← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 9171–9210 · переход к 9176.

стр. 9171

العاشرة تصف زوجها بقمة الكرم ﴿قالت العاشرة: زوجي مالك! وما مالك؟ مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك﴾ تمدح زوجها بالكرم، وتقول: له إبل كثيرة، وإذا أتاه الضيف حرك السكين فتعرف الإبل أنهن هوالك، فتمد الناقة عنقها، وتتهيأ على الأرض لتنحر، فهو قد تعود على ذلك. تعود بسط الكف حتى لو انه أراد انقباضاً لم تطعه أنامله هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله تقول: من كرمه أن عنده نوقاً كثيرة وإبلاً، فما يأتي الضيف إلا ويحرك المزهر قيل: المزهر الآلة التي تنحر بها الإبل، وقيل: عود يجمع به الإبل، ولكن كأنه -والله أعلم- آلة نحر للإبل. (قليلات المسارح) أي: لا يسرح إبله إلى المرعى، بل هي جاهزة، بجانب البيت حتى يأتي الضيوف فينحرهن لهم، وأما البخيل فإنه يسرحها إلى المرعى، والكريم يجهزها للضيوف، ومن عادة العرب.

стр. 9172

قصة أم زرع والآن مع أم زرع وسوف تتكلم كثيراً.

стр. 9173

صفات أبي زرع قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع - اسمه أبو زرع - فما أبو زرع؟ ما أدراك ما أبو زرع؟ - أناس من حلي أذني إما أنه أناس، أي: أعطاها وحلاها في أذنيها، أو أنه آنس: من الأنس واللطافة والرقة والشفافية، فهو في الحسن كحلي الأذن (وملأ من شحم عضدي) أي: أنه أعطاها من النعم حتى امتلأت، أو أنه ملأ في قلبها من شحم العضدين (وبجَّحني فبجحت إلي نفسي) أي: شرفني فتشرفت، وجعلني أفخر فافتخرت، وأراحني فارتحت وجدني في أهل غنيمة بشق تقول: إن أهلي كانوا أهل غنم وضأن وأهل الضأن قليل دخلهم، ليسوا كأهل الإبل والبقر والخيول، فكانت ترعاهن في واد صغير (فجعلني في أهل صهيل) أي: أهل خيل؛ لأن الصهيل صوت الخيل، (وأطيط) قيل: صوت الإبل وقيل: غيره، (ودائس ومنقٍ) وقد تحير ابن حجر في اللفظ، فمرة ينقل عن أهل العلم قولهم: أن منق من النقنقة وهي نقنقة الدجاج، فيكون المعنى: فأصبح عندها دجاج، ورد بأن العرب لا تتمدح بالدجاج، فهل تقول: أحد الناس فتح الله عليه، وأغناه غناء ظاهراً وباطناً وعنده ثلاثون دجاجة؟! فلا يُمتدح بالدجاج. فيقول: لا يمكن أن يمدح بالدجاج، ولكنها تصف الحالة هذه وتقول: هناك أصوات من كثرة الحيوان التي عنده. تقول: (فعنده أقول فلا أقبح) تقول: عند زوجي أتكلم بطلاقة, والزوج الذي هو سمح الجانب تتكلم المرأة عنده بما فتح الله عليها، أما المعقد الشرس، فإنها لا تتكلم إلا كلمات فتقول: أقول فلا أقبح, أي: أتكلم بما فتح الله عليّ فلا يردني ولا يكسحني ولا ينهرني. تقول: (وأرقد فأتصبح) الصُبحة عند العرب في النوم، هي النوم بعد صلاة الفجر, والعرب عندهم للنوم هيلولة وفيلولة وغيلولة وقيلولة, فالهيلولة: بعد صلاة الفجر, وهي مستقبحة عند العرب, والفيلولة: عند الضحى, والقيلولة: بعد صلاة الظهر أو قبلها، وعند السلف أنها قبلها، والغيلولة: بعد صلاة العصر. إن نومات الضحى تورث الفتى خبالاً ونومات العُصَيْر جنون ولم يصح في النهي عن النوم بعد العصر حديث, وكل ما ورد فيه فهو باطل أو موضوع, قاله ابن القيم وغيره من أهل العلم, فالأحاديث التي ركبت كحديث ﴿من نام بعد صلاة العصر فجن فلا يلومن إلا نفسه﴾ ليس بصحيح, بل لك إذا فترت أو جهدت أو تكلفت أكبر من طاقتك أن تنام بعد العصر ولا بأس، لتستعين بهذا على طاعة الله, وكذلك لم يصح في النهي عن النوم بعد الفجر حديث, لكن هناك أحاديث منها حديث أبي صخر الغامدي في المسند وغيره بأسانيد صحيحة: ﴿بارك الله لأمتي في بكورها﴾ أما كلام الغزالي في الإحياء وقوله: إن الأرض تبكي إذا نام طالب العلم بعد الفجر فمن أين؟ ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١] لا سند ولا رأس ولا ذنب. فتقول هذه المرأة: من سعادتي عند زوجي أنام حتى في الصباح، فليس عندنا أشغال ولا أعمال والصبوح عند العرب: هو الشرب في أول النهار، وقيل: شرب اللبن, والغبوق: شرب اللبن في آخر النهار وهذه امرأة كسلانة، والعرب يمدحون الكسولة لكن هذا لا يخبر به تقول: (وأشرب فأتقنح) أي: أشرب حتى أرتوي، ثم أزيد وأزيد من كثرة الشراب، لبناً وماء ونبيذاً، وذكر ابن حجر أنه خمر، وقد يكون هذا لأنهن جاهليات، لم يعرفن تحريم الخمر فهي تروى وتزيد على الري, من كثرة ما عنده من الخير.

стр. 9174

صفة أهل أبي زرع ثم بدأت تسرد أهله واحداً واحداً لكثرة سعادتها مع أبي زرع، تقول: ﴿أم أبي زرع فما أم أبي زرع؟ عكومها رداح﴾ أي: أنها من كثرة النعيم ممتلئة الجسم، فيها شحم ولحم، والعكوم: هو مجامع البطن, (ورداح) أي: متينة سمينة , ﴿(وبيتها فساح)﴾ حتى أم أبي زرع لها بيت واسع (ابن أبي زرع) -من زوجة غيرها- فما ابن أبي زرع؟ مضجعه كمسل شطبة)﴾ تقول: المنام الذي ينامه من صغر جسمه ونحافته ورشاقته ولأنه حر، كأنه سلة السيف, أي: لا ينام إلا في مكان صغير مثل سلة السيف (ويشبعه ذراع الجفرة)﴾ الجفرة: هو ولد الماعز، وقيل: ولد الضأن إذا مر عليه أربعة أشهر أو ستة أشهر, فتقول: أن ذراع الجفرة يكفيه من قلة أكله؛ لاشتغاله بالمهمات من الأمور (بنت أبي زرع طوع أبيها وطوع أمها) من امرأة غيرها ﴿فما بنت أبي زرع؟ (طوع أبيها وطوع أمها﴾) ما شاء الله تطيع أباها وأمها (وملء كسائها) أي: أنها في نعمة (وغيظ جارتها)﴾ يحسدنها جاراتها من جمالها, ولذلك يقول عمر بن أبي ربيعة: زعموها سألت جاراتها وتعرت ذات يومٍ تبترد أكما ينعتني تبصرنني عمركن الله أم لا يقتصد تقول هذه المرأة لجاراتها: بالله عليكن هل أنا حسناء مثل ما يصفني هذا الشاعر، أم أنه يبالغ في الوصف. فتضاحكن وقد قلن لها حسن في كل عين من تود حسداً حملنه في شأنها وقديماً كان في الناس الحسد ويقول الأول: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالناس أعداء له وخصوم كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغياً إنه لدميم وقيل: وترى الشريف مجرماً في قومه ولم يكتسب جرماً وعرضه مشتوم وهذا من الحسد الذي وضعه الله في القلوب التي ما آمنت ولم يملأها الإيمان. قالت: ﴿(وغيظ جارتها)﴾ قيل: غير وخير وغيظ، أي: أنهم يغارون منها لجمالها وحسنها. (جارية أبي زرع، فما جارية أبي زرع؟ لا تبث حديثنا تبثيثاً) لا تنشر الخبر، بل هي ساكتة صامتة حافظة للسر (ولا تنقث ميرتنا تنقيثاً) أي لا تضيع مالنا، (ولا تملأ بيتنا تعشيشاً) أي: لا تجمع في البيت الزبالات، وقطع الأوراق والقراطيس، ولكنها نظيفة، وتضع كل شيء في مكانه، وهذا من أدبها وسلوكها وسمتها.

