← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 9416–9455 · переход к 9421.

стр. 9416

الموت إن أعظم ساعة يمر بها الإنسان هي ساعة الموت، تلك الساعة التي تنسي ما قبلها، ولو كان أحد ينجو من هذه الساعة الرهيبة لنجا منها المصطفى ﷺ ، فقد ذاق سكرات الموت. وفي هذا الدرس تحدث الشيخ عن شدة الموت وسكراته، وذكر أحوال بعض الذين ذاقوه من الصحابة والتابعين ثم تكلم عن أسباب تذكر الموت.

стр. 9417

ساعة الموت والاحتضار إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداًَ عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها الإخوة الكرام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ومن واجب أهل الفضل علينا أن نشكر لهم فضلهم, ومن واجب أهل الإحسان أن نشكر لهم إحسانهم, فنشكر مدير هذه الثانوية بالغ الشكر, ونشكر الأساتذة الكرام، ونشكركم أيضاً لحسن استماعكم، ولتواضعكم أن تسمعوا هذه الكلمات, نسأل الله أن ينفع بها، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم. أما بعد: فهذه الكلمة تدور حول الموت، وحين أخبرت بهذا الموضوع تذكرت أبياتاً في الموت للشاب العالم الزاهد حافظ الحكمي إذ يقول ﵀: والموت فاذكره وما وراءه فما لأحد منه براءة وإنه للفيصل الذي به ينكشف الحال فلا يشتبه والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده وإن يكن شراً فما بعد أشد ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صد تالله لو علمت ما وراءكا لما ضحكت ولأكثرت البكا ومن هذه الذكرى يمر الإنسان في قافلة الموت, ويتذكر هذا المصير المحتوم, وهذه الساعة المقضية من الله على ابن آدم, ساعة الموت التي يذل فيها الجبار, ويذعن فيها العاصي, ويعود فيها المتمرد, ويتوب فيها المذنب. ساعة الموت الأليمة التي يمر بها الملك والمملوك, والرئيس والمرءوس, والغني والفقير, وكان من الجميل بنا أن نذكر بعض قصص المحتضرين، وأخبارهم وأنبائهم؛ علّنا أن نتذكر هذا المصرع الذي لن يفوتنا أبداً, وسوف نمر به ولو طالت أعمارنا, ولو تمتعنا بالشباب والصحة, ولو زهت لنا السيارات والعمارات، ولو سكنّا في الشقق الفاخرة, ولو لبسنا الملابس الجميلة, ولو تمتعنا بالمطاعم, وجلسنا على الموائد, وتزاورنا وضحكنا كثيراً, فإنها سوف تمر بنا هذه الساعة التي تنسي ما قبلها, والتي يتذكر فيها الإنسان حسابه مع الله, ماذا فعل؟! وماذا قدم؟! وماذا عمل في تلك الساعات التي أفناها في القيل والقال, وفي اللهو واللعب, وفي الجلوس -الذي لا طائل من ورائه- في مرافقة أقران السوء, وأصحاب الانحراف الذين ما زادوه إلا ضلالاً وإعراضاً عن الله. تلك الساعة لا بد أن نحسب لها حسابها من الآن, ولا بد أن نقف معها وقفة طويلة جداً؛ لنتذكر بماذا سنلقى الله وبماذا سوف نرد على الملكين؟ وماذا سنقول إذا طُرحنا في تلك الحفرة التي تعرفونها؟ ففي تلك الحفرة يتجرد الإنسان من كل شيء إلا من الأعمال الصالحة؛ يتجرد من المنصب فيدخل في قبره بلا منصب, يدخل بلا: يا صاحب الفخامة! ولا يا صاحب المعالي! ولا يا صاحب السماحة! وإنما يُدخل جثمانه في قطع بيضاء ويوسد في هذه الحفرة, ويتولى عنه الناس, ويدخل بلا سيارة وبلا إخوان وبلا خلان, وبلا زوجة, وبلا صاحب, وبلا قرين.

стр. 9418

الرسول ﷺ في ساعة الاحتضار ولو نجا أحد من الناس من ساعة الموت لكان جديراً أن ينجو محمد ﷺ , ولكنه -والله- ما نجا, مر بها كما يمر بها الإنسان, ووقف معها كما يقف الإنسان، وهو أشرف الخلق على الله ﵎, وهو أكرم الناس على ربِّ الناس, لكنه تلقاها برحابة صدر؛ لأنه أحسن العمل مع الله, يروي البخاري ومسلم في صحيحيهما: ﴿أنه لما احتضر ﷺ وضع خميصة -وهي قطعة قماش- على وجهه الشريف من شدة الكرب, وروحه تنتزع من بين جنبيه وهو يقول: لا إله إلا الله, لا إله إلا الله, لا إله إلا الله إن للموت لسكرات, اللهم أعني على سكرات الموت, اللهم خفف عليّ سكرات الموت، تقول عائشة: بأبي هو وأمي، والله إنه كان يضعها في الماء فيبلها -أي: الخميصة- ثم يضعها على وجهه ويقول: اللهم أعني على سكرات الموت, ثم يقول ﷺ وهو كذلك: بل الرفيق الأعلى, بل الرفيق الأعلى, بل الرفيق الأعلى﴾ قال العلماء: إنما قال ذلك ﷺ ؛ لأنه خير بين أن يمد له في عمره, وأن ينسأ له في أجله أو يلقى ربه, فقال: بل الرفيق الأعلى, أي: أريد اللقاء الآن, أريد الرحيل من هذه الدنيا الآن, أريد الموت في هذه الساعة؛ لأنه يعلم ﷺ أنه مهما طال عمره، ومهما امتد أجله, فإنه سيلقى هذا المصرع، فمن الآن إذاً. فإذا كانت هذه الحياة نهايتها هذه النهاية, فبدون كلفة ومشقة، وبدون هموم وغموم، الآن أنهيها, والآن أتجرع كأس الموت، والآن أرتاح من هذه الحياة. وتوفي ﷺ كما يتوفى الناس, ومات كما يموت الإنسان, ولكن بقي ذكره أبد الآبدين؛ لأنه أحسن العمل مع الله. والإنسان يطمع في طول العمر, ويطمع في امتداد الأجل؛ لأن بعض الناس يرى أن هذه الحياة متعة, سكنى ومطعم، وملبس وزواج، وترق في المناصب؛ فيرى أن هذه الحياة أحسن من الحياة الأخرى, أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة, أولئك الذين ضلت أعمالهم, وأولئك الذين حبط مسعاهم وأولئك الذين خسروا الصفقة مع الله, فهم يريدون هذه الحياة فحسب. وقف موسى ﵇ فقال: يا رب! أريد عمراً طويلاًَ, قال الله : يا موسى! اختر ما شئت، وجاء ملك الموت -وهذه قصة صحيحة- فضربه موسى ففقأ عينه, فعاد ملك الموت إلى الله فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ففقأ عيني, فرد الله عليه عينه, وعاد ملك الموت ليقبض روحه, قال: يا موسى! تمنَّ ما شئت من العمر, قال: ثم ماذا؟ قال: ثم تموت, قال: الآن إذاً, فقبض روحه, ولذلك يقول أبو العتاهية: نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح لتموتن وإن عمرت ما عمر نوح فإن كان هذا العمر, فلا بد من النهاية، ولا بد من المصير المحتوم.

стр. 9419

أبو بكر في السكرات روى أهل السير أن أبا بكر ﵁ لما احتضر دخلت عليه ابنته عائشة فسلَّمت عليه وبكت طويلاً ونظرت إليه, خليفة المسلمين وصاحب رسول الله ﷺ في الغار, وصدِّيق الإسلام, يموت في ثوبين متواضعين مجرداً من الدنيا لا يملك إلا بدنه ولا يملك إلا بيتاً من طين، والعالم الإسلامي تحت إدارته وخلافته, فتدخل عليه عائشة في السكرات وتقول وهي تعزيه بروحه ﵁ وعنها: صدق الشاعر يا أبتاه: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر فالتفت إليها وقال مؤنباً لها، ومؤسفاً لها، ومعارضاً لها في هذا الاستشهاد، لا والله كذب الشاعر وصدق الله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] هذا الموقف ليس موقف قول شعر, وليس موقف محاضرات, فهذا موقف يقول الله : ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] ما معنى (تحيد)؟ أي: تفر, كلما أتاك المرض ذهبت إلى المستشفى, وذهبت إلى العيادة, وعرضت نفسك على الطبيب علّك تمتع, لكن إذا جاء الموت انتهى كل شيء: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] هذا ما كنت منه تفر, وتحاول أن تلف, وتحاول أن تعرض, ولكن الآن لا منجى ولا ملجأ من الله إلا إليه, وانتهى كل شيء.

стр. 9420

معاوية في حال النزع دخلوا على معاوية ﵁, وهو على سرير الملك في دمشق عاصمة الإسلام, فلما أتاه الموت قال: أنزلوني على التراب, فقالوا: يا خليفة المسلمين! ويا أمير المؤمنين! نرى السرير أرفق لك, قال: أنزلوني لا أبا لكم انتهى السرير وانتهى الملك, فأنزلوه فلما وضعوه في التراب, ووضع خده؛ وبكى طويلاً على التراب, وقال صدق الله بقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦] نسي كل شيء, نسي جيشه وجنده, نسي ملكه وقصوره, وما كان يعد, وانتهى الأمر إلى هذا الموقف وهذا المصير المحتوم.

стр. 9421

عبد الملك بن مروان في السكرات وعبد الملك بن مروان الخليفة الأموي لما حضرته الوفاة بكى طويلاً، وقال: يا ويلتاه! ما أغنى عني ماليه, هلك عني سلطانيه, يا ليتني كنت راعي غنم, يا ليتني كنت زبالاً! يا ليتني كنت غسالاً! فبكى الناس حوله من كلامه هذا, فلما بلغ كلامه سعيد بن المسيب ﵀ -عالم المسلمين- قال: الحمد لله الذي جعلهم يفرون إلينا وقت الموت ولا نفر إليهم؛ لأنهم لا يستيقظون إلا وقت الموت, ولا يتنبهون إلا في هذه الساعة, وإذا الأمر خرج من أيديهم, وإذا العمر ليس معهم, فيفيقون ويتذكرون فإذا ليس بأيديهم حيلة. ولذلك الذكي كل الذكاء الذي يعد لهذه الساعة, ولا يغتر بالشباب, ولا يغتر بالصحة, فلا تقل: إني شاب وسوف أتخرج, وسوف أحضر بعض الرسائل, وسوف أتقلد بعض المناصب ثم أستعد للموت, فهذا هو الغباء كل الغباء, وهذه البلادة كل البلادة, ومن أعطاك عهداً من الله أنك سوف تستمر هذا العمر, ومن أعطاك من الله خبراً يقينياً أنك سوف تعيش حتى تتخرج, لا والله إن الموت معك, وإن الملك ليصاحبك، يقول : ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١] أي: أن الموت معك لكن هناك معقبات تحفظك حتى يأمر الله, فإذا أتى أمر الله تولى عنك هذان الملكان الحافظان. قد يأتي أجلك وأنت في الطيارة في الجو, وقد يأتي وأنت في السيارة, وقد يأتي وأنت على كرسي الدراسة تستمع وكلك آذان صاغية لما يقوله الأستاذ، وإذا بك تفاجأ وتنتقل إلى الدار الآخرة.

