← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 9066–9105 · переход к 9071.

стр. 9066

الأسئلة نجيب على ما استطعنا منها والله المستعان.

стр. 9067

الوجه سر جمال المرأة السؤال انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة تهاون بعض النساء في الحجاب، حيث أصبحنا نرى المرأة حين تركب السيارة مع زوجها ترفع الحجاب، فيراها الرجال من مسافة ليست بالبعيدة، فما توجيهكم لهؤلاء النسوة علَّهن أن يستفقن ويتبن؟ الجواب سلف في غضون الكلمة التحدث عن الحجاب، وأمره بارتداء الحجاب وغض البصر، والحجاب يكون للوجه والكفين، وأما الدعوة العقيمة، والناعق الشرير الذي يوجد في المجتمعات، فإنه يقول: لا حجاب في الوجه!!! فأي زينة تستر إذا لم يستر الوجه، أيستر القفا أو بطن الرجل أم ماذا؟ إذا لم يُستر الوجه ويُغطى فإن المسألة تصبح فوضى، هذه فتوى جاءت من واشنطن أو لندن، أما فتوى محمد ﷺ فيرى أن الوجه هو سر جمال المرأة. ولذلك فإن شعراء العرب لم يتغنوا إلا بجمال وجه المرأة، لم يتغنوا برءوس أصابعها، ولا بطول أرجلها، ولا بقفاها، بل بوجهها، يقول أحدهم: والله لا حدثتها لو أنها كالبدر أو كالشمس أو ك المكتفي إذا علم ذلك! فقد سلف الحديث عن الحجاب، أما حجاب التمييع والاستعراض، حجاب الدجل الخفيف الذي تبرق العينان من تحته، ويشخص الوجه، فهذا كذب، هذا مثل الفجر الكاذب الذي يجعل الناس يصومون، وهو فجر كاذب ليس بصادق، أما الفجر الصادق والحجاب الصادق فهو الذي يُغطِّي محاسن الوجه، ويغطي العينين، ولا يدخل في الحجاب البراقع، فإنها ليست من الحجاب، بل قال بعض أهل العلم: إنه أفتن للمرأة. أما أن تخرج عيناها مسمومتين ناظرتين من تحت البراقع؛ فهذا ليس بحجاب بل هو تمويه.

стр. 9068

ثلاث وصايا للمرأة المسلمة السؤال ما الذي توصي به المرأة المسلمة في بيتها؟ الجواب المرأة المسلمة -في العموم- لن تُقصِّر في الطبخ، والفرش، والحلي والزهور، والموائد، والمشهيات والمرطبات، والمسهرات، والعطورات، كل هذا موجود -والحمد لله- إنما القصور كل القصور، في تربية الجيل، وفي حقوق الزوج، وفي تقوى الله في البيت، لذلك أوصيها بثلاث وصايا: أولاها: تقوى الله في البيت، بأن تجعل البيت بيتاً إسلامياً قرآنياً، يعيش على السنة والحديث، بيتاً يُربَّى فيه الأجيال، ويخرج منه طلبة العلم والعلماء. ثانيها: أن تتقي الله في زوجها، فتكرمه، وتحترمه، وتطيعه في طاعة الله، وتحفظه بظهر الغيب في ماله وفي عرضها. ثالثها: أوصيها أن تكون داعية في بيتها، تستقبل المؤمنات، وتنثر عليهن الآيات، وتقودهن إلى رضا رب الأرض والسماوات، وتضعيف الحسنات واجتناب السيئات. تكون داعية تنطلق إلى جارتها وهي تحمل الدعوة الإسلامية، فتحمل آية أو حديثاً أو سيرة أو قصة، أو كتيباً أو شريطاً إسلامياً، تدعوها إلى ترك الغيبة والنميمة والسفور وما في حكم ذلك والله ولي التوفيق.

стр. 9069

حكم اقتناء مجلات الأزياء السؤال ما موقف المرأة أمام مجلات الأزياء؟ الجواب هذه من الشكوى والمرض المزمن، إذا كانت هذه المجلات الموجودة، في الأسواق، في السوبر ماركت، أو في غيرها من المجامع، أو المكتبات اللاهية اللاغية، مجلات تحمل الأزياء، وتحمل الفتاة العارية، فهي شر مستطير، حتى إنه وجد من النساء من أخذت هذه المجلة إلى بيتها بحجة أنها سوف تجعل هذا مقاساً لزيها، ولفستانها، ولثوبها، ولقميصها، وهذا شر مستطير، معناه: تربية الأبناء على النظر إلى هذا الفحش والعري الذي يُغضب الله والملائكة تخرج من البيت، فالملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، فكيف إذا كانت عارية، فإن الله يغضب وتُنزع البركة. وإن هذه المرأة تكون سبباً في الجريمة والزنا وانتشار الفاحشة في المجتمعات، وأنها تعين على تسهيل الجريمة الكبرى، وتساعد الشباب المراهقين من الرجال على التقحم في المعصية، يوم يرى صباحاً ومساءً هذه الصورة العارية. لماذا تعرض هذه اللحوم؟ ولماذا تقدم صورة امرأة من الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر أو ليس في قلوبهم إيمان؟! فلتتقي الله المرأة في هذه المجلات؛ فتقاطعها، وتهجرها، وتضيق عليها، وتندد بها، وتحاول أن تحاصرها بالكلمة والتنديد والاستنكار.

стр. 9070

رفقاً بالقوارير السؤال نسمع من أدعياء تحرير المرأة: أن المرأة لا بد لها أن تخرج للعمل وتتوظف، ونحن نقول: إن كان الرجال يصنعون في المصانع ويعملون في المعامل، فإن المرأة هي صانعة الرجال، ومربية الأجيال، ولكن -وللأسف- فكثير من النساء لا تفقه هذا الدور، ولا تقوم على تربية أبنائها التربية الإسلامية، فهل من نصيحة في هذا الموضوع؟ الجواب هذه السائلة سألت وأجابت، وهو سؤال عبارة عن محاضرة مصغرة! أما قولها: إن المرأة مربية الرجال؟ فصدقت وما أتى بـ خالد بن الوليد إلا امرأة، وما أتى بـ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وحسان، ومعاذ، وسعد بن معاذ إلا امرأة، فاتحو الدنيا علماء المعمورة شهداء الإسلام هم أبناء النساء، فحيا الله المرأة يوم تخرج الرجال، وتُربِّي الأبطال، وتُعلِّم العلماء والأدباء، وتنجب الشهداء، ولا حيَّاها الله يوم تكون سافرة في الأسواق، خادمة في الأماكن والمطاعم والفنادق وفي كل مكان تلمحها العيون، وتتبذلها الأيدي، وتنتهكها القيم، ما هذه الحياة؟! الإسلام جعل المرأة درة مصونة ولم يجعلها منشفة للأيدي، أو وردة تشم وتعك في كل مكان، بل جعلها درة مصونة محمية عن العيون، محببة إلى النفوس، كالشمس تنظر ولكنها لا تنال، هذه هي المرأة في الإسلام، والرسول ﷺ يقول: ﴿رفقاً بالقوارير﴾ رفقاً بهن في العمل والخدمة، ورفقاً بهن في كل شئون الحياة، هي امرأة ضعيفة لا تصلح إلا للبيت، عاطفة جياشة تصلح لتربية الأبناء، وتصلح أن تكون وراء الستار، تكون درة في صدف، أما أن تصارع العمال في المصانع، وتتحدث مع كل عامل رعديد وكل فاجر؛ فهذا ليس بصحيح. الآن الاستقراءات التي في الساحة مثل ما يكتب كريسي مريسون الأمريكي عن المرأة، وكتابة كارنيجي الأمريكي الآخر المجرم؛ الذي ينظر إلى المرأة أنها لا بد لها أن تشارك الرجل، فنسألهم: متى شاركت المرأة الرجل في العالم؟ شاركت المرأة الرجل في العالم بعد الحرب العالمية الثانية يوم سحق الرجال، واحتاج الأمريكان إلى النساء، فزجوا بهن في المصانع، فأصبحت تهرول الفتاة الصباح كالعامل أو كالحمار، تهرول إلى مصنعها ولا تعود إلا في الظهيرة، وقد قسا قلبها وضاع عرضها، وذهب جمالها وعفافها. شاركت في الصين في عهد ينج شاركت في الحروب، وحملت السلاح وما كان لها أن تحمل السلاح، والرسول ﷺ أخبر أنها لا تقاتل، وأنها ضعيفة ومسكينة، كل الناس يعرفون ذلك حتى أن لينين الخبيث الملحد الملعون يعرف أن المرأة لا تنفع، ولذلك أراد انتزاعها من المصنع في موسكو ولكنها دخلت المصنع، فأراد دعاة تحرير المرأة أو تخريب المرأة في الشرق أن ينحوا بالمرأة منحا أمريكا، والصين، وموسكو وهذا خطأ ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠].

стр. 9071

التحاق المرأة بمدارس التحفيظ السؤال مدارس تحفيظ القرآن الكريم الخاصة بالنساء كثيرة -ولله الحمد- فهل من نصيحة تُوجه للأخوات في استثمار أوقات فراغهن بذلك من الالتحاق بهذه المدارس مع المسلمات؟ الجواب نعم. دعوة طيبة مجيدة وحارة ومخلصة، وأتضامن مع صاحبة هذه الدعوة جزاها الله خيراً، وهل بيت المرأة إلا في الدراسة والتعليم؟ وهل بيتها إلا في جلوسها مع أخواتها في حفظ كتاب الله ؟ أما قصص عجائز نيسابور، وخدمة البربر، وفلانة فعلت، وفلانة طلقت وتزوجت، وفلانة صنعت وفعلت ومرضت، فهذه قد انتهت، وعفا عليها الزمن، نعم! هي تناسب عجائز نيسابور كما أسلفت، وليست من رسالة محمد ﷺ . كل دقيقة تمر على المرأة لا بد أن تستثمرها في حفظ القرآن، يوجد في مجتمعاتنا كثير من العجائز تحفظ من القصص ما لا نهاية لها ولا بداية، وهي قصص خيالية لا أساس لها من الصحة، فلو وجهت هذه الطاقة في حفظ كتاب الله وحفظ الأحاديث والسيرة المطهرة لكان أجدى وأروع، وأنفع وأحسن، بارك الله في الجهود. ولا زلت أكرر أن هذه المجالس لا بد أن تنتشر، ولا بد من حافظات واعيات مدرسات ينشرن الفضيلة وينشرن العلم في البيوت، ويكن قدوة صالحة، لأن دعاة تخريب المرأة يقولون: إن المرأة أصبحت عندكم جاهلة أمية، نحن نقول: لا، عندنا المرأة الآن عالمة، وعندنا عالمات فقيهات زاهدات، ينادين بالدعوة والإصلاح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 9072

