← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 9101–9140 · переход к 9106.

стр. 9101

العلم الخشية أعظم ثمرة في الإسلام للعلم وللمعرفة وللثقافة وللاطلاع: خشية الله ، فالذي لا يخشى الله ؛ فليس لعلمه ولا لثقافته ولا لاطلاعه نفع ولا فائدة، وإنما يزيده كثرة العلم عمى وضلالة كما زاد اليهود والنصارى، فالذي لا يستفيد من علمه ولا من تحصيله واطلاعه، ولا من ثقافته ومعرفته، ولا من شهادته خشية لله فكأنه يتأخر، وكأنه ينقطع من حبل الله ، وكأنه نقض الميثاق مع الله ، ولذلك يقول جل ذكره: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] فالذي لا يخشى الله ليس بعالم ولو كان يحفظ نصوص الدنيا، ولذلك يوجد منافقون في هذه الأمة يحفظون القرآن كالماء، كما ذكر ذلك ابن تيمية وغيره. يوجد من المستشرقين الكفرة من يحفظ القرآن، حفظوا القرآن ليعرفوا الثقافة الشرقية ويردوا على رسالة الإسلام، ويوجد بعض الفسقة والفجار يحفظون القرآن والحديث؛ لكن أثر الخشية المطلوب ليس فيهم؛ لأنهم لا يريدون الاستقامة، ويوجد في أهل الصلاح وفي أهل الخير وولاية الله من الذين هم السابقون الأبرار من لا يحفظ إلا سوراً من القرآن، ولذلك يذكر ابن القيم: أن حفظ القرآن هو العمل به، وهو أعظم مدلول للحفظ ولو لم تحفظ نصوصه، وأن أعظم تضييع له هو تضييع العمل به، لأن ابن مسعود ﵁ يقول كما في الموطأ: [[إنكم في زمان كثير فقهاؤه، قليل خطباؤه، كثير من يعطي، قليل من يسأل، يحفظون حدود القرآن ويضيعون حروفه، وسوف يأتي زمان كثير خطباؤه، قليل فقهاؤه، كثير من يسأل، قليل من يعطي، يحفظون حروف القرآن ويضيعون حدوده]]. ولذلك تجد من بعض الناشئة من يحفظ كثيراً من القرآن أو كل القرآن ولا يصلي مع الناس في المسجد، وتجد منهم من يحفظ كثيراً من القرآن ويعق والديه، ويقطع رحمه، ويلعن ويشتم، ويتعدى حدود الله، ويقترف المعاصي والذنوب بلا حدود ولا انتهاء، فثمرة العلم هي الخشية. وإنما قلت هذا لأن أعظم ما يجعلنا نسوق قصص السلف الصالح سلام الله عليهم أننا نأخذ منهم أنهم عملوا بعلمهم، وقصصهم بلسم للقلوب ودواء وشفاء بإذن الله وراحة، مثل عمر وابن عباس يوم ذكرناهما ﵄، العامل الكبير الذي يقدمهم على كثير من الناس هو الخشية لله وليس كثرة العلم. تصور عمر بن الخطاب يوم يظلم عليه الليل وهو في الليل الدامس فيأتي ﵁ وأرضاه -كما تقول عاتكة بنت زيد: [[فلا ينام الليل، يأخذ عنده تور من ماء فيغسل وجهه كلما ضمه النوم كالطائر، ثم يهلل ويكبر حتى ينتصف الليل فيقوم يصلي ويبكي حتى الصباح، فتقول له زوجته: يا أمير المؤمنين لو ارتحت! أفي النهار مكدود متعوب وفي الليل مكدود متعوب؟ قال: لو نمت النهار لضاعت رعيتي ولو نمت الليل لضاعت نفسي]] عمر بن الخطاب ﵁ يسمع سورة الصافات من أبي بن كعب وهو يقرأ على الناس: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٥ - ٢٦] فيهوي على وجهه حتى يحمل من المسجد ويبقى شهراً كاملاً، يقول ابن كثير: فيزار في البيت. يقول عطاء: [[والله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت ابن عباس جفناه كالشراكين الباليين من كثرة البكاء، ولقد رأيته ليلة من الليالي يصلي من صلاة العشاء إلى الفجر وهو يبكي ويردد قوله : ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [النساء:١٢٣]] فأعظم ما نستفيد منه في هذه الجلسات ومن الدراسة والمحاضرات ومن الاطلاع في الكتب الخشية، وإلا فوالله لو كان الأمر فقط بزيادة معلومات فلقد غلبتنا أمم كثيرة عندهم ثقافات ويقرأون من الكتب أكثر مما نقرأ، ولذلك تجد بعض الأمم كالأمريكان يقرأون الساعات الطويلة، العجوز منهم يركب الحافلة والطائرة والقطار وهو يقرأ كتاباً في يده، ينتظر زميله وهو يقرأ كأنه يعد للجنة بينما هو يعد للنار ويهوي في النار على وجهه، ونحن أمة الرسالة والمعرفة والتي أراد الله أن نكون أمة الخشية والإنابة ليس هناك إلا من رحم ربك ، فالذي ندعو أنفسنا وإياكم إليه أن تكون ثمرة هذا الجلوس والتراجم والأحاديث والندوات والدروس خشية لله ، واتصال به، وزيادة في العمل الصالح وتوبة من السيئات وإنابة إليه. أسأل الله أن يثبتني وإياكم على الحق، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل، وأن يتولانا وإياكم في الدارين، وأن يحسن عاقبتنا في الأمور كلها، ربنا تقبل منا أحسن ما عملنا، وتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون. وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 9102

الممتاز في مناقب ابن باز في هذا الدرس بعض صفات العلامة ابن باز، وبديعات مناقبه، وغزارة علمه، وعليات أخلاقه وسماته، وأعماله ومجالاته، مروراً بالتعريف بشخصه ونشأته وطلبه للعلم، خالصاً من ذلك أن شخص الإمام ابن باز يتمثل فيه شخصية الرجل العالم بدينه، العارف بأحول عصره ومصره، الشفيق على أمته، القريب منهم، فحقاً إنه لبقية السلف فلا زالت رحمات الله عليه وابلة ونفحاته إليه واصلة.

стр. 9103

تعريف بالإمام ابن باز الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، وسيد المتقين، وعلى آله وصحبه والتابعين. عنوان هذه المحاضرة: الممتاز في مناقب ابن باز " وكانت آخر محاضرة بعنوان أبو بكر في عصر الذرة، ﵁ وأرضاه.

стр. 9104

أسباب اختيار موضوع التعريف بابن باز وأنطلق في هذه المحاضرة" الممتاز في مناقب الشيخ/ ابن باز " من خمس قواعد: القاعدة الأولى: قاعدة ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] فنثبت الليلة فضل أهل العلم، ومالهم من مكانة بما ورثوه من معلم الخير ﵊. القاعدة الثانية: قاعدة ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] لنرد الأمة إلى علمائها وإلى مثقفيها ومفكريها. القاعدة الثالثة: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ونثبت للناس أنهم أقرب الناس إلى الله إذا عرفوا الكتاب والسنة، وكلما ازداد الإنسان علماً ازداد من الله قرباً. القاعدة الرابعة: العلماء ورثة الأنبياء، فإذا هم الذين يحملون ميراث محمد ﵊، ويبلغونه للناس، وهم أمناء على رسالته، وعلى ميراثه وعلى تركته ﵊. القاعدة الخامسة: قوله : ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] فإذا هم أهل الفقه والاستنباط، وأهل الفهم الدقيق لمعاني (قال الله وقال رسوله ﵊. وقد يسأل سائل -وقد حدث هذا السؤال قبل المحاضرة-: ما الفائدة أن تخبرنا بسيرة شيخ شهير وخطير وكبير عرفناه وعرفه الأطفال والنساء والكبار؟ قلت: الفائدة من ذلك ثلاثة أشياء: أولاً: نحن نعيش فترة حرجة يجب علينا أن نلتف فيها حول علمائنا، وأن نعرف قدرهم ومكانتهم، ومن أئمتهم سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز. ثانياً: توثيق الصلة بين الجيل وبين العلماء فجيل بلا علماء جيل ضائع متهور طائش، وعلماء بلا جيل لا مكانة لهم، فإذا التقى العلماء والجيل كونوا مسيرة خالدة وصحوة مباركة، وهي المقصودة بإذن الله. ثالثاً: الذب عن أعراض الصالحين، فأنا أحتسبها هذه الليلة لترم بي المنايا حيث شاءت إذا لم ترم بي في الحفرتين أحتسب ذلك ذباً عن الشيخ وعن عرضه؛ لما سمعت من بعض المتعجلين الذين ما أوتوا بصيرة ولا تقوى إذ وقعوا فيه، ومعنى ذلك: أن نضرب على الدماغ مباشرة، وألا يبقى لعلمائنا مكانة فأنا محتسب أجرها على الله، عل الله أن يكتبها في الحسنات. وسوف أبحر بكم هذه الليلة مع ربان العلم والحكمة، وأستاذه سماحة الشيخ؛ لنعرف؛ لا عرفان من يعرف مجملاً من حياته، ولا أين ولد ومتى ولد، وماذا يأكل وماذا يشرب فهذا تاريخ الأموات، لكني سوف أتحدث هذه الليلة عن تاريخ الأحياء. ومن الأسباب التي دعتني لهذه المحاضرة: ألا يقول قائل: ذهب العلماء والصالحون، ولم يبق في الناس بركة فنقول: لا. بل بقي فيهم خير، وقد صح عنه ﵊ عند أحمد وغيره أنه قال: ﴿أمتي كالسيل لا يدرى الخير في أوله، أو في آخره﴾ فلا زال فينا علماء وأدباء وشهداء وشعراء وصالحون وأخيار، فهي أمة معطاءة تنتج كل حين ما دامت متمسكة بكتاب الله وسنة رسوله ﵊.