стр. 9422

مقتل عمر بن الخطاب عمر ﵁ -وأنتم تعرفون من عمر الذي قضى كل حياته في الجهاد, وفي قيام الليل, وفي الصلاة والذكر, وفي الزهد والعدل, ﵁ وأرضاه- خرج على المسلمين يوم الجمعة, وفي الخطبة العظيمة بكى بكاءً عظيماً, ثم قال: أيها الناس إني رأيت في منامي أن ديكاً ينقرني ثلاث نقرات, وقد عرضت هذه الرؤيا على أسماء بنت عميس الخثعمية زوجة جعفر , فأخبرتني أن رجلاً من الموالي سوف يطعنني ثلاث طعنات, فإذا طعنت فالله خليفتي عليكم، وأوصيكم بتقوى الله, وأستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه, ونزل ﵁ من تلك الجمعة. وعاد في فجر يوم السبت ليصلي بالناس, وكان من هديه ﵁ أن يقرأ سورة يوسف، وابتدأ فيها حتى بلغ قوله تعالى حكاية عن يعقوب: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤] فضج بالبكاء ﵁، وقطع صوته في القراءة وبكى الناس خلفه, ولما ركع تقدم إليه ذلك المارد الفاجر أبو لؤلؤة المجوسي بخنجره الذي يحمل حدين مسمومين, وطعنه ثلاث طعنات, ولما طُعن قال: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثم هوى سريعاً في المحراب شهيداً في سبيل الله تعالى. وجاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ فأكمل الركعة الثانية, وصوته يقطعه البكاء لأنه علم أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قد انتهى من الحياة, واستمر أبو لؤلؤة يطعن الناس يمنة ويسرة حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً, مات منهم سبعة وبقي ستة جرحى, وفي الأخير قام عمر ﵁ وحمله الناس ودماؤه الطاهرة تنسكب على مناكبهم، وتنهمر على أكتافهم وهم يأخذونه إلى بيته ﵁, ويعزونه في نفسه وقد انتهى من الحياة. ولما وضعوه على فراشه وعلى سريره في بيته؛ تقدم الصحابة يعزونه, وانظر إلى التعازي! وانظر إلى الكلمات الصادقة وحرارة الإيمان في تعازي الصحابة بعضهم لبعض! يتقدم ابن عباس ﵁ فيقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين! فيقاطعه عمر ويقول: لست للمؤمنين بأمير, إنني أصبحت من أهل الدار الآخرة اليوم, فيقول: السلام عليك يا أبا حفص! والله لقد أسلمت فكان إسلامك نصراً لله ولرسوله وللمؤمنين, وهاجرت فكانت هجرتك فتحاً, وتوليت فكانت ولايتك عدلاً. فبكى عمر ﵁ من هذه الكلمات, وقال: إليك يا بن عباس! والله لوددت أن أنجو من الحساب كفافاً لا لي ولا عليّ, فانحرف ابن عباس ﵁ يبكي. ثم تقدم علي بن أبي طالب عليه رضوان الله, فقال: السلام عليك يا أبا حفص! والله لقد كنت أسمع رسول الله ﷺ في حياته يقول: ﴿جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وذهبت أنا وأبو بكر وعمر﴾ فأسأل الله أن يحشرك مع صاحبيك, فبكى وكأنه ارتاح لهذه الكلمة. ثم قال للناس: أيها الناس! أستودعكم الله وأوصيكم بتقوى الله, وقال وهو في مرض الموت: إني ما أتممت الفجر, الصلاة الصلاة وعيونه تترقرق بالدموع, فأتي له بلبن فشرب منه فخرج اللبن من كبده مع دمه ﵁ وأرضاه, فقام وأكمل الركعة وهو في ذلك الظرف. وفي تلك الساعة الحرجة -التي ينسى الحبيب حبيبه, والخليل خليله, وينسى الإنسان كل شيء يتقدم إليه شاب, مسبل لثوبه يجر إزاره في الأرض, فسلَّم على عمر ﵁ وقبل رأسه وقال: أستودعك الله يا أمير المؤمنين! أحسن الله عزاءك في نفسك, فقال عمر: [[يا بن أخي! ارفع إزارك -يوصيه برفع الإزار وبتقصير الثوب في تلك الساعة- فإنه أتقى لربك وأنقى لثوبك]] فيقول: جزاك الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء, فيقول عمر: بل جزى الله الإسلام عني خير الجزاء, ثم ينتقل إلى الدار الآخرة. فهؤلاء الأعلام لابد أن نجلس معهم ساعات ولابد أن نخلو معهم سويعات ولحظات, ونعطيهم الوقت الغالي من أعمارنا لنعيش معهم؛ لأن الذي يسكن مع من لا يتذكر سوف يبقى خامداً هامداً لا يتذكر الموت أبداً, ولا يستعد ولا تتغير حياته ولا ينقلب له منقلب, ولا يحسن العمل؛ لأنه يظن أن هذه الحياة أكل وشرب, وفلوس وزيارة, وشهادة ومنصب, ومال وولد, وهذا مغرور والله.

стр. 9423

معاذ بن جبل في السكرات معاذ بن جبل ﵁ أتته سكرات الموت مع الفجر, فقال: اللهم إني أعوذ بك من ليلة صباحها إلى النار, اللهم إنك تعلم أني لم أحب الحياة لغرس الأشجار, ولا لجري الأنهار, ولا لعمارة الدور, ولا لبناية القصور -لماذا تحب الحياة إذاً- قال: لكني والله كنت أحب الحياة لثلاث خصال: لمكابدة الهواجر -أي صيام الأيام الحارة التي تشتد فيها الحرارة -ولقيام الليل- لله دره من عابد وعالم, ما أنبله وما أحسنه وما أجمله حينما عرف الحياة! يقول: ولمزاحمة العلماء بالركب في حلقات الذكر, وما كنت أحب الحياة لأمر سوى هذه الثلاث. أما نحن لو سئلنا لقلنا: كنا نحب الحياة لنزور فلاناً أو علاناً, ولنركب السيارة الفاخرة, ونسكن في الشقة الوثيرة, ونتمتع بالمطاعم والملابس, ونتقلد المناصب, ونجمع الأموال, ونعتز بالأولاد, هذه حياتنا التي لا تفرق عن حياة البهائم إلا أننا ننطق ونعرف ونتكلم.

стр. 9424

حقيقة الموت والاستعداد له لذلك وجب علينا أن نعود إلى السلف لندرس حقيقة الموت وفلسفته مع السلف الصالح , كيف استعدوا للموت وكيف عاشوا مع الموت؟

стр. 9425

عمرو بن العاص حال الموت روى مسلم في صحيحه أن عمرو بن العاص ﵁, حضرته الوفاة في مصر , وكان والي مصر، وهو فاتح مصر , ومعلم أهل مصر. عمرو بن العاص أرطبون العرب وداهية الإسلام عمرو بن العاص الذي دوخ ملوك الكفر والكفار وقاتلهم حتى دخلوا في هذا الدين, حضرته الوفاة فإذا هو متجرد من دهائه وذكائه, ذهب الذكاء والدهاء, وإذا هو متجرد من منصبه وأمواله وأولاده, ذهب المنصب والمال والأولاد, وإذا هو متجرد من كل شيء إلا من العمل. وكان معه أناس من وزرائه وأولاده وأصحابه, فحول وجهه إلى الحائط وبكى بكاءً طويلاً, فجاء ابنه عبد الله -الزاهد العابد عبد الله بن عمرو - فقال: يا أبتاه! مالك تبكي؟ -وأراد أن يحسن ظنه بالله يا أبتاه! أما صحبت رسول الله ﷺ ؟ أما ولاك غزوة ذات السلاسل؟ أما مدحك؟ أما صحبت أبا بكر وعمر؟ أما فتحت مصر , أما جاهدت أما فعلت؟ قال: فلما طال كلام عبد الله ابنه, وطال بكاء عمرو؛ التفت عمرو إلى الناس, فقال: أيها الناس! إني عشت حياتي على طباق ثلاث- يتكلم عن سجل حياته, يعيد لهم التاريخ مرة ثانية, من يوم ولد إلى هذه الساعة- كنت في الجاهلية لا أعرف الإسلام, وكان أبغض الناس إليّ رسول الله ﷺ , والله لو تمكنت منه لقتلته غيلة, ولو مت على تلك الحالة لكنت من أهل النار, ثم رزقني الله الإسلام فهاجرت من مكة إلى المدينة , فأتيت رسول الله ﷺ وهو في مسجده فلما رآني؛ هش وبش في وجهي، بأبي هو وأمي, واستقبلني وقال: أهلاً يا عمرو! قال: فصحبته وأحسنت صحبته, والله ما كنت أملأ نظري منه ﷺ حياءً منه, والله لو سألتموني الآن أن أصفه لكم -أي: الرسول ﷺ لما استطعت, فيا ليتني مت على تلك الحالة! ولو مت على تلك الحالة لرجوت أن أكون من أهل الجنة, ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها وإن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, ثم قبض يده هكذا على لا إله إلا الله, قال ابنه عبد الله: فأتينا لنغسله فأردنا فتح أصابعه فما استطعنا فتحها, وبقيت مضمومة, فأدخلناه كفنه وأصابعه مضمومة, وأدخلناه في قبره وأصابعه مضمومة ﵁ وأرضاه. فالعدة كل العدة أن تستعد لهذا المصرع, والحزم كل الحزم أن تحفظ وقتك وأن تستعد بعمل صالح لهذا المصرع, والزكاة كل الزكاة أن تحفظ هذه السويعات التي تمر بك مرَّ الرياح والبرق الخاطف، أن تستغلها بما يقربك من الله. الله الله! لا يغتر الإنسان بشبابه, ولا بفراغه ولا بصحته, فإن الله إذا أخذ أخذَ أخْذ عزيز مقتدر, وأنتم رأيتموهم ورأيناهم، شباب مترفون أقوياء منعمون, أهل أموال خرجوا من بيوت أهلهم وما ودعوا أمهاتهم ولا آباءهم, وعادوا أمواتاً, عادوا جثثاً هامدة؛ حتى ما استطاعوا أن يقولوا: السلام عليكم أيها الأهل والجيران وإلى لقاء, ما استطاعوا أن يقولوا: وداعاً, عادوا منتهين من هذه الحياة! فالله الله لا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور! أعدوا ما استطعتم من العمل الصالح, وهذه الدقائق تقول لك: إن الموت قريب: دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان

стр. 9426

حال سفيان الثوري مع الموت كان سفيان الثوري رحمه الله تعالى إذا جلس مع الناس؛ يجلس قليلاً وهو يسبح ثم ينتفض ويقف, فيقولون له: ما لك يا أبا سعيد؟ قال: والله ذكرت الموت. إذا أردتم ترجمة سفيان فعليكم بحلية الأولياء , اقرءوا كيف كانوا يتذكرون الموت ويعدون للموت, كان أحدهم يتذكر الموت وهو في مجلس التحديث ويقطع الفتوى, فيقطع الموعظة ويبكي حتى يقولون: كأنه يصرع من البكاء, ثم يقول بأبيات الصلتان السعدي: أشاب الصغير وأفنى الكبير كر الغداة ومر العشي إذا ليلة هرّمت يومها أتى بعد ذلك يوم فتي نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجة من عاش لا تنقضي تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقي يسألونه ويقولون له: يا أبا سعيد! ما حكم كذا وكذا؟ فيقول: والله ما أدري ما تقول أيها السائل! يقول: كيف لا تدري وأنا أتكلم بالعربية؟ قال: والله لقد أنساني الموت كل شيء, ولذلك يقول الذهبي: كان سبب موت سفيان الثوري أن ذكر الموت فتت كبده, حتى عرض ماؤه على طبيب فقال: هذا الرجل لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام, هذا الرجل لا يتمتع بالحياة أكثر من ثلاث ليال, هذا رجل فتت ذكر الموت كبده, قرأ سورة التكاثر في العشاء, فبقى يرددها ويبكي حتى الصباح, وكان يبكي أهله وجيرانه من بكائه ﵁ وأرضاه؛ لأنه علم علم اليقين, يقول الله : ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:٥] لأن علمنا بالآخرة علم ظن لا علم يقين, ندري أننا سوف نموت, وندفن الأجداد والآباء، والأمهات والإخوان، لكن هذا علم ظني نظري لم يتعمق في قلوبنا, وإلا لو تعمق في قلوبنا؛ لكنا أقبلنا على الله, واتجهنا إلى الله, وأتينا إليه بهمة وعزيمة, وحفظنا أوقاتنا مع الله, لكن نحن نعرف أننا مسلمون وأننا سوف نموت, ويقولون: هذه حياة والله غفور رحيم!! وهذه كلمات جوفاء.

стр. 9427

أسباب تذكر الموت ومن أسباب تذكر الموت أمور, سوف ألخصها لكم في ثلاثة أسباب:

стр. 9428

زيارة القبور الأمر الأول: أن تزور القبور, وأن تكثر من زيارتها, فلا تلهك الأسواق عن زيارة القبور, ولا تلهك المعارض ولا القصور، ولا الدور ولا الحفلات، ولا الأشجار والحدائق, واجعل من هذه العشر الزيارات للحدائق والقصور والدور؛ زيارة واحدة للقبور، ثم قف قليلاً وتذكر: أين أولئك الذين عاشوا معك؟ أين الذين عرفتهم وعرفوك؟ أين الذين ضاحكتهم وضاحكوك, وآنستهم وآنسوك, وزرتهم وزاروك, أين هم؟ وماذا فعلوا؟!! عمر بن عبد العزيز ﵁ -الخليفة الزاهد- صلى بالناس العيد, وكان خليفة لثنتين وعشرين دولة من دول الإسلام من سمرقند شرقاً إلى طنجة غرباً, ومن طاشقند شمالاً إلى جنوب أفريقيا جنوباً وهو الخليفة الوحيد في هذه المعمورة, صلى بالناس العيد وخرج ﵁، فلما مرَّ بالمقبرة؛ وقف وبكى بكاءً طويلاً, ثم قال: أيها الناس! هذه قبور الأحبة من بني أمية, هذه قبور أجدادي وآبائي، وإخواني وجيراني, هذه قبور أصدقائي, أتدرون ماذا فعل بهم الموت؟! ثم بكى طويلاً, فقال الناس: ماذا فعل يا أمير المؤمنين؟ قال: يقول -على لسان الموت-: يا عمر! إني فقأت الحدقتين, وأكلت العينين وفصلت الكفين من الساعدين, والساعدين من العضدين, والعضدين من الكتفين, والقدمين من الساقين, والساقين من الركبتين, وفصلت كل شيء على حدة, ثم بكى فبكى الناس جميعاً البر والفاجر. هذه المواعظ التي تعطيك دروساً لا تنساها أبداً، أن تقف عند المقبرة, ولو في الأسبوع مرة واحدة لعشر دقائق لتتذكر أباك وجدك، وعمك وخالك، وأمك وجدتك، وتتذكر مصرعهم, هل تميز بين الغني والفقير, وهل تميز فضل الملك من المملوك, أين ذهبوا؟ لابد أن تقف هذه الوقفات وأن تخصص هذه الزيارات.

стр. 9429

تدبر القرآن الأمر الثاني: أن تقرأ كتاب الله بتدبر, فاخل بنفسك وتباكى إن لم تبك, إذا لم تجد دموعاً، فحاول أن تعصر نفسك وتتباكى, يقول عمر: [[إذا لم تبكوا فتباكوا]] أي: تشارك بالبكاء علّ الله أن يرحمك وأن يرزقك عينين تسيلان بالدموع؛ لأن الله حرم على النار عيناً بكت من خشية الله , وعيناً باتت تحرس في سبيل الله، فخذ المصحف واقرأ سورة الفاتحة أو سورة النجم أو سورة الواقعة أو الرحمن، ونحو هذه السور التي تنصب آياتها كأنها قذائف على الإنسان, اقرأ وتدبر علَّ الله أن يرزقك الإنابة، وأن يعيدك إلى حضيرته ﵎.

стр. 9430

صحبة الصالحين الأمر الثالث: صحبة الصالحين: وقد كانوا إذا عدوا قليلاً وقد صاروا أقل من القليل وابتعد عن الزملاء الذين يبعدونك عن الله, تريد أن تتقرب من الله فيبعدونك عنه, وتريد أن تتقرب من الجنة فيقربونك من النار, تريد أن تقترب من الهداية فيأخذونك إلى الغواية. واجلس مع الصالحين، فعند الجلوس مع الصالحين تتنزل الرحمات من السماء, وتحفك السكينة, ويغشاك الله بفضل من رحمته, ويذكرك الله فيمن عنده. ولذلك يمر الملائكة ثم يصعدون إلى الله فيقولون: يا ربنا! جلس أولئك القوم يذكرونك وفيهم فلان ما جلس إلا مجاملة معهم ليس منهم, قال الله : وله غفرت، قالوا: إنه ليس منهم, قال: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم, مثل هؤلاء يرحمك الله برحمتهم ولو كنت بعيداً عنهم, ومثل هؤلاء يدخلك الله معهم في رحمته. الرسول ﷺ كان يلقي خطبة في مسجده الميمون المبارك، والناس كلهم آذان صاغية لسماع خطبته، وفي أثناء الخطبة يدخل أعرابي فيقطع الحديث عن الرسول ﷺ , ويقول: ﴿يا رسول الله! متى تقوم الساعة؟ فلم يقطع ﷺ خطبته, واستمر في كلامه كالسيل المنحدر, فلما انتهى قال: أين تراه السائل عن الساعة؟ قال: أنا يا رسول الله! قال: ما أعددت لها؟ -أي: العمل, فالذكاء ليس أن تسأل عن الساعة متى تقوم, وماذا يهمك حين يدمر العالم وينتهي، إذا كان موتك بعد لحظات أو أسابيع أو سنوات؟ ما يهمك أن تقوم الساعة, فإذا مت قامت ساعتك- قال: فما أعددت للساعة؟ قال: يا رسول الله! والله ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام, لكني أحب الله ورسوله, فقال ﷺ : أنت مع من أحببت﴾ قال أنس ﵁ راوي الحديث: فوالله ما أحببنا كلمة من رسول الله ﷺ كما أحببنا هذه الكلمة, فنحن نحب رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر ونرجو أن نكون معهم ولو لم نعمل بعملهم. فالله الله بالجلوس مع الصالحين, والابتعاد عن الفسقة, والمردة, والمتهاونين بهذا الدين, والمتهاونين بالموت والحياة, ابتعدوا عنهم, واهجروهم ولو كانوا الإخوة الأشقاء من الأم والأب, يقول الشافعي ﵀: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواء في البضاعة فيرد عليه الإمام أحمد فيقول: تحب الصالحين وأنت منهم ومنكم يرتجى نيل الشفاعة فأحِبَّ الصالحين, واجلس معهم, وعليك بهذه الأسباب, وتقرب إلى الله بما استطعت من النوافل؛ لأننا أصبحنا قوم كما يقول محمد إقبال: علفنا الأكل. كان السلف الصالح علفهم الذكر, على حد تعبير محمد إقبال , وكان قربتهم إلى الله ومواردهم القرآن, والصيام والصلاة, وأصبحنا الآن علفنا الموائد الشهية, أكل وشرب وضحك وزيارات, إنهاء للوقت, وضياع للمعلومات, وضياع للصالحات, هذه حياتنا. ولذلك قلَّ من تراه من المسلمين يصلي ركعتي الضحى التي هي صلاة الأوابين والتي تعادل ٣٦٠ حسنة, والذين ينظر الله إليهم في الضحى وهم يتململون في صلاة الضحى، والناس في أعمالهم ومشاغلهم, فيغفر الله لهم. قلّ من تراه منا يقوم آخر الليل ساعة السحر, حينما يخلون بالله وحين يناجونه, ويدعونه ويستغفرونه, قلّ من تراه من يتوضأ ويصلي ركعتين. وقلّ من تراه يختم القرآن ويتعاهده كل أسبوع أو على الأقل في كل شهر, وقلّ تراه من يزور المقابر, ويجلس مع الصالحين والأولياء في كتب التراجم, إنما نشكو حالنا إلى الله , ونسأله أن يبدل حالنا بأحسن منها, وأن يردنا إليه رداً جميلاً, وأن يتولانا في من تولى, وأن يحلينا بالإيمان, وبحلية اليقين والإحسان, وأن يذكرنا المصير المحتوم, وأن يجعلنا ممن يستعد له الاستعداد الطيب, وأن يحفظ علينا أوقاتنا وأعمارنا وحياتنا. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذا هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. سبحان ربك رب العزة عما يصفون, وسلام على المرسلين, والحمد لله رب العالمين.

стр. 9431

سري للغاية إن الطعن والثلب في أعراض العلماء بغير حق شرعي يعتبر طعناً في السنة؛ لأنهم حملتها وروادها، وورثة نبينا محمد ﷺ ، ولذلك يجب الذب عن أعراضهم والدفاع عنهم. وبالمقابل يجب على العلماء أن يعرفوا أن الابتلاء سنة كونية لمن يحمل هذا الدين على عاتقه. وفي هذه المادة بيان لخطاب الشيخ: ابن باز بشأن العلماء والدعاة وما يجب علينا تجاههم.