стр. 9175

أبو زرع يطلق أم زرع وقالت: (فخرج أبو زرع ذات يوم والأوطاب تمخض) الأوطاب: الأسقية التي يوضع فيها اللبن، فهم أهل لبن، ومن كثرة لبنهم ودسمهم وما عندهم من زبد أنهم يمخضونها. قالت: ﴿﴾ هذا آخر المطاف، طلق أم زرع هذه ونكح تلك.

стр. 9176

أم زرع تنكح زوجاً آخر قالت: ﴿(فنكحت بعده رجلاً سرياً)﴾ أي: من أشراف الناس، من السراة. لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا ولذلك قوله : ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ [مريم:٢٤] قيل: شريفاً من الأشراف، وسيداًَ من السادات، وقيل: صغيراً طفلاً ﴿(ركب شرياً)﴾ ركب فرساً سريع العدو، والشري هو الذي يبلغ الغاية في الشيء، ﴿(وأخذ خطِّياً)﴾ الخطي هو: الرماح تأتي من بلد الخط وهو بلد في البحرين يقول زهير بن أبي سلمى: وهل ينبت الخطي إلا وشيجه وتغرس إلا في مغارسها النخل (وأراح علي نعماً ثرياً) أي ملأ بيتي من الإبل والبقر والغنم، (وأعطاني من كل رائحة زوجاً): أي: من كل شيء؛ من الإبل والبقر والغنم، (وقال: كلي أم زرع وميري أهلك) حتى أهلك في البيت أرسلي لهم من هذا المال.

стр. 9177

أم زرع تحن إلى زوجها الأول (قالت: فلو جمعت كل شيء أعطانيه، ما بلغ أصغر آنية أبي زرع) تقول: مع أن هذا الأخير أسدى إليَّ كل هذا، أسدى، لكن لو جمعت كل شيء أعطانيه في أصغر الآنية التي كان يعطيني فيها أبو زرع، ما بلغت شيئاً، فقلبها معلق بالأول، قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : ﴿كنت لك كـ أبي زرع لـ أم زرع﴾.

стр. 9178

فوائد الحديث في الحديث فوائد:

стр. 9179

حسن العشرة أولها: حسن عشرة المرء لأهله، بالتألف والمحادثة بالأمور المباحة ما لم يفض ذلك إلى حرام، وهذا واجب الرجل؛ أن يكون له حديث تأنيس ومداعبة مع أهله، فلا يكون الأمر جداً في كل حين، ولكن ساعة وساعة، بشرط ألا يصل ذلك إلى محرم، كتضييع صلاة أو تفويت فائدة، أو ضياع وقت طويل؛ فإن الرسول ﵊ أخذ وقتاً في سماع هذا الكلام، وهو أعبد الناس لله، وأخشى الناس لله، وأعرف الناس بحقوق الله ﵎.

стр. 9180

المزاح مع الأهل الثانية: المزاح أحياناً وبسط النفس به، ومداعبة الرجل أهله وإعلامه بمحبته لها، ما لم يؤد ذلك إلى مفسدة تترتب عليه من تجنيها عليه وإعراضها عنه يقول بعض العلماء: لا بأس بالمزح والمداعبة مع الأهل، ولا بأس أن يخبر الرجل أهله أنه يحبها، بشرط ألا يؤدي ذلك إلى أن تتكبر عليه؛ لأن بعض النساء من نقص عقلها إذا أخبرتها أنك تحبها، تجنت عليك وقاطعتك وأخذت أي شيء لتغضبك به؛ لترى كيف تتلمظ عليها وكيف تتحسر عليها، فيقول بعض أهل العلم: ليكن بين الرجل وزوجته، كشعرة معاوية، إن سحبها الناس أرخاها، وإن أرخوهاجذبها أو كما قال، فلا تظهر لها كثرة الحب، فتتجنى عليك وتتكبر عليك، وترى أن لها الفضل؛ لأن بعض النساء إذا مدحتها وقلت: بارك الله فيك، ما أحسنك! ظنت أن الفضل لها، وأنك ما فعلت شيئاً وأنها كاملة الأوصاف، وأنك لا تستحقها.

стр. 9181

الفخر بالتقوى الثالثة: منع الفخر بالمال، وبيان جواز ذكر الفضل بأمور الدين فإن هؤلاء النساء افتخرن بأمور، لكن الرسول ﷺ بين أن الفخر بالتقوى وبالدين، وأن أحسن الأوصاف حسن الخلق بعد الدين.

стр. 9182

تذكير المرأة بحسن العشرة الرابعة: إخبار الرجل أهله بصورة حاله معها، وتذكيرها بذلك لاسيما عند وجود ما طبعن عليه من كفر الإحسان فإن الرسول ﷺ يقول لـ عائشة: ﴿أنا لك كـ أبي زرع لـ أم زرع﴾ فيقول: أنا طيب معك، وتعاملي معك حسن كـ أبي زرع لـ أم زرع، فإن هذه المرأة الحادية عشرة أحسن النساء عشرة مع زوجها، ففيه أنه لا بأس أن يذكر الرجل امرأته بما فعل بها، كأن يقول: فعلت بكم كذا وأعطيتكم كذا، ومنحتكم كذا وأسديت لكم كذا؛ لأن المرأة مجبولة على النكران وعلى الجحود ﴿لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت منك معروفاً قط﴾ فلا بأس بالرجل أن يذكرها؛ لأنها قد تنسى وتجحد وتنكر.

стр. 9183

ذكر المرأة لإحسان زوجها الخامسة: فيه ذكر المرأة إحسان زوجها فإن المرأة العاقلة الرشيدة المؤمنة التي تخاف الله من أدبها أن تحسن ذكر زوجها عند الناس، وأن إذا سألوها عن زوجها تقول: فيه خير وهو صاحب دين واستقامة، وجزاه الله خيراً؛ ليكون أرفع لها عند الله ﵎، وأرفع لذكرها، وأعظم لأجرها.

стр. 9184

إكرام الرجل بعض نسائه السادسة: فيه إكرام الرجل بعض نسائه في حضور ضرائرها، بما يخصها به من قول أو فعل يؤخذ هذا من أن الرسول ﷺ قد أكرم عائشة كثيراً، ولاطفها أكثر من بعض جاراتها وضرائرها ﵊، وربما أتحفها بشيء، وهذا لا يقدح في عدله ﵊، فهو أعدل الناس، وأقرب الناس، وأنصف الناس.