стр. 9105

نسب الشيخ وأسرته كنية الشيخ: أبو عبد الله وهي كنية المحدثين، وكان البخاري والشافعي ومالك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل كلهم أبو عبد الله. واسمه: عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن باز؛ أحد الثلة المتقدمة في العلم بالشرع الإسلامي المنزل على خاتم الرسل عليهم الصلاة والسلام، والممثل في شخصه الكريم مشيخة الإسلام في هذا العصر، والذي وصف بإمام أهل السنة في هذه الفترة؛ المحدث الأثري الفقيه النابغة، مفتي الديار أثابه الله وحفظه. ولد في الرياض عاصمة المملكة، في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة عام ثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة، في أسرة في مجموعها صلاح، ويغلب على بعضها الاشتغال بالزراعة، وبعضها بالحرف، وبعضها علماء. هم القوم يروون المكارم عن أبٍ وجدٍ كريمٍ سيدٍ وابن سيد وهزتهم يوم الندى أريحية كأن شربوا من طعم صهباء صرخد ومن أسرته -حفظه الله- الشيخ/ عبد المحسن بن أحمد آل باز؛ تولى القضاء بـ الحلوة، والإرشاد في هجرة الأرطاوية في قبيلة مطير، ومنهم الشيخ المبارك/ ابن عبد المحسن؛ تولى القضاء في بلدان كثيرة كـ الطائف وبيشة وحريملة والحلوة.

стр. 9106

نشأته وطلبه للعلم نشأ الشيخ على رسالة الرسول ﵊، ورضع ثدي النبوة على لا إله إلا الله، وأشرقت نفسه على رسالة الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب مجدد التوحيد في الجزيرة وفي كثير من أنحاء العالم الإسلامي، فأخذ العلم أولاً على يد المشيخة، فحفظ كتاب الله ، وأتاه عمى العينين فازداد قلبه بصيرة، وما ضره عمى عينيه بل زاد حفظاً وورعاً وعلماً يقول أحد الشعراء العرب وقد عمي صغيراً: عميت صغيراً والذكاء من العمى فجئت همام القلب جم المشاعر وأنزلت في قلبي سواد محاجري فما خفت في الدنيا سواد المخاطر يقول: السواد الذي في عيني أنزلته في قلبي واستفاد الشيخ من العمى أموراً أربعةً: أولها: الأجر والمثوبة من الله إن شاء الله ففي صحيح البخاري في الحديث القدسي أن الله يقول: ﴿من ابتليته بحبيبتيه فصبر عوضته عنهما الجنة﴾ والمقصود بالحبيبتين: العينين، وكانوا يقولون لـ يزيد بن هارون الواسطي -وهو سيد المحدثين، وقد سئل عنه ابن تيمية فقال: هو أشهر من أن يذكر، وأكبر من أن يتكلم فيه- قيل له: أين العينان الجميلتان؟ قال: أذهبهما -والله- بكاء الأسحار. ثانيها: الذكاء المفرط فالشيخ حافظ العصر في علم الحديث، واسأله في حديث عند الستة أو عند غيرهم؛ فستجده في الغالب مذياعاً فصيحاً يستحضر سنده ومن تكلم فيه ورجاله وشرحه. فأتوني من أهل العيون المبصرة من يكون كالشيخ في علمه وابن اللبون إذا ما شد في قرنٍ لم يستطع صولة البزل القناعيس عذرت البزل إن هي قارعتني فما بالي وبال ابن اللبون ثالثها: استفاد الشيخ من عمى عينيه إغفاله مباهج الدنيا وفتنتها وزينتها، فزهد وجمع قلبه على الدار الآخرة، وعلى التواضع والاستكانة لله، ولم يتشتت قلبه. رابعها: استفاد من مركب النقص في العينين أن ألح على نفسه وحطم نفسه بالجد والمثابرة حتى أصبح من العلماء، وهذه قضية معروفة، ومن قرأ منكم كتاب" دع القلق وابدأ الحياة " لـ دايل كارنيجي وهو يتحدث عن ماذا فعل من أصيبوا بعاهات في الدنيا، وكيف أنتجوا؛ أخبرك أن مكتشف علم كذا وكذا كان أصم، ومكتشف علم كذا كان أعمى، ولك أن تراجع الفصل الثالث عشر في هذا الكتاب. واستمر الشيخ يطلب العلم بعد أن فقد عينيه، ولكن قلبه يزداد نوراً، وعوضه الله بذكاء في القلب يقول أحد الشعراء: رأيتك أعمى العين صار ضياؤها بقلبك حتى صرت فجراً مبلجاً فصار سواد العين في القلب فاغتدى ينظم من نور الشريعة منهجاً وقيل لـ ابن عباس -عالم الدنيا- وقد عمي: أحسن الله عزاءك في عينيك. إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي فؤادي وقلبي منهما نور عقلي ذكي وقلبي غير ذي عوج وفي فمي صارم كالسيف مشهور وقد تقلى الشيخ علومه على يد مشايخ فضلاء، ومن أبرز مشايخه -حفظه الله ورعاه- الشيخ/ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ؛ من الأسرة العامرة الموجهة الخيرة، والشيخ/ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ قاضي الرياض، والشيخ/ سعد بن حمد بن عتيق قاضي الرياض؛ العز بن عبد السلام في هذا العصر، والشيخ/ حمد بن فارس وكيل بيت المال في الرياض، والشيخ/ سعد وقاص البخاري؛ من علماء مكة أخذ عنه التجويد، وسماحة الشيخ العظيم الجليل/ محمد بن إبراهيم آل الشيخ؛ المفتي الأجل، لازمه عشر سنوات، واستفاد منه فوائد باهرة. هؤلاء مشيخة الشيخ، وتستمر الحال بالشيخ، فلا يفتر ليل نهار يبحث عن العلم ويطلبه من مظانه، وفي حياته درس على أن الإنسان بإمكانه مع الفقر والعمى والعوز -إذا صدق مع الله- أن يحصل علماً، وأن يستفيد إذا صدق قلبه ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]. يقول الشوكاني عالم اليمن: كنت في أثناء الطلب متهاوناً، فقرأت أبياتاً للشريف الرضى يمدح فيها الهمة العالية، فزادتني همة يقول الشريف الرضى متحدثاً عن نفسه: أقسمت أن أوردها مرةً وقاحةً تحت غلامٍ وقاح إما فتىً نال المنى فاشتفى أو فارس زار الردى فاستراح وقد قلت في بيتين على بيتي الشريف الرضى: إذا سألت الله في كل ما أملته نلت المنى والفلاح بهمةٍ تخرج ماء الصفا وعزمةٍ ما شابها قول آح ومما يذكر في الهمم والإصرار والجد والمثابرة: أن عنترة بن شداد كان يغلب الفرسان، وكان يبطح الأبطال، وكان يذبح الكماة فقيل له: كيف تصبر؟ كيف تكون مقداماً؟ فقال للقائل: أعطني إصبعك فأعطاه إصبعه، فأخذها في فمه، وأعطاه عنترة إصبعه فوضعها في فمه، ثم قال: عض إصبعي وأعض إصبعك، والصابر منا من يثبت. فعض هذا وعض هذا، فقال ذلك: آه، فانطلقت إصبع عنترة، فقال: بهذا غلبت الناس. قال الله: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤] وقال: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠]. سقيناهم كأساً سقونا بمثلها ولكننا كنا على الموت أصبرا والذي يريد أن يحصِّل عليه أن يقرأ سيرة الشيخ وأنا أعلم أن من السلف الصالح من هو أعلم بكثير، لكن علينا أن ننظر إلى رجل حي بين أظهرنا يمثل العلم في القمة، وقد حصل عليه مع فقر وعوز، والكتب ليست متوفرة، والطباعة كانت ضعيفة، ووسائل التنقل ما كانت بذاك، والرجل أعمى؛ ومع ذلك حصَّل وحصَّل حتى وصل إلى ما وصل إليه فأين الشباب؟ مع أن العلم متوفر، والطباعة سهلة، والمجلدات كثيرة، والجامعات مفتوحة، والأساتذة كثر، والعلماء متوفرون، وفي الثقافة غزارة فأين من يطلب العلم؟ خرج القفال الشاشي، وفي الطريق أراد أن يطلب العلم وعمره أربعين سنة فنحن نطلب العلم في الأربعين وفي الخمسين وفي الستين، وعلينا ألا نصدِّق كانت ولا ديكارت الذين قالوا: لا. العلم في الصغر فحسب يقول البخاري في الصحيح في كتاب العلم: وتعلم أصحاب رسول الله ﵊ في الكبر فنتعلم ولو كنا كباراً. ذهب القفال وعمره أربعون، فقال: كيف أطلب العلم؟ ومتى أحفظ؟ ومتى أفهم؟ ومتى أعلم الناس؟ فرجع، فمر بصاحب سانية يسوق على البقر، وكان هذا الحبل يقطع الصخر من كثرة ما مر، فقال: اطلب ولا تضجر من مطلبٍ فآفة الطالب أن يضجرا أما ترى الحبل بطول المدى على صليب الصخر قد أثرا واستمر يطلب العلم وأصبح إماماً شافعياً من جهابذة الدنيا. فلا بد من الطموح والهمة العالية، واستعذاب المنايا، والمخاطرة بالنفس؛ حتى تصل إلى المطلوب وإلى الهدف السامي. حفظ الشيخ -جزاه الله خيراً- القرآن، وتعلم كتب العقيدة على مذهب السلف الصالح، وهو الذي يمثل الآن من العلماء الوجهة الصحيحة لمذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات وفي مجمل وتفاصيل المعتقد، وأكب الشيخ على كتب شيخ الإسلام/ ابن تيمية وابن القيم وفيهما النفع الكثير، وهي تغذي طالب العلم غذاءً هائلاً، وهي تختصر المسافات، وفيها بركة من رجلين خطيرين عبقريين أثريا المكتبة الإسلامية والثقافة المؤمنة. وكان الشيخ يعتمد على كتب الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب، وينثرها في محاضراته وخطبه وكلامه، ويدعو إلى المنهج السديد.

