ولكن هذا لمن صلى الفجر في جماعة.
وجاء عند الإمام مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي: ﴿من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فالله الله لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من طلبه أدركه، ومن أدركه كبه على وجهه في النار﴾.
من خان حي على الصلاة يخون حي الكفاح
ولما تركت صلاة الفجر في جماعة، فتحت الدور للواقعين في المخدرات، ولقاطعي الآباء والأمهات، ولعاصي رب الأرض والسموات، وللساقطين في الأغاني الماجنات والمجلات الخليعات، والمسلسلات المخربات.
ثم بعد ذلك ينام العبد ليرتاح؛ لأن غالب الناس يسهرون في رمضان، في العبادة أو في غير ذلك، فينام الإنسان حتى يبدأ دوامه، ثم يقوم فيتوضأ، والوضوء سلاح المؤمن، وقد قال ﷺ كما عند مسلم: ﴿والطهور شطر الإيمان﴾ فيصلي ركعتي الضحى، وذلك إذا استيقظ في العاشرة أو قبلها، وركعتا الضحى خير من الدنيا وما فيها، وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: ﴿أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لا أدعهن حتى أموت: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام﴾ وقال ﷺ : ﴿كل سلامى من الناس عليه صدقة، فكل يوم تطلع فيه الشمس تصلح بين اثنين صدقة، وتعين الرجل على دابته صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما أحدكم من الضحى﴾ فالله الله في ركعتي الضحى.
ثم يذهب الإنسان إلى عمله أو كسبه أو دراسته أو سوقه أو دكانه؛ لأن الإسلام حركة وحياة، فالإسلام في السوق، وفي الدكان، وفي المكتب، وفي الفصل وعليه أن يتجنب اللغو، قال الله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٣] وأن يكثر من الذكر، وأقترح على المسلم أن يكون مصحفه في رمضان في جيبه، وإن كان حافظاً فليقرأ من حفظه، وإن كان أمياً لا يقرأ القرآن فليكثر من التسبيح والتحميد والتهليل، فهي غراس الجنة، قال ﵊: ﴿الجنة قيعان وغراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر﴾ رواه الترمذي، وليردد ما يحفظ من السور.
ثم يصلي الظهر في جماعة، وحذار حذار -يا أيها الإخوة- من تفويت صلاة الجماعة، فإن بعض الناس يفوت صلاة الجماعة حتى في رمضان، وهذه خطيئة كبيرة، بل يرى كثيرٌ من أهل العلم -وهو القول الصحيح- أن صلاة الجماعة واجبة، وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من سمع النداء ولم يجب فلا صلاة له إلا من عذر﴾ رواه أحمد وابن ماجة والحاكم، وصححه ابن تيمية وعبد الحق الأشبيلي، وهو صحيح فالله الله في صلاة الجماعة خاصة في رمضان.
стр. 877
بعد العصر للقرآن
ثم يواصل في عمله أو في عبادته حتى تأتي صلاة العصر فيصلي، أما من بعد العصر فهو وقت القرآن إلى الغروب، وأرى أن تخفف أعمال الدنيا بعد صلاة العصر، وأن يتشاغل الإنسان بالمصحف وفي المسجد أحسن، وكان السلف يجلسون في المسجد في رمضان بعد العصر، وأرى أن تبقى في مسجدك إذا لم يكن لك غرض في بيتك، فإنه: ﴿ما جلس قومٌ في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم؛ إلا حفتهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وتنزلت عليهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده﴾ وجاء عند أبي داود وهو صحيح فيما أرى، ولو أن بعض الفضلاء يحسنونه، يقول ﷺ : ﴿لأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس؛ أحب إلى من أن أعتق أربعة﴾ وهذا فضل عظيم، وهو أفضل من عتق أربع رقاب، فاجلس من العصر إلى صلاة المغرب واحتسبها في سبيل الله .
فالمطلوب -يا أخي- مني ومنك أن نبقى في المسجد بعد العصر لنقرأ كتاب الله ، ونردده ونعيش معه ونتأمله، وإذا اقترب الغروب فعليك بالدعاء، وارفع أكف الضراعة، وعليك بجوامع الدعاء المأثورة عن معلم الخير ﵊، كأن تقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، أو: اللهم إني أسألك العفو والعافية، أو: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، وغير ذلك من الأدعية.
стр. 878
الإفطار
ثم تفطر على الذي ورد في السنة وهو الرطب، فإذا لم يكن رطب فتمر، فإن لم يكن تمر فلتحس حسوات من ماء، ولك دعوة لا ترد، وعليك أن تعجل إفطارك إذا سمعت الأذان وغربت الشمس، فقد جاء في الصحيح: ﴿لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطور وأخروا السحور﴾ وهذا هديه ﵊، وكان يقول: ﴿إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم﴾ فعليك أن تبادر بالإفطار، وأن تحمد الله على نعمة الإفطار.
يقول أهل العلم: إن من لطائف هذا الدين ومن أسراره أن جعل الإفطار شيئاً حلواً؛ لأن المعدة الخالية لا يناسبها إلا الحلو، فجعل ﷺ الإفطار رطباً أو تمراً، فأفطر، ثم قم لصلاة المغرب، واحمد الله على هذه النعمة ﴿للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه﴾ فإن الصائم الذي يتعب في العبادة، إذا اقترب منه إفطاره فرح به وسر، ويفرح إذا لقي الله يوم العرض الأكبر.
وبعد صلاة المغرب تعود لتناول طعام العشاء، وعليك أن تخفف منه نسبياً؛ لأن بعض الناس يشتغل شغلاً عارماً في الأكل، حتى أنه لا يستطيع أن يصلي التراويح مع الناس، ويصبح مقعداً، وتجده يتدحرج إلى المسجد تدحرجاً، لأنه جعل على بطنه مخلاةً من الطعام من كل ما لذ وطاب، وأفلت يده، وهذا أساس الكسل، والأحسن أن يأكل الإنسان إفطاره على فترات، لا بأس أن يأكل شيئاً، ثم يترك إلى بعد التراويح شيئاً، حتى يستطيع أن يقوم للعبادة نشيطاً؛ ولا يصلي صلاة التراويح جالساً أو مغمىً عليه.
стр. 879
صلاة العشاء والتراويح
أما صلاة العشاء جماعة فقليل من الناس من يترك ذلك، لكن صلاة التراويح يتركها كثير من الناس خاصة من الشباب، فيذهبون إلى ملاعب الكرة، أو إلى التنس والطاولة، أو إلى دور السباحة، أو إلى اللهو واللعب فحذار حذار من هذا! وصلاة التراويح فضلها عظيم، يقول ﵊ فيما رواه أحمد وابن حبان: ﴿إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة﴾ حديث صحيح، فلو صلى بك الإمام إحدى عشرة ركعة، وصليت معه حتى ينتهي كتب الله لك كأنك صليت الليلة كلها.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعاً: ﴿من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه﴾ ألا تريدون هذا الأجر؟! والقيام هنا المراد به صلاة التراويح فيما أعلم، والله أعلم.
والأقرب للسنة -وهو نص أهل العلم وعليه كلام الأئمة من المحدثين- أن الرسول ﷺ ما زاد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، لحديث عائشة في الصحيحين، فأرى أن الأئمة يقتصرون على إحدى عشرة ركعة بخشوع وخضوع، ويخففون على الناس، ويتدبرون كتاب الله، وهذا هو الأقرب لسنة المصطفى ﷺ .