стр. 9185

تحدث الرجل مع زوجته في غير نوبتها السابعة: فيه جواز تحدث الرجل مع زوجته في غير نوبتها وهذا للذين عندهم أكثر من واحدة، فيجوز له أن يتحدث مع الزوجة في نوبة الأخرى؛ لأن الرسول ﷺ كان يمر على التسع مروراً، في يوم إحداهن، فيحادثنه ثم يذهب إلى التي هو في يومها ويجلس عندها.

стр. 9186

الحديث عن الأمم الخالية الثامنة: فيه الحديث عن الأمم الخالية، وضرب الأمثال بها للاعتبار فلا بأس أن تتحدث أنت والناس بأخبار أجدادنا، والقبائل التي سلفت وما وقع من أخبارهم؛ لأن فيها عبراً وتجارب، ولأن فيها قصصاً، ويستفاد منها. مصائب قوم عند قوم فوائد قال جابر بن سمرة: ﴿كان ﷺ يجلس معنا بعد صلاة الفجر، فنتحدث عن أخبار الجاهلية، ونضحك وهو يبتسم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم﴾ فلا يأتي أحد ويقول: هذا حرام، تحدثنا عن الصحابة وإلا اسكت لا. المجال واسع، إذا لم يكن فيها أمر محرم، ولا غيبة ولا نميمة، ولا زور، فلا بأس بالحديث.

стр. 9187

جواز الانبساط التاسعة: جواز الانبساط بذكر طرف الأخبار ومستطابات النوادر، تنشيطاً للنفوس وهذا خلاف ما ذهب إليه غلاة العباد وغلاة الصوفية، فإنهم لا يرون هذا، يقولون: هذا ضياع للوقت. فإذا تحدث الرجل مع أهله أو مع ضيوفه في أمور مباحة فلا بأس، فالرسول ﷺ تحدث في هذه القضايا واستمع إليها، فلا بأس أن تتحدث مع الناس في الأشعار والأمطار والأخبار، وما وقع في وديانهم من الحوادث، وهذا من البسط ومن تشجيع النفس على العبادة، لأن النفس إذا بقيت دائماً على الشدة، كلت من العبادة، ولم تقبل عليها، فالإنسان مثل الذي يتحدث في الدرس، ثم يذهب إلى الناس فيحدثهم، ثم ينتقل معهم في مكان، ودائماً يواصل عليهم الحديث، فتمل قلوبهم وتسأم أرواحهم، وتنقفل وتغلق.

стр. 9188

حث النساء على الوفاء العاشرة: فيه حث النساء على الوفاء لبعولتهن، وقصر الطرف عليهم والشكر لجميلهم وهذا أدب أدبنا الله به، ويوجه للنساء أن يتقين الله في أزواجهن، فيذكرن جميلهم وما لهم من أيادي، ولا تعدد السيئات وتترك الحسنات؛ لأن المعصوم هو محمد ﵊، والمرأة التي تبحث عن زوج كامل الدين، وكامل الأخلاق، وكامل التعامل، وكامل المروءة امرأة جاهلة؛ لأننا نحن العباد ما كملنا مع الله، فكيف يكمل الإنسان مع النساء؟! وكيف ومن لك بأخيك كله؟! إذا كنت في كل الأمور معاتباً صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه فنحن برحمة الله ولا يكمل أحد. فالمقصود: أن على المرأة أن تتقي الله، وأن تغض وتسامح وتعفو عن نقص زوجها وتذكر الجميل فيه، فقد يكون بخيلاً، لكن تتذكر أنه يحافظ على الصلوات الخمس، فتذكره بالصلوات الخمس والمحافظة عليها.

стр. 9189

ذكر المرأة محاسن زوجها ومساوئه الحادية عشرة: ذكر المرأة زوجها بما تعرفه من حسن وسوء، ولا بأس إذا اضطرت إلى ذلك أن تصفه بحسن أو سوء إذا كان لمصلحة، إما بالسؤال عنه، وإما ابتداء من تلقاء نفسها.

стр. 9190

من ضوابط الغيبة الثانية عشرة: وفيه أن ذكر المرء بما فيه من العيب جائز إذا قصد التنفير عن ذلك الفعل؛ بشرط ألا يسمى ولا يكون غيبة. فنقول: كيف جاز لهؤلاء النسوة أن يجلسن ويغتبن أزواجهن؟ قيل: لأنهن في الجاهلية، وما عندهم أن الغيبة حرام، والنميمة حرام، وإسبال الثوب حرام الجاهلية تركب رءوسهم، فهم لا يعرفون الحلال من الحرام، فمن هذا القبيل -بارك الله فيكم- ما توقفنا عند الغيبة، أما في الإسلام فلا يجوز للمرأة أن تغتاب زوجها- كما قال الحافظ ابن حجر - إلا لمصلحة، كأن تشتكي عند القاضي أو الحاكم، فيقول لها الحاكم: ماذا تنقمين على زوجك؟ فتقول: إنه بخيل، أو سيئ الخلق أو مقاطع أو لا يأتينا إلا غروراً في البيت، ومن هذا القبيل. ولذلك جاءت هند زوجة أبي سفيان إلى الرسول ﵊ وقالت: ﴿يا رسول الله! أبو سفيان رجل شحيح، ألا آخذ من ماله؟ قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف﴾ فهذه شكته وبينت عيبه للحاجة، فيجوز للمرأة إذا أتت حاجة أن تشكوه عند القاضي والحاكم إذا رأت أن في هذا مصلحة، وليس من الغيبة، أما لغير حاجة فلا يجوز وهو غيبة.

стр. 9191

تعدد النساء الثالثة عشرة: قال الحافظ: وفيه تقوية لمن كرهن نكاح من كان له زوجة، لما ظهر من اعتراف أم زرع بإكرام الزوج الثاني بقدر طاقته. يقول الحافظ: فيه تشجيع للنساء، لمن كره منهن نكاح من كان له زوجة؛ لما ظهر من اعتراف أم زرع بإكرام زوجها الثاني، فلا تتهيب المرأة من الزواج على زوجة قبلها، فإنه قد يكرمها أحسن ممن ليس له زوجة وليس معنى ذلك أن الرجل الذي ليس عنده زوجه يكرمها دائماً، بل قد يهينها، وليس معناه أن من عنده زوجة، سوف يهينها، لا بل قد يكرمها قال: ففيه تشجيع للنساء ألا تحرص الواحدة على ألا يكون قبلها زوجة، لكن تحرص على رجل الخير والدين والاستقامة وحسن الخلق؛ لأنها قد تسعد معه ولو كان معه ثلاث نساء أسعد مما لو كانت مع زوج ليس له إلا هي، فالمسألة مسألة دين وتعامل وخلق.