стр. 9107

الأعمال التي تولاها ابن باز وأخلاقه ومكانته

стр. 9108

أعماله أما أعمال الشيخ فألخصها في هذا الموجز: - ولي القضاء في منطقة الخرج مدة أربعة عشر عاماً من عام (١٣٥٧ - ١٣٧١هـ). - عمل في التدريس في معهد الرياض العلمي، وفي كلية الشريعة في الرياض، إلى عام (١٣٨٠هـ). - عين نائباً لرئيس الجامعة الإسلامية بـ المدينة المنورة إلى عام (١٣٩٠هـ). - عين رئيساً للجامعة الإسلامية بعد وفاة رئيسها، ﵀. - عين في منصب الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برتبة وزير، ولا يزال في هذا العمل إلى الوقت الحالي، حفظه الله ورعاه وبارك فيه. وأما أعماله التي يشغلها الآن فهي: - رئيس هيئة كبار العلماء، وهو عالم المسلمين اليوم رئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. - رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي. - رئيس المجمع الفقهي الإسلامي بـ مكة المكرمة. - رئيس المجلس الأعلى العالمي للمساجد بـ مكة المكرمة. - عضو المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة. - عضو الهيئة العليا للدعوة الإسلامية في المملكة. إلى جانب الكثير من الأعمال الخيرة في جميع أنحاء العالم. ومن أحسن من ترجم له: المجذوب في كتاب" علماء ومفكرون عرفتهم " وترجم له الأخوان النبيلان: فهد البدراني وفهد البراك، لكنهما -أثابهما الله- أوجزا كثيراً في سيرة العلماء إيجازاً فيه ما فيه، ولكنهما أجادا في إبراز هؤلاء العلماء، فجزاهما الله خيراً وحفظهما الله. عمل الشيخ قاضياً في الخرج، فكان الأب المعلم، وكان القريب من قلوب الناس، وكان يجلس بعد الدوام للناس، فيعلمهم في الحديث النبوي والعقيدة، فيأتيه العامي فيتعلم منه الخلق والسماحة، ويجلس معه الأطفال، ويقضي حوائج الناس، وكان كريماً منذ صغره، كان بيته مضيافاً على قلة ذات اليد، ولكن الله بارك في نفقته لكرمه ولصدق نيته وإخلاصه، ولما انتقل من الخرج، بكى عليه الناس، وأكثروا من الهلع على انتقاله وفقدوه، أثابه الله وبارك في وقته. ثم انتقل الشيخ وعمل في التدريس من أجل إشاعة العلم، ورأى أن القضاء قد يحبسه عن ذلك، فذهب إلى معهد الرياض، وكلية الشريعة، فكان يلقي الدروس ارتجالاً لحافظته القوية، وكان محبباً للطلاب.

стр. 9109

مميزاته وكان الشيخ -كما تعرفون- واسع الحلم، لا يكاد يغضب، بل سجيته السهولة والرضا واليسر، فكان الأب القريب من طلبته، الذي يعرف متطلباتهم ويقرب منهم، وهذه خاصية يفتقدها كثير من الناس، وهي المؤهلة -بإذن الله- للعالم وللداعية ولطالب العلم أن يؤثر في بيئته ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. وإن من أعظم ما يميز الشيخ: الحلم وقد رأيناه وجلسنا معه كثيراً، وأخبرنا محبوه وتلاميذه بحلمه الواسع، فهو قليلاً ما يغضب، وإذا غضب، كتم أنفاسه ولم يتكلم. ولا يجرح المشاعر أبداً، وهو كمر النسيم على القلوب؛ ولذلك جعل الله له محبة في القلوب، وهو لا يشهِّر بالطوائف، ولا ينال من الأشخاص، ولا يتهكم الناس، ويحفظ للناس قدرهم وللهيئات قدرها، لأنه رضع من ميراث نبوة محمد ﵊، وتعلم في جامعته الغراء التي أخرجت أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وأبياًَ ومعاذ بن جبل وأمثالهم. وحين انتقل الشيخ إلى الجامعة الإسلامية كان مثلاً أعلى في حسن الإدارة، وبعد توفيق الله نعزو كثيراً من نجاح الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة إلى سيرة الشيخ الجليلة وإلى عطاياه السمحة، وإلى ملاحظاته الكيِّسة الفطنة وقد كان الشيخ يحضر في إدارة الجامعة ويجتمع بالأساتذة في وقت الفسح، ويوجههم التوجيه السليم، ويدعوهم من منطلق رسالته العلمية إلى الحكمة، وإلى اللين في التعامل، وإلى الاهتمام في التحصيل العلمي، وكان لا يفوت من وقته دقيقة إلا في الخير وكان الشيخ يمر على الطلبة في الفصول، فيسلم عليهم، ويسمع ما عندهم، ويفيض في الحديث معهم، وربما ألقى بعض المحاضرات، وكان يفتح مكتبه للطلبة وهذه ميزة يفتقدها كثير من المسئولين والموظفين؛ فتراهم يغلقون الأبواب في وجوه المسلمين من ذوي الحاجات. وأما الشيخ فقد كان يفتح مكتبه، ويستقبل المعاريض، ويسمع من الناس، ويأخذ ويعطي معهم حتى يقضي حاجتهم، وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من ولي من أمر أمتي شيئاً فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم احتجب الله يوم القيامة دون حاجته وخلته﴾. فكان الشيخ يرى أنه ليس من الحكمة أن يغلق بابه؛ بل يفتحه للطلبة وللموظفين ولمن يأتي من الزائرين والضيوف، فكان يمتلئ بالناس، ويحاورهم الشيخ فيما ينفع، وقد رتب أوقاته بما هو حسن وجميل. وذكر المجذوب أن أحد العلماء علق على محاضرة للشيخ كان عنوانها" الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب " وقد ألقاها الشيخ عبد العزيز بن باز وعلق هذا المعلق فقال: وفي العقائد كان الشيخ ابن باز مثل الاعتدال، لا هو من أولئك المتطرفين الذين يطلقون عبارات الشرك على كل صغيرة وكبيرة، ولا هو من المتساهلين الذين يغضون النظر عن صغار الأمور، بل إنه لينبه على الصغيرة والكبيرة ويضع كل شيء في موضعه، وهي الوسطية التي كسبها علماء السنة وسطية في الفكر وفي العلم، ووسطية في إلقاء الأحكام، ووسطية في الأخلاق والسلوك لا إفراط ولا تفريط.

