← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 9206–9245 · переход к 9211.

стр. 9206

بين حرب الإغراء والإيذاء رسولنا ﷺ بين حرب الإغراء والإيذاء، وهما حربان يتعرض لها الداعية دائماً, فأيهما غلبته سقط وهزم وسحق، ولكن الرسول ﷺ نجح نجاحاً باهراً، وانتصر انتصاراً مبيناً في كلا الحربين. اسمع إلى حرب الإغراء، وأول ما يمارس الطغاة والظلمة حرب الإغراء, إنهم يقدمون الدينار، ويقدمون الجائزة والسيارة الفخمة, إنهم يشترون الضمائر ليبتاعوا بها المبادئ, تعرض ﷺ لهذا، وأول ما تعرض له الفتاة الجميلة, تعرض على محمد ﷺ يقول له الوليد: إن كنت تريد زوجة زوجناك أجمل فتاة في مكة , وكانت الزوجة الجميلة طموحاً وهدفاً للعرب في الجاهلية, ولذلك يقول قائلهم عن الفتاة: أخبروها إذا أتيتم حماها أنني ذبت في الغرام فداها ويقول جميل: يقولون جاهد يا جميل بغزوة وأي جهاد غيرهن أريد ومجنون ليلى وهو يدعو الله عند مقام إبراهيم, ينسى دعواته ويلتفت إلى تلك الفتاة الجميلة التي سلبت عقله: أتوب إليك يا رحمن مما جنت نفسي فقد كثرت ذنوب وأما عن هوى ليلى وتركي زيارتها فإني لا أتوب هذه عروبة أبي جهل وأبي لهب المنفصلة عن لا إله إلا الله، محمد رسول الله, لكن ماذا قال ﵊؟ قال: لا، فطموحاته أعظم. عرض عليه الملك، ليتولى ملكاً على العرب العرباء, وليقود الجزيرة العربية , ولكن الملك مجرداً من الدين أمنية البسطاء, ومبلغ علم الوضعاء, ولذلك جعلته العروبة قبل الإسلام من أقصى أمانيها؛ يقول امرؤ القيس: بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنا لاحقان بقيصرا فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا إما ملك أو موت. وقال -المهلوس الآخر- المتنبي: ولا تحسبن المجد زقاً وقينةً فما المجد إلا السيف والفتكة البكر وتضريب أعناق الملوك وأن ترى لك الهبوات السود والعسكر المجر وتركك في الدنيا دويا كأنما تداول سمع المرء أنمله العشر هذه هي أمانيهم, وهذه طموحاتهم. وعرضت عليه الدنيا ﷺ ، فقال له الوليد: وإن كنت تريد مالاً جمعنا لك مالاً لتكون أغنى أهل مكة , ولكن ماذا فعل ﷺ ؟ قال فيما يروى عنه: ﴿والذي نفسي بيده لو وضعتم الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركنه أو أهلك دونه﴾. لله در مبادئك وطموحاتك وهمتك وعزيمتك! البدر والشمس في كفيك لو نزلت ما أطفأت فيك ضوء النور والنار أنت اليتيم ولكن فيك ملحمة يذوب في ساحها مليون جبار في كفه شعلة تهدي وفي دمه عقيدة تتحدى كل جبار يا فاضح الظلم فارت هاهنا وهنا فضائح أين منها زندك الواري ومحمد ﷺ ينتصر، فلما انتصر على الإغراء, تعرضوا له بالإيذاء، وهي المدرسة الأخرى وهو الأسلوب الآخر, السب والشتم: "ساحر وكاهن وشاعر ومجنون وكاذب" يصلي عند المقام ﷺ ، فيضعون السلى على رأسه، فيقوم يحتحت السلى ويقول: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾. يذهب إلى الطائف جائعاً ظامئاً متعباً ساهراً, فيرد من الطائف بالتكذيب، ويرمى بالحجارة فتسيل أقدامه, ويقول: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾ يتعرض للإيذاء في عرضه، في عائشة الطاهرة, فيصبر ويتحمل, تباع أملاكه في مكة , تصادر كرامته, يؤذى ويشهر به في القبائل, ولسان حاله ومقاله: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾. يأتيه ملك الجبال فيقول: ائذن لي أن أطبق على أهل مكة الأخشبين, فيقول: ﴿لا. إني أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً﴾. وبالفعل أخرج الله من صلب أبي جهل عكرمة , ومن صلب الوليد خالداً , فنشروا الدين في ثلاثة أرباع الكرة الأرضية. ويتعرض ﷺ لمحاولة الاغتيال, ولكن يتصل بالله، ويعتز به ويستنصر به، فينصره الله نصراً مؤكداً؛ يرتجف في الغار, حوله خمسون شاباً تقطر دماؤهم حقداً وموتاً, يرتعد ويرتجف أبو بكر ويخاف, ويقول: يا رسول الله! لو نظر أحدهم إلى موطن قدميه لرآنا, فيتبسم ﷺ , من الذي يتبسم في وهج العاصفة؟! هو وحده ﷺ . وقفت وما في الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى وهو نائم تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم قال: ﴿يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا﴾ وانتصر وحقق أعظم الطموحات التي ما حققها مصلح في تاريخ مسيرة الإنسان وعبر القرون والأديان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

стр. 9207

من صور المعاناة عند الشباب

стр. 9208

الاستهزاء والسخرية تمر المعاناة بهذا الجيل الذي يريد أن يرث رسالة الرسول ﷺ ، ويبلغها للناس، فإذا هو الجيل الذي يمر به الاستهزاء والسخرية في أول درس له، ومدرسة الاستهزاء والسخرية قديمة تعرض لها ﷺ وأصحابه، يذهب بهم إلى تبوك , ليرفع لا إله إلا الله، وليطرد الغازي عن شمال الجزيرة , ومعه في الجيش مستهزئون منافقون, قالوا: ما رأينا كقرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أجبن أفئدة عند اللقاء, ومن هو الجبان؟! ومن الذي يتخلف عن الصف؟ أمحمد ﷺ جبان؟! أمحمد ﷺ الذي يخوض المعارك بنفسه, والذي يضرب الكتائب بسيفه, والذي يقول علي وهو من أشجع الناس: ﴿كنا إذا اشتد الهول، واحمرت الحدق، وحمي الوطيس, اتقينا برسول الله ﷺ , فيكون أقربنا إلى القوم﴾؟! أنت الشجاع إذا لقيت كتيبة أدبت في هول الردى أبطالها وإذا وعدت وفيت فيما قلته لا من يكذب فعلها أقوالها هذا محمد ﷺ يستدعيهم في الصباح ليحاكم هؤلاء، أعداء الرسالة والصحوة والمنهج, ما لكم؟ فيقولون: نخوض ونلعب في أعراض الصالحين, فقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] وهذه المدرسة تجرب حظها اليوم في مسيرة الصحوة, فتستهزئ باللحية والثوب القصير والسواك واتباع الرسالة وصلاة الجماعة والأذان والقرآن. أحدهم يذكر في جريدة الحياة عن شباب الصحوة أنهم يعتقدون أن من قرأ آية الكرسي على الطائرة ( F١٥) سقطت, وهذا لا يقوله أحد, والكرامات نقرها, لكن حنانيك!! أبشباب الصحوة تستهزئ؟! أبالشباب الذين لو ذهبت أنت إلى بورتلاند تتزلج على الثلج, ذهبوا إلى أفغانستان يتزلجون تحت الدبابات؟! أبشباب الصحوة تستهزئ، الذين إذا ذهبت إلى الخمارات ذهبوا إلى المساجد لإقامة الصلوات؟! أبشباب الصحوة الذين إذا تلوت أنت المجلة الخليعة تتملاها, تلوا هم كتاب الله وقرءوا سنة رسول الله ﷺ ؟! وإذا تكون ملمة أدعى لها وإذا يحاس الحيس يدعى جندب ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٣] إذا قيل التزموا كما التزم الشباب الخيرون, قالوا: كيف نلتزم كما التزم المتطرفون الأصوليون الفضوليون, قال : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٣ - ١٤] أما في مجالس أهل العلم والفضل فيتظاهرون بالدين ورعاية الملة وحماية الشريعة, وأما في مجالسهم فيهدمون الإسلام بالمعاول: , ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٥ - ١٦] وهي مدرسة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٠] وهي مدرسة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١]. ويراني كالشجى في حلقه عسراً منزعه ما ينتزع فاجراً يخطر ما لم يرني فإذا أسمعته صوتي انقمع قد كفاني الله ما في نفسه وإذا يكفك شيئاً لم يضع غاظه أني حنيف مسلم وهو في اللذات واللهو تبع أتريدون سقوطي بعدما لمع الشيب برأسي وسطع لكن لمع نور محمد ﵊, وسطع ضياؤه في قلوب الموحدين, وليسوا بضارين كيداً والله معنا يوم نعتمد عليه.

стр. 9209

مصادرة الحريات من صور المعاناة مصادرة حرية الجيل وفصله عن ماضيه المجيد, فصوت الداعية مبحوح, ورأي الرشيد مذبوح, ومتمزق الفكر يغدو ويروح. من صور المصادرة: أن يتهم الناصح في نيته, ويشكك في مقاصد أهل الخير وأهل الفضل, وإلا فمبدأ المؤمن النصح, لا يريد الغش لله ولا لرسوله ولا للمؤمنين. أتى أبو سفيان إلى علي في الليل يطرق عليه بابه, قال: يا علي أتريد الخلافة من أبي بكر؟ لأملأن عليك المدينة فتيانا مرداً وخيلاً جرداً لتأخذ الخلافة من بنى تيم إليك, وهذا منطق الجاهلية؛ قال علي: [[يا أبا سفيان إن المؤمنين نصحة, وإن المنافقين غششة]] فالناصحون لا يتهمون، وإنما يريدون أن يحفظ الله بتضحيتهم البلاد والعباد, وأن يحجب غير الملتزم والمستقيم عن ميادين الإبداع, وأن يؤمم عليه مجال التأثير, وأن يعد طارئاً على المألوف, وارداً على السائد المتعارف عليه، حادثاً بأفكاره، وأن يترك الميدان لغيره والكلمة لسواه. إذا عيَّر الطائي بالبخل مادرٌ وعير قساً بالفهاهة باقل وقال الدجى للشمس أنت كسيفة وقال السهى للبدر وجهك حائل فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل يريدون المشاركة لهؤلاء الأخيار، فيجدونها في أضيق نطاق، بينما يجد أهل الهوايات الأبواب المفتوحة، والصدور المشروحة, وأهل الهوايات أصبحوا نجوماً، وباعة المبادئ أعلاماً، وأشباه السائمة رموزاً, فشياطين الإنس يجولون في صدور أولئك, ويحولون بين الشباب هؤلاء وبين ما يريدون من الخير, ويدغدغون الغرائز، أما هؤلاء الثلة الممتازة التي تريد رفع لا إله إلا الله محمد رسول الله, فيسخرون بدينهم وبنبيهم, ويتلاعبون بمصادر عزتهم, فأصواتهم ومجلاتهم وإشاراتهم ولافتاتهم وأغانيهم وكتبهم وجرائدهم وأشرطتهم في كل بيت, وفي المعمل والعيادة والدكان والجامعة والسوق, ثم يقال للداعية: احذر أن تسيء الأدب, أو تجرح المشاعر, أو تغضب الآخرين, أو تنكر عليهم.

стр. 9210

تحجيم دور الشباب في الحياة ومكانه في التأثير وأما تحجيم دوره في الحياة, ومكانه في التأثير, فهو ينظر إلى إسلامه وهو يزوى ويركن عن الحياة, هذا الدين الذي أنزله الله منقذاً للبشرية ورحمة للكون, وينظر الشاب إلى قرآنه وهو معزول عن حياة الناس, في جماعة تحفيظ القرآن, في القراءة على الموتى، في رؤية المشروع, في افتتاح الندوات فحسب, لكن أن يصدر القرآن ويورد هذه الأمة وأن يقودها إلى معالم الخير, وأن يرشدها في الحياة فلا, القرآن الذي أنزله الله وقال فيه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ [إبراهيم:١] إليك يا محمد, إليك يا حامل المبادئ, إليك يا منقذ الإنسان بإذن الله, إليك يا صاحب النور, لماذا؟ لتقرأه في المسجد, لترقى به الصرعى فحسب, لتتفتح به الندوات أم ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم:١] ويقول الله في كتابه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:٤٤]. قال مجاهد: شرف لك ولقومك. إي والله إنه الشرف العظيم, أين دستوري ودستورك قبل الرسالة؟ أين تاريخي وتاريخك؟ أين شريعتي وشريعتك؟ إنه القرآن والسنة. هذا الشاب يمتعض ويغضب، ويثور ويفور دمه, يوم يرى هذا القرآن يُنَحَّى عن حياة الناس, والله يقول لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] هذا الشاب في نظرهم لا يصلح أن يكون من أساطين الأدب لأنه ملتحٍ, ولا من رواد الفكر لأنه قصير الثوب, ولا من أهل القرار لأنه يحافظ على صلاة الجماعة.

