← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.

стр. 8856

من صفات الغرباء والغرباء من صفاتهم: أولاً: قوم يعتقدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويعتقدون ما يعتقده أصحاب رسول الله ﷺ . والغرباء: لا يفارقون الصلوات الخمس جماعة، إلا من عذر شرعي قاهر. والغرباء: يُظهرون السنةَ على محيَّاهم وفي ملابسهم وفي حركاتهم وسكناتهم. والغرباء: دَيْدَنُهم: قراءة كتاب الله ، وتدبر القرآن. والغرباء: يتدارسون السنة، ويعملون بها ويحبون بها. والغرباء: لا يجدون ضغينة على عباد الله وعلى المسلمين كافة جماعات وأفراداً وأحزاباً وانتماءات، ما داموا في مظلة الإسلام، ومظلة (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) وقد ذكر الذين صنفوا كـ أبي عثمان الصابوني، وابن بطة، من الحنابلة، وأبي الوفاء وابن الجوزي من صفات الغرباء وصفاً عجيباً، فإن وصف الغرباء لا يقتضي أن يحملوا شهادات، ولا يقتضي أن يتَوَلَّوا مناصب، ولا يقتضي أن يكون لهم وظائف، ولا يقتضي أن يكونوا بيضاً أو حمراً أو سوداً، وإنما أن يكونوا أتقياء، أولياء لله ﵎. ﴿كن في الدنيا كأنك غريب﴾ هذا الذي يريده ﷺ . ولدتك أمك يا ابن آدم باكيا والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا

стр. 8857

بداية الغربة أول ما تقع على التراب: تقع غريباً لا ثياب، ولا مال، ولا جاه، ولا أسرة، ولا منصب، ولا بيت، ولا وظيفة، ولا أي شيء؟! فيوم تقع تبكي، وهذا البكاء، بعضهم يفلسفه، ويقول: (لأنك خرجت من السعة إلى الضيق) بطن أمك أوسع من الدنيا وما فيها. دنيا الطغيان دنيا الفجور دنيا المعاصي دنيا الشهوات دنيا الشبهات ولكن صحَّ عند البخاري: أن أول ما يولد المولود يغمزه الشيطان وينغزه، إلا عيسى بن مريم ﵇ فسلم من ذلك، فيبكي المولود يوم ينْغَزُه الشيطان، وكأنه يقول لهذا المولود: تَحَرَّ وانتظرْ حرباً شعواء، فسوف أحاربك إلى آخر ساعة. يوم يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١]. حضرت الوفاة عمر بن عبد العزيز ﵁ ورحم الله تلك العظام، فهو الشاب الذي قاد الأمة، وجدد أمرها في القرن الأول، حضرته الوفاة، فأصبح في سكرات الموت، فدخلت زوجته فاطمة بنت عبد الملك، فقال: [[يا فاطمة! اخرجي من بيتي، فإني أرى نفراً ليسوا بإنس ولا جن]] قال أهل العلم: هم ملائكة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٢]. وذكر عن الإمام أحمد الزاهد العابد، الذي أصبح جسمه كالعود من كثرة الصيام والعبادة، وكثرة الإنابة والدعاء، الذي كتب أربعين ألفاً من حديث رسول الله ﷺ ، وحفظ ما يقارب ألف ألف حديث بالآثار والموقوفات والمقطوعات، الذي وقف حصناً مع أهل السنة في وجه البدعة، جُلِد بالسياط، ومع ذلك حضره الموت، وجاء إبليس يصارعه حتى في سكرات الموت، يا إبليس، ما وجدت إلا الإمام أحمد، إمام أهل السنة والجماعة تصارعه؟ أما علمت أنه رجل تربى وخلط دمه ولحمه بالسنة، فأخذ يعظ أنامله ويقول الإمام أحمد: [[لا بَعْدُ، لا بَعْدُ]] أي: ما نجوتُ من مكيدتك أيها الكائد الخبيث، هذه فتن، يتعرض لها المغترب يوم يسافر بغربته وإيمانه وسنته، إلى الله .

стр. 8858

حقيقة الغربة وأحوال الغرباء قال ﷺ : ﴿كن في الدنيا كأنك غريب﴾ ثم ترقى ﵊ إلى درجة أعلى فقال: ﴿أو عابر سبيل﴾ وعابر السبيل: أعظم من الغريب الغريب: يقيم يوماً أو يومين أو ثلاثة أو شهراً أو سنة، لكن عابر السبيل: لا يقيم. وأعرف الناس بالدنيا، وحقيقتها: محمد ﵊، كان يقول: ﴿ما لي وللدنيا، وإنما مثلي ومثل الدنيا كراكب، قال في ظل شجرة ثم سار وتركها﴾ حديث صحيح. الرسول ﷺ تتوالى عليه ثلاثة أيام لا يجد فيها كسرة خبز. فما لنا نشبع من الموائد الشهية؟ ونركب المراكب الوطية؟ ونسكن في المنازل البهية؟ كفاك عن كل قصر شاهق عمداً بيت من الطين أو كهف من العلم تبني الفضائل أبراجاً مشيدة نصب الخيام التي من أروع الخيم إذا ملوك الورى صفوا موائدهم على شهي من الأكلات والأدم صففت مائدة للروح مطعمها عذب من الوحي أو هدي من الكلم نبينا محمد ﷺ بيتُه من طين، إذا نام وصل رأسه إلى الجدار، وأرجله إلى الجدار الآخر، أظهر الناس عن حجر واحد يوم يحفرون الخندق يربطون بطونهم من الجوع، وأظهره على حجرين ﷺ ، عاش عبداً رسولاً لكن ادخر الله له الرضوان، فقال : ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥] يقول وهو يتلو هذه الآية، ويبكي: ﴿والذي نفسي بيده لا أرضى وأحد من أمتي في النار، والذي نفسي بيده لا أرضى وأحد من أمتي في النار﴾ فصلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً. فعابر السبيل: لا يأخذ إلا ما يكفيه في الطريق دخلوا على أبي ذر ﵁ وأرضاه وهو في سكرات الموت يبكي، قالوا: [[ما لك؟ قال: استثقلت من الدنيا، وأكثرت منها، وورائي عقبة كئود، لا يجوزها إلا المُخِِفّ، قالوا: ما هي دنياك يا أبا ذر؟ فنظروا في بيته، فوجدوا شملة: (فراشاً يفترشه) ووجدوا قعباً، ووجدوا صَحفة وعصا!! أهذا استكثار من الدنيا؟ قالوا: ما معك شيء، قال: إن خليلي ﷺ قال لي: ﴿ليكن زادك من الدنيا كزاد الراكب﴾ ليكن متاعك من الدنيا كمتاع الراكب]] ﵁ وأرضاه. أرسل عمر ﵁ وأرضاه سلمان الفارسي، الذي استجاب لـ (لا إله إلا الله). سلمان الذي كفر بالطاغوت سلمان الذي ترك النار وعَبَدة النار وأباه وأهله وأجداده وزوجته وأطفاله، وأتى يركب القفار والبحار حتى وصل إلى المدينة، فكان جزاؤه أن يقول له ﷺ فيما يُروى عنه: ﴿سلمان منا آل البيت﴾ وهي والله وسام من أعظم الأوسمة، يوم يُترك أبو لهب، وأبو طالب، المدهدهان على رءوسهما في النار، أما سلمان الفارسي فهو من أهل البيت. يجلس العرب في حلقة، فينتسبون لأجدادهم، وترابهم، فيقولون لـ سلمان: من أبوك؟ قال: أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم رضي الله عنك وأرضاك. أرسله عمر ﵁ وأرضاه أميراً إلى العراق، فذهب على حمار انظر إلى صحابة الرسول ﷺ ، الذين فتحوا الدنيا! يركبون الحمير! الذين أسسوا حضارةً عالميةً مشرقةً وضَّاءةً يركبون الحمير! فوصل، فلما خرج أهل العراق، لاستقباله، قالوا لـ سلمان: أرأيت أميراً أرسله عمر إلينا اسمه سلمان الفارسي؟ قال: أنا سلمان الفارسي، قالوا: لا تضحك علينا، قال: أنا والله الذي لا إله إلا هو سلمان الفارسي!! فعجبوا وذهلوا من هذا الدين، الذي الأمير فيه كأنه أفقر فقير في الناس!! فسكن هناك، وأخذ راتبه، فوزعه على ثلاثة أنحاء: قسم يتصدق به، وقسم يهديه لإخوانه، وقسم يتقوت به وقيل: كان يتصدق بكل المال، ويتقوت من خصفه الذي يخصفه بيده ﵁ وأرضاه. يأتي عمر ﵁ وأرضاه، وهؤلاء عالم الغربة، وأهل الغربة والاستقامة، فيرسل سعيد بن عامر الصحابي الجليل إلى حمص، فيبعثه فيقول: اعفني يا أمير المؤمنين، قال: [[أتولونني الخلافة في عنقي، ثم تتركونني؟ والله لتتولين الإمرة لي]] فذهب ﵁ وأرضاه، ولما سافر من المدينة، قالت زوجته: [[عندي مال كثير، أعطيك إياه تستنفقه لك، أو تضعه في تجارة بيني وبينك، فأخد المال فتصدق به في سبيل الله، فقالت: أين المال؟! قال: أعطيناه شريكاً، يضاعف لنا به أضعافاً على الدرهم الواحد إلى سبعمائة درهم]] فصدقت وسكتت. دخل حمص، وأخذ هذا الغريب يَعْدِل في الناس ويصلي بهم، حتى مرَّ عمر ﵁ وأرضاه على أمرائه وولاته في الأقاليم، فأخذ سعيد بن عامر وسأل أهل حمص عنه: كيف سعيد بن عامر؟ أي: كيف مسيرته فيكم؟ كيف عدله؟ كيف زهده وورعه؟ فكلهم أثنوا خيراً، لكن أخذوا عليه أربعاً من الخصال: ما هي الأربع؟ قال عمر ﵁ وأرضاه: [[اللهم إني ما علمت فيه إلا خيراً، اللهم لا تخيب ظني فيه، قالوا: أما الأولى: فيُصرع بين أيدينا، وأما الثانية: فلا يخرج لنا يوماً من أيامه من الأسبوع، فلا نراه ولا يرانا، وأما الثالثة: فإنه لا يخرج حتى يرتفع النهار، وأما الرابعة: فإنه لا يخرج في الليل، مهما طرقنا عليه بابه]]. لا يخرج علينا في الليل، قال عمر ﵁ وأرضاه، وقد نكس رأسه، ودموعه تهراق على خديه: [[اللهم لا تخيب ظني في سعيد بن عامر، قم يا سعيد، فقام يتكلم، فقال: يا أمير المؤمنين، والله لوددت أن أكتم هذا الأمر، فأما والحالة هذه فسأتكلم، فأمَّا قولهم: أني أصرع، فقد حضرتُ مشهداً ما وددت أني حضرته: رأيت خبيب بن عدي وهو يُقتل في مكة، وأنا مع المشركين آنذاك، فسمعته يقول للكفار: اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، فكلما تذكرت ذاك المشهد صرعت، ووددت أنني نصرته، وأما اليوم الذي لا أخرج فيه للناس: فأنا رجل ليس لي خادم، وزوجتي مريضة، أغسل ثيابي، وأنتظر جفافها، أو أغسل ثيابي وثياب أهلي في هذا اليوم -سبحان الله! أيُّ حياةٍ هذه الحياة، حياة الغرباء؟ - وأما الليل لا أخرج إليهم: فقد جعلت النهار لهم، والليل لربي ﵎: قلت لليل هل بجوفك سر عامر بالحديث والأسرار لَمْ ألْقَ في حياتي حديثاً كحديث الأحباب في الأسحارِ وأما قولهم: لا أخرج حتى يرتفع النهار، فزوجتي مريضة، فأنا أصنع إفطاري بنفسي، فإذا أفطرتُ خرجتُ إليهم، فرفع عمر يديه إلى السماء يبكي، ويقول: الحمد لله الذي لم يخيب ظني في سعيد بن عامر]] سلام على أصحاب محمد ﷺ ورحمة الله وبركاته. إن لم تؤخذ السيرة والعقيدة، والمبادئ الأصيلة والسلوك منهم، فمن أين تُؤخذ؟ إنهم من ﴿الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠].