стр. 9110

مكانته في العالم الإسلامي أما مكانته في العالم الإسلامي، فقد حظي الشيخ بحب العالم الإسلامي، وحمل حبه في جوانحه، وسار الشيخ مثلاً للعالم الذي يمثل العلم في طول العالم الإسلامي وعرضه، ولا أقولها من باب التعصب ولا العاطفة، فلقد رأيت فيما يقارب إحدى عشرة ولاية في الولايات المتحدة الأمريكية في المراكز والمدارس الإسلامية، وفي الأكاديمية والمساجد أن الثقة عندهم هو الشيخ عبد العزيز بن باز، وله ممثلون في كل ولاية -في الغالب- يمثلون فكره وفتواه ودعوته، وإذا أتت الفتيا منه قبلوها، على حد قول القائل: إذا قالت حذامِ فصدقوها فإن القول ما قالت حذامِ وأخبرنا كثير من الدعاة ممن ذهب إلى آسيا وأفريقيا أن الشيخ يلقى احتراماً واسعاً، وفتواه تقبل في العموم الغالب، ويقدر ويجل من عموم الناس بحمله للعلم الشرعي، وقربه من القلوب، وعدم جرحه للمشاعر، ولما أكسبه الله من القبول والقبول بيد الله وليس بيد أحد من الناس، فالشيخ لم يؤت هذه المكانة على كسب الناس في منصبه، فالناس يعرفون ابن باز أعظم من عرفانهم لمنصبه، ولا أوتيها من أسرته فإن أكرمكم عند الله أتقاكم، ولكن من علمه وتقواه وإخلاصه، وفي الصحيح: ﴿إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل: إني أحب فلاناً فأحبَّه؛ فيحبه، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبونه، ثم يوضع له القبول في الأرض﴾ وبالعكس من أبغضه الله حتى أن الناس ليشربون مع الماء قبول بعض الناس، ويشربون مع الماء بغض بعض الناس، ونعوذ بالله أن تبغضنا قلوب الناس، فأنتم شهداء الله في أرضه. وأثر الشيخ في العالم الإسلامي ينطلق من أمور: أولاً: أنه في بلاد الحرمين مهبط الوحي، ومسرى الرسالة، وفيها منارة التوحيد، ومنها الخلفاء الراشدون، وعلى أرضها نزلت لا إله إلا الله. ثانياً: أن علمه موثوق؛ إذ هو يمثل علم السلف الصالح أهل السنة والجماعة. ثالثاً: للشيخ قبول أعطاه الله . رابعاً: الشيخ معطاء يستقبل الوفود، ويقضي حوائجهم، ويراجع مسائلهم، وقد سمعت من بعض المشايخ أن الشيخ في بعض المجالس يذكر له الجهاد الأفغاني وما يصيب المجاهدين من برد هناك وجوع، فتدمع عيونه. إذا اشتبكت دموعٌ في خدودٍ تبين من بكى ممن تباكى قد استشفيت من داءٍ بداءٍ فأقتل ما أعلك ما شفاك وقال أحدهم: وعرض للشيخ مرة مجزرة الفلبين التي صرع على يد الطغاة هناك ألوف المسلمين، فبكى الشيخ حتى اهتز من كثرة البكاء. وبيت الشيخ -كما تعرفون- في الرياض بفلله مفتوح للضيافة، ومن الغرباء من ينام هناك الأيام الطويلة، وقد رأينا ذلك عياناً لا نقلاً، من يأتي فيجلس على مائدة الشيخ، وسوف أتكلم عنه في فصل:" كرم الشيخ". والشيخ ملم بأحوال العالم الإسلامي؛ إذ تأتيه البرقيات والرسائل والملحقات والنشرات والكتب والمجلات والصحف، وقد دخلت عليه مرة من المرات فوجدت عنده أحد النواب الرؤساء الأفارقة، والمترجم عنده يترجم، وهو يتكلم عن بلاده وعن وضع الإسلام هناك، وأخبره الشيخ بالوسائل المجدية في نشر الدين، ولما انتهى وإذا بزمرة من الناس ما يقارب العشرة من جاليات غير مسلمة يعلنون إسلامهم بين يدي الشيخ.

стр. 9111

تواضع الشيخ وقضاؤه لحوائج الناس فهو لا يفرغ من فتوى، أو كتابة شفاعة، أو تعليم، أو إصلاح بين الناس، أو اتصال، أو مساعدة إنسان، أو وقوف مع محتاج وهذا والله هو العمر المبارك، ولعلك إذا داومت معه من الصباح لا تأتي في الظهر إلا وقد أنهى مئات المعاملات. فحقاً إنه بقية السلف، والحديث عن هذا الشيخ الجليل يذكرنا بالصنف الأصلي والطراز الجميل من أمثال: البخاري ومسلم وأحمد وابن تيمية وابن القيم، فهو يحمل قربى السجية السمحة، ويحمل العلم الوقاد، ويحمل معه السكينة والتواضع، ويروى في الحديث وفي سنده نظر: ﴿تعلموا العلم وتعلموا له السكينة والوقار، وتواضعوا لمن تتعلمون منه، ولا تكونوا جبابرة العلماء﴾ والشيخ يمثل قوله : ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣]. ومن تواضع الشيخ: أنه يجيب الدعوة، وكثيراً ما يذهب مع تلاميذه يجيب دعوتهم في بيوتهم , وإلا فالشيخ -كما تعرفون- أعظم من الزعماء، فيجلس معهم، ويزور بعض العزاب، ويتغدى معهم، ويسمع أغراضهم ويوقفه الإنسان في الشمس فيقف معه، وكم رأيناه من مرة عند باب السيارة إذا فتحت يقف للناس في الشمس، ويحاول محبوه أن يدخلوه سيارته، ولكنه يرفض حتى يسمع ويفتي وحتى يقضي حوائج الناس، حتى تظن أنه لا يعرف إلا إياك، أو أنه لا يعرفه إلا أنت. يقول أحد الشعراء، ويستحقها الشيخ/ عبد العزيز: يا من له ألف خلٍ من عاشقٍ وصديق أراك خليت للناس منزلاً في الطريق فالشيخ له ألوف مؤلفة من الأحباب والأصدقاء, ومن سماحته -وأنتم تعرفون ذلك- أنه إذا دخل عليه ضيوف في المكتب، قال: من أنتم؟ أخبرونا بأسمائكم فيبدأ باليمين أخذاً بالسنة، لقوله ﷺ في صحيح مسلم، لما أتاه وفد عبد القيس: ﴿من القوم؟ أو من الوفد؟ قالوا: من ربيعة. قال: مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى﴾. وعند الترمذي بسند فيه ضعف: ﴿إذا عرف أحدكم أخاه، فليسأله عن اسمه وعن نسبه، فإنه واصل المودة﴾. والشيخ إذا جلست عنده سألك عن اسمك وعن نسبك ومن أي قبيلة ومن أي بلد، وهل أتاكم أمطار، وكيف أحوال الصالحين في تلك البلدة. أحادث ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والمكان جديب وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ولكنما وجه الكريم خصيب ويستمر الشيخ على هذا الحال النادر صابراً محتسباً يعيش قضايا الأمة الإسلامية، ولعل من أعظم المعالم البارزة في حياته الشخصية ما ترونه في أيام منى أيام الحج يوم يفتح خيمته، فتنهال الأمة عليه ألوف مؤلفة كالسيل وكالغمام، يستفتونه ويقبلون رأسه، ويدعون له ويدعو لهم، ويجلسون معه في سكينة، فإذا حضر غداؤه مد سفرته وأحضر الناس على غدائه، وأكل معهم. رفع الله منزلته.

стр. 9112

كرمه وأما كرم الشيخ فحدث ولا حرج، وأنا لا أقول هذا من دافع العصبية والعاطفة، لكني أقول: لا أعرف في هذا العصر أكرم منه، وقد سماه بعض محبيه حاتم الطائي في هذا العصر، وهو لا يمسك قليلاً ولا كثيراً، وربما مرت عليه بعض الأشهر وقد استدان على راتبه لكثرة ما ينفق ويعطي. هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله وكرمه يتمثل في أمور: أولاً: عطاؤه المستمر للفقراء والمحتاجين والمساكين فهو لا يرد طالباً، وقد حدثنا بعض طلبة العلم الثقات: أن أحد المجاهدين وفد على الشيخ مرة من المرات، وما وجد الشيخ إلا غرضاً مهماً له فباعه وأعطاه قيمته في سبيل الله . ثانياً: أنه ما يدنو وحده على طعام، ولا يعرف أن يكون وحيداً، وإنما إذا حضر طعامه أحضر الناس على طعامه دائماً، وسفرته طويلة، ويحضر طلبة العلم والمفكرون والأدباء والعامة والفقراء والمساكين والمسئولون، فيحيي الجميع ويرحب بهم، وهذا أمر معلوم لا يحتاج أن أثبته لكم، لأن كثيراً منكم رأى ذلك. يقول حاتم الطائي لامرأته: إذا ما صنعتي الزاد فالتمسي له أكيلاً فإني لست آكله وحدي أخا سفرٍ أو جار بيتٍ فإنني أخاف مذمات الحوادث من بعدي وحاتم الطائي من حائل، وقد مات جاهلياً وثنيا، يقول لأمرته: إذا صنعت الطعام وأحضرتيه، فلن أتقدم ولن أغسل يدي ولن آكل حتى تأتي بفقير يأكل معي. وقالوا: كان إبراهيم ﵇ من أكرم الناس، فإذا قدموا له الطعام قال لخدمه ومواليه: من أتى منكم بضيف فهو حر لوجه الله، فكيف سيكون حرص المولى أن يأتي بضيف ليتحرر؟! وقد ذكر الله كرم إبراهيم ﵇، فقال: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] راغ من الكرم سريعاً، وأتى بعجل سمين، أي: تبيع وهو ولد البقرة، فذبحه، وسمين أي: أنه اختار الأجود، ولم يأخذ نحيفاً لا يساوي ثلاثين ريالاً. وقال في سورة هود: (حنيذ) فلم يطبخه طبخاً، بل حنَّذه وقدمه مشوياً، وهذا غاية الكرم، (فقربه إليهم) ولم يقل: قربهم إليه، وقال: (ألا تأكلون) وهذه شيمة الكريم الرحيم القريب المستأنس بالناس. يقول عروة بن ورد وهو شاعر جاهلي: أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى بوجهي شحوب الحق والحق جاهد أوزع جسمي في جسوم كثيرةٍ وأحسو قراح الماء والماء بارد ويقول عبد الملك بن مروان لوزرائه: من تريدون أن أباكم؟ أي: هل منكم من يريد أن أباه غير أبيه؟ قال كلٌ: لا. ما أريد إلا أبي. قال: أما أنا فأريد أن أبي عروة بن الورد، لأنه يقول: أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى بوجهي شحوب الحق والحق جاهد معنى البيتين: كيف تضحك مني لأني نحيل وأنت سمين؟ وما ذاك إلا لأني أوزع جسمي وطعامي، فغدائي وعشائي في بطون المساكين والفقراء، وأنت تأكل وحدك وتغلق الباب، وتقول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. وهذه شيمة البخلاء؛ أنهم يوصدون أبوابهم ويغلقون النوافذ ويكتمون البوابات حتى لا يخرج الدخان، ويكتمون قدر الضغط حتى لا يوصوص على المارة فيقول: أوزع جسمي في جسوم كثيرةٍ وأحسو قراح الماء والماء بارد يقول: أشرب الماء والضيوف يأكلون الطعام. وبهذه الخلائق الرضية استجيب للشيخ في دعوته للآخرين، وأثر أثراً عظيماً، وأصبح تلاميذه مئات، وأصبح له الأثر لا في الرياض وحدها، ولا في المملكة بذاتها، ولا في العالم العربي، ولكن في العالم كل العالم، وأصبح الناس كلمةً موحدةً وإجماعاً، أو شبه إجماع على حبه وعلى أنه من البقية الباقية من علماء السلف الصالح.