الدعوة عامة للرجال والنساء السؤال هل على المرأة من دعوة أم هي خاصة بالرجال؟ وهل يلزم من الدعوة أن تبلغ المرأة درجة من العلم أم يكفي ما تعلمته؟ الجواب أولاً المرأة داعية في النساء ليس في الرجال، فلا يلزمها أن تتصل بالتلفون بالناس صباح مساء تدعوهم إلى طاعة الله، حنانيك بيتك، وطاعتك، وأخواتك، وأبناء جنسك، أما الفتيان والرجال فلهم دعاة قد كفوك الأمر، فأنت ميدانك أخواتك وقريباتك في دعوتهن إلى الله، فإنهن يستمعن منك، ويتقين الله إذا سمعن الكلام الطيب، والمرأة تؤثر في المرأة، والمرأة تسمع من المرأة؛ لأن المرأة تعيش آمال المرأة، وطموحها وإيمانها، فعليكِ أن تكوني داعية، ولا يلزم من المرأة دائماً أن تكون محاضرة، أو خطيبة، لها أن تستصحب كتيباً أو شريطاً إسلامياً، أو تحفظ كلمة أو تؤثر بعملها. أما قول السائلة: هل يلزم من الداعية أن تبلغ منزلة من العلم؟ يقول النبي ﷺ : ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ حدها آية واحدة، أما أن نقول: لابد أن تكون كالفقيهة فاطمة بنت أحمد أو زينب بنت سعيد بن المسيب أو فلانة أو فلانة فلا، لا يوجد هذا، إلا نادراً، لكن عليها تبلغ ما معها، إن حفظت الفاتحة، فتبلغ الفاتحة، وإذا أجادت التحيات فعليها أن تعلم التحيات ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠] ولعل الله يدخل المرأة المسلمة بتعليمها الفاتحة الجنة ببنات جنسها وأخواتها وعماتها وقريباتها، هذا أمر لا يفوت.

стр. 9073

حكم مخالطة المرأة للأجنبي السؤال يوجد تساهل عند بعض النساء في مرافقة بعض السائقين الأجانب والركوب معهم، فما هو حكم ذلك؟ الجواب السائقون سواء، كل السائقين أجانب، سواء أكانوا سعوديين، أو فلبينيين، أو كوريين، أو من أي مكان كانوا، والخطأ كل الخطأ أن تركب معه وحدها، وأن تمشي معه بلا محرم، معنى ذلك: أنها هتكت ستر الله واستوجبت غضبه ولعنته، ووصيتي للأخت المسلمة أن تتقي الله في عرضها. ومن هذه الظاهرة أنها -مثلاً- تذهب إلى صلاة الفريضة أو التراويح فترافق السائق، لقد اكتسبت من الوزر، والإثم، والذنب أعظم مما تحصل من الأجر في صلاة التراويح، فما هذا الفقه؟! ترافق سائقاً لا تدري عن دينه وأمانته، قد يكون زنديقاً أو مجوسياً أو ماسونياً عميلاً، هذا رجل ليس بمحرم لها فلتتقي الله في ذلك.

стр. 9074

دعوة المرأة زوجها في بيتها السؤال يرفض زوجي وأولادي الامتناع عندما أمنعهم من سماع الأغاني، وتحدث مشاكل بيننا، كذلك هل أتخلص من أشرطة الغناء التي في المنزل مع احتمال حدوث مشاكل بيني وبين زوجي؟ الجواب الدعوة تكون بالحكمة قال تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] قال سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] ويقول : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] ويقول : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] ويقول عن دعوة النبي ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] ويقول في رسوله في رقته ودعوته وحبه، يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]. فيا أختي! لا تبدئين بمجابهة من أول الطريق، لكن خذي الأمر بليونة يوماً بعد يوم، وكلمة بعد كلمة، علَّ الله أن يهدي، وعلَّ القلوب أن تلين، وعلَّ الأمور أن تتضح، وأدخلي الشريط الإسلامي والكتاب الإسلامي، أشرطة القرآن، والمحاضرات، والدروس، هذا الذي ينفع، فإنها سوف تكون بديلاً بإذن الله.

стр. 9075

حكم المحادثة الهاتفية مع المخطوبة السؤال ما حكم المحادثات الهاتفية بين الخطيب وخطيبته وهو لم يعقد عليها بعد؟ الجواب أما في حدود استفسار من بعض الأسئلة للضرورة فلا بأس أن يسألها ولو قبل العقد، بشرط ألا يكون هناك ريبة ولا تهمة، يسألها -مثلاً- في بعض الأمور التي يتفق عليها هو وإياها، مكالمة واحدة فلا بأس، كالحياة الزوجية بينهما، ومواصلة الدراسة، واكتشاف رأيها في بعض الأمور المعيشية، وأما غيرها من المكالمات فلا تجوز قبل العقد، إنما مكالمة للضرورة من باب النظر الذي رخص فيه النبي ﷺ وإنما رخص فيه لحكمة، وكذلك المكالمة. وقد كان السلف يكلمون النساء من وراء حجاب، والله تعالى يقول: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [الأحزاب:٣٢] فمعنى ذلك: أن تتكلم، لكن لا بخشونة، ولا بميوعة فيطمع الفاجر فيها. وأخيراً: سلام الله عليكن، وأسعد الله أوقاتكن، وإلى لقاء ومجلس آخر، ومسيرة أخرى إلى جنة عرضها السماوات والأرض. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 9076

الرجل الممتاز من هو هذا الرجل الممتاز؟ إنه عمر بن الخطاب تلك الشخصية العظيمة، وكم هي عظيمة مواقف عمر بن الخطاب. من يبلغ منزلته في عدله، وذكائه، وخشيته لله وقوته، وحبه للمصطفى ﷺ ، وإخلاصه، وصدقه

стр. 9077

شائعة تطليق النبي ﷺ لنسائه إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته،، معنا في هذا الدرس جلسة طيبة بإذن الله، ومجلس مبارك بعون الله مع أصحاب رسول الهدى ﷺ ، مع الذين فتحوا الدنيا، مع الذين بذلوا دماءهم وأموالهم رخيصة في سبيل الله، واشتروا رضوان الله وجنة عرضها السماوات والأرض بكلمة لا إله إلا الله، مع الذين صدقوا الله فصدقهم الله ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [الفتح:١٨]. اتفق الشيخان واللفظ للبخاري عن ابن عباس ﵄ قال: سافرت مع عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه يحدث بالقصة مكة، فبينما نحن في الطريق عدل ﵁ وأرضاه يقضي حاجته، فقال: اتبعني بماء أتوضأ به، قال: فحملت إداوة ولحقته، فلما انتهى من قضاء حاجته أخذت أصب عليه ثم سألته قلت: يا أمير المؤمنين!! من هما المرأتان اللتان أنزل الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:٤] قال عمر: عجباً لك يا بن عباس! قال الزهري: كره عمر سؤال ابن عباس وكره أن يكتم العلم الذي أعطاه الله إياه. قال ابن عباس ﵄: ثم اندفع عمر ﵁ وأرضاه وقال: لما قدمنا المدينة مهاجرين مع رسول الله ﷺ نزلت في عوالي المدينة عند رجل من الأنصار؛ وذلك أن الرسول ﷺ كان يؤاخي بين المهاجرين الأنصار. قال عمر: فنزلت في العوالي عند أخٍ لي من الأنصار، فكنت أتناوب وإياه النزول إلى الرسول ﷺ في المدينة. أي: هذا ينزل ليلة وهذا ليلة وهكذا لأنهم كانوا يكدحون وسوف يأتي مجمل الحديث، قال: فنزل صاحبي في الليلة التي بقيت فيها، وكنا نتحدث أن غسان -قبيلة من القبائل العربية بـ الشام - تريد أن تغزو المدينة، قال: فقدم صاحبي علي في الليل فطرق الباب طرقاً شديداً، وضربه ضرباً، فقلت: ماذا حدث؟ قال: حدث أمر عظيم. قال عمر: أغزت غسان المدينة المنورة؟ قال صاحبي: لا، أمر عظيم. قلت: ما هو؟ قال: طلق الرسول ﷺ نساءه. فقال عمر: الله أكبر. ثم قال: ويحاً لـ حفصة، أما نهيتها عن معاندته ﷺ حتى وقع ما وقع، ولكن عمر كان صبوراً وحازماً وكان صارماً ﵁ كالجبل. قال عمر: فأخذت علي ثيابي، ثم أخذت حذائي فلبستها فنزلت فصليت الصبح. انظر ما أحسن سياق القصة! وما أحسن هذا التصرف الحكيم من عمر ﵁ وأرضاه! لم يأتِ وسط الليل يسأل الرسول ﷺ ولكن تركه حتى صلى الصبح. قال: ثم أتيت مسجد الرسول ﷺ فوجدت الناس يبكون حول المنبر؛ وذلك لأنهم سمعوا بالخبر، وهم يعيشون أحداث الرسول ﵊ وقضاياه. قال: فقلت للناس: أطلق الرسول ﷺ نساءه؟ قالوا: لا ندري.

