Полный текст (10 391 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
بم يكون الإعجاز في القرآن ؟
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٢٣] أي: تعالوا بسورة من مثله، لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: أي سورة؟ سورة كبيرة أو صغيرة؟ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] هل تستطيع العرب أن تأتي بمثلها؟
تقول المعتزلة: السور التي تحصل بها الإعجاز هي الطويلة، أما مثل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] والتي هي من ثلاث آيات فلا، وكذبوا.
بل أي سورة، معنى الإطلاق لا يستطيع العرب ولا غيرهم من الفصحاء أن يأتوا بسورة من مثله، وحقق ذلك ابن كثير وغيره من أهل العلم ﵏ أن أي سورة مثل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فلا يستطيع أحد أن يأتي بمثل هذا أبداً.
وانظر الآن إلى إعجاز القرآن، فالقصيدة تسمعها ستين بيتاً، لا يكون فيها إلا بيت أو بيتان من أحسن ما يكون، وأما غيرها فكذب ودجل وخداع.
وتعال الآن إلى موازنة، ولله المثل الأعلى، ولكلامه المثل الأعلى، فنأتي إلى الوصف، يقول : ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٠] أليس هذا وصفاً حقيقياً، ثابتاً لا فيه عوج ولا كذب ولا تمويه، إي والله!
ويقول في الوصف الآخر: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق:١٠] لكنه جمال في الأسلوب، ما قال: طويلات، بل قال: (بَاسِقَاتٍ).
(لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ) ولم يقل: جيد ولا طيب، بل قال: نضيد.
وتعالوا الآن إلى الشعراء، يقول بشار بن برد يصف الجيش:
كأن مثار النقع فوق رءوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
كذب على الله! ما كان هذا، ذلك الأعرابي يصف المرأة بالنخلة، ويصف وجهها بالقمر، ويصفها لرشاقتها بالغزال، ويصف الكف بشيء من اللجين، وهذا كذب وخداع، ولذلك يقول : ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُون * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [الشعراء:٢٢٤ - ٢٢٧].
والله إذا أراد التهديد في القرآن اقشعرت الأبدان، وإذا أتى بالنعيم ووصف النعيم ارتاحت القلوب إلى نعيم الواحد الديان، وإذا ذكر الموت أبكى العيون، وإذا ذكر الدنيا وآياتها أتى بالعجب العجاب، وإذا وصف الحدائق والبساتين أتى بشيء تسيل له المقل عجباً، وتندهش له العقول، فسبحان من أنزل هذا القرآن.
قال: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣] من الشهداء؟
قال ابن عباس: آلهتكم، تعالوا بالأصنام والحجارة، تعالوا بالأوثان وادعوها لتعاونكم في الإتيان بمثل هذه الآيات.
وسبق في أول جلسة من جلسات التفسير أن ذكرت كلاماً جيداً لـ سيد قطب حيث، يقول: القرآن كلام، وكلامنا نحن كلام، وكلها من حروف، أنت تقول: محمد علي سعيد والقرآن فيه هذه الألفاظ، فكلها من هذه الحروف، قال: ولكن الفارق مثل هذا التراب، خلق الله من هذا التراب الإنسان، فالإنسان يشابه القرآن؛ لأن القرآن من الكلام الموجود والإنسان من التراب الموجود، والإنسان لا يستطيع أن يصيغ من التراب إنساناً فيأتي فيصنع الخزف والأواني والصحاف والأباريق، فهذه الأباريق والأواني والخزف مثل كلامنا نحن، والإنسان مثل كلام الله ، وأصل المادة واحدة، ولذلك يتحدى الله فيقول: ﴿الم﴾ [البقرة:١] هذه الحروف تعالوا بمثلها، هذه المادة الخام موجودة، اصنعوا مثل القرآن، لكن ما استطاعوا.
﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣] قيل: آلهتكم، وقيل: شهداؤكم أعوانكم، وأذنابكم، وأقزامكم، وعملاؤكم، ومن يسير في مسيرتكم، ومن يجلس معكم في ظلام الليل، ومن يؤزكم بالكلام، تعالوا أنتم وكل عميل على وجه الأرض، وكل ذنب، وملحد، وائتوا بسورة من مثل هذا القرآن.
قال : ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٢٣] قيل وهو الصحيح: إن كنتم صادقين أنه ليس من عند الله فتعالوا بمثله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٢٣] وقيل: إن كنتم صادقين أنكم تستطيعون أن تأتوا بمثله، فالمادة معكم والكلام موجود، فتعالوا بمثله، وخسئوا، وخسروا، وخابوا، وما استطاعوا وما فعلوا.
قال : ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] معجزتان اثنتان:
المعجزة الأولى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) تحداهم الله أن يأتوا بمثل القرآن، فلم يستطيعوا.
المعجزة الثانية: قال: (وَلَنْ تَفْعَلُوا) قال أهل العلم: تحداهم الله بالقرآن أن يأتوا بمثله، أو بسورة، أو بعشر سور، ثم قال لهم في نفس القرآن: (وَلَنْ تَفْعَلُوا) وبالفعل قال هذا الكلام بقوة، وورد هذا بغير خوف، وبغير جزع وهلع، وفي الحقيقة ما مر في التاريخ تحدٍّ للقرآن والحمد لله، ولا استطاع أحد أن يتحداه ولا أن يأتي بمثله، وهذا معجزة أخرى أن يقول الله: (وَلَنْ تَفْعَلُوا) فما فعلوا.
والمعتزلة يقولون: إن التحدي في القرآن والإعجاز، أن الله كتب على الناس ألا يستطيعوا أن يأتوا بمثله، ولو لم يكتب عليهم لاستطاعوا، وقد كذبوا، بل لا يستطيعون، ما استطاعوا أبداً، يقولون: إنه في القدر أن الله منعهم أن يأتوا بمثله، ولو لم يمنعهم لكان باستطاعتهم أن يأتوا بمثله، ولا والله! لا يستطيعون أن يأتوا بمثله أبداً.
يقول الأصمعي: خرجت في البادية فرأيت أعرابية فأخذت أقرأ، وفي بعض روايات هذا القصة أن أعرابية سمعت قارئاً يقرأ يقول: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧] وهي لا تدري أهو قرآن أم لا، فهي عجوز أعرابية بدوية، قالت: سبحان الله! كلام من هذا؟ قالوا: وماذا تريدين؟ قالت: أتى بأمرين، وبنهيين، وبشارتين، كلام من؟ قالوا: كلام الله.
стр. 842
روعة القرآن يدركها من لا يفهمه
يقول سيد قطب: ركبت أنا وبعض الصحبة من الإخوة سفينة نريد أوروبا فأبحرنا، قال: فحانت صلاة الجمعة، وكنت قد رأيت النصارى يقيمون بعض الطقوس التعبدية، فأخذتني الحمية الإسلامية، والغيرة على الدين؛ فجمعت زملائي، وقلت: أصلي بكم الجمعة في السفينة ليرانا النصارى، قال: فقمت فألقيت خطبة، قال: ومعنا امرأة يوغسلافية من يوغسلافيا -فرت من حرب تيتو -: فأخذت هذه المرأة تنظر إلينا وتسمع الخطبة، لا تعرف من العربية حرفاً واحداً، فأخذت تنظر، قال: وأديت الخطبة، ثم نزلت، فأديت الصلاة، فقرأت في الصلاة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١] فلما سلمت وإذا دموعها على خديها، فتقول للترجمان: سله كلام من هذا الذي صلى به؟
قال سيد قطب: فأخبرت الترجمان أنه كلام الله، فاندهشت وزاد بكاؤها، قال: ولم تمكنا الفرصة أن نوصل لها الدعوة، وأن نخبرها بالإسلام، فانظر إليها، فهي يوغسلافية لا تجيد حرفاً واحداً، وسرى القرآن إلى شرايينها، ووصل إلى قلبها.
стр. 843
رحلة الروح مع كتاب الله
ويقول سيد قطب في سورة النجم: كنت أسمر أنا ورفقة معي بعد صلاة العشاء في القاهرة، وفجأة سمعنا صوت الراديو يرتفع بصوت مقرئ يقرأ بسورة النجم، قال: فسكتنا ننصت، فأنصتوا، قال سيد قطب: فأما أنا فسافرت روحي -وهو يجيدها لأن قلمه سيال بديع- سافرت مع المصطفى ﵊ في رحلته: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:١ - ٣] قال: ففارقت الجلاس، وهذا من باب قول ابن تيمية: "إذا جلست مع البطالين فسافر بروحك واترك جسمك معهم".
أما الجسم موجود، وأما الروح فسافرت إلى بارئها: ﴿دعها فإن معها سقاءها وحذاءها، ترد الماء وترعى الشجر حتى يلقاها ربها﴾ قال: ثم أتاني التأثر، وقد رفع القارئ صوته، فحاولت أن أحبس عن زملائي التأثر فبكيت، قال: فلما بلغ قوله : ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم:٥٧ - ٥٨] قال: والله لقد تحول البكاء إلى هزة عضلية في جسمي، ولم أقدر أن أمسك جسمي أبداً.
ولذلك انظر إلى هذا الكلام في الظلال، كأنه كلام رجل دخل الجنة، ثم أتى يكتب من الجنة، ولو أن لنا كطلبة علم ملاحظات على الظلال -والعصمة لكتاب الله في بعض الصفات وبعض المواقف، لكن الكتاب عجيب، وفيه دفعة قوية وفهم وعمق وأصالة، فرحمه الله رحمة واسعة، ولا يعفيه من أن ينتقد من كثير من العلماء خاصة في بعض المسائل، وهذا أمر له مجال وبسط آخر.
стр. 844
توضيح معاني التقوى
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] يا أيها الناس! اتقوا النار، يقولون: التقوى وردت في القرآن باتقاء الله، واتقاء اليوم الآخر، واتقاء النار ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء:١] ويقول : ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [البقرة:٢٤].
والتقوى هي: أن تجعل بينك وبين الشيء وقاية، يقول النابغة الذبياني:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد
فهذه حياة الجاهلية، حياة الربابة والعزف على الموسيقى، لم يكن فيها قرآن، ولا كان فيها أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا صحيح البخاري، ولا صحيح مسلم، بل حياة الضياع والهيام، ولا بأس بالاستشهاد بهذه، فإن فيها ملاحة، وظرفاً، وشيئاً عجيباً من شعر العرب يقول:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه فتناولته واتقتنا باليد
فاتقتنا: جعلت بيننا وبينها وقاية، ولذلك تعريف التقوى: أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية.
وعرفها بعض أهل السنة كـ ابن تيمية قال: هي أن تؤدي المأمور، وتجتنب المحذور وتصدق الخبر، وقال بعضهم ونسب إلى علي بن أبي طالب، وكلماته لها طريق إلى القلوب، قال: [[هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل]] وقال ابن مسعود: [[التقوى هي: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر]] وقال بعضهم: التقوى أن تعمل الحسنة على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك السيئة على نور من الله، تخاف عقاب الله، إلى غير تلك التعريفات.