стр. 9113

برنامجه اليومي عمل اليوم والليلة في حياة الشيخ وبرنامجه اليومي: يبدأ الشيخ بصلاة الفجر، وغالباً هو الذي يصلي بالناس، ثم يذكر الأذكار الموروثة عن معلم الخير ﵊، وشيء عرفته منه، وعرفته من تلاميذه ومن محبيه وهو: أنه لا يترك بعد الأذكار أن يقول مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير وغالباً ما يكون عنده درس من الفجر إلى طلوع الشمس، وأعظم ما يدرس الشيخ (كتاب فتح الباري وفتاوى ابن تيمية وبلوغ المرام والكتب الستة والطحاوية ونحوها من العلوم) فإذا انتهى الشيخ صلى ركعتين وعاد إلى بيته وأفطر إفطاراً سهلاً ميسراً، وربما ارتاح قليلاً؛ إذ هو يصارع الحوادث وعنده من الهموم والأشغال والمشاغل ما الله به عليم، ويرتحل الشيخ إلى مكتبه، وهو دائماً -كما تعرفون- حريص على هذا؛ لينهي أوامر المسلمين، ويسهل مشكلاتهم سهل الله عليه يوم العرض الأكبر. ويبدأ دوام الشيخ الرسمي قرابة الساعة التاسعة من ضحى كل يوم، فإذا وافى مقر الرئاسة وجد المراجعين يملئون الأمكنة المعدة لهم بانتظاره، فيحييهم ويسلم عليهم ويستقبلهم ويصافحهم ويعانق منهم القادم، ثم يأخذ مجلسه وإلى جانبيه كاتبان، وهذا أمر معلوم، عنده في اليمين كاتب وفي اليسار كاتب. لعظمك في النفوس تبيت ترعى بحفاظٍ وحراسٍ ثقاتِ ويأخذ هذا كثيراً من وقت الشيخ، ويرد على المكالمة التي ما تنقطع من القارات الخمس، وإن شئت قلت: الست، فتلفونه نوعان: تلفون داخلي يرد عليه الشيخ، وتلفون خارجي تتصل به الهيئات والجامعات والمؤسسات من أنحاء العالم، ويفتيهم ويرد عليهم الواحد تلو الآخر، وربما صودفت الفتوى عشر مرات، أو صودفت المكالمة عشر مرات، فجزأها الشيخ وانتظر الأول فالأول. ويبدأ الشيخ في استعراض المعاملات، وعنده الكتبة الذين يهمس في آذانهم بما يمكن أن يكتب وبما يمكن أن يوجه لما فيه المصلحة، ويستحضر الشيخ النية عند كل فتوى وكل معاملة لتنفعه في الآخرة ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] ثم يصلي صلاة الظهر، ويعود إلى عمله الذي ينتهي في الثانية والنصف يومياً، ويرتحل وقد سبقه ضيوفه في البيت فيتغدى معهم غداءً جماعياً، ثم تدار -هكذا أنقل من المجذوب - تدار القهوة والشاي والطيب وحسن الحديث الذي لا يفارق محيا الشيخ، ثم يرتحل مع ضيوفه ليصلي العصر، وربما ألقى كلمة بعد صلاة العصر، ويعود بعد الصلاة وهذا الوقت غال، فالدقائق محسوبة ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥]. دقات قلب المرء قائلةً له إن الحياة دقائقٌ وثواني فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثاني وربما استراح الشيخ بعد صلاة العصر لما يلقى من أعمال شاقة، ومن إعياء كثير ومن كبر السن، فهو يصارع الآن أكثر من الثمانين، وربما طعن في الثانية أو الثالثة والثمانين يقيناً، فهو مولود عام (١٣٣٠هـ) ومع ذلك يزداد عمره بركة ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء:٧١] وهو من أئمة هذا الدين، وقد بارك الله في عمره لاتباعه السنة، ولإخلاصه وصدقه، ولنفعه للناس. ثم يصلي صلاة المغرب، ثم يعود إلى المنزل للقراءة والنظر في شئون الناس حتى وقت العشاء، وبعد أداء الصلاة يتناول مع الحضور طعام العشاء، ولا ينتهي مجلسه من الزوار والرواد، ولا يزال بين قراءة وإملاء وحديث نافع حتى وقت متأخر، وقلما يتاح له الإخلاد إلى النوم قبل منتصف الليل، وربما ينام الشيخ بين الحادية عشرة إلى الثانية عشرة؛ من أجل أن يستغل هذه الأمور في أعمال الناس، ثم ينام الشيخ ويستيقظ قبل الفجر بوقت طويل فيتهجد ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء:٧٩]. يقول بعض الفضلاء: رأيت أثر قيام الليل في وجه سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز فيقوم يصلي ويدعو، وربما غلبه البكاء في صلاة الليل لخشيته ولتقواه، ثم يأتي لصلاة الفجر، ونراه ينتقل من بيته بواسطة سيارة حتى يصل إلى الجامع الكبير فيصلي بالناس، وعلى قراءته خشوع وسكينة، ثم يعود إلى برنامجه اليومي. وهناك بعض الأمور كحضور المؤتمرات، وبعض المهمات العلمية التي يقضيها الشيخ قد تغير من هذا البرنامج قليلاً.

стр. 9114

الشورى في حياة الشيخ وصف الله المؤمنين بأنهم يتشاورون، فقال : ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] وقال لرسوله ﵊: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] ولقد أخذ بذلك سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز، فأخذ يشاور محبيه وطلابه وإخوانه في القضايا، وهذا من تواضعه وقربه من القلوب، فلا يبدأ بقضية إلا بعد أن يشاور، فإذا عزم توكل على الله- وأمضى ما عنده، وكان لا يفض في كثير من المسائل خاصة العلمية إلا بعد أن يشاور أصحاب الفضيلة العلماء، ويراجعهم متثبتاً ورعاً صادقاً.

стр. 9115

الشيخ والفتاوى نحن نعلم أن أعظم المفتين الآن هو سماحته، وهو يفتي بالدليل (قال الله وقال رسوله ﵊ وهو أثري النزعة، وقد ذكر عنه أنه يأخذ بأصول أحمد بن حنبل، ولكنه قد يخرج عن المذهب الحنبلي إذا خالف الدليل، فهو يستمسك بالأثر كتاباً وسنةً، ويفتي بما وافق الكتاب والسنة مستدلاً على فتواه، ومن لاحظ الشيخ يسمع منه الفينة بعد الأخرى (قال الله قال رسوله ﷺ ويخرج الحديث ويصححه ويضعفه.

стр. 9116

الشيخ محدثاً وفقيهاً وأكبر ميزة للشيخ/ عبد العزيز أنه محدث، بل هو محدث العصر، ولا أعلم أحفظ منه للمتون، ولو أن بعض العلماء قد يتفوق في علم الرجال وعلم الجرح والتعديل، أو التخريج، لكن الشيخ يستحضر المتون، وهو فقيه؛ جد فقيه يستنبط من النص ويستشرب من النصوص، وينثر علمه على الناس بسهولة ويسر. ومما يميز سماحة الشيخ أنه لا يتكلف في الحديث، ولا يتكلف في الفتوى، ولا يتنطع في الكلام، ولا يتعمق في المسائل، وهو مذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يتنطعون، ولا يتعمقون، ولا يتكلفون، وإنما يرسل الكلام على سجيته، فيجعل الله له قبولاً في قلوب الناس لصدقه ولبركة أنفاسه ولطيب نواياه غفر الله له ورفع درجته. وفقه الشيخ من السنة مباشرة، وهو أشبه ما يكون بمدرسة ابن تيمية وابن القيم، فليسوا بالفقهاء الذين أهملوا النصوص، وليسوا بأهل الظاهر الذين أهملوا كلام أهل العلم وأخذوا بظواهر النصوص، لكنهم يأخذون من النصوص الفقه الجميل الموافق لقواعد الشريعة، وإن أُعدموا ذلك رجعوا إلى كبار علماء السنة، فأخذوا منهم ما يستفيدون.