стр. 9078

عمر يستأذن للدخول على النبي ﷺ قال: فذهبت إلى حفصة في بيتها فدخلت عليها فوجدتها تبكي. فقد أتاها الخبر ولكن ما تثبتت منه فقلت: أطلقك رسول الله ﷺ ؟ قالت: لا أدري. قلت: أين رسول الله ﷺ ؟ قالت: هو في المشربة قال: فانطلقت فإذا على المشربة غلام أسود يحرس رسول الله ﷺ قلت: استأذن لي رسول الله ﷺ . قال: فذهب فاستأذن فلم يأذن؛ فرجع الغلام فقلت: أستأذنت لي رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، حدثته أنك بالباب فلم يرد علي كلاماً. قال: فذهبت إلى المسجد وغلبني ما أجده في صدري فعدت فقلت للغلام: استأذن لي؛ فاستأذن مرة ثانية فلم يأذن له. قلت للغلام: أستأذنت لي؟ قال: نعم، ولكنه لم يرد عليَّ جواباً. قال: فذهبت إلى المسجد. انظر إلى هذا الصابر والجبل العظيم والعملاق، سوف يتحدث في مناظرة شفوية حارة مع الرسول ﷺ عن السبب، وما هو الداعي، وسوف يكون من صف الرسول ﷺ لا من صف ابنته؛ لأن بعض الناس إذا طلقت ابنته؛ قام معها ظالمة كانت أو مظلومة، شاكية أو مشكوة، والله يقول: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:٤] يعني حفصة وعائشة. كأنه يقول: لا تنخدعا، لا تظنا أن أبا بكر وعمر سوف يكونا في صفيكما؛ بل سيكونا مع الرسول ﷺ . قال: فرجعت مرة ثالثة، وقلت للغلام: استأذن لي رسول الله ﷺ ؛ فاستأذن فقال: دعه يدخل. قال عمر: فتسلقت درجة المشربة -درجة من عود منحوتة تصل إلى المشربة- قال: فدخلت إلى الرسول ﷺ وهو مضطجع وقد أثر الحصير في جنبه -لأنه لم يكن بينه وبين الحصير الذي هو من خصف النخل وطاء ولا غطاء- قال: فلما رآني ﷺ تربع في مجلسه، فعرفت الغضب في وجهه، فجلس ﷺ ؛ لأنه كان حساساً، وكان يتأثر بالمثيرات فتظهر في وجهه ﷺ . كان المنكر يظهر في وجهه، وكان سيما البشريات تظهر في وجهه، تقول عائشة: [[إذا سر رسول الله ﷺ ؛ لأسارير وجهه كانت تبرق كالعارض البارق]] أي: كالبرق إذا عرض، ولذلك قالت: كنت أتذكر قول أبي كاهل يوم قال: وإذا أستسر ترى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل

стр. 9079

عمر يتأكد من الخبر قال عمر: فتربع في مجلسه، فأراد عمر أن يدخل بالدعابة إلى قلب الرسول ﷺ قبل أن يتكلم معه. بماذا يدخل من المزح حتى يتبسم ﷺ ؟ اسمع ماذا يقول فاروق الإسلام أبو حفص، الذي دكَّ دولة الباطل وإمبراطورية كسرى وقيصر، والذي كان كما يقول الأول: يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواه يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه قال: يا رسول الله! قال رسول الله ﷺ : نعم. قال: لو رأيتنا كنا رجالاً -يقصد قريشاً- تخافنا النساء ونحن في بكة، فقدمنا إلى أناس في المدينة فوجدنا نساءهم تخيفهم، فأصبحنا نخاف النساء، لو رأيت بنت زيد -يقصد عاتكة زوجته- تطلبني النفقة يا رسول الله -رجل مهاجر فقير مسكين ليس عنده ما يتغدى منه ويتعشى، وهي تطلب الحلي الذهب والفضة- تطلبني النفقة يا رسول الله وتغاضبني؛ فتبسم ﷺ ، فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله، ثم جلس. كان ذلك الكلام توطئة، فلما تبسَّم ﷺ جلس بين يديه. انظر إلى الحكمة! وإلى الدخول إلى قلوب العظماء والزعماء والقادة! فلما جلس قال: فنظرت فإذا أثر الحصير في جنبه ﷺ . قال: فلمحت المشربة، والله ما رأيت شيئاً يرد البصر إلا شيئاً من شعير كان معلقاً في جانب البيت، فدمعت عيناي. من قال من المؤرخين: إن عين عمر سوف تدمع لولا الإسلام؟ ومن قال: إن قلبه سوف يرق لولا (لا إله إلا الله) ومن قال: إن روحه سوف تلين برهة من الدهر لولا عظمة هذا الدين، كان لا يعرف الدمعة من الرحمة، ولا يعرف اللين، ولا المسامحة، إنه رجل عملاق؛ ولذلك جعلته قريش السفير لها مع قبائل العرب، فهو الواجهة العظمى التي لا تلين، وكان الناس يخافونه. لكن لما دخلت لا إله إلا الله في هذا القلب الكبير؛ أصبح يتأثر تأثراً عظيماً، من يصدق أنه يصعد المنبر يوم الجمعة، فينقطع صوته من البكاء على المنبر؟! ومن يصدق أنه يرى الأثر الذي يثير الخشية فيبكي؟! فلما رأى حفنة الشعير ورأى الحصير يؤثر في جنب المصطفى ﷺ ، يا عجباً ألا يجد اللحم! ألا يجد الخبز! ألا يجد اللذائذ والطبيات، والفواكه والخضروات!! فلماذا يجدها كسرى وقيصر؟! وتدمع عيناه ﵁؛ فيلتفت ﷺ ويقول: ما لك يـ ابن الخطاب؟ فقال عمر: يتنبأ بالأحداث، وأنه سوف يدكدك بقدميه تلك الدولتين الظالمتين- قال: يا رسول الله كسرى وقيصر وهما ما هما -أي: أعداء الله- وهما في العيش الرغيد، وأنت رسول الله وأحب الناس إلى الله، وأنت في هذا الحال! فجلس ﷺ مستوفزاً، وقال: أفي شك أنت يـ ابن الخطاب؟ أي: أفي شك من عدل الله؟ أو في شك من ميزان الله في الأرض؟ أوفي شك من رسالة الله؟ أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا، أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم.

стр. 9080

النبي ﷺ ينفي هذه الشائعة ثم أتى عمر فقال: يا رسول الله أطلقت نساءك؟ قال: لا. قال عمر: الله أكبر! ارتاح وهدأ باله وارتاح ضميره؛ لأنه لا يريد أن يخسر بنته من عند رسول الله ﷺ ، ويريد أن يأتي يوم القيامة وصهره ورحيمه هو رسول الهدى ﷺ ، ويريد إذا دخل الجنة أن يزور رحيمه رسول الهدى ﷺ فخرج عمر ﵁ إلى الناس وبشرهم أن الرسول ﷺ لم يطلق نساءه، وإنما حلف ألا يدخل عليهن شهراً كاملاً، فلما انقضت تسعة وعشرون يوماً؛ نزل ﷺ فطاف على نسائه، وبدأ بـ عائشة فقالت عائشة: يا رسول الله، بقي ليلة، الشهر ثلاثون يوماً، قال ﷺ : لا، الشهر تسعة وعشرون يوماً. ولذلك يقول: ﴿نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا﴾ يعني أمة ذكية بليغة، عبقريتها مستوحاة من الصحراء، فنحن لا نعرف الجبر ولا الهندسة ولا نعرف الجمع ولا الطرح وإنما نحسب هكذا، ثم نزل ﷺ وقد آلى من نسائه ثم عاد. هذا مجمل الحديث أو نحو هذا أو شبه هذا، ونستغفر الله إن زدنا أو نقصنا، لكن هذا الحديث أو نحوه هو الذي أورده البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب السنن والمسانيد.

стр. 9081

من فوائد حديث هجر النبي ﷺ لزوجاته وفي هذا الحديث مسائل:

стр. 9082

الحرص على طلب العلم حرص ابن عباس على طلب العلم؛ ولذلك قال عنه ابن تيمية: أما ابن عباس فعلمه كالبحر ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤] لكنه لقي أعلم منه وهو عمر بن الخطاب فأصبح ذرة صادفت جبلاً، فأعلم الناس في هذه الأمة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ولذلك طرح سؤال في كتاب المنطق لـ ابن تيمية المجلد التاسع يقول: يدعي بعض المتأخرين أنهم لكثرة معلوماتهم في أصول الفقه وعلم المنطق وعلم المساحة والفلسفة وعلم الكلام، يظنون أنهم أعلم من أبي بكر وعمر! هذا وسواس ورد إلى بعض الناس، لأن أبا بكر وعمر ما كانا يعرفان المنطق، ولا علم الكلام ولا الفلسفة، فأتى ابن تيمية يرد برد قوي جازم قال: كذب أفراخ الفلسفة وأفراخ علم الكلام وأفراخ النصارى واليهود، بل أعلم الناس وأتقاهم وأخشاهم وأصدقهم -وكلاماً نحو هذا- أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي فـ أبو بكر، وعمر من أعلم الناس. فلما أتى ابن عباس وسافر مع عمر أخذها فرصة أن يتعلم من هذا الرجل الملهم، والبحر الخضم، الذي تنساح وتنداح الفوائد من على لسانه ومن جنباته كالدرر من البحر، أو كمكنوزات الجواهر من كنوزها.