ثم يعود إلى بيته بعد التراويح، فإن أراد أن يزور قريباً أو صديقاً زاره أو يستقبل أحد الناس استقبله، وأرى أن يكون له قبل السحر إغفاءة ولو قليلاً ليرتاح جسمه، وأهل الطب يقولون: لا يعوض نوم النهار نوم الليل أبداً سبحان الله! مهما نام الإنسان في النهار لا يعوض نوم الليل؛ لأن الله جعل النهار معاشاً، والليل لباساً وسباتاً، والسر في ذلك -كما يقول بعض الأطباء الجهابذة-: أن الخلايا التي في الجسم لا تنام إلا في الليل؛ لأن الشمس تغرب، فإذا غربت الشمس نامت الخلايا، أما في النهار فلا تنام بل تبقى متحركة ولو نمت أنت، ولذلك يوصون أن يكون لك ولو ساعة من الليل تنامها.
стр. 880
وقت السحر
ثم تستيقظ قبل السحر فتتوضأ وتصلي ما تيسر ولو ركعتين أو أربعاً، وتدعو الله فإن وقت السحر وقت فاضل.
قلت لليل هل بجوفك سرٌ عامر بالحديث والأسرار
قال لم ألق في حياتي حديثاً كحديث الأحباب في الأسحار
قال الله تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨] قال الحسن البصري ﵀: [أمضوا الليل بالصلاة فلما أتى السحر استغفروا]] وقال بعض الفضلاء: عجيب، أنهم كانوا في عبادة وفي قيام، ومع ذلك في السحر يستغفرون.
وإنه لفضل عظيم أن تقوم بعد العبادة والتعب وتقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، وكأنك كنت مقصراً، أو أتيت بمعصية، وهذه علامة التوفيق والقبول بإذن الله.
ثم تتسحر على بركة الله، والسحور فيه بركة، يقول ﷺ كما في الصحيحين: ﴿تسحروا فإن في السحور بركة﴾ وبعض الشباب يتعشون ولا يتسحرون، وليس المقصد هو الأكل لذاته، ولكن السحور له مقاصد، منها:
مخالفة أهل الكتاب؛ فقد جاء في السنن من حديث عمرو بن العاص ﵁، وهو حديث حسن، أن رسول الله ﷺ قال: ﴿فصل ما بيننا وبين أهل الكتاب أكلة السحر﴾ فيجب علينا أن نخالف أهل الكتاب، فإذا شرقوا غربنا، وإذا غربوا شرقنا، إلا ما أتت فيه النصوص.
ومنها: أنك تدعو الله في السحور، ومنها: أنك تستعين به على طاعة الله؛ لأنه قد يطول عليك اليوم، فعليك أن تستعين بهذا السحور على طول النهار، ومنها: أنك تحمد الله على النعمة، ومنها: أنك تتبع سنة المصطفى ﵊.
قيل لـ زيد بن ثابت، والحديث في الصحيحين ﴿كم كان بين سحوره ﷺ وأذان الفجر؟ قال: قدر قراءة خمسين آية﴾ لله درك! ما أحسن هذه الإجابة! خمسون آية يقرؤها الإنسان بين سحوره ﵊ إلى أذان الفجر، أي: بقدر ربع أو ثلث ساعة، ومن أكل حتى يؤذن فله ذلك، فإن بعض الناس يبقى يأكل ولا يكف، ثم يأتي يسأل ويقول: بقيت آكل حتى الإقامة، فما الحكم؟
وقد جاء عند أبي داود والحاكم: ﴿إذا رفع أحدكم الإناء في يده وسمع الأذان فلا يضع الإناء حتى يقضي نهمته﴾ وهذا إذا قدر أن الإنسان ضايقه الوقت وهو يأكل فرفع اللقمة فسمع الأذان، فله أن يأكل هذه اللقمة، أو رفع الإناء وسمع الأذان فليشرب، أما أن يستحدث عملاً بعد الأذان فلا لا يرفع لقمة، ولا يرفع إناءً بعد الأذان، لكن يأكل الذي في يده، وهذا رحمة من رسول الله ﷺ بالأمة، أن رخص لهم في هذا، وهذا هو الصحيح.
لكن أرى أن يكف المسلم قبل الأذان بثلث أو ربع ساعة، يتأمل فيها ويستغفر، ويتوضأ ويبادر إلى المسجد، وحذار أن ينام -وهذا ليس محرماً لكن خشية أن تفوت صلاة الفجر جماعة- بين السحور والفجر، بل يذهب متوضئاً إلى المسجد، وينتظر صلاة الفجر مهللاً مكبراً داعياً مولاه ، ويحضر صلاة الفجر في جماعة.
هذا جدول نسبي تقريبي يقبل وجهة النظر، ولعل هناك جدولاً أحسن منه، ولكن هذا إنما هو من باب التواصي.
стр. 881
خصائص رمضان
أيها الإخوة الكرام: لرمضان خصائص نذكر بعضاً منها
стр. 882
خلوف فم الصائم
قال ﷺ : ﴿لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك﴾ والخلوف هو الرائحة التي يخرجها الإنسان بعد الجوع، وهي أطيب عند الله من ريح المسك، وأنت قد تتأذى لو شممت رائحة صائم ولا تصبر، لكن الله جعلها أحسن من ريح المسك، ودم الشهيد في المعركة يأتي اللون لون الدم، والريح ريح المسك فما أحسن ذلك! وما أحسن الرائحة والطعم واللون! أما اللون فلون دم الشهيد في المعركة، وأما الرائحة فرائحة خلوف فم الصائم.
وقد جاء عند ابن ماجة حديث: ﴿استاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي﴾ وهذا حديث لا يصح، بل هو أقرب إلى الوضع، وهو موقوف على بعض الصحابة، ولا يصح عن الرسول ﷺ ، بل الصحيح أن تستاك أول النهار وآخره، والشوافع يقولون: يسن السواك أول النهار، ويكره بعد الزوال.
وهي رواية للحنابلة، وهذا خطأ مخالف للأدلة، ولهم استنباط في ذلك، يقولون: لو أنك استكت بعد الزوال لأذهبت الخلوف الذي هو أحب إلى الله من ريح المسك وهذا ليس بصحيح؛ لأن الخلوف يأتي من المعدة، لا من الفم، ومهما استاك الصائم فلا ينقطع هذا الخلوف، فبطل ما قالوا سنداً واستنباطاً.
وفي حديث عامر بن ربيعة الصحيح عند الترمذي: ﴿رأيت رسول الله ﷺ يستاك ما لا أحصي وهو صائم﴾ وقد علقه البخاري؛ لأنه ليس على شرطه، ويكفي في ذلك عموم حديث أبي هريرة مرفوعاً إليه ﷺ : ﴿لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة﴾ وفي رواية: ﴿عند كل وضوء﴾ وهذا عموم في رمضان وفي غيره.
стр. 883
استغفار الملائكة للصائمين
ومنها: استغفار الملائكة للصائمين، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن استغفرت لهم الملائكة وقد ثبت هذا في أحاديث كثيرة منها: ﴿إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين﴾ وهذا حديث حسن ثابت، والملائكة تستغفر كذلك للصائمين، وتسأل الله لهم القبول والتوبة.