стр. 9211

حيرة الشباب أمام الركام الهائل من الغثاء العقدي ثم يحتار هذا الشاب أمام الركام الهائل من الغثاء العقدي والفكري والسلوكي. والأصل في توجه المسلم تجريد المنهج الرباني من الدخن، وتصفيته من الشوائب, ذهب عمر إلى مدراس لليهود، فوجد صحيفة هناك من التوارة ملقاة فاستبشر بها, وظن أنه سوف يضيف لثقافة الرسول ﷺ ثقافة جديدة, ولشريعته منهجاً آخر, وأتى بالصحيفة يحملها ويبشر بها رسولنا ﵊, فَتَمَعَّر وجهه ﷺ ، وغضب, وقال فيما رواه النسائي بسند صحيح: ﴿أمتهوكون فيها يـ ابن الخطاب؟! والذي نفسي بيده لقد أتيت بها بيضاء، والذي نفسي بيده لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي﴾ أي لو كان موسى صاحب تلك الرسالة وصاحب تلك التوارة حياً, لكان تلميذاً من تلاميذي، وطالباً من طلابي؛ ومع ذلك تذهب لتأتينا بثقافة جديدة؟! شعوبك في شرق البلاد وغربها كأصحاب كهف في عميق سبات بأيمانهم نوران ذكر وسنة فما بالهم في حالك الظلمات وينزل الصحابة ويرون شجرة ذات أنواط, تشبه شجرة المشركين ذات أنواط, يعلقون عليها الأسلحة, بل يطلبون من الرسول ﷺ شجرة ذات أنواط, تشابه تلك, فقال ﷺ : ﴿الله أكبر! إنها السنن، قلتم كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة﴾ فأنكر عليهم ﷺ حتى المشابهة في هذا الشكل الخارجي, لما يؤدي إليه من المشابهة في المضامين والمقاصد, فالمسلم يتميز حتى في ثيابه, وفي لباسه, وفي منهجه, وفي فكره, وفي أدبه. ذكر ابن إسحاق في السيرة أن الرسول ﷺ أرسل عثمان يصالح المشركين يوم الحديبية، فلما رأى المشركون عثمان قصير الثياب إلى منتصف الساق، علمه شيخه وأستاذه أن السنة تقصير الثوب, والمشركون يجرون الإزار ويسحبون الثياب, يقول النابغة يمدحهم: رقاق النعال طيب حجزاتهم يحيون بالريحان يوم السباسب فقال المشركون: قد صبأ عثمان , قد صبأ عثمان , لأنهم رأوا ثيابه قصيرة، لأن شيخه أتى بثياب قصيرة, فقلده واتبعه، واستن بسنته ﵁ وأرضاه, وصلى الله على المعلم وسلم. يدخل عمر المسجد وهذا في التاريخ أيضاً, فيجد قاصاً يقص على الناس, لكن أمن القرآن؟ لا. أمن السنة؟ لا. وعندنا القصص وعندنا الأدب, وعندنا الإبداع, وعندنا الروعة, وعندنا المنهج المتكامل, قال عمر: من هذا؟ قالوا: قاص, قال: يقص ماذا؟ قالوا: يقص علينا من كتاب " دانيال؛ وعمر عنده عصا نسيها في البيت, فعاد فأخذها وأتى إلى الرجل فشق الصفوف إليه وضربه على رأسه, وقال: [[يا عدو الله يقول الله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] وتقص علينا من كتاب دانيال]] , مثل من يذهب الآن ويترك صحيح البخاري ومسلم ليخبرنا عن قصة بائعة الخبز, ووردة المفترية, وخلف الكواليس، ومحمود عنقاوي.

стр. 9212

إدانة الشباب باتباع السنة واتهامه باعتناق الملة هل سمعتم عن أحدٍ يخجل أن يحمل ملة الرسول ﷺ وسنته؟ لقد أحوج المنافقون شباب الإلتزام إلى أن يخجل بعضهم من اتباع سنة الرسول ﷺ , حتى يقول الأول: إذا محاسني اللاتي أدل بها كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر إذا كان اتباعنا لسنة الرسول ﷺ , وسجودنا لله , وانتهاجنا نهجه إدانة واتهاماً، فكيف نعتذر للناس؟ ولذلك يقول منطق الجاهلية: لو كان خيراً ما سبقونا إليه، أبناء الفقراء يسبقوننا إلى المساجد والهداية وإلى الالتزام والسنة, عرفنا الإسلام قبلهم, ونحن أهل الإسلام الأصيل, ولكن هو منطق واحد, كما قال تعالى مخبراً عنهم: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء:١١١] ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام:٥٣] لماذا اصطفاهم الله؟ لقد أُحْرِج صراحة كثير من الشباب بسبب اتباعهم سنة النبي ﷺ , ووجدوا من التعليقات المريرة المرة ما لم يجده العصاة, وهاهم العصاة يتبجحون ويسرحون ويمرحون, لا يعلق على الحالق بحلق لحيته, ولا على المسبل بإسبال ثوبه ولا على شارب الخمر بشرب خمره, ولا على حامل العود بضرب عوده, ولا على هاوي المجلة الخليعة بمجلته, وإنما يعلق على أولياء الله، لأنهم اتبعوا رسول الله ﷺ . إنها معاناة جعلت ضعيفي الإيمان من شباب الصحوة يتنازلون عن الكثير من السنن, بل ويجد أحدهم الحرج في أن يحمل السنة، وربك يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] كيف يجدون طعم الإيمان وهم يخجلون من اتباعك؟! وقد صرح بعضهم في تصريحات رسمية أنه لولا أسرته لربى لحيته, ولولا أن أباه يضغط عليه لترك الغناء, ولولا أن أمه تحاربه لحضر دروس العلم والمحاضرات, فسبحان الذي يغير ولا يتغير ويبدل ولا يتبدل!

стр. 9213

قلة المربين والربانيين ومما يعاني منه الشباب قلة المربين والعلماء الربانيين، فقد أصبحوا أندر من الذهب, وأعز من الكبريت الأحمر. وقد كانوا إذا عدوا قليلاً فقد صاروا أقل من القليل وأصبح الآن يذكر في المدن عالمٌ واحد, ممن يحمل الشريعة، ويؤتمن على الميثاق، وعلى الكلمة الحقة, وأصبح كما قال بعض الفضلاء: لو جمعنا الدعاة في البلاد في منطقة واحدة أو في مدينة, ما غطوا حاجتها, وأصبحت بعض المدن لا تقام فيها المحاضرة في السنة إلا مرة أو مرتين, وأصبح هناك فقر مدقع في الدروس العلمية, بينما تمطر الأمة بوابل من الغثاء صباح مساء, فالصحف والمجلات والوسائل كلها ترغي وتزبد بما لا ينفع. ولكن مع قلة المربين والدعاة فإننا نرى جهد أعداء الله كما قال الله؛ والله يقول: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] ولو أنه تصرف الأموال, وتهيأ الوسائل, وتدرس البرامج, ولكن لا يهمك أمرهم ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] ويبقى الحق منتصراً مع قلة وسائله وقلة ما يلمع أو يزخرف أو يوجه. أصبح كثير من العلماء يشتغل بالنفع اللازم من نوافل المستحبات والزهد والورع, لكنه عند ابن تيمية وأحمد بن حنبل والعز بن عبد السلام ورع بارد؛ ورع والأمة تغرف؟! ورع والأمة تصادر كرامتها وحريتها؟! ورع والأمة تفصل من لا إله إلا الله؟! ورع والأمة تحول عن القبلة؟! ورع والأمة توصل بحبال إلى الغازي المستعمر؟! أي ورع هذا؟! وصنف آخر يتشاغل بفضول العلم، وتوليد المسائل، وتفريع الفرعيات على حساب الأولويات والمهمات, فلا ينزل للجيل ولا يقود المسيرة, ولا يوجه الطاقات, ولا يعظ, ولا يأمر, ولا ينهى, فأي علم هذا وأي فائدة؟! المكتبات تغرق بوابل من التأليفات في الجزئيات حتى أُلِّفَ في مسألة المسبحة ما يقارب خمسة كتب مجلدات. ولكن من يسبح بهذه الأمة إلى شاطئ الأمان؟ إنهم رواد محمد ﷺ الذين يعلمون الناس, كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران:٧٩] قيل: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره, وقيل: هو الذي يكون إماما في الخير ويعلم ويربي بفعله. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾ [السجدة:٢٤] هل قال: في بيوتهم أو زوايا مساجدهم؟ لا بل قال: ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] يقول ﵊ ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾. إن القلة القليلة التي تتبوأ مكان الصدارة تحتاج إلى من يرفدها ويعينها من القاعدين الآخرين، الذين رضوا بالجلوس في بيوتهم، وأفتاهم الشيطان ببعض الفتاوى التي لا تصلح في هذا الزمن, بل هو زمن الصراع العالمي والجهاد وأن تبدو ببضاعتك، وأن تنشر بزك, وأن تكون مرفوع الرأس.

стр. 9214

صورٌ من الطموح

стр. 9215

طموح إلى الربانية ويتطلع كل واحد من الشباب -وهذا طموح- إلى أن يكون هو العالم الرباني، وسوف يحصل ذلك متى كان هناك استعداد وتوفيق ونية لتعلم العلم الشرعي، ورغبة في التحصيل, وصبر على صعوبة الطريق, وفراغ القلب والوقت من الشواغل, مع ذكاء وفطنة. إن الإسلام يعترف بالعلماء ليصدر الناس عن رأيهم، لكن ذلك حين يكون العالم وارثاً لمحمد ﷺ , حين يقول كلمة الحق ولا يكتم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩] ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧]. إن الذي يشتري بدعوته منصباً, أو سيارة فخمة, أو فيلا بديعة, أو وظيفة مغرية, ثم يترك هذا المبدأ ولا يبينه للناس, لهو الخاسر في آخر الطريق, وهو المنكوب صراحة, وهو المفلس.

стр. 9216

طموحٌ إلى الجهاد ويتطلع الشباب إلى أن يكون الواحد منهم مجاهداً في سبيل الله, وليس الجهاد فحسب في أفغانستان , بل في كل مكان, جهاد الكلمة والموعظة والخطبة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر, وتربية البيت, والتحصيل العلمي, وتربية النفس على طاعة الله , وكلٌ منا في قلبه أفغانستان , وكل في قريته أو مدينته أفغانستان , وهى من الجهاد أيضاً، ولكن نعطيها حجمها من الاهتمام, لئلا نترك الثغرات الأخرى، التى فتحت علينا وتولى أصحابها, وكانوا على المسلحة بالسيوف في الأنقاب, يطردون كل مسيح دجال يريد أن يدخل هذا النقب. سقطت راية الجهاد -كما قالوا- بعد صلاح الدين وتخلفت الأمة الإسلامية لتعيش في آخر الركب, وصارت تستورد ولا تصدِّر، وتوجَّه ولا توجِّه، وتُقَاد ولا تقُود.

стр. 9217

طموحٌ إلى قيادة البشرية والشاب الآن يطمح لأمته التي يقرأ عنها في التاريخ أن تقود البشرية، أصبحت حجتنا الآن أن نغسل العار عن وجوهنا, وأن نقدم للشباب كل جمعة عمر بن الخطاب: لو أسمعوا عمر الفاروق نسبتهم وأخبروه الرزايا أنكر النسبا أبواب أجدادنا منحوتة ذهباً وذي هياكلنا قد أصبحت خشبا من زمزم قد سقينا الناس قاطبة وجيلنا اليوم من أعدائنا شرباً إذا أردنا أن نعتذر قلنا: منا صلاح الدين , وعمر بن عبد العزيز. إذا فخرت بآباء لهم شرف نعم صدقت ولكن بئسما ولدوا فلماذا لم يجعل كل منا نفسه عمر بن الخطاب ولو مصغراً, وصلاح الدين ولو نبذة منه, أو نسخة مكررة؟ وما ذلك على الله بعزيز. وينتظر الشاب إلى أن يكون الداعية إلى منهج الله ضد دعاة الباطل, وحملة الرذيلة، والمطالبة منا أن نراغمهم في الميدان، ونلاحقهم في كل معترك. فالداعية الشاب الملتزم يجرع أعداء الله غصصاً لا تنتهى، وخطيب الدعاة ضد خطيب أولئك, وصحفينا ضد صحفيهم, وأديبنا ضد أديبهم, وكاتبنا ضد كاتبهم, ومفكرنا ضد مفكرهم. فإذا ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد:٤] وعندنا ولله الحمد في شباب الصحوة من التخصصات والمواهب والاستعدادات ما يغطي كل جانب, ولكنها ما استثيرت وما وجهت وما وضعت في أماكنها, عندنا مئات الشعراء والحمد لله -إن بني عمك فيهم رماح- وعندنا ومئات الخطباء, ومئات الدعاة, ومئات الوعاظ, ومئات الشعراء: أتركبون فإن الركب شيمتنا أو تنزلون فإنا معشرٌ نُزُلُ إن شئتم فلنا في الهند ضاحكة أو شئتم الطعن فالأرماح ترتجل ويريد الشاب من طموحاته أن يكون الآمر الناهي, الذي يتمعر وجهه كل يوم مرات عديدة, إذا رأى الإسلام يُمَرَّغ في التراب, ويمرغ على الأرصفة, ويمرغ في الحوانيت, ويمرغ في الجامعات, ويمرغ في المنتديات, ويمرغ في النوادي, فيلتهب هذا الشاب، ويفور دمه، لأن دينه ومبدأه يمرغ في التراب, ويُزْبِد ويُرْعِد إذا رأى المنكر أمامه يهدد منهج الله ويضايق أولياءه. إن هذا الجيل إن شاء الله لا يريد أن يكرر مأساة بنى إسرائيل الذين تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فقال الله عنهم: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩]. يقول الحبيب لحبيبه: قل الحق ولو كان مراً؛ يقول ﷺ لـ أبي ذر: ﴿قل الحق ولو كان مراً﴾ رواه ابن حبان، والحق مر يذهب بالرءوس, والحق مر يأخذ النفوس, والحق مر يسيل الدماء, لكن قل الحق ولو كان مراً, ما هي ميزتنا أمام الأمم؟ أننا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونؤمن بالله, فإن تخلينا عن هذه الميزة سقطنا من عين الله ثم من عيون الأمم. والشعوب الإسلامية الآن ترك أكثر أبنائها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بفعل الاستعمار, بل أصبح الأمر والنهي دخيلاً على الأمة، وأصبح مستغرباً, وأُذِيْبَ وأُنْهِيَ حتى أصبح الآن متلاشياً قليلاً ضعيفاً.