стр. 9083

فضل عمر ﵁ وكراماته عمر ﵁ فاق الناس بعلمين اثنين: علم النظر وعلم الإلهام، علم النظر: هو الحاصل المحصل بالتحصيل، والأسئلة من الرسول ﷺ . والعلم الآخر: علم الإلهام الذي ألهمه الله ، فإنه يقول ﵊ فيما صح عنه: ﴿لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب﴾ وفي لفظ آخر: ﴿لو بعث بعدي نبي لبعث عمر بن الخطاب﴾ وقال رسول الله ﷺ : ﴿إن يكن منكم محدثون فإنه عمر بن الخطاب﴾ وقال علي ﵁ وأرضاه: [[كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر]] وقال ابن عمر ﵄: [[ما كنا نبعد أن السكنية كانت تنطق على لسان عمر ﵁ وأرضاه]] والسبب:- أولاً: الإخلاص والصدق مع الله قال الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] فلما علم الله صدقه وإخلاصه وإنابته وعبوديته؛ رزقه الله الإلهام فكان يفيض عليه العلم فيضاً. وفي صحيح البخاري قال ﷺ : ﴿رأيت البارحة كأني أتيت بقدح من لبن فشربت منه، حتى رأيت الري يدخل في أظفاري قال: ثم أعطيت فضلتي عمر بن الخطاب، قالوا: ما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم﴾ ويقول في حديث آخر في البخاري: ﴿رأيت في المنام الناس يعرضون علي وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره في الأرض قالوا: ما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين﴾ فكان من أعظم الناس ديناً وعلماً. رجل ملهم كان يتحدث بالكلام فيأتي كما يتحدث بإذن الله، ينطق والسكينة عليه، يقول مثلاً: ليت الله أنزل لنا في الخمر شيئاً شافياً، فأنزل الله في الخمر شيئاً، ويقول: لو حجبت نساءك يا رسول الله، وبعدها بأيام ينزل الحجاب، ويقول: يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى في الحرم، فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة:١٢٥]. أصبح إنساناً يتحرك بنور من الله ، يخطب المسلمين يوم الجمعة والصفوف وراءه، وعظماء الإسلام وقواده وزعماؤه بين يديه، وفجأة يقطع الخطبة مباشرة وينادي في المسجد: يا ساريةُ الجبل، يا ساريةُ الجبل، يا سارية الجبل. فينزل وينتهي من الصلاة فيقول الصحابة: ما لك يا أمير المؤمنين، ماذا حدث؟ قال: كشف الله لي فرأيت سارية -قائد من القواد أرسله في جنوب إيران ليقاتل أعداء الله فأحاط به الأعداء من كل جانب وقت صلاة الجمعة وعمر على المنبر في المدينة، فكشف الله الغطاء لـ عمر كرامة من كرامات الأولياء، فرأى سارية وهو يحاصر من كل جانب فيناديه عمر ويقول: التجئ بعد الله بالجبل. فيسمع سارية صوت عمر وهمسات عمر ونداء عمر، فيأتي ويلتجئ بإذن الله إلى الجبل فيعصمه الله ذاك اليوم! فيأتي سارية بعد أن انتصر فقال له المسلمون: أحدث لكم شيء؟ قال: كدنا نهلك في يوم كذا يوم الجمعة، فسمعت صوت عمر الذي لا أنكره وهو يقول: يا سارية الجبل؛ فالتجأت إلى الجبل فعصمني الله. هذا سند صحيح رواه صاحب تاريخ داريا. فـ عمر ﵁ يكشف الله له؛ لأنه صادق مع الله، وقد علم الله سريرته، وعلم أنه يريد الخير لهذا الدين، وهو يتكلم من اعتزازٍ قوة؛ فأعطاه الله القوة والاعتزاز؛ ولذلك فالمهزوم في داخل نفسه لا يمكن أن تستفيد منه شيئاً؛ الذي لا يعتز بالإسلام، ولا يعتز بالسنة، ولا بالاستقامة إنسان مهزوم، فاشل في الحياة، فكيف تطلب الماء من الظمآن؟! وكيف تطلب الشبع من الجائع؟! هذا إنسان ولو صلى وصام لكن لا يعتز بالإسلام، لا يعتز بالرسالة الخالدة. عجباً الأمريكي يعتز بـ النصرانية المحرفة، واليهودي ابن القرد والخنزير يعتز بـ اليهودية المحرفة، والشيوعي البلشفي يعتز بـ الشيوعية، والمسلم الذي بعثه الله للناس كما بعث رسوله ﷺ في أمة رائدة خالدة خاتمة لا يعتز بالإسلام! كيف لا نعتز بهذا الدين كما اعتز به عمر ﵁ وأرضاه، وصلى الله وسلم على صاحب الدعوة وعلى آله وصحبه. يأتي عمر ليفتح بيت المقدس فيلبسه بعض الصحابة بعض اللباس الجميل حتى يظهر أمام الأحبار والرهبان بمظهر جميل، ويستعرض الصحابة القواد، وتستعرض الجيوش أمامه والخيول والفرسان، فيخلع لباسه ويلبس بردته الممزقة التي فيها أربع عشرة رقعة، ويأخذ عصاه ويقول للجيوش: [[انصرفوا عني، نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله]]. نحن قوم بنينا ثقافتنا وحضارتنا ودولتنا ومعرفتنا من (لا إله إلا الله) أي: لولا (لا إله إلا الله) ما كانت لنا حضارة ولا ثقافة ولا معرفة، فالآن تريدون أن نتزين للناس ونتجمل بالأرض، فلما علم الله أنه يريد نصرة هذا الدين عزه عزاً ما بعده عز، ولذلك يذكر في كل مجلس، وفي كل دولة، وكل مقاطعة، وإقليم، وعرفه الناس كافة مؤمنهم وكافرهم، ويهوديهم ونصرانيهم وشيوعيهم: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة:٤].

стр. 9084

سبب قلة مرويات عمر مع وفور علمه فـ ابن عباس سأل عمر عن هذا، فأخبره عمر ﵁. ولسائل أن يقول: كيف تقول أن عمر أعلم من ابن عباس وأحاديث ابن عباس أضعاف مضاعفة على أحاديث عمر؟ أقول: نعم. أحاديث ابن عباس من ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف حديث، ولـ عمر ما يقارب من سبعمائة حديث أو نحو هذا في السنن والمسانيد التي جمعت فكيف يكون أعلم؟ والسؤال الثاني: كيف تقول: إن عمر أعلم من ابن عباس، وابن عباس تكلم في جل آيات التفسير وعمر لم يتكلم إلا في آيات معدودة؟ و الجواب أن يقال إن عمر أعلم بلا شك، لكن شغله عن الرواية الخلافة والإدارة والسياسة، كان رجلاً إدارياً من الدرجة الأولى، والعجيب أنه قد كتب عن حياته كتاب إنجليزيون وفرنسيون وأمريكان؛ ألفوا في سياسته وإدارته وعلم الاجتماع عنده وعلم العمران؛ لأنه رجل فذ، هو الذي دون الدواوين وجند الجيوش، وأسس الأسس، وسن للدولة الإسلامية على سنة المصطفى ﷺ معالم خالدة، فشغل بهذا الأمر فأصبحت روايته قليلة، فهذا من جانب. ومسألة الحرص على طلب العلم من أعظم خصال المؤمن، وإذا رأيت المؤمن يحرص على طلب العلم والتفقه في الدين، فاعلم أن الله أراد به خيراً قال ﷺ : ﴿من يرد الله به خيراً يفقه في الدين﴾ متفق عليه. والذي لا يريد الله به خيراً لا يفقهه في الدين، يعيش هملاً سواء استفاد أم لم يستفد، عرف شيئاً من القرآن أم لم يعرف، تدبر السنة أم لم يتدبرها، حصل على فائدة أم لم يحصل عليها، فالأمر عنده سيان، فإرادة الله للعبد الخيّر هو أن يفقهه في الدين.

стр. 9085

الرحلة في طلب العلم موسى ﵇؛ رسول المناظرة وأستاذ العقيدة الذي وقف في أعظم المواقف مع فرعون، يقف في بني إسرائيل خطيباً فينطق بالحكمة، ويسمعون الموعظة الحسنة وهي تنساب على لسانه فيقول بنو إسرائيل: أتعلم يا موسى أن الله خلق أعلم منك؟ فيقول: لا. وصدق ﵇، هو نبي وعنده رسالة، والتوراة كتبها الله بيده وأعطاها موسى، فهو لا يعلم أعلم منه؛ فأوحى الله إليه أن عبدي الخضر بأرض كذا هو أعلم منك. قالوا: في العلم الباطن أما علم الظاهر فأنت أعلم. لماذا؟ ليتواضع أولاً- وهو متواضع ﵇ والأمر الثاني: ليطلب العلم ويحرص عليه. وقد عقد البخاري في كتاب العلم باب (الرحلة في طلب العلم) ثم أتى برحلة موسى إلى الخضر ﵉، فارتحل وطلب العلم، وانظر إلى قول موسى لفتاه وهو يقدم له السمك وقت الغداء بعد أن تعب وارتاح وبدأ يتأوه وعرقه يتصبب وهو يقول: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً﴾ [الكهف:٦٢] يعني: تعبنا في هذا السفر، ولذلك يقول: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ [الكهف:٦٠] يقول: سوف أسافر في طلب العلم أياماً أو سنوات حتى أصل، فلما وصل إلى الخضر ﵇ بدأ معه، وموسى فيه جرأة وشجاعة وصراحة، وكان عمر بن الخطاب يشبه موسى ﵇، وفي الصحيح يقول ﷺ : ﴿أما أنت يا عمر فأشبهت موسى ﵇﴾ فهو صريح. ولذلك لما ركب مع الخضر في السفينة ركب كالتلميذ، لكن الخضر اشترط عليه ألا يتكلم في القضايا، يعني: يصبر قليلاً ولا يناقشه في الأسئلة، لكن لما خرب ذاك السفينة قفز موسى ﵇ قال: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ [الكهف:٧١] التلميذ يقول للشيخ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ [الكهف:٧٤]. ثم لما قتل الغلام قال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف:٧٤] وقبل سامحه الخضر يقول له أول مرة: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٢] وبعدها يقول: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٥] فزاد (لك) هنا تأكيداً له. وفي الثالثة جاءا جائعين ساهرين متعبين فينزلان في قرية، فيسألان أهل القرية أن يضيفوهما ببعض الطعام، فرفضوا، شد الله على قلوبهم البخل، نظر في الجيران فلم يجد جاراً ولا أخاً ولا صاحباً، فلما تركوهم ذهب الخضر وقال لموسى: تعال نبني هذا الجدار. قال: سبحان الله! قوم لم يضيفونا وتريد أن تبني جدارهم؟! ركبنا مع صاحب السفينة وتخرق السفينة وكان أولى بالمعروف، ومررنا بغلام من الصبيان فقتلته، والآن هؤلاء طردونا وتريد أن تبني جدارهم؟! فقال الخضر قبل أن يتكلم: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:٧٨] لا أتحمل إلى هذا المستوى، يعني: أنا في جدال وفي نقاش حتى هذه اللحظة، أنا أريد تلميذاً لا يسأل؛ ولذلك غلاة الصوفية يقولون: لا يفلح التلميذ إذا قال لشيخه: لماذا تفعل كذا أو لماذا تقول كذا. قال الذهبي: [[والله يفلح ثم يفلح والسلام]] يفلح عشرين مرة، لأن هذا الدين ليس إلغاءً للعقل كـ النصرانية بل لك أن تناقش ولكن بأدب، ولكن أن تقول للأستاذ ولو كان من أساتذة الدنيا وعلماء المعمورة، ولو كان أمامك أحمد بن حنبل أو مالك أو ابن تيمية تقول: لماذا تأتي بهذه المسألة وما هو دليلك؛ لأن المعصوم هو محمد ﷺ . فقال الخضر: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٨] لكن قبل أن تذهب سوف أعطيك الحكم؛ لأن هذه فائدة الرحلة، وإلا لو قال له: لا أخبرك بشيء ذهب موسى يعلم بني إسرائيل ويقول لهم: خرب السفينة وقتل الغلام وبنى جداراً بلا أجرة!