стр. 9432

خطاب ابن باز عن الدعاة والتعليق عليه إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وسلم تسليماً كثيراً. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أيها الإخوة الكرام! عنوان هذا الدرس"سري للغاية" وسبب سرية هذا الدرس أنه ليس فيه سر، وكل أمره ظاهر، ولكن إذا أردت لأمرٍ أن ينتشر فحاول أن تكتمه، وإذا أردت لشيءٍ أن يعلن فحاول أن تخفيه، فإنهم قالوا: أحب شيءٍ إلى الإنسان ما منع. والنفوس والقلوب تتعلق بالممنوعات، وتحب المحجبات، ولذلك قال علي ﵁: [[لو منع الناس من فت البعر لفتوه]] وهم لم يفتوا البعر؛ لأنه ليس الإنسان ممنوعاً من فته؛ ولكن لو صدر له أمرٌ أو نهيٌ عن فته لقام وقال: في الأمر سر. والإعلاميون ورواد الصحافة يكتبون على الأخبار المثيرة لا تقرأ هذا الخبر، فتتشوق النفوس، وتتطلع العيون لقراءة هذا الخبر وتطمح لمعرفة المكنون، ولذلك كان الناس يتناقلون الشائعة؛ لأنها تحمل إثارةً وسراً، وروح كلامي في هذا الدرس أنه ليس بسر، ولكنه على كل حال سري للغاية.

стр. 9433

خطاب ابن باز العام أبدأ هذا الدرس بخطاب سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الذي وجهه أثابه الله ذاباً عن أعراض الدعاة، منافحاً عن العلماء، دامغاً به أهل الشبه والحداثة والعلمنة. يقول سماحته: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ النبي الأمين، وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله يأمر بالعدل والإحسان وينهى عن الظلم والبغي والعدوان، وقد بعث الله نبيه محمداً ﷺ بما بعث به الرسل جميعاً من الدعوة إلى التوحيد، وإخلاص العبادة لله وحده، وأمره بإقامة القسط، ونهاه عن ضد ذلك من عبادة غير الله، والتفرق والتشتت، والاعتداء على حقوق العباد. وقد شاع في هذا العصر أن كثيراً من المنتسبين إلى العلم والدعوة إلى الخير يقعون في أعراض كثيرٍ من إخوانهم الدعاة المشهورين، ويتكلمون في أعراض طلبة العلم والدعاة والمحاضرين، يفعلون ذلك سراً في مجالسهم، وربما سجلوه في أشرطةٍ تنتشر على الناس، وقد يفعلونه علانيةً في محاضراتٍ عامةٍ في المساجد، وهذا المسلك مخالفٌ لما أمر الله به رسوله ﷺ من جهات عديدة منها: أولاً: أنه تعدٍ على حقوق الناس من المسلمين بل من خاصة الناس من طلبة العلم والدعاة الذين بذلوا وسعهم في توعية الناس وإرشادهم، وتصحيح عقائدهم ومنهاجهم، واجتهدوا في تنظيم الدروس والمحاضرات، وتأليف الكتب النافعة. ثانياً: أنه تفريقٌ لوحدة المسلمين، وتمزيقٌ لصفهم، وهم أحوج ما يكونون إلى الوحدة والبعد عن الشتات والفرقة وكثرة القيل والقال فيما بينهم، خاصةً وأن الدعاة الذين نيل منهم هم من أهل السنة والجماعة، المعروفين بمحاربة البدع والخرافات والوقوع في وجه الدعاة إليها، وكشف خططهم، وألاعيبهم، ولا نرى مصلحة في مثل هذا العمل إلا للأعداء المتربصين من أهل الكفر والنفاق أو من أهل البدع والضلال. ثالثاً: أن هذا العمل فيه مظاهرة ومعاونة للمغرضين، من العلمانيين والمستغربين وغيرهم، من الملاحدة الذين اشتهر عنهم الوقيعة في الدعاة والكذب عليهم، والتحريض ضدهم، فيما كتبوه وسجلوه، وليس من حق الأخوة الإسلامية أن يعين هؤلاء المتعجلون أعداءهم على إخوانهم، من طلبة العلم والدعاة وغيرهم. رابعاً: أن في ذلك إفساداً لقلوب العامة والخاصة، ونشراً وترويجاً للأكاذيب والإشاعات الباطلة، وسبباً في كثرة الغيبة والنميمة، وفتح أبواب الشر على مصراعيها لضعاف النفوس، الذين يدأبون على بث الشبه، وإثارة الفتن، ويحرصون على إيذاء المؤمنين بغير ما اكتسبوا. خامساً: أن كثيراً من الكلام الذي قيل لا حقيقة له، وإنما هو من التوهمات التي زينها الشيطان لأصحابها، وأغراهم بها، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢] والمؤمن ينبغي أن يحمل كلام أخيه المسلم على أحسن المحامل، وقد قال بعض السلف: لا تظن بكلمة خرجت من أخيك فيك سوءً وأنت تجد لها في الخير محملاً. سادساً: وما وجد من اجتهادٍ لبعض العلماء وطلبة العلم فيما يسوغ فيه الاجتهاد، فإن صاحبه لا يؤاخذ به، ولا يثرب عليه إذا كان أهلاً للاجتهاد، فإذا خالفه غيره في ذلك، كان الأجدر أن يجادله بالتي هي أحسن، حرصاً على الوصول إلى الحق من أقرب طريقٍ ودفعاً لوساوس الشيطان وتحريشه بين المؤمنين، فإن لم يتيسر ذلك ورأى أحدٌ أنه لا بد من بيان المخالفة، فيكون ذلك بأحسن عبارة وألطف إشارة، ودون تهجمٍ أو تجريحٍ أو شطط في القول قد يدعو إلى رد الحق أو الإعراض عنه، ودون تعرضٍ للأشخاص أو اتهامهم للنيات، أو زيادة في الكلام لا مسوغ لها، وقد كان الرسول ﷺ يقول في مثل هذه الأمور: ما بال أقوامٍ قالوا كذا وكذا؟! فالذي أنصح فيه هؤلاء الإخوة الذين وقعوا في أعراض الدعاة ونالوا منهم أن يتوبوا إلى الله تعالى مما كتبته أيديهم، أو تلفظت به ألسنتهم مما كان سبباً في إفساد قلوب بعض الشباب، وشحنهم بالأحقاد والضغائن، وشغلهم عن طلب العلم النافع، وعن الدعوة إلى الله بالقيل والقال، والكلام عن فلانٍ وفلان، والبحث عما يعتبرونه أخطاءً للآخرين، وتصيدها وتكلف ذلك، كما أنصحهم أن يكفروا عما فعلوا بكتابة أو غيرها مما يبرءون به أنفسهم من مثل هذا الفعل، ويزيلون ما علق بأذهان من يستمع إليهم من حولهم، وأن يقبلوا على الأعمال المثمرة التي تقرب إلى الله، وتكون نافعةً للعباد، وأن يحذروا من التعجل في إطلاق التكفير، أو التفسيق أو التبديع لغيرهم بغير بينة ولا برهان، وقد قال النبي ﷺ : ﴿من قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما﴾ متفقٌ على صحته. ومن المشروع لدعاة الحق وطلبة العلم إذا أشكل عليهم أمرٌ من كلام أهل العلم أو غيرهم أن يرجعوا فيه للعلماء المعتبرين، ويسألوهم عنه ليبينوا لهم جلية الأمر، ويوقفوهم على حقيقته، ويزيلوا ما في أنفسهم من التردد والشبه عملاً بقول الله في سورة النساء: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:٨٣] والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين جميعاً، وأن يجمع قلوبهم، وأعمالهم على التقوى، وأن يوفق جميع علماء المسلمين وجميع دعاة الحق لكل ما يرضيه، وينفع عباده ويجمع كلمتهم على الهدى، ويعيذهم من أسباب الفرقة والاختلاف، وينصر بهم الحق، ويخذل بهم الباطل إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين. عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

стр. 9434

سبب خطاب ابن باز ورسالته للشيخ عائض أيها الإخوة الكرام: أما سبب خطاب الشيخ هذا فقد سبق من قبل فترة أن ذهبت أنا وبعض الدعاة من الإخوة الكرام إلى سماحته وشكونا إليه ما نلقى من ردودٍ، ومن اعتراضات لا صحة لها، ومن نقدٍ يوزع في الأشرطة، ويكتب في بعض الكتيبات التي تنشر؛ فأخبرنا سماحته أنه سوف يتبنى هذا الموقف وينقذ دعاة الإسلام بكتابه، وما كان سماحته إلا أن كتب لنا رسائل خاصة، وسوف أقرأ رسالتي التي وجهها سماحته ولولا رفع اللبس لما قرأتها، ولكن على العبد إذا تعرض إلى نقدٍ لا حقيقة له، له أن يدافع عن نفسه، وقد فعل ذلك الصالحون والأخيار من السلف ممن كان قبلنا رضوان الله عليهم. يقول سماحته: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم صاحب الفضيلة الشيخ عائض بن عبد الله القرني، وفقه الله لما يحبه ويرضاه، وزاده من العلم والإيمان آمين سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد: فنظراً لحاجة الناس اليوم إلى الوعظ والتذكير والإرشاد ولما لفضيلتكم من الجهود المشكورة في هذا المجال والقبول والتأثير -نسأل الله أن يثيبكم على ذلك- فإني أرجو من فضيلتكم مواصلة الجهود في ذلك، والصبر على دعوة الناس إلى الخير، وتذكيرهم لما خلقوا له، من توحيد الله وطاعته، وتشجيع إخوانكم من أهل العلم على ذلك، لما لا يخفى عن الجميع من فضل الدعوة إلى الله سبحانه، وشدة حاجة المسلمين وغيرهم إليها، وذلك عن طريق المحاضرات والدروس والإجابة عما يشكل عليهم، في أمور دينهم والتعاون على البر والتقوى، ونحن مستعدون للتعاون معكم بذلك، والتفاهم مع ولاة الأمر فيما قد يعرض لكم في هذا السبيل، فسيروا على بركة الله، وأبشروا بالأجر العظيم والذكر الجميل، وحسن العاقبة التي وعد الله بها المخلصين الصادقين، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، ويجعلنا جميعاً من أنصار دينه والدعاة إليه على بصيرة، وأن يوفق حكومتنا وعلى رأسها خادم الحرمين وجميع المسئولين لكل ما فيه رضاه وصلاح أمر عباده إنه جوادٌ كريم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن باز رقم هذا الخطاب (١١٤٢) تاريخه (١٠/ ٩/١٤١١هـ).