стр. 9192

الحب يستر الإساءة وفيه أن الحب يستر الإساءة؛ لأن أبا زرع مع إساءته لها بتطليقها، لم يمنعها ذلك من المبالغة في وصفه إلى أن بلغت حد الإفراط والغلو. يقول الحافظ: إن الحب يستر كل شيء، وحبك الشيء يعمي ويصم، فهذه المرأة تحب الزوج الأول ومع ذلك طلقها، وأحبها الثاني لكنها تمدح الأول، ومع أنه أساء إليها بالطلاق لكن قلبها معلق به يقول أبو تمام: كم منزل في الأرض يعشقه الفتى وحنينه أبداً لأول منزل ويقول أحد الشعراء: وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عيب السخط تبدي المساويا يقول: إنك إذا رضيت عن إنسان رأيت سيئاته حسنات، ورأيته كامل الأوصاف، حتى تجد بعض الناس يصف صديقه وأنت لم تره فيقول: ولي من الأولياء، لا إله إلا الله! تتذكر أولياء الله إذا رأيت وجهه ثم يحسبه وينسبه حتى كأنه يصف أبا بكر الصديق، فإذا رأيته، فما هو بذاك الوصف الذي وصفه، لكنه أحبه، وتجد بعض الناس إذا أبغض إنساناً فإنه يدخل عليه بالمداخل، يقول: فيه كذا وكذا، ويتتبع السقطات والعثرات، فإذا رأيته وإذا هو أعظم وأكبر مما قيل فيه، فحب الشيء يعمي ويصم.

стр. 9193

وصف محاسن النساء للرجل إذا كان مأموناً الرابعة عشرة: فيه جواز وصف النساء ومحاسنهن للرجل.

стр. 9194

جواز السجع الخامسة عشرة: فيه جواز السجع إذا كان بغير تكلف والسجع هو أن تنهي الكلمات بحرف واحد متسق، وهو جميل في الكلام، لكن إذا خرج إلى حد الكلفة فهو مذموم، فإن الرسول ﷺ تشاكست عنده امرأتان، فقام رجل من غطفان فقال: ﴿كيف أغرم من لا نطق ولا استهل، ومن لا شرب ولا أكل، فمثل ذلك يطل! فقال ﵊: أسجع كسجع الكهان؟﴾ لأنه تكلف، وإلا ففي القرآن سجع لكنه جميل وغير متكلف، وفي كلامه ﷺ بعض السجع، ولكنه جميل وحبيب إلى النفوس، وغير متكلف.

стр. 9195

من أحكام الطلاق السادسة عشر: فيه أن الطلاق لا يقع بالمشابهة وقد ذكرها الحافظ ابن حجر وقال: فيه أن الكناية في الطلاق لا تقع إلا مع مصاحبة النية منه؛ لأن الرسول ﷺ قال: ﴿أنا كـ أبي زرع﴾ وأبو زرع طلقها، ولكن لا يشبهه من كل جانب، ومن الأحاديث يؤخذ أن المشبه لا يقتضي أن يكون كالمشبه به، فقد يخالفه في بعض الشيء، وتقول محمد كالأسد في الشجاعة، لكنه ليس كالأسد في براثنه ومخالبه وجلده، وعينيه، وهذا أمر معلوم.

стр. 9196

جواز مدح الرجل في وجهه السابعة عشرة: فيه مدح الرجل في وجهه، إ ذا علم أن ذلك لا يفسده. ومسائل الحديث كثيرة، وقد شرحه القاضي عياض في كتاب كبير، ويقول الحافظ: استقصيت من شرحه وهم يقاربون العشرة من أهل العلم، وإنما شرحته؛ لما فيه من الحكم والفوائد؛ ولما فيه من اللطائف والأنس؛ ولأنه قد يعرض لبعض طلبة العلم، وفيه بعض الكلمات الغريبة التي تحتاج إلى مراعاة وإلى مراجعة.

стр. 9197

رسالة من فنان تائب ختاماً: نقرأ عليكم بعض ما أفادنا به بعض العائدين والتائبين إلى الحي القيوم، الذين أبصروا الحق وأرشدهم الله سواء السبيل، فإن الله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل، وهي بشرى لهذا المسلم أن الله سدده وهداه، واستثمر عمره إن شاء الله فيما يقربه من الله، وعاد عبداً لله ، بعد أن كان مع المطبلين والمطبلات والمغنين والمغنيات، والماجنين والماجنات، أصبح الآن من عداد الذين يريدون الله والدار الآخرة. يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أنا شاعر كنت أحضر العرضات والطرب، وكنت آخذ على ذلك أجراً من ألفين إلى خمسة آلاف في الحفلة الواحدة، واستمررت على هذا سنين طوال، ولي أشرطة كاسيت مغناة بصوتي مصحوبة بآلة العود، والحمد لله تركت ذلك لوجه الله -أبدلك الله في الجنة خيراً منه- من مدة سنين وتبت إلى الله الواحد الأحد، فأرجو إجابتي على أسئلتي الآتية أثابكم الله: أولاً: هل المبالغ التي أخذت من هذه الحفلات حلال أم حرام؟ ثانياً: إذا لم أستطع القضاء على الأشرطة فما هو الحل؟ ثالثاً: هل العرضات وقصائدها حرام؟

стр. 9198

التصرف في أموال الغناء بعد التوبة منه الجواب أولاً: نحييك باسمي ومن بالمسجد جميعاً، وندعو الله لك التوفيق والهداية، وأن يبدلك في الجنة خيراً مما تركته في الدنيا، فإن من ترك شيئاً لله أبدله الله خيراً منه في الآخرة، ولذلك في مسند الإمام أحمد: أن من ترك الغناء في الدنيا عوضه الله بسماع غناء الحور العين في الجنة، ينشدن ويقلن: نحن الناعمات فلا نبأس، نحن الخالدات فلا نبيد، طوبى لمن كنا له وكان لنا، قال ابن القيم: قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان هذا غناء أهل الجنة أن الله يرسل ريحاً رطبة هينة سهلة لينة على أغصان الجنة -نسأل الله تلك الأمكنة- فتهز الأغصان فتتلألأ، وتصطك الأغصان، فتحدث صوتاً عجيباً، آخذاً بالقلوب، فيعوضه الله من ترك الغناء في الدنيا. قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الإنسان كالنغمات بالأوزان ياخيبة الآذان لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان فأنت -إن شاء الله- ممن يستمع الغناء الطيب، يوم تبت إلى الله وأنبت وراجعت حسابك مع الواحد الأحد. أما: هل المبالغ التي أخذتها حلال أم حرام؟ فهذه المبالغ أولاً: يطلب منك أن تصرفها في مصارف الخير، وأن تتوب إلى الله منها؛ لأنك أخذتها من أموال غير مشروعة، وهي أموال أقل قصاراها وأحكامها الكراهة والشبهة، فأنت تتقي الله ما استطعت، لا نقول لك احسب كل ريال دخل عليك وخرج، لكن تصدق بقدر المستطاع، عل الله أن يغفر لك مازل أو ما أكلت أو ما لبست، أما أن نقول لك: احسب كل حفل وكل ما حضرت وأخرج، فهذا شاق، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وعفا الله عما سلف، فنسأل الله أن يعفو عنك، لكن أنصحك بكثرة الصدقة، وإن كان عندك رصيد فاجعله في ميزان حسناتك عند الله، إما في مسجد، وإما للمجاهدين, وإما للفقراء، وإما أن تجعله في عين أو مشروع خير لينفع المسلمين، أو تتصدق به، وأما أن يلزمك الكل فلا، عفا الله عما سلف، واتقوا الله ما استطعتم، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. وأما إذا لم تستطع القضاء على الأشرطة فما هو الحل؟ الحل مادام أن عندك موهبة شعرية، فعليك أن تكثر من الاستغفار والذكر أكثر من كل الناس؛ لأن الله ذكر الشعراء في القرآن، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [الشعراء:٢٢٧] فذكر الله الذكر هنا لأنهم أكثر الناس كلاماً، ونشيداً وقصائد، فأمرهم بكثرة الذكر، فأكثر من الاستغفار لكثرة قصائدك وأشعارك، حتى يكافئ هذا هذا ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] وما دام أن الموهبة عندك، فأنا أدلك على نظم القصائد الإسلامية التي تمدح فيها الإسلام، وتذكر الناس بالعودة إلى الله، والتوبة إلى الواحد الأحد , وتذكرهم بالقبر والحوض والميزان، وتنظم في العقائد والأخلاق، وتمدح أهل الدين والاستقامة، وتذم أهل الفسق والفجور، حتى تكون داعية من دعاة الإسلام، بشرط ألا يطغى عليك الشعر حتى يأخذ أوقاتك، وبشرط ألا يصاحب شعرك عود أو وتر أو ناي، أو دف أو طبل، بل تكن شاعراً تنظم هكذا في المجالس بلا آلة موسيقى، وتكون موجهاً، ويكون لك -إن شاء الله- لسان صدق عند الله، من الذين يحشرون تحت علم حسان بن ثابت شاعر الرسول ﷺ . وأما: هل العرضات وقصائدها حرام؟ فهذا يسأل فيه أهل الفتيا من أهل العلم، ويحال إلى هيئة كبار العلماء؛ لأنها مسائل عصرية اجتهادية، (وولِّ حارها من تولى قارها) فأنت تسألهم، وعليك أن تنقذ نفسك، وهذه الأمور فأنت لا تُسأل عنها، لكن عليك أن تنقذ نفسك، ويحال هذا السؤال إلى كبار العلماء ليفتوا عنه. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 9199