стр. 9117

مواقف للشيخ ابن باز ومواهبه الفذة

стр. 9118

شجاعة الشيخ في قول الحق إن من أعظم ما يميز العالم أن يقول كلمة الحق صادعةً قويةً بحكمة، والرسول ﵊ يقول لـ أبي ذر كما روى ابن حبان: ﴿قل الحق ولو كان مراً﴾ والعالم يوم تسلب منه ميزة قول الحق يصبح ضعيفاً وجباناً لا أثر له، ولا يستفاد من طالب العلم أن يحفظ الصحيحين والكتب الستة، ثم لا يقول كلمة الحق، ولا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر. وقد تجلت شجاعة الشيخ في كثير، فبينما هو الرجل السمح السهل القريب الحليم المحب للفقراء؛ سرعان ما ينقلب أسداً لا يرده عن إقامة أمر الله شيء إذا علم بظلم يقع على المسلمين، أو عدوان يقع على شريعة الله في الأرض. ومن أعظم مواقف الشيخ موقفه مع الأستاذ/ سيد قطب ﵀؛ فقد قتل هذا الأستاذ المفكر العبقري الفذ ظلماً وعدواناً وطغياناً، فقام الشيخ وغضب لذلك، وقد ارتج العالم الإسلامي لمقتل سيد قطب، وأثر أن سيد قطب لما قرب ليشنق شنقاً وإعداماً تبسم، فقال أحد الشعراء: يا شهيداً رفع الله به جبهة الحق على طول المدى سوف تبقى في الحنايا علماً قائداً للجيل رمزاً للفدا ما بكينا أنت قد علمتنا بسمة المؤمن في وجه الردى فغضب الشيخ وأزبد وأرعد تلك الأيام، وأرسل خطاباً، يقول مترجم الشيخ: عندما أصدرت محكمة البغي والعدوان قرارها بإعدام سيد قطب وإخوانه، اعترى الشيخ ما يعتري كل مؤمن من الغم في مثل هذه النازلة، وتأثر الشيخ تأثراً عظيماً، وكلف الشيخ أحد محبيه بصياغة البرقية المناسبة لهذا الموقف، حتى يشهد الله أنه غضب وأنه تعامل مع إخوانه، وأنه قام في ذلك قال: وصيغت البرقية، فزاد الشيخ في آخر البرقية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء:٩٣]. وأنا أذكر في الصغر ارتجاج العالم الإسلامي، والمذياع يعلن إعدام ذاك الهمام البطل، صاحب في ظلال القرآن، الذي تعرفونه غفر الله له وجمعنا به في الجنة. وقد رأيت للشيخ خطابات لبعض الزعماء ينكر عليهم أشد النكير عدم تحكيمهم لشرع الله، ورأيت له كتاباً لبعض الزعماء في بعض البلاد الإسلامية ينكر عليه تهجمه على السنة المطهرة وعلى صاحبها ﵊. فالشيخ يقول كلمة الحق، ويتشجع في الإدلاء بها، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ونعرف من سيرته صدقه مع الله وتحمسه وتمعر وجهه إذا انتهكت محارم الله .

стр. 9119

الشيخ خطيباً ربما قال قائل: وهل الشيخ يجيد الخطابة؟ والذي يسمع الشيخ ويسمع محاضراته يدرك أن الرجل لا يتكلف الكلام؛ إذ أنه لما فقد بصره ركز على ذهنه وعلى ذاكرته، فكان يرتب الألفاظ والمعاني ويرتب المسائل، وإذا بدأ في محاضرة من ساعتين لا تجده يدخل في مسألة قبل مسألة، بل يوردها سهلة ميسرة يبنيها باباً باباً؛ مستدلاً بالكتاب والسنة وأقوال أهل العلم، ولا يجرح المشاعر، ولا يأتي بكلمة غليظة، ومما يميز الشيخ أنه بعيد عن التقعر، وهو: طلب وحشي الكلام الذي لا يفهمه الناس، وهذا يأخذه بعض الناس رياء وسمعة ليقال: واعظ. أما الشيخ فقد كان يبتعد عن التقعر في الكلام، بل يأتي بالكلام المعهود السهل القريب الذي يفهمه الناس، ولكن بأسلوبه السهل الممتع رفع الله منزلته. ومن خصائصه الخطابية: قدرته على ترتيب أفكاره حتى لا تتشتت، وضبطه لعواطفه حتى لا تغلب عقله، ثم سلامة أسلوبه الذي لا يكاد يعتريه اللحن في صغير من القول أو كبير. وأخيراً: تحرره من كل أثر للتكلف، أو التملق، أو التنطع، أو التعمق، كما سلف.

стр. 9120

منهج الشيخ في البحث والشيخ واسع المعرفة يحب الحوار الهادئ، ولا يغضب من الجدل الحق، ويرحب بالأفكار المدعومة بالدليل، ويتراجع عن قوله إذا كان على خلاف الدليل، ويرحب بالأقوال، ولا يتعمد تخطئة الناس، بل يرى أن الخلاف في المسائل كما يرى شيخ الإسلام/ ابن تيمية على قسمين: ١) خلاف التضاد. ٢) خلاف التنوع. فأما خلاف التنوع فالمسألة فيها سعة؛ لأن كلاهما على حق، وقد اختلف الأئمة، والشيخ يعول كثيراً على الدليل من الكتاب والسنة، وقد عرضت للشيخ مسألة دوران الأرض حول الشمس، يقول المترجم: وسئل الشيخ عن رأيه في دوران الأرض، وأصر على أن الأرض لا تدور، ورُد على الشيخ بقوله : ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [يس:٤٠] فقال الشيخ: إن الأرض في كلا الموضعين من كتاب الله مذكورة على بعد من السبح، أي: أنها لا تسبح مع الأفلاك ولا أدري هل رجع الشيخ عن رأيه هذا أم لا، وليس معنى ذلك أن الشيخ معصوم، وهذه قضية أسديها للشباب وطلبة العلم، وهو أمر تعلمونه وهو أن العالم لا يشترط فيه أن يكون معصوماً، فقد يفتي فتوى تكون خطأً، وقد يهم في مسألة، وقد يسهو والله يغفر له. وفي الصحيح: ﴿إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد﴾ وقد عذر ابن تيمية الأئمة في كتابه الجليل" رفع الملام عن الأئمة الأعلام " وذكر أسباب اختلافهم، وبين أنهم معذورون في اختلافهم، ومنهم وعلى طريقتهم سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز. وله أقوال يوافق فيها شيخ الإسلام ابن تيمية في مسائل الطلاق، مثل: طلاق الثلاث بلفظ واحد أنها لا تقع إلا واحدة، والطلاق إذا قصد به اليمين والمنع والخطر بقصد اليمين، ففيه كفارة اليمين، وهذه مسائل يسندها الدليل وهي الراجحة، وعليها فتوى ابن تيمية وابن القيم وابن عبد البر وأمثالهم من أهل العلم.

стр. 9121

الشيخ والنشاط العلمي للشيخ مؤلفات كثيرة، ولكنه ما تفرغ للتأليف، وإنما يرى أن تعليم الناس وقضاء حوائجهم وفتواهم قد تكون أهم، في عصر كثرت فيه المؤلفات والمجلدات. أما مؤلفات الشيخ فمنها: الفوائد الجلية في المباحث الفرضية، والشيخ فرضي من الدرجة الأولى، وعالم في الفرائض. ومنها: " التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة " وأنا أعتبر هذا الكتاب أحسن كتاب للشيخ، ويرى هو أنه أحسن كتاب له. ثالثاً: " التحذير من البدع ". رابعاً: " رسالتان موجزتان في الزكاة والصيام ". خامساً: " العقيدة الصحيحة وما يضادها ". سادساً: " وجوب العمل بسنة الرسول ﷺ وكفر من أنكرها ". سابعاً: " الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة ". ثامناً: " وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه ". تاسعاً: " حكم السفور والحجاب ونكاح الشغار ". عاشراً: " نقد القومية العربية ". حادي عشر: " الجواب المفيد في حكم التصوير ". ثاني عشر: " الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوته وسيرته ". إلى غير ذلك من الرسائل التي تصل إلى العشرات، ولو فرغت الأشرطة المسجلة من محاضرات الشيخ وفتاويه وكلماته وخطبه، لبلغت المجلدات، وأرى الدكتور/ الشويعر قد مضى في هذا المشروع، نسأل الله أن يعينه وأن يتمم له الخير. ولا يقتصر نشاط الشيخ في التأليف؛ بل هو مهتم بإلقاء المحاضرات في العامة ويرتاح لذلك، ودائماً يشحذ همم طلبة العلم ويدعوهم إلى كثرة المحاضرات وإلى تنوير الطلبة، ويدعو إلى أن يجتهد الطلاب في تعليم الناس، والشيخ مما يميزه أنه داعية عامة، عالم عامة مثل علماء السلف؛ يجلس مع العامة ويعلمهم ويربيهم، وأنا أرى أن العلم القليل المبارك الذي يستفاد منه، خير من الكثير المتخصص الذي نفعه قليل، وبعض الناس قد يتشاغل بجزئيات العلم ونوافله ويترك أصول العلم وتعليمها للناس، فيفقد كثيراً من بركة العلم.

стр. 9122

مجالات الشيخ العلمية الشيخ مفتِ، وأعظم ما يميزه الفتاوى، فهو مفتي البلاد كما تعرفون، وقد سدد الله فتواه لتقواه، وأحياناً إذا أشكلت عليه المسألة طلب من السائل أن ينتظر، وربما قال في هدوء وتواضع وشجاعة: لا أدري يسأل عن كثير من المسائل، ويقول: لا أدري وهي سيرة السلف الصالح فإنهم لا يقتحمون بجهل، وكان ابن سيرين يقول: لا أدري وقال علي: [[من أغفل كلمة لا أدري أصيبت مقاتله]] وكان عمر ﵁ وأرضاه يجمع الصحابة لبعض المسائل، واعتذر الإمام مالك من عشرات المسائل لم يعرفها فمن حكمة الشيخ أنه يعتذر -أحياناً- عن بعض المسائل حتى يبحثها بحثاً وافياً. وقد قلت: مما يميز الشيخ أنه يقيم الدليل وهذه ميزة المفتي، وأما الكلام المطروح الإنشائي فإنه لا يميز المثقف عن العالم عن السامع المقلد للمسألة. وميزة العالم أن يستحضر الدليل ووجه الدلالة، ويستنبط منه، ويعرف الدليل صحة وضعفاً ناسخاً ومنسوخاً مطلقاً ومقيداً عاماً وخاصاً، وهذه كلها يحملها الشيخ.