стр. 884
تزين الجنة
ومنها: تزين الجنة لأولياء الله في رمضان.
стр. 885
تصفد الشياطين
ومن خصائص رمضان: أنه تصفد فيه مردة الشياطين وهناك سؤال لابد منه، وهو: هل تصفد جميع الشياطين، مع العلم أننا نرى بعض الناس يقتل في رمضان، وبعض الناس يزني في رمضان، وبعض الناس يسرق في رمضان؟ أجاب الحافظ ابن حجر، فقال: لا، بل التي تصفد إنما هم المردة، وأما غيرهم فلا.
وصدق ﵀ فإن المردة وهم الشياطين الأقوياء الرءوس الذين لهم مسح شامل وقوة فريدة في إغواء الناس، هؤلاء يصفدون، أما بقية الشياطين الضعاف فيبقون يزاولون أعمالهم حتى في رمضان وهذا استنباط عجيب! ولله در ابن حجر! وقد سبقه بعض الحفاظ إلى هذا، وهذا صحيح، فإنك تجد أن المعاصي والجرائم تقل -والحمد لله- في الناس في رمضان؛ لأن الشياطين تصفد، فتنكسر النفوس وتخشع القلوب.
стр. 886
فتح أبواب الجنة وغلق أبواب النار
ومنها: أنه تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار تفتح أبواب الجنة استعداداً لقبول عباد الله ، وتهيئةً وكرامةً لهم، وتغلق أبواب جهنم، نسأل الله أن يغلق عنا وعنكم أبواب جهنم.
стр. 887
ليلة القدر
ومن خصائص رمضان: أن فيه ليلة القدر، قال الله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣] وهي في العشر الأواخر، وبالأخص في الأوتار، وفي ليلة سبع وعشرين أرجى، ويوفق لها من وفقه الله ، فنسأل الله أن يوفقنا لليلة القدر، وفي الصحيحين مرفوعاً: ﴿من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه﴾ إيماناً بالله، أي أنه لا يحمله إلا الإيمان، واحتساباً: أي أنه صادق النية محتسب الأجر على الله.
стр. 888
أمور لابد أن ينتبه لها الصائم
والآن أنبه على بعض الأمور الذي يقع فيها بعض الصائمين:
стр. 889
سماع الغناء
فإن الغناء محرم في رمضان وفي غيره، لكن كثيراً من الصائمين يقعون في سماعه، فلا يتغير في بيتهم شيء، فالمعازف، واللهو، والموسيقى، والأغنيات موجودة بأنواعها، وهذا دمار للروح وإفساد للصوم.
стр. 890
الغيبة
ومنها: الغيبة فإن البعض لا يتحاشى الغيبة، والذي يظهر -والله أعلم- أنها لا تفطر، لكنها تذهب الأجر، وقد توقف ابن حزم عند هذه كثيراً، وهناك قول ضعيف يرى أن الغيبة تفطر، وأن على الصائم أن يقضي يوماً آخر، ولكن جمهور أهل العلم لا يرون ذلك، ويرون أن الإنسان يستغفر ويتوب إلى الله، أما أجره فقد يذهب بالغيبة.
стр. 891
الأفلام الخليعة والرفقة السيئة
ومنها: الأفلام الخليعة فإن بعض الناس صامت بطونهم وما صامت عيونهم، وصامت بطونهم وما صامت آذانهم، وصامت بطونهم وما صامت قلوبهم، فهذا صوم ناقص ليس مقصوداً في الإسلام.
ومنها: أن بعض الناس يرافق رفقة السوء حتى في رمضان، وهل أفسد شبابنا إلا رفقة السوء وعصابة الانحراف، الذين صدوا الناس عن منهج رسول الهدى ﵊، وعن صراط الله المستقيم، وهذا خطر عظيم، نسأل الله أن يكفينا وإياكم شر كل ذي شر.
стр. 892
الاهتمام بالعشر الأواخر
ومن الأمور التي ينبه عليها: الاهتمام بالعشر الأواخر فعلى المسلم أن يكثف من عبادته في العشر الأواخر، فيختم القرآن كثيراً، ويصلي في الليل كثيراً، فقد صح عنه ﵊ ﴿أنه كان إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله﴾ قال بعض الشراح: شد مئزره أي: اعتزل النساء، وقال بعضهم: بل شد وشمر للعبادة، (وأحيا ليله) أي: أحياه بالعبادة حتى صلاة الفجر، (وأيقظ أهله) أي: طلب من أهله أن يصلوا معه، فالعشر لها تميز آخر.
وحبذا لمن استطاع أن يجعل العشر الأواخر في الحرم الشريف؛ فإنه أسكن لقلبه وأخشع، ولم يكن عنده ظروف ولا مشقة، ولا يترك من المصالح أعظم مما يذهب إليه وهنا تنبيه: كثير من الأئمة يسافرون في رمضان ويتركون المساجد خاوية على عروشها، فيوكل في أول رمضان، والوكيل يوكل، ووكيل الوكيل يوكل، فيصبح المؤذن يصلي بالناس، فتنتقل صلاة التراويح إلى الفراش، ثم يذهب الأئمة ويغلق المسجد، وهذا خطأ تترك وأنت إمام وتذهب إلى الحرم! أي أجر تحصل عليه وقد ضيعت أكبر الفرائض وهي إمامة الناس التي كلفت بها؟!
وبعض الدعاة له نفع في بلده وفي مدينته، فيترك هذا النفع ويترك الدروس ويذهب إلى الحرم، وهذا يكون نفعه لازماً، والنفع المتعدي هو الأعظم؛ لأن كونك تدرس وتعلم، أعظم من أن تكون عابداً منزوياً في طرف الحرم، ولو كانت المسألة هكذا لرجع الصحابة من سجستان، ورجعوا من بغداد ومن دمشق إلى الحرم، لكنهم ما فعلوا؛ لأن الأصلح أن يكونوا هناك.
стр. 893
العمرة في رمضان
ومنها: أن على المسلم أن يحرص أن يعتمر في رمضان، ففي حديث أم معقل بنت يسار، أن الرسول ﷺ قال لزوجها: ﴿لماذا ما حججت معي؟ قال: يا رسول الله شغلني شاغل -أو كما قال- قال: فاعتمر في رمضان فأن عمرة في رمضان كحجة معي﴾ وفي حديث آخر أنه ﷺ قاله للمرأة، وهذا ثابت في الصحيح، فعلى المسلم أن يحرص أن يعتمر في رمضان، عسى الله أن يتقبل منا ومنه.
стр. 894
الإنفاق في سبيل الله
ومن التنبيهات: أن على الناس أن يغتنموا تفطير الصائمين والمحتاجين، يقول ﵊ فيما صح عنه: ﴿من فطَّر صائماً فله مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيء﴾ أي: أنك إذا فطَّرت صائماً كتب الله لك كأجر الصائم دون أن ينقص من أجره شيء.