стр. 8859

غربة أهل السنة بين أهل البدعة الغربة كما أسلفت على ثلاثة عناصر، أو ثلاث مسائل: أولها: غربة أهل السنة بين أهل البدعة: يوم تجد المسلم العالم يتسنن بسنة رسول الله ﷺ في كل شيء: في المعتقد، وفي حمل (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) وفي الحضور في الجماعات، وفي المحافظة على الفرائض والنوافل، وفي مضاعفة الحسنات ورفع الدرجات، وفي اللحية، والثوب، والسواك، والهدي الظاهرِ والباطن؛ لأنه ليس في الإسلام قشور، وليس في الإسلام تنافر، كله سنة، وكله يؤخذ جملة، وكله عبادة وشريعة من الله الذي لا إله إلا هو، لكن أهل البدع يأبون إلا أن يجعلوا أهل السنة يَحْيَون معهم غرباء.

стр. 8860

الغربة في عهده ﷺ هل علمتم أعدل من محمد ﵊؟ , هل عرفتم أنصف منه؟ , هل عرفتم أجل منه؟ لا والله! ومن زعم أن هناك في العالم -قديماً أو حديثاً- رجلاً أعظم من الرسول ﵊ وأعدلَ منه، أو أكرم منه، فقد افترى على الله، وعليه دائرة السَّوء -من قال هذا القول-. أتى يقسِّم الغنائم بين الناس، فلما قسم الغنائم ﷺ ، تألف بها أناساً يحبون الدنيا، قوم لا يحبون الإسلام إلا لوسائل، أعطاهم ﷺ ليتألف قلوبَهم، أعطى عيينة بن حصن: مائة ناقة، والأقرع بن حابس: مائة ناقة، وأبا سفيان مائة ناقة، وصفوان بن أمية: مائة ناقة، وترك الأنصار سبحان الله! الأنصارُ يُتْرَكون! الذين قُتِل منهم في المعارك: (٨٠%) والذين قدَّموا دماءهم رخيصة في سبيل الله، تُرِكُوا! لكن المؤمن يوم يظهر له شيء من أخيه، أو من قريبه، أو من صديقه في طريقه إلى الله يستفسر ولا يحمل ضغينة فاجتمع الأنصار، وقالوا: ﴿غفر الله لرسول الله ﷺ ، أعطى هؤلاء وتركنا، وسيوفنا تسيل من دمائهم﴾ فبلغ الخبر رسول الله ﷺ ، فجمعهم؛ فلما جمعهم أشرف عليهم، وقال كلمات كلها حرارة، وكلها صدق وإخلاص، وكلها حب ومودة، قال: ﴿يا معشر الأنصار! ما مقالة بلغتني عنكم؟ قالوا: هو كما سمعتَ، يا رسول الله! قال ﷺ : يا معشر الأنصار! أما أتيتكم ضلالاً فهداكم الله؟ أما أتيتكم فقراء فأغناكم الله؟ أما أتيتكم مشتتين فجمعكم الله؟ فنكَّسوا رءوسهم، يبكون، ويقولون: لله المنةُ ولرسوله، قال: يا معشر الأنصار! والله لو شئتُم لقُلْتُم؛ فلَصَدَقْتُم، ولصُدِّقْتُم: أتيتَنا طريداً فآويناك، وفقيراً فواسيناك، ومظلوماً فنصرناك، قالوا: لله المنة ولرسوله، فرفع صوته، وقال: والذي نفسي بيده! لو سلكَ الناسُ وادياً وشِِعباً، لسلكتُ وادي الأنصار، وشِعب الأنصار، الأنصار شعار، والناس دثار، اللهم اغفر للأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار﴾ فأخذوا يبكون حتى سالت دموعهم من لحاهم ﵃ وأرضاهم. لكن اسمع إلى المبتدع، يأتي ويقول للرسول ﵊: اعدل يا محمد! أي: في القسمة! قال ﷺ : ﴿ويلك! خِبْتَ وخَسِرْتَ إن لم أعدل﴾ وضبط: ﴿خِبْتُ وخَسِرْتُ إن لم أعدل﴾ فمن يعدل إذا لم يعدل ﵊ فقام خالد ﵁ وأرضاه وسَلَّّ سيفه، وأراد أن يقتل هذا المجرم، فقال ﵊: ﴿دَعْهُ، يا خالد! لا يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، سوف يخرج من ضِئْضِئ هذا قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، وقراءتكم إلى قراءتهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية﴾ وفي لفظٍ في: صحيح مسلم: ﴿لئن أدركتُهم؛ لأقتلنهم قتل عاد﴾ وبالفعل: ظهر هذا المسرح فيما بعد.

стр. 8861

الغربة في عهد الصحابة رضوان الله عليهم تنتهي هذه الكلمة في مهدها، ولكنها تشب مبدءاً وتغييراً في محاربة السنة. ويموت ﵊، ويأتي أبو بكر وحربه العَقََدِية شاملة لكل جانب، حربه ﵁ وأرضاه حربٌ ظاهرة تمردٌ على الإسلام أناس يرفضون من قيام (لا إله إلا الله) وأناس يرفضون أداء الزكاة، وبالفعل حاربهم وانتصر عليهم ﵁ وأرضاه. ويأتي عمر بن الخطاب عمر الذي حمى الله به الإسلام لما طُعِن عمر بكى عليٌّ ﵁ وأرضاه وقال: [[والله ما أريد أن ألقى الله بعملِ رجل إلا بعمل كعملك]] وقال أحد العلماء: " كفنت سعادة الإسلام في أكفان عمر فلما أتى عمر بخلافته الراشدة ﵁ وأرضاه كان يحارب الزيادة والابتداع في دين الله، حتى كثرة الحديث لا يريدها؛ لأنها تشغل في نظره عن القرآن، فلما سمع أبا هريرة يحدث كثيراً كثيراً، قال: [يا أبا هريرة: والذي نفسي بيده إما أن تمسك عن الحديث، أو لألحقنك بأرض القردة، أرض دوس]] يعني: في بلاد الزهران. طرق عليه أبو موسى ﵁ وأرضاه، كما في: الصحيح فلم يأذن له؛ فطرق مرة ثانية؛ فلم يأذن له، فطرق ثالثة؛ فلم يأذن له، فذهب أبو موسى، وفتح عمر البابَ ﵁ وأرضاه، وقال: [[يا أبا موسى: تعال، لماذا عدتَ؟ قال: سمعتُ الرسول ﷺ يقول: ﴿إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليعُد﴾ قال: والذي لا إله إلا هو لتأتيني بشاهد على هذا أو لأوجعنك ضرباً]] لا يريد الزيادة في دين الله؛ يريد التثبت، ولو أن أبا موسى ثقةٌ ثَبْتٌ، عدلٌ مُرتضى من أصحاب الرسول ﵊، فذهب أبو موسى يرجف فؤاده إلى الصحابة، ويقول: [[أنقذوني، أنقذوني]] يريد شاهداً، قال الأنصار: [[والله لا يقوم معك إلا أصغرنا]] فشهد له، فأمضى عمر هذه السنة في الناس. وفي يوم من الأيام جلس عمر ﵁ وأرضاه وليت عمر يحضر مجالسنا، أو ليته رأى بعض مجالسنا ونحن الذين ندَّعي الغربة؛ مجالس الخلافيات الفكرية، والجزئيات التنظيرية التي لا تنفع ولا تُجْدي، مجالس التهجم على المسلمين إذا أخطأوا في جزيئات، أو خالفونا في أساليب أو فرعيات، يكيل الصاع صاعين، ولو أننا أردنا وجه الله والدار الآخرة لسعينا لجمع كلمة الإسلام، هذا يعمل على أسلوب، وهذا له مظلة، وهذا له اتجاه، نحمي عرضَه، ونُعِدُّ أنه مِن الذين أنتجوا في الساحة الإسلامية، ولهم دور في إنقاذ الهمم، وفي إمضاء هذه الصحوة وتوجيهها إلى الله ، وهذا له حسنة في المحافظة على معتقد السلف، هذا له حسنة في الرد على الشبه، هذا له حسنة في تعليم العوام فلماذا نصادر جهود الناس؟ لماذا نتهجم على بعضهم في المجالس؟ إسرائيل تقصفنا بالطائرات، وتغطي شمسنا بطيرانها، ونحن بيننا نتحارب؟! وأطفأتْ شهبُ الميراجِ أنجمَنا وشمسَنا، وتحدَّت نارها الخُطَبُ شجباً ونكراً وتنديداً بغارتها الله كم نددوا يوماً وكم شجبوا قالوا: هم البشر الأرقى، وما أكلوا شيئاً كما أكلوا الإنسان أو شربوا تسرُّعٌ في الفتيا موجودة في الساحة، يقول أحد التابعين للتابعين: [[والذي نفسي بيده إنكم لتفتون في مسائل، لو عرضت على عمر بن الخطاب، لجمع لها أهل بدر]]. نحن تناحرنا إلاَّ من رحم الله فيما بيننا، ردود، ومسائل جزئية؛ لكن الكفار لا يعرفون هذا، الكفار ليس بينهم ردود، فكلهم يختلفون؛ لكنهم في حرب الإسلام يتفقون. فأتى رجلٌ عمر، فقال: يا أمير المؤمنين! قال: نعم قال: في المعسكر رجل يعارض بين الآيات قال: ماذا يقول؟ قال: يقول: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً * فَالْحَامِلاتِ وِقْراً﴾ [الذاريات:١ - ٢] كيف نجمع بينه وبين قوله : ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً﴾ [النازعات:١] قال عمر ﵁ وأرضاه: تعال به ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً﴾ [الذاريات:١] ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً﴾ [النازعات:١]: كلام كبير، من حكيم بصير، لو وقعت على الجبال، لتشققت الجبال، كلام الله، لا كلام مسيلمة، فجلده عمر حتى تاب.