لكن هنا من نوع آخر قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [البقرة:٢٤] انجوا بأنفسكم، وخافوا من الله، وادخلوا في الدين، وأسلموا لله، مادمتم قد عجزتم عن معارضة القرآن؛ فلماذا لا تسلمون؟ ومعجزة رسولنا ﵊ هي القرآن.
стр. 845
تفسير قوله تعالى: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)
﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] ما هي الحجارة؟ قالوا: حجارة الكبريت الأسود، قالها كثير من المفسرين أنها الكبريت الأسود الذي تحرق به النار، وهو أشد هيجاناً، وأشد حرارة وتلهباً، حتى يوم بلغ العلم الحديث ذروته، أصبحت أكبر المصانع في العالم، مصانع الاحتراق وإذابة الحديد تستخدم الكبريت الأسود، لكن لا تستوي الناران:
أما الخيام فإنها كخيامهم وأرى نساء الحي غير نسائها
فأعوذ بالله من نار وقودها الناس والحجارة، حتى يقول بعض المفسرين: سبحان الله! يقرن الناس وهم لحم ودم وعصب وجلد وعين وسمع وبصر، وهم مضغة بحجارة لا تسمع ولا تبصر ولا تعي، وهذا من أشد الإهانات، قال : ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة:٢٤] قيل: يوقدها الناس والحجارة، وقيل: يدخل الحجارة مع الناس من قلة المبالاة بهؤلاء الكفرة.
فرجل أعطاه الله سمعاً وبصراً وقلباً، ثم لا ينقذ نفسه من النار، أليس كالحجر؟ بلى.
رجل لم يعرف طريق الخير فهو مثل الحجر؛ لأنه لا حياة له، له سمع لا يسمع به، وله بصر لا يبصر به، وله قلب لا يفقه به، ولذلك جعل الله منزلته كمنزلة الحجارة: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] لأن الأنعام لا عقول لها تكليفية، وأما هم فأوتوا العقول، ثم تردوا أشد من الحيوان والبهائم نسأل الله العافية والسلامة.
стр. 846
بشرى لأهل الإيمان: إنما أعدت النار للكافرين
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] والحمد لله هذه فيها بشرى وفيها إنذار (أعدت للكافرين) قيل: الحمد لله الذي قال: أعدت للكافرين، ولم يقل: أعدت للناس، وقالوا: الحمد لله الذي قال: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ:١٧] ولم يقل: وهل نجازي إلا الناس، فإن الذي يستحق الجزاء هو الكافر، والحمد لله الذي جعلها معدة للكفار.
فيا من أعدها للكفار! يا واحد يا قهار! نشهد أن لا إله إلا أنت، ونشهد أن محمداً عبدك ورسولك، نلقاك بهذه الكلمة تنجينا من نار أعددتها للكفار
إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار
وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقني من النار
﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] فيها بشرى لنا أننا مسلمون، مع أننا خطاءون، مذنبون، مسيئون، لكن معنا كلمة نتعلق بها، لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومعنا الصلوات الخمس، والفرائض، ولكننا مرة علينا ومرة لنا، ونحن في الأخير أهل فرائض.
حضرت الوفاة عمرو بن العاص كما في صحيح مسلم، فبكى وكان ابنه يُرجِّيه ويُحسِّن ظنه بالله، فقال: [[يا بني! كنت على أطباق ثلاث، كنت في الجاهلية لا أعرف الإسلام، فلو مت لكنت من أهل جهنم، وأتيت في الإسلام مهاجراً، واستقبلني ﷺ ، فلما أسلمت كان أحب الناس إلي، فلو مت لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم لعبت بي الدنيا ظهراً لبطن وتخلفت بعده، فليت شعري هل يؤمر بي إلى النار أو إلى الجنة، ولكن عندي كلمة أحاج لنفسي بها عند الله.
لا إله إلا الله محمد رسول الله]].
وهذه الكلمة لا تكفي إلا بالصلاة والفرائض، وإلا فقد يقولها المنافق والكافر، لكن ليس مخلصاً من قلبه، أعني ليس مصلياً صادقاً مع الله.
﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤] فالحمد لله الذي أعدها للكفار، والحمد لله الذي جعل المسلم ينجو برحمة الله من النار؛ فإنه الواحد الغفار.
стр. 847
الكبائر من المسلمين
ولعلمكم -يا أيها الأخيار الأبرار- إن من المسلمين من أهل الكبائر من قد يدخل النار، لكنه لا يخلد في النار، لكن قولوا لي بالله: من يستطيع منا تحليلها يوماً واحداً أو شهراً أو سنة أو مائة سنة أو ألف سنة، فلا إله إلا الله، لحظة واحدة لا يصبر عليها الإنسان.
ذكر ابن تيمية في الفرقان، أن الأحنف بن قيس كان إذا قام من الليل يصلي يضع أصابعه على النار، فيحرقها ويقول: ذوقي قبل نار الآخرة ويبكي، وهي نار سهلة، فهي جزء من سبعين جزء من نار جهنم، غمست في البحر حتى أطفئت وأصبحت ناراً يوقد عليها، فأنقذوا أنفسكم من النار بالفرائض، وأنقذوها بالتوبة النصوح، وأنقذوها بإصلاح قلوبكم وبيوتكم عل الله أن يرحمنا وإياكم.
стр. 848
أهل الجنة وبيان حالهم
ثم اسمع إلى أهل الإيمان بعد أهل الكفر وأهل الزيغ والنفاق والطغيان، قال : ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة:٢٥] من المبشِّر؟
إنه محمد ﵊، يقول: قم بشر هذه الأمة، وبشر المصلين في جنح الليل، والعابدين الصادقين، وبشر الناصحين، والذي رأى الحرام فغض بصره، وبشر الذي سمع الخنى فأعرض بسمعه، وبشر الذي وجد الحرام فرفض أكله، ورفض شربه ولبسه، بشره بجنات تجري من تحتها الأنهار.
فالرسول ﵊ مبشر ومنذر، لكن إذا أتى التخويف قال له الله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد:٧] وإذا أتى النعيم قال: (وَبَشِّرِ) وقال : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ [الأحزاب:٤٥] فيقول: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد:٧] وهنا يقول: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٥] في هذه الآية رد على المرجئة وهي: طائفة ابتداعية تقول: يكفي الإيمان بلا عمل، وهذا خطأ وكذبوا على الله، يقولون: يكفي النطق والاعتقاد بدون أن يعمل الإنسان ولو لم يصل فهو مؤمن، لا: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة:٢٥] وعمل الصالحات كثير يحتاج إلى بسط وعرض طويل، لكن من الصالحات ألا تتقاصر عن كل فعل صالح أن تفعله.
تبسمك في وجه أخيك على قلته صدقة، وإماطتك الأذى عن الطريق صدقة، صلح وإصلاح، نيتك أن تقوم الليل ثم لم تقم عمل صالح يكتب لك، وأن تصب من إنائك في إناء المستقي صدقة.
стр. 849
أقسام المؤمنين
قال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة:٢٥] الذين آمنوا ثلاثة أقسام:
سابق، ومقتصد، وظالم لنفسه، وسبق بيان ذلك.
فالسابق: مثل الصحابة رضوان الله عليهم، وهم الذين فعلوا الفرائض والنوافل، وتركوا الكبائر والصغائر.
والمقتصد: هو الذي فعل الفرائض ولكنه لم يأت بالمستحبات، وترك الكبائر ولكنه يأتي بالصغائر.
والظالم لنفسه: من ترك بعض الواجبات، وارتكب بعض الكبائر، فالظالم قد يدخل النار، ولكنه يخرج برحمة الله لأنه موحد، فقد تدركه شفاعة سيد الخلق ﵊، أو رحمة أرحم الراحمين.
стр. 850
وصف الجنة وأنهارها
﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة:٢٥] جنات جمع جنة، وما في الدنيا من الجنة إلا الأسماء:
لواحد منهم بدا أساوره أضاءت الدنيا له أو ظفره
لهم من الحرير أعلى ملبس إستبرق فيها وخضر السندس
صفوفهم عشرون بعد المائة أما ثمانون فمن ذي الأمة
الشجرة الواحدة كما في صحيح مسلم، ﴿يطوف الراكب المجد بها مائة عام لا يقطعها﴾.
وفي الجنة أربعة أنهار ثجاجة، نسأل الله أن يرينا تلك الأنهار، ولا يحرمنا الشرب من تلك الأنهار، وأن يدخلنا برحمته وهو الواحد الغفار لا بعملنا؛ فإننا مسيئون، بعيدون عن أعمال تلك الدار.
نهر من ماء غير آسِنٍ لم يتغير، بل هو ثجاج يثج حلاوةً وخيراً وبراً، ونهر من عسل مصفى لا تشوبه شائبة، ونهر من لبن لم يخالطه شيء، ونهر من خمر لذة للشاربين ليس فيها صداع ولا ذهاب للعقل كخمر الدنيا، قال أهل العلم: هذه الأنهار الأربعة تطوف في الجنة جميعاً، ولكل إنسان في الجنة أنهار خاصة، وهذه الأنهار العامة، أما الأنهار الخاصة فهي لكل إنسان، وأدنى أهل الجنة منزلة يملك -كما في صحيح مسلم - عشرة أمثال الدنيا من ذهب وفضة وقصور وبساتين، ففي الجنة له عشرة أمثال الدنيا: ﴿ولموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها﴾.
أما شجرها فيتدلى، إن كنت قائماً ارتفع الغصن حتى تناله وأنت قائم: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:٢٣] وإن كنت جالساً أتاك الغصن وأنت جالس، وإذا اضطجعت أتاك الغصن وأنت مضطجع، لا تهتم، ولا تحزن، ولا تغتم، ولا تنصب، ولا تجوع، ولا يأتيك مما يأتي الناس في الدنيا من الغائط والبول والأذى والقذى، هل فيها شمس؟ قال بعض أهل العلم: أما جوها فكالجو الصحو الصافي قبل طلوع الشمس في الفجر، فهذا الجو الزاهي البهي هو جو الجنة.
أما لحمها فهو طير مشوي مما يشتهيه الناس، وفواكهها متعددة الأنواع، أما أسرتها فحدث ولا حرج، للإنسان المسلم المؤمن اثنتان وسبعون حورية، وقال بعض أهل العلم في الأحاديث: زوجتان، وكل حورية وجارية يرى مخ ساقها من وراء العظم.
فاعمل لدار غداً رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن بانيها
قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها
والطير تهفو على الأغصان عاكفة تسبح الله جهراً في نواحيها
ولذلك لا نعيم في الدنيا أبداً بالمقارنة مع تلك، وهذه الحقائق لا بد أن تفهم اليوم، قال رجل للحسن البصري: أشكو إليك بطني، قال: ماذا فعل بطنك؟
قال: إن شبعت كظني، وإن جعت آلمني، قال: التمس لك أرضاً غير هذه الأرض، أي: الجنة، وقال الحسن البصري: [[فضح الموت الدنيا، فلم يدع لذي لب فرحاً، لقد بقي المؤمن مهموماً مغموماً، ولا فرج له إلا دخول الجنة]].