стр. 9218

طموح إلى دخول الجنة أيها الإخوة الفضلاء! ومن طموحات هؤلاء الشباب دخول الجنة، نسأل الله لنا ولكم الجنة، وهى أعظم ما بشر الرسول ﷺ أصحابه، خلافاً لـ أهل التصوف الكاذبين, الذين يرون أن هناك مطلباً أعلى من دخول الجنة, ويرون أنهم لا يعملون للجنة, وأن العامل لا ينبغي أن يعمل من أجل الجنة, يقولون: أجير السوء إذا أعطاه سيده أجرة عمل, وإلا لم يعمل، ويقول أحدهم: والله ما عبدت الله طمعاً في جنته، ولا خوفاً من ناره, ولكن ليرضى عني, وقال أحدهم: وهو يقرأ قوله في سورة آل عمران: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢] والله يخاطب أهل أحد , من يريد الدنيا هم أهل الغنائم, ومن يريد الآخرة هم الشهداء الذين تركوا الغنائم, فصفق بيديه هذا الصوفي وقال: الله أكبر! فأين الذين يريدون الله؟! يعني ما من الصحابة أحد يريدون الله، وهو فقط في صومعته وفي جهله وفي تخلفه يريد الله. الرسول ﷺ صراحة مني الصحابة بالجنة, قال له الأنصار: يا رسول الله على ماذا تبايعنا؟ قال: على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم, وأطفالكم, وأموالكم, قال ابن رواحة: يا رسول الله؛ فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: لكم الجنة, فقام من مجلسه وقال: ربح البيع والله لا نقيل ولا نستقيل. قال ابن القيم معلقاً: والبيعان بالخيار إن لم يفترقا، فإذا تفرقا وجب البيع. طولب ابن رواحة بالبينة: ما هي بينتك؟ وأنت قد خرجت من مجلس العقد, وقد سمعت من رب العالمين: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّه﴾ [التوبة:١١١] فطولب بالبينة فتقدم في غزوة مؤتة , وأخذ الصحابة يقولون: رويدك يـ ابن رواحة! فيقول: أقسمت يا نفس لتنزلنه لتنزلن أو لتكرهنه إن أقبل الناس وشدوا الرنة مالي أراك تكرهين الجنة هل أنت إلا نطفة في شنة ثم باعها من الله, والله اشترى، وذهبت روحه إلى الحي القيوم: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٦ - ٢٩]. وقال ابن هشام في السيرة، وابن كثير وغيرهما: وقف النبي ﷺ يعلن الحرب يوم الجمعة على أبي سفيان لأنه هدد أمن المدينة , واجتاح أطرافها، وأراد دخولها قبل المعركة بيوم أو يومين, فقال رسول الله ﷺ للناس: ماذا ترون أين نقاتلهم؟ قال كبار الصحابة: في المدينة، يقول اللواء الركن/ محمود شيت خطاب: وهو الرأي السديد؛ فإن حرب المدن دائماً في صالح المدافع على المهاجم؛ وأقر ﷺ ذلك، وخرج ثلة من أصحابه من الشباب من آخر المسجد يكبرون وينشدون: نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا ويقول عمرو بن سالم: ﴿يا رسول الله اخرج بنا إلى أحد , لا تمنعني دخول الجنة, والله لأدخلن الجنة, فيقول ﷺ : بم تدخل الجنة؟ قال: بخصلتين: بأني أحب الله ورسوله, ولا أفر يوم الزحف, قال: ﴿إن تصدق الله يصدقك﴾. وخرج بهم ﷺ ، فقدموا التضحيات الهائلة، التي لم يروها تاريخ، ولم تحفظ في كتاب, إلا في كتاب محمد ﷺ ، ولم تروَ في قصة، ولم يسمع بها دهر, إنها والله تضحيات تقيم شعر الرأس، وتجعل الدم مواراً في الجسم, تضحيات لا تنسى أبداً. يمد سيفه ﷺ قبل المعركة فيقول: ﴿من يأخذ هذا السيف؟ فرفعوا أياديهم قال: بحقه فنزلت الأيادي إلا يد أبي دجانة، قال: ما حقه يا رسول الله؟ قال: أن تضرب به في الأعداء حتى ينحني﴾ اسمع الشرط. عهد أبي حفص الذي تبقى إن على أهل اللواء حقاً أن تخضب الصعدة أو تندقا قال: أنا آخذه يا رسول الله, فأخذه وأخرج عصابة الموت الحمراء, وهي تترجم (خطر ممنوع الاقتراب) وقال الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت, فحان الموت, وأخذ أبو دجانة يقول: أنا الذي عاهدني خليلي ونحن بالسفح لدى النخيل ألا أقوم الدهر في الكيول أضرب بسيف الله والرسول ففلق به هام المشركين, وتقدم قتادة بن النعمان ليعلن من نفسه الصدق مع الله , فضربت عينه ونزلت حتى تعلقت بعرق في خده -كما قال ابن القيم في زاد المعاد، وغيره من أهل العلم- وأتى بعينه يعرضها على الرسول ﷺ , بالله هل بعد هذه التضحية تضحيات؟ فيردها ﷺ إلى مكانها، فتكون أجمل من الأولى, ويفتخر ابنه ويقول عند عمر بن عبد العزيز: أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أحسن الرد فصارت على خير لأول حالها فيا حسنما كف ويا حسنما خد ويتقدم حنظلة، ويقتل وهو جنب، ويغسل بين السماء والأرض في صحاف الذهب بماء المزن. أملاك ربى بماء المزن قد غسلوا جثمان حنظلة والروح تختطف وكلم الله من أوس شهيدهم من غير ترجمة زيحت له السجف سعد وسلمان والقعقاع قد عبروا إياك نعبد من سلسالها رشفوا

стр. 9219

طموح إلى رضا الله ومن طموحات هذا الجيل أن يرضى ربه عنه, ورضا الله غاية الغايات, وأهم المقاصد، وهى ما يطمح إليه العبد المؤمن في الحياة, فنسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرضى عنا وعنكم، والمسلم دائماً في كل صباح يقول: "رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً " ﷺ , ولابد أن يحقق هذا في عمله وعبادته وسلوكه وأخلاقه, ولابد أن يجعل هذا الميثاق نصب عينيه، في كل دقيقة ولحظة من لحظات اليوم, ولا يقدم على رضا الله رضا أحد من البشر مهما كان, ولا يقدم على الخوف من غضب الله غضب أحد من البشر مهما كان أبداً؛ فإنه قد روي عنه ﷺ أنه قال: ﴿من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أسخط الناس برضا الله ﵁ وأرضى عنه الناس﴾ فالواجب على المسلم وعلى هذا الجيل أن يحرص على رضا الله , وأن يردد دائماً بقوله وبعمله: فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذى بينى وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذى فوق التراب تراب

стр. 9220

اقتراحات عاجلة وهذه غاية الغايات كما قلت، وقبل أن أختتم كلامي هذه اقتراحات عاجلة, من أخ إلى إخوانه، ومن زميل إلى زملائه، ومن صديق إلى أصدقائه, منها: أن يصنف الفضلاء حسب مواهبهم واستعداداتهم للذود عن الملة, وحراسة حياض الشريعة, وحماية دار الإسلام, ما بين عالم وداعية وواعظ وآمر وكاتب وأديب وصحفي, ثم يقف كل منا على ثغرة فلا يغادرها حتى يقضى نحبه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣]. الثاني: أن ينتقل كل منا من مرحلة تواكل المسئولية، والتبرؤ من التبعات, إلى التأثير والمشاركة, وإلى ميادين العطاء, وإلى نشر ميثاق محمد ﷺ بكل ما أوتي الداعية من قوة. الثالث: أن يهيأ في كل حي درس في الشريعة لأحد المؤهلين، يجيد مخاطبة العامة وتربية الناس, وهذا يقترحه صاحب إحياء علوم الدين , وهو من أحسن ما يكون. الرابع: أن ننطلق جميعا مُشَرِّقين ومُغَرِّبين, نرفع الجهل عن الناس، ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر, فندخل البوادي والقرى والأرياف, داعين إلى منهج الله. وقال غيري من الفضلاء: يعلم الله أنه يوجد من أهل المبادئ الضالة والأنظمة الظالمة من يضحي لمبدئه أعظم مما يضحي الموحد لتوحيده, والمسلم لإسلامه. الخامس: أن نتخلى عن عقدة الخوف, أتدرون ما هي عقدة الخوف؟ إنها العقدة التى تصل إلى حد أن يخرج الإنسان من الملة وهو لا يشعر, وقد جعل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ من نواقض لا إله إلا الله شرك الخوف, ونعرف أنه ليس في الحضور ولا في غيرهم من شباب الصحوة وأهل الإسلام من يعبد نجماً أو شجراً أو حجراً, ولكن منهم من يشرك شرك الخوف حتى يخرج من الملة, يخاف من البشر أكثر من خوفه من رب البشر, ويخاف من الناس أكثر من خوفه من رب الناس, والله يقول: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ [آل عمران:١٧٥] ويقول: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠]. قرأت لأحد شعراء النبط ومعذرة في هذا, ولكني عجبت من قوته وجلده, وهو يعلن مبدأه في بيتين من الشعر وهو يخاطب بها بعض الظلمة, يقول: أنا يا ترى مثلك يا ظالم، لا تظن الأرض وهي معك وقوة الأرض أنها معك سوف تغلبنى، فأنا حملت مبادئى ومعي الله: أنا يا ترى مثلك يحب العلا شجعان يراهم بروحه ما يخاف الشمالية أنا بعت روحي من محمد ولد عدنان قبضت الثمن والله يشهد على النية وما دام وصلنا إلى النبط، فمعذرة! فأنا سوف أختم كلامي ببعض الأبيات من الشعر النبطي بلهجة أهل الجنوب. يا جميل الوصف بالله ما زرت القصيم ديرة فيها البطولات رمز أبطالها العقيدة والمروات والدين العظيم زلزلت منها ديار الوفى زلزالها من جنوب المملكة جيت والمنصىكريم عند ما تحيا الجزيرة بذا نبلى لها وأكرر شكري لكم ودعائي, وأسأل الله أن يحشرنا وإياكم في مقعد صدق عند مليك مقتدر, وأن يجمعنا بالصالحين من عباده. وأشكر أهل الفضل الذين شرفونى بالحضور، وتواضعوا للسماع مني، كالشيخ رئيس المحاكم عبد الرحمن العجلان، والمشايخ عموماً كالشيخ/ حمود العقلا , وغيره من الدعاة والخطباء وأهل الفضل, فشكر الله لهم ذلك، وما بقي من وقت فأتركه لفضيلة الداعية المسدد سلمان بن فهد العودة ومع الشيخ يقدمه لكم ثم يدلف إليكم. كلمة المقدم: إنا والله يا أبا عبد الله أعجز أن نكافيك أو نجازيك، يوم أسعدت بمقدمك, وآنست بطلعتك, وبعثت في القلوب بكلمتك من المعاني العظيمة ما أنعشها وأحياها وزكاها, فقد لامست بحديثك عن المعاناة جروحاً والله في القلوب راعفة, وحركت بحديثك عن الطموح همماً إلى المعالي سامية, لا نملك أن نكافيك ولا أن نجازيك، ولكننا ندعو لك ونسأل الله أن يجيب, نسأل الله أن يكتب لك ما احتسبت, نسأل الله ﷻ أن يبارك في عمرك وينسأ في أجلك, ويجزيك عن رسالة محمد ﷺ خير ما جزى داعياً عن دعوته, نسأل الله ﷻ أن يسعد قلبك, ويقر عينك بعز الإسلام وظهور المسلمين. أما الآن فمع كلمة شيخنا، الموعودين نحن بها، فليتفضل شيخنا أبو معاذ ليعقب بما تيسر والله يحفظه ويرعاه.