стр. 9123

أدوات الشيخ العلمية الشيخ -فيما أعلم- نحوي يجيد اللغة العربية الفصحى، ويشرحها ويمليها على طلابه ويبدع فيها -بارك الله فيه- والشيخ فرضي ماهر، وأما في الحديث فهو محدث جهبذ، يعرف الرجال، وقد سألته قبل أربع سنوات عن حجاج بن أرطأة، فقال: ضعيف ومدلس، وغيره من الرجال فهو يحفظ مئات بل آلاف الرجال في ذهنه، فإذا سألته عن الرجل أخبرك به وبما قيل فيه، وهو مغرم بعلم الرجال، يطالع كثيراً في" تهذيب التهذيب " لـ ابن حجر، وكتابه المفضل فيما أعلم " فتح الباري "، وقد قرأه مرات من وقت الطلب إلى الآن، وهو الذي تولى الإشراف على إخراجه للناس، وقد مكث فيه ابن حجر يؤلفه مع المقدمة اثنين وثلاثين سنة، ولو كان في العصر معجزة لكان هذا الكتاب، وهو من أبدع ما رأينا في المكتبات، ومن ركز عليه من طلبة العلم وعرف ما فيه وفهمه؛ فهو عالمٌ حقاً إن شاء الله. والشيخ يحفظ -فيما أعلم- بلوغ المرام وكثيراً من المتون، كـ ألفية ابن مالك، وبعض كتب ابن حجر المختصرة، وكتب الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب، فعنده مختصرات يحفظها ويكررها، مع حفظه للقرآن، وحدثنا بعض الطلبة: أنه سمَّع للشيخ قبل سنوات في بعض السور، قال: فما أخطأ في حرف واحد، فهو يحفظ القرآن ويقرؤه قائماً وقاعداً وعلى جنبه، وفي سيارته وفي مكتبه، لأنه لا يرى بعينيه كما تعرفون، ولكنه يستحضر كتاب الله، وما سمعت -والله- من العلماء الأحياء أسرع استحضاراً للدليل من كتاب الله من سماحة الشيخ/ عبد العزيز. أنا أعرف من يستحضر الأبيات والقصص والأحاديث، أما الآيات فما أعرف مثل سماحته فيما أعلم.

стр. 9124

مشهد لا ينسى يذكرون في سيرة الشيخ أنه لما ودع من الرياض ليذهب إلى منصبه الجديد في المدينة؛ قام أهل الرياض بعد صلاة العصر وألقوا كلمة واحتشدوا عليه وودعوه وبكوا بكاءً عظيماً، وقام الشيخ فودعهم، ولكن غلبه البكاء، وسمع بكاء الشيخ -كما ينقل المجذوب ولما التقينا للوداع عشيةً سفكنا دموعاً واستثرنا مآقيا وقفنا وفي العذال منا ملامةٌ وكنا نرى أن ليس بعد تلاقيا فودعوه وبكوا عليه، ومن يعاشر الشيخ ويماشيه ويمكث معه فترة لا يطيق فراقه، وهذه هي ميزة المسلم الذي لا يؤذي، المتواضع المحب لا يستطاع فراقه، ولذلك كل من صحبه وجد فيه الخير، قال المجذوب: وكنت فيمن حضر وذكر تأثره وبكاءه، قال: وقلت بيتين بتلك المناسبة لما ودعوه في الجامع الكبير وبكوا وبكى الشيخ: بكينا وفاءً لامرئٍ قل أن يُرى له في الدعاة العاملين نظير فخلوا ملامي إن ألح بي البكا فإن فراق الصالحين عسير والشيخ يُمدح من كثير من الناس، وقد مدحه كبار الناس وصغارهم وشعراؤهم وأدباؤهم وعلماؤهم، يقول تقي الدين الهلالي محدث المغرب -وقد توفي من سنوات ﵀ في قصيدة عامرة طويلة تقارب الستين بيتاً: خليلي عوجا بي لنغتنم الأجرا على آل بازٍ إنهم بالثنا أحرى وزهدك في الدنيا لو أن ابن أدهم رآه رأى فيه المشقة والعسرا ولـ أبي هلالة الشاعر الكبير قصيدة هائلة مبدعة رنانة في سماحة الشيخ وللمجذوب قصيدة بديعة من أبياتها: روى عنك أهل الفضل كل فضيلةٍ فقلنا حديث الحب ضربٌ من الوهم فلما تلاقينا وجدناك فوق ما سمعنا به في العلم والأدب الجم فلم أر بازاً قط من قبل شيخنا يصيد فلا يؤذي المصيد ولا يدمي والباز هو الصقر، والشيخ اسمه ابن باز. ولي فيه قصيدة تقارب خمسين بيتاً، من أبياتها: قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي فقمت أنشد أشواقي وألطافي لا أبتغي الأجر إلا من كريم عطا فهو الغفور لزلاتي وإسرافي عفواً لك الله قد أحببت طلعتكم لأنها ذكرتني سير أسلافي يا دمع حسبك بخلاً لا تجود لمن أجرى الدموع كمثل الوابل السافي يا شيخ يكفيك أن الناس قد شغلوا بالمغريات وأنت الثابت الوافي أغراهم المال والدنيا تجاذبهم ما بين منتعلٍ منهم ومن حافي مجالس اللغو ذكراهم وروضتهم أكل اللحوم كأكل الأغطف العافي وأنت جالست أهل العلم فانتظمت لك المعالي ولم تولع بإرجاف بين الصحيحين تغدو في خمائلها كما غدا الطلُّ في إشراقه الضافي تشفي بفتياك جهلاً مطبقاً وترى من دقة الفهم دراً غير أصداف ومنها: أراك كالضوء تجري في محاجرنا فلا تراك عيون الأغلف الجافي كالشدو تملك أشواقي وتأسرها بنغمة الوحي من طه ومن قاف ما أنصفتكَ القوافي وهي عاجزة وعذرها أنها في عصر أنصاف يكفي محياك أن القلب يعمره من حبكم والدي أضعاف أضعافِ يفديك من جعل الدنيا رسالته من كل أشكاله تفدى بآلاف والشيخ محبوب إلينا، نحبه في الله، ونتقرب إلى الله بحبه، والحمد لله رب العالمين.

стр. 9125

الأسئلة

стр. 9126

محاولة تشويه صورة الشيخ السؤال لماذا يطعن بعض الملحدين والضالين في فضيلة الشيخ ويحاولون تشويه صورته؟ الجواب سنة الله في الصالحين قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١] ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ [الفرقان:٢٠] وأكرم الناس وأجلهم وأشرفهم محمد بن عبد الله ﷺ ، ومع ذلك قالوا: ساحر، وكاهن، ومجنون، وافتروا عليه.

стр. 9127

البيع في المساجد السؤال أرجو أن توجه نداءً سريعاً إلى الإخوة الذين يبيعون المساويك داخل المسجد بالخروج؟ الجواب أرجو من الإخوة الذي يبيعون المساويك داخل المسجد أن يخرجوا من المسجد وينسحبوا بدون قيد ولا شرط، ولهم خمس دقائق فترة الانسحاب، لأن المسجد ليس للبيع والشراء، يقول ﷺ في الصحيح: ﴿من رأيتموه يبيع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، فإن المساجد لم تبن لهذا﴾.

стр. 9128

كلمة عن سيد قطب السؤال أرجو أن تفيدنا بكلمة عن الشيخ الأستاذ سيد قطب؟ الجواب هو صاحب الظلال، نسأل الله أن يجعله شهيداً، وهو ممن نشر الفكر الإسلامي العامر في كتبه ورسائله وفي دعواته، والرجل يظهر منه الصدق والإخلاص في كلامه، وهو رجل بصر الواقع وعرفه ودرس الثقافة الغربية والشرقية ما يقارب أربعين سنة، ثم جاء يكتب عن من فهم عميق، وهو أكثر من أثر على الغربيين في نسف حضارتهم بقلمه، لأنه يكتب من واقع القوة ﵀ وقد رأيت له مقالة نقلها الخالدي وهو يرى الحضارة الغربية، قال: والله لقد تحقق في الغرب قوله : ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:١١٠] وفي الظلال ثروة، على أن فيه بعض الملاحظات التي لا يخلو منها بشر، فنسأل الله أن يتغمده بالرحمة، وأن يجمعنا به في دار الكرامة، وله كتب كثيرة منها" معالم في الطريق " وهو من أقوى كتبه على الإطلاق، و" الإسلام والعدالة الاجتماعية "، و" هذا الدين "، و" المستقبل لهذا الدين "، و" مقومات الحضارة " وغيرها من الرسائل.