ولذلك رئي الصالحون في الجنة، ولا بأس أن نذكر بعض ذلك، ذكر ابن كثير أن الإمام أحمد رئي على كرسي من زبرجد، فقالوا: بم نلت هذا؟
فقال: بآية من القرآن، ورئي مالك كذلك، فيقول الذهبي: على ناقة من نور، وهو يطير بها في سماء الجنة، ولكن الشهداء أعظم وأعظم، وأحسن وأحسن.
فيا أخي: اجعل لك منزلاً هناك، وإذا أتاك الفقر والعوز ولم تجد سعة في هذه الدنيا فاعلم أن السعة هناك، واعلم أن ما فاتك في الدنيا سهل، بيت الدنيا يخرب، وزوجة الدنيا تفارق، ومال الدنيا يذهب، وصحة الدنيا بعدها السقم، فو الله لا راحة فيها، والمغرور والمخذول والذي لا يملك مسكة من عقل هو الذي قدمها على الآخرة نعوذ بالله من الخذلان.
قال: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة:٢٥] كيف تجري؟
قالوا: تجري من تحت قصورها، ولأنهار الجنة حفيف في الآذان عجيب، ويخرج أهل الجنة كما حقق ابن القيم إلى سوق من أسواقها، فتثور رياح تهب بكثبان المسك، فتدخل في ثياب أهل الجنة، فيعودون إلى زوجاتهم فيقولن: والله لقد ازددتم حسناً إلى حسنكم ونعيماً إلى نعيمكم، ويلتقي أهل الجنة يوم الجمعة يوم المزيد، فيرون الله الواحد الأحد رؤية حقيقة، وهي أعظم المنازل، نسأل الله ألا يحرمنا تلك النظرة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣ - ٢٣] فأول ما توضع الكراسي للأنبياء والرسل، ثم للشهداء، ثم للصالحين، ثم يجلس الناس على كثبان المسك والزبرجد، ويتجلى الله لهم ويكلمهم ويكلمونه.
فهناك قم طرباً بحبك منشداً إذ سوف تكشف دوننا الأستار
فنسأل الله أن يرينا وجهه، وأن يذيقنا لذة النظر إلى وجهه .
وفي الجنة زيارة الصالحين، فتزور محمداً ﷺ ، وأبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وحمزة، وأضرابهم، وأشرابهم، فاجعل لنفسك منزلاً هناك، لأنك إن لم تفعل ذلك في الدنيا، فإننا نخاف أن يحال بيننا وبين تلك المنازل نسأل الله العافية.
стр. 851
ثياب أهل الجنة وأطعمتهم
للفائدة يقولون: إن ثياب أهل الجنة من أكمام في الشجر، تطلع الشجرة فتأتي بأكمام الثياب بزاً وقماشاً فيلبسونها وهي مفصلة جاهزة، وعرقهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، الواحدة منهم لو أشرقت على الدنيا لكسفت الشمس من نورها وبهائها ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥].
﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ [البقرة:٢٥] في هذا المقطع مسائل:
قوله: (كُلَّمَا رُزِقُوا مِنها) أي: من الجنة.
(مِنْ ثَمَرَةٍ) يقولون: من طلع الشجرة الذي يؤكل وكل ما في الجنة يستفاد منه: ﴿رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل ماذا؟ لأهل العلم رأيان:
الرأي الأول: يقولون: رزقنا هذا في الدنيا، هذا الثمر الذي أعطيتمونا في الجنة قد رزقنا مثله في الدنيا! فتقول الملائكة: ذوقوا فإن اللون والطعم غير الطعم.
الرأي الثاني: وهو الصحيح (هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ) يقولون: قبل قليل أعطيتمونا هذا أكلناه، فكيف تعيدون لنا هذا؟ قالوا: اللون واحد ولكن الطعم مختلف، من كثرة ما جعل الله فيها من العجائب والألوان؛ ومن العجب أن جعل اللون واحداً، ولكن يذوقونه فإذا الطعم مختلف تماماً، (قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً) متشابهاً أي: يشبه هذا هذا، ولكنه يختلف في الطعم ولو اتفق في اللون، والمشبه يتفق مع المشبه به في بعض الوجوه، ولكن يختلف من وجوه أخرى؛ فلله الحكمة البالغة.
وورد عن ابن عباس أنه قال: [[ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء]] فالرمان: ذكر في الجنة وهو في الدنيا، لكن والله ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء فحسب: الرسول ﷺ ﴿صلى بالناس صلاة الكسوف، فتأخر خطوة ثم تقدم خطوة، فقالوا: مالك يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة، ورأيت عنقود عنب فيها فأردت أن آخذه، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، ورأيت عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار -لأنه أول من سيب السوائب وأدخل الأصنام جزيرة العرب - ورأيت في النار امرأة تعذب في هرة لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض﴾.
стр. 852
مسألة خلق النار والجنة وعدم فنائهما
وللفائدة يا أيها الإخوة! فاتني مسألة استدل بها أهل العلم في قول : (أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) على أن الجنة والنار موجودتان الآن، وهما مخلوقتان الآن، والجنة مما علم أنها في السماء، والنار الله أعلم، ولكن قال أهل العلم: هي في سجين تحت الأرض، ولكن على كل حال هما موجودتان، باقيتان، مخلوقتان الآن، لا فناء لهما.
والنار والجنة حق وهما موجودتان لا فناء لهما
وهذا قول أهل العلم، وهو قول مستند إلى الكتاب والسنة، فلا تفنى الجنة ولا النار، فنسأل الله أن يجعلنا من سكان الجنة.
: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ [البقرة:٢٥] أي: من قبل قليل في الجنة لا في الدنيا، هذا هو الراجح، (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً) أي: أعطوا هذه الثمار متشابهة: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥] أزواج مطهرة، ولم يقل (أزواجٌ) وسكت، وإنما قال: مطهرة، قال قتادة: [[من الحيض والنفاس، والبول والغائط والبصاق وغير ذلك]].
стр. 853
نعيم النساء في الجنة
ووردني سؤال من بعض الإخوة يقول: تنفر النساء كثيراً إذا ذكر النعيم للرجال في القرآن ولا يذكر للنساء؟
أقول: المرأة المؤمنة لها نعيم كنعيم المؤمن في الجنة: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥] والمرأة الصالحة يتزوجها زوجها الصالح الذي تحبه في الحياة الدنيا، ولكن أهل العلم اختلفوا في مسألة من تزوج زوجات ثم فارق بعضهن، فهل يخير يوم القيامة في من يحب من زوجاته، وإن أخذهن جميعاً فله ذلك، والتي ليس لها زوج لم تتزوج في الحياة الدنيا، أو مات زوجها عنها، أو فارقها، إما أن ينشئ الله زوجاً لها، وهو الصحيح من الجنة لتتنعم كما يتنعم الرجل: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١].
﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥] وهذا هو النعيم، فإن أي نعيم تشعر أن وراءه انتهاء ليس بنعيم، لو قيل لك: اجلس في هذا البيت عشر سنوات متنعماً، ثم يضرب رأسك في السوق وتقتل، فلن تحس بالنعيم!! لو قيل لك: اجلس منعماً سعيداً سنة، ثم تقطع تقطيعاً، ليس هذا بنعيم، وإنما يقال لك: (وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
فيا من سعى لستين سنة وسبعين وثمانين ومائة ما هي الحياة؟!!
نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجات من راح لا تنقضي
تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقي
стр. 854
نماذج من العاملين للجنة
الإمام أحمد يقدم له المال من السلاطين والخلفاء في أكياس من الذهب والفضة، فيقول: لا، وهو لا يجد كسرة الخبز، وهو إمام أهل السنة والجماعة، يحفظ ألف ألف حديث، قالوا: مالك لا تأكل أما تجوع مثلما يجوع الناس؟ قال: طعام وطعام، وشراب وشراب، وأيام قلائل، ثم نرتاح إن شاء الله، وبالفعل ارتاح راحة ما بعدها راحة إن شاء الله.
وقالوا للحسن البصري: سبقنا التجار بأموالهم وقصورهم، قال: [[نأكل ويأكلون، ونشرب ويشربون، وننظر وينظرون -أي: ينظرون في قصورهم وننظر نحن في قصورهم- ثم نترك ويحاسبون]] يقصد في المال، وإلا فالحساب على الناس جميعاً.
وهذا إبراهيم بن أدهم جلس يأكل خبزاً على رصيف في ليلة شاتية، قالوا: أنت زاهد الدنيا إبراهيم بن أدهم، وأنت في هذا؟ قال: والله إنا في عيش لو علم به السلاطين لجالدونا عليه بالسيوف.
ويقول ابن تيمية: أنها تمر بالقلب خطرة أو فرصة أو لحظة، أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا العيش إنهم لفي عيش طيب.
فسجدة في مجلس واحد أفضل من مُلْك ملوك الملوك
سجدة أو تسبيحه، أو ركعتان واطمئنان القلب، والوصول إلى الله الواحد الأحد، ومعرفة الطريق إليه ، هو المُلْك الذي ما بعده ملك أبداً، وهذه لها قصص، ولو طال الوقت لكنا عرضنا لبعض قصص الصحابة والسلف الصالح، وإنما نقول: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥] إذا قيل خالدون، فهو خلود أبدي سرمدي، ليس له منتهى، وهذا هو النعيم الذي لا يدرك غوره.
стр. 855
علاج أمراض القلوب
فالذي يطلب منا -وهو المطلوب من القرآن قبل أن نعرف الفاعل والمفعول به والحال والتمييز- أن نعرف ما هو حظ قلوبنا من القرآن، وما هو حظ القرآن من قلوبنا، وأن نأتي إلى أمراض هذه القلوب فنضع عليها دواء القرآن، وبلسمه وعلاجه علَّ الله أن يشافينا، فإن قلوبنا أصبحت مريضة.
والمرض ذكر في القرآن على ثلاثة أضرب:
١ - مرض الجسم: يقول : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء:٤٣].
٢ - مرض القلب وهو على قسمين: يقول في مرض الشك والشبهة والنفاق، ومرض التكذيب بالرسول ﵊: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:١٠] وقال في مرض الشهوة، وحب الفاحشة: ﴿وَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢].
إذاً: فما هو العلاج؟ العلاج القرآن والدعاء والذكر والتسبيح، والعلاج الصلوات الخمس جماعة، والتوبة النصوح، فلو خرجنا -وهذا معلوم- نستسقي وندعو ونرفع أكفنا، لكن أما أكلنا الربا؟! أما فشا الزنا؟ أما انتشر الغناء؟! أما كثر الكذب؟! أما عق الوالدان؟ أما قطعت الأرحام؟! فنعود من المصلى ولم تنزل قطرة، جفت الآبار، وانقطعت الأمطار، وذبلت الأشجار، وذهبت الأزهار، ونشكو حالنا إلى الواحد القهار.