الشباب طموح ومعاناة بدأ الدرس بقصيدة ترحيبية للشيخ: سلمان العودة، رحب فيها بالشيخ عائض القرني ثم بدأ الشيخ عائض محاضرته بمقدمة شعرية، ذكر بعدها عناصر المحاضرة، ثم بدأ في تفصيل المحاضرة فتكلم حول الشباب والفطرة، ثم بين أن المعاناة في حياة الجيل سبيل وسنة، وتكلم بعد ذلك عن صور المعاناة عند الشباب لمصادرة الحريات وتحجيم دور الشباب في الحياة، وعن حيرة الشباب أمام الركام الهائل من الغثاء العقدي، معرجاً بعد ذلك إلى ذكر بعض صور الطموحات عند الشباب المسلم. ثم ختم المحاضرة بذكر بعض الاقتراحات العاجلة، وقام بعد ذلك الشيخ سلمان العودة بالتعليق على المحاضرة بكلام قيم نفيس وختم كلامه بالدعاء.

стр. 9200

ترحيب بفضيلة الشيخ عائض القرني الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها نعمة, والحمد لله عند كل نعمة، والحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه, كما يحب ربنا ويرضاه, والصلاة والسلام على نبينا محمد أفضل نبي وأشرفه وأزكاه. ثم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحية من عند الله مباركة طيبة. أيها الإخوة الأحباب! باسمكم جميعا نحيي شيخنا وضيفنا وحبيبنا، أبا عبد الله الشيخ: عائض بن عبد الله القرني من كل قلب يمتلئ بالحب، وكل عينين تشعان بالصدق, وكل لسان ينطق بالحق, نقول: أهلاً بـ أبي عبد الله ترحب به عرانين نجد وبطاحها، وجبال عسير وقممها, أهلاً بـ أبي عبد الله من كل الشباب الذي امتلأت قلوبهم حبّاً لك, كما امتلأ قلبك نصحاً لهم وحباً. يا أبا عبد الله! تحييك نجد والقصيم كلها, من كل الشباب الذين آمنوا بالله رباً وبمحمد نبياً وبالإسلام ديناً, تحييك نجد كلما هبت صباها, وفاح شذاها, وتقلب صباحها ومساها, أهلا بك يا أبا عبد الله كلما نبست شفة أو رفت عين أو خفق قلب بحب. يا أبا عبد الله إن جميع الشباب الذين يغص بهم هذا المجمع المبارك, جاءت لتعلن بلسان حالها ومقالها أنها جموع محمد ﷺ , وأنهم أهل الحق الذي تصدع أنت بكلمته, وأنهم أتباع محمد الذي تشدو أنت بدعوته, وأن الطريق والصراط المستقيم قد اتسع لشباب علت هممهم، وسمت اهتماماتهم, وأصبح الذي يستهويهم صوت الكلمة الصادقة, والدعوة الناصحة, والرأي السديد. أيها الإخوة! أدعكم مع سبح شعري، معانيه في قلوبكم جميعاً, ولكن الذي رسم كلماته هو شيخنا الشيخ سلمان بن فهد العودة , رسم هذه الكلمات معبراً عما في قلوبنا كلنا من حب, وشرفني يوم أن أمرني بإلقائها: احملوني إلى الحبيب وروحوا واطرحوني ببابه واستريحوا أنا من هيح الغرام شجاه وبراه الهيام والتبريح يا أبا عبد الله كم من محب ناله من هواك ضر جريح فسلام عليك من حيث تغدو وسلام عليك حيث تروح وسلام عليك في كل صمت وسلام عليك حين تبوح وسلام أنى حللت يوافيك كما الظل في مداه الفسيح ذلك الحزن في الوجوه بكاء من مآسٍ تغدو بنا وتروح فـ فلسطين طعنة وأنين وقتيل ونازف وجريح وقلوب قد أنهكتها الرزايا فعليها من الرزايا موح وبلاد الأفغان أنّات حزن وثكالى على ثكالى تنوح ويهز الدنيا نداء صريخ تحت أقدام قاتليه طريح وعلى كل بقعة ذكر اسم الله فيها مصائبٌ وقروح يا أبا عبد الله ما حشر الأشباح إلا روح أبي سبوح هزه الشوق للمجالس نشوى بعبير من الجنان يفوح وبلحن من الكلام ندي فيه سر من السماء وروح فلأنت الشباب يهتز عطراً ومعاناته وأنت الطموح رافضاً زخرف الحياة جمالاً باهتاً لم ينده التسبيح أما الآن فأدعو أسماعكم لتتعطر بهتافات أبي عبد الله وكلماته، فليتفضل مشكورا مأجوراً.