стр. 9435

واجب المسلم تجاه الدعاة والعلماء ونظراً لما لخطاب سماحة الشيخ العام الذي وجهه للأمة بخصوص الدفاع عن العلماء والدعاة فإني أريد أن أبين قضايا تهم المسلم: أولاً: واجب المسلم نحو الدعاة الذب عن أعراضهم، وحماية دعوتهم، وعدم ترك السفهاء من المنافقين والمرتدين، ومن في قلبه مرض أن يلغ في أعراضهم الطاهرة؛ بل على المسلم أن يدفع عنهم؛ لأن الله ذكر أنه يدافع عن الذين آمنوا، وطلب ﵊ من المؤمن أن يذب عن عرض أخيه المؤمن، وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، ولا يسلمه، بحسب المسلم من الإثم أن يحقر أخاه المسلم﴾ أو كما قال ﵊ فيما يرويه مسلم. الثاني: ذكر محاسن الدعاة، وهم القوم الذين لا يشقى في جليسهم، وهم حملة هذا العلم الشريف الذي بعث به الرسول ﵊، وهم نجومٌ يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وظلمات الشهوات، كما يهتدى بالنجوم في السماء، قال الأول: هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا أجابوا وإن أعطوا أطالوا أطابوا وأسدلوا ولا يستطيع الفاعلون كفعلهم وإن حاولوا في النازلات وأجملوا فعلى المسلم أن يحتسب الأجر من الله ، فيذكر ما للعلماء والدعاة من مآثر، فإنهم يحفظون الشريعة، ويفتون الأمة، ويبينون ما أحل الله، وما حرم الله، ويأمرون بالتوحيد، وينهون عن الشرك، وينقذون الأمة، ويدلونهم على الجنة، ويبينون لهم أسباب السعادة، ويحذرونهم من أسباب الشقاء، وهم أبوابٌ على الجنة، وهم بإذن الله صمام الأمان لهذه الأمة الخالدة الموقرة. الثالث: ومن رأى على الدعاة ملاحظةً أو رأى نقصاً فعليه أن ينصحهم، أو يكتب لهم كتاباً، ولا يحل له أن يقع في أعراضهم؛ لأنه وقوعٌ في شريعة الرسول ﵊ وابتهالٌ بالكتاب والسنة، ومعنى ذلك ألا تثق الأمة بعد ذلك بدعاتها وعلمائها، وأهل الرأي فيها، وحملة الكتاب والسنة. الرابع: أن يعذر هؤلاء الدعاة والعلماء في المسائل الاجتهادية، التي اختلف فيها الأئمة من قبلهم، وهي من فروع الشريعة، ولهم أعذارٌ كما بين ذلك شيخ الإسلام في كتابه " رفع الملام عن الأئمة الأعلام " فليس لأحدٍ من الناس أن يعنفهم، أو أن يثرب عليهم، أو أن يغضب عليهم إذا خالفوا في مسألة اجتهادية، بعد أن يجتهد الواحد منهم، وأن يكون أهلاً للاجتهاد، فإن الأمر فيه سعة في مسائل الاجتهاد التي هي من الفروع لا من الأصول. الخامس: عدم مناصرة العلمانيين، والحداثيين، وأهل البدع، وأهل الشهوات، ومرضى القلوب على الدعاة، فإن معنى ذلك خيانةٌ لله تعالى ولرسوله ﷺ وللمؤمنين، فإن من يقف في صف الكافر أو صف المبتدع، أو صف المغرض فإنه يحارب الله ، ومن يحارب الله يأخذه الله أخذ عزيز مقتدر. السادس: ومن الواجب على الأمة الدعاء للدعاة والعلماء بظهر الغيب، وفي أدبار الصلوات، وفي ساعات السحر، أن الله ينصر بهم دينه، وأن يعلي بهم كلمته، وأن يوفقهم بالقيام بنشر الدعوة في مشارق الأرض ومغاربها، ليستمر هذا الدين، ولتقوم قائمته، وليرفرف علم التوحيد في أرض الله ، فإن الله ذكر أن الأرض أرضه، وأنه سبحانه يرث الأرض ومن عليها، وقال بعض أهل التفسير في قوله : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٤١] قالوا في قوله : (نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) بموت العلماء. وقد بين ﷺ في الحديث المتفق عليه أن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً من صدور العلماء، ولكنه ينتزعه أو يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا. وليعلم العبد أن عليه أن يكون من أنصار الله ، فإنه ليس في الدنيا إلا حزبان، حزب الله وحزب رسوله ﷺ ، والحزب الآخر حزب الشيطان، حزب الله هم المفلحون الصادقون الناصحون، وحزب الشهوات والشيطان هم الذين يحاربون الحزب الأول، ففريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير.

стр. 9436

وضوح الدين والدعوة ومن الأسرار في هذا الدرس وكله علن وليس فيه سر، أنه ليس عندنا مناجاة ولا مسارة في ديننا، بل ديننا واضح، ومبادئنا ظاهرة، وليس عندنا شيءٌ نتكتم عليه، أو سرٌ نخفيه، بل إننا نعلن هذه المعلومات دائماً على المنابر وفي النوادي والمحاضرات والدروس والمحافل. وقد قال عمر بن عبد العزيز ﵁: إذا رأيت القوم يتناجون في دينهم فاعلم أنهم على دسيسة. فإذا رأيت الأمر يسر ويستوشى بين الناس ولا يعلن فاعلم أن فيه نظراً، وأن فيه بلاء، وأن فيه عيباً، فليعلم الناس أن ما عندنا شيءٌ نخفيه؛ لأن مبادئنا هي لا إله إلا لله محمدٌ رسول الله، والصلاة والزكاة والصيام والحج والأخلاق الفاضلة، والنهي عن الرذائل، وغير ذلك مما يقرب العبد من الله ويباعده من الشيطان والنار. ثم ليعلم الناس أن الدعوة علانية والله قال لرسوله ﷺ : ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤] فإن الرسول ﷺ كان يتكتم أحياناً حفاظاً على أصحابه، ولكن دعوته ﷺ كانت معلنة، وكان يحدث بها الناس، وكان يقولها على المنبر ﵊، وما كتم شيئاً مما أرسله الله به بل قال له ربه : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] وقد قالت عائشة ﵂: [[من قال إن الرسول ﵊ قد كتم شيئاً مما بعثه الله به فقد أعظم الفرية على الله]] أو كما قالت ﵂، رواه مسلم

стр. 9437

أسرار سرية للغاية وهنا أسرارٌ سرية للغاية:

стр. 9438

ضرورة دعوة الناس إلى التوحيد السر الأول المعلن: التوحيد، فيجب على كل داعية أن يكون أول كلامه إذا دعا الناس موشحاً بالتوحيد، وأكبر قضاياه توحيد العباد لخالقهم، وهي الدعوة التي بعث الله تعالى بها رسله عليهم الصلاة والسلام، وأنزل كتبه، وخلق من أجلها النار والجنة، ونصب الميزان. وافترض الله على عباده هذا الفرض اللازم الذي دمرت الدنيا من أجله خمس مرات، وفي الصحيحين أن الرسول ﵊. قال لـ معاذ: ﴿أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم قال له: وهل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حقهم عليه ألا يعذبهم﴾ أو كما قال ﵊، فالتوحيد دائماً وأبداً هو محور كلام الداعية، وعليه لب كلامه، فعلى دعاة الإسلام أن ينشروه، وأن يوضحوه، وأن يخطبوا به، وأن يجددوا الأساليب فيه، وأن يذهبوا به في البوادي والضواحي والقرى والمدن، وأن تكتب فيه الكتيبات، وأن يجدد فيه الأساليب بكل لسان من منظومٍ، ومنثورٍ، ومن داعية، وواعظٍ، ومفكرٍ، حتى يكون الناس على بصيرة، وهو الأصل المعتمد الذي إذا فسد فسدت كل الأعمال بعده: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦].

стр. 9439

الابتلاء قائم في حق الرسل والعلماء والسر الثاني: لا يرسل الله نبياً ولا رسولاً إلا بعد أن يبتليه بالمصائب والمحن، حتى يرفع درجته، ويروضه على الصبر والاستعداد لتحمل الرسالة، يبتلي الله رسله وأنبياءه عليهم الصلاة والسلام إلى درجة أن يعلم الواحد منهم أن لا إله إلا الله، ويتيقن الواحد منهم أن لا نافع إلا الله، ولا ضار إلى الله، ولا خالق إلى الله، ولا رزاق إلا الله، فيعيشها الواحد منهم عقيدة، ويعيشها الواحد منهم إيماناً، ويعيشها الواحد منهم مبدأً، ويعيشها الواحد منهم في لحمه ودمه، حتى يقولها ويعمل بها، ويمتثل بها، ولذلك لما أرسل الله رسوله ﵊ قال له: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]. ومعنى ذلك: أنه لا ينفع ولا يضر، ولا يخلق، ولا يرزق، ولا يستحق العبادة إلا هو ، ولا يرضى الله عن أعدائه؛ لأنهم اتخذوا من دونه آلهة فقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣] والقضية الكبرى قضية الإيمان أنه لا ينفع ولا يضر إلا الله، ولا يجيب المضطر إلا هو، وهذه هي المسألة التي كسرت ظهر الشيوعية، وأخذت الإلحاد في العالم؛ لأن ساعة الاضطرار أعظم دليلٍ على الوحدانية، فلذلك قال : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢] والمعنى يسأل الناس: من هو الذي يجيب المضطر وهو المكروب الذي بلغ من الحاجة مبلغاً عظيماً، فلا يجيبه إلا الله ، ويكشف السوء، فهو وحده ، وبين ﵊ وهو يتحدث لـ ابن عباس ﵄ عن العقيدة والتوحيد فقال: ﴿واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾. فعلى المسلم أن يوحد الله ، وأن يعلم أنه لا يضر ولا ينفع إلا هو، وأن يردد دائماً: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤] وفي الآية سر وهو الصمد الذي تصمد له الكائنات وترجوه، وتلهج بذكره، وتطلب حاجتها منه ، حتى قال أحدهم: يا رب حمداً ليس غيرك يحمدُ يا من له كل الخلائق تصمدُ أبواب كل ملوك الأرض قد أوصدت ورأيت بابك واسعاً لا يوصدُ الصالحون بنور وجهك آمنوا عافوا بحبك نومهم فتهجدوا فهذه قضية كبرى أن يعلم العبد أنه إذا أراد أن يتأهل للدعوة فيصبر على الفتن، وعلى المحن، وليعلم أنه رفع لدرجاته، وأن الله يريد به الخير، حتى يمضي على الأرض وما عليه ذرة من الخطايا، والله يصطفي من عباده من يشاء، فيبتليهم بأنواع الخوف، والمحن، والفتن، والزلازل، حتى يعلموا أن لا إله إلا الله، فيلهجوا إليه، ويطلبوه ويسألونه، وتتقطع حبالهم من غيره، فلا يمدون حبلهم إلا معه، ولا يسألون إلا هو، ولا يخافون إلا منه، ولذلك حذر من غيره وقال: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ [آل عمران:١٧٥] وقال : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤].

стр. 9440

كل الفلاح في طاعة الله السر الثالث: أنه لا صلاح للإنسان إلا في طاعة الله ، فإن كل خيرٍ من عنده ، ولا يصرف السوء إلا هو، ولا يعطي ولا يفتح إلا المعلم المعطي الفتاح العليم الوهاب: ﴿فخزائنه ملأى سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه ﴾ وفي الحديث القدسي العظيم الذي قاله رسول الهدى ﵊، ورواه مسلم عن أبي ذر أنه قال ﷺ : ﴿قال الله : يا عبادي: إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا. يا عبادي: كلكم ضالٌ إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي: كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي: كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم. يا عبادي: إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي: إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحد ما زاد ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي: إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه﴾. فعلى العبد أن يجتهد فيما يحب الله ويرضى، وأن يتقرب إليه بالمحامد، فإن الله يقول في الحديث القدسي الذي رواه البخاري عنه ﵊ فيما يرويه عن ربه ﵎: ﴿وما تقرب إلي عبدي بأحب مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به إلخ﴾.