لكن علينا أن نقوم بالإصلاح: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥] لا نقل في الدنيا: نفسي نفسي! بل نقول نفسي نفسي في الآخرة، لو قام كل منا بحكمة وبعقل وبروية وبنية وحسن خلق وأرشد، وقدم إلى المجتمع كلمة نصح، لكنا والله في أحسن حال، كم في هذا المسجد في هذه الجلسة، لو تبرع كل واحد منا إذا مر بالسوق أن يقول كلمة حسنة، يرى امرأة متبرجة فينهاها، يرى رجلاً يروج لشريط الأغنية الماجنة الخليعة، فينهاه وينصحه بتقوى الله، يرى مجلة خليعة تباع في الأسواق فينصح صاحبها، يرى المرابين فينصحهم، يرى من يروج للزنا، من يعق والديه، من يقطع رحمه.
ولكان النصح قد تكرر كثيراً، فيتكرر عليه في اليوم الواحد عشر مرات فيتنبه، تمر به أنت فتنصحه، وأمر به أنا فأنصحه، والثالث والرابع والخامس فسوف ينتبه، لكن رضينا بكثير من المنكرات وسكتنا، وقلنا: للدعوة أناس، وأهل العلم مسئولون عن هذا، وأنت والله لا تبرأ ذمتك حتى تقدم كلمة وتنصح وتوجه! ونحن لا نقول: قاتل الناس أو شاتمهم أو سبهم، أو هدِّم بيوتهم، ولكن نقول لك: قُدِ الناس إلى الجنة، وأنقذ الناس من النار، بصر الناس بطريق الواحد الديان ، وهم سوف يستمعون لك إذا علموا منك الإخلاص والصدق، فإن الرسول ﵊ يقول: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ ويقول: ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان،﴾ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤] ويقول : ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩].
فيا أيها الإخوة: لا يفوتني في هذه المناسبة التنبيه بأن نستفيد من هذه الدروس ومن سماع آيات الله عز جل، وأتوجه إلى الحي القيوم بأسمائه الحسنى، وأتعلق بكل اسم له، وبكل صفة مثلى له ، أن يرحمني وإياكم وكل مسلم رحمة عامة، ورحمة خاصة، وأن يملأ قلوبنا إيماناً ويقيناً ومحبة له ولرسوله، وأن يطهر قلوبنا من الشك والريبة، والنفاق والكفر، والمعصية والفاحشة، ونسأله فتحاً مجيداً، وتوفيقاً، وحظاً سعيداً، وبصيرةً وفقهاً في الدين.
ونسأله رحمةً عامةً وخاصة، ونسأله أن يجعلنا من المؤمنين الذين عملوا الصالحات، الذين تجري من تحتهم الأنهار: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥].
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 856
مقتل طاغية
رئيس رومانيا كان رجلاً مجرماً من المجرمين وظالماً من الظالمين، كان له من الحرس ما يقارب السبعين ألفاً، وقد ظن هذا الطاغية أن قبضة الله لن تدركه، فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وقد حكم هذا الطاغية أكثر من ربع قرن، فهل من معتبر!!
стр. 857
مقتل طاغية رومانيا
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر:١]
أشهد أن الله حق، واليوم الآخر حق، والنبيين حق، ومحمد ﷺ حق، والجنة حق، والنار حق، وأشهد أن هذا الدين حق.
اللهم صل على نبيك وحبيبك محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، لا إله إلا الله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨] ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
﴿قُل اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٢٦ - ٢٧].
قبل أيام قتل الله مجرماً من المجرمين، ودكتاتوراً عاصياً ظالماً هو رئيس رومانيا حيث ذبح كما تذبح الشاة وذلك بعد خمس وعشرين سنة أو أكثر، من الظلم الأحمر ظلم الآمنين روَّع الأطفال، وقتل الشيوخ استولى على أموال الناس وظن أن قبضة الله لا تدركه، فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر، فطرح في الأرض، وديس هو وزوجته على التراب: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥] لقد ظلم وعتا وتجبر واستكبر وذهب بنفسه هو وجنوده، فأخذه الله وجنوده: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١] ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:١٢٩] فالناس حين تركوا منهج الله، وعصوه، وكفروا بلا إله إلا الله، وعطلوا القيم، وخرجوا عن المبادئ، وكفروا كفراً بواحاً، وما اتجهوا إلى الله، فسلط الله عليهم هذا الديكتاتور فعتا في الأرض وأفسد، ولكن قبضة الله نالته وانتهى أمره، وأخذت قصوره التي ليست في الدنيا ما يشابهها إلا القليل، وسار لسان الحال يقول: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل:٥٢] ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢].
كم حكم هذا الطاغية؟
لقد حكم أكثر من ربع قرن، ولكن حلم الله واسع، فمن الناس من يظلم ويتجبر ويسفك الدماء، ويظن أن الله لا يراه، ولكن الله يقول: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٤٣].
ذهب وانتهى، ولذلك قال سبحانه في الطغاة لما قتلهم: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف:٥] وقال سبحانه: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٥].
وهذا المجرم كان قد أخذ من الحراسة سبعين ألفاً من الشرطة السرية، كان ينام كل ليلة في قصر، وتمتلئ الشوراع بالحراسة إذا خرج، ولكن لا حراسة من الله، لأن الذي لا تحرسه عناية الله وعينه، فلا حامي له ولا حارس.
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالحوادث كلهن أمان
فهو حرس نفسه، لكنه لم يحرسها من المعاصي والإجرام والظلم فانهارت هذه الألوف المؤلفة كان معه سبعون ألفاً ولكن!
سبعون ألفاً كآساد الشرى نضجت جلودهم قبل نضج التين والعنب
مدججون بالسلاح، يقفون لهذا المجرم بإشارة، ويجلسون بإشارة، ولكنه ما حرس الله فما حرسه الله، لقد قال الرسول ﵊ كلمة هي قاعدة في الحياة لكل مخلوق، يقول: ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة﴾.
أيها الدكتاتور المجرم! إن الحراسة ليست بالجنود ولا بالسلاح والعتاد، إنما الحراسة بالعدل.
ويا أيها المجرم الظالم! إن الحراسة ليست بالسلاح والرشاش، ولكنها بأن تحرس حدود الله وتراقب حرماته.
стр. 858
رعاية الله لعمر بن الخطاب
جاء رجل أرسله كسرى من بلاد فارس ليفاوض عمر بن الخطاب - عمر العادل الأمين الصادق، عمر الزاهد العابد-:
حسبي وحسب القوافي حين أرويها أني إلى ساحة الفاروق أهديها
فأتى الهرمزان وبه من الخوف ما لا يعلمه إلا الله، لأنهم سمعوا جلجلة وصيت عمر في الأقاليم، فهو قد فضفض الدنيا ودوخ المعمورة، فأتى الهرمزان فقال: كيف أقابل عمر؟ وكيف أدخل عليه؟ وكيف أستطيع أن أتكلم مع هذا الرجل الذي ضربت جيوشه الدنيا؟ قياداته وكتائبه وصلت إلى المدائن، فقال هو والوفد: أين بيت الخليفة عمر؟ قالوا: تلقاه في تلك السكة، فذهبوا إليه، فوجدوا بيت عمر مطروحاً في سكة من سكك المدينة، قال: أهذا بيته؟ قالوا: نعم.
هذا بيته، قال: أين هو؟ قالوا: نطرق عليه الباب، طرقوا فخرج ابن لـ عمر فقال: التمسوا أبي في المسجد، فإن من عادته أن ينام في الضحى، فذهبوا إلى المسجد، فبحثوا فلم يجدوه في المسجد، فخرج أطفال المدينة يبحثون عن الخليفة، فوجدوه نائماً تحت شجرة عليه بردة فيها أربع عشرة رقعة، وقد أخذ حجراً مخدة تحت رأسه واستقبل القبلة وبجانبه عصاً اسمها (الدرة) يخرج منها شياطين الجن من رءوس الإنس، فقال الهرمزان: أهذا أمير المؤمنين؟! قالوا: هذا أمير المؤمنين، قال: أهذا عمر؟! قالوا: هذا عمر، قال: أهذا الخليفة؟! قالوا: هذا الخليفة، فأخذ يرتعد ويقول وعمر نائم: حكمت فعدلت فأمنت فنمت.
سجلها شاعر وادي النيل وتغنى بها للتاريخ، فقال:
وراع صاحب كسرى أن رأى عمراً بين الرعية عطلاً وهو راعيها
فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملاً ببردة كاد طول العهد يبليها
رآه مستغرقاً في نومه فرأى فيه الجلالة في أسمى معانيها
وعهده بملوك الفرس أن لها سوراً من الجند والأحراس تحميها
فقال قولة حقٍ أصبحت مثلاً وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها
أمنت لما أقمت العدل بينهم فنمت نوم قرير العين هانيها
واستيقظ عمر وفاوضه.
هذه عظمة الإسلام، وهذه حراسة الله، أن تحفظ الله ليحفظك الله، وإلا فلا عاصم من الله إلا إليه: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة:٨] والعجيب في أسلوب القرآن أنه قال: ملاقيكم، ولم يقل: أمامكم، وإنما تفرون والموت يلاقيكم: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨].
وقال سبحانه: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨].
يا باني القصر! الله أعظم منك، يا من طغى وبغى وتجبر! الله أقوى منك، يا من افتخر بالغنى! الله أغنى منك، لا إله إلا هو: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨].
وفي قتل هذا الديكتاتور المجرم درس، وهو أن البنيان المهدم ينهار، والله يقول: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩].
فهو أسس بنيانه على ظلم وخيانة وجريمة ومعصية فانهار، ولذلك انظر إلى دول الظلم كالدول الشيوعية، بالأمس روسيا وقبلها ألمانيا الشرقية واليوم رومانيا.
لما رأت أختها بالأمس قد خربت كان الخراب لها أعدى من الجرب
لماذا؟ لأنهم ما امتثلوا أمر الله، وما طبقوا منهج الله، وما أتاهم قبس من الإسلام: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الأحقاف:٢٦] وانهارت هذه الخرافة، وكانت للناس آية، ويد الله وراء كل ما حدث في الكون وسبحان من يغير ولا يتغير!: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨] ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
فيا من أراد حراسة الله ورعايته! احفظ الله يحفظك، واعلم أن من ضيع الله ضيعه الله: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١].
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين؛ فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.
стр. 859
مميزات الأمة الإسلامية
الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
نحن نمتاز عن أمم الأرض بأمور:
أولها: التوحيد، حيث وحدنا الله، ورضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً، فنحن موحدون يجري التوحيد في دمائنا ولا نريد إلا الله، ورفعنا بالأمس لا إله إلا الله، ورفعنا اليوم لا إله إلا الله، ونرفع غداً لا إله إلا الله، سجدنا لله وسجد غيرنا لشهواته ومطامعه، أحببنا الله وأحب غيرنا الهوى والضياع والهيام.