стр. 9221

استهداف شباب هذه الأمة كلمة الشيخ سلمان العودة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خاتم النبيين، وآله وأصحابه أجمعين. أحبتي الكرام! كم هو محرج لي أن أجلس في هذا المجلس بين يدي مشايخي، كالشيخ عبد الرحمن والشيخ حمود والشيخ محمد بن صالح المنصور , وبقية المشايخ الذين حضروا إلى هذا المجلس المبارك، وهم كانوا أحق بهذا المجلس مني وأولى بالحديث مني. أيها الأحبة الكرام: ليس لي حديث بعد هذا الكلام الطيب العذب, الذي تفضل به لنا الشيخ عائض بن عبد الله القرني، جزاه الله تعالى عنا خيراً, وبارك الله تعالى في أوقاته وفي جهوده. أحبتي الكرام: شباب هذه الأمة اليوم كما هو ظاهر مستهدفون بحملة شرسة، تعمل على مسخ اهتماماتهم, وتوجيه تطلعاتهم إلى قضايا ثانوية, وإلى قضايا دونية, أصبح طموح الشاب وأصبحت البطولات التي تتراقص في ذهنه, وأصبحت المثل التي ينمناها ويتطلع إليها, ليست هي البطولات التي تحفظ لهذه الأمة تاريخها, وترفع هذه الأمة إلى مكانتها، وإنما تعلقت قلوب كثير من الشباب باهتمامات دنيوية, وطموحات عادية؛ بل أصبحت تطلعات كثير منهم لا أقول دنيوية وعادية فحسب، بل ربما ضد ما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين. أي فائدة تجنيها هذه الأمة المنكوبة المكلومة من سفور المرأة وتبرجها وتعريها؟! وأي مصلحة تجتنيها وتكسبها من انشغالها بإعداد عجول آدمية لا يملكون إلا القوة في أيديهم وسواعدهم وأقدامهم فحسب, ولكن لا يملكون قلوباً قوية, ولا يملكون نفوساً أبية؟! وأي فائدة تكسبها الأمة من الأصوات الصداحة التى لا تتغنى بالقرآن, وإنما تتغنى بحب فلانة وفلان؟! إن الأمة اليوم ليس ما ينقصها هو المغني أو اللاعب, وإنما ينقصها الشاب الذى يحمل قلباً يتنزى من جراح المسلمين في كل مكان, والشاب الذى روحه تتطلع إلى نصرة الإسلام على يديه, والشاب الذي يملك نفساً تحترق لهموم المسلمين, والفتاة التي يهمها أن تكون قعيدة بيتها لتربي لنا أبطالاً، ليعيدوا لنا أمجاد السابقين. كما تحدث فضيلة الشيخ عائض , أصبحنا اليوم نتكئ على تاريخنا كثيراً، فخطيبنا ومتحدثنا ومحاضرنا وفي مجالسنا لا يملك إلا أن يعدد مآثر سابقينا, فيقول: فلان فعل وفلان فعل. وقد قيل: كن ابن من شئت واكتسب أدباًً يغنيك محموده عن النسب إن الفتى من يقول هأنذا ليس الفتى من يقول كان أبى هذه الأمة أصبحت تجتر تاريخها, لأنها عقمت في حاضرها, فلم تجد من البطولات، ولم تجد من ألوان العظمة, ولم تجد من الجد والاجتهاد, ما تتحدث به في واقعها, ولهذا انكفأت على تاريخها تقلب صفحاته, كما ينكفئ التاجر إذا أفلس على أوراقه القديمة السابقة، لعله يجد ديوناً هنا أو ديونا هناك. أصبحنا نتحدث عن ماضينا، ولا نتحدث عن حاضرنا, لا أقول: نتحدث عن ماضينا أكثر مما نتحدث حاضرنا, بل نتحدث عن ماضينا ولا نتحدث عن حاضرنا. وأفلح عدونا فعلاً في إغراقنا بألوان من الهموم والمشاغل، من خلال غزو مُرَكَّز قامت به أجهزة الزور العالمية التي دخلت كل بيت وكل عقل وكل قلب وكل روح, فغيرت من نفسية الإنسان المسلم. أصبح المسلم يعاني مسخاً منذ أن يستيقظ إلى أن ينام, ومنذ أن يولد ويكتب في دفتر التابعية إلى أن يدفن ويكتب في دفتر الوفيات. يعاني مسخاً وتشويهاً وتغييراً لعقليته ولروحه ولإيمانه، لا يكاد يصمد له إلا الأقلون. ولعلنا نعرف كم يصدر يومياً من المجلات والجرائد، ومن الكتب ومن الدواوين، ومن القصائد ومن القصص ومن المسلسلات!! وكم يوجه إلى عقل الشاب المسلم اليوم من ألوان التسلط التي تمسخ عقله وتغير فكره. وكم تواجه الفتاة وهي في عقر دارها, حتى وهي في مدرستها, حتى وهي معزولة عن عالم الرجال, كم تواجه من ألوان التغيير والتضليل، التي جعلت كثيراً من الناس -كما تحدث الشيخ عائض حفظه الله- تنقطع صلتهم بماضيهم, وتنبتر صلتهم بتاريخهم, وتقل رابطتهم بإيمانهم, حتى أنك لا تجد منهم من يهتم بهذه الأمة, ولا من يعيش مشاعرها، وربما أصبح كثير منهم يعرفون من تاريخ أبطال الغرب وفنانيه ومخترعيه وصُنَّاعه ما لا يعرفون عن أبطالهم ولا عن تاريخهم، وربما استطاع كثير من هؤلاء -وقد رأيت هذا بعيني- أن يقرأ أغنية من أولها إلى آخرها, لكن ربما لو طلبت منه أن يقرأ سورة من كتاب الله لعجز، ولو قرأ منها آيات لقرأها مكسرة مهشمة، يخطئ فيها في السطر الواحد مرات, أي مسخ أكثر من هذا؟! والواقع أيها الأحبة أن الكثير لا يدركون ذلك, لماذا لا ندركه؟ لأن الكثيرين منا بحمد الله يعيشون في أجواء طيبة، وبين أوساط قوم صالحين, هذا يحفظ القرآن, وهذا يتلو كتاب الله, وهذا يتعلم السنة, وهذا يحضر مجالس الذكر, لكنْ هناك قسم آخر كبير جداً من المجتمع، لا علاقة لنا به, ولا ندرى ماذا يدور فيه, ولا عم يتحدثون, ولا ما هى اهتماماتهم وطموحاتهم, ولا ما هي معاناتهم, وكثير من هؤلاء قد مسخت عقولهم, وغيرت أفئدتهم, حتى أصبحت صلتهم بدينهم وواقعهم أبعد ما تكون, وأصبحت قلوبهم مع عدوهم وإن كانت أثوابهم أثوابنا, ولغتهم لغتنا, وربما كانت أسماؤهم اسماءنا, وهم من عوائلنا وأسرنا، لكن كثيرون منهم قد ذهب بهم الغرب كل مذهب, وغير عقولهم وأفئدتهم, وقلبهم فيما يحب ويشتهي, حتى إن الواحد منهم لا يحس بأدنى حسرة على هذا الواقع المرير الذى تعيشه أمة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها, وهو يرى أمم الغرب والشرق تبلغ قمة المجد في دنياها، في تقدمها، وفي صناعتها، وفي علومها التى كان يجب أن تكون في أيدي المسلمين, فلا يعنيهم من أمر ذلك شيء. بل إن الغرب نفسه أصبح يصدر إلينا التعاسة والفساد، والتوافه من الأمور، ويحتفظ لنفسه وأبنائه ولفتياته بالتقدم والعلم, ففي الوقت الذي يشغل الغرب فيه شبابه ذكوراً وإناثاً بالأمور النافعة, ويشغلهم بالأمور المفيدة على الأقل في دنياهم، أصبح الغرب يصدر إلينا من توافه البضائع، من المجلة الهابطة, ومن الأغنية المنحطة, ومن الأفلام الفاسدة, ومن البرامج الرديئة, أشياء وأشياء, وإن كان من أولادهم من ينشغل بها إلا أن منهم أيضاً من ينشغل بجلائل الأمور ومعاليها. ونحن نعلم أنه حتى في مجال المرأة أصبحت جيوش كثير من أمم الكفر تجند النساء, لماذا تجند النساء؟ لخدمة عقائدهم ومبادئهم, نحن نربأ بأزواجنا وأخواتنا وبناتنا وأمهاتنا وقريباتنا عن ذلك؛ لأننا نعتبرهن درراً مصونة، تحفظ في بيوتها، ويقول الله تعالى لهن: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب:٣٣] نحن نربأ ببناتنا ونسائنا وبأخواتنا المؤمنات عن مثل هذه المواقع. لكننا نقول: إنها لعبة واضحة ومكشوفة, إن الغرب في الوقت الذي يجند حتى صاحبات السواعد الرخوة للدفاع عن مصالحه في أنحاء العالم, فإنه يصدر إلى شبابنا -وليس إلى فتياتنا فقط- ألوان الفساد والتعاسة, وألوان الانحراف والانحطاط, وها هو البث المباشر أصبحوا يهددوننا به صباح مساء, حتى يخترقوا بيوتنا وأخلاقنا وعقولنا وقلوبنا وأرواحنا, ويجعلوا شبابنا يعيشون في حالة لا يعلمها إلا الله.

стр. 9222

الأمة الإسلامية بحاجة إلى صحوة أيها الأحبة: الأمة الإسلامية بحاجة إلى صحوة, وينبغي أن ندرك أنه إذا اجتمع في مسجد مثل هذا الجمع الطيب بالألوف, فإنه يوجد أعداد كبيرة من الشباب هم بأمس الحاجة إلى اليد الحانية، التي تأخذ بأيديهم إلى المسجد, وتربطهم بالله , وتدعوهم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ , وتتطلف معهم حتى تسوقهم سوقاً رفيقاً غير عنيف إلى مجالات الخير, ومجالات البر ومجالات الإحسان. وإننا نعتبر أن مثل هذه المجالس -كما نعتبر مجالس العلم التي يحييها علماؤنا في كل مكان, ودروس تحفيظ القرآن, والدور الذي تقوم به المجالات الخيرية- نعتبر أنها نوع من المقاومة والكفاح، لا يقل عن ذلك الذي يحمل سيفه ويواجه العدو في ميدان المعركة, بل نحن نواجه عدواً أشرس وأعظم، لأن الذي يواجه العدو في ميدان المعركة قد حدد عدوه، وعرفه على وجه التحديد, وعرف جهته, وقد وجد في الواقع ما يثير حماسه ويلهبه, حتى أن كثيراً ممن يكون فيهم خوف وجبن إذا ذهبوا إلى ميادين القتال، وسمعوا أزيز الطائرات، وسمعوا طلقات المدافع، زال عنهم الخوف, وأصبحوا شجعاناً ينطلق الواحد منهم لا يلوي على شيء، وهو يتمنى أن يموت في سبيل الله, وهذا أمر مشاهد مجرب, الداعية يواجه عدواً مستتراً عدواً منافقاً عدواً يتظاهر بالود, يتظاهر بالخير, يتظاهر بمحبة الطيبين والخيرين، وأنه يريد الخير لهؤلاء الناس, ثم يدس السم الناقع، وإن من أصعب الأمور مواجهة أمثال هؤلاء، لأن الكثيرين تفتر حماستهم وتقل اندفاعاتهم نحو هذه المجاهدة, التي هي من أوجب المجاهدات في هذا الوقت, وما هذه الكلمات النيرات التي تقدم بها أخي الشيخ عائض حفظه الله وسدده ووفقه وجزاه عنا خيراً, إلا نبراس لهذا الطريق، فنحن أصبحنا اليوم أيها الإخوة مطالبين -حتى من كان منا عنده معصية، أو عنده بعض التقصير- مطالبين بأن ننقذ أنفسنا وننقذ بيوتنا. من هو الذي يرضى أن يكون بيته مقتحما؟! من هو الذي يرضى أن يكون عدوه في قعر بيته يصل إلى أخته وإلى أخيه وإلى قرينته بل إلى زوجته في بعض الأحيان؟! والله إننا نعرف من أوضاع البيوت ومن أوضاع الشباب ومن أوضاع الفتيات ما يندى له الجبين, وندرك أن الشاعر كان على حق حين صاح منذ سنوات طوال وهو يقول: مؤامرة تدور على الشباب ليعرض عن معانقة الحراب مؤامرة تدور بكل بيت لتجعله ركاماًَ من تراب هذا الشاب الذى تلتهب القوة الجسمانية في بدنه, ثم يرى على مرأى منه ومسمع صور الرذيلة، التي تصدر لنا من الشرق والغرب, وصور المرأة الجميلة، والأغنية الهابطة, ما هو الذي يعصمه من كل هذا؟! صحيح أن الإيمان يعظ قدراً من الناس، لكن كثيرين تضعف قوتهم, ويتأخرون ويستجيبون لمثل هذه النوازع الشهوانية, ويظل الشيطان يجرهم جراً من منحدر إلى منحدر, ومن درج إلى درج, حتى لا يصحو الواحد منهم إلا وهو في الحضيض، وقد أصبح مدمناً للمشاهدة, مدمناً للسماع, مدمناً للمخدرات, مدمناً لأي لون من ألوان الفساد, ويصعب عليه أن يتخلص من ذلك إلا بجهد جهيد. فيا أيها الإخوة! ينبغى أن يعلن كل فرد منا -إن صح التعبير- حالة الطوارئ على نفسه وفي بيته, ويكون يقظاً مدركاً للمسئولية التى ألقيت على عاتقه، وأن يؤدي دوره في منزله, وفي زملائه، وفي حيه، وفي كل مجال يكون فيه على أحسن ما يكون أداء الدور. وإذا لم تنفع اليوم -أيها الأخ- دينك وأمتك، فمتى يكون ذلك؟! نحن على ثقة وعلى يقين من وعد الله ورسوله ﷺ بأن هذا الدين منصور, والله الذي لا إله إلا غيره -وأقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً- إن هذا الدين منصور ولكن بسواعدنا؛ فإن الله كما يقول عن نفسه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١] ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٣] فنصر هذا الدين إنما يكون بسواعد المؤمنين, وبجهادهم وبصبرهم وببلائهم وبدعوتهم إلى الله تعالى, لو شاء الله تعالى لأنزل ملائكة في الأرض يخلفون، وعن دين الله تعالى يذبون ويكافحون، ولكنه أراد أن يبلو بعضنا ببعض، ويختبر بعضنا ببعض, فلنكن من المجاهدين في سبيل الله, ولو بالكلمة الطيبة, ولو بالنصيحة الهادئة, ولو ببذل جهد بسيط في هذا السبيل. فنحن نحتاج منك إلى أقل القليل من الجهد، وأقل القليل إذا أضيف إلى غيره؛ فإن الله تعالى يبارك فيه, خاصة إذا توافرت مع ذلك النية الصادقة, والخلق الحسن، والبسمة تكسو وجهك, وحب الخير للناس, لا تريد علواً في الأرض ولا فساداً, ولا تريد أن تمارس على الناس هيمنة أو تسلطاً أو أمراً أو نهياً, وإنما قصدك أن يهتدي الناس إلى دين الله وإن لم تعرف وإن لم تذكر، وإن لم يستجب لك الناس في شخصك, لكن يهمك أن يستجيبوا لدينك ولدعوتك حتى ولو كنت تحت أطباق الثرى.

стр. 9223

خاتمة وأختم هذه الجلسة المباركة بالدعاء، أن يوفقنا الله جميعا لما يحبه ويرضاه, ويجعلنا جميعاً هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين, وأن ينفع بنا دينه وينصر كلمته، ويعلي بنا سنة نبيه محمد ﷺ , وأن يرزقنا الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا, إنه على كل شيء قدير، وأدعو الله للشيخ عائض القرني أن يوفقه الله لما يحبه ويرضاه, وأن يملأ الله قلبه إيماناً وسعادة, إنه على كل شيء قدير.