стр. 8862

حقيقة الغربة والغرباء الذي ذكرتُه في هذا العنصر: هو عنصر واحد من ثلاثة عناصر، سبق أن أسلفتُ الحديث عنه. غربة أهل الإسلام بين سائر الأديان: وهذا أمر معلوم، موجود، وكثير مشهور، لا يحتاج إلى كثرة كلام. وغربة أهل السنة بين أهل البدع: وهو هذا الذي يحتاج إلى غربلة وحديث كثير. وغربة أهل الاستقامة بين أهل المعاصي: وأهل الفجور، والتفلُّت على أوامر الله، وتعدي حدود الله، وهو أمر لا بد أن يُتَنَبَّه إليه، وأن على المسلم -خاصةً المستقيم، الملتزم، طالب العلم، الداعية- أن يصبر، وأن يعرف أنه غريب، وأن الله يجزل له أجره، كما قال ﷺ : ﴿بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء﴾ وفي لفظ: ﴿قالوا: من هم، يا رسول الله؟ قال: النُّزَّاع مِن القبائل﴾ ولكن هذه الرواية ضعيفة، وفي لفظ آخر: ﴿هم الذين يتحابون في الله لا على أي سبب من أسباب الدنيا﴾ أو كما قال ﷺ . وقد وجد الغرباء في هذا العصر؛ غرباء في العالم دول العالم كافرة؛ إلا من رحم الله؛ وغرباء بين المبادئ الموجودة المطروحة في الساحة فهم غرباء من هنا ومن هنا، غرباء في أفكارهم لسوء أفكار أهل الضلالة، وغرباء في صلاتهم لسوء صلاة المنحرفين، وغرباء في استقامتهم لتدهور استقامة السيئين، وغرباء في كتبهم التي يقرءونها؛ لأن كتب أهل الضلال غير الكتب التي يقرءونها، وغرباء في مسيرتهم، وفي اتجاههم، وفي عقائدهم وتفكيرهم؛ لأنهم أهل الخير. أنبه على مسائل: أولها: أن الغريب قد يكون واحداً، وأهل السنة والجماعة قد يكونوا شخصاً واحداً أو أشخاصاً قلة، ولا يشترط الكثرة، وأهل السنة كلهم: كل مَن رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً ﷺ ، وكل من دان لله بالولاء، ولرسوله ﷺ بالاتباع، وليست حكراً لأحد، أو لطائفة من الناس وإن ادعوا ذلك. وكلٌّ يدَّعي وصلاًَ بليلى وليلَى لا تُقِرُّ لهم بِذاكا فكل من حمل هذه المبادئ؛ فهو من أهل السنة والجماعة خفي أم ظهر، لبس لباساً يختلف عن لباس الناس، إن لم يكن محرماً أو لم يلبس؛ إنما المهم: أن يعتقد، وأن يعمل بما يعمله ويعتقده أهل السنة والجماعة، هذا أمر. الأمر الثاني: أن الغربة تختلف نسبياً من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، وفي صور عن صور، وقد تكون في بعض الأزمنة غربة الإسلام: في الحاكمية: ألا يُحَكَّم شرعُ الله في الأرض فهذه غربة في الحكم. تكون غربة في الجهاد: ألا تُرفع رايةُ أن لا إله إلا الله في الجهاد هذه غربة في الجهاد. فترة من الفترات: تكون غربة تطبيق السنة في حياة الأفراد هذه غربة السنة في حياة الناس. فترة من الفترات: غربة في العلم، ونشر العلم، وهذه الغربة العلمية يوم لا ينشر العلم. غربة مكانية: تنتشر السنة في مكان من الأمكنة؛ ولكن لا تنتشر في المكان الآخر. في زمن تتقوى فيه السنة وتظهر؛ وتنهزم وتفشل في زمن آخر وهذه: غربة نسبية إضافية في زمن من الأزمنة. إخوتي في الله! إن أعظم قضايا الحديث، هي: قضيةٌ رقيقةٌ من الرقائق: أن تكون غريباً، عن (إذا أصبحتَ لا تنتظر المساء، وإذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح). والموتَ فاذكره وما وراءَهْ فمنه ما لأحدٍِ براءَةْ وإنه للفيصل الذي بِه ينكشفُ الحالُ، فلا يشتبِهِ والقبرُ روضةٌ من الجنانِ أو حفرةٌ من حُفَر النيرانِ إن يكُ خيراً فالذي مِن بعدِهِ أفضلُ عند ربنا لعبدِهِ وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وإن كان لي من شكر، فإني أشكر الله ﵎، ثم أشكر القائمين على هذا المسجد؛ لدعوتهم، ولتسببهم في هذا الحضور، ثم أشكركم، أيها المسلمون الفضلاء النبلاء. وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليماً كثيراً.

стр. 8863

الأسئلة

стр. 8864

المحبة في الله السؤال من الأشياء المشتركة في هذه الأسئلة: أن كثيراً من الإخوة السائلين يشعرون فضيلة الشيخ بحبهم في الله ، ويرجون منه دعاءً لهذا الجمع المبارك. الجواب الحمد لله، والصلاة على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً. وأنا أشهدكم أني أحبكم جميعاً في الله ﵎، وأسأل الله كما جمعنا في هذا الجامع؛ أن يجمعنا في دار كرامته في الجنة، وأن يجمع كلمتنا وقلوبنا وصفوفنا وأن يرفع رايتنا، وينصر هذه الأمة الإسلامية أمة (لا إله إلا الله) وأن يعيد لها مجدها، وعظمتها، وسؤددها، وكرامتها، وأن ينصر كل من جاهد لإعلاء هذه الكلمة (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) في فلسطين، وفي أفغانستان، وأن يجعلنا كما كنا قادة للأمم موجهين للشعوب مؤسسين للحضارة.

стр. 8865

مؤلفات وتصانيف في الغربة السؤال أخٌ يسأل ويقول: لو ذكرتم بعض ما أُلِّف وصُنِّف في بيان الغربة، خصوصاً من كتب السلف. الجواب هناك كتاب الغربة للآجري صاحب (الشريعة) وكتابه الغربة من أحسن ما كُتِب وكتاب: (العزلة) لـ أبي سليمان الخطابي، يتكلم عن الغربة، وكتاب: (كشف الكربة في شرح حديث الغربة) لـ ابن رجب الحنبلي، ومقالة لـ ابن تيمية شيخ الإسلام، في المجلد العاشر من: (فتاويه) وهناك رسالة ماجستير في الغربة، وهي من أجمع ما جُمع قديماً وحديثاًَ للشيخ سلمان العودة، جمع المراجع القديمة والحديثة، وصنفها تصنيفاً باهراً، وهي تطبع إن شاء الله قريباً.

стр. 8866

أنواع البدعة وصفات أهلها السؤال أخٌ يسأل ويقول: ما أنواع البدعة؟ وكيف نعرف أهلها؟ وما صفاتهم؟ الجواب لسنا بحاجة ماسة إلى أن نعرف هذه الأقسام التنظيرية للبدعة، حاجتنا إلى أن نعرف أثرها على الناس. البدعة قسمها بعض الأساتذة الذين ألفوا، كصاحب كتاب: (البدعة: أثرها، مصادرها، آثارها) قسمها إلى (١٥) قسماً، منها: القسم الأول: بدعة حسنة، وسيئة. القسم الثاني: مكفِّرة، ومفسقة. القسم الثالث: كبرى، وصغرى. القسم الرابع: بدعة كذلك عبادية، وعادية. القسم الخامس: بدعة اعتقادية، وعملية. إلى غير ذلك من التقسيم وبعض التقاسيم يوافَق عليها، وبعضها يخالَف: كبدعة حسنة، وسيئة: ليس بصحيح، أو بدعة واجبة، ومستحبة أي: خمسة أقسام على الأمور التكليفية عند أهل الأصول: فهذا ليس بصحيح؛ بل كلها محرمة ومذمومة، ولا خير فيها أبداً.