فنحن موحدون نرفض كل من يحاول أن يخدش وجه التوحيد، ولذلك أما رأيتنا يوم أن أنكر على أذناب الحداثة يوم حاولوا أن يشوهوا وجه التوحيد، أما رأيت غضبة المسلمين ودماءهم وشجبهم واستنكارهم يوم أراد أذناب أولئك أن ينفثوا سمومهم في أرض التوحيد، لقد غضب الناس وأنكروا، لأن هويتنا لا إله إلا الله محمد رسول الله، نحن مسلمون ولنا تميز على الأمم؛ لأننا أهل شريعة نتعامل بشريعة نعبد الله على شريعة، أخلاقنا بشريعة، وسلوكنا بشريعة، ومعتقدنا بشريعة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣].
شريعتنا من الواحد الأحد: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٤ - ٥] ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] لا شريعة حمورابي ولا نابليون، ولا قواعد هتلر ولا الكتاب الأخضر، بل كتاب وسنة: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢].
نحن المسلمين نمتاز على الناس أن لنا قدوة وهو محمد ﵊: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] جعلناه في عيوننا وأبصارنا، وفي قلوبنا.
نسينا في ودادك كل غالٍ فأنت اليوم أغلى ما لدينا
نلام على محبتكم ويكفي لنا شرفاً نلام وما علينا
ولما نلقكم لكن شوقاً يذكرنا فكيف إذا التقينا
تسلى الناس بالدنيا وإنا لعمر الله بعدك ما سلينا
زعيمنا ورمزنا وحبيبنا وإمامنا محمد ﵊.
نحن المسلمين إذا صلينا تذكرنا صلاته، وإذا حججنا تذكرنا حجه، وإذا تعلمنا، تذكرنا تعليمه، وإذا تخلقنا تذكرنا أخلاقه.
نحن المسلمين أهل أصالة، فنحن لم نولد اليوم، فملة الإسلام لها أكثر من ألف وخمسمائة سنة -خمسة عشر قرناً- وماركس الملعون ما مكثت مذكراته إلا اثنتين وستين سنة، وأخذت تنهار اليوم، يذبح أصحابها وأدعياؤها، ويداسون بأحذية الناس في الشوارع؛ لأنها لعينة قبيحة، أما الإسلام فينتشر كالشمس صادقٌ كالفجر عميق كالحق ثابت كالصدق.
أين ما يدعى ظلاماً يا رفيق الليل أينا إن نور الله في قلبي وهذا ما أراه
قد مشينا في ضياء الوحي حباً واهتدينا ورسول الله قاد الركب تحدوه خطاه
قد شربنا من كئوس المجد حقاً وارتوينا وكتبنا بدماء العز تمجيد الإله
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) [البقرة:١٤٣] فحيا الله تلكم الأمة التي أخرجت أبا بكر وعمر وعثمان وعلي وصلاح الدين وطارق وأبيَّ ومعاذ وأحمد ومالك وابن تيمية وابن القيم إنها أمة المجد، ومن أراد السعادة فليسلك هذا المسلك، وليدخل في هذه الأمة، وليعلم أن أمم الأرض جميعاً غير المسلمين على ضلالة: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
أيها المسلمون! صلوا وسلموا على رسولنا ﷺ ، وأكثروا من الصلاة عليه وعلى آله وأصحابه، فإن صلاتنا تعرض عليه في هذه الساعة.
اللهم صلِّ وسلم عليه، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه.
اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور، واهدنا سبل السلام.
اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم ردهم إليك رداً جميلاً.
اللهم انصر المجاهدين المسلمين في أفغانستان وفلسطين.
اللهم ثبت أقدامهم، وأنزل السكينة عليهم، وأيدهم بروح منك.
ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا، لنكونن من الخاسرين.
стр. 860
هدي السلف في رمضان
لشهر رمضان خصائص تميزه عن سائر الشهور، فهو شهر القرآن، ولقد كان النبي ﷺ يدارس جبريل القرآن، وكان الشافعي يختم القرآن في رمضان ستين مرة.
والأمة الإسلامية اليوم تعاني قصوراً شديداً في استغلال مواسم الخير، وبدلاً من السمو والارتفاع الذي كانت تحياه في عصر السلف، تقع في أخطاء فاحشة تحرمها فضيلة هذا الشهر الكريم.
стр. 861
فضل شهر رمضان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحييكم هذه الليلة بأبيات ابن القيم الرائدة:
أما والذي شق القلوب وأوجد الـ ـمحبة فيها حيث لا تتصرم
وحملها قلب المحب وإنه ليضعف عن حمل القميص ويألم
لأنتم على بعد الديار وقربها أحبتها إن غبتم أو حضرتم
وشكر الله لفضيلة الشيخ الأخ/ خليل السبيعي على هذه المقدمة، وقد تكلم هذه الليلة بلسان الرضا
وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا
وعنوان المحاضرة: هدي السلف في رمضان.
بشرى سارة لكم يا معاشر الساجدين، ويا معاشر المصلين والصائمين؛ لقد أظلكم شهر كريم، فهنيئاً لكم ولنا، ونسأل الله جل في علاه أن يجعلنا من عتقائه في هذا الشهر
مرحباً أهلاً وسهلاً بالصيام يا حبيباً زارنا في كل عام
قد لقيناك بحب مفعم كل حب في سوى المولى حرام
فاقبل اللهم ربي صومنا ثم زدنا من عطاياك الجسام
لا تعاقبنا فقد عاقبنا قلق أسهرنا جنح الظلام
جاء عند الإمام أحمد في المسند والنسائي بسند صحيح، أن الرسول ﷺ كان يقول للصحابة في أول رمضان: ﴿أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، فيه تفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب الجحيم، وتغل مردة الشياطين، فيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم﴾ فنسأل الله ألا يحرمنا خيرها، وأن يعتق رقابنا وإياكم من النار.
إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار
وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقني من النار
أيها المسلمون: يقول ﵊ فيما رواه ابن ماجة وغيره من أصحاب السنن: ﴿إن في الجنة أبواباً ثمانية باب يسمى باب الريان يدخل منه الصائمون﴾ وفي الصحيح: ﴿أن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون، فإذا دخلوا أغلق فلا يدخل أحدٌ غيرهم﴾ يقول الله تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣].
من الذي كتب؟ ومن الذي فرض؟ إنه الله ومن الذي يجازي على الصيام؟ ومن الذي يثيب؟ إنه الله ومن الذي يطلع على صوم الصائمين؟ إنه الله وفي الصحيحين أن الله يقول في الحديث القدسي: ﴿كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فأنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشهوته من أجلي﴾ كيف هذا؟ تصلي فيراك الناس، وتزكي فيراك الناس، وتحج فيراك الناس، إلا الصيام فمن يدري؟! لعلك قد تأكل بين الحيطان، وقد تشرب بين الجدران، لكن علام الغيوب يراك ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢١٩].
стр. 862
رمضان شهر القرآن
يقول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥] هذا الشهر لنا فيه ذكرى جميلة، وشرفٌ لنا يا أمة محمد ﵊، فقد رفع الله رءوسنا في رمضان يوم استنقذنا بكتاب خالد، وأنزله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في رمضان، ثم نزل منجماً إلى الدنيا، لكن في ليلة القدر نزل كلام الله وكتابه من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، فنحن نعيش في رمضان ذكرى مجيدة لا تتكرر، وهي نزول هذا القرآن الذي أخرجنا من الظلمات إلى النور، ورفع رءوسنا، وجعلنا سادة الأمم في رمضان.
ونحن نعيش في رمضان ذكريات عظيمة، فقد وقعت معركة بدر في رمضان، وانتصر رسولنا ﵊ في رمضان، وعاش غزوة الفتح في رمضان ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [الفتح:١ - ٢] هذا شيء من شهر رمضان الذي ننتظره في هذه الليالي ببالغ الشوق.
стр. 863
أقسام الناس في استقبال رمضان
والناس أمام شهر رمضان على قسمين:
قسم فرح به، وأتاه من الفرح ما الله به عليم، وهو مقدم على خير وعلى بر، ينتظر أن يعتق من النار، فسجل اسمك في الأسماء التي تعرض على الله كل ليلة، عل الله أن يعتق رقبتك من النار، فإن الفوز أن تزحزح عن النار ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] ويقول سبحانه: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران:١٩٢].
أيها الناس: إن بعض الناس يجعل أعلى أمنية له في الحياة أن يحصل منصباً، أو وظيفة، أو مالاً، أو زوجة، أو سيارة، وهؤلاء من أخسر الناس في هممهم ومقاصدهم.
القسم الثاني: الذي يستقبل رمضان استقبالاً بارداً ميتاً، يعيش في غفلة في رمضان وبعد رمضان، قومٌ إذا دخل عليهم رمضان أمضوا ساعاته في النوم، وأمضوا ليله في السهر، في لعب ولهو وغفلة نسأل الله ألا يجعلنا منهم
متى يهديك قلبك وهو غافلٍ إذا الحسنات قد أضحت كالخطايا
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩].
شهر رمضان موسم للعفو وللرحمة وللعتق من النار كان لبعض العظماء في الجاهلية يومٌ يسمى يوم العفو، ويوم العفو هذا -ولله المثل الأعلى- يشبه شهر رمضان، فقد كان للنعمان بن المنذر يوم العفو، يستقبل رعيته في ذلك اليوم، فمن زاره أعفاه من الإعدام ومن الحبس، ومن الضرائب فمن أراد العفو من الله فلينتظر هذا الشهر الكريم؛ فقد صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنب الكبائر﴾ وقد يخطئ كثير من الناس، فيظن أنه إذا صام رمضان كفِّر عنه حتى الكبائر التي اقترفها بين رمضانين، وهذا فهم خاطئ، فإن التكفير خاص بالصغائر، ولا بد أن تجتنب الكبائر ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:٣١].
فترى بعض الناس يظن أنه إذا ارتكب الكبائر وترك الواجبات والفرائض، وصام رمضان كفَّر الله عنه ذلك، وهذا خطأ في الفهم، وضلال في العقل، حتى أن بعضهم إذا دخل رمضان أحياه، فإذا انتهى رمضان عاد إلى حالته الأولى، وإلى سيرته الأولى يقول صلى الله عليه سلم فيما يرويه عن ربه ﵎: ﴿كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي الله فرح بصيامه﴾.
стр. 864
إقبال السلف في رمضان
وكان رمضان عند السلف الصالح أمنية، وكان بعضهم يهنئ بعضاً برمضان، وكان الرسول ﵊ يبشر أصحابه بقدومه، وكانوا يجدونها فرصة لا تتعوض؛ لأنك لا تدري أيها المسلم هل يعود عليك رمضان أم لا، ولا تدري هل يتكرر عليك أم لا أما عاش معنا الآباء؟ أما عاش معنا الإخوة؟ أما صاحبنا قوم صاموا في رمضان المنصرم، ثم لم يصوموا رمضان القادم، أين ذهبوا؟ أخذهم هادم اللذات، مفرق الجماعات، ميتم البنين والبنات ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢].
وسيدهم وخيرهم هو رسولنا ﵊، فقد جعل رمضان مدرسة روحية يجدد لقاءه بربه ﵎، ففي الصحيحين عن ابن عباس ﵄، قال: ﴿كان رسول الله ﷺ أجود الناس -هذا عمومٌ لا خصوص له- وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة﴾ وقد اشتمل هذا الحديث على أمور:
أولها: مشروعية كثرة قراءة القرآن في رمضان.