стр. 9224

حكم قول: (سقط من عين الله) السؤال هذا يسأل قد سمعتك تكرر لفظة (سقط من عين الله) فهل هذه العبارة تليق بالله جل وعلا أم لا؟ وهل فيها تشبيه أم تمثيل أم لا؟ هذا للتنبيه، وأَعْلَمُ أنك قلتها بدون قصد. الجواب في الحقيقة لا أدري من المقصود، أنا أم الشيخ عائض، ولكن سأجيبك بعد أن أستسمح الشيخ في ذلك. أنا أعتقد أن العبارة هذه ليس فيها شيء, وقد وردت في بعض الآثار على كل حال, والمقصود بها أن الإنسان إذا فعل معصية أو قصر في واجب, فكما ورد في بعض الأحاديث الصحيحة أن الله تعالى يعرض عنه, وما أشبه ذلك ولا يكون له عند الله المنزلة, ولا شك أن منزلة العبد عند ربه تكون بقدر إخلاصه وعمله وتقواه, فهذا هو المقصود, وهو مقصود صحيح، واللفظ ليس فيه شيء في حدود علمي, وإن كان فيه شيء، فحبذا أن ينبهنا مشايخنا إلى ذلك. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد, وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. سبحانك وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك. والحمد لله رب العالمين.

стр. 9225

لا تحزن هذه رسالة لكل مهموم ومغموم ومحزون، فيها دراسة جادة تعنى بمعالجة الجانب المأساوي في حياة البشر، من حيث الهم والغم، والاضطراب والقلق، والحيرة والكآبة، وفقد الثقة والإحباط. هذه الرسالة حل لمشاكل العصر على نور الكتاب والسنة، والفطرة السوية، والتجارب الراشدة، والأمثال الحية.

стр. 9226

رسالة إلى كل مهموم ومغموم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فعنوان هذه المحاضرة: (لا تحزن!) وهي رسالة لكل مهموم ومغموم ومحزون، تقول له: لا تحزن. وهي خطاب لكل مصاب ومبتلى، وكل من سحقته المشقة والعناء، تقول له: لا تحزن! وهي نداء لكل من أحدقت به المصائب، وأحاطت به النكبات، وخنقته الأزمات، تقول له: لا تحزن! وهي دعوة لمن فقد ابنه وفُجع بثمرة فؤاده، وأصيب بفصيله من أهل الدنيا، ونُعي إليه حبيبُه، تقول له: لا تحزن! وهي أمل لكل من أثقلته الديون، وعضَّه الفقر، وأمضته الحاجة، وأحاطت به البأساء، تقول له: لا تحزن! وهي مواساة لمن أقعده المرض، ونغص عيشه السقم، وأقض مضجعه الألم، وشرد نومه اليأس، تقول له: لا تحزن! وهي عزاء لمن أُوصِدت عليه الأبواب، ولمن ذاق مرارة الغربة، واحتسى كأس الفراق، وشرب علقم الإحباط، تقول له: لا تحزن! وهي سلوة لمن أشرف على الانتحار، ومل الحياة، وسئم العيش، وعاف البقاء، تقول له: لا تحزن! عناصر المحاضرة:- - إن مع العسر يسراً. - فكِّر واشكُر. - ما مضى فات. - يومك يومك. - اترك المستقبل حتى يأتي. - كيف تواجه النقد الآثم؟ - لا تنتظر شكراً من أحد. - الإحسان إلى الغير انشراح للصدر. - اطرد الفراغ بالعمل. - قضاءٌ وقدر. - اصنع من الليمون شراباً حلواً. ﴿- أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]. - العِوَض من الله. - الإيمان هو الحياة. - اجنِ العسل ولا تكسر الخلية. ﴿- أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. - ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤]. - اقْبَل الحياةَ كما هي. - تَعَزَّ بأهل البلاء. - الصلاة الصلاة. - ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]. - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام:١١]. - ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف:١٨]. - وقفات. وهذه هي التفاصيل:

стр. 9227

(إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) يا إنسانُ! بعد الجوع شبع، وبعد الظمأ رِي، وبعد السهر نوم، وبعد المرض عافية، وبعد الفقر غنى، وبعد السجن حرية، سوف يصل الغائب، ويهتدي الضال، ويُفك العاني، وينقشع الظلام: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [المائدة:٥٢]. بشر الليل بصبح صادق يطارده على رءوس الجبال ومسارب الأودية، بشر المهموم بفرج مفاجئ يصل في سرعة الضوء ولمح البصر، بشر المنكوب بلطف خفي وكف حانية وادعة. إذا رأيت الصحراء تمتد وتمتد فاعلم أن وراءها رياض خضراء وارفة الظلال، وإذا رأيت الحبل يشتد ويشتد فاعلم أنه سوف ينقطع. مع الدمعة بسمة، ومع الخوف أمن، ومع الفزع سكينة، النار لا تحرق إبراهيم التوحيد؛ لأن الرعاية الربانية فتحت نافذة: ﴿بَرْداً وَسَلاماً﴾ [الأنبياء:٦٩]. البحر لا يغرق كليم الرحمن؛ لأن الصوت القوي الصادق نطق بـ ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]. المعصوم في الغار بشر صاحبه بأنه وحده سبحانه معنا، فنزل الأمن والفتح والسكينة. إن عبيد ساعاتهم الراهنة وأرقاء ظروفهم القاتمة لا يرون إلا النكد والضيق والتعاسة؛ لأنهم لا ينظرون إلا إلى جدار الغرفة وباب الدار فحسب، ألا فليمدوا أبصارهم وراء الحُجب، ألا فليطلقوا أعنة أفكارهم إلى ما وراء الأسوار، ألا فليحسنوا الظن بالعزيز الغفار. إذاً فلا تضِقْ ذرعاً فمن المحال دوام الحال، وأفضل العبادة: انتظار الفرج، الأيام دُوَل، والدهر قُلَّب، والليالي حُبالَى، والغيب مستور، والحكيم كل يوم هو في شأن، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمراً: ﴿وإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح:٦]. دع المقادير تجري في أعنتها ولا تبيتن إلا خالي البالِ ما بين غمضة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حالِ وانظر إلى يونس بن متَّى ﵇ في ظلمات ثلاث، لا أهل، ولا ولد، ولا صاحب، ولا حبيب، ولا قريب، إلا الله الواحد الأحد، فهتف بالكلمة الصادقة المؤثرة النافعة: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] فجاء الفرج. ويعقوب ﵇ يقول لأبنائه: ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]. فلا يأس والله يُدعَى، ولا قنوط والله يُرجَى، ولا خيبة والله يُعبَد، ولا إحباط والله يُؤمَن، جل في علاه، فإذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله، وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً﴾. انظر إلى أخبار الأمم وقصص الدول، كيف غلب الله على أمره جل في علاه؛ لأنه الفعال لما يريد، فجاء باليُسر بعد العسر سبحانه، وفي حديثٍ حسن: ﴿ولن يغلب عسرٌ يسرين﴾. المنصور بن أبي عامر -الملك الأندلسي- حكم بقتل عالم من العلماء، وأعطى السياف ورقة، أراد أن يَكتب فيها: يُقتَل، فكتب: يُطلَق، فردَّها السياف إليه، فشطبها وكتبها: يُطلَق، فردها إليه، فشطبها وكتبها: يطلق، يريد أن يُقتَل، فلما كتب يُطلَق، تعجب واحتار، وقال: والله إنه لأمر الله جل في علاه، والله ما أردتُ إلا قتله، وإنه ليُطلَق على رغم أنفي، فأطلقه: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]. سَهِرَت أعين ونامت عيونُ في شئونٍ تكون أو لا تكون إن رباً كفاك ما كان بالأمسِ سيكفيك في غدٍ ما يكونُ

стр. 9228

فكِّر واشكُر المعنى: أن تذكر نعم الله عليك، فإذا هي تغمرك من فوقك، ومن تحت قدميك: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤] صحة في بدن، أمن في وطن، غذاء وكساء، هواء وماء، لديك الدنيا وأنت لا تشعر، تملك الحياة وأنت لا تعلم: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان:٢٠] عندك عينان، ولسان وشفتان، ويدان ورجلان، وأمن في أوطان: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٣] هل هي مسألة سهلة أن تمشي على قدميك وقد بُتِرَت أقدام؟! وأن تعتمد على ساقيك وقد قطعت سوق؟! أحقير أن تنام ملء عينيك وقد أطار الألم نوم الكثير؟! وأن تملأ معدتك من الطعام الشهي وأن تكرع من الماء البارد وهناك من عُكِّر عليه الطعام، ونغِّص عليه المنام بأمراض وأسقام؟! تفكر في سمعك، وقد عوفيت من الصمم، تأمل في نظرك وقد سلمت من العمى، انظر إلى جلدك وقد نجوت من البرص والجذام، المح عقلك وقد أُنعِم عليك بحضوره، ولم تُفْجَع بالجنون والذهول. أتريد في بصرك وحده كـ جبل أحد ذهباً؟! أتحب بيع سمعك بوزن ثهلان فضة؟! هل تشتري قصور الزهراء بلسانك فتكون أبكم؟! هل تقايض بيديك مقابل عقود اللؤلؤ والياقوت لتكون أقطع؟! إنك في نعم عميمة، وأفضال جسيمة، وآيات عظيمة؛ ولكنك لا تدري، تعيش مهموماً مغموماً حزيناً كئيباً، وعندك الخبز الدافئ، والماء البارد، والنوم الهانئ، والعافية الوارفة، تتفكر في المفقود ولا تشكر الموجود؟! تنزعج من خسارة مالية، وعندك مفتاح السعادة، وقناطير مقنطرة من الخير والمواهب والنعم والأشياء، فكِّر واشكُر! ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]. فكِّر في نفسك، وأهلك، وبيتك، وعملك، وعافيتك، وأصدقائك، والدنيا من حولك، ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل:٨٣]. صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من أصبح آمناً في سربه، معافىً في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها﴾. وصح عنه ﵊ أنه قال: ﴿ارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس﴾. خذ القناعة من دنياك وارض بها لو لم يكن لك إلا راحة البدن وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل سار منها بغير الطيب والكفنِ ويقول أبو العتاهية: رغيفُ خبز يابسٍ تأكله في زاويه وكوز ماء بارد تشربه من صافيه وغرفة خالية نفسك فيها راضيه ومصحف تدرسه مستنداً لساريه خير من السكنى بظـ ـلات القصور العاليه من بعد هذا كله تُصلى بنار حاميه

стр. 9229

ما مضى فات تذكرُ الماضي والتفاعل معه واستحضاره والحزن لمآسيه، قنوطٌ وجنونٌ، وقتلٌ للإرادة، وتبديد للحياة الحاضرة، إن ملف الماضي عند العقلاء يُطوَى ولا يُروَى، يُغلَق عليه أبداً في زنزانة النسيان، يُقيَّد بحبال قوية في سجن الإهمال، فلا يَخْرُج أبداً، ويُوصَد عليه فلا يرى النور؛ لأنه مضى وانتهى، لا الحزن يعيده، لا الهم يصلحه، لا الغم يصححه، لا الكَدَر يحييه؛ لأنه عدم؛ لا تَعِشْ في كابوس الماضي وتحت مظلة الفائت، انقذ نفسك من شبح الماضي؛ أتريد أن ترد النهر إلى مصبه! والشمس إلى مطلعها! والطفل إلى بطن أمه! واللبن إلى الثدي! والدمعة إلى العين؟! إن تفاعلك مع الماضي وقلقك منه، واحتراقك بناره، وانطراحك على أعتابه، وضع مأساوي رهيب مخيف مفزع. القراءة في دفتر الماضي ضياع للحاضر، وتمزيق للجهد، ونسف للساعة الراهنة، ذكر الله الأمم وما فعلت، ثم قال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة:١٣٤] وقال لأوليائه: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد:٢٣] انتهى الأمر، قضيت المسألة لا طائل من تشريح جثة الزمان، وإعادة عجلة التاريخ. إن الذي يعود للماضي كالذي يطحن الطحين وهو مطحون أصلاً، وكالذي ينشر نشارة الخشب، وقديماً قالوا لمن يبكي على الماضي: (لا تخرجوا الأموات من قبورهم). وقد ذكر من يتحدث على ألسنة البهائم، أنهم قالوا للحمار: لم لا تجتر؟ قال: أكره الكذب. إن بلاءنا أننا نعجز عن حاضرنا، ونشتغل بماضينا، نهمل قصورنا الجميلة، ونندب أطلالنا البالية، ولئن اجتمعت الإنس والجن على إعادة ما مضى لما استطاعوا؛ لأن هذا هو المحال بعينه. إن الناس لا ينظرون إلى الوراء ولا يلتفتون إلى الخلف؛ لأن الريح تتجه إلى الأمام، والماء ينحدر إلى الأمام، والقافلة تسير إلى الأمام، فلا تخالف سنة الحياة.