стр. 8867

مرض الشهوة والنظر الحرام وعلاجها السؤال أخٌ يقول: من أخطر ما يتعرض له الشاب الصالح مرض الشهوة! فنرجو منكم إلقاء الضوء على هذا المرض، خصوصاً: معصية النظر إلى النساء, والنظر إلى المُرْدان. الجواب مرض الشهوة! من الأمراض أو من الأمور التي حارب بها أعداءُ الإسلامِ الإسلامَ؛ لأن مركب الإلحاد أو مدرسة الإلحاد التي كان شيخها وأستاذها فرعون عليه لعنة الله الذي قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] موجودة، وركبت مركب الاقتصاد قبل عشرات السنوات، ثم أتت إلى الأدب على مركب الحداثة، فبثَّت سمومها بأقلام مأجورة مرتزقة في الساحة تعتقد اعتقادهم، أو تشرب من مشاربهم، وهو مشرب زندقة، وإفكٍ، وإلحاد، وقد تولى كثير من الدعاة والمشايخ جزاهم الله عن الإسلام خيراً الردود على هذه الافتراءات بردود قوية عميقة أصيلة. وأما مرض الشهوات: فهو مرض بَقَرَ بطنَ الأمة، يتمثل في: كأس الخمر، ويتمثل في: المرأة الفتانة المتبرجة، ويتمثل في: المجلة الخليعة، ويتمثل في: الأغنية الماجنة كلها صُبت وطُرِحَت أمام الشباب لتصدهم عن طاعة الله . ودواء مرض الشبهات: اليقين. ودواء مرض الشهوات: الصبر قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] قال ابن تيمية: تنالُ الإمامةُ في الدين بالصبر، واليقين. فالصبر عن الشهوات، واليقين وقت توارد الشبهات. وأما الشهوات: فمنها النظر، الذي أشار إليه الأخ، وهو مرض فتاك، ومن أعجب ما فتك بالأمة هذا المرض، يوم يرسل الرجل نظره إلى المرأة، أو إلى الأمرد، أو ترسل نظرها إليه، حينها يَعْتَوِرُ القلب من الشبهات والشهوات، والأمراض والهموم والأسقام ما الله به عليم. وأنا الذي جلب المنيةَ طرفُه فمن المطالَب والقتيل القاتلُ والواجب للقلب أن يُصرف إلى المحبوب الذي يستحق الحب، وهو الله ﵎، فإن الناس الذين في الساحة، وكثير منهم، يحملون الحب على غير محامله، شوقي يقول على نظريته: الحياة الحب، والحب الحياة لكن إذا سألناه وسألنا غيره، كأنه يقول بلسان حاله: إنه حبُّ المرأة، أو الوَلَهُ، والغرامُ، أو العشقُ، والشرود، والهُيامُ، وهذا الإسلام منه برئ، وقد أسلفتُ أن حديث: ﴿من أحب، فعفَّ، فكتم، فمات، مات شهيداً﴾ حديثٌ باطلٌ، كَذِبٌ، موضوعٌ، لا يمكن أن يقال ولا يصح، كما قال ابن القيم ولو كان سنده كالشمس، نحن أهل الحب، وغيرنا لا يعرف الحب. الحب: حب الله ورسوله، والجمال: هو التملي بجمال الله المباح الذي جعله في الكون ، أما دعاة الفن، والحب، والجمال، فهم قتلة الحب والفن والجمال. إذاًَ فأنا أدعو أخي ألا يرسل نظره، وأن يتقي الله في عينيه قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] وعليه بأمور: الأمر الأول: كثرة الدعاء، والتبتل إلى الله في أدبار الصلوات أن يهديه الله وأن يسدده. الأمر الثاني: أن يتذكر لقاء الله وموعوده. الأمر الثالث: أن يستظل بحفظ الله، وهي الرقابة التي يقولها ﷺ لـ ابن عباس: ﴿احفظ الله يحفظك﴾ وهذه تكتب على أجنحة القلوب (احفظ الله يحفظك).

стр. 8868

حكم العادة السرية السؤال ما حكم العادة السرية؟ وما الأدلة على حكمها؟ وهل لها من آثار سلبية على الإنسان؟ وكيف يتخلص المبتلى بها؟ الجواب العادة السرية: الذي أعرفه في المسألة: هي نقولات لأهل العلم؛ لأنني لا أعرف نصوصاً صريحة بالتحريم ولا بالإباحة، لكن هناك نصوص محتملة، ظنية الدلالة في المسألة، كقوله : ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٧] أُخِذَ منها تحريم العادة السرية عند بعض الشافعية، وابن تيمية سئل عنها، قال: الواجب اجتنابها، ويحرم استعمال هذا الشيء أما الحديث الذي يقول: ﴿ملعونٌ مَن نكح يده﴾ فلا يصح عنه ﷺ ، لكن مما هو معلوم من مقاصد الإسلام أنها محرمة، وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله فعلى المسلم اجتناب هذا الشيء، وكذلك ما يضيع قلبه أو وقته في ما يقربه من الله من طاعة، وذكر، وعبادة، ومطالعة، وإذا وجد للزواج سبيلاً فليفعل، قال ﷺ : ﴿يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم، فإنه له وِجاء﴾.

стр. 8869

معنى حديث: (سيأتي زمان التمسك) السؤال ورد في الحديث: أن رسول ﷺ قال: ﴿سيأتي زمان يكون أجر المتمسك أجر خمسين قالوا: مِنْهُم، يا رسول الله؟ قال: لا؛ بل منكم﴾ أو كما ورد في الحديث. فهل وقع هذا الحديث في هذا الزمان؟ الجواب هذا الحديث أولاً: صحيح، حديث الخمسين، أو الرجل الغريب في آخر الزمان أجره أجر خمسين من أصحاب محمد ﷺ حديث صحيح، وقد صححه جماعة من أهل العلم، ولا عبرة بمن خالف في تصحيحه أو ضعفه. وأما معناه: فقال أهل العلم: معناه: كثرة الأجر، لا درجة الأفضلية، فإن للصحابة درجة من الأفضلية والسمو لا يبلغها أحد من الناس، يقول ﷺ : ﴿الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً، فمن أحبَّهم فبِحُبِّي أحبهم، ومن أبغضهم فبِبُغْضِي أبغضهم﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أُحُدٍ ذهباً وفضة ما بلغ مُدَّ أحدهم، ولا نصِيْفَه﴾ إذا عُلِم هذا؛ فدرجة الفضل والصحبة لا يمكن أن يخترقها أو يتسلقها أحد؛ لكن كثرة الأجر والحصيلة في الأجر على الأعمال: المتأخر يفضل المتقدم بخمسين أجراً، أو بخمسين ضِعْفاً كأجرهم؛ وهذه واقعة في هذا الزمن، وإن لم يكن هذا الزمن زمن غربة فمتى يكون ذلك؟ يوم يوضع الكتاب والسنة، فيكون غريباً عند الناس، غربة على مستوى كبار الناس وصغار الناس، غربة في الجهاد غربة في نواحي الحياة: في السلوك، وفي الأدب وفي تنفيذ الأوامر التي أمر الله بتنفيذها غربة في الأخلاق والآداب من محبة، وصفاء، وتآخٍ كان عليه السلف؛ وجدت في هذا العصر، فمن حافظ على ضميمته في الخير كان غريباً وله ذاك الأجر إن شاء الله.

стр. 8870

ابتلاء الشباب وأسباب انتكاستهم السؤال كثير من الشباب يتعرض للابتلاء بصوره المتعددة، منهم مَن يَثْبُتُ على طريقه، ومنهم من يَنْكُصُ على عَقِبَيْه، فما نصيحتكم لكل من الفريقين؟ الجواب أنصح إخواني بأن يتقوا الله ، وهذا السؤال مطروح في أي زمان ومكان. وأما قضية من يقول: أنه يهتدي، ثم يرتد على عقبَيه، فيأتي من أسباب: إما: أن مرض الشبهة متمكن في قلبه، لم يخرج ولو بالدعوة. أو: أن الدعوة التي أخذته واستنقذته وجذبته؛ دعوة ضعيفة، لا تقوم على كثرة نوافل، أو عبادات، أو أوراد، أو أذكار، أو اتجاه القوة، فيمكن أن يستمر معهم فترة، ثم يترك هذا، وهذا إما من نفسه لوجود الشبهة العارمة الجياشة في قلبه، أو لأن الذين دعوه لم يكن عندهم ذاك التوجه، وتلك التربية القوية في الروح التي تجعله يصمد أمام الشبهات والشهوات. فنصيحتي للأخ إذا اهتدى أن يكثر من النوافل، ومن الدعاء، ومن الأذكار، ومن قراءة القرآن، ومن قيام الليل، من صلاة الضحى، حتى يستمر على النهج. أقْوَمُ ما يمكن أن يتقرب به العبد إلى الله، وأقرب الطرق إليه العبادة، قال الله للأنبياء: ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٣] وقال في زكريا: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠].

стр. 8871

حقوق المرأة على الرجل السؤال أخت تقول: نرجو من شيخنا الفاضل أن يلقي ولو كلمة بسيطة عن معاملة الرجل لأهله، ولو لم يكن ذلك مقاماً له، ولكن الحاجة ماسة لذلك، وخاصة في هذا الجمع الجواب كلكم أو غالبكم يعلم حق المرأة على الرجل، والله ذكر ذلك في كتابه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩] هناك نصوص كثيرة، ومنها قوله ﷺ : ﴿الله الله في النساء! إنهن عَوان عندكم﴾ أي: أسيرات، وقال ﷺ : ﴿خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي﴾ وقال في حَجة الوداع: ﴿استوصوا بالنساء خيراً﴾ إلى غير ذلك من النصوص، إذا عُلِمَ هذا، فحق المرأة على الرجل حقوق كثيرة: أول الحقوق: أن يعينها على طاعة الله ، وأن يسلك بها الطريق المستقيم، وأن يوفر لها الإسلام الذي يريده الله في البيت، وألا يضيق عليها في عبادتها وفي سلوكها إذا أرادت الله والدار الآخرة. ومن الحقوق: حق الإنفاق أن ينفق بالتي هي أحسن؛ من كسوة، ومطعم، ومسكن طيب. ومن الحقوق: أن يعطيها شيئاً من وقته، ومن سماحته وخُلُقه ووجهه وبذله وعطائه، كما كان يفعل ﷺ تُسأل عائشة عنه، فتقول ﵂ وأرضاها: ﴿كان إذا دخل علينا، دخل بسَّاماً، ضحاكاً، دعوباً، قريباً﴾. في: (صحيح البخاري) في الأدب يقول ﷺ : ﴿إني لأعلم رضاكِ من غضبكِ قالت: بماذا، يا رسول الله؟ قال: إذا غضبتِ قلتِ: لا ورب إبراهيم، وإذا رضيتِ قلتِ: لا ورب محمد قالت: والله ما أهجر إلا اسمك﴾. لا تحسبوا نأيَكم عنا يغيرنا إذ طالما غير النأي المحبينا بِنْتُم وبِنَّا فما ابتلت جوانِحُنا شوقاً إليكم ولا جفَّت مآقينا هذا بيته ﷺ يقيمه على هذا المستوى الرفيع من حسن التعامل، يأتي صلى الله عليه سلم، فيقطع اللحم مع زوجته، يَقُمُّ البيت، ويخصف النعل، ويقف معهن في حوائجهن، ويسأل عن المريضة من نسائه ﷺ ، قريباً حبيباً كأن اختصاصه تربية الأسرة؛ مع العلم أنه متكامل في كل اتجاهات الحياة، وأبوابها ﷺ . فهذه وصيتي لإخواني، ولعلها أن تكون بالغة منتهاها.