стр. 9129

الاختلاف سنة كونية السؤال لماذا يختلف الشيخ مع بعض العلماء في الفتاوى؟ الجواب الاختلاف رحمة واسعة، والإجماع حجة قاطعة، والاختلاف في الفرعيات من عهد الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يعنف أحدهم على الآخر، والاختلاف في الفرعيات موجود، وهذه من سعة الدين، فـ أبو حنيفة يخالف مالكاً في بعض المسائل، وأحمد يخالف مالكاً لما رأوه من الدليل، وكما ذكر ابن تيمية أن لهم أعذاراً أربعة: الأول: أنه قد يبلغ الدليل أحدهم ولا يبلغ الآخر. الثاني: أن يصح عنده الدليل ولا يصح عند الآخر. الثالث: أن يكون منسوخاً عنده وثابتاً عند الآخر. الرابع: أن يفهم منه ما لا يفهم الآخر. وأما أصول العلم فإن العلماء مجمعون عليها، والحمد لله.

стр. 9130

كثرة أعمال الشيخ السؤال لماذا لا يزورنا الشيخ/ عبد العزيز بن باز في أبها؟ الجواب الشيخ أمور العالم الإسلامي على رأسه، وهو لا يستطيع أن ينتقل من مكان إلى مكان إلا بمهمات، وأما الدعاة المحتسبون فكثير، وهم يقومون بالنيابة عن الشيخ في إلقاء الدروس العلمية، والشيخ دائماً -حفظه الله- يدعو، وكم حرضنا وحرض كثيراً من الإخوة طلبة العلم بالإكثار من المحاضرات والدعوة وتبليغ دين الله، فغفر الله له.

стр. 9131

جمع الشويعر لفتاوى الشيخ السؤال هل هناك كتاب يجمع فتاوى الشيخ؟ الجواب له رسائل كثيرة، لكن بدأ الدكتور الشويعر يجمع فتاوى الشيخ وكلماته في كتب، وأظنه قد أخرج منها ثلاثة أجزاء.

стр. 9132

أهل جيزان السؤال كيف وجدت أهل جيزان؟ الجواب وجدت فيهم ما يرفع الرأس، ويثلج الصدر، بل شيء ما أستطيع أن أتحدث عنه، ولكن اسألوا عنهم الركبان. أسائل عنهم كل غادٍ ورائحٍ وأومي إلى أوطانهم وأسلم أما والذي شق القلوب وأوجد الـ ـمحبة فيها حيث لا تتصرم لأنتم على بعد الديار وقربها أحبتنا إن غبتم أو حضرتم

стр. 9133

تعريف بمحاضرة: (أبو ذر في عصر الكمبيوتر) السؤال ما عنوان المحاضرة المقبلة يوم السبت؟ الجواب عنوان المحاضرة المقبلة إن شاء الله: " أبو ذر في عصر الكمبيوتر"، وسوف أتحدث فيها عن علاقة أبي ذر بالكمبيوتر، وهي ثلاث علاقات: أولاً: سوف أتحدث عن أبي ذر مع البروستريك التي أتى بها جرباتشوف، لأن كارل ماركس أتى ببعض نظرياته، وظنوا أن أبا ذر يوافقهم في ذلك في قضية الانفتاح في عالم المال، وألفوا رسالة في موسكو في عهد برجنيف تتكلم عن أبي ذر، وصوروه بلحيته وبعكازه وعليه عمامة، وقالوا: وافقنا في مبدأ الماركسية وشيوع المال، وسوف أورد هذا. الأمر الثاني: هل جرباتشوف لما عارض برجنيف واستالين ولينين وماركس في قضية البروستريكا (أي: الانفتاح) هل يعارض أبا ذر؟ ومن المصيب والمخطئ؟. الأمر الثالث: ما الذي استفدناه من الكمبيوتر بعد أن مات أبو ذر؟ وهل نقص على أبي ذر شيء من معالم الحياة ومعالم التقنية والعطاء في الدنيا يوم لم يكن عنده كمبيوتر أم لا؟. وإنما جعلت الكمبيوتر رمزاً سوف أشرحه، إلى قضايا أخرى تنتظرنا إن شاء الله محققة بإذن الباري، فتكون يوم (٢٨/ ٥/١٤١١هـ) في هذا الجامع بعد صلاة المغرب، ويوجد مكان خاص بالنساء، وخاصة أنه يهم النساء أن يسمعن عن الكمبيوتر شيئاً. وهناك درس مساء الجمعة في" مسند الإمام أحمد " لطلبة العلم بعد صلاة المغرب، مساء كل يوم جمعة، يجدر بالإخوة حضوره لعموم الفائدة.

стр. 9134

سبب اختيار ابن باز للترجمة السؤال عندنا علماء كثير، فلماذا ميزت الشيخ/ عبد العزيز بن باز؟ الجواب لأنه أكبر علمائنا، ولأسباب ذكرتها في أول المحاضرة، وإلا فكلهم فضلاء وكلهم أخيار، والذب عنه ذبٌ عن غيره، والله الموفق إلى سواء السبيل.

стр. 9135

نصيحة لمن يتأخر عن المحاضرات السؤال يلاحظ في الناس التأخر عن المحاضرات العامة المفيدة؟ الجواب عليك أن تبلغ ما استطعت، ونحن نحبذ أن يحضروا علَّ الله أن ينفع، وأن ينصر بهم الحق، وأن يوضح بهم، فإنهم لا يخلون في هذا المجلس من أربع فوائد: ١ - رحمة من الله عامة. ٢ - وتنزل السكينة. ٣ - وحفوف الملائكة. ٤ - ويذكرهم فيمن عنده ورب مجلس واحد يغفر به سبعون مجلساً من مجالس اللغو، وربما سعادة الإنسان تبدأ من هذه الجلسة، وعلى المسلم إذا حضر مجالس الخير والمحاضرات أن يستدعي إخوانه وأصدقاءه وجيرانه حتى يدعوهم إلى الخير كما قال ﷺ : ﴿من دل على هدى، فله مثل أجر فاعله﴾ ثم إن وقت المغرب والعشاء مستهلك، لكن من يحضر هنا يحصل على الفوائد التي ذكرت وأعظم منها، وما عند الله خيرٌ وأبقى.

стр. 9136

أبناء الشيخ السؤال هل يوجد لسماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز أبناء؟ الجواب نعم، له أبناء كبار، منهم: ابنه الكبير عبد الله ومنهم: أحمد طالب علم في كلية الشريعة وغيرهم والشيخ مبارك ونحن أبناؤه، وكل شاب يحمل لا إله إلا الله من أبناء الشيخ، والشيخ له تلاميذ جهابذة من طلبة العلم الأخيار الدعاة، منهم الشيخ/ عبد العزيز المشعل، والشيخ الفاضل العلامة/ عبد العزيز الراجحي، والشيخ/ عمر العيد، وكثير من طلبة العلم الأخيار حفظهم الله ونفع بهم الأمة.

стр. 9137

اهتمام الشيخ بمشاكل الناس السؤال من ميزات سماحة الشيخ أنه إذا بُلغ عن مشكلة مع أنها لا تخصه يقول: سنعمل على حل هذه المشكلة والله المستعان نرجو شرح هذه العبارة؟ الجواب يقصد الشيخ أنه سوف يبذل جهده وشفاعته وطاقته، والشيخ دائماً يبذل جاهه للناس ويشفع ويقدم رسائله ووصاياه، ويقوم مع الفقير والمسكين، وهذه ميزة علماء السنة؛ أنهم لا يجلسون تحت المكيفات ويغلقون الأبواب ويتركون الجيل، ولا يقضون حوائج الناس، لا. بل العالم يتواضع، ويجلس مع الكبير والصغير، ويقضي حوائج الأمة والفقراء، ويسأل عن أحوال الناس، وقد حدثت عن الشيخ: أنه كان إذا مرض أحد الكبار من العوام اتصل به في الهاتف وسأل عن أحواله وربما زاره، وقال لي بعض طلبة العلم: كان الشيخ ساكناً في بيت له قديم وحوله جيران، فلما انتقل الشيخ إلى بيته الجديد في حي آخر كان يزور جيرانه هناك الفينة بعد الفينة، ويتفقد أحوالهم ويسأل عنهم باستمرار، وهذه ميزة العلم الشرعي الذي وفق له الشيخ.

стр. 9138

الشيخ والشعر السؤال هل يقول الشيخ الشعر؟ الجواب ذكر المجذوب: أنه في أول حياته كان يقول الأبيات الشعرية الجميلة، ولكنه اهتم بالعلم وترك الشعر جانباً، فالشيخ عنده ملكة في الشعر والقصائد، وهو يستمع لها ويثني على من قالها إذا أصاب الحق.

стр. 9139

الطريق إلى ما وصل إليه الشيخ السؤال كيف نصل إلى ما وصل إليه الشيخ؟ الجواب ليس هناك حاجب يحجبك أن تصل إلى مثل ما وصل إليه وأحسن وأكثر؛ إذا صدقت وبذلت وتعلمت ودعوت الله كثيراً، فسوف تصل بإذن الله. والحمد لله رب العالمين.

стр. 9140

حديث أم زرع ما أعظم خلق النبي ﷺ مع أهله وأزواجه ﷺ ، وما أعظم لغة العرب وما أجملها! ففي حديث أم زرع تجد العجب العجاب من الوصف، إحدى عشرة امرأة، كل واحدة تصف أخلاق زوجها، والنبي يسمع عائشة وهي تذكر كلام هؤلاء النسوة، وفي آخر المطاف يعلق النبي ﷺ بكلمة فيها منهج لكيفية معاملاته لنسائه وقد آتاه الله جوامع الكلم فقال: (كنت لك كأبي زرع لأم زرع) تصفح هذه المادة؛ لترى قصة أبي زرع وأم زرع.
следующие страницы →