стр. 9230

يومك!! يومك اسمع إلى الأثر الثابت: [[إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح]] اليوم فحسب ستعيش، فلا أمس الذي ذهب بخيره وشره، ولا الغد الذي لم يأتِ إلى الآن، اليوم الذي أظلتك شمسُه، وأدركك نهاره هو يومك فحسب، عمرك يوم واحد. ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها فاجعل في خلدك العيش لهذا اليوم، وكأنك ولدت فيه وتموت فيه، حينها لا تتأثر حياتك بين هاجس الماضي وهمه وغمه، وبين توقع المستقبل وشبحه المخيف وزحفه المرعب. لليوم فقط اصرف تركيزك واهتمامك، لليوم فقط وجه إبداعك وكدك وجهدك، وفي هذا اليوم لا بد أن تقدم صلاة خاشعة، وتلاوة متدبرة، واطلاعاً بتأمل، وإبداعاً برُقي، وذكراً بحضور، واتزاناً في الأمور، وحسناً بخلق، ورضاً بالمقسوم، واهتماماً بالمظهر، واعتناءً بالجسم، ونفعاً للآخرين. لليوم هذا الذي أنت فيه تعيش فتقسم ساعاته، وتجعل من دقائقه سنوات، ومن ثوانيه شهور، تزرع فيه الخير، تسدي فيه الجميل، تستغفر فيه من الذنب، تذكر فيه الرب، تتهيأ للرحيل، تعيش هذا اليوم فرحاً وسروراً، وأمناً وسكينة، ترضى فيه برزقك، بزوجتك، بأطفالك، بوظيفتك، ببيتك، بعملك، بمستواك، ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٤٤]. تعيش هذا اليوم بلا حزن ولا انزعاج، ولا سُخط ولا حقد ولا حسد. إن عليك أن تكتب على لوح قلبك عبارة واحدة، تجعلها أيضاً على مكتبك، تقول العبارة: (يومك يومك). إذا أكلت خبزاً حاراً شهياً هذا اليوم، فهل يضرك خبز الأمس الجاف الرديء؟! أو خبز غدٍ الغائب المنتظَر، إذا شربت ماءً عذباً زلالاً هذا اليوم؛ فلِمَ تحزن من ماء أمس المالح الأُجاج، أو تهتم لماء غد الآسن الحار؟! إنك لو صدقت مع نفسك بإرادة فولاذية صارمة عارمة حاسمة حازمة جازمة؛ لأخضعتها لنظرية: لَن أَعيش إلاَّ هذا اليوم، حينها تستغل كل لحظة في هذا اليوم في بناء كيانك وتنمية مواهبك وتزكية عملك فتقول: لليوم فقط أهذب ألفاظي، فلا أنطق هذواً أو فُحشاً أو سباً أو غيبة. لليوم فقط سوف أرتب بيتي ومكتبتي، فلا ارتباك ولا بعثرة، إنما هو نظام ورتابة. لليوم فقط سوف أعيش فأعتني بنظافة جسمي وتحسين مظهري، والاهتمام بهندامي، والاتزان في مشيتي وكلامي وحركاتي. لليوم فقط سأعيش فأجتهد في طاعة ربي، وتأدية صلاتي على أكمل وجه، والتزوُّد بالنوافل، وتعاهد مصحفي، والنظر في كتبي، وحفظ فائدة، ومطالعة كتاب نافع. لليوم فقط سأعيش، فأغرس في قلبي الفضيلة، وأجتث منه شجرة الشر بغصونها الشائكة، مِن كِبْر وعُجْب ورياء وحسد وحقد وغِل وسوء ظن. لليوم فقط سوف أعيش فأنفع الآخرين، وأسدي الجميل إلى الغير، أعود مريضاً، أشيِّع جنازة، أدل حيراناً، أطعم جائعاً، أفرج عن مكروب، أقف مع مظلوم، أدفع لضعيف، أواسي منكوباً، أكرم عالماً، أرحم صغيراً، أجل كبيراً. لليوم فقط سأعيش. فيا ماضٍ ذهب وانتهى! اغرب كشمسك، فلن أبكي عليك، ولن تراني أقف لأتذكرك لحظة؛ لأنك تركتنا وهجرتنا ورحلت عنا، ولن تعود إلينا أبد الآبدين. ويا مستقبل! أنت في عالم الغيب، فلن أتعامل مع الأحلام، ولن أبيع نفسي مع الأوهام، ولن أتعجل ميلاد مفقود؛ لأن غداً لا شيء؛ لأنه لم يُخلق؛ ولأنه لم يكن شيئاً مذكوراً. يومك يومك! أيها الإنسان! أروع كلمة في قاموس السعادة لمن أراد الحياة في أبهى صورها، وأجمل حللها.

стр. 9231

اترك المستقبل حتى يأتي ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١] لا تستبق الأحداث، أتريد إجهاض الحمل قبل إتمامه؟! وقطع الثمرة قبل النضج؟! إن غداً مفقود لا حقيقة له، ليس له وجود، ولا طعم، ولا لون، ولا رائحة، فلماذا نفتن أنفسنا به، ونتوجس من مصائبه، ونهتم لحوادثه، ونتوقع كوارثه، ولا ندري هل يُحال بيننا وبينه أو نلقاه؟ فإذا هو سرور ونور وحبور، المهم أنه في عالم الغيب، لم يصل إلى الأرض بعد، إن علينا ألا نعبر جسراً حتى نأتيه، ومن يدري؟ لعلنا نقف قبل وصول الجسر، أو لعل الجسر ينقطع بنا، وربما وصلنا الجسر ومررنا بسلام. لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانعُ لا يعلم الغيب إلا الله، فانتظر موعودك مع الحياة، وكن سعيداً بيومك. إن إعطاء الذهن مساحةً أوسع للتفكير في المستقبل وفتح كتاب الغيب ثم الاكتواء بالمزعجات المتوقعة ممقوت شرعاً؛ لأنه طول أمل، ومذموم عقلاً؛ لأنه مصارعة للظل. إن كثيراً من هذا العالم يتوقع في مستقبله الجوع والعري والمرض والفقر والمصائب، وهذا كله من مقررات مدارس إبليس: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً﴾ [البقرة:٢٦٨] كثيرون هم الذين يبكون؛ لأنهم سوف يجوعون غداً، وسوف يمرضون بعد سنة، وسوف ينتهي العالم بعد مائة عام، إن الذي عمره في يد غيره لا ينبغي له أن يراهن على العدم، والذي لا يدري متى يموت، لا يجوز له الاشتغال بشيء مفقود لا حقيقة له. اترك غداً حتى يأتيك، لا تسأل عن أخباره، لا تنتظر زحوفه؛ لأنك مشغول باليوم. وإن تعجب، فعجب هؤلاء الذي يقترضون الهَمَّ نقداً ليقضوه نسيئة في يوم لم تشرق شمسُه، ولم يرَ نوره، فحذارِ من طول الأمل!

стр. 9232

كيف تواجه النقد الآثم الرقعاء السخفاء الحمقى السافهون سبوا الخالق الرازق جل في علاه، شتموا الواحد الذي ذهب بالجمال والكمال والجلال، لا إله إلا هو! فماذا نتوقع أنا وأنت ونحن أهل الحيف والخطأ؛ إنك سوف تواجه في حياتك حرباً ضروساً لا هوادة فيها من النقد الآثم المر، ومن التحطيم المدروس المخصوص، ومن الإهانة المتعمدة، ما دام أنك تعطي، وتبني وتؤثر، وتسطع وتلمع وتبدع، ولن يسكت هؤلاء عنك حتى تتخذ نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتفر من هؤلاء، أما وأنت بين أظهرهم فانتظر منهم ما يسوؤك، ويبكي عينك، ويدمي مقلتك، ويقض مضجعك. إن الجالس على الأرض لا يسقط، والناس لا يرفسون كلباً ميتاً؛ لكنهم يغضبون عليك؛ لأنك فُقْتَهم صلاحاً أو علماً أو أدباً أو مالاً أو بياناً أو جهداً، فأنت عندهم مذنب لا توبة لك حتى تترك مواهبك، ونعم الله عليك، وتنخلع من كل صفات الحمد، وتنسلخ من كل معاني النبل، وتبقى بليداً غبياً صفراً محطماً مكدوداً، هذا ما يريدون بالضبط. إذاً: فاصمد لكلام هؤلاء، إذاً: (فاثبت أُحُد) واصبر على نقدهم وتشويههم وتجريحهم وتحقيرهم، وكن كالصخرة الصامدة المهيبة تتكسر عليها حبات البرد، لتثبت وجودها وتعلن صمودها، وقدرتها على البقاء. إنك إن أصغيت لكلام هؤلاء وتفاعلت به حققت أمنيتهم الغالية في تعكير حياتك وتكدير عمرك، ألا فاصفح الصفح الجميل، ألا فاعرض عنهم وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ. إن نقدهم السخيف ترجمة محترمة لك، وبقدر وزنك يكون النقد الآثم المفتَعَل. إنك لن تستطيع أن تغلق أفواه البشر، ولن تستطيع أن تعقد ألسنتهم؛ لكنك تستطيع أن تدفن نقدَهم وتجنيهم بتجافيك لهم وإهمالك لشأنهم، واطراحك لأقوالهم: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران:١١٩]. وكِلْمَةِ حاسد من غير جُرْم سمعتُ فقلت مُرِّي فانفُذِيني وعابوها عليَّ ولم تعبني ولم يندى لها أبداً جبيني حسدوا الفتى إن لمن ينالوا سعيه فالناس أعداء له وخصومُ كضرائر الحسناء قُلْنَ لوجهها حسداً وبغياً إنه لدميمُ ... وشكوتَ من ظلم الوشاة ولم تَجد ذا سؤدد إلا أُصيبَ بِحُقَّدِ لا زلت سِبْط الكرام مُحَقَّداً والتافه المسكين غير مُحَقَّدِ إنك تستطيع أن تصب في أفواه هؤلاء خَرْدلاًَ بزيادة فضائلك، وتربية محاسنك، وتقويم اعوجاجك. إن كنت تريد أن تكون مقبولاً عند الجميع، محبوباً لدى الكل، سليماً من العيوب عند العالم، فقد طلبت مستحيلاً، وأمَّلت أملاً بعيداً، ألا يكفيك أن الواحد جل في علاه، القهار تباركت أسماؤه، الكامل تقدست آلاؤه، يقول: ﴿يسبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، ويشتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، أما سبه إياي -تعالى الله في عليائه- فإنه يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار، وأما شتمه إياي فإنه يقول: إني اتخذت صاحبة وولداً وأنا الله لم أتخذ صاحبة ولا ولداً﴾ وهذا هو الله جل في علاه، ورسولنا ﷺ ، عندما بلغ الكمال البشري سُبَّ وشُتِمَ وهُجِيَ وقيل له: ساحر، وشاعر، وكاهن، وكذاب، ومجنون، فنزل عليه: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر:٨٥] ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥].

стр. 9233

لا تنتظر شكراً من أحد خلق الله العباد ليذكروه، ورزق الله الخليقة ليشكروه، فعبد الكثير غيره، وشكر الغالب سواه؛ لأن طبيعة الجحود والنكران والجفاء وكفران النعم غالبة على النفوس، فلا تصدم إذا وجدت هؤلاء قد كفروا جميلك، وأحرقوا إحسانك، ونسوا معروفك، بل ربما ناصبوك العداء، ورموك بمنجنيق الحقد الدفين، لا لشيء إلا لأنك أحسنت إليهم: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة:٧٤]. وطالع سجل العالم المشهود، فإذا في فصوله قصة أبٍ ربى ابنه وغذَّاه، وكساه وأطعمه وسقاه، وأدَّبه وعلَّمه، سهر لينام، جاع ليشبع، تعب ليرتاح، فلما طَرَّ شارب هذا الابن وقوي ساعده؛ أصبح لوالده كالكلب العقور، استخفافاً، وخسة، وازدراءً، ومقتاً، وعقوقاً صارخاً، وعذاباً وبيلاً، وبغياً أثيماً. وربيتُه حتى إذا ما تركتُه أخا القوم واستغنى عن المسح شاربُه تغمط حقي ظالماً ولوى يدي لوى يده الله الذي هو غالبه ألا فليهدأ الذين احترقت أوراق جميلهم عند منكوسي الفِطَر، ومحطَّمي الإرادات، وليهنئوا بعظم المثوبة عند من لا تنفد خزائنه. إن هذا الخطاب الحار لا يدعوك لترك الجميل، وعدم الإحسان للغير، وإنما يوطنك على انتظار الجحود والتنكر لهذا الجميل والإحسان، فلا تبتئس بما كانوا يصنعون. اعمل الخير لوجه الله؛ لأنك الفائز على كل حال، ثم لا يضرك غمط من غمطك، ولا جحود من جحدك، واحمد الله لأنك المحسن وهو المسيء، ﴿واليد العليا خير من اليد السفلى﴾ ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ [الإنسان:٩] وانظر إلى أبي بكر ﵁، دفع أمواله ووقته ودموعه ودمه وأعتق الرقاب، وساوى السلاح في سبيل الله، ثم لَمَّا أراد أن يُثامَن قال: [[والله لا أطلب الثمن إلا من الله]] فقال الله لـ أبي بكر: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٩ - ٢١] فيا له من ثواب عظيم! من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناسِِ وانظر إلى الأنصار، دفعوا أراضيهم، بذلوا نفوسهم، قدموا أرواحهم، استبسلوا بدمائهم، وأراد ﷺ أن يُثامِنَهم بمكان هذا الجنة. وقد ذهل كثير من العقلاء من جبلَّة الجحود عند الغوغاء، وكأنهم ما سمعوا الوحي الجليل وهو ينعي على الصنف عتوه وتمرده: ﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس:١٢] لا تفجأ إذا أهديت بليداً قلماً فكتب به هجاءك، أو منحت جافياً عصاً يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه فشج بها رأسك، هذا هو الأصل عند هذه البشرية المحنطة في كفن الجحود مع باريها جل في علاه، فكيف بها معي ومعك؟! أعلِّمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني وكم علَّمته نَظْم القوافي فلما قال قافية هجاني

стр. 9234

الإحسان إلى الغير انشراح للصدر الجميل كاسْمِه، والمعروف كرَسْمِه، والخير كطعمه، أول المستفيدين من إحسان الناس هم المتفضلون بهذا الإسعاد، يجنون ثمرته عاجلاً في نفوسهم، وأخلاقهم، وضمائرهم، فيجدون الانشراح، ويحسون بالانبساط، ويعيشون الهدوء، ويلمسون السكينة. فإذا طاف بك طائف من همٍّ، أو أَلَمَّ بك غم فامنح غيرك معروفاً، واسْدِ له جميلاً، تجد الفرج والراحة. اعط محروماً، انصر مظلوماً، انقذ مكروباً، أطعم جائعاً، عُدْ مريضاً، واسِ منكوباً، تجد السعادة تغمرك من بين يديك ومن خلفك. إن فعل الخير كالمسك ينفع حامله وبائعه ومشتريه، وعوائد الخير النفسية عقاقير مباركة تصرف في صيدلية الذين عُمرت قلوبهم بالبر والإحسان. إن توزيع البسمات المشرقة على فقراء الأخلاق صدقة جارية في عالم القيم: ﴿ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق﴾ وإن عبوس الوجه إعلان حرب ضروس على الآخرين، لا يعلم قيامها إلا علام الغيوب. شربة ماء من كف بغي لكلب عقور؛ أثمرت دخول جنة عرضها السماوات والأرض؛ لأن صاحب الثواب غفور، شكور، يحب العفو، محسن، غني، حميد. يا من تهددهم كوابيس الشقاء! يا من ترهبهم أحلام الفناء! يا من يزلزلهم الفزع! يا من يهزهم القلق والخوف! هلموا إلى بستان المعروف، تشاغلوا بالغير عطاءً وضيافة ومواساة وإعانة وخدمة، وستجدون السعادة طعماً ولوناً وذوقاً: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٩ - ٢١].