стр. 9086

استطراد وذكر في الآيات أربع إرادات قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ [الكهف:٧٩] انظر هنا كيف قال: (فأردت) ولم يقل (فأردنا) وسوف يأتي (فأردنا) وسوف يأتي (فأراد ربك) وسوف يأتي في الجدار (فأراد أن ينقض) هذه أربع إرادات، لكن هنا في الضمير قال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ [الكهف:٧٩] بضمير المتكلم، ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْما * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ [الكهف:٨٠ - ٨٢] ولم يقل (فأردت) مثل الأول ولم يقل (فأردنا) ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ [الكهف:٨٢]. الآن نعود إلى الإرادة الأولى قال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩] الذي أمره أن يعيب السفينة هو الله ، فليس من الأدب أن يقول: فأردنا أو أراد ربك أن أخرب السفينة والله هو الذي قدر الخير والشر -هذا معتقد أهل السنة والجماعة لكننا نتأدب مع الله في ذكر الشرور والخراب، فلا نقول: إن الله الذي فعل كذا وكذا من باب التأدب؛ لأن خراب السفينة ظاهر عند الناس أحاله على نفسه تأدباً مع الله، وهذا من الوقار والخشية. قال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبا﴾) [الكهف:٧٩] فإذا رآها فسدت لا يأخذها وإذا رآها تكسرت لا يأخذها، لا يأخذ إلا شيئاً صحيحاً، ولا يأخذ إلا آخر موديل، فإذا رآها مكسرة الأخشاب قال: ردوها على اليتامى. فهذا من الحكمة. ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ [الكهف:٨٠ - ٨١] جمع هنا الضمير لأن في قتل الغلام خراباً ظاهراً ومصلحة باطنة، فالمصلحة الباطنة أن الله يبدلهما خيراً منه، والمفسدة الظاهرة: قتل نفس معصومة، فكأنه يقول: إن كان هناك شيء من الخراب؛ فهو من جانبي وأما الصلاح فهو لله فجمع الضمير. ولما أتى إلى الجدار قال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف:٧٧] والعرب تنسب الإرادة من باب المجاز أو غيره على قول من قال: أن في القرآن مجازاً، وابن تيمية يقول: ليس في القرآن مجاز. والعرب تنسب الإرادة أحياناً إلى الجماد، يقول الله في سورة يوسف: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف:٨٢] والقرية لا تُسأل، لكن من عادة العرب أنهم يمرون على الأطلال فيقول الشاعر إذا مر على الأطلال: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها لما نسجتها من جنوب وشمألِ وذاك يقول: وقفت على الأطلال أسألها هل في المحبة والأوطان أحباب فعلى تلك اللغة كان الله يسأل أهل القرية. ولما أتى إلى الأخير قال: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ [الكهف:٨٢] لأنها مصلحة ليس فيها مفسدة، أناس لم يضيفوك؛ فبنيت لهم الجدار فلا فساد، بل صلاح محض، فكانت الحكمة لله، ولذلك انظر إلى تلطف الجن عندما أتوا ليأخذوا الأخبار وقت نزول الوحي، أرصدهم الله بالشهب والأجرام السماوية حين تغيرت الأرض والسماء لمبعث الرسالة، فذهبوا يلتمسون الوحي؛ فوجدوا أن السموات قد أغلقت بالحرس، كلما أتى واحد منهم ضرب بشهاب في قفاه وقتله، فأخذوا يتجمعون خائفين ثم أخذوا يقولون: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن:١٠] (أريد) وما قالوا (أراد) فبنوا الفعل (أريد) للمجهول تأدباً مع الله، ولما أتوا إلى الخير قالوا: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن:١٠] فأظهروا الفاعل هنا، وإبراهيم ﵇ يقول: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٠] وإلا فالصحيح أن الله هو الذي أمرضه، ولكن ما قال: والذي يمرضني ويشفين، ولكن قال: إذا مرضت أنا تأدباً مع الله . والله ما طلب من الرسول ﷺ أمراً أن يتزود منه إلا العلم فقال له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤] ولذلك فمن الصحابة من سافر شهراً كاملاً في طلب حديث واحدٍ، كـ جابر بن عبد الله الذي سافر شهراً كاملاً لطلب حديث من مصر، وسعيد بن المسيب سافر ثلاثة أيام لطلب حديث واحد، أما نحن والحمد لله ففي بيوتنا مئات الألوف من الأحاديث والمسانيد والمعجمات والمستخرجات، ولكن قلّت الهمم في القراءة، الإمام أحمد يطوف الدنيا أربعين سنة ويجمع أربعين ألف حديث، وهي مطبوعة ومحققة ومجلدة وموضحة في أدراجنا، فمن يقرأ ومن يستنبط ومن يفهم؟

стр. 9087

جوانب من عظمة عمر

стр. 9088

علمه علم عمر ﵁، وقد سبق أن قلنا: إن علمه نظري استنباطي وإلهامي، فهو محدث من الله ، وهذا بسبب إخلاصه وإنابته إلى الله . وكان من مواصفات علم الصحابة أنه كان قليلاً لكنه مبارك، وكلام المتأخرين أكثر من علمهم، الآن إذا سألت شيخاً في مسألة أعطاك محاضرة! بينما لو تسأل عمر بن الخطاب مسألة لقال: نعم أو لا. وقد كان النبي ﷺ يفتي بسطر أو بسطرين، ويخطب يوم الجمعة ما يقارب ست دقائق -كما حسبها بعض الناس الآن- أما نحن فإننا نحتاج إلى إفهام الناس وتفهيم أنفسنا أوقاتاً طويلة، وإلا لو وقف الخطيب الآن ست دقائق ما استطاع أن يكمل مقدمة الخطبة أن يقول: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نفعني الله وإياكم بالآيات والذكر الحكيم. ومن الفائدة العطرة، والموعظة البليغة: ألا ضرر ولا ضرار، ولا يطلب من الخطيب أو من الواعظ أن يأخذ الناس على حسابه فلا يطلقهم إلا لصلاة العصر! لماذا؟ أخذ عليهم صكاً شرعياً أن يبقوا في مسجده حتى يقطع ظهورهم بالكلام، ولا يطلب منه كذلك أن يأخذ دقائق فلا يوفي الكلام حقه، فكن بين بين.

стр. 9089

هيبة عمر ﵁ رغم جلالة ابن عباس ومكانتة في الإسلام؛ فإنه كان يهاب عمر، وكان كبار الصحابة يهابون عمر بن الخطاب، ومن عادة الناس أنك إذا خالطت الإنسان كأبيك وأخيك ومعلمك دائماً أن تقل هيبته، لكن عمر بخلاف ذلك، يخالطه الصحابة دائماً في مجالسهم وفي منتدياتهم ومجتمعاتهم وما يزداد مع ذلك إلا هيبة، ﵁ وأرضاه. من مواصفات شخصيته أنها كانت قوية جداً، كان فيه شدة لكن في الحق، يقول ابن كثير: ما كان يضحك ولا يمزح، عمر في خلافته لا يضحك ولا يمزح أبداًَ، صارم كالسيف؛ ولذلك أرهب الله به أعداء الله من الإنس والجن، حتى الجن كانوا يخافون منه، وثبت في الحديث أنه صارع جنياً فصرعه على الأرض، قال عمر: [[كيف أنت في الجن؟ قال: لقد علم الجن أني من أقواهم]] لكن واجه رجلاً قوياً فصرعه. وعمر حتى من حيث تكوينه الجسمي كان من أقوى وأعتى الناس، كان إذا مشى كأنه راكب على فرس. وبعض الأمور والطرائف وضعها بعض أهل السير وما أظنها تثبت، لكن يذكر أن حلاقاً كان يحلق رأس عمر فعطس عمر فأغمي على الحلاق حتى رش بالماء، فكيف إذا تكلم عمر أو نهره! وأنا سمعت من بعض الدعاة المفكرين يذكر في خطبته يقول: لما دفن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه في القبر أيقظه المنكر والنكير -الفتان- ليسألاه، فلما استيقظ بدأ بهما وقال: من ربكما؟ من نبيكما؟ ما دينكما؟ لقوته ﵁ وأرضاه. فيذكر عن عمر ﵁ وتركب عليه مثل هذه الدعابات؛ لأنه كان من القوة بمكان لا يعلمه إلا الله . تصور أن الهرمزان رسول إمبراطورية كسرى جاء يفاوض عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، فيأتي في حشم وحاشية، يلبس الحرير والديباج، ومعه من الأكسية والذهب والفضة ما يريد أن يرعب به الأمة العربية، والبدوي إذا رأى شيئاً من ذهب ربما يصرع، أو رأى شيئاًَ من الفضة يغمى عليه؛ لأنهم لا يعرفون الفضة ولا الذهب، دائماً مع الغنم والإبل، ودائماً مع الخيام والثياب والسيوف المثلمة والرماح، في حياة بدائية. أما أولئك فأهل حضارة، ولذلك هم يعدون الآن مثل أمريكا وروسيا، أنزلهم الله في النار جميعاً: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨]. فالمقصود أن الهرمزان اختاره الملك فقد كان ذكياً وصاحب هيبة، فدخل المدينة بالموكب، فأتى يسأل الناس: أين قصر الخليفة؟ عمر هذا الذي دوخ الدنيا، أخذت نساء فارس يسقطن الحمل من هيبته وهو في المدينة جالس على عباءته المرقعة وخبز الشعير أمامه والزيت معه، ليس عنده من الحرس ولا من الهيلمان والقصور شيء. فيقول الهرمزان: أين قصر الخليفة؟ قال الصحابة: ليس له قصر. قال: أين مجلس الشورى الذي يجتمع بالناس فيه؟ قالوا: ليس له مجلس شورى، بل في المسجد. قال: دلوني على المسجد. وأخذ يذهب معهم ويظن أنه سيلقى ناطحات سحاب أو قصوراً مثل قصور كسرى مطلية بالذهب. فأخذ يسأل قالوا: في المسجد، فمر في سكك المدينة، وتخيل قرية صغيرة، بيوت الطين منها مبنية، طرقها متلاصقة ومتواضعة، حتى إذا مددت يدك لحقت السقف في كل بيت، لكن من هنا انبعثت (لا إله إلا الله) ومن هنا أتت حضارة الإنسان، ومن هنا رفعت راية لا إله إلا الله، ومن هنا أعيدت معالم البشرية مرة ثانية، ومن هنا خرج أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وحسان والزبير وطلحة وزعماء الإسلام وأدباؤه وشعراؤه وعلماؤه. فذهب إلى المسجد والناس وراءه، منظر عجيب! من هذا الذي يلبس هذا اللباس، والشمس تلمح مع الحرير والديباج والفضة، كلما ذهب في حارة ذهبوا معه في الطريق. فدخل في المسجد والتفت وقال: أين عمر بن الخطاب؟ قالوا: ما وجدناه. خليفة الدولة الإسلامية لا يوجد ويبحث عنه بالملاقيط؟! قالوا: ما وجدناه. في الأخير، قال رجل: أبشركم، وجدت عمر بن الخطاب. قالوا: أين؟ قال: نائم تحت شجرة في ضاحية من ضواحي المدينة، فذهب الهرمزان وذهب وراءه الناس، وأتوا إلى عمر ﵁ في آخر نومه قبل صلاة الظهر، فوقف على رأسه، وكان أهل فارس أهل عقول ودهاء؛ ولذلك يقول عمر: [[إن لأهل فارس عقولاً ملكوا بها الدنيا]]. انظر ما استهزأ بـ عمر، ولا سخر، ولا قال: هذا ملك وخليفة المسلمين في هذا الزي المقطع؟! لا، أخذ يرتعد، فيقول له الناس: ما لك؟ فيقول للترجمان وهو يشير إلى عمر: حكمت فعدلت فأمنت فنمت، ولذلك حافظ إبراهيم شاعر وادي النيل في محفل في القاهرة حضره ألوف مؤلفة أتى بهذه الكلمات: حكمت فعدلت فأمنت فنمت، يقول حافظ إبراهيم في أول القصيدة: حسبي وحسب في حين أرويها أني إلى ساحة الفاروق أهديها يا رب هب لي بياناً أستعين به على حقوق ديون نام قاضيها إلى أن يقول: قل للملوك تنحوا عن مراتبكم فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها إلى أن يقول: وراع صاحب كسرى أن رأى عمراً بين الرعية عطلاً وهو راعيها يقول: ذهل واندهش صاحب كسرى لما أتى وعمر وهو صاحب الرعية عطلاً أي: أنه جالس بلا حلي وعليه ثوب ممزق. رآه مستغرقاً في نومه فرأى فيه الجلالة في أسمى معانيها فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملاً ببردة كاد طول العهد يبليها لبسها من أول الخلافة إلى آخر الخلافة، ما خلعها إلا ولبس الأكفان بعدها، كان يرقعها كل يوم، تنشق من هنا فيرقعها من هنا والذهب والفضة تحت يديه! لكن أولئك قوم اختارهم الله للآخرة، قال: رآه مستغرقاً في نومه فرأى فيه الجلالة في أسمى معانيها فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملاً ببردة كاد طول العهد يبليها فقال قولة حق أصبحت مثلاً وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها أمنت لما أقمت العدل بينهم فنمت نوم قرير العين هانيها وقام عمر ﵁ وأرضاه وفاوضه، وما يزداد هذا إلا رعباً وخوفاً، أنزل الله الخوف والرعب فيه فهو يرتعد بجانب عمر، وقد كانت قوة الأرض مع أولئك؛ لكن قوة (لا إله إلا الله) مع عمر، فـ عمر بلا شك كان من أهيب الناس، الرسول ﷺ يجلس مع النساء؛ لأنه معلم ومربِ ولين وحكيم، وقد كان عمر حسنة من حسناته ﷺ ، بل هو ورقة من شجرته، فلو كان الرسول ﷺ مثل عمر في القوة والصرامة ما تعلم الناس كثيراً، ولا جلس معه الأطفال، ولا سألته النساء، لكن النبي هو معلم البشرية، فهو لين، يقول الله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ويقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. ﴿فجلس مع النساء، وأخذ بعض النساء يتمازحن في مجلسه ﷺ ، فلا إله إلا الله ما أبره! ولا إله إلا الله ما أرحمه وما أحلمه! ولكن فجأة جاء عمر بن الخطاب، فسمع النساء جلبة عمر فأخذن يتسابقن إلى الحجاب بعضهن تركب بعضاً! ودخل عمر، فقال: يا عدوات أنفسكن -وهذا في الصحيح- كان رسول الله ﷺ أحق أن تهبن منه (أو كما قال ﵁ لكن ردت امرأة عاقلة، قالت من وراء الحجاب: أنت فظ غليظ القلب ورسول الله ﷺ رحيم لين﴾ أو كما قالت. فهو صارم ﵁، فأخزى الله الشياطين من الجن والإنس بصرامته؛ لأنه لو كان ليناً وكان أبو بكر ليناً ما صلح اللين مع اللين، أبو بكر تولى بعد الرسول ﷺ مباشرة في مرحلة تستحق اللين سنتين وستة أشهر، لكن تمردت بعض القبائل وتمردت بعض الشعوب وبعض الدول، فأتى هذا الداهية العملاق يقول ﷺ في الصحيح: ﴿رأيت في المنام كأن أبا بكر أخذ الدلو فدلى دلوين أو ثلاثة وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم أخذها ابن الخطاب فاستحالت، فما رأيت عبقرياً يفري فريه﴾ أو كما قال.