стр. 9201

قصيدة شعرية للشيخ عائض القرني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. اللهم صلّ وسلم على حامل لواء العز في بني لؤي, وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي, صاحب الغرة التحجيل, المؤيد بجبريل, المعلم الجليل، المذكور في التوراة والإنجيل, ﷺ كلما تضوع مسك وفاح, وكلما ترنم حمام وصاح, وكلما شدا بلبل وناح. هذي جراحي وهذا كله وصبي وهذه دمعتي سالت على تعبِ يكفيك يا قلب أنا في القصيم غدت قلوبنا تنسج الأفراح في طربِ يا ماسح الدمع عن عيني ذكرتكم والهم ينتابني والهول يعصف بي فيا فمي اليوم قبل كل ناصية شماء واقصد بها الرحمن واحتسب بريدة الحق ما زالت محجبة وصانها الله من باغ ومغتصبِ أمطر عنيزة دمع الحب يحمله روادها من صميم السادة العرب في الرس ترسو المعالي وهي راسخة وفي البكيرية الغراء كل أبي يا بن البدائع أبدع ما أردت على نهج الرسول ونهج الثلة النجب يا مذنب الأوفياء الله يحفظكم من زاركم مذنباً في دينه يتب هل أخبروك عن الخبرى وما فعلت أجيالها حاملو الأقلام والقضب قصدي عيون الجوى يا عين فاغتنمي يا صاحب العين لا تأس على الحجب شمس الشماسية البيضاء معتقة بالبر والخير لم تكسف ولم تغب أرض الأشاوس ما دانت لمضطهد جوراً وما صافحت كفاً لمنتهب ولا استناخت لجبار على رغم لو كان من يزن نسلاً ومن كرب أنوف أبطالها مرفوعة أبداً إذا أنوف خصوم الحق في الترب صلى على أرضها روح الفدى وسقى ترابها معصرات المزن في السحب وذاد عنها دعاة الخير ما برحت ترمي الشياطين عنها الدهر بالشهب أيها الناس! إن الذي يأتي ليحدثكم كالذي يروض الأسود, أو كالذي يسحب الحبل على شفرات السيوف. أيها الإخوة! يوم أن أتيت إليكم قال لي قلبي: إنك تأتي قوماً أهل كتاب وسنة, فليكن أول ما تخبرهم عنه أنك تحبهم في الله, فأشهد الله في هذه الليلة, وأشهد ملائكته وأشهد حملة العرش, وأشهد المسلمين, أني أحبكم في الله, ولسان الحال يقول: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف:٨٨]. كان لي نية قبل فترة أن أتشرف بزيارة هذا المعلم, وهذا المكان، لأشارككم فرصة عودة دروس الشيخ الفاضل العالم المسدد سلمان بن فهد العودة , ونعيش هذه الأمنية الغالية، ولكني جئت الليلة معتذراً وشاكراً ومعانقاً ومسلّماً.

стр. 9202

موجز المحاضرة عنوان المحاضرة "الشباب معاناة وطموح" ولها عناصر: الشباب والفطرة، المعاناة في حياة الجيل سبيل وسنة، معاناة الخيرين أبد الدهر، رسولنا ﷺ بين حرب الإيذاء والإغراء, من صور المعاناة عند الشباب، مصادرات الحريات في حياة الجيل, وفصله عن ماضيه المجيد, تحجيم دوره في الحياة ومكانته في التأثير، حيرته أمام ركام هائل من الغثاء الفكري والعقدي والسلوكي، إدانته باتباع السنة واتهامه باعتناق الملة، قلة المربين والعلماء الربانيين. أما من صور الطموحات فتطلعه أن يكون العالم الرباني، الذي يعيد للعلم مكانته, سعيه إلى أن يكون المجاهد الذي ينصر الله به دينه، حرصه على إعادة الأمة إلى صدارتها وإمامتها, هدايته الناس إلى الله ﵎, تطهيره الأرض من الدخيل الكافر, وإعادة الكمال الإنساني إلى أمة الخلافة. تلكم عناصرها، وفي الحقيقة إنني كتبت المحاضرة لجلالة الموقف, وكنت أرتجل في غالب الأوقات، لكن لما علمت أني سوف أفد إلى مدينة العلم والدعوة، والقضاة والمشيخة, آثرت أن أكتب كالبحر يمطره السحاب وما له فضل عليه لأنه من مائه شباب محمد ﷺ أخاطبهم هذه الليلة, شباب المساجد، شباب القداسة, شباب المبادئ، شباب التوحيد.

стр. 9203

الشباب والفطرة قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠] على ماذا فطر هذا الإنسان؟ على لا إله إلا الله محمد رسول الله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢] فنطقوا، قال الرازي والغزالي: شهادة حال, وقال الجمهور: شهادة مقال. ولد المولود وفي قلبه مكتوب لا إله إلا الله، وفي دمه تجري لا إله إلا الله، وفي عروقه تسبح لا إله إلا الله. يقول شيخ الإسلام ﵀: لكل مسلم ميلادان اثنان: الميلاد الأول: يوم ولدته أمه. والميلاد الثاني: يوم اهتدى وتاب. ومن يولد الميلاد الثاني فلن ينفعه الميلاد الأول، لأن الميلاد الأول من جنس ميلاد الحيوانات والعجماوات والبهائم والطيور والزواحف, وقال كذلك شيخ الإسلام في مختصر الفتاوى: ولكل مسلم أبوان؛ الأب الأول أبوه الجثماني والأب الثاني محمد ﷺ فهو أبوه الروحاني، قال وفي قراءة أُبي: (وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم) فالرسول ﷺ أبٌ للشبيبة المهتدية السالكة إلى الله. وقد صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه﴾ سقط رأسه على التوحيد, وانبعث على التوحيد, ولكن التربية والغزو الفكري والأيادي العميلة, ومرتزقة الفكر أرادوا أن يلحد أو ينحرف أو يفسق في دين الله, وجزاء الذين يغيرون فطرة الله أن يغير الله أفئدتهم وأبصارهم، ولذلك قال : ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠] قالوا: (أول مرة): يوم الميلاد, وقيل: يوم الدعوة, وهذه الآية تتحقق في أسمى كمالها في انهيار الشيوعية اليوم، فهي تنسحق ويخرج العراة الجائعون من بيوتهم، يدوسون بجزماتهم صور لينين واستالين. لما رأت أختها بالأمس قد خربت كان الخراب لها أعدى من الجرب رمى بك الله جنبيها فحطمها ولو رمى بك غير الله لم يصب لقد قلب الله فطرهم, ولقد قلب الله أنظمتهم, ولقد دس الله أنوفهم في الوحل, فرئيس يأتي ليسحب صورة رئيس ويلعنها ويدوسها, ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨]. ولكني لا أفيض، وقد أردت أن أفيض, ولكني سوف أترك هذه الإفاضة لفضيلة الشيخ عبد الوهاب بن ناصر الطريري غداً مع محاضرة (موسكو تحطم أصنامها). ﴿وقد نهى ﷺ عن تلقي الركبان﴾ ﴿وأن يبيع حاضر لباد﴾ وأن تلقى السلع قبل أن يهبط بها إلى الأسواق, فأعط القوس باريها، والكلمة خطيبها، منتظراً منه بحثاً في هذه الجزئية، التي نعيشها بدمائنا وقلوبنا.

стр. 9204

المعاناة في حياة الجيل سبيلٌ وسنة والمعاناة في حياة الجيل سبيل وسنة, والله خلق الإنسان في كبد, ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الانسان:٢] قالوا: بالدعوة, وقيل: بالتكليف, بل هو مبتلى حتى في طعامه وشرابه, والفاسق مبتلى في معصيته, وشارب الخمر مبتلى بكأسه, وضارب العود مبتلى بعوده, والفنان مبتلى بفنه, والزنديق مبتلى بزندقته, والمؤمن مبتلى برسالته ومبادئه التي يحملها للناس, ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] فهو في مشقة وفي ورطة, لا يخرجه من هذه الورطة إلا ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠] ولا يكون المخرج إلا محمداً ﵊، لأنه يخرجهم من الظلمات إلى النور, ولأنه ربان سفينة النجاة، من ركب فيها نجا, ومن تخلف عنها هلك. ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦] فهو عامل، الغني كادح, ومدير القرار كادح, ومنتج الجرم كادح, ومقترف الفاحشة كادح, ومرسل الكلمة البناءة كادح, ولكنه يعود إلى الله, وكما قال البوشنجي وهو يتكلم عن الدنيا، وهو أحد العلماء المحدثين: أتينا كارهين لها ولما عشقناها خرجنا كارهينا وما بالعيش سلوتنا ولكن مرار العيش فرقة من لقينا يقول: أتينا نكره الدنيا غاضبين على الدنيا, لا نريد الدنيا، فلما تعلقنا بها أتانا الموت تعلقنا بالدنيا, كما قال الأول: ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً وهذه هي المعاناة الكبرى, وهي العامة لكل البشر لمؤمنهم ولكافرهم، ولمهتديهم وضالهم.