ثانيها: البذل والعطاء في رمضان.
ثالثها: مدارسة القرآن في رمضان.
رابعها: أن من بركة قراءة القرآن أن تنفق المال، قال الإمام الزهري: [هذا رمضان شهر قراءة القرآن وإطعام الطعام]].
стр. 865
الإمام مالك والشافعي في رمضان
وكان مالك إمام دار الهجرة إذا دخل رمضان أغلق كتبه، وامتنع عن الفتيا، وأقبل على القرآن، وذكر ابن حجر بسند صحيح أن الشافعي كان يختم القرآن في رمضان ستين ختمة وأنا لا أتكلم عن سنية ذلك، لكن عن وروده عن الشافعي بالذات، وذكر الحافظ أيضاً عن البخاري أنه كان يختم القرآن في رمضان ثلاثين مرة، وكان الإمام أحمد يختمه في كل أسبوع، فإذا دخل رمضان ختمه في الأسبوع مرتين: في الليل مرة وفي النهار مرة.
وكان ﵊ يعرض القرآن مع جبريل الذي نزل عليه بهذه الآيات البينات في رمضان مرة، فلما كان آخر رمضان يعيشه ﷺ عرضه عليه ودارسه مرتين، وكان ﵊ يجود في رمضان أكثر من غيره، الجود من العدم، والجود من الفقر
يجود بالنفس إن ضن البخيل بها والجود بالنفس أقصى غاية الجود
يقول: وفي مسند أحمد بسند صحيح عن جابر، قال: سأل أعرابي رسول الله ﷺ ، فقال: ﴿لا، وأستغفر الله، وأستغفر الله﴾ أي: أستغفر الله من (لا) لأنها كلمة صعبة
ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم
جاء عند البخاري من حديث سهل بن سعد، قال: ﴿أهدت امرأة إلى رسول الله ﷺ ثوباً، فقالت: يا رسول الله! هذا الثوب نسجته لك.
فأخذه ﷺ محتاجاً إليه، فعرض له رجلٌ، فقال: يا رسول الله! أعطني هذا الثوب.
فدخل ﷺ البيت، وخلعه ولبس ثوباً آخر وأعطاه الرجل، فقال الصحابة للرجل: فعل الله بك وفعل، لبسه ﷺ محتاجاً إليه، ثم سألته هذا الثوب، وتدري أنه لا يرد أحداً! قال هذا الرجل: والله ما سألت هذا الثوب إلا ليكون كفني، فكان كفنه﴾ وما أحسن الكفن! كفن لبسه ﷺ ، كفن مس بشرته، ووضع على جنبه.
ألا إن وادي الجزع أضحى ترابه من المسك كافوراً وأعواده رندا
وما ذاك إلا أن هنداً عشية تمشت وجرت في جوانبه بردا
وكان ﷺ يعيش رمضان دعاءً منقطع النظير، وقد جاء عند أبي داود بسند صحيح: ﴿للصائم دعوة لا ترد﴾ وهي قبل الإفطار، إذا ظمئت كبدك، وجاع بطنك، وأحسست بحرارة الجوع ولمن جعت وظمئت وتعبت وسهرت؟ كل ذلك لله.
إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم
فقبل الغروب وقبل أن تأكل التمرات وتشرب الماء، ارفع يديك، ثم ادع بما تيسر لك دعوة لا ترد ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦].
стр. 866
رمضان شهر التوبة وشهر الانتصارات
ورمضان -أيها الأخيار- شهر التوبة، فقد أذنبنا، وأسأنا، وقصرنا، وأخطأنا كيف أذنبنا؟ أكلنا النعم فما شكرنا، ورأينا المنكر فما نهينا ولا ائتمرنا، وتناولنا نعم الله ، فما قمنا بحقها وما يجب علينا نحوها، وأخطأنا كثيراً، وحان منا في الموسم المقبل أن نعلن استسلامنا لله، وأن نعود إلى الله، والله يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] ويقول : ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢].
فرمضان موسم للتوبة؛ أن يعود العاصي من معصيته إلى الله، فالذي كان يرتاد المقاهي لاهياً لاغياً عليه أن يرتاد المساجد، وصاحب المجلة الخليعة عليه أن يقبل على القرآن، وصاحب الأغنية الماجنة عليه أن يقبل على التلاوة، وأن يبكي وتدمع عينه، وأن يسلم قلبه إلى الله فيا رب ها نحن أقبلنا إليك، فاللهم لا تخرج رمضان إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وتجارة لا تبور.
стр. 867
أحاديث في التوبة
وبشرى لكم! أبشروا وأملوا في ربكم ما يسركم، فلو كان التعامل مع البشر لما رحمونا، ولما عفوا عنا، ولما قبلوا حسناتنا، ولو كانت الخزائن بأيديهم لما أنفقوا، لكن الله رب العالمين يقول: ﴿يا عبادي إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم﴾ رواه مسلم، وعند الترمذي وأحمد، من حديث أنس وهو صحيح: ﴿يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك، يا بن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لقيتك بقرابها مغفرة﴾ فيا رب غفرانك ورحمتك وإذا نظرت إلى الناس وجدت تعاملهم مع الناس شديداً، ولكن -لله الحمد- أن جعل الحساب بيده، يقول : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥].
من يوقع على قرار مغفرة الذنب إلا الله، ومن يملك أن يغفر سيئاتك إلا الله سبحانه وصح عنه ﵊ ﴿أن رجلاً من بني إسرائيل وكان عابداً، كان يقول لأحد العصاة من بني إسرائيل: تب إلى الله.
قال: اتركني وربي.
فقال له مرة ثانية: تب إلى الله.
قال: اتركني وربي.
قال: تب إلى الله.
قال: اتركني وربي.
فقال له: والله لا يغفر الله لك﴾ سبحان الله! ما هذا التألي؟ أيملك خزائن السموات والأرض؟! أبيده رحمة الله؟! أعنده صك الغفران أو الحرمان؟! ﴿فقال الله : من هذا الذي يتألى علي؟ أشهدكم يا ملائكتي أني غفرت لهذا العاصي، وأحبطت عمل هذا العابد﴾ ليثبت أنه يغفر ويرحم، وأنه ينفع ويضر، وأنه يحيي ويميت، تبارك الله رب العالمين.
стр. 868
ذكرياتنا في رمضان
كانت أعلامنا مرفوعة في رمضان، يوم أن كنا نسجد لله ، فالرسول ﷺ في بدر -كما ذكرت- انتصر ورفع لا إله إلا الله، يقول حسان:
وبيوم بدر إذ يصد وجوههم جبريل تحت لوائنا ومحمد
وهذه هي القيادة العليا والفتح كان في رمضان، وصلاح الدين هاجم الصليبية وكسر الصليب في رمضان، وانتصر يوم الجمعة في رمضان.
تلك المكارم لا قعبان من لبن وهكذا السيف لا سيف ابن ذي يزن
قال أهل العلم: أكثر المعارك الإسلامية وقعت في رمضان، فنصرنا الله ، فنسأل الله أن يرينا نصره الأكيد في رمضان.
стр. 869
البيت الإسلامي في رمضان
لا بد للبيت أن يكون بيتاً إسلامياً في رمضان وفي غير رمضان، لكن في رمضان بالخصوص، فلابد أن يعيش البيت الإسلامي معالم رمضان، والبيت الإسلامي هو الذي أسس بنيانه على التقوى، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩].
ومن المسئول عن هذا البيت؟ إنه الأب، والأم، والزوجة، كلهم يشتركون في المسئولية ﴿كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته﴾ ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] وسوف يأتي -إن شاء الله- ما يمكن أن يلمح عن مواصفات البيت الإسلامي وصفاته، الذي يستحق المغفرة والرحمة من الله رب العالمين.
стр. 870
أخطاؤنا في رمضان
ما هي أخطاؤنا في رمضان التي تتكرر؟ نذكر بعض هذه الأخطاء:
стр. 871
ضياع الوقت
فإن كثيراً من الناس يضيع الوقت في رمضان وهل سمعت بأمة تلعب البلوت في ليالي رمضان؟ يعتق الله الرقاب من فوق عرشه، وهذه الأمة تلعب البلوت في الأرض! الله يقول في الثلث الأخير من الليل: ﴿هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيبه؟﴾ متفق عليه، وهذه الأمة تلعب البلوت، وتسمع الأغنية والموسيقى، وتعيش الليلة الحمراء في الليل!! فأين رقابتها؟ وأين عودتها إلى الله؟ فقد ضيعنا الأوقات، وأصبحنا أمة لا تقدر الساعات، إلا من رحم ربك.
يقولون -بالاستقراء-: أرخص وقت هو وقت المسلمين، فإن الأمم الأخرى مصانعها ومعاملها منتجة معطية، وهذه الأمة إن لم تهتد بهدى القرآن والسنة ضاعت، وإذا تركنا هذا الدين القيم الذي نحمله، أصبحنا ضائعين؛ لأننا لا نحمل الدنيا، لا ننتج، ولا نقدم للبشرية مصانع ولا منتجات، يقول الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦].
ورد عن سفيان الثوري أنه جلس في الحرم مع رفقة معه، فقالوا له: اجلس يا أبا عبد الله حدثنا -أي: من حديث مجالسنا، قصص ومجريات الحياة- قال: احبسوا الشمس وأنا أحدثكم.
معنى الكلام: هل تستطيعون أن توقفوا الشمس التي تنقض الأعمار لأحدثكم؟ ومن يضمن لي الدقائق التي أصرفها معكم، ومن يعيدها لي يوم القيامة؟ قال الله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:١ - ٢] قال بعض أهل التفسير: نفس المؤمن تلومه، تقول له: فيم صرفت عمرك؟ فيم صرفت وقتك؟ وقال الحسن البصري: [[ما من نفس إلا تلوم صاحبها يوم القيامة]].
وقال:: [[يقول المؤمن لنفسه: لم أكلت هذه الأكلة؟ ولم شربت هذه الشربة؟ ولم جلست هذا المجلس؟ ولم قلت هذه الكلمة؟]].
ويقول ﵊ في صحيح البخاري: ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ﴾ وسيعلم الذين فوتوا أعمارهم في الضياع ما هو الثمن يوم العرض الأكبر ينفقونها من أعمارهم، ويقدمونها من أغلى ما يملكون، وإذا أوقفوا يوم العرض الأكبر قالوا: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] وليته سهر في طاعة، لكن الكثير من الناس جعل رمضان موسماً للضياع، فيلعب البلوت، ويسمع الأغنية، والسهرة، ويشاهد الفلم المهدم المخرب إلى صلاة الفجر، ثم يصلي إن كان بقي فيه لمعة من خير، يصلي الفجر ثم ينام جيفة إلى صلاة الظهر، وبعضهم لا يستيقظ إلا قرب العصر فأين معاني رمضان؟!
стр. 872
النوم في النهار
كذلك من الأخطاء: النوم في النهار.