стр. 9090

فوائد في الحديث تتعلق بالنبي ﷺ

стр. 9091

التشديد في كتمان العلم عمر كره مسألة ابن عباس ﵄ ولكنه لم يكتم العلم، يقول : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠] ومن اعتقد أن الصحابة قد كتموا شيئاً من العلم أو أنهم سكتوا على شيء من العلم الذي تحتاجه الأمة؛ فغضب الله عليه وله من الله ما يستحقه، بل بلغ الرسول ﷺ الرسالة فصيحة ناصعة بليغة مطبقة لكل شئون الحياة قليلها وكثيرها، وبعض فرق المبتدعة تقول: الرسول ﷺ ما أخبرنا بالأسماء والصفات، أخبرنا بالوضوء والحيض، وأخبرنا بالصلاة والصيام والزكاة والحج، أما الأسماء والصفات فما أخبرنا، هذه خيانة منهم، بل هذا من أعظم المطالب وقد أخبرنا ﷺ بكل دقيقة وجليلة ومن أعظمها الأسماء والصفات؛ فقد بينها بياناً شافياً.

стр. 9092

سبب نزول الآية وكيف تعامل النبي ﷺ مع أزواجه في آية: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:٤] ينتقل بنا القرآن إلى بيت الرسول ﷺ لنعيش مع الأب المربي الحاني في بيته، رسول الهداية وأستاذ البشرية ومعلم الإنسانية، وهو يعيش مع المرأة زوجاً، فالقرآن يتابع الرسول ﷺ في كل شأن من شئون الحياة، يتابعه قائداً عملاقاً، وإدارياً بارعاً، وخطيباً مصقعاً، ومفتياً فطناً، ويتابعه مجاهداً وقائداً، ويتابعه مربياً في البيت ومعلماً، فتعالوا مع القرآن في لمحة من اللمحات وفي سورة من السور والرسول ﷺ في البيت مع زوجاته. سبب نزول هذه الآية عند كثير من أهل العلم: أن الرسول ﷺ ذهب إلى زوجته زينب بنت جحش، فقدمت له عسلاً فأكل العسل، سمعت عائشة وهي ضرة لـ زينب بأن الرسول ﷺ أكل عسلاً عند زينب فأخذتها الغيرة، فذهبت إلى حفصة وطرقت عليها بيتها. حفصة بنت عمر وعائشة بنت أبي بكر يتظاهران أي: تقومان صفاً واحداً في مخالفة الرسول ﷺ فقوله: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ [التحريم:٤] أي: تعاونا عليه، فإن الله هو عونه وجبريل وصالح المؤمنين، فالله معه في حزبه، فقالت عائشة لـ حفصة: [[سمعنا أن الرسول ﷺ أكل عسلاً عند زنيب، فإذا دخل عندك فقولي: يا رسول الله إني أشم منك ريح مغافير]] والمغافير نبت رائحته ليست بذاك، تأكله النحل ثم تأتي منه العسل؛ لأن الرسول ﷺ كان يصعب عليه أن يوجد منه رائحة، كل شيء يتحمل منه إلا الرائحة، رائحته دائماً مسك، حتى إذا مر من الشارع يعلم الناس أنه مر ولو لم يروه، وكان عرقه يتصبب مسكاً أذفر من أغلى المسك، وكان الأعراب يوم حجه يأخذون كفه ﷺ فيرسل كفه للحجيج فيأخذون كفه فيمسحون على وجوههم، فيبقى الأعرابي سنة كاملة أو أكثر يجد ريح المسك، ويقول أحدهم: ﴿صافحت الرسول ﷺ فوالله ما زالت أثر الرائحة إلى اليوم في يدي﴾ كل العرق الذي يتصبب منه والآثار مسك أذفر، ولذلك ما كان يأكل الثوم والبصل، يقول لـ أبي أيوب وقد قدم له من أحد الأنصار هدية (ثوم وبصل) قال: ﴿كل يا رسول الله. قال: لا. وقال لـ أبي أيوب: كل. قال: لا، لم تأكل يا رسول الله. قال: كل فإني أناجي من لا تناجي. يناجي الملائكة: جبريل وميكائيل وإسرافيل، يتكلم معهم، فأكله أبو أيوب﴾. فدخل ﷺ على عائشة، فقالت: يا رسول الله إني أجد منك ريح مغافير، أظن أن نحله أكل العرفط (وهو شجر آخر) فسكت ﷺ ، فذهب إلى حفصة فقامت حفصة وقالت: يا رسول الله أجد منك رائحة مغافير، أظن أن نحله أكل العرفط؛ فحلف ﷺ ألا يأكل العسل بعدها، ما دام أن العسل يسبب هذه الرائحة التي لا تليق فقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم:١] شيء أحله الله لك من فوق سبع سماوات، اتركهن فالله هو مولاك وجبريل وصالح المؤمنين. وسبب آخر وكأنه الصحيح عند بعض أهل العلم، وقد أورده ابن جرير وابن كثير أن الرسول ﷺ دخل في بيت حفصة وقيل في بيت عائشة بجاريته مارية القبطية وهي ما زالت جارية، ثم خرج ﷺ ، فكبر عند حفصة كيف يدخل بها في بيتها، فذهبت إلى عائشة فأخبرتها، فقامت عائشة واتحدت مع حفصة ضد الرسول ﷺ ، فحرم ﷺ عليه مارية القبطية فقال الله له: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم:١]. إذاً هذا الخير هو السبب فجعل الله له كفارة من أيمانه، وقال الله للنساء: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ [التحريم:٤ - ٥] أي: وهل لا يوجد في الدنيا نساء إلا أنتن؟! انظر إلى التهديد والوعيد. فلما سمعن الخطاب أخذن يتباكين وأتين إلى الرسول ﷺ تعلن كل واحدة منهن التوبة، والله يقول: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم:٣] وهذا سبب من الأسباب، وهو الصحيح إن شاء الله.