стр. 9205

معاناة الخيرين أما معاناة الخيرين فهي معاناة خاصة, وهو أمر ومثوبة, وهو تكليف وواجب, ولقد عانى في الطريق كل صالح وكل خير, طريق شاق ومتعب, وطريق مضن، بل العجيب أن رواد الحق ودعاة الباطل في طريقهم إلى مبادئهم يضحون, هذا يضحي وذاك يضحي، سجن ابن تيمية وسجن لينين , كل من أجل مبدئه، وقتل أبو جهل وقتل حمزة، كل من أجل مبدئه, وجلد أحمد وجلد كارل ماركس في بلجيكا , كل من أجل مبدئه: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧] طريق ناح فيه نوح، وذبح فيه الذبيح, واغتيل زكريا, وضرج عمر بدمه في المحراب, وذبح عثمان , وفصل رأس علي , وجلدت ظهور الأئمة ولكن: جزى الله الطريق إليك خيراً وإنا قد تعبنا في الطريق فكم بتنا على الأجهاد يوماً نراعي النجم من أجل الصديق إنها طريق شاقة، ولكنها أجر ومثوبة, نوح يصارع الطوفان, وإبراهيم ﵇ يحارب بالنار, وموسى يفتن فتونا, ورسولنا ﷺ يتلقى الكربات.

стр. 9206

بين حرب الإغراء والإيذاء رسولنا ﷺ بين حرب الإغراء والإيذاء، وهما حربان يتعرض لها الداعية دائماً, فأيهما غلبته سقط وهزم وسحق، ولكن الرسول ﷺ نجح نجاحاً باهراً، وانتصر انتصاراً مبيناً في كلا الحربين. اسمع إلى حرب الإغراء، وأول ما يمارس الطغاة والظلمة حرب الإغراء, إنهم يقدمون الدينار، ويقدمون الجائزة والسيارة الفخمة, إنهم يشترون الضمائر ليبتاعوا بها المبادئ, تعرض ﷺ لهذا، وأول ما تعرض له الفتاة الجميلة, تعرض على محمد ﷺ يقول له الوليد: إن كنت تريد زوجة زوجناك أجمل فتاة في مكة , وكانت الزوجة الجميلة طموحاً وهدفاً للعرب في الجاهلية, ولذلك يقول قائلهم عن الفتاة: أخبروها إذا أتيتم حماها أنني ذبت في الغرام فداها ويقول جميل: يقولون جاهد يا جميل بغزوة وأي جهاد غيرهن أريد ومجنون ليلى وهو يدعو الله عند مقام إبراهيم, ينسى دعواته ويلتفت إلى تلك الفتاة الجميلة التي سلبت عقله: أتوب إليك يا رحمن مما جنت نفسي فقد كثرت ذنوب وأما عن هوى ليلى وتركي زيارتها فإني لا أتوب هذه عروبة أبي جهل وأبي لهب المنفصلة عن لا إله إلا الله، محمد رسول الله, لكن ماذا قال ﵊؟ قال: لا، فطموحاته أعظم. عرض عليه الملك، ليتولى ملكاً على العرب العرباء, وليقود الجزيرة العربية , ولكن الملك مجرداً من الدين أمنية البسطاء, ومبلغ علم الوضعاء, ولذلك جعلته العروبة قبل الإسلام من أقصى أمانيها؛ يقول امرؤ القيس: بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنا لاحقان بقيصرا فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا إما ملك أو موت. وقال -المهلوس الآخر- المتنبي: ولا تحسبن المجد زقاً وقينةً فما المجد إلا السيف والفتكة البكر وتضريب أعناق الملوك وأن ترى لك الهبوات السود والعسكر المجر وتركك في الدنيا دويا كأنما تداول سمع المرء أنمله العشر هذه هي أمانيهم, وهذه طموحاتهم. وعرضت عليه الدنيا ﷺ ، فقال له الوليد: وإن كنت تريد مالاً جمعنا لك مالاً لتكون أغنى أهل مكة , ولكن ماذا فعل ﷺ ؟ قال فيما يروى عنه: ﴿والذي نفسي بيده لو وضعتم الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركنه أو أهلك دونه﴾. لله در مبادئك وطموحاتك وهمتك وعزيمتك! البدر والشمس في كفيك لو نزلت ما أطفأت فيك ضوء النور والنار أنت اليتيم ولكن فيك ملحمة يذوب في ساحها مليون جبار في كفه شعلة تهدي وفي دمه عقيدة تتحدى كل جبار يا فاضح الظلم فارت هاهنا وهنا فضائح أين منها زندك الواري ومحمد ﷺ ينتصر، فلما انتصر على الإغراء, تعرضوا له بالإيذاء، وهي المدرسة الأخرى وهو الأسلوب الآخر, السب والشتم: "ساحر وكاهن وشاعر ومجنون وكاذب" يصلي عند المقام ﷺ ، فيضعون السلى على رأسه، فيقوم يحتحت السلى ويقول: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾. يذهب إلى الطائف جائعاً ظامئاً متعباً ساهراً, فيرد من الطائف بالتكذيب، ويرمى بالحجارة فتسيل أقدامه, ويقول: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾ يتعرض للإيذاء في عرضه، في عائشة الطاهرة, فيصبر ويتحمل, تباع أملاكه في مكة , تصادر كرامته, يؤذى ويشهر به في القبائل, ولسان حاله ومقاله: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾. يأتيه ملك الجبال فيقول: ائذن لي أن أطبق على أهل مكة الأخشبين, فيقول: ﴿لا. إني أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً﴾. وبالفعل أخرج الله من صلب أبي جهل عكرمة , ومن صلب الوليد خالداً , فنشروا الدين في ثلاثة أرباع الكرة الأرضية. ويتعرض ﷺ لمحاولة الاغتيال, ولكن يتصل بالله، ويعتز به ويستنصر به، فينصره الله نصراً مؤكداً؛ يرتجف في الغار, حوله خمسون شاباً تقطر دماؤهم حقداً وموتاً, يرتعد ويرتجف أبو بكر ويخاف, ويقول: يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى موطن قدميه لرآنا, فيتبسم ﷺ , من الذي يتبسم في وهج العاصفة؟! هو وحده ﷺ . وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم قال: ﴿يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا﴾ وانتصر وحقق أعظم الطموحات التي ما حققها مصلح في تاريخ مسيرة الإنسان وعبر القرون والأديان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