стр. 9441

حاجة العبد للأمر والنهي السر الرابع: أنه لا بد للعبد من أمرٍ ونهي، وهذه من كلمات شيخ الإسلام ﵀ في المجلد الأول في الألوهية وفي غيرها من كتبه، وقالها غيره من العلماء، والظاهر أنه لا بد له من آمرٍ يأمره، وناهٍ ينهاه، وهو الشارع الحكيم، فإن العبد لا يستطيع أن يعيش هملاً، لا يوجهه موجه، ولا بد له من شريعة، والشريعة هي ما بعث الله به رسله عليهم الصلاة والسلام، خاصةً النبي محمداً ﷺ فإنه بعثه بما يصلح العباد، وبعثه بما يحذر العباد من المفاسد، وما يجنبهم الشرور. وقال بعضهم: لا بد للعبد أن يأمر وأن ينهى، فيأمر بما أمر الله به ورسوله ﵊، وينهى عما نهى الله ورسوله ﵊، وأن يكون آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، فكما قال ﵊: ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان﴾ رواه مسلم.

стр. 9442

الدعاة أبعد الناس عن التكفير السر الخامس: أن الدعاة إلى الله لا يكفرون أحداً من المسلمين من أهل القبلة إلا بمكفر من المكفرات التي أجمع عليها أهل السنة والجماعة، فهم أبعد الناس عن التكفير، يصونون ألسنتهم، ويخافون الله ؛ لأنه من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، فهم يحذرون كل الحذر، والذين يسرعون في التكفير هم أهل البدع، وقد لامهم أهل العلم على ذلك؛ لأنهم لا يخافون الله؛ ولأن ضوابطهم متهتكة في مسألة التكفير، وليس عندهم بصيرة، وما عندهم دلالةٌ من الفقه في الدين. وإنما وقع الخوارج في مسألة التكفير لأنهم أخذوا ببعض الكتاب، وأكثروا في العبادة على حساب الفقه في النصوص، فجهلوا الفقه في الدين فوقعوا فيما وقعوا فيه، ولذلك لم تنفعهم عباداتهم، ولا قراءتهم، ولا صلاتهم، ولا صيامهم، حتى قال المعصوم ﵊: ﴿تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، وقراءتكم إلى قراءتهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية﴾. وعند ابن ماجة عن ابن عباس ﵄: [[فقيهٌ واحد أشد على الشيطان من ألف عابد]] لأن الفقيه يعرف أسرار الشرع، ويقف عند النصوص، ويفقه الأدلة.

стр. 9443

الدعاة أزهد الناس في الدنيا السادس من الأسرار: ليس للدعاة مطامع دنيوية، فمطمعهم الأعظم أن يصلحوا الناس، وأن يهدوهم، وأن يعودوا إلى الله ، وأن يتوجهوا إلى الوجهة الصحيحة تحت مظلة أهل السنة والجماعة، فمن زعم أن الدعاة في غالبهم يريدون الدنيا، من قصورها وفللها، ومناصبها، ووظائفها، ورواتبها، فقد أعظم الفرية على الله، وقد اتهمهم بما هم منه براء، فإن سيد الخلق ﷺ أزهد الناس. كفاك عن كل قصر شاهق عمدٍ بيتٌ من الطين أو كهفٌ من العلمِ تبني الفضائل أبراجاً مشيدةً نصب الخيام التي من أروع الخيمِ إذا ملوك الورى صفوا موائدهم على شهي من الأفلاس والأدم صففت مائدةً للروح مطعمها عذبٌ من الوحي أم نورٌ من الكلمِ ويروى عنه ﵊ عند ابن ماجة وغيره: ﴿ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس﴾ وعند البخاري من حديث ابن عمر: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل﴾ وقد صح عنه ﵊ أنه كان يقول: ﴿مالي وللدنيا إنما مثلي ومثلها كرجلٍ قال في ظل شجرة ثم قام وتركها﴾ أو كما قال ﵊. فهم يتعلمون هذا من الرسول ﵊. ويعلمون أن ما أعد الله لهم من الرضوان والخير والنعيم المقيم خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولو سُلِّم إليهم ذهب الدنيا، وفضة الدنيا، لما رضوا به عوضاً عما عند الله في الآخرة، فليعلم العبد هذا وليتيقن. وقد يأتي منهم نادر ولكن النادر لا حكم له، ولا يعمم عليهم، ولا يُتخذ ذريعة للنيل منهم.

стр. 9444

العلماء هم قادة الأمة وروادها السابع: أن الدعاة والعلماء أحق بالكلام من غيرهم، فهم أحق أن يتكلموا، وأحق أن يستمع الناس لهم، وأحق أن يصدروا في المجالس، وأن يكرموا، وأن يطلب منهم الرأي والفتوى، وأن يُعتبروا هم أهل الرأي وهم المنوط بهم إفتاء الأمة، ودلالة الأمة؛ لأن الله رزقهم من البصيرة ما لم يرزق غيرهم، ويقول : ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] وأهل الذكر هم أهل العلم، فالرد إليهم واجب. فالواجب إتاحة المجال لهم؛ ليسمع الناس صوتهم، وليعلموا حقيقة ما يحملون، وليتفقه الناس عليهم، وليكون الناس على بينة مما يلقي هؤلاء أو مما يقول هؤلاء الفضلاء النبلاء الشرفاء.

стр. 9445

ضرورة التزام الدعاة كظم الغيظ والصبر الثامن من الأسرار: وهذا سرٌ للدعاة أقوله بيني وبينهم ولعله لا يدري به إلا من يسمعه من الناس، أقول: أن عليهم أن يتحملوا، وأن يكظموا الغيظ، وأن يصفحوا: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢] وقد قال لرسوله ﷺ : ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] ومنها: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤] فليتحملوا في سبيل إرساء دعوتهم، وتعليم الناس، وأمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتوضيح كل ما يشكل على الأمة، وليعلموا أن ما أصابهم ففي سجل الحسنات، وفي محفل الدرجات وتكفير من السيئات. وعند الترمذي عنه ﵊ أنه قال: ﴿الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خيرٌ من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم﴾ وليجعل الدعاة قدوتهم معلم الخير ﵊؛ ليكونوا على بصيرة، وليكونوا إن شاء الله ممن ينصرهم الله في الدنيا والآخرة، ثم ليبشر الدعاة بالأجر الجزيل من الله ﵎، فقد قال ﷺ فيما صح عنه: ﴿لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم﴾ وليبشروا بالثناء الجميل من الناس، فإنه لا يطلب لذاته، لكن إذا حصل فهو من المبشرات، وعاجل بشرى المؤمن، وإبراهيم ﵇ يقول لربه ﵎: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤] قال أهل العلم: الثناء الحسن، وقال الناظم: وإنما المرء لسانٌ بعده فكن لساناً حسناً لمن وعى أو قال: وإنما المرء حديثٌ بعده فكن حديثاً حسناً لمن وعى