стр. 8872

عقبات الالتزام بعد الزواج السؤال هذا سؤال أيضاً له علاقة بالسؤال السابق، يقول سائِلُهْ: تزوجت حديثاً، وقد كنت قبل الزواج أعيش أعزب، يقول: لا أعيش إلا على طاعة الله، وحضور المحاضرات، وبعد الزواج ظهرت بعض المشكلات مع زوجتي، منها: أنها تقول: لقد تزوَّجَتْ متطرفاً أو متصوفاً فأسألك أن تنصحها جزاكم الله خيراً. الجواب فُهِمَ السؤالُ، وربما يكون الخطأ منك أو منها، إما أنك حملتها على الأمور التي لا تتحملها من المشقة، أو أنك نَفَّرْتَ ولَمْ تُبَشِّرْ، وعَسَّرْتَ ولَمْ تُيَسِّرْ، والرسول ﵊ يقول: ﴿بشِّروا ولا تنفِّروا، ويسِّروا ولا تعسِّروا﴾ وأرسل أبا موسى ومعاذاً إلى اليمن، فقال: ﴿بشِّرا ولا تنفِّرا، ويسِّرا ولا تعسِّرا﴾ فربما أنك تريد إقامة أمور ليس هذا وقتها، أو أنك تريد أموراً متأخرة في الدعوة، أو في التنفيذ، جعلتها أولويات، ينبغي لك التدرج والحكمة، فالرسول ﷺ أرسل معاذاً إلى اليمن، فأمره بالتدرج في الدعوة، فكان الواجب عليك وأظنك لا يفوتك هذا أن تتدرج وأن تبدأ معها بالأصول في الإسلام والفرائض، ثم تأتي إلى هذه الجزئيات والنوافل والآداب، والسلوك، فتأخذها تدريجياً على مر الأيام، أمَّا أن تجرعها التكاليف دفعة واحدة وتريد تنفيذها مرة واحدة، فليس هذا بصحيح، قال الأستاذ سيد قطب ﵀ في مقالة -شائقة رائقة، وهي في مقدمة (الظلال) معناها: أن هذا الدين كالشجرة العظيمة، تَنْبُتُ شيئاً فشيئاً، صحيحٌ: أنها تمر عليها الريح، والشمس، وتلفحها الشمس، وربما يعتدي عليها الماء، لكنها تؤسس جذورها، هذا أشبه بالإسلام، ولكن الباطل: كالزرعة التي تنبت كنبت الربيع، تقتلها الشمس، أو يجترفها السيل، أو تحطمها الريح. فأنت في دعوتك وفي غرس الإسلام في بيتك ينبغي أن تغرسه كالشجرة رويداً رويداً حتى ينمو ويترعرع، ويؤتي أكله. أو يكون الخطأ منها، وهذا محتمل فقد تكون هي من بيت ما كان يعرف الإسلام إلا صلاة وعمرة وغسلاً من جنابة، ثم أتت إليك ورأت وضعك إسلامياً، وقرباً من الله ، فأنكرت هذا، فيكون الخطأ منها، فعليها أن تتقي الله، وأن تعينك على نفسها، وأن تتمثل الإسلام، وأن تحمد الله أن الله لم يزوجها سكَّاراً مكَّاراً عربيداً، فيشقيها في الدنيا والآخرة، وهذه هي والله الخسارة أن تتزوج من يصدها عن طاعة الله، وسنة رسوله ﷺ .

стр. 8873

حكم مجلات الأزياء اقتناؤها واستخدامها السؤال هذا سؤال وجَّهَتْهُ إحدى الأخوات تقول: ما حكم تصفح مجلات الأزياء، وتقليد ما بها من موديلات، علماً بأن هذه المجلات تأتي من بلاد الكفر؟ الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً. ليس المحظور أن تأتي هذه المجلات من بلاد الكفر، لكن المحظور مضمون هذه المجلات، وما تحمله من عري، ومن عهر، ومن فجور نسأل الله العافية والسلامة، وإدخال هذه المجلات التي تحمل صور البنات الخليعات بهذه الموديلات من أعظم المنكرات، ومن أعظم الفجور، فلا يجوز إدخالها البيوت. وأما المرأة: فلها بأي نوع آخر أن تأخذ شيئاً، شرط أن يكون مباحاً وحلالاً، ولا يكون محظوراً من الألبسة، كالذي فيه تشبه بالرجال، أو فيه كشف لشيء من العورة، أو تشخيص للجسم بأن يكون شفافاً، فلها ذلك؛ لكن هذه الصور لا تدخلها بيتها، ولا تصطحبها؛ لأنها صور محرمة.

стр. 8874

الجهاد في أفغانستان السؤال وردت مجموعة من الأسئلة تسأل عن: حكم الجهاد في سبيل الله، خصوصاً في أفغانستان، أهو واجبٌ أم فرض عين؟ يقول: وإن كان واجباً فإن والدي لم يسمح لي بالذهاب، فهل أذهب بغير إذنه أم ماذا؟ الجواب أما مسألة الجهاد في أفغانستان، قبل أن أتكلم في الجهاد في أفغانستان وجوباً أو فرض عين، أو فرض كفاية، أقول: على المسلم أن يتنبه لهذه القضية الكبرى، قضية المجاهدين الأفغان، هذه الأمة، الحفنة من الرجال التي خرجت ترفع السيوف؛ لترفع اسم الله على هامات النجوم، ولترغم أنف الكافر بالتراب، على المسلم أن يعيش قضيتهم، كما يعيش قضية الفلسطينيين المسلمين في أرض أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، يعيشها بكيانه، وبدعواته، وبماله، وبتحمسه، وبتوعية الناس لهذا الجهاد المقدس الذي نُفِخَ في الأمة؛ لتعود إلى كرامتها، ومجدها. المجاهدون الأفغان أثبتوا جدارتهم في أكثر من معركة لما استعانوا بالله ، وهم مشكورون ومأجورون، فمشكورون منا شكراً جزيلاً؛ رفعوا رءوسنا بعد أن خجلنا واستحيينا كثيراً، من تَمَهُّن الكافر بنا، واستعباد الكافر لنا، الآن يرفعون (لا إله إلا الله) ويعلنون أنَّ (لا إله إلا الله) لا تزال تتفوق، ولا تزال بإذن الله تعلن انتصارها كلما أُذِّنَ أن (لا إله إلا الله). أما قضية الجهاد في أفغانستان، وهل هو فرض كفاية أم فرض عين؟ فأحيلكم إلى سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين، والشيخ عبد الله عزام، ومن أحيل على مليء فليَحْتَل.

стр. 8875

معنى التطرف والاعتدال السؤال وردت أسئلة تريد توضيح معنى التطرف والاعتدال، وتطلب نصيحة للشباب الملتزمين الذين تُلْحَظُ عليهم بعضُ مظاهر التشدد. الجواب التطرف: له حقٌ وباطلٌ: حقه: أن هناك صوراً من صور التطرف وجدت في صدر الإسلام، وهي الخروج عن السنة، وكلما زاد أحد الناس على السنة خرج، فالسنة بين الغالي والجافي، والخوارج خرجوا عن السنة؛ لأنهم زادوا. أولاً: ما أخذوا إلا بما يوافق ظاهر القرآن من السنة. الأمر الثاني: في قضية الولاء والبراء: والوا أعداء الله، وتبرأوا من أولياء الله، يكفرون علي بن أبي طالب، أحد العشرة المبشَّرين والمشهود لهم بالجنة، ويذبحون عبد الله بن خبيب، ويبقرون بطن امرأته، فيخرج جنينها، ويذبحونه، ويعتذر أحد الخوارج من نصراني أخذ له تمراً من نخلته، يقول: سامحني تمرة لنصراني، ولكنه لا يعتذر من قتل مسلم، ومن تكفير علي بن أبي طالب قدم أهل العراق في عهد ابن عمر، فقالوا: [[يا بن عمر! إذا قتل المحرم بعوضة؟!]] قال: من أين أنت؟ قال: من العراق قال: قاتلكم الله! يا أهل العراق، ذبحتم الحسين بن علي، ابن بنت الرسول ﵊، وتسألونني في بعوضة؟]] فقلة الفكر في دين الله، أو أخذ العبادة منهجاً عملياً بلا علم هو تطرف؛ ولذلك الخوارج لم يدركوا حقائق العلم؛ لمن يكن عندهم فقه في الدين، يصلون ويصومون ويقرءون القرآن؛ لكن ليس عندهم فَهْمٌ ولا فقهٌ ولا حقائق، ﴿تَحْقِرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، وقراءتكم إلى قراءتهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية﴾ إذاً وُجِد هذا؛ لكنه مَحْمَلٌ باطلٌ للتطرف، وهو ما يشُنُّه علينا أعداء الإسلام، أي: لو استقام شباب الإسلام، وأحبوا المساجد، وقاموا يحملون الدعوة الجماعية والفردية، وينشرون كتب الإسلام، وعظمة الإسلام ومَكْرُمات الإسلام يقولون: متطرفون، وهذا خطأ وباطل، وهذه تهمة لا يمكن أن يُرضى بها، والذين وجهوا التهمة، هم اليهود وأذناب اليهود. ولو أني بُليتُ بهاشميٍّ خئولته بنو عبد المدان لهان عليَّ ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني أما الموجود الآن في الصحوة الإسلامية: فصور التطرف قليلة، يلمحها الإنسان من بادئة من الشباب في الاستقامة، يجده أن السنة: وضع اليدين على الصدر؛ لكن هو يريد أن يزيد على السنة، فيضعها على حلقه، وهذا يُخاف عليه أن يختنق، ثم يموت. آخَرٌ: يريد أن يرصَّ قدميه بجانب صاحبه، فيرصعه رَصْعاً، ليس رَصْاً! والرص شيء، والرصع شيءٌ آخر. رجل يُحَاجُّ في البسملة، ويقيم الدنيا في الجهر بها، وبالخفوت بها، وفي الإشارة بالأصبع، والأمهات ذُبِحت في كل مكان. لا نقول لك: تنازل عن الإشارة، فهي سنة، ولا عن البسملة فالإخفات بها سنة؛ لكن أعط كل قضية حجمها، تحجيم القضايا، ومعرفة منازل القضايا من فقه أهل الإسلام، ومن فقه الدعاة، ومن فقه العلماء. وُجِدَت هذه الأمور! وجد شباب يدخلون البيت، وبيوتهم كانت متخلية عن تعاليم الإسلام، فيريد أن يطبق الإسلام بين صلاة الظهر والعصر، فيقاطع أهله، ويتبرأ من أبيه وأمه من أجل سنة من السنن، حق أبيك وأمك أعظم من هذه السنة، فلا بد من إنزال هذه القضايا منازلها، لكن لا تؤخذ أنها صور (متطرفون، متزمتون، مطاوعة) حتى تغطي، لا. إن هذه صور نادرة، ولكن الساحة والحمد لله فيها طلبة علم، ودعاة، وفقهاء، وخير كثير.