الله جعل الليل سباتاً والنهار معاشاً، وهؤلاء حولوا الليل إلى النهار، فجعلوا النهار نوماً، والليل ضياعاً، فتجد بعضهم ينام النهار كله، فلا يجد جوعاً ولا ظمأً ولا مشقةً، وقبل الغروب يستيقظ من نومه وكسله وخموله، لا قرأ قرآناً، ولا ذكر ذكراً، ولا تنفل بنافلة، ولا دعا الحي القيوم.
فمن الأخطاء الوخيمة: كثرة النوم في النهار، وقد رأيت لبعض الفقهاء من الشافعية تساؤلاً: من نام النهار كله هل يصح صومه أم لا؟ وهو استفتاءٌ عجيب، والحنابلة يرون صحة صومه، وكأن هذه المسألة مثل مسألة الجرباء: هل يجوز أن يضحى بها أم لا يجوز؟ أما الأجر فشيئٌ آخر.
إنسان ينام من بعد صلاة الفجر، ولا يستيقظ إلا للظهر والعصر، ثم ينام إلى المغرب! أين معاني الصيام؟ لأن من معاني الصيام أن تذوق الجوع كما ذاقه الفقراء، والمساكين، وأن تذوق الجوع كما ذاقه أطفال اللاجئين والمجاهدين.
ومن معاني الصيام: أن يكسر شهوتك وشبهتك، وأن يرد قلبك إلى الحي القيوم؛ لأن الله يقول: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] وهذا لا يحصل إلا بالصيام، وأن تذوق الجوع؛ لأن كثيراً من الناس لا يعرف الجوع، يعيش أربعين سنة لا يجوع، يعيش مدللاً، لا الشمس تمسه، ولا الجوع يذوقه، ولا الظمأ يحس به، في نعيم مقيم، الموائد والأكلات والشراب والثياب والنعيم، فأراد الله أن يذيقه الجوع ليعرف جوع الجائعين.
يذكرون أن ملكة بريطانيا في عهدها قام الناس متظاهرين يطلبون الخبز، -أهل الشارع الجمهور ماتوا ويريدون كسرة الخبز اليابس- فحفوا بقصرها يقولون: الخبز الخبز، فخرجت من النافذة، وقالت: لماذا لا يأكلون البسكويت حتى يأتي الخبز؟ لو كان هناك بسكويت ما طلبنا الخبز فأهل النعيم والترف يظنون أن الناس كلهم مترفون، فلا بد أن يذوقوا الجوع، ولا بد أن يروا الذين ينامون على الأرصفة أطفال أفغانستان، والجائعين في السودان، واللاجئين في أنحاء الأرض الذين لا يجدون كسرة الخبز.
وجاء في الصحيحين عنه ﵊ أنه قال: ﴿يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء﴾ فالصوم يكبح جماح الشهوة العارمة، ويحد من طغيان النفس، ويسدد مسالك الشيطان التي يجري فيها؛ لأن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، والصائم إذا صام قلَّ طعامه وشرابه، فضمرت عروقه من الدم، فقلَّ سعي الشيطان فيها.
وقد سمعت كلمة لعالم أعجبتني، وهو عالم مطِّلع، يعرف الإعجاز العلمي، وهذا إنما هو من الورد الذي يشم ولا يؤكل، يقول: إنما جعل ﷺ صيام الثلاثة الأيام البيض؛ لأن المد يكثر فيها، فالبحر يمد في الليالي القمراء بسبب جاذبية القمر -بقدرة من الباري سبحانه- ويصيبه الجزر في الليالي الظلماء، قال: والدورة الدموية مثل مد البحر، تمتد مع الثلاثة أيام، الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر مع القمر، فيزداد ضخ الدم، ويزيد الشيطان من عتوه وتمرده، فطالب ﷺ المسلم -من باب الاستحباب- أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وهي أيام البيض، وهذا جيد، ولا يعارض النصوص والحمد لله، وفيه خير كثير إن شاء الله.
стр. 873
كثرة الأكل ومفاسده
ومن الأخطاء التي نقع فيها: كثرة الأكل في رمضان.
يقول الغزالي في الإحياء: من مقاصد الصيام أن تخفف الوجبات، فإذا جمعت الإفطار والغداء والعشاء بعد صلاة المغرب فكأنك ما صنعت شيئاً، فقد جمعتها دفعة واحدة، والذي يلاحظ على الناس أنهم يذهبون أوقاتهم وأموالهم في رمضان، فيعددون من أشكال الأطعمة ما الله بها عليم، وسوف ترى الأسواق بعد ليال تمتلئ بالمارة والمشترين من كل الأنواع، من أحمر وأصفر، وحلو ومر، ومطعوم ومشروب، ومكسور وملتوت ومفتوت، حتى أنك ترى المائدة ولا تعرف ماذا تقرأ عليها من الأسماء وبعضهم يأكل من كل نوع لقمة كـ المأمون، ثم يقوم إلى الصلاة وقد بقي الطعام بحاله، وهذا فيه نظر حتى في الطب، قال أهل الطب: إذا نوعت المطعومات أصبح الجسم قابلاً للأمراض، وكلها بإذن الله، لكن من أسباب الأمراض تركيب الغذاء الذي أكثرنا منه، كالحلويات والمشروبات والقلويات والحمضيات، وما أدارك وهيهات هيهات، فهذه هي أسباب المرض.
ومن مفاسد كثرة الأكل: أنها خسارة في المال، ونعوذ بالله من قوم أذهبوا أموالهم في بطونهم وأجسامهم، وهؤلاء يأتون يوم القيامة وهم من أفقر الناس، فإن الناس قد دفعوا أموالهم لإطعام المساكين، وإعطاء المحتاجين، وهؤلاء فقط في المطاعم والمشارب، وقد صح عن ابن عباس مرفوعاً إليه ﷺ : ﴿أن الله يقول يوم القيامة للعبد: يا بن آدم! جعت فلم تطعمني.
قال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان جاع فما أطعمته، أما إنك لو أطعمته وجدت ذلك عندي، يا بن آدم! مرضت فلم تعدني.
قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان مرض فلم تعده، أما إنك لو عدته وجدت ذلك عندي﴾.
فعلينا أن ننفق ما زاد من الأطعمة والأموال للفقراء والمساكين، فإنا -والله- نعرف أسراً وبيوتاً كثيرة يعيشون هَمَّ النفقة في رمضان.
الأمر الثاني: أن فيها إرهاقاً للأهل، كالأم والزوجة والأخت، بل إن كثيراً من النساء لا تعبد الله في النهار؛ لأنها مشغولة بالإفطار، فإذا استيقظت من نومها بقيت في المطبخ تشتغل وتحضر وتطبخ وتقلي إلى صلاة المغرب، وعرقها يتصبب من أجل هذه البطون، وهذا أمر معلوم، حتى أن بعض النساء لا تقرأ من القرآن شيئاً، إنما هي في إحضار الطعام، وما بقي إلا أن يستدعى الدفاع المدني في المطبخ (خطر ممنوع الاقتراب) بسبب الشربة والسمبوسة، واللقيمات والطعميات، والرز المحروق والرز المفلفل، والأبيض والأحمر والأصفر، فتبقى في هم، تحضر هذا وتسحب هذا فأين معاني رمضان في حياة المرأة؟
لماذا لا نكتفي بثلاثة أنواع أو أربعة؟ التمر وشيء من الخبز، وشيء من الشربة، وشيء من الرز فقط، هكذا أربعة أنواع، نرتاح ونريح، أما أن نأخذ ثلاثين أو أربعين شكلاً فهذا فيه خطأ في الحسبان، وحتى الكفرة غير المسلمين لا يفعلون هذا من باب الاقتصاد في حياتهم؛ لأنهم أجادوا في الحياة، وأجادوا في الطعام والشراب، كما قال سبحانه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦].
стр. 874
عدم الاستفادة من دروس الصيام
ومن الأخطاء أيضاً: عدم الاستفادة من دروس الصيام فإن البعض أخذ الصيام عادة، يدخل عليه رمضان ويبارك لجيرانه بدخوله، ويخرج رمضان وهو لم يتأثر ولم يتغير في حياته، وإذا هو الذي يشرب الدخان في رمضان وبعد رمضان وقبل رمضان، وإذا هو المغني المطبل في رمضان وفي غيره، وإذا هو عاق لوالديه في رمضان وغيره، وقاطع الرحم في رمضان وغيره، والمغتاب في رمضان وغيره فأين أثر الصيام؟!
يا أيها الأحباب: ليست الحكمة من الصيام أن تجوع وأن تظمأ، فإن الله غني عن جوع العبد وعن ظمئه، والرسول ﷺ صح عنه أنه قال: ﴿من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه﴾ إنما المقصود من الصيام ردع النفس، وتربيتها وتهذيبها.
стр. 875
برنامج مقترح في رمضان
أيها الفضلاء: هذا برنامج مقترح للصائم، وهو نسبي فلك أن تحول فيه، وليس واجباً عليك، إنما من وجهة نظر ومن باب النصيحة للأحبة
стр. 876
بعد الفجر
هذا الوقت مبارك، ولكنه يضيع منا دائماً، فيضيعه كثير من الناس بالنوم، أو بالشرود والغفلة، وقد جاء عند أحمد والترمذي من حديث أبي صخر الغامدي مرفوعاً إليه ﷺ : ﴿بارك الله لأمتي في بكورها﴾ وأبرك وقت هو بعد الفجر، فأنا أقترح للصائم بعد الفجر أن يجعله في المسجد، والمرأة في مصلاها، يذكرون الله حتى طلوع الشمس، فإذا ارتفعت الشمس صلى ركعتين، يقول ﷺ : ﴿من صلى الصبح في جماعة، ثم جلس في مجلسه الذي صلى فيه يذكر الله حتى ترتفع الشمس، ثم صلى ركعتين كان له أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة﴾ رواه الترمذي وهو حديث صحيح فيما أراه، وقد صححه بعض الفضلاء والعلماء، وهذا مكسب عظيم، فإن جلسة ساعة تكسبك أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة، ولكن هذا لمن صلى الفجر في جماعة.
وجاء عند الإمام مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي: ﴿من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فالله الله لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من طلبه أدركه، ومن أدركه كبه على وجهه في النار﴾.
من خان حي على الصلاة يخون حي الكفاح
ولما تركت صلاة الفجر في جماعة، فتحت الدور للواقعين في المخدرات، ولقاطعي الآباء والأمهات، ولعاصي رب الأرض والسموات، وللساقطين في الأغاني الماجنات والمجلات الخليعات، والمسلسلات المخربات.
ثم بعد ذلك ينام العبد ليرتاح؛ لأن غالب الناس يسهرون في رمضان، في العبادة أو في غير ذلك، فينام الإنسان حتى يبدأ دوامه، ثم يقوم فيتوضأ، والوضوء سلاح المؤمن، وقد قال ﷺ كما عند مسلم: ﴿والطهور شطر الإيمان﴾ فيصلي ركعتي الضحى، وذلك إذا استيقظ في العاشرة أو قبلها، وركعتا الضحى خير من الدنيا وما فيها، وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: ﴿أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لا أدعهن حتى أموت: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام﴾ وقال ﷺ : ﴿كل سلامى من الناس عليه صدقة، فكل يوم تطلع فيه الشمس تصلح بين اثنين صدقة، وتعين الرجل على دابته صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، ويجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما أحدكم من الضحى﴾ فالله الله في ركعتي الضحى.