قيل عن الوزير ابن هبيرة الحنبلي: كان يفطر كل ليلة عشرة آلاف لكنه وزير، وعنده ميزانية ضخمة، فهو يستطيع ذلك، وكان مستجاب الدعوة، فقد روي: أنه حج مرة وقد قحط الناس، فقال: " اللهم أغثنا " فنزل الغيث حتى شرب الناس الثلج، فبكى وقال: " يا ليتني سألت الله المغفرة " هذا الوزير ابن هبيرة أمره عجيب، وهو صاحب الإفصاح، كان يفطر في كل ليلة عشرة آلاف، وهذا من ماله الخاص، وإلا لو كان من المال العام لما كتب الله له أجراً، وهذا أمر معلوم لا بد أن ينتبه له.
فاحرص على أن تفطر فقيراً، أو مسكيناً، أو محتاجاً، أو اثنين أو ثلاثة، كل إنسان على قدره، وما تجود به نفسه، وحبذا أن يحضر شيئاً من التمر، وشيئاً من الماء واللبن إلى المسجد؛ لأنه قد يجد فقيراً أو محتاجاً أو منقطعاً في المسجد، ويسأل عن الفقراء؛ علَّ الله أن يكرمه يوم العرض الأكبر.
هذا ما أردت أن أقوله في هذه العجالة، مع العلم أن المسألة مسألة عمل، والكلام كثير، وعندنا نحن المسلمين ترف في الحديث، ولكن علَّ الذكرى أن تنفع، وعلَّ الكلام أن يجد قبولاً، جعلنا الله وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.
стр. 895
نداء للمرأة المسلمة
وأنبه في آخر هذه المحاضرة الأمهات والأخوات المسلمات أن يتقين الله ، وأن يحرصن في هذا الشهر القادم الفضيل على استغلاله واغتنامه فيما يقربهن من الواحد الأحد، بالصلاة والذكر والدعاء والحجاب، وأحذرهن من نزول الأسواق في كل وقت وخاصة في رمضان، فإن الكثير من النساء حتى في رمضان بعد التراويح وفي أثناء التراويح ينزلن إلى الأسواق، وهذا دليل على قلة الفقه، وعلى قلة الورع والتقوى، وليس في الأسواق خير، وهذا مما يجر الويلات والسيئات على الأمة وعلى الأفراد والشعوب، من الاختلاط، والأمور التي تسبب غضب الله ﵎.
وأوصي الأمهات أيضاً بتربية أبنائهن على الصيام إذا قاربوا البلوغ، وإذا وصلوا إلى العاشرة، فعليهن أن يعودنهم على الصيام كما كان أصحاب الرسول ﷺ يعودون أبناءهم على ذلك، وأن تكون الأم حصيفة في بيتها، وأن تقوم على شئون بيتها في رمضان أمراً ونهياً، وتستفيد من هذه الدروس والعبر، وألا تشغلها شواغل عن أن تقدم حسنات لنفسها من قراءة وتلاوة وذكر.
أسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية والرشد والسداد، وأشكر الله على أن جمعني بكم في هذا المقام، ونسأل الله أن يبلغنا رمضانات عديدة، ويحيينا في الخيرات أياماً مديدة، وأن يجعلنا ممن انسلخ عنهم الشهر وقد رضي عنهم، ونسأله أن يجمعنا بكم في رمضان آخر، فإن عز ففي مقعد صدق عند مليك مقتدر.
إن كان قد عز في الدنيا اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم ويكفينا
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 896
الأسئلة
стр. 897
واجبنا نحو المجاهدين الأفغان
السؤال
إن رمضان شهر الجهاد، ولنا إخوان يجاهدون في سبيل الله في أفغانستان وغيرها، فما هو واجبنا تجاه هؤلاء المجاهدين في سبيل الله في هذا الشهر المبارك؟
الجواب
هؤلاء المجاهدون اجتمع عليهم في رمضان جهادان: جهاد الأنفس وجهاد الأعداء الكفار، جهاد بالسلاح وجهاد الجوع والظمأ والمشقة، ونحن -والحمد لله- في أمن واستقرار، أزال الله عدونا، ونحمده على أن أسبل علينا ثوب الأمن، وعلى أن حمانا من العدو الظالم المعتدي، الذي أراد أن يجتاحنا، فوالله لولا نصر الله ما انتصرنا، ولولا أن الله كتب أن ننتصر ما سحق هذا العدو، وكما قلت لكم: ما أشهاها وما أحسنها أن يعفر وجه البعث بالتراب! يقول أبو تمام:
ما ربع مية محفوفاً يطوف به غيلان أبهى لها من خدها التيب
لما رأت أختها بالأمس قد خربت كان الخراب لها أعدى من الجرب
رمى بك الله جنبيها فحطمها ولو رمى بك غير الله لم يصب
من الذي أصاب؟ إنه الله ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] ولولا أن الله كتب لنا النصر لاجتاحنا العدو، ولصمنا رمضان في بلاد أخرى، لكن لله الحمد على أن حمانا ورعانا ووقانا وكفانا، فنسأله أن يزيدنا أمناً وإيماناً واستقراراً وإخواننا في أفغانستان يحتاجون إلى المدد، فهم فقراء يحتاجون إلى من يطعمهم، وإلى من يعطيهم ويكسوهم، وأنتم قد عودتمونا وعودتم العالم أنكم أنتم الذين تبذلون الأرواح، وليس الدراهم والدنانير فقط، فأبناؤكم هم الذي سحقوا تحت الدبابات في أفغانستان، وقصفوا بالقنابل هناك في الجبال، فليس بعزيز عليكم أن تنفقوا أموالكم في سبيل الله خاصة في رمضان.
стр. 898
كلمة للإخوة الكويتيين
السؤال
نريد من فضيلة الشيخ همسة حب، ولفتة محب للأمة بعد انجلاء الغمة، وخصوصاً لإخواننا الضيوف علينا، أعني: الكويتيين، فتفضلوا جزاكم الله خيراً.
الجواب
تكرار الكلام يكلف على النفس، وقبل ليلتين كانت هناك محاضرة في جامع التركي بعنوان: واجب الأمة بعد زوال الغمة، فلا أريد أن أكرر الكلام الذي قيل، ولكن أستغلها فرصة، وأغتنمها مناسبة؛ فأحمد الله على أن رد هذا الشعب إلى أرضه، وأهنِّئ هؤلاء الإخوة والجيران الأشقاء على أن عادوا، ولكن مع التهنئة أوصيهم ونفسي بتقوى الله، وأن يحمدوا المنعم سبحانه، وأن يسجدوا له سجود الشكر، فقد كان ﵊ إذا انتصر سجد لله سجود الشكر، ثم إني آمرهم أن يقيموا أوامر الله في أنفسهم وفي مجتمعاتهم، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] هذا ما أريد أن أقوله.
بقيت مسألة وهي: كيف نعبر عن النصر؟ هناك محاضرة في مسجد الذياب في حي السلي، وسوف يكون فيها لفتات عن التعبير عن النصر، كيف نعبر عن النصر؟ هل نعبر عن النصر بحفلات الاختلاط، وبالسهرات الحمراء، وبالغناء، وبتعدي حدود الله؟ لا التعبير عن النصر يكون بالخضوع لله، والشكر له ، وتحكيم شرعه، والانضواء تحت مظلة لا إله إلا الله محمد رسول الله، والتشرف بحمل وثيقة إياك نعبد وإياك نستعين.