стр. 8876

زواج الملتزمة من غير الملتزم السؤال سائلة تقول: ما رأيك في زواج الملتزمة من غير الملتزم؟ وهل تؤيده؟ الجواب غير الملتزم كلمة عامة، يعني: أن تقصد بأنه فاجر لا يصلي، فهذا أمر آخر، هذا خارج عن أبعد حدود الالتزام، وهذا لا يُقبل، فليس ممن يُرضى دينُه وأمانتُه، كما قال ﵊ في الحديث الصحيح في: (الترمذي): ﴿إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته، فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض، وفساد كبير﴾ وفي لفظ: ﴿فساد عريض﴾. أما غير الملتزم: إن كانت تقصد أنه مُخِِلٌّ ببعض السنة، وتعلم أنها تؤثر عليه إن شاء الله، فتتزوجه ولا بأس، بشرط أن يؤدي الفرائض، وأن يكون من المسلمين، فهذا لا بأس أن تتزوج به لتؤثر عليه، وإن شاء الله يكتُب الله النفعَ على يديها بإذنه .

стр. 8877

الغربة في طلب العلم بدون إذن الوالدين السؤال هل تجوز الغربة لطلب العلم، ووالدي لم يوافق على هذا؟ الجواب إذا كان الجهاد لا يُوافَق عليه في أحاديث إلا بإذن الوالدين، فمن باب أولى العلم، فإذا لم يأذن لك أبوك في طلب العلم، فلا تذهب؛ بل اطلب ما حصل لك من العلم، وابْقَ مع والدك؛ لأنه لم يأذن لك، وبرُّ الوالد أعظم من طلب العلم؛ لأن طلب العلم الزائد على الحد الأدنى نافلة، أما علمك الذي تقوم به: صلاتك، وصيامك، فهو واجب، وقد حصل لك إن شاء الله.

стр. 8878

طرق الهداية كثيرة السؤال يقول: هو إنسان يريد الهداية، لكن لم يجد أحداً يساعده في الهداية، فماذا يفعل؟ الجواب سبحان الله! وما لهذه الوجوه، وهذه المساجد، وهؤلاء العلماء والدعاة والمفكرون والمصلحون، لماذا وُضعوا؟ بل سوف تجد إذا وضعت يمينك في يمين أخيك، أو سألت الله الهداية، أو زرت أخاً صالحاً، أو تعرفت على الأخيار والطيبين سوف تجد من يعضدك وينصرك، ويأخذ بناصيتك، ويوجهك توجيهاً سليماً؛ لكنك يمكن أنك وقعت على أناس ليس لهم حظ في هذا الصلاح؛ فتظن أن الناس مثل ذلك، و (الطيور على أشباهها تقع) وبعض الناس لا يوفَّق إلا بأمثاله؛ ولذلك يقولون: دخلت امرأة المدينة المنورة، أظنه في عهد عمر، فرجعت مكة، فقالوا: كيف المدينة؟ قالت: صالحة، وأهلها صالحون؛ يقومون الليل، ويصومون النهار، ويصلون الضحى، وذَكَرَتْ كذا وكذا، وذهبت امرأة أخرى فسألوها عن المدينة، فقالت: ما رأيتُ في المدينة خيراً؛ أهل غناء، ومجون، وعزف، وأهل بُعد عن الله، فسألوا أحد العلماء، فقال: (الطيور على أشباهها تقع) هذه ذهبت إلى صديقاتها من المؤمنات والصالحات، فرأت الناس صلحاء، وهذه ذهبت إلى أمثالها، فرأت من مثيلاتها، فظنت أن الناس كذلك؛ فعليك أن تغير مسارك؛ لترى الهداية والنور إن شاء الله.

стр. 8879

مفهوم الغربة الحقيقي السؤال ما المقصود بالغربة في قوله ﷺ : ﴿بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ﴾؟ الجواب أولاً: كلمة بدأ نُطِقَت عند المحدِّثين: بدأ، بالهمز، ونطِقَت بألفاظ صحيحة: بدا، من الظهور، وبدأ: من الابتداء شيئاً فشيئاً، والبدوّ من الظهور، كما قال عمر بن أبي ربيعة: ولَمَّا قطعنا المِيلَ من بطن رابغٍ بَدَتْ نارُها بيضاء للمتنوِّرِ فإن كان معنى بدا: يعني: ظهر للناس فجأة فكان غريباً، أي: غريب على الأنفس، وغريب على الناس، وغريب في الآفاق؛ لأنهم ما عهدوه، غريب في حكمهم، وفي اعتقادهم وعبادتهم، وفي أدبهم وسلوكهم. وإن كان بدأ، بالهمز، فمعناه: بدأ قليلاً قليلاً، فكان غريباً وأصحابه غرباء، فابتدأوا غرباء مساكين، واحداً فواحداً، حتى اجتمعوا جماعة، فانتهت الغربة. والغربة في أول الإسلام غربة استمرت نسبية حتى قضى عليها النبي ﵊ وأنهاها، وما مات إلا والإسلام عزيز، والكفر هو الغريب، فلما مات بدأ الكفر يمد جذوره. ولا بد أن يتنبه دعاة الإسلام لأمرين اثنين: أولاً: قضية أن الساحة تصفى للإسلام، وأن العالم سوف يكون للمسلمين؛ ليس بصحيح، الكفر لا بد من وجوده، وهذه من السنن الكونية القَدَرية، قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] أي: أن الكثير لا يشكرون الله، لكن لا بد للإسلام من أرض، فلا ينمو في أذهانهم نهاية الكفر كله، ولو أن هذا ما نتمناه ونريده. القضية الثانية: لا يحمل دعاة الإسلام على وجود الغربة أن ينزوون، ويلتفون على أنفسهم، ويقبعون في بيوتهم ويقولون: الله المستعان! ما دام أنَّا غرباء؛ فقد اغترب هذا الدين، ولا نصر لهذا الدين وانزوى هذا الدين، لا هذه نظرية خاطئة؛ لا بد أن يبذلوا جهدهم وجاههم ومالهم وكلماتهم؛ فإن الحق سينتصر بإذن الله.

стр. 8880

قول الشيخ في تفسير (الظلال) السؤال أخٌ يقول: سمعنا لكم قولاً في تفسير (الظلال) نرجو توضيح هذا القول. الجواب كتاب (في ظلال القرآن) للأستاذ سيد قطب: من أحسن الكتب، في ربط القرآن بالواقع، والواقع بالقرآن، وهو يقول عن نفسه: هو لم يرد أن يفسر القرآن، كـ تفسير ابن كثير، لكن أحاسيس ونسمات وخواطر عاشها هذا الرجل؛ ولا بد أن نعرف للمحسن إحسانه فنقول: أحسنت، وللمسيء إساءته فنقول: أسأت، هذا الرجل كتب كتابه وهو يتدفق معانياً كأنه يقطر من دمه، أو كأنه يكتبه برَوح وريحان، يعرف ذلك من يقرأ الكتاب، شهد له علماء الإسلام بقوته وحرارته، وشهدت قلوبنا بصدقه في كلماته، فقد عاش مجاهداً وصادقاً وداعية، أما من حيث الكلمات التي وردت في الكتاب، فليعلم السائل أن كل كتاب غير كتاب الله لا بد أن يدخله النقص، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] قرئت الرسالة على الإمام الشافعي خمسين مرة قال: [[خمسين مرة ما من مرة إلا أزيد وأنقص في هذا الكتاب؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢]]] فالعصمة لكتاب الله، أما كتب البشر فكتبها بشر؛ وهناك مواضع نَبَّه عليها بعض المحدثين وقع فيها الأستاذ سيد قطب بشيء من عمد أو بغير عمد فغفر الله له؛ لكن محاسنه كثيرة. وإذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍ جاءت محاسنُه بألفِ شفيعِ فمن الناس من تنغمر سيئاتهم في بحار حسناتهم، ومن الناس من تنغمر حسناتهم في بحار سيئاتهم؛ فهذا الرجل أسأل الله أن ينغمر في بحار حسناته، وأن نحكم على الناس بقوله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦]. أقِلُّوا عليهمُ لا أباً لأبيكمُ مِن اللوم، أو سُّدوا المكان الذي سَدوا