стр. 9093

حياة النبي ﷺ قدوة لكل مسلم الرسول ﷺ في بيته كان يصارع الأحداث التي لا يسلم منها أحد، ولذلك لا يتعاظم أحدكم أن يعيش مع أهله في البيت قضية اختلاف أو طلب نفقة أو جدل، فالرسول ﷺ عاش هذه الأحداث، ليكون أسوة لكل مسلم، إن كنت راعي غنم فالرسول ﷺ كان راعي غنم، وإن كنت تاجراً فالرسول ﷺ كان تاجراً، وإن كنت معلماً فالرسول ﷺ كان معلماً، وإن كنت إدارياً فالرسول ﷺ كان إدارياً، ومفتياً فهو مفتي، أو خطيباً فقد كان خطيباً، وكل صورة تمر بالإنسان سوف يجد في الرسول ﷺ لها ما يناسبها، ولذلك كان بالإمكان أن يستغني ﷺ عن الزواج وعن مراعاة الأهل، والقيام مع المرأة والأخذ والعطاء، وتضييع الوقت في الكلام والجدل؛ لكن الله أراد منه أن يكون إنساناً يعيش أحداث الأمة، ويعيش آلامها وآمالها، ويكون رباً للأسرة ﵊؛ ولذلك يقول الله له: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨] فكان يحمل الأطفال ﷺ . أفضل من خلق الله يأتي في صلاة العصر يحمل أمامة بنت بنته، فإذا سجد وضعها في الأرض وإذا قام حملها، والآن بعض الناس يأنف أن يحمل طفلته أمام الناس حتى في الشارع، ويتكبر أن يأتي بها في المجالس، يقول: ما هي هذه الأطفال؟ (هذه غلابة) كما يقولون: غلبونا وضيعوا أوقاتنا؛ لكن محمداً ﷺ كان يحمل الأطفال. تأتي المرأة السائلة وطفلها بين يديها، فيأخذ الطفل ﷺ إلى حضنه، أي خلق هذا؟! ولذلك يقول الله من فوق سبع سماوات: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وهو حقاً عظيم ما سمع الناس بمثله! يبول الطفل على ثيابه ﷺ -كما في صحيح مسلم - فيأتي بماء ويتبعه به، فانظر كيف يعيش هذه الأحداث، فغسله لهذا الأمر سنة، وأخذه للطفل سنة، وإفتاؤه لوالدته سنة، فكلامه وفعله وحركاته وسكناته سنة يقتدى به ﷺ إلا ما خصه الدليل هذا في بيته. كان في بيته كما تقول عائشة: ﴿ضحاكاً بساماً﴾ إذا دخل ملأ البيت سكينة وارتياحاً، وسروراً وحبوراً ودعابة، وكان يقطع مع نسائه اللحم، يمسك اللحم وهي تقطع بالسكين، أو يأخذ ويقطع وهي تمسك اللحم، وهو شفيع الأولين والآخرين يوم القيامة، والذي جاء برسالة سوف تبقى أبد الدهر، كل قائد من قواد المسلمين حسنة من حسناته، وكل عالم من علماء المسلمين حسنة من حسناته، كان يخصف النعل ﷺ ، ويرقع الثوب، ويكنس البيت ويكون في الخدمة، وما يزيده الله إلا شرفاً ومكرمةً.

стр. 9094

ما قال الأعداء في النبي ﷺ يقول المستشرق كريسي موريسون: لقد كان محمدٌ عجباً، يصلح مشاكل العالم وهو يشرب القهوة في بيته في المدينة. كتاب عظماء العالم المترجم فيه مائة عظيم، أخذوا عظماء الصين، وعظماء العرب واليونان، وعظماء الأمريكان والفرنسيين والإنجليز فكانت المرتبة الأولى -والحق ما شهدت به الأعداء- لمحمد ﷺ ، والثاني: عيسى ﵇، والثالث مكتشف الكهرباء أديسون، والرابع عمر بن الخطاب، وأخذوا مكتشفين آخرين وأجمعوا على الكتاب، ولذلك صدر الكتاب هذا من هيئة الأمم، فنحن نستشهد ونقول: الحمد لله ما دام أنهم قالوا إن الرسول ﷺ أول عظيم فهو فضل من الله

стр. 9095

جواز احتجاب صاحب السلطان لمصلحة للمرء أن يمنع الزيارة عن بيته حين تحصل مشاغل أو ظروف، وهذا لأهل المسئوليات، للمسئول في الدائرة أو في المؤسسة أو في شركة أن يمنع الزوار في فترة من الفترات للمصلحة، لكن أن يبقى بابه مغلقاً من أول الدوام إلى آخر الدوام فهذا خطأ وباطل، وهذا ظلم، أو من لايدوام ثم يقول للحارس أو الفراش: لا تجعل أحداً يدخل عليَّ ثم يخرج من الباب الآخر، وكل ما أتى مسكين أو صاحب حاجة قال: لا، عنده شغل، هو مرهق بالأعمال والمعاملات (وهو في بيته) فأما في فترة من الفترات فلا بأس بها لأمر؛ لاجتماع، لسر، فكان ﷺ يأخذ حاجباً على بابه للمصلحة. مالك بن أنس، وهو إمام دار الهجرة في عهده كان على بابه حجاب ﵁ وأرضاه، فللمصلحة لا بأس، يأذن لمن شاء ويدخل من شاء، والعرب كما قال ابن قتيبة: يتفاءلون ويتشاءمون بالحاجب عند الباب، إذا رأوا الحاجب يتبسم وفيه الخير استبشروا خيراً، وإذا رأوه غضبان استبشروا شراً، فهذا أمر الله ، ولذلك قالوا: إن المغيرة بن شعبة جعل حاجباً على بابه وقال: لا يدخل أحد علي اليوم. فوقف الحاجب وأدخل جماعة من الناس، قال: أما قلت لك: لا تدخل أحداً؟ قال: هؤلاء أرحامي وأصهاري وجيراني. قال: صدقت والله، إنك حافظ للود، والله إن الكلب إذا فعلت له معروفاً يحفظ ودك فأنت الحاجب. هذا حفظ الود في الناس، فالعدل العدل في مثل هذه الأمور، إذا كلف الإنسان بمسئولية ينبغي أن يعدل بين الناس، وله أن يود بعض الناس لشفاعة ولمنزلة أو لأمر؛ بشرط ألا يأخذ هذا من حق هذا، ولا يجور هذا على هذا.

стр. 9096

ما كان عليه ﷺ من شظف العيش الله جعل نعيمه وقرة عينه وسروره وحبوره في الآخرة، فلم يعطه الدنيا حتى لا يأخذ من ثمرته في الآخرة، بل ادخر الله له النعيم المقيم في الآخرة ﵊، فعاش شظف العيش، يسكن في بيت من طين ويعيش هذا ليكون قدوة للناس، وإلا فمن وسع الله عليه فعليه أن يتوسع كما فعل بعض الصحابة، ومن استعان بنعمة الله على طاعته فهو مأجور، وهذا غني شاكر، وذاك فقير صابر، وأكرمهما عند الله أتقاهما.

стр. 9097

فوائد مستنبطة من الحديث

стр. 9098

تعجيل الطيبات للكفار في الدنيا لا يجمع الله على الكافرين نارين ولا خزيين ولا لعنتين ولا غضبين في الدنيا والآخرة، على الأقل يأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم، فالله أعطاهم في الدنيا النعيم، من اللحوم والطيبات يتنعمون كما تأكل الكلاب والثيران والحمير، ثم يأتون يوم القيامة وليس لهم عند الله من خلاق. لكن المؤمن قد يتمتع في الطيبات في الدنيا وفي الآخرة كذلك قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة:٩٣] وقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢] هذا لحزب الله وجند الله، فمن رزقه الله نعيماً؛ فالله الله أن يستخدمه في طاعته ، لبساً، مالاً، مسكناً، مركوباً جيداً، وأن يسخره في خدمة هذا الدين وفي طاعته . أما الكفار فلو سكنوا القصور من ذهب ومن فضة؛ فوالله إن مأواهم نار تلظى يقول : ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُون * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣١ - ٣٥] ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦] ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:١٨ - ٢١] فسبحان من فضل الناس بالأعمال! وسبحان من أعطى بعض الناس جنته في الدنيا؛ ليخزيه خزياً ما بعده خزي في الآخرة! فنعوذ بالله أن يكون نعيمنا وإياكم في الدنيا ثم لا يكون لنا في الآخرة من خلاق.

стр. 9099

الشهر قد يكون تسعة وعشرين يوماً والشاهد فيه: ﴿نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب﴾ أي: لا نسير على علم الفلك وعلم الهيئة، إنما علمنا بالرؤية ولا نتكلف الأمور، وعلمنا نظري بحت مسهل مقرب، وليس استقرائياً معقداً، ولذلك لا توجد أي آية في القرآن تشكل عليك إلا في النادر، والحديث النبوي سهل، وإنما عقد العلم في القرون المتأخرة، أتوا فجمعوا الكلمات فشروحها فأعجموها وألجموها، ثم أتوا بالحواشي على المتون فزادوها غباء على غباء، ثم جاءوا بالحواشي على الحواشي فأظلموا، فيأتي الإنسان يقرأ في بعض الكتب فإذا هي طلاسم. لكن افتح رياض الصالحين، أو صحيح البخاري واقرأ: ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾ فيفهمها كل الناس حتى العجائز، تقرأ القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨] من الذي لا يفهم هذا؟! تقرأ قوله : ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٠] فإذا هو مفهوم، ولكن مع سهولة القرآن ويسره فهو أعمق ما يكون، وفيه علم الأولين والآخرين، الأصالة والعمق في القرآن، والله ثم والله إن الإنسان ليشده حتى يقف مندهشاً مذهولاً إذا قرأ لمثل ابن تيمية وهو يتكلم عن القرآن، يأتي بأمور لا تخطر لك على بال، وربما تخطر لك لكن لا تخطر لي أنا، وما فكرت فيها في حياتي، يقول مثلاً: إن آيات الربوبية يوم يتكلم عنها بدليل المناظرة الربانية يتكلم فيها موسى مع فرعون، لكن الأدلة الاستقرائية في الألوهية يتكلم بها إبراهيم مع قومه، ثم يأتي بقواعد منضبطة في القرآن قال: الله إذا أتى بهذا ختم بهذا، شيء يذهل العقول! فسبحان من أنزل هذا الكتاب!

стр. 9100

كفارة اليمين يقول الله للرسول ﷺ : ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢] فما هي تحلة اليمين؟ الرسول ﷺ حلف وآلى من نسائه، وبعد أن آلى كفر فما هي كفارة اليمين؟ الإيلاء له كفارة، لكن كفارة اليمين يوم حلف الرسول ﷺ ألا يأكل العسل، كفارة يمين: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة أو صيام ثلاثة أيام، فإذا علم هذا؛ فمن حلف منكم على طعام أو حرم طعاماً أو حرم شيئاً من الحلال؛ فعليه أن يكفر كفارة يمين، ويلحق بذلك لفظ "الحرام" هذا مستخدم خاصة في هذا الإقليم وهذه المنطقة، إنسان يريد أن يغديه أحد الناس أو يعشيه فيحرم، فهي على طرف لسانه أعظم من "والله" ثم يحرم نفسه وأهله هذه الذبيحة فماذا يفعل لكي يكفر؟ يأكل ثم يكفر كفارة يمين ويستغفر الله ولا يعود لمثل هذا.