وأقول للإخوة الكويتيين: تأملوا وتفكروا في حالتين: تلك الليلة التي شردتم فيها من دياركم، وأخرجتم من أهلكم وذويكم، من الهلع والخوف والمشقة والغربة والأسى واللوعة، وهذه الليلة التي تعودون فاتحين منتصرين راجعين إلى أماكنكم، فاحمدوا الله ، فهو الذي ردكم وهو الناصر وحده، كما قال ﵊: ﴿لا إله إلا الله وحده لا شريك له، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده﴾.
стр. 899
أخاف على نفسي من الانتكاسة
السؤال
أولاً: نقول من صميم قلوبنا: إننا نحبك في الله.
سؤالي: أنا شاب أبلغ من العمر ستة عشر عاماً، قد هداني الله منذ أشهر قلائل، ولي إخوة ما زالوا على ضلالهم، ويعيشون من المنكرات ما الله به عليم، وكان لي إخوة في الله ينصحونني، ويوجهونني، ويحثونني على كل خير، ولكن قلت في نفسي: أترك إخوتي في الله لكي أتفرغ لإخوتي من أبي، فتركت إخوتي في الله، وأنا اليوم في حيرة من أمري، وأخشى على نفسي من الانتكاسة بعد الهداية، فما نصيحتك لي مع بداية هذا الشهر الكريم؟
الجواب
أولاً: أحبكم الله الذي أحببتمونا فيه، وهذا الأخ المقبل على الله أسأل الله أن يثبته ويثبت كل مسلم، وأن يزيده بصيرة وتوفيقاً، وفي الحقيقة أن هذا السن -سن السادسة عشرة وما يقاربها- سن خطير، والإنسان فيه بين مفترق الطرق، مع نقص نسبي في العقل، ومع كثرة العواطف والاندفاع، ومع قلة العلم، ومع الشهوة العارمة، ويسميه بعض الناس من القدامى: سن الجنون، وقد روي عن عمر: [[الشباب شعبة من الجنون]] وهذا أمر معهود عند كثير من الناس والأمم، أن سن الشباب هو سن الغلطات والعواطف إن لم يعصم ويوفق.
وتجد الإنسان اليوم يلوم نفسه على فعل فعله بالأمس أو في الصغر، ويرى أنه ارتكب حماقات، وغلطات، وأخطاء، فأقول لك: عليك بأمور، منها: أن تنضوي -بعد التجائك إلى الله إلى شيخ عالم فقيه ورع، أو طالب علم تثق به، فيكون بينك وبينه مدرسة وصلة ونسبة، دائماً تستفتيه وتشاوره وتجلس معه، ثم يكون لك رفقة صالحون من عباد الله الأتقياء البررة.
الأمر الثاني: أرى أن تطلب العلم، فإن سنك يطلب فيه العلم، فالذهن متفتح ومتفتق وقابل، فأرى أن تستعد لحفظ النصوص، وما تيسر من كتاب الله، ومن سنة رسوله ﵊، وتدعو الله دائماً: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني.
الأمر الثالث: طاعة الوالدين، وأمرهما بالمعروف ونهيهما عن المنكر بالتي هي أحسن، والقيام على البيت، فإن بعض الشباب إذا اهتدى ترك والده وبيته، واشتغل بالدعوة، وخرج من البيت في المخيمات، وفي اللقاءات، والسمرات والسهرات، مع العلم أنه -أحياناً- ليست هناك دعوة، لكن باسم الدعوة، وإذا أمره أبوه قال: أنا في الدعوة، وإذا نهته أمه، قال: أنا في المحاضرة، أنا مع الشباب، أنا في المخيم، وهذا خطأ كبير، حتى أنك تجد بعض الآباء يصد ابنه عن الاستقامة بسبب هذا الأفعال، ويقول: إذا كان الاتجاه والالتزام والاستقامة يسبب لي ابناً عاقاً لا يقوم معي، ولا يقضي أغراضي، ولا يلبي طلبي، فلا أريد هذا الابن وهذا مسلك خطير، حتى أن الأبناء الذين يفعلون ذلك لا يتقبل منهم أهلهم في بيتهم؛ لأن أهله يرون أنه عاص، وأنه لا يقوم معهم، ولا يحضر عزائمهم ولا ولائمهم، ولا يقضي أغراضهم، ولا يوصل مريضهم إلى المستشفى، ثم يأتي ينصحهم: اتركوا هذا وافعلوا هذا، فلا يتقبلون منه.
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسان
فوصيتي للشاب ألا يكون سلبياً في بيته، بل ولا في حيه، وعليه أن يقدم الخدمات للناس، حتى يستولي على قلوبهم، ويقبلون كلامه، ويعيشون واقعه، وإذا اغترب عنهم تحروه واشتاقوا له، هذا هو الداعية الحق، أما الكلام وحده فلا يكفي، يقول أبو العتاهية:
العنز لا تشبع إلا بالعلف لا تشبع العنز بقول ذي لطف
وهذا فيه حكمة جليلة، يقول: الناس لا يشبعون بالكلام، والمحاضرات لا تشبع أحداً، والرسول ﷺ لو بقي فقط يتكلم من فوق المنبر بكلمات: افعلوا واتركوا ما أقبلت له العرب، لكنه كان يعطي ثوبه للفقير، ويعطي مائة ناقة لصناديد الناس، ويعطي دموعه، ويسلم خدماته، ويتبسم، ويضيف في بيته، ويذهب إلى المسكين، ويقف مع العجوز، ويمسح رأس الطفل، ويعطي اليتيم، ويحل مشاكل الناس، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويصل الرحم، ويعفو عن الزلة.
فعاش ﷺ وإذا أفعاله مثل الجبال.
زاد معروفك عندي عظماً وهو في نفسك مستور حقير
تتحاماه كأن لم تأته وهو عند الناس مشهور خطير
﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٢ - ٦٣] فهذه أياديه البيضاء التي طوقت الأعناق ﵊، وهي وصية للأخ الشاب.
стр. 900
التوبة من الذنوب
السؤال
وقعت في ذنب بدافع الشهوة، وكلما تبت عدت إليه ثانية حتى ملت نفسي وتعبت كثيراً، وأملي في الله كبير، وبقدوم شهر رمضان شهر التوبة أخشى ألا أدركه، فوجهني جزاك الله عني وعن المسلمين خير الجزاء.
الجواب
أولاً: أوصيك ونفسي الآن بالتوبة، الآن وأنت جالس أن تعقد العزم على أن تتوب، ولا تنتظر رمضان؛ لأنه قد تؤخذ نفسك من بين جنبيك قبل أن تصلي العشاء، فالآن اعقد التوبة، وأنا وإياك والحضور نعلن التوبة النصوح عل الله أن يتوب علينا جميعاً.
ثانياً: ما ذكرت من الذنب والخطيئة، فإن هناك رباً يغفر ويرحم، وقد جاء عند ابن حبان عن عائشة ﴿أن رجلاً قال: يا رسول الله! إني أذنب.
قال: تب إلى الله، قال: ثم أذنب، قال: تب إلى الله، قال: ثم أذنب، قال: تب إلى الله.