стр. 8881

الاستهزاء بالدين وكيفية مواجهته السؤال يقول السائل: كثر الغرباء، وكثر المستهزئون بالدين كما ذكرتُم، كيف لنا أن نواجه المستهزئين، خصوصاً وأنهم إما إخوة، أو آباء أو أمهات؟ وهل يجوز أن نستخدم الشدة معهم إلى أن يستجيبوا لنا؟ الجواب أولاً: مما يُطرح للدعاة -وهذا أمر معروف- أن اللين مطلوب، كلُّ حكمةٍ لِيناً، ولا كلُّ لِيْنٍ حكمةً، فالله يرسل موسى ﵇ إلى أكبر طغاة الأرض، (إلى فرعون) فيقول له: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ [طه:٤٤] أي: لفرعون الذي مزق الأعراض، وداس التاريخ ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] قولاً ليناً أي: أن تكنيه بكنيته، وكنية فرعون -كما قال سفيان الثوري، عند ابن كثير - أبو مُرَّة مرر الله وجهه في النار، فيقول موسى: يا أبا مُرَّة ذلك لفرعون، فما دام هذا الخطاب لفرعون فكيف بأحبابنا، وأهلنا، وجيراننا؟ أما مسألة الاستهزاء: فهذه حقيقة من الحقائق، وهي سنة من سنن الله أن يوجد من يستهزئ بالمستقيمين، وبالملتزمين قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١] قال ابن تيمية: هادياً يهدي قلبه، ونصيراً ينصره في شريعته، أو في سيرته أو كما قال. هذا أمر، فإذا تكفل الله لك بالهداية والنصرة، فما عليك ممن يستهزئ بك من الناس، فإنك على خير، لكن ليعلم هذا المستهتر أن هذا الاستهزاء يؤدي به إلى الكفر كما قال : ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] لأنك تستهزئ أيها المستهزئ بالإسلام بمحمد ﷺ ، بالرسالة الخالدة، بـ الكعبة المطهرة، بهذا الكيان العالمي الذي تركه ﷺ . ثم أنبه الإخوة ألا يجعلوا للناس طرقاً إلى أن يستهزئوا بنا؛ السنة معروفة، وهي جمال وكمال وجلال؛ لكن إذا تجاوزنا السنة، أو زدنا على السنة، أو نزلنا عن السنة، استهزأ بنا الناس، الثوب كما تعرفون إلى نصف الساق، ولك إلى ما فوق الكعبين، لكن أن تجعله إلى الركبة فهو فَنِيْلَة، وليس بثوب فيُعذَرُ الناسُ إن استهزءوا، وهذا معروف فالسنة لا يستهزئ بها أحدٌ، لكنك لا تجد من يستهزئ إلا إذا تجاوز الإنسان، إما خرج طولاً أو عرضاً.

стр. 8882

الحث على التبرع للمجاهدين في أفغانستان السؤال نرجو من فضيلة الشيخ حث الإخوة على التبرع، للإخوة المجاهدين في أفغانستان، خصوصاً وأنه يوجد الآن على الأبواب بعض الإخوة المستعدين لاستقبال التبرعات. الجواب وأنا بدوري أسأل الله أن تكون في ميزان الحسنات؛ لأن أولئك جاهدوا بدمائهم، وجاهدوا تحت حرارة الشمس، وعلى الرمضاء، ومع الجوع والظمأ، ونحن إذا تكلمنا تكلمنا في مكان طيَّب نقي نزيه، فنحن ندعو أنفسنا وإياكم إلى التبرع لهؤلاء المسلمين المجاهدين في أفغانستان، علَّ دراهمك هذه أن تقتل عميلاً شيوعياً، أو معادياً لله ، أو ترفع كلمة (لا إله إلا الله) وما يدريك لعلها نجاتك إن شاء الله.

стр. 8883

حكم المساهمة في الشركات السؤال يقول السائل: كما تعلمون كَثُرَتِ الشركاتُ والمؤسساتُ، سؤالُنا: ما حكم المساهمة في تلك الشركات والبنوك والمؤسسات؟ الجواب هذا سؤال مركب، ليس بسيطاً. أما البنوك: فإن كانت ربوية؛ فلا يجوز التعامل معها. وأما الشركات: فإن كانت مساهِمة على نظام المضارَبة في الإسلام؛ فجائز، وإن كان على النظام الربوي فحرام، والفرق بين المضاربة والربا: أن الربا يشرط لك الفائدة والربح، والمضاربة: أنت وحظك، أو أنت ورزق الله لك، إن خَسِرَتِ الشركةُ خَسِرْتَ، وإن رَبِحَتْ رَبِحْتَ، وهذا نظام المضاربة، ولا بأس بالمشاركة فيها.

стр. 8884

ترحيب بالشيخ وقصيدة في الشيخ/ ابن باز السؤال أخٌ عَبَّر عن مشاعره بحضور الشيخ إلى هذا المسجد، بقوله شعراً: حللت أهلاً يا أُخَيَّ ومرحباً في مسجد الفاروق (قد) حققت المنى في كِلْمة للنصح قد أهديتَها لقلوبِ قومٍ زادها حُبُّ لنا فجزاك ربُّ العالمين بعدلِه وجزاك عن قولٍ فصيحٍ قد سنا وأخٌ يطلب القصيدة التي قلتموها في فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز أطال الله عمره في طاعة الله. الجواب أما الأخ هذا الذي رحَّب، فحياه الله وبياه، وقد زاد في البيت الأول قد, وهي تحذف؛ لأنها كسرت البيت، فأصبحت كالآجرة أو كالصخرة وسط الجدار، فعليه أن يحدف (قد). وأنا أرد عليه أقول: يا رياض الخير قد جئتُ وفي جُعبتي أبها بلقياكِ تسامى حَلَفَتْ لا تشرب الماءَ ولا تأكل الزادَ ولا تلقى مناما أو ترى الأحبابَ في نجد فإن لم تجدْهم صار ممساها حراما أنا قد أحببتُكم في الله ما كان حبي في سواه يتعامى وأما قصيدة سماحة الشيخ فتكررت كثيراً، لكن: كرِّرِ الفن يا جميلَ المُحَيَّا وتدبَّره فالمكرَّرُ أحلى أو العلم، هذا فن الإسلاميين، لا فنُّ المغنِّين والمغنيات، والماجنين والماجنات، فهم لا يعرفون الفن، ولا الجمال، ولا الحب، ولا الطموح. قاسمتُك الحبَّ مِن ينبوعِه الصافي فقمتُ أنشدُ أشواقي، وألطافي لا أبتغي الأجرَ إلا مِن كريمِ عَطاً فهو الغفورُ لزلاَّتي، وإسرافي عفواً لكَ اللهُ قد أحببتُ طلعتَكم لأنها ذكَّرَتْني سَيْرَ أسلافي يا دَمْعُ، حَسْبُك بُخلاً لا تجودُ لِمَنْ أجرى الدموعَ كِمِثْلِ الوابِلِ السافي يا شيخُ يكفيكَ أن الناس قد شغلوا بالمغرياتِ وأنتَ الثابتُ الوافي أغراهمُ المالُ، والدنيا تجاذبُهم ما بين منتعِلٍ منهم ومِن حافِ مجالسُ اللغو ذكراهم وروضتُهم أكلُ اللحوم كأكلِ الأغطف العافي وأنتَ جالستَ أهلَ العلم، فانتظَمَتْ لكَ المعالي، ولَمْ تُولَعْ بإرجافِ بين (الصحيحين) تغدو في خمائلها كما غدا الطَّلُّ في الرافي تشفي بفُتياكَ جَهْلاً مُطْبِقاً وترى من دقَّةِ الفهمِ دُرَّاً غير أصدافِ إلى آخرها.

стр. 8885

فضل العلم وطلبه السؤال أخٌ يقول: من المعروف فضل العلم، وفضل طلبه والإخلاص فيه؛ لذا نريد منكم التكرم بإلقاء كلمة في ذلك، وذكر بعض مذاكرة السلف للعلم ومراجعته، وكذلك مذاكرتكم أنتم للعلم، ومن دل على خير فله أجر فاعله. الجواب هذا السؤال يحتاج إلى محاضرة كاملة، ولكن يُجاب عليه بمجمله، وهو أن الله حث على فضل العلم، ويكفي شرفاًَ لطلبة العلم أن يقول : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨] ويقول: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤] وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ﴾ [القصص:٨٠] وقال: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] إذا علم هذا؛ فطلب العلم من أعظم القربات بعد الفرائض إلى الله ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] وحق على المسلم أن يبذل جهده وطاقته في طلب العلم، وخاصة الدعاة الذين يتصدون إلى دعوة عباد الله ، يقول أبو إسحاق الألبيري يوصي ابنه بطلب العلم فقال: هو العضب المهنَّدُ ليس يَنْبُو تصيبُ به مضاربَ مَن أردتا وكنزٌ لا تَخاف عليه لِصاًَ خفيفُ الحملِ، يوجَد حيثُ كنتا يزيدُ بكثرة الإنفاق منهُ وينقُص إن بِه كفَّاً شددتا فبادِرْه، وخذْ بالجُهد فيهِ فإن أعطاكَهُ الله انتفعتا وإن أوتيتَ فيه طويلَ باعٍ وقال الناس: إنك قد رأستا فلا تأمن سؤالَ الله عنهُ بتوبيخٍ: عَلِمْتَ فهل عَمِلْتا ثم يقول: إذا أرداكَ فَهْمُكَ في مَغاوٍ فليتَك ثم ليتَك ما فَهمتا

стр. 8886

نصيحة لولاة الأمور لتسهيل الزواج السؤال أخٌ يقول: لو أسديتم نصحاً لولاة الأمر لتسهيل أمور الزواج؛ لأن غلاء المهور يُعْتَبر من الأسس التي تثقل كواهل الشباب فالشاب يحتاج إلى عمر طويل لبناء بيت الزوجية. الجواب وأنا أشارك السائل في دعوة ولاة الأمور أن ينتبهوا لهذه المسألة بوسائل، إلى أن يخفف على الشباب، وعن كواهلهم هذه المبالغ الباهضة التي أحبطت المسعى، وكان من نتائجها: أن تنتشر الفاحشةُ والانحرافُ بين الشباب والشابات، فحُق على كل مسئول أن يسعى في تسهيل هذه المهمة ليكون الزواج مُيَسراً ومُسَهَّلاً، والله من وراء القصد.