стр. 9235

اطرد الفراغ بالعمل ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]. الفارغون في الحياة هم أهل الأراجيف والشائعات، هم أهل أحلام اليقظة؛ لأن أذهانهم موزعة: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة:٨٧]. إن أخطر حالات الذهن يوم يفرغ صاحبه من العمل فيبقى كالسيارة المسرعة في انحدار بلا سائق، تجنح ذات اليمين وذات الشمال، ويوم تجد في حياتك فراغاً فتهيأ حينها لِلْهَم والغم والفزع؛ لأن هذا الفراغ يسحب لك ملفات الماضي والحاضر والمستقبل من أدراج الحياة، سيجعلك في أمر مريج، ونصيحتي لك ولنفسي أن تقوم بأعمال مثمرة بدلاً من هذا الاسترخاء القاتل؛ لأنه وأد خفي، وانتحار بكبسول مسكِّن. إن الفراغ أشبه بالتعذيب البطيء الذي يمارَس في سجون الصين؛ بوضع السجين تحت أنبوب يقطر كل دقيقة قطرة، وفي فترات انتظار هذه القطرات يُصاب السجين بالجنون. الراحة غفلة، والفراغ لص محترف، وعقلك فريسة ممزقة لهذه الحروب الوهمية. إذاً: قم الآن، صلِّ، اقرأ، سبح، طالع، اكتب، رتِّب، أبدع، اعمل، تحرك، انفع غيرك؛ حتى تقضي على الفراغ، وإِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ. اذبح الفراغ بسكين العمل، ويضمن لك أطباء العالم (٥٠ %) من السعادة مقابل هذا الإجراء الطارئ فحسب، انظر إلى الفلاحين والخبازين والبنائين، يغردون بالأناشيد كالعصافير في سعادة وراحة، وأنت على فراشك تمسح دموعك، وتضطرب مكانك كأنك ملدوغ.

стр. 9236

قضاءٌ وقدر ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢] فليعلم مَن جَهِل، وليدرِ مَن غفل، جف القلم، رُفعت الصحف، قُضي الأمر، كتبت المقادير: ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١] ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الأعراف:٨٩] ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر:٤٤]. دعها سماوية تجري على قدر لا تفسدنها برأي منك منكوس سهرت أعين ونامت عيونٌ في شئون تكون أو لا تكونُ إن رباً كفاك ما كان بالأمس سيكفيك في غدٍ ما يكونُ واسمع إلى العامي ذي الفطرة الصحيحة يقول: لا تِشْتِكِ يا واحداً باتْ مهمومْ تَرى الفرح عندِ اقترابِ الحزام وانْ كان عِيْنَك خالفتْ لذة النومْ إنتَ تنام وخالقك ما ينام ﴿ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك﴾. إن هذه العقيدة إذا رسخت في نفسك، وقرَّت في ضميرك، صارت البلية عطية، والمحنة منحة، وكل الوقائع جوائز وأوسمة، و ﴿مَن يرد الله به خيراً يُصِبْ مِنْه﴾ فلا يصبك قلق من مرض، أو موت ابن، أو خسارة مالية، أو احتراق بيت، فإن الباري قد قدَّر، والقضاء قد حلَّ، والاختيار هكذا، والخيرة لله، والأجر حصل، والذنب غُفر. هنيئاً لأهل المصائب صبرهم ورضاهم عن الآخِذ المعطي القابض الباسط، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ولن تهدأ أعصابك، ولن تسكن بلابل نفسك، ولن تذهب وساوس صدرك حتى تؤمن بالقضاء والقدر، جف القلم بما أنت لاقٍ، فلا تذهب نفسك حسرات، لا تظن أن بوسعك إيقاف الجدار أن ينهار، وحبس الماء أن ينسكب، ومنع الريح أن تهب، وحفظ الزجاج أن ينكسر، هذا ليس بصحيح، على رغمي ورغمك سوف يقع المقدور، وينفذ القضاء، ويحل المكتوب ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]. استسلم للقدر قبل أن تطوَّق بجيش السخط والتذمر والعويل، اعترف بالقضاء قبل أن يداهمك سيل الندم. إذاً: فليهدأ بالك إذا فعلت الأسباب، وبذلت الحيَل، ثم وقع ما كنت تحذر، فهذا هو الذي كان ينبغي أن يقع: ﴿ولا تقل: لو أني فعلتُ كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل﴾. واسمع إلى الجوائز وإلى الأوسمة وإلى الأُعطيات للصابرين المحتسبين: صح عنه ﵊ أن الله يقول: ﴿ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضتُ صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة﴾. وقال سبحانه في الحديث القدسي الصحيح: ﴿من ابتليتُه بحبيبتيه -أي: بعينيه- فصبر عوَّضتُه عنهما الجنة﴾. وصح عنه ﵊ عن ربه أنه قال: ﴿إذا قبض ابن العبد المؤمن قال الله لملائكته وهو أعلم: قبضتم ابن عبدي المؤمن؟ قالوا: نعم. قال: قبضتم ثمرة فؤاده؟ قالوا: نعم. قال: فماذا قال عبدي؟ قالوا: حمدك واسترجع، قال: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد﴾. وانظر إلى الأولياء كيف يصبرون على المقدور: هذا عروة بن الزبير يسافر سفراً طويلاً من المدينة إلى الشام، عروة الذي كان كان يختم القرآن كل أربعة أيام، عروة الذي يقوم ثلث الليل، عروة الذي كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، عروة البحر الذي قال عنه الزهري: لا تكدره الدِّلاء. سافر إلى الشام؛ ولكنه كان سفراً بعيداً شاقاً حتى إنه قال بعد السفر: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً﴾ [الكهف:٦٢] سافر معه ابنه محمد، وذهب إلى هناك، ونزل في بيت، وأصابته الآكلة في رجله، فوصلت قدمه، فأرادوا بتر القدم فصبر، فسرت إلى الساق فأرادوا بتر الساق فصبر، فسرت إلى الفخذ، فقرر الأطباء بتر فخذه، وقدموا له كأساً من الخمر وهو الولي العالم الصادق الزاهد، فقال: [[أأشرب خمراً؟ قيل له: ليذهب عقلك؛ لئلا تجد ألماً، قال: والله لا أشربها، كيف أُذهب عقلاً منحنيه ربي؟! كيف أرتكب محرماً؟! ولكن إذا دخلتُ في صلاتي، فسوف أنسى ألمي، فاقطعوا رجلي]] فكبَّر واسترسل في صلاته، وسافرت روحه إلى الملكوت العليا، كما قال الأول: إذا كان حب الهائمين من الورى بسلمى وليلى يسلب اللب والعقلا فماذا عسى أن يصنع الهائم الذي سرى قلبه شوقاً إلى العالَم الأعلى وبتروا رجله، وأغمي عليه، واستفاق ليقول أول كلمة، وينبس بأول جملة، فيقول: [[اللهم لك الحمد، إن كنتَ أخذتَ فقد أعطيتَ، وإن كنتَ ابتليتَ فقد عافيتَ]] قال له الناس: أحسن الله عزاءك في رجلك، وأحسن الله عزاءك في ابنك محمد؛ فإنه بينما كانت تُقطع رجلُك ذهب إلى اسطبل الخيل فرَفَسَتْهُ فرس فمات، فعاد مرة ثانية ليبعث رسالة حارة إلى الحي القيوم المتفضل سبحانه ليقول: [[اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيتَ، ولك الحمد بعد الرضا، أعطيتني أربعة أعضاء وأخذتَ عضواً، وأعطيتني أربعة أبناء وأخذتَ ابناً، فأنت المتفضل صاحب الجميل]]. والمرأة السوداء، صح الحديث أن الرسول ﵊ أتى وإذا هي تَصْرَع وتمرض وتتكشَّف، يعيث بها المرض، ويزلزلها ويقلقها، تضطرب منه، فقال ﷺ وهو يَعرض عليها الخيار، وهي أمة سوداء؛ لكنها مؤمنة بالله، مسلمة بالقضاء والقدر: ﴿إن شئتِ دعوتُ الله لكِ فكافاكِ، وإن شئتِ صبرتِ واحتسبتِ ولك الجنة، قالت: بل أصبر وأحتسب، لكن ادعُ الله لي ألا أتكشَّف﴾ قال عطاء: [[من أراد أن ينظر إلى امرأة من أهل الجنة فلينظر إلى هذه المرأة السوداء]].

стр. 9237

اصنع من الليمون شراباً حلواً الذكي الأريب يحول الخسائر إلى أرباح، والجاهل الرعديد يجعل المصيبة مصيبتين. طُرد الرسول ﵊ من مكة فأقام في المدينة دولة. سُجن الإمام أحمد فصار إمام السنة، وحُبس ابن تيمية فصار علم الأمة، وُضع السرخسي في قعر بئر معطلة فأخرج ثلاثين مجلداً في الفقه، أقعد ابن الأثير فصنف أربعين مصنفاً، نُفي ابن الجوزي فتعلم القراءات، أصابت الحمى مالك بن الريب فصار شاعر الدنيا، ومات أبناء أبي ذؤيب الهذلي فرثاهم بإلياذة أنصت لها الدهر، وذهُل منها الجمهور، وصفق لها التاريخ. إذا داهمتك داهية فانظر في الجانب المشرق منها، وإذا ناولك أحدهم كوب ليمون، فأضف إليه حفنة من سكر، وإذا أهدى لك أحدهم ثعباناً فخذ جلده الثمين واترك باقيه، وإذا لدغتك عقرب فاعلم أنه مصل واقٍ ومناعة حصينة ضد سم الحيات. تكيف في ظرفك القاسي لتخرج لنا منه زهراً وورداً وياسميناً: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٢١٦]. سجنت فرنسا قبل ثورتها العارمة شاعرَين مجَيدَين، متفائلاً ومتشائماً، فأخرجا رأسيهما من نافذة السجن. فأما المتفائل فنظر نظرة في النجوم فضحك، وأما المتشائم فنظر في الطين فبكى. انظر إلى الوجه الآخر للمأساة؛ لأن الشر المحض ليس موجوداً أصلاً، بل هناك خير ومكسب وفتح وأجر.

стр. 9238

(أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) من الذي يفزع إليه المكروب؟! ومن الذي يستغيث به المنكوب؟! من الذي تصمد إليه الكائنات؟! ومن الذي تسأله المخلوقات؟! ومن الذي يلتجئ إليه العباد؟! ومن الذي تلهج الألسنة بذكره؟! ومن الذي تألهه القلوب؟! من هو الواحد الأحد؟! إنه الله الذي لا إله إلا هو. وحق عليَّ وعليك أن ندعوه في الشدة والرخاء، والسراء والضراء، ونفزع إليه في الملمات، ونتوسل إليه في الكربات، وننطرح على عتبات بابه سائلين باكين ضارعين منيبين، حينها يأتينا مدده، ويصل إلينا عونه، ويسرع إلينا فرجه، ويحل علينا فتحه، فينجي الغريق، ويرد الغائب، ويعافى المبتلى، وينصر المظلوم، ويهدي الضال، ويشفي المريض، ويفرج عن المكروب: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥] ولن أسرد عليكم هنا أدعية إزالة الهم والحزن والغم، فهي معلومة في كتب السنة. إذا وجدت الطريق إلى ربك فقد وجدت كل شيء، وإن فقدت الإيمان به؛ فقد فقدت كل شيء، إن دعاءك ربك عبادة أخرى، وطاعة عظمى ثانية فوق حصول المطلوب، وإن عبداً يجيد فن الدعاء حري ألا يهتم ولا يغتم، ولا يحزن، ولا يقلق: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:٥١]. كل الحبال تتصرم إلا حبله، كل الأبواب توصد إلا بابه، كل الطرق تغلق إلا طريقه، هو قريب سميع مجيب ﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢] يأمرك -وأنت الفقير الضعيف المحتاج، وهو الغني القوي الواحد الماجد- بأن تدعوه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] إذا نزلت بك النوازل، إذا ألمت بك الخطوب، فالهج بذكره، واهتف باسمه، واطلب مدده، واسأله فتحه ونصره، مرِّغ الجبين لتقديس اسمه لتحصل على تاج الحرية، وأرغم الأنف في طين عبوديته لتحوز وسام النجاة، مد يديك، ارفع كفيك، أطلق لسانك، أكثر من طلبه، بالغ في سؤاله، ألح عليه، الزم بابه، انتظر لطفه، ترقب فتحه، اشدُ باسمه، أحسن الظن به، انقطع إليه، تبتل إليه تبتيلاً حتى تسعد وتفلح.