قال: إلى متى؟ قال: حتى يكون الشيطان هو المدحور﴾ وفي بعض الآثار: ﴿ولو عاد في اليوم سبعين مرة﴾ فأنت ما معك إلا التوبة، وكما يقول ابن عباس: [[اصبحوا تائبين، وامسوا تائبين]] وقال ابن مسعود: [[تحترقون تحترقون، ثم يكشف ما بكم، ثم تحترقون تحترقون، ثم يكشف ما بكم]] فما معي ومعك إلا أن نتوب ونستغفر دائماً، ونجدد توبتنا واستغفارنا علَّ الله أن يرحمنا، هذا ما أطالبك به.
ثالثاً: أرى أن تستغل شهر رمضان في تكفير السيئات الماضية، فتحضر صلاة الجماعة، وتقرأ القرآن، وترافق الصالحين، وتبكي على ما فات منك، وتتأسف وتندم، فإن الندم توبة، وما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة، فاندم على ما فات
تقطعني على التفريط دأباً وبالتفريط نفسك قد قطعتا
وفي صغري تحدثني المنايا وما خطرت بقلبك إذ كبرتا
وتشفق للمصر على الخطايا وترحمه ونفسك ما رحمتا
مشيت القهقرى وخبطت عشوا لعمرك لو وصلت لما رجعتا
إذا ما لم يفدك العلم خيراً فليتك ثم ليتك ما علمتا
وإن ألقاك فهمك في مغاوٍ فليتك ثم ليتك ما فهمتا
فنسأل الله أن يفهمنا وإياكم، وأن يتوب علينا وعليكم أكرر الشكر لإمام هذا المسجد ولكم، والشكر أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 901
اعرف دينك
كان الأعرابي يأتي رسول الله ﷺ فيتعلم منه الإسلام في كلمات قليلة، أما نحن فلو جاءنا من يسألنا عن الإسلام حتى يعرفه ويدخل فيه فلربما وقعنا في حيص بيص.
وهنا يحرص الشيخ أن يعطي ملخصاً للدين في كلمات يسيرة مبسطة يفهمها كل من يسمعها أو يقرؤها، وهي مع ذلك تشتمل على أصول الإسلام.
стр. 902
سهولة تعلم هذا الدين
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
إخوة الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عنوان هذا الدرس (اعرف دينك) في مساء يوم السبت السابع من شهر ذي القعدة لعام ألف وأربعمائة واثنى عشر للهجرة.
(اعرف دينك) موجز مبسط سهل ميسر لهذا الدين الذي بعث به محمد ﵊.
من أسرار رسالته ﵊ أنها ميسرة ومبسطة وسهلة قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧].
ومن خصائص هذا الدين أنه يفهمه الشيخ الكبير المسن، والأمي العامي، والطفل والأعرابي، فقد جعله الله ديناً عاماً للبشر، فكان لزاماً على من يدعو إلى الله أن يحاول أن يعرضه وأن يطرحه للناس، علَّ هذا الدين أن يدخل في أهل المدر وأهل الوبر وأن يعيه الناس، ولو قدمنا الإسلام سهلاً ميسراً كما قدمه الرسول ﵊ لدخل الناس في دين الله أفواجاً، فقد عرضه ﵊ على الجارية الصغيرة حين تأتي إلى المعلم العظيم ﵊ فيقول: أين الله؟ فتشير إلى السماء، فقال: ﴿أعتقها فإنها مؤمنة﴾.
يأتيه الأعرابي يسأله عمن رفع السماوات وبسط بالأرض ونصب الجبال، فيخبره النبي عليه الصلاة السلام فيؤمن ويدخل الجنة، أعرابي آخر يأتي من الصحراء وقد ترك ناقته وغنمه، ويسأل الرسول ﵊ عن الدين قال: ﴿أنا أدعو إلى الله الذي إذا أصابك قحط فدعوته كشفه عنك، وإذا ضلت ناقتك في الصحراء فدعوته ردها عليك﴾ فكيف نعرض الدين؟ وكيف نخبر الناس بموجز مبسط.
أما سبب المحاضرة فإني أريد من نفسي وإخواني أن نتنزل في المعلومات والمصطلحات، وأن نقرب الكلمات ليعي الناس هذا الدين بشكل موجز مبسط.
أما فائدة مثل هذا الدرس: فهو مفتاح الجنة، إذا عملت به أخذت المفتاح ودخلت الجنة، وثمرته النجاة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، ومعناه أن تتابع محمداً ﵊ وتركب سفينته، وسنته كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك.
стр. 903
ملخص لدعوته ﵊
بعث ﵊ والعرب لا يفهمون شيئاً عن الله ولا عن الكون ولا عن الحياة ولا عن الإنسان ولا عن اليوم الآخر قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] يخونون يغشون يعبدون الصنم يطوفون بالوثن.
تصور الإنسان العربي قبل مبعثه ﵊ بعقله وجثمانه، بدمه، وتفكيره وبصيرته وبصره، يأتي فيجمع حفنة من التمر، فيسجد لها من دون الله، فإذا جاع أكلها، ويذهب إلى الصنم فيرى الثعلب يبول على الصنم فيسجد للصنم، إن حتى أحدهم أنف من هذا فيقول:
أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب
فأتى ﵊ فعلمنا من هو الله، وكيف خلق السماء، وكيف خلق الأرض، وماذا يستحق، وكيف ندخل الجنة، وكيف نتجنب النار، فأخبرنا أن الخالق هو الله، والرازق هو الله، وأنه لا يستحق العبادة إلا هو سبحانه، وأنه لا يجوز أن يشرك هذا العبد مع الله إلهاً غيره، ثم أخبرنا ﵊ أنه بشر وأنه يبلغ الدعوة، ولكنه لا يملك ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِك مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً، ولا يشافي ولا يعافي ولا يحيي ولا يرزق إلا الله.
стр. 904
معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله
وبعث ﵊ بلا إله إلا الله محمد رسول الله، أما لا إله إلا الله فمعناها لا معبود بحق إلا الله، فمن ظن أو اعتقد أو فعل شيئاً من العبادة التي يستحقها الله لغيره فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.
لا إله إلا الله معناها: أنه لا يعبد إلا الله الواحد الأحد؛ لأنه كان هناك آلهة، وكفار قريش آمنوا بالرب سبحانه أنه خالق ورازق، لكنهم جعلوا معه آلهة أخرى، فتوجهوا لها بالعبادات، فأتى ﷺ يقول: لا إله إلا الله، لا يعبد إلا الله، ولا يسأل إلا الله، ولا يستغاث إلا بالله، ولا يرجى إلا الله، ولا يخاف إلا الله، ولا يرغب إلا فيما عند الله، ولا يرهب إلا مما عند الله ، حتى يقول لكفار قريش: ﴿قولوا كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم، فقال أبو جهل: وأبيك وعشر كلمات، قال: قولوا لا إله إلا الله.
قال: أما هذه فلا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]﴾ فامتنعوا واعترضوا عليه ﷺ .