стр. 8887

سنة صلاة العشاء السؤال السائلة تقول: لاحظَت أن بعض النساء في المسجد، بعد أذان العشاء مباشرةً قُمْنَ وصَلَّيْنَ، فنحن نعلم أنه ليس قبل العشاء سنَّة، ولكنا لا حظنا هذه الظاهرة كثيراً. فنرجو توضيح الأمر منكم للسائلة ولَهُنَّ. الجواب قبل صلاة العشاء، ليس هناك سنة راتبة، لكن حديث عبد الله بن مغفل المزني في: (صحيح البخاري): يقول ﷺ : ﴿بين كلِّ أذانَين صلاة، بين كلِّ أذانَين صلاة، بين كلِّ أذانَين صلاة لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة﴾ فالمرأة التي قامت لا يُعنَّف عليها، ولا يُعابُ عليها، فهي على سنة، لكن ليست هذه السنة الراتبة، وإنما هي نافلة تَنَفَّلَتْها، وقد أصابت على حسب الحديث، ولو جَلَسَتْ تستمع الذكر أو العلم كان أحسن لها وأنفع.

стр. 8888

الفرق بين غربة الدين وغربة الوطن السؤال يقول: ما الفرق بين غربة الدين وغربة الوطن والأهل؟ وما معنى الإسلام بين غربتين؟ الجواب غربة الوطن، هي غربة الترابيين الماديين؛ أهل الطين والحجارة، وأما المسلم وطنه كل وطن للإسلام. وأينَما ذُكِرَ اسمُ الله في وطنٍ عَدَدْتُ ذاك الحمى مِن صُلبِ أوطاني كل سماء في السماء لنا، وكل أرض في الأرض لنا نحن المسلمين، فليس هناك غربة وطن، ولو أنها تسمى لغوياً، وتداولت بين السلف، وبكاها الشعراء؛ لكنها غربة تنبي عن قلة الهمم. أما غربة الدين: فهي التي يتوقد لها الإنسان حماسة، ويقوم بمواصفات هذه الغربة، وكيف يعيش الغربة وغربة الأهل: غربة الأهل وردت؛ لكنها غربةٌ نسبيةٌ بسيطةٌ، تطلَقُ في اللغة، أما الغربة إذا أطلقت إطلاقاً عاماً فهي غربة الإسلام، القضية الكبرى، رسالتك في الحياة، دمك، ومجدك، وعظمتك هو هذا الدين.

стр. 8889

الزواج برجل تارك للصلاة السؤال أختٌ تقول: تزوَّجَتْ من رجل ترك الصلاة، وعلمت بعد ذلك أن عقدها باطل، وقد أرادت تجديد العقد، فلما طلبت من ولي أمرها رفض ذلك، وقال لها: هؤلاء الأولاد الذين جاءوا منكما ما الحكم فيهم؟ زاعماً عدم صحة الحكم، فماذا تفعل؟ هل يكفي أن تجدد عقدها بولاية ابنها، وعمره: (١٩) عاماً؟ ثم ما الحكم فيما مضى من عمرها معه؟ هل عليها شيء ما إذ أن زوجها تاركٌ للصلاة طوال تلك المدة، ولم تنفصل عنه؟ والآن صار يصلي والحمد لله؟ الجواب هذه المسألة خلافية، وأنا أعتذر من الإجابة عن هذا السؤال؛ لأن فيه خلافاً كثيراً، وهو يعود إلى أصل أصيل في التفسير، وقد علمَ من فتاوى كثير من أهل العلم أنه مضطرب، لكنه يحتاج إلى تحرير، وإلى إجالة نظر، وإلى ترتيب في الأفكار، حتى لا يجابَ على عجالة، فيترب على ذلك إلزامات قد تضر.

стр. 8890

اختيار الزوج من قبل أولياء الأمور السؤال ما توجيهكم لأولياء الأمور من حيث الحرص والتأكد من استقامة الدين؛ من حيث الصلاة خصوصاً؟ الجواب مرَّ هذا ﴿إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته، فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ مرَّ هذا، وأن عليه -ولي الأمر- أن يتقي الله في ابنته، ألا يزوجها إلا مسلماً يريد الله والدار الآخرة.

стр. 8891

حكم وجود الخادمة الكافرة في المنزل السؤال ما حكم وجود الخادمة في المنزل؟ الجواب المسلمة: أمرها سهل، لكن بشرط ألا يُنظر إليها، وتكون محجبة مع وجود ذي محرم لها، فإذا تعذر ذلك، كانت في مكان خاص لا يكشف عليها الرجل أبداً، وهذه الخادمة لا تدخل إلا لضرورة، كأن تكون المرأة مريضة، أو لا تستطيع الخدمة في البيت من طبخ ونحوه، أو مشغولة بتدريس أو تعليم، فللزوج ذلك، وحبذا أن تكون مسلمة. والكافرة: لا أعلم تفريقاً، خاصةً إذا كانت كتابية، لا أعلم تفريقاً بينها وبين المسلمة؛ لأنه يتزوج بها، والزواج أعظم، لكن في الخدمة تأخذ حكم المسلمة -فيما أعرفه- وتدخل بشرط الحجاب، والتستر عن عين هذا الرجل؛ لأنه أجنبي عنها، وإذا وُجد المحرم فهو جيد، بشرط الضرورة.

стр. 8892

استخدام اليهود والنصارى السؤال فضيلة الشيخ! هذا الحديث خاص باليهود والنصارى في الاستخدام، ولكن هناك ناس يستخدمون غيرهم من الكفار. الجواب لا يجتمعان ديناً، لكن استخدام أهل الكتاب وارد، والزواج من أهل الكتاب وارد، وأكل لحوم أهل الكتاب وارد، وقد ورد أن كثيراً من الصالحين، من السلف استخدموا أهل الكتاب.

стр. 8893

الانتقادات الخاطئة عند الشباب السؤال مِن الناس مَن إذا رأى اهتمام الشباب بكتب السلف قال: تريدون أن تخرجوا ديناً جديداً، ومِنهم مَن يُشَكِّك في دُور النشر، وأنها للتجارة، ويقول لأصحاب التسجيلات: غرضهم للتجارة، ما نصيحتكم لهؤلاء؟ الجواب أما الذي يُشَنِّع على الشباب إن عادوا إلى كتب السلف: فهو المشَنَّع عليه (رمَتْنِي بدائها وانسَلَّتْ) بل من أصالة طالب العلم أن يعود إلى كتب السلف، والضعف، في بعض شباب الإسلام: إما أن يتجه إلى العلم المؤصَّل، وهو مطلوبٌ في أي زمان ومكان، لكنه ينفصل عن الواقع تماماً، فلا يعيش مشكلات العصر، ولا ما يُطرح في الساحة، ولا ما يُورَد على المسلمين، فيبقى مبتوراً من المجتمع، أو يعيش في معرفة الواقع، وينقطع عن كتب السلف، فيبقى ضعيفاً هزيلاً، لا يمكن أن يجد الحلول لهذه المشكلات. أما كتب دُور النشر والطباعة، وأنها تريد المال: فإنما الأعمال بالنيات، وإذا أرادت المال: فمَن مَنَعَها؟ المال تجارة ويُطلب، لكنه ليس لهم أجر عند الله حصل أجرهم بكتبهم هذه، وبيعها، والمؤلف الذي يؤلف ليحصل مالاً حصل له المال ولا يحصل له أجرا. كذلك التسجيل: فالأعمال بالنيات، إن أرادوا نشر الشريط الإسلامي والدعوة وتسهيل العلم؛ فلهم مرادهم وأجرهم، وإن أرادوا التكسُّب فلهم كسبهم، لكن ليس لهم أجر إلا بنسبة ما أرادوا به الأجر من الله .

стр. 8894

الرد على من يقول: إن الإسلام دين رجعي السؤال فضيلة الشيخ، بعضهم يقول: إن الإسلام رجعي، فبم نرد عليه؟ الجواب يقول الأخ: إنهم يقولون: الإسلام دين رجعية؛ لا يقول هذا إلا المتخلف، صاحب الفكر العفن، وإلا فهو لا يعرف الإسلامَ، وما درى عن الإسلامَ، وأكثر من يشنع على الإسلام الآن: نعرفهم والله، أحدهم لا يجيد قراءة الفاتحة، ولا يعرف كتاباً، يقرأ فيه على حله وترحاله، ولا يعرف حتى سيرة كثير من عظماء الإسلام، ولا يعرف أثر الإسلام في سلوكه وأدبه ومعتقداته وعبادته هذا بدائيُّ، يَهْرِفُ بما لا يَعْرِف، وعليه أن يتعلم قبل أن يتكلم.

стр. 8895

كثرة الوقوع في المعاصي وعلاج ذلك السؤال شابٌّ يشكو من كثرة وقوعه في المعاصي، كلما هرب منها رجع إليها مرة أخرى، خصوصاً مشاهدة المسلسلات التمثيلية في التلفزيون، وغير ذلك. الجواب الأخُ يشكو من كثرة المعاصي، وكلنا ذاك الرجل، ونحن مبتلَون بالمعاصي؛ لكن يجب أن نتقي الله ، وهناك حصون، منها: الحصن الأول: كثرة النوافل كما أسلفتُ. الحصن الثاني: التوبة. الحصن الثالث: الاستغفار. الحصن الرابع: صحبة الصالحين. الحصن الخامس: التخلي عن المعاصي، كالنظر، وسماع الغناء، ورفقة الأشرار. لكنني أنصحك كثيراً بالابتهال إلى الله أن يهديك سواء السبيل، والإكثار من قراءة القرآن.
следующие страницы →