стр. 9446

قصيدة بعنوان: الوحي مدرستي الكبرى فعسى الله أن يرزقنا الثناء الجميل، والأجر العظيم، نحن ودعاة الإسلام والصالحين من عباده. وهناك كثير من القصائد في هذا الباب أحببت أن أذكر قصيدة نظمتها منذ أيام بعنوان "الوحي مدرستي الكبرى" فيها بعض المعاني، أسأل الله أن تكون في ميزان الحسنات، وأن تكون ذباً عن أعراض الصالحين قلت فيها: أنا الحجاز أنا نجد أنا يمن أنا الجنوب بها دمعي وأشجاني بـ الشام أهلي وبغداد الهوى وأنا بـ الرقمتين وبـ الفسطاط جيراني وفي ربا مكة تاريخ ملحمةٍ على ثراها بنينا العالم الفاني دفنت في طيبة الروحِ ووا ولهي في روضة المصطفى عمري ورضواني النيل مائي ومن عمان تذكرتي وفي الجزائر آمالي وتطوان دمي تصبب في كابول منسكباً ودمعتي سفحت في سفح لبنان فأينما ذكر اسم الله في بلدٍ عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني والوحي مدرستي الكبرى وغار حرا ميلاد فجري وتوحيدي وإيماني وثيقتي كتبت باللوح وانهمرت آياتها فاسألوا يا قوم قرآني جبريل يغدو على قومي بأجنحةٍ من دوحة الطهر في نجواه عرفانِ بدر أنا وسيوف الله راعفة كم حطمت من عنيدٍ ماردٍ جاني كتبت تاريخ أيامي مرتبةٍ في القادسية لا تاريخ شروان وما استعرت تعاليماً ملفقةً من صرح واشنطن أو رأس شيطانِ وما سجدت لغير الله في دعةٍ وما دعوت مع معبودنا ثاني وما مددت يدي إلا لخالقها وما نصبت لغير الحق ميزانِ فقبلتي الكعبة الغراء تعشقها روحي وأنوارها في عمق أجفاني وليس لي مطلبٌ غير الذي سجدت لوجهه كائنات الإنس والجان لا أجمع المال مالي كل أمنيةٍ طموحةٍ تصطلي بركان وجداني وكل قدم جبانٍ لا يصاحبني على الشجاعة هذا الدين رباني ليت المنايا تناديني لأخبرها أن المنايا أنا لا لونها القاني ليرم بي كل هولٍ في مخالبه ما ضرني وعيون الله ترعاني ممزق الثوب كاسي العرض ملتهباً أنعى المخاطر في الدنيا وتنعاني مريضُ جسمٍ صحيح الروح في خلدي حبٌ لأحمد من نجواه عرفاني بلال صوتي هتافٌ كله حسنٌ أذانه في المعالي رجع آذاني وعزم عمار في دنيا فتوته أسقي شبابي به من نهره الداني عصا الكليم بكفي كي أهش بها على تلاميذ فرعونٍ وهامانِ ونار نمرود أطفيها بغاديةٍ من الخليل فلا النيران تصلاني في حزن يوسف تاريخي وملحمتي من صنع خالد لا من صنع ريجان داود ينسج درعي والوغى حممٌ لا يخلع الدرع إلا كف أكفاني دعني ألقن قوماً ما لهم هممٌ إلا على العزف من دانٍ ومن دان قومٌ مخازنهم نهبٌ ومطعمهم سلب وموكبهم من صف فئرانِ هم في الرؤى نقطة سوداء إن لمعوا يا للرجال وهذا العالم الثاني يا جيل يا كل شهمٍ يا أخا ثقةٍ يا بن العقيدة من سعد وسلمان يا طارقاً يا صلاح الدين يا ابن جلا يا عين جالوت يا يرموك فرقانِ يا بائع الأنفس الشماء في شهبٍ من الرماح على دنيا سجستان يا من بنوا المجد من أغلى جماجمهم في شقحب النصر أو في أرض أفغانِ يا من سقوا دوحة الإسلام من دمهم من كل أروع يوم الروع ظمآن يا صوت عكرمة المبحوح يقطعه قصف العوالي من سمرٍ ومرانِ هيا إلى الله بيحوا كل فانيةٍ فصوت رضوان ناداكم وناداني أيها الإخوة الكرام: في هذه الليلة أفشي لكم سراً وهو طلبٌ ينفعكم عند الله ، وهو أمرٌ عظيم، وأجره جزيل، إنه بناء المساجد، فإن الله تكفل لمن بنى مسجداً وبيتاً له في الدنيا؛ أن يبني له بيتاً في الجنة ولو كمفحص قطاة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة:١٨] إن الذي يعمر المساجد إنما يعمرها حباً فيما عند الله ، إن كل مصلٍ يصلي في هذا المسجد، لك بمثل صلاته أجرٌ ومثوبة عند الواحد الأحد. إنها البيوت التي يجب علينا أن نعتني بها: في توسيعها، وبنائها، وخدمتها، أكثر مما نعتني ببيوتنا، ليس للمنافقين أن يعمروا المساجد، وليس للمشركين، ولا من في قلبه مرض قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة:١٧] ولكن: ﴿إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة:١٨] فندعوكم أيها الأخيار من أهل التجارة وممن أعطاهم الله المال ليبتليهم به، وليعلم أيشكرونه، أم يكفرونه، وليعلم أينفقونه في أبواب الخير والبر، أم يجعلونه في المعاصي والانحراف والصد عن منهج الله. يقول عن أعدائه: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] فمعاذ الله -يا تجار المسلمين! ويا أثرياء المسلمين! ويا أغنياء المسلمين! - أن تجعلوا الأموال حرباً على الله وعلى رسوله وعلى المؤمنين، أو ولوغاً في الشهوات، أو سقوطاً في المعاصي، بل هنا منفذٌ كبير، وبابٌ يدخلكم الجنة، وقائدكم في هذا رسول الهدى ﵊ وأصحابه، فإن عثمان ﵁ وأرضاه دخل الجنة بالمال، وكذلك ابن عوف. قام ﷺ يطلب الصدقة والنفقة على جيش المسلمين المتوجه إلى تبوك، فقام عثمان فهيأ الجيش بآلاف الدنانير، ودفع الجمال والخيول فقال ﷺ : ﴿ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم، اللهم ارضَ عن عثمان فإني عنه راضٍ﴾ وكان المسلمون يقولون: سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة. فيا أيها الإخوة: من كان له استطاعة، ولو بالريال أو بالعشرة أو بالمئة، أو بما كثر أو قل، أو يعرف غنياً أو تاجراً، فليساهم في دعوته في بناء المساجد. وأمامي قائمة من المساجد التي تحتاج إلى بناء وأصحابها الآن يدعون، وهم يتحرون من يمدهم بعونٍ ويوسع لهم مسجدهم ويبنيه بناءً طيباً؛ ليهتفوا إلى الله أن يغفر لهذا الباني، وأن يرحمه، وأن يجزل مثوبته. وهناك من الوثائق والصكوك ما يثبت ذلك، فعسى الله أن يكمل السعي، وأن ينفعنا بهذه الأموال التي إذا وجهت توجيهاً صحيحاً نفع الله بها أمته، ونفع بها عباده، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وفي الأخير: أخبركم بسرٍ عسى أن يكون معلناً وهي رسالة من تهامة، رسالة من أرضٍ فقيرة، وأرضٍ مجدبة، وأرضٍ بها قحط، أرض تريد مد يد العون من الصدقة من العلم النافع، أرضٌ تنادي التجار والعلماء، تنادي طلبة العلم، تنادي الدعاة. فيا أيها الناس: نسأل الله سبحانه وتعال أن يجعلكم من المستجيبين له ولرسوله، وأن تلبوا هذا الداعي، وأن تذهبوا بأنفسكم وبسياراتكم إلى هذه البوادي والقرى والجبال والضواحي تنشرون بها العلم النافع بواسطة الشريط، والكلمة النافعة، والخطبة والموعظة، وتبينوا للناس أمور دينهم، وتحملوا معكم الأرزاق، وتحملوا معكم ما ينفع هؤلاء من الملابس والأغذية والأكسية، كما أني أدعوا أهل رءوس الأموال والأغنياء والأتقياء أن يبذلوا الصدقات هناك، فإن الأقربين أولى بالمعروف، وهم أحوج ممن هو أبعد منهم، فعسى الله أن ينفع بالجهود، وأن يجعل أعمالنا خالصةً لوجهه الكريم، وأن يصلح الراعي والرعية، وأن يؤلف بين قلوب المسلمين، وأن يجعلنا من أنصار دينه، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، كما أشكر الذين بذلوا من علمهم ومن جهدهم ومن وقتهم فهذا الذي يبقى لهم: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس أسأله التوفيق والسداد، والعون والثبات على الحق حتى نلقاه، وصلى على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 9447

سكرات الموت إن الله تعالى جعل الموت محتوماً على جميع الخلق من الإنس والجان وجميع الحيوان، فلا مفر لأحدٍ منه ولا أمان، الكل فيه سواء، الرئيس والمرءوس، الحر والعبد، الذكر والأنثى. وفي هذه المادة الحديث عن الموت من الكتاب والسنة، وصفته، وحال الناس عند سكراته، مؤمنهم وكافرهم، صالحهم وطالحهم.

стр. 9448

ذكر الموت في الكتاب والسنة الحمد لله الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً، واتخذوا من دون الله آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون، ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله وسلم على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المؤيد بجبريل، المذكور في التوراة والإنجيل، المعلم الجليل، صلى الله وسلم عليه كلما تضوع مسك وفاح، وكلما ترنم طير وصاح، وكلما شدا حمام وناح. لا إله إلا الله الذي كسر بالموت ظهور الأكاسرة، وقصر بالموت آمال القياصرة الذين طغوا وبغوا وفجروا حتى أرداهم ظلمهم في الحافرة، أخرجهم من القصور والدور وأقعدهم في القبور، فهل تسمع لهم كلاماً؟ سكتوا فتركوا فما نطقوا: دع ذكر ليلى والرباب وابك لأيام الشباب وانتظر الموت فما أقربه من كل باب زر القبور مرةً إن بها خير الصحاب كم ملك في لحده تيجانه ذاك التراب لم يصطحب من ملكه وماله حتى الثياب قصوره من بعده صارت خراباً في خراب قد وجدوا ما وعدوا من العقاب والثواب فهل أخذت عدة من التقى قبل الذهاب وهل لبست لأمةً من كل فضل وصواب آهٍ لدنياً زخرفت دنيا الأفاعي والكلاب قد اشتراها مفلس بدينه فما أصاب إن كان لي من شكر فأشكر الباري ﵎ الذي جمعني بهذه الوجوه الساجدة العابدة المتألقة بنور الإيمان، التي غرست في قلوبها لا إله إلا الله، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٥]. في أجساد عمرت على التقوى إن شاء الله قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:١٠٩]. ثم أشكر لكم فضلكم وحضوركم وبارك الله فيكم، ثم أشكر المعهد العلمي بـ الطائف على رسالته الجليلة وعلى رأسهم مدير المعهد فضيلة الشيخ محمد بن عائض القرني والأساتذة الفضلاء والطلاب النبلاء. موضوع المحاضرة: وجاءت سكرت الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد. ذاق الموت محمد ﷺ فشربه كما يشربه الناس، ومات كما يموت الإنسان، وذهب كما يذهب الإنسان، وذاق الموت نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈، ومات فرعون وهامان وقارون كلهم أقعدوا في الحفر، لكن إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار: والموت فاذكره وما وراءه فمنه ما لأحد براءه فإنه للفيصل الذي به ينكشف الحال به فلا يشتبه والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤] هذه المحاضرة تدور على ست مسائل: أولها: ذكر الموت في الكتاب والسنة وعند العارفين. ثانيهاً: الأنبياء ومعايشتهم للموت ﵈. الثالثة: الصالحون في سكرات الموت. الرابعة: النادمون في سكرات الموت. الخامسة: وصف الموت. ما هو الموت؟ ما لونه؟ ما طعمه؟ ما مساغه؟ كيف يذاق؟ السادسة: الاستعداد للموت.