стр. 905
شروط لا إله إلا الله
الأول: العلم المنافي للجهل: أن تعلم أنه لا يستحق العبادة إلا الواحد الأحد، لا أن تفعل شيئاً وأنت لا تعتقده، أي تعلمه علم اليقين من قلبك، ولا بد أن تعلم طفلك وأمك الكبيرة وجدتك معنى هذه الكلمة حتى تموت على لا إله إلا الله، لأن بعض الناس يظن أنه إذا قال: لا إله إلا الله نجا، وأنه لا يعذب في الآخرة، ثم تجد لا إله إلا الله في وادٍ وهو في وادٍ، فلا يصرف العبادة لله، ولا يعبد الله، ولا يخلص له ديناً، ويقول: يكفي أن أقول لا إله إلا الله وقد أخطأ؛ فإن الرسول ﵊ لما سئل عمن هو أسعد الناس بشفاعته عليه الصلاة السلام قال: ﴿من قال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه﴾ قال أهل العلم: مخلصاً: أي يعمل بمقتضى لا إله إلا الله؛ فأنت تعلم أنه لا إله إلا الله علماً، أي تدرسها دراسة، لا تقلد الآباء، لأن كثيراً من الأجيال والشرائح في المجتمع يقلدون آباءهم وأجدادهم، قالوا: وجدناهم يعبدون فعبدنا، وهذا منطق أبي لهب وأبي جهل، فلا تأخذ الدين وراثة، بل تتعلمه وتدرسه، وتسأل آباءك وأستاذك، وتسأل العلماء عن معنى لا إله إلا الله.
الثاني: اليقين: ومعناه أن تتيقن بقلبك وتعتقد اعتقاداً جازماً بهذا؛ لأن المنافق قد يعلم لا إله إلا الله، ولكن لا يعتقد جدواها، يعلم مثلاً أنه لا يستحق العبادة إلا الله، لكن قلبه يأبى، أما المؤمن فيتيقن يقيناً لا شك فيه.
الثالث: القبول: فبعضهم يعلم ويتيقن، ولكن لا يقبل لا إله إلا الله، ولا يقبل ما بعث به ﵊، فلابد أن تقبله وتجعله على عينك ورأسك قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] وبعض الناس يأخذ شيئاً من الإسلام ويترك شيئاً، انظر إليهم في السنن الآن، بعضهم يتضايق من بعض السنن، يقول: يكفي أن أصلى وأن أصوم وأن أحج، أما هذه فثقيلة أو لا أستطيع، فهم من الذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض، وهم من الذين جعلوا دينهم عضين، ومن الذين فرقوا دينهم، فهؤلاء لا يرضى الله عملهم حتى يتموا القبول من الرسول ﵊، فعليك أن تقبل وأن تجعل ما أتى به النبي ﷺ أغلى عندك من مالك ودمك وأهلك ونفسك.
الرابع: الانقياد: إذا قبلت ما جاء به ﷺ فعليك أن تنقاد كما ينقاد الجمل لصاحبه، والمؤمن أكرم لكنك تسلم مقاليد نفسك وحياتك للرسول ﷺ ، فتعطيه معتقدك وحياتك وأدبك وسلوكك وأخلاقك، وتلزم كل حياتك على منهجه ﷺ ، فإن بعضهم الآن يأخذ منهج حياته في المعتقد من الإسلام، وفي الأخلاق من الغرب، وفي السلوك من الشرق، وفي الأعمال والمعاملة من فلان وعلان، فخذ أنت منهجك من محمد ﵊ وحده: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١].
الخامس: الإخلاص: فلا تقولها رياءً، أو لا تعبد الله رياءً بل كما قال تعالى: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] فهو الذي يطلع على السرائر، وهو الذي يعلم ما في الضمائر، فتخلص له العبادة.
يقول الله : ﴿من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه﴾ رواه مسلم.
ولو ذرةً، تركه وما عمل، فلابد أن يكون عملك خالصاً لوجه الله .
السادس: الصدق: فلا تكن كاذباً في قولك، ولا فعلك، ولا كاذباً في اعتقادك، ويظهر الكذب في بعض الناس، فمن يقل: لا إله إلا الله ولا يصلي الفجر في جماعة فهو كاذب في لا إله إلا الله، ومن يقل: لا إله إلا الله وأمواله في البنوك الربوية فهو كاذب في لا إله إلا الله، من يقل: لا إله إلا الله وهو يوالي أعداء الله على أولياء الله فهو كاذب في لا إله إلا الله!
لا إله إلا الله ليست كلمة فقط، فلو كانت كلمة فحسب لقالها اليهودي والنصراني والبوذي والشيوعي ودخلوا الجنة، لكن حرمها الله عليهم لأنهم ما عملوا بمقتضاها وما صدقوا فيها.
من الكذب في الأخلاق: أن تتعامل مع المسلمين بأخلاق اليهود فتخونهم، وتتعرض لهم، وتضمر لهم الدسائس، وتكيد لهم المكائد، وتطلب لهم العثرات، وتفرح بزلاتهم، وهذا كذب في لا إله إلا الله، وقس على ذلك كثيراً من السنن.
السابع: المحبة: أن تندفع إلى الدين بمحبة وبقلب، أن تأتي للمسجد وصدرك منشرح، لأن الله قال في المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] ويقول: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٥٤] فالمنافق ينفق وهو كاره، ويأتي للمسجد وهو كاره، ويحضر المحاضرة وهو كاره، أما أنت فتحب وتحمد الله على أن أجلسك في المسجد، وعلى أن جعلك تصلي وتصوم وتحج وتعتمر، ولم يجعلك شيوعياً ولا نصرانياً ولا يهودياً ولا بوذياً.
وقد كان في استطاعة الله وبحكمته أن يولد الإنسان كافراً وأن يعيش كافراً وأن يموت كافراً، لكن اختارك الله واجتباك واصطفاك من بين الألوف المؤلفة والملايين المملينة لتكون مسلماً، تقول: لا إله إلا الله بمحبة، وتعتقد لا إله إلا الله محبة، وتعمل السنن بمحبة، بعض الناس يتضايق من السنن، يعمل بعض السنن ويقول: والله في قلبي حرج، ولولا بعض الأمور والمجاملات لما فعلت، فهذا في قلبه حرج، لا يحب ما جاء به النبي ﷺ .
الثامن: الكفر بما سوى الله تعالى قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ [البقرة:٢٥٦] التخلي والتحلي؛ أن تكفر بغير الله فلا تتعلق بغيره من وثن أو صنم أو نجم أو كوكب أو شمس أو قمر أو شيخ أو معلم أو مرءوس، فلا تتجه إلا إلى الله الواحد الأحد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] وصور الشرك كثيرة، منها متطور ومنها بسيط، ومنها أبجدي ومنها عالي المستوى معقد، فكل بحسبه، الأعراب عند المشعوذين والكهنة والسحرة والأنصاب والأزلام إلا من رحم الله، بعض الذين تعلموا وأخذوا نصيباً من العلم عند المشايخ، يقدم رأي الشيخ على كلام الله وكلام رسوله إلا من عصم الله ، بعض الناس عند الكيانات والاتجاه إلى غير الله وإلى المصادر التي ما أنزل الله بها من سلطان، هذه صور من صور الشرك، وهي تتطور مع تطور الزمن، ولكن تبقى مظلة لا إله إلا الله محمد رسول الله.
стр. 906
معنى محمد رسول الله
ما معنى محمد رسول الله؟ أن تشهد أن هذا الرجل الأمي الهاشمي التهامي ﵊ بعثه الله خاتماً للرسل، فهو معصوم لا ينطق عن الهوى ولا يقول إلا وحياً، وأنه قدوة للناس، وأن من لم يتبعه دخل النار، وأنه ﵊ لن يبعث أحد بعده، وأنه ﷺ ما كتم من الوحي شيئاً ولا خان ولا غش ولا ضل ﵊.