стр. 9101

العلم الخشية أعظم ثمرة في الإسلام للعلم وللمعرفة وللثقافة وللاطلاع: خشية الله ، فالذي لا يخشى الله ؛ فليس لعلمه ولا لثقافته ولا لاطلاعه نفع ولا فائدة، وإنما يزيده كثرة العلم عمى وضلالة كما زاد اليهود والنصارى، فالذي لا يستفيد من علمه ولا من تحصيله واطلاعه، ولا من ثقافته ومعرفته، ولا من شهادته خشية لله فكأنه يتأخر، وكأنه ينقطع من حبل الله ، وكأنه نقض الميثاق مع الله ، ولذلك يقول جل ذكره: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] فالذي لا يخشى الله ليس بعالم ولو كان يحفظ نصوص الدنيا، ولذلك يوجد منافقون في هذه الأمة يحفظون القرآن كالماء، كما ذكر ذلك ابن تيمية وغيره. يوجد من المستشرقين الكفرة من يحفظ القرآن، حفظوا القرآن ليعرفوا الثقافة الشرقية ويردوا على رسالة الإسلام، ويوجد بعض الفسقة والفجار يحفظون القرآن والحديث؛ لكن أثر الخشية المطلوب ليس فيهم؛ لأنهم لا يريدون الاستقامة، ويوجد في أهل الصلاح وفي أهل الخير وولاية الله من الذين هم السابقون الأبرار من لا يحفظ إلا سوراً من القرآن، ولذلك يذكر ابن القيم: أن حفظ القرآن هو العمل به، وهو أعظم مدلول للحفظ ولو لم تحفظ نصوصه، وأن أعظم تضييع له هو تضييع العمل به، لأن ابن مسعود ﵁ يقول كما في الموطأ: [[إنكم في زمان كثير فقهاؤه، قليل خطباؤه، كثير من يعطي، قليل من يسأل، يحفظون حدود القرآن ويضيعون حروفه، وسوف يأتي زمان كثير خطباؤه، قليل فقهاؤه، كثير من يسأل، قليل من يعطي، يحفظون حروف القرآن ويضيعون حدوده]]. ولذلك تجد من بعض الناشئة من يحفظ كثيراً من القرآن أو كل القرآن ولا يصلي مع الناس في المسجد، وتجد منهم من يحفظ كثيراً من القرآن ويعق والديه، ويقطع رحمه، ويلعن ويشتم، ويتعدى حدود الله، ويقترف المعاصي والذنوب بلا حدود ولا انتهاء، فثمرة العلم هي الخشية. وإنما قلت هذا لأن أعظم ما يجعلنا نسوق قصص السلف الصالح سلام الله عليهم أننا نأخذ منهم أنهم عملوا بعلمهم، وقصصهم بلسم للقلوب ودواء وشفاء بإذن الله وراحة، مثل عمر وابن عباس يوم ذكرناهما ﵄، العامل الكبير الذي يقدمهم على كثير من الناس هو الخشية لله وليس كثرة العلم. تصور عمر بن الخطاب يوم يظلم عليه الليل وهو في الليل الدامس فيأتي ﵁ وأرضاه -كما تقول عاتكة بنت زيد: [[فلا ينام الليل، يأخذ عنده تور من ماء فيغسل وجهه كلما ضمه النوم كالطائر، ثم يهلل ويكبر حتى ينتصف الليل فيقوم يصلي ويبكي حتى الصباح، فتقول له زوجته: يا أمير المؤمنين لو ارتحت! أفي النهار مكدود متعوب وفي الليل مكدود متعوب؟ قال: لو نمت النهار لضاعت رعيتي ولو نمت الليل لضاعت نفسي]] عمر بن الخطاب ﵁ يسمع سورة الصافات من أبي بن كعب وهو يقرأ على الناس: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٥ - ٢٦] فيهوي على وجهه حتى يحمل من المسجد ويبقى شهراً كاملاً، يقول ابن كثير: فيزار في البيت. يقول عطاء: [[والله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت ابن عباس جفناه كالشراكين الباليين من كثرة البكاء، ولقد رأيته ليلة من الليالي يصلي من صلاة العشاء إلى الفجر وهو يبكي ويردد قوله : ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [النساء:١٢٣]] فأعظم ما نستفيد منه في هذه الجلسات ومن الدراسة والمحاضرات ومن الاطلاع في الكتب الخشية، وإلا فوالله لو كان الأمر فقط بزيادة معلومات فلقد غلبتنا أمم كثيرة عندهم ثقافات ويقرأون من الكتب أكثر مما نقرأ، ولذلك تجد بعض الأمم كالأمريكان يقرأون الساعات الطويلة، العجوز منهم يركب الحافلة والطائرة والقطار وهو يقرأ كتاباً في يده، ينتظر زميله وهو يقرأ كأنه يعد للجنة بينما هو يعد للنار ويهوي في النار على وجهه، ونحن أمة الرسالة والمعرفة والتي أراد الله أن نكون أمة الخشية والإنابة ليس هناك إلا من رحم ربك ، فالذي ندعو أنفسنا وإياكم إليه أن تكون ثمرة هذا الجلوس والتراجم والأحاديث والندوات والدروس خشية لله ، واتصال به، وزيادة في العمل الصالح وتوبة من السيئات وإنابة إليه. أسأل الله أن يثبتني وإياكم على الحق، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل، وأن يتولانا وإياكم في الدارين، وأن يحسن عاقبتنا في الأمور كلها، ربنا تقبل منا أحسن ما عملنا، وتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون. وصلِّ اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 9102

الممتاز في مناقب ابن باز في هذا الدرس بعض صفات العلامة ابن باز، وبديعات مناقبه، وغزارة علمه، وعليات أخلاقه وسماته، وأعماله ومجالاته، مروراً بالتعريف بشخصه ونشأته وطلبه للعلم، خالصاً من ذلك أن شخص الإمام ابن باز يتمثل فيه شخصية الرجل العالم بدينه، العارف بأحول عصره ومصره، الشفيق على أمته، القريب منهم، فحقاً إنه لبقية السلف فلا زالت رحمات الله عليه وابلة ونفحاته إليه واصلة.

стр. 9103

تعريف بالإمام ابن باز الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، وسيد المتقين، وعلى آله وصحبه والتابعين. عنوان هذه المحاضرة: الممتاز في مناقب ابن باز " وكانت آخر محاضرة بعنوان أبو بكر في عصر الذرة، ﵁ وأرضاه.

стр. 9104

أسباب اختيار موضوع التعريف بابن باز وأنطلق في هذه المحاضرة" الممتاز في مناقب الشيخ/ ابن باز " من خمس قواعد: القاعدة الأولى: قاعدة ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] فنثبت الليلة فضل أهل العلم، ومالهم من مكانة بما ورثوه من معلم الخير ﵊. القاعدة الثانية: قاعدة ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] لنرد الأمة إلى علمائها وإلى مثقفيها ومفكريها. القاعدة الثالثة: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] ونثبت للناس أنهم أقرب الناس إلى الله إذا عرفوا الكتاب والسنة، وكلما ازداد الإنسان علماً ازداد من الله قرباً. القاعدة الرابعة: العلماء ورثة الأنبياء، فإذا هم الذين يحملون ميراث محمد ﵊، ويبلغونه للناس، وهم أمناء على رسالته، وعلى ميراثه وعلى تركته ﵊. القاعدة الخامسة: قوله : ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] فإذا هم أهل الفقه والاستنباط، وأهل الفهم الدقيق لمعاني (قال الله وقال رسوله ﵊. وقد يسأل سائل -وقد حدث هذا السؤال قبل المحاضرة-: ما الفائدة أن تخبرنا بسيرة شيخ شهير وخطير وكبير عرفناه وعرفه الأطفال والنساء والكبار؟ قلت: الفائدة من ذلك ثلاثة أشياء: أولاً: نحن نعيش فترة حرجة يجب علينا أن نلتف فيها حول علمائنا، وأن نعرف قدرهم ومكانتهم، ومن أئمتهم سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز. ثانياً: توثيق الصلة بين الجيل وبين العلماء فجيل بلا علماء جيل ضائع متهور طائش، وعلماء بلا جيل لا مكانة لهم، فإذا التقى العلماء والجيل كونوا مسيرة خالدة وصحوة مباركة، وهي المقصودة بإذن الله. ثالثاً: الذب عن أعراض الصالحين، فأنا أحتسبها هذه الليلة لترم بي المنايا حيث شاءت إذا لم ترم بي في الحفرتين أحتسب ذلك ذباً عن الشيخ وعن عرضه؛ لما سمعت من بعض المتعجلين الذين ما أوتوا بصيرة ولا تقوى إذ وقعوا فيه، ومعنى ذلك: أن نضرب على الدماغ مباشرة، وألا يبقى لعلمائنا مكانة فأنا محتسب أجرها على الله، عل الله أن يكتبها في الحسنات. وسوف أبحر بكم هذه الليلة مع ربان العلم والحكمة، وأستاذه سماحة الشيخ؛ لنعرف؛ لا عرفان من يعرف مجملاً من حياته، ولا أين ولد ومتى ولد، وماذا يأكل وماذا يشرب فهذا تاريخ الأموات، لكني سوف أتحدث هذه الليلة عن تاريخ الأحياء. ومن الأسباب التي دعتني لهذه المحاضرة: ألا يقول قائل: ذهب العلماء والصالحون، ولم يبق في الناس بركة فنقول: لا. بل بقي فيهم خير، وقد صح عنه ﵊ عند أحمد وغيره أنه قال: ﴿أمتي كالسيل لا يدرى الخير في أوله، أو في آخره﴾ فلا زال فينا علماء وأدباء وشهداء وشعراء وصالحون وأخيار، فهي أمة معطاءة تنتج كل حين ما دامت متمسكة بكتاب الله وسنة رسوله ﵊.

стр. 9105

نسب الشيخ وأسرته كنية الشيخ: أبو عبد الله وهي كنية المحدثين، وكان البخاري والشافعي ومالك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل كلهم أبو عبد الله. واسمه: عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن باز؛ أحد الثلة المتقدمة في العلم بالشرع الإسلامي المنزل على خاتم الرسل عليهم الصلاة والسلام، والممثل في شخصه الكريم مشيخة الإسلام في هذا العصر، والذي وصف بإمام أهل السنة في هذه الفترة؛ المحدث الأثري الفقيه النابغة، مفتي الديار أثابه الله وحفظه. ولد في الرياض عاصمة المملكة، في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة عام ثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة، في أسرة في مجموعها صلاح، ويغلب على بعضها الاشتغال بالزراعة، وبعضها بالحرف، وبعضها علماء. هم القوم يروون المكارم عن أبٍ وجدٍ كريمٍ سيدٍ وابن سيد وهزتهم يوم الندى أريحية كأن شربوا من طعم صهباء صرخد ومن أسرته -حفظه الله- الشيخ/ عبد المحسن بن أحمد آل باز؛ تولى القضاء بـ الحلوة، والإرشاد في هجرة الأرطاوية في قبيلة مطير، ومنهم الشيخ المبارك/ ابن عبد المحسن؛ تولى القضاء في بلدان كثيرة كـ الطائف وبيشة وحريملة والحلوة.
следующие страницы →