ثم يذهب الإنسان إلى عمله أو كسبه أو دراسته أو سوقه أو دكانه؛ لأن الإسلام حركة وحياة، فالإسلام في السوق، وفي الدكان، وفي المكتب، وفي الفصل وعليه أن يتجنب اللغو، قال الله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٣] وأن يكثر من الذكر، وأقترح على المسلم أن يكون مصحفه في رمضان في جيبه، وإن كان حافظاً فليقرأ من حفظه، وإن كان أمياً لا يقرأ القرآن فليكثر من التسبيح والتحميد والتهليل، فهي غراس الجنة، قال ﵊: ﴿الجنة قيعان وغراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر﴾ رواه الترمذي، وليردد ما يحفظ من السور.
ثم يصلي الظهر في جماعة، وحذار حذار -يا أيها الإخوة- من تفويت صلاة الجماعة، فإن بعض الناس يفوت صلاة الجماعة حتى في رمضان، وهذه خطيئة كبيرة، بل يرى كثيرٌ من أهل العلم -وهو القول الصحيح- أن صلاة الجماعة واجبة، وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من سمع النداء ولم يجب فلا صلاة له إلا من عذر﴾ رواه أحمد وابن ماجة والحاكم، وصححه ابن تيمية وعبد الحق الأشبيلي، وهو صحيح فالله الله في صلاة الجماعة خاصة في رمضان.
стр. 877
بعد العصر للقرآن
ثم يواصل في عمله أو في عبادته حتى تأتي صلاة العصر فيصلي، أما من بعد العصر فهو وقت القرآن إلى الغروب، وأرى أن تخفف أعمال الدنيا بعد صلاة العصر، وأن يتشاغل الإنسان بالمصحف وفي المسجد أحسن، وكان السلف يجلسون في المسجد في رمضان بعد العصر، وأرى أن تبقى في مسجدك إذا لم يكن لك غرض في بيتك، فإنه: ﴿ما جلس قومٌ في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم؛ إلا حفتهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وتنزلت عليهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده﴾ وجاء عند أبي داود وهو صحيح فيما أرى، ولو أن بعض الفضلاء يحسنونه، يقول ﷺ : ﴿لأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس؛ أحب إلى من أن أعتق أربعة﴾ وهذا فضل عظيم، وهو أفضل من عتق أربع رقاب، فاجلس من العصر إلى صلاة المغرب واحتسبها في سبيل الله .
فالمطلوب -يا أخي- مني ومنك أن نبقى في المسجد بعد العصر لنقرأ كتاب الله ، ونردده ونعيش معه ونتأمله، وإذا اقترب الغروب فعليك بالدعاء، وارفع أكف الضراعة، وعليك بجوامع الدعاء المأثورة عن معلم الخير ﵊، كأن تقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، أو: اللهم إني أسألك العفو والعافية، أو: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، وغير ذلك من الأدعية.
стр. 878
الإفطار
ثم تفطر على الذي ورد في السنة وهو الرطب، فإذا لم يكن رطب فتمر، فإن لم يكن تمر فلتحس حسوات من ماء، ولك دعوة لا ترد، وعليك أن تعجل إفطارك إذا سمعت الأذان وغربت الشمس، فقد جاء في الصحيح: ﴿لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطور وأخروا السحور﴾ وهذا هديه ﵊، وكان يقول: ﴿إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم﴾ فعليك أن تبادر بالإفطار، وأن تحمد الله على نعمة الإفطار.
يقول أهل العلم: إن من لطائف هذا الدين ومن أسراره أن جعل الإفطار شيئاً حلواً؛ لأن المعدة الخالية لا يناسبها إلا الحلو، فجعل ﷺ الإفطار رطباً أو تمراً، فأفطر، ثم قم لصلاة المغرب، واحمد الله على هذه النعمة ﴿للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه﴾ فإن الصائم الذي يتعب في العبادة، إذا اقترب منه إفطاره فرح به وسر، ويفرح إذا لقي الله يوم العرض الأكبر.
وبعد صلاة المغرب تعود لتناول طعام العشاء، وعليك أن تخفف منه نسبياً؛ لأن بعض الناس يشتغل شغلاً عارماً في الأكل، حتى أنه لا يستطيع أن يصلي التراويح مع الناس، ويصبح مقعداً، وتجده يتدحرج إلى المسجد تدحرجاً، لأنه جعل على بطنه مخلاةً من الطعام من كل ما لذ وطاب، وأفلت يده، وهذا أساس الكسل، والأحسن أن يأكل الإنسان إفطاره على فترات، لا بأس أن يأكل شيئاً، ثم يترك إلى بعد التراويح شيئاً، حتى يستطيع أن يقوم للعبادة نشيطاً؛ ولا يصلي صلاة التراويح جالساً أو مغمىً عليه.
стр. 879
صلاة العشاء والتراويح
أما صلاة العشاء جماعة فقليل من الناس من يترك ذلك، لكن صلاة التراويح يتركها كثير من الناس خاصة من الشباب، فيذهبون إلى ملاعب الكرة، أو إلى التنس والطاولة، أو إلى دور السباحة، أو إلى اللهو واللعب فحذار حذار من هذا! وصلاة التراويح فضلها عظيم، يقول ﵊ فيما رواه أحمد وابن حبان: ﴿إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة﴾ حديث صحيح، فلو صلى بك الإمام إحدى عشرة ركعة، وصليت معه حتى ينتهي كتب الله لك كأنك صليت الليلة كلها.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعاً: ﴿من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه﴾ ألا تريدون هذا الأجر؟! والقيام هنا المراد به صلاة التراويح فيما أعلم، والله أعلم.
والأقرب للسنة -وهو نص أهل العلم وعليه كلام الأئمة من المحدثين- أن الرسول ﷺ ما زاد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، لحديث عائشة في الصحيحين، فأرى أن الأئمة يقتصرون على إحدى عشرة ركعة بخشوع وخضوع، ويخففون على الناس، ويتدبرون كتاب الله، وهذا هو الأقرب لسنة المصطفى ﷺ .
ثم يعود إلى بيته بعد التراويح، فإن أراد أن يزور قريباً أو صديقاً زاره أو يستقبل أحد الناس استقبله، وأرى أن يكون له قبل السحر إغفاءة ولو قليلاً ليرتاح جسمه، وأهل الطب يقولون: لا يعوض نوم النهار نوم الليل أبداً سبحان الله! مهما نام الإنسان في النهار لا يعوض نوم الليل؛ لأن الله جعل النهار معاشاً، والليل لباساً وسباتاً، والسر في ذلك -كما يقول بعض الأطباء الجهابذة-: أن الخلايا التي في الجسم لا تنام إلا في الليل؛ لأن الشمس تغرب، فإذا غربت الشمس نامت الخلايا، أما في النهار فلا تنام بل تبقى متحركة ولو نمت أنت، ولذلك يوصون أن يكون لك ولو ساعة من الليل تنامها.
стр. 880
وقت السحر
ثم تستيقظ قبل السحر فتتوضأ وتصلي ما تيسر ولو ركعتين أو أربعاً، وتدعو الله فإن وقت السحر وقت فاضل.
قلت لليل هل بجوفك سرٌ عامر بالحديث والأسرار
قال لم ألق في حياتي حديثاً كحديث الأحباب في الأسحار
قال الله تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨] قال الحسن البصري ﵀: [أمضوا الليل بالصلاة فلما أتى السحر استغفروا]] وقال بعض الفضلاء: عجيب، أنهم كانوا في عبادة وفي قيام، ومع ذلك في السحر يستغفرون.
وإنه لفضل عظيم أن تقوم بعد العبادة والتعب وتقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، وكأنك كنت مقصراً، أو أتيت بمعصية، وهذه علامة التوفيق والقبول بإذن الله.
ثم تتسحر على بركة الله، والسحور فيه بركة، يقول ﷺ كما في الصحيحين: ﴿تسحروا فإن في السحور بركة﴾ وبعض الشباب يتعشون ولا يتسحرون، وليس المقصد هو الأكل لذاته، ولكن السحور له مقاصد، منها:
مخالفة أهل الكتاب؛ فقد جاء في السنن من حديث عمرو بن العاص ﵁، وهو حديث حسن، أن رسول الله ﷺ قال: ﴿فصل ما بيننا وبين أهل الكتاب أكلة السحر﴾ فيجب علينا أن نخالف أهل الكتاب، فإذا شرقوا غربنا، وإذا غربوا شرقنا، إلا ما أتت فيه النصوص.
ومنها: أنك تدعو الله في السحور، ومنها: أنك تستعين به على طاعة الله؛ لأنه قد يطول عليك اليوم، فعليك أن تستعين بهذا السحور على طول النهار، ومنها: أنك تحمد الله على النعمة، ومنها: أنك تتبع سنة المصطفى ﵊.
قيل لـ زيد بن ثابت، والحديث في الصحيحين ﴿كم كان بين سحوره ﷺ وأذان الفجر؟ قال: قدر قراءة خمسين آية﴾ لله درك! ما أحسن هذه الإجابة! خمسون آية يقرؤها الإنسان بين سحوره ﵊ إلى أذان الفجر، أي: بقدر ربع أو ثلث ساعة، ومن أكل حتى يؤذن فله ذلك، فإن بعض الناس يبقى يأكل ولا يكف، ثم يأتي يسأل ويقول: بقيت آكل حتى الإقامة، فما الحكم؟
وقد جاء عند أبي داود والحاكم: ﴿إذا رفع أحدكم الإناء في يده وسمع الأذان فلا يضع الإناء حتى يقضي نهمته﴾ وهذا إذا قدر أن الإنسان ضايقه الوقت وهو يأكل فرفع اللقمة فسمع الأذان، فله أن يأكل هذه اللقمة، أو رفع الإناء وسمع الأذان فليشرب، أما أن يستحدث عملاً بعد الأذان فلا لا يرفع لقمة، ولا يرفع إناءً بعد الأذان، لكن يأكل الذي في يده، وهذا رحمة من رسول الله ﷺ بالأمة، أن رخص لهم في هذا، وهذا هو الصحيح.
لكن أرى أن يكف المسلم قبل الأذان بثلث أو ربع ساعة، يتأمل فيها ويستغفر، ويتوضأ ويبادر إلى المسجد، وحذار أن ينام -وهذا ليس محرماً لكن خشية أن تفوت صلاة الفجر جماعة- بين السحور والفجر، بل يذهب متوضئاً إلى المسجد، وينتظر صلاة الفجر مهللاً مكبراً داعياً مولاه ، ويحضر صلاة الفجر في جماعة.
هذا جدول نسبي تقريبي يقبل وجهة النظر، ولعل هناك جدولاً أحسن منه، ولكن هذا إنما هو من باب التواصي.
следующие страницы →