стр. 907
حق الله على العبيد
لله عليك حقوق ولك حقوق أوجبها الله على نفسه، ولم يوجبها أحد من الناس.
أما حقوقه عليك فمنها ما يلي:
стр. 908
العبادة حق الله على العبد
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وهذه لا يختلف فيها الناس: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ [مريم:٩٣] والله يطلب من الإنسان أن يقترب منه بالعبودية، ولا تقترب إلى الله ولا يحبك إلا إذا عبدته، وفي صحيح البخاري أن الرسول ﵊ قال عن الله أنه قال: ﴿وما تقرب إلي عبدي بأحب مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به الحديث﴾ دل الحديث على أنه كلما اقتربت من الله بالنوافل قربك، وأن أقرب الناس منه العابدون، قال عن الأنبياء: ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٣].
стр. 909
الاستعانة بالله حق لله على العبد
ثم الاستعانة: ألا تستعين إلا به قال ﷺ : ﴿وإذا استعنت فاستعن بالله﴾ وهذا فيه تفصيل لأهل العلم قالوا: يستعان بالبشر فيما يقدر عليه البشر، فلك أن تستعين بالإنسان أن يحمل معك غرضاً في سيارتك أو أن يوصلك مكاناً أو يدلك على مقصد، أو أن يبني معك بيتاً، لكن الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله حرام أن تستعين فيها بغير الله كالمشافاة والمعافاة، وطلب الرزق، والإماتة والإحياء، وتسهيل الأمور وتفريج الكرب، لا يستطيع عليها ولا يقدر عليها إلا الله قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢] وقال ﷺ : ﴿وإذا استعنت فاستعن بالله﴾.
стр. 910
الاستغاثة بالله حق لله على العبد
ومنها الاستغاثة قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٩] قيل عن معروف الكرخي أنه كان يجلس في المجلس الواحد ويقول: واغوثاه! واغوثاه! أكثر من ألف مرة، فقيل له في ذلك، فقال: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٩] فلا تستغث إلا به ، والناس يظنون أن بعض الناس له يد في نزول القطر والمطر، وأن بوجوده أو بحضوره أو بحصوله أو ببركته ينزل الغيث، وهذا شرك بالواحد الأحد، لا ينزل الغيث إلا الله، ولا يعلم ما في الأرحام إلا الله.
стр. 911
الرجاء حق لله على العبد
ومنها الرجاء: أن ترجو الواحد الأحد، فلا يرجى إلا هو لدفع المكروه، وتجد بعض من يشرك في مسألة الرجاء يرجو غير الله أكثر من الله، ويقول للناس: أنتم الذي سهلتم هذه المسألة ولو لم تفعلوا ما تسهلت، وهذا شرك بالمولى، فوالله الذي لا إله إلا هو إن لم يسهلها الله ما تسهلت، ويقول لي آخر: أنت الذي فعل وصنع، وأنت الذي قرر، وأنت الذي سهل، وأنت الذي يسر، ونسي الواحد الأحد، فمقاليد الأمور بيد الواحد الأحد، بيده تفل الحبال وتفتل، تبارك الله رب العالمين!
стр. 912
الخوف من الله حق لله على العبد
ومنها الخوف قال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥] في الرجاء والخوف والرغبة والرهبة: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ [الأنبياء:٩٠].
ألا تخاف إلا منه فيما لا يخاف إلا منه ، ليس الخوف الطبيعي، فإن الإنسان قد يخاف من الأسد، ويخاف من الثعبان، فهذا مركب في الفطرة، لكن بعض الناس يخاف من بعض الناس أن يمنعه الرزق أو يعطله من الحياة، أو يغير عليه القضاء والقدر، أو يمنعه من الولد أو غير ذلك، وهذا سوء ظن بالمولى ، ويدخل في المسألة: ﴿وإذا سألت فاسأل الله﴾ فلا تسأل فيما لا يقدر عليه غير الله إلا الله ﵎، فإذا سألت غيره ما كان لك من نصيب، وما لُبِّيَ طلبك وخسرت الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] وفي حديثه لـ أبي ذر: ﴿لا تشرك بالله -هذا حديثه ﷺ لـ أبو بكر - وإن قطعت وحرقت﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١].
стр. 913
عدم الذبح لغير الله حق لله على العبد
ومنها عدم الذبح لغير الله ؛ ومعناه: ألا يذبح ذبيحته لغير الله ، كأن يتقرب بها إلى وثن أو مخلوق أو إلى دفع ضر أو جلب منفعة، فإن هناك بعض الصور جائزة، كأن تذبح للضيف بقصد إكرام الضيف، ما ذبحت أنت للضيف معتقداً أن الضيف يشافي ويعافي، أو أنه يدفع المكروه ويجلب الرزق، لا، إنما المقصود بهذا الإكرام، هذه صورة أخرى، لكن أقصد بالذبح لغير الله الذين يذبحون عند الكهنة والمشعوذين أو يوصوهم بالذبح في صور متعددة، وبعضهم إذا بنى البيت ذبح ليخرج الجن، ولئلا يسكن الجن في البيت، وبعضهم يذبح إذا وصف له مرض مريض فقالوا: لا يشفى مريضك حتى تذبح له تيساً أسود أو تيساً أبيض أو ديكاً رومياً مولوداً بعد الحرب العالمية الثانية من مواليد (١٤١١ هـ) في شهر صفر، فيذبحه معتقداً ذلك.
ومما يلحق بهذا الذبح بعض الاعتقادات التي توجد في بعض المجتمعات أن المرأة إذا انتهت عدتها فإنه لا بد أن يذبح لها ذبيحة، وهذا في حد ذاته مخالف لسنة المعصوم ﵊، وهو بدعة، ولم يعرف عنه ﵊ ولا عن أصحابه أنه أمر أو سن الذبح للمعتدة إذا خرجت من العدة.
إن المرأة تكرم في أي وقت، لكن أن تتخذ مراسيم ثابتة دائمة مستمرةٌ، فهذه البدعة التي نهى عنها النبي ﵊، وقال: ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾.
ومنها عدم صرف أي شيء من العبادة لسوى الله : مثل الدعاء أو التوجه أو القصد أو المسألة أو الخوف أو الرجاء، وكلها تنافي معتقد التوحيد.
стр. 914
واجب المكلف تجاه هذا الدين
أنا وأنت والمسلمون مكلفون، وواجبنا أربع مسائل لابد أن تحفظ، ولابد أن تلقى الله بها، ولابد أن توقف حياتك عليها، وهي ما يأتي:
стр. 915
المسألة الأولى: التعلم
وليس معناه أن تتعلم دقائق المسائل وتفصيل العلوم، فتصبح دكتوراً أو عالماً من العلماء، أو بحراً من البحور، لا! يجب على كل مكلف من مسلم ومسلمة أن يتعلموا أصول المسائل، أن تتعلم الواجبات والمحرمات ثم تعلمها أمك وجدتك وأباك وجدك وكل من تدعوه إلى الله ، وسيأتي ذكر ذلك في فقرة مستقلة.
следующие страницы →