стр. 9239

العوض من الله لا تأسف على مصيبة، فإن الذي قدرها عنده جنة وثواب وعوض وأجر عظيم، إن أولياء الله المصابين المبتلين ينوه بهم في الفردوس ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤]. وحق علينا أن ننظر في عوض المصيبة وفي ثوابها، وفي خلفها الخيِّر ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٧] هنيئاً للمصابين، بشرى للمنكوبين، سلام على المضطهدين. إن عمر الدنيا قصير، وكنزها حقير، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٧] فمن أصيب هنا كوفئ هناك، ومن تعب هنا ارتاح هناك، ومن افتقر هنا اغتنى هناك، أما المتعلقون بالدنيا، العاشقون لها، الراكنون إليها، فأشد ما على قلوبهم فوت حظوظهم منها، وتنغيص راحتهم فيها؛ لأنهم يريدونها وحدها، فلذلك تعظم عليهم المصائب، وتكبر عندهم النكبات؛ لأنهم ينظرون تحت أقدامهم، فلا يرون إلا الدنيا الفانية الزهيدة الرخيصة. أيها المصابون: ما فات شيءٌ وأنتم الرابحون، فقد بعث لكم برسالة بين أسطرها لطف وعطف وثواب وحسن اختيار. إن على المصاب الذي ضُرِب عليه سرادق المصيبة أن ينظر ليرى أن النتيجة: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص:٦٠] وأهنى وأمرى وأجل وأعلى وأغلى.

стр. 9240

الإيمان هو الحياة الأشقياء بكل معاني الشقاء هم المفلسون من كنوز الإيمان ومن رصيد اليقين، فهم أبداً في تعاسة وغضب ومهانة وذلة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] لا يسعد النفس ولا يزكيها ولا يطهرها ولا يسرها، ولا يفرحها ولا يذهب همها وغمها وقلقها إلا الإيمان بالله رب العالمين، لا طعم للحياة أصلاً إلا بالإيمان. إذا الإيمان ضاع فلا حياة ولا دنيا لمن لم يُحْيِ دينا ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفناء لها قرينا إن الطريقة المثلى للملاحدة إن لم يؤمنوا أن ينتحروا؛ ليريحوا أنفسهم من هذه الآصار والأغلال والظلمات والدواهي، يا لها من حياة تعيسة بلا إيمان! يا لها من لعنة أبدية حاقت بالخارجين على منهج الله في الأرض! ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠] وقد آن الأوان للعالم أن يقتنع كل القناعة، وأن يؤمن كل الإيمان بأن لا إله إلا الله بعد تجربة طويلة شاقة عبر قرون غابرة توصل بعدها العقل إلى أن الصنم خرافة، والكفر لعنة، والإلحاد كِذْبة، وأن الرسل صادقون، وأن الله حق، وأنه على كل شيء قدير. وبقدر إبمانك قوة وضعفاً، حرارة وبرودة، تكون سعادتك وراحتك وطمأنينتك ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] وهذه الحياة الطيبة هي استقرار نفوسهم بحسن موعود ربهم، وثبات قلوبهم بحب باريهم، وطهارة ضمائرهم من أوضار الانحراف، وبرود أعصابهم أمام الحوادث، وسكينة قلوبهم عند وقع القضاء، ورضاهم في مواطن القدر؛ لأنهم رضوا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاًَ.

стр. 9241

اجنِ العسل ولا تكسر الخلية الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه، اللين في الخطاب، البسمة الرائقة على المحيا، الكلمة الطيبة عند اللقاء، هذه حلل منسوجة يرتديها السعداء، وهي صفات المؤمن، كالنحلة تأكل طيباً وتصنع طيباً وإذا وقعت على زهرة لا تكسرها؛ لأن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، إن من الناس من تشرئب لقدومهم الأعناق، وتشخص إلى طلعاتهم الأبصار، وتحييهم الأفئدة، وتشيعهم الأرواح؛ لأنهم محبوبون في كلامهم، في أخذهم، في عطائهم، في بيعهم، في شرائهم، في لقائهم، في وداعهم. إن اكتساب الأصدقاء فن مدروس يجيده النبلاء الأبرار، فهم محفوفون دائماً وأبداً بهالة من الناس، إن حضروا فالبِشر والأُنس، وإن غابوا فالسؤال والدعاء. إن هؤلاء السعداء لهم دستور أخلاق عنوانه: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] فهم يمتصون الأحقاد بعاطفتهم الجياشة، وحلمهم الدافئ،، وصفحهم البريء، يتناسون الإساءة، ويحفظون الإحسان، تمر بهم الكلمات النابية فلا تلج آذانهم، بل تذهب بعيداً هناك إلى غير رجعة، هم في راحة، والناس منهم في أمن، والمسلمون منهم في سلام ﴿المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم﴾ يقول ﷺ فيما يُروَى عنه: ﴿إن الله أمرني أن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطي من حرمني﴾ ووالله لقد وصلت من قطعك، وعفوت عمن ظلمك، وأعطيت من حرمك، فهنيئاً لك تلك المنزلة: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤] بشر هؤلاء بثواب عاجل من الطمأنينة والسكينة والرضوان والهدوء، وبشرهم بثواب أخروي كبير، في جوار رب غفور ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥].

стр. 9242

(أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الصدق حبيب الله، الصراحة صابون القلوب، التجربة برهان، الرائد لا يكذب أهله، لا يوجد عمل أشرح للصدر وأعظم للأجر كالذكر ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] وذكره سبحانه جنته في أرضه، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وهو إنقاذ للنفس من أوصابها وأتعابها واضطرابها. إذا مرضنا تداوينا بذكركمُ ونترك الذكر أحياناً فننتكسُ هل تذكرونا مثل ذكرانا لكم رب ذكرى قربت من نجحا وهو الطريق الميسر المختصر إلى كل فوز وفلاح، طالع دواوين الوحي لترى فوائد الذكر، جرب مع الأيام بلسمه لتنال الشفاء، بذكره سبحانه تنقشع سحب الخوف والفزع والهم والحزن، بذكره تزاح جبال الكرب والغم والأسى. الله أكبر كل هم ينجلي عن قلب كل مكبر ومهللِ ولا عجب أن يرتاح الذاكرون، فهذا هو الأصل الأصيل؛ لكن العجب العجاب كيف يعيش الغافلون عن ذكره؟! ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل:٢١]. يا من شكى الأرق، وبكى من الألم، وتفجع من الحوادث، ورمته الخطوب! هيا اهتف باسمه تقدس في عليائه، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥]. إنك بقدر إكثارك من ذكره ينبسط خاطرك، ويهدأ قلبك، وتسعد نفسك، ويرتاح ضميرك؛ لأن في ذكره معاني التوكل والثقة والاعتماد والتفويض وحسن الظن وانتظار الفرج، فهو قريبٌ إذا دُعِي، سميعٌ إذا نُودِي، مجيبٌ إذا سُئل، فاضرع واخضع واخشع، وردد اسمه الطيب المبارك على لسانك، توحيداً وتمجيداً وثناءً ومدحاً ودعاءً وسؤالاً واستغفاراً وسوف تجد بحوله وقوته السعادة والأمن والسرور والنور والحبور: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران:١٤٨] يقول ﵊: ﴿مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره كمثل الحي والميت﴾.

стр. 9243

(أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) الحسد كالآكلة المُلحة، تنخر العظم نخراً، إن الحسد مرض مزمن يعيث في الجسم فساداً، وقد قيل: لا راحة لحسود فهو ظالم في ثوب مظلوم، وعدو في جلباب صديق. وقد قالوا: لله در الحسد ما أعدله! بدأ بصاحبه فقتله. إنني أنهى نفسي ونفسك عن الحسد رحمة بي وبك، قبل أن نرحم الآخرين؛ لأننا بحسدنا لهم نطعم الهَمَّ لحومنا، ونسقي الغم دماءنا، ونوزع نوم جفوننا على الآخرين. إن الحاسد يشعل فرناً ساخناً ثم يقتحم فيه. التنغيص والكدر والهم الحاضر أمراض يولدها الحسد؛ لتقضي على الراحة والحياة الطيبة الجميلة. بلية الحاسد أنه خاصم القضاء، واتهم الباري في العدل، وأساء الأدب، وخالف الشرع، وقدح في العقل. يا لَلْحسد من مرض! لا يؤجر عليه صاحبه، ومن بلاء لا يثاب عليه المبتلى به، وسوف يبقى هذا الحاسد في حرقة دائمة حتى يموت، أو تذهب نعم الناس عنهم، كلٌّ يصالح إلا الحاسد. أعطيت كل الناس من نفس الرضا إلا الحسود فإنه أعياني ما لي له ذنب عليَّ علمتُه إلا ترادف نعمة الرحمن وأبى فما يرضيه إلا ذلتي وذهاب أموالي وقطع لساني إن الحاسد يريد شيئاً محدداً لا غيره، يريد أن تتنازل عن مواهبك أن تلغي خصائصك أن تترك مناقبك، فإن فعلت ذلك فلعله يرضى على مضض، نعوذ بالله من شر حاسد إذا حسد، فإنه يصبح كالثعبان الأسود السام، لا يقر قراره حتى يفرغ سمه في جسم بريء. فأنهاك أنهاك عن الحسد، واستعذ بالله من الحاسد، فإنه لك بالمرصاد.

стр. 9244

اقْبَل الحياةَ كما هي حال الدنيا منغصة اللذات، كثيرة التبعات، جاهمة المحيا، كثيرة التلون، مُزجت بالكدر، خلطت بالنكد، وأنت منها في كبد. دار متى أضْحَكَت في يومها أبكَتْ غداً، قُبحاً لها من دار ومكلف الأيام ضد طباعها متطلباً في الماء جذوة نار طبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذار والأكدار لن تجد ولداً أو زوجة أو صديقاً أو نبيلاً أو مسكناً أو وظيفة إلا وفيه ما يكدر، وعنده ما يسوء أحياناً، فأطفئ حر شره ببرد خيره، لتنجو رأساً برأس ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]. أراد الله لهذه الدنيا أن تكون جامعة للضدَّين والنوعَين والفريقَين والرأيَين، خير وشر، صلاح وفساد، سرور وحزن، ثم يبقى الخير كله والصلاح والسرور في الجنة، ويُجمع الشر كله والفساد والحزن في النار، وفي الحديث: ﴿الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، أو عالم ومتعلم﴾. فعش واقعك، ولا تسرح مع الخيال، ولا تحلق في عالم المثاليات، اقْبَل الدنيا كما هي، وطوع نفسك لمعايشتها ومواطنتها، فسوف لا يصفو لك صاحب، ولا يتم لك فيها أمر، ولا يصلح لك حال؛ لأن الصفو التمام والكمال في الآخرة، وفي الحديث: ﴿لا يفرك مؤمنٌ مؤمنةً إن كره منها خُلُقاً رضي منها آخر﴾ فينبغي أن نسدد ونقارب، وأن نعفو ونصفح، وأن نأخذ ما تيسر، ونذر ما تعسر، ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]. ومن ذا الذي تُرْضَى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تُعَدَّ معايبُه إذا أنت لم تشرب مراراًَ على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربُه! ... ولستَ بمستبق أخاً لا تذمه على شعث أي الرجال المهذبُ! فلنُغْمِض الطرف أحياناً، ونسدد الخطى، ونتغافل عن أمور. ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي

стр. 9245

تَعَزَّ بأهل البلاء تلفت يمنة ويسرة، فهل ترى إلا مبتلى؟! هل تشاهد إلا منكوباً؟! هل تبصر إلا مصاباً؟! في كل دار نائحة، وعلى كل خد دمع، وفي كل وادٍ بنو سعد. كم من المصائب! وكم من الصابرين! فلستَ أنت وحدك المصاب، بل مصابك أنت بالنسبة لغيرك قليل، كم من مريض على سريره من أعوام يتقلب ذات اليمين وذات الشمال، يئن من الألم، يصيح من السقم؟! كم من محبوس مرت به سنوات، ما رأى الشمس بعينه، وما عرف غير زنزانته؟! كم من رجل وامرأة فقدا فلذات أكبادهما في ميعة الشباب وريعان العمر؟! كم من مكروب؟! وكم من مديون؟! وكم من محبوس؟! وكم من عرض منهوب؟! وكم من دم مسفوك؟! وكم من عقل منهوب؟! وكم من مال مسلوب؟! آن لك أن تتعز بهؤلاء وأن تعلم علم اليقين أن هذه الحياة سجن المؤمن، وأنها دار الأحزان والنكبات، تصبح القصور حافلة بأهلها وتمسي خاوية على عروشها، بينما الشمل مجتمع، والأبدان في عافية، والأموال وافرة، والأولاد كُثْر، ثم ما هي إلا أيام فإذا الفقر والموت والفراق والأمراض ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم:٤٥]. فعليك أن توطن نفسك كتوطين الجمل المحنك الذي يبرك على الصخرة، وعليك أن توازن مصابك بمن حولك وبمن سبقك في مسيرة الدهر، ليظهر لك أنك معافى بالنسبة لهؤلاء، وأنه لم يأتك إلا وخزات سهلة، فاحمد الله على لطفه، واشكره على ما أبقى، واحتسب ما أخذ، وتَعَزَّ بمن حولك. ولك في رسولنا ﷺ قدوة، وُضِع السلَى على رأسه، وأدميت قدماه، وشُجَّ وجهُه، وحُوصِر في الشعب، وطُرِد من مكة، وكُسِرَت ثنيتُه، ورُمِي في عِرض زوجته، وقُتِل سبعون من أصحابه، فَقَد ابنه، وماتت بناتُه، ورَبَطَ الحجر على بطنه، واتُّهِم بشتى التهم، صانه الله من ذلك، وهذا بلاء لا بد منه، وتمحيص لا أعظم منه! وقد قُتِل قبل ذلك زكريا، وذُبح يحيى، وهُجِر موسى، ووُضع الخليل في النار، وسار الأئمة على هذا الطريق، فضُرِّجَ عمر، واغتيل عثمان وطُعن علي، وجُلدت ظهور الأئمة، وسُجن الأخيار، ونُكِّل بالأبرار: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]. قل للذي بصروف الدهر عَيَّرنا هل عاند الدهرُ إلا مَن له خطرُ أما ترى البحر تعلو فوقه جِيَفٌ وتستقر بأقصى قعره دُرَرُ وفي السماء نجوم لا عِداد لها وليس يُكْسَفُ إلا الشمسُ والقمرُ
следующие страницы →