стр. 9207

من صور المعاناة عند الشباب

стр. 9208

الاستهزاء والسخرية تمر المعاناة بهذا الجيل الذي يريد أن يرث رسالة الرسول ﷺ ، ويبلغها للناس، فإذا هو الجيل الذي يمر به الاستهزاء والسخرية في أول درس له، ومدرسة الاستهزاء والسخرية قديمة تعرض لها ﷺ وأصحابه، يذهب بهم إلى تبوك , ليرفع لا إله إلا الله، وليطرد الغازي عن شمال الجزيرة , ومعه في الجيش مستهزئون منافقون, قالوا: ما رأينا كقرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أجبن أفئدة عند اللقاء, ومن هو الجبان؟! ومن الذي يتخلف عن الصف؟ أمحمد ﷺ جبان؟! أمحمد ﷺ الذي يخوض المعارك بنفسه, والذي يضرب الكتائب بسيفه, والذي يقول علي وهو من أشجع الناس: ﴿كنا إذا اشتد الهول، واحمرت الحدق، وحمي الوطيس, اتقينا برسول الله ﷺ , فيكون أقربنا إلى القوم﴾؟! أنت الشجاع إذا لقيت كتيبة أدبت في هول الردى أبطالها وإذا وعدت وفيت فيما قلته لا من يكذب فعلها أقوالها هذا محمد ﷺ يستدعيهم في الصباح ليحاكم هؤلاء، أعداء الرسالة والصحوة والمنهج, ما لكم؟ فيقولون: نخوض ونلعب في أعراض الصالحين, فقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] وهذه المدرسة تجرب حظها اليوم في مسيرة الصحوة, فتستهزئ باللحية والثوب القصير والسواك واتباع الرسالة وصلاة الجماعة والأذان والقرآن. أحدهم يذكر في جريدة الحياة عن شباب الصحوة أنهم يعتقدون أن من قرأ آية الكرسي على الطائرة ( F١٥) سقطت, وهذا لا يقوله أحد, والكرامات نقرها, لكن حنانيك!! أبشباب الصحوة تستهزئ؟! أبالشباب الذين لو ذهبت أنت إلى بورتلاند تتزلج على الثلج, ذهبوا إلى أفغانستان يتزلجون تحت الدبابات؟! أبشباب الصحوة تستهزئ، الذين إذا ذهبت إلى الخمارات ذهبوا إلى المساجد لإقامة الصلوات؟! أبشباب الصحوة الذين إذا تلوت أنت المجلة الخليعة تتملاها, تلوا هم كتاب الله وقرءوا سنة رسول الله ﷺ ؟! وإذا تكون ملمة أدعى لها وإذا يحاس الحيس يدعى جندب ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٣] إذا قيل التزموا كما التزم الشباب الخيرون, قالوا: كيف نلتزم كما التزم المتطرفون الأصوليون الفضوليون, قال : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٣ - ١٤] أما في مجالس أهل العلم والفضل فيتظاهرون بالدين ورعاية الملة وحماية الشريعة, وأما في مجالسهم فيهدمون الإسلام بالمعاول: , ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٥ - ١٦] وهي مدرسة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٠] وهي مدرسة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١]. ويراني كالشجى في حلقه عسراً منزعه ما ينتزع فاجراً يخطر ما لم يرني فإذا أسمعته صوتي انقمع قد كفاني الله ما في نفسه وإذا يكفك شيئاً لم يضع غاظه أني حنيف مسلم وهو في اللذات واللهو تبع أتريدون سقوطي بعدما لمع الشيب برأسي وسطع لكن لمع نور محمد ﵊, وسطع ضياؤه في قلوب الموحدين, وليسوا بضارين كيداً والله معنا يوم نعتمد عليه.

стр. 9209

مصادرة الحريات من صور المعاناة مصادرة حرية الجيل وفصله عن ماضيه المجيد, فصوت الداعية مبحوح, ورأي الرشيد مذبوح, ومتمزق الفكر يغدو ويروح. من صور المصادرة: أن يتهم الناصح في نيته, ويشكك في مقاصد أهل الخير وأهل الفضل, وإلا فمبدأ المؤمن النصح, لا يريد الغش لله ولا لرسوله ولا للمؤمنين. أتى أبو سفيان إلى علي في الليل يطرق عليه بابه, قال: يا علي أتريد الخلافة من أبي بكر؟ لأملأن عليك المدينة فتيانا مرداً وخيلاً جرداً لتأخذ الخلافة من بنى تيم إليك, وهذا منطق الجاهلية؛ قال علي: [[يا أبا سفيان إن المؤمنين نصحة, وإن المنافقين غششة]] فالناصحون لا يتهمون، وإنما يريدون أن يحفظ الله بتضحيتهم البلاد والعباد, وأن يحجب غير الملتزم والمستقيم عن ميادين الإبداع, وأن يؤمم عليه مجال التأثير, وأن يعد طارئاً على المألوف, وارداً على السائد المتعارف عليه، حادثاً بأفكاره، وأن يترك الميدان لغيره والكلمة لسواه. إذا عيَّر الطائي بالبخل مادرٌ وعير قساً بالفهاهة باقل وقال الدجى للشمس أنت كسيفة وقال السهى للبدر وجهك حائل فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل يريدون المشاركة لهؤلاء الأخيار، فيجدونها في أضيق نطاق، بينما يجد أهل الهوايات الأبواب المفتوحة، والصدور المشروحة, وأهل الهوايات أصبحوا نجوماً، وباعة المبادئ أعلاماً، وأشباه السائمة رموزاً, فشياطين الإنس يجولون في صدور أولئك, ويحولون بين الشباب هؤلاء وبين ما يريدون من الخير, ويدغدغون الغرائز، أما هؤلاء الثلة الممتازة التي تريد رفع لا إله إلا الله محمد رسول الله, فيسخرون بدينهم وبنبيهم, ويتلاعبون بمصادر عزتهم, فأصواتهم ومجلاتهم وإشاراتهم ولافتاتهم وأغانيهم وكتبهم وجرائدهم وأشرطتهم في كل بيت, وفي المعمل والعيادة والدكان والجامعة والسوق, ثم يقال للداعية: احذر أن تسيء الأدب, أو تجرح المشاعر, أو تغضب الآخرين, أو تنكر عليهم.

стр. 9210

تحجيم دور الشباب في الحياة ومكانه في التأثير وأما تحجيم دوره في الحياة, ومكانه في التأثير, فهو ينظر إلى إسلامه وهو يزوى ويركن عن الحياة, هذا الدين الذي أنزله الله منقذاً للبشرية ورحمة للكون, وينظر الشاب إلى قرآنه وهو معزول عن حياة الناس, في جماعة تحفيظ القرآن, في القراءة على الموتى، في رؤية المشروع, في افتتاح الندوات فحسب, لكن أن يصدر القرآن ويورد هذه الأمة وأن يقودها إلى معالم الخير, وأن يرشدها في الحياة فلا, القرآن الذي أنزله الله وقال فيه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ [إبراهيم:١] إليك يا محمد, إليك يا حامل المبادئ, إليك يا منقذ الإنسان بإذن الله, إليك يا صاحب النور, لماذا؟ لتقرأه في المسجد, لترقى به الصرعى فحسب, لتتفتح به الندوات أم ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم:١] ويقول الله في كتابه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:٤٤]. قال مجاهد: شرف لك ولقومك. إي والله إنه الشرف العظيم, أين دستوري ودستورك قبل الرسالة؟ أين تاريخي وتاريخك؟ أين شريعتي وشريعتك؟ إنه القرآن والسنة. هذا الشاب يمتعض ويغضب، ويثور ويفور دمه, يوم يرى هذا القرآن يُنَحَّى عن حياة الناس, والله يقول لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] هذا الشاب في نظرهم لا يصلح أن يكون من أساطين الأدب لأنه ملتحٍ, ولا من رواد الفكر لأنه قصير الثوب, ولا من أهل القرار لأنه يحافظ على صلاة الجماعة.
следующие страницы →