стр. 9449

ذكر الموت في الكتاب والسنة أما الموت في الكتاب والسنة وفي أقوال العارفين فأخذ قطاعاً كبيراً من القرآن، يقول : ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦١ - ٦٢]. من المحاسب إلا الله؟ من المنصف إلا الله؟ من المجازي إلا الله؟ من الباقي إلا الله؟ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨] ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. يا من أعجبه شبابه! يا من أعجبه منصبه! يا من تاه بماله! والله لقد تولوا الأموال، وتقلدوا المناصب، وسكنوا الدور، وعمروا القصور، ثم قُعروا في القبور. ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ وقت الموت ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١] ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]. لا نفع لها لا طائل من ورائها لا قيمة لها، ضاع الشباب، ضاعت القوة، ضاعت الأوقات. فيا عباد الله! هل من مستيقظ؟ يا أمة الإسلام! يا أبناء من حملوا لا إله إلا الله! يا أبناء من تسمع أذن البشرية لا إله إلا الله! يا أبناء من خطب على منبر الدهر بلا إله إلا الله! أنتم مطالبون بالاستفاقة من السبات: تنبهوا يا رقود إلى متى ذا الجمود فهذه الدار تبلى وما عليها يبيد الخير فيها قليل والشر فيها عتيد والبر ينقص فيها والسيئات تزيد فاستكثروا الزاد فيها إن الطريق بعيد يا شباب الإسلام! يا من ألهتهم المجلة الخليعة! والأغنية الماجنة! والسهرات الآثمة! والشواطئ المجرمة! والليالي الحمراء! أنتم مطالبون اليوم إلى إقبال وتوبة وصحوة واستفاقة، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦]. يقول صاحب الرسالة الخالدة، يقول المصطفى ﷺ ، يقول الذي أخرجنا من الظلمات إلى النور، كنا قبل الرسالة رعاة إبل، رعاة شاة، ضائعين، ظالمين، أظفارنا طويلة، شعورنا منتنة، تاريخنا متخلف، ترابيون، نعيش في الطين، يقول المصطفى ﷺ الذي أصبح اليوم يهاجم من الذين لا يحملون أصالة ولا رسالة: إن البرية يوم مبعث أحمد نظر الإله لها فبدل حالها بل كرم الإنسان حين اختار من خير البرية نجمها وهلالها لبس المرقع وهو قائد أمة جبت الكنوز فكسرت أغلالها لما رآها الله تمشي نحوه لا تبتغي إلا رضاه سعى لها يقول لـ ابن عمر: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل﴾. تعرف الغريب الذي يصبح غريباً، ويمسي غريباً، الموت يطرده من كل جهة، وكان ابن عمر يقول وقد روي مرفوعاً: ﴿إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك﴾. يا أهل الأعمار النضرة! يا أهل الأجسام القوية! يا أهل الفلل البهية! يا أهل المآدب الشهية! أين أنتم من القبور؟ حفر مظلمة: أتيت القبور فناديتها أين المعظم والمحتقر تفانوا جميعاً فما مخبر وماتوا جميعاً ومات الخبر مر الخليفة الزاهد الشاب الناصح عمر بن عبد العزيز -سقى الله تلك العظام شآبيب الرحمة والرضوان- مر في عيد الفطر -وهو خليفة المسلمين- فرأى القبور فجلس يبكي، قالوا: ما لك؟ قال: لا إله إلا الله أتدرون ماذا يقول الموت؟ قالوا: لا. قال: يقول: وأكلت العينين، وفصلت الكفين عن الساعدين، والساعدين عن العضدين، وفصلت القدمين عن الساقين، والساقين عن الفخذين، فبكى الأمراء والوزراء وجلسوا معه. إنه استيقظ، وعرف طريقه، ولذلك في حديث عنه ﷺ بسند لا بأس به: ﴿الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿مالي وللدنيا؟! إنما مثلي ومثل الدنيا كرجل استظل بظل شجرة ثم قام وتركها﴾. شاب رأسه، شابت لحيته، قال له أبو بكر في الحديث الصحيح: ﴿يا رسول الله! أراك شبت، قال: شيبتني هود وأخواتها﴾. السور الطويلة، الرسالة الخالدة، المعاني الجليلة، المستوى الضخم، العمق في الدعوة، العبادة وقيام الليل، الزهد في الدنيا، شيَّب رأسه وشيَّب لحيته. قال ابن عباس ﵄ وأرضاهما في قوله : ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧]. قال: النذير الشيب. لكن من استيقظ بشيبه؟ من اتعظ يوم شابت لحيته أو رأسه؟ روى أهل السير أن عابداً من بني إسرائيل نظر إلى المرآة وكان قد أطاع الله أربعين سنة، ثم عصى الله أربعين سنة، فنظر وهو في الثمانين إلى المرآة، فرأى شيبه فبكى، فقال: يا ربِ! أطعتك أربعين وعصيتك أربعين، أتقبلني إذا عدت لك؟ فسمع قائلاً يقول: أطعتنا فقربناك، وعصيتنا فأمهلناك، وإذا عدت إلينا قبلناك. إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم عتقوهم عتق أبرار وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقني من النار والرسول ﵊ دائماً يذكر الناس بالموت. صح من حديث علي وحديث سهل وغيرهما أنه ﷺ قال: ﴿والذي نفسي بيده! لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً﴾ ماذا تعلم يا رسول الله؟ يعلم الصراط، رأى الجنة، رأى النار، رأى العرض، رأى المواقف العصيبة، علم من علم الغيب ما علمه الله، لكن الذي لا يعلم يضحك كثيراً ويبكي قليلاً، الذي لا يعلم بالحشر والنشر والصراط والصحف والجنة والنار يضيع أوقاته، يضيع صلاته، يضيع زمانه، لا يعرف الصلوات الخمس في المسجد، مساجدنا بهية واسعة، مشيدة، لكن تشكو إلى الله من قلة المصلين، قال محمد إقبال: أرى التذكير أدركه خمولٌ ولم تبق العزائم في اشتعال وأصبح وعظكم من غير نور ولا سحر يطل من المقال وجلجلة الأذان بكل حيٍ ولكن أين صوت من بلال منائركم علت في كل ساحٍ ومسجدكم من العباد خالي

стр. 9450

ذكر الموت عند العارفين أما العارفون فإنهم تذكروا الموت كثيراً، وعند الترمذي بسند حسن قوله ﷺ : ﴿أكثروا ذكر هاذم اللذات﴾ من هو هاذم اللذات؟ إنه الموت، مفرق الجماعات، ميتم البنين والبنات، الذي يعكر اللذات، والذي يدلَهم على الأوقات، والذي يسحبك من البيوتات والمطعومات والمشروبات إلى العرض الأكبر عند رب الأرض والسماوات. وكان العارفون يجعلون الموت نصب أعينهم دائماً، ذكر الإمام أحمد عن الخليفة الصديق رضي الله عن أبي بكر أنه دخل مزرعة لأحد الأنصار فرأى البساتين الوارفة، ورأى الأعذاق المتدلية، والنسيم الهفهاف، والماء البارد، فتذكر لقاء الله، ورأى طائراً يطير من شجرة، وهذا يوجه لأهل البساتين، ولأهل الحدائق الغنَّاء الذين نسوا بها الموت، فبكى، قال له الصحابة: ما لك يا خليفة رسول الله؟ قال: [[أبكي حين تذكرت هذا الطائر، طوبى له! يطير من شجرة إلى شجرة لا حساب عليه ولا عذاب، يا ليتني كنت طائراً]]. ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ويسأل ربنا عن كل شي الحشر والنشر -الموقف الصعب- جعل السلف يستفيقون من سباتهم، قالوا لـ سفيان الثوري: ما لك لا تنام؟ قال: والله كلما أتيت إلى فراشي لأنام؛ تذكرت القبر فطار النوم من عيني. أين هذه الحياة؟ وأين هذا الوقت؟ وأين هذا القلب من اللاهين الذين يعيشون حتى في مجتمعات المسلمين؟! شاب يصاب بحادث انقلاب في سيارة، شاب لاهٍ لاغٍ مصحفه المجلة الخليعة، وتلاوته الأغنية الماجنة، وجلاسه وأحبابه كل بعيد عن الله، لا يعرف المسجد، ولا يعرف المصحف، ولا يعرف المحاضرات، ولا الندوات، أتته سكرات الموت في حادث انقلاب، فماذا قال في سكرات الموت؟ أخذ يترنم ويقول: هل رأى الحب سكارى مثلنا هي أغنية صنفها مغنٍِ ماجن ومغنية ماجنة يقول: هل رأى الحب سكارى مثلنا، حتى في هذه الساعة نسيت الله، لماذا؟ لأنه عاش على هذه الكلمة، وسوف يموت عليها، ويحشر عليها: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]. عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه خرج إلى المقبرة -وهذه قصة جيدة الإسناد- ومعه ابن عوف، فرأى قبراً مفتوحاً فأخذ يده وأفلتها من يد ابن عوف، ودخل في القبر وبكى طويلاً وقال: يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت شجرة تعضد، يا ليتني ما عرفت الحياة. هذا وأنت إمام زاهد عابد صادق فكيف بنا أهل الذنوب والخطايا؟! كيف بنا أهل السيئات؟! ما قدمنا -والله- للإسلام شيئاً، لم نقدم دماءنا وأموالنا، لم نهاجر ولم نجاهد ولم نفعل شيئاً، الجيد منا من يحافظ على الصلوات الخمس مع قلة الخشوع والخضوع. وكان ميمون بن مهران يستعد للموت، فحفر قبراً في بيته، فكان يدخل في القبر قبل أن ينام، فيقرأ ويبكي طويلاً ثم يخرج من القبر ويقول: يا ميمون! ها قد خرجت من القبر فاعمل صالحاً قبل أن تندم. هذه هي المسألة التي ينبغي أن تكون في الحسبان.

стр. 9451

ذكر الموت عند الصالحين قيل لـ ابن سيرين: ما لك لا تفتي؟ قال: كلما أردت أن أفتي الناس تذكرت الموت، فمات كل عضو على جهته. وذكر الذهبي في السير عن الإمام أحمد أنه قال عنه أحد تلاميذه: كان الإمام أحمد إذا ذكر الموت خنقته العبرة، ثم يقول: ما هي الحياة؟ هل هو إلا طعام دون طعام، ولباس دون لباس؟ يا عامراً لخراب الدار مجتهداً بالله هل لخراب الدار عمران ويا حريصاً على الأموال تجمعها أقصر فإن سرور المال أحزان من يتق الله يحمد في عواقبه ويكفه شر من عزوا ومن هانوا فاشدد يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركان

стр. 9452

الأنبياء ومعايشتهم للموت أما الأنبياء ومعايشتهم الموت. فاسمع إلى يوسف ﵇، نال الملك نال النبوة نال الرسالة، فماذا يفعل؟ توجه إلى الله داعياً، توجه إلى الحي القيوم، قال: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١]. أقصى ما يتمناه، وأعلى ما يترجاه أن يتوفاه الله مسلماً، يا رب! ألحقني بالصالحين. يا رب! ذقت الحياة، لبست لباسها، وشربت شرابها، وأكلت طعامها، لا لذيذ، فما رأيت كالإسلام. فتوفني مسلماً وألحقني بالصالحين. نسب إلى معاوية أنه قال: [[لبست كل لباس إلا ما حرم الله، وأكلت الطعام بأصنافه، وشربت الشراب بأصنافه إلا ما حرم الله فما وجدت كتقوى الله]]. وذكر ابن القيم في الفوائد عن سليمان ﵇ أنه قال: علمنا مما علم الناس ومما لم يعلم الناس فلم نجد كتقوى الله. أيها اللاهي بلا أدنى وجلْ اتق الله الذي واستمع قولاً به ضرب المثل اعتزل ذكر الأغاني والغزل وقل الفصل وجانب من هزل أتت سكرات الموت نوحاً ﵇ فقالوا: كيف وجدت الحياة، وقد عشت ألف سنة؟ قال: والله ما الحياة إلا كبيت له بابان دخلت من هذا ثم خرجت من هذا. سل من عاش مائة كم عاش؟ وسل من عاش القرن والقرنين والثلاثة أين لذاتهم؟ أين راحتهم؟ أين سعادتهم؟ أخذوا والله من نعيمهم وطرحوا فهم مرتهنون بأعمالهم. وأبو الطيب المتنبي يقول: أبني أبينا نحن أهل منازل أبداً غراب البين فيها ينعق نبكي على الدنيا وما من معشر جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا أين الأكاسرة الجبابرة الألى كنزوا الكنوز فلا بقينَ ولا بقوا من كل من ضاق الفضاء بجيشه حتى ثوى فحواه لحد ضيق خرسٌ إذا نودوا كأن لم يعلموا أن الكلام لهم حلال مطلق يقول إبراهيم ﵇ في آخر حياته: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢]. عليك السلام، تجاهد وتقيم لا إله إلا الله، وتغرس لا إله إلا الله، وتعادي من عادى الله، وفي الأخير تتوجه إلى الله وتقول: والذي أطمع؛ طمع ورجاء وتلهف أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين. أما رسولنا ﵊ فذاق الموت وعاصر الموت -بأبي هو وأمي- وجالس الموت، أتته سكرات الموت فأخذ يقول: ﴿لا إله إلا الله إن للموت لسكرات، لا إله إلا الله اللهم هون عليَّ سكرات الموت، لا إله إلا الله اللهم خفف عليَّ سكرات الموت، ثم أخذ خميصة -قطعة قماش- يبلها بالماء ويجعلها على وجهه ويقول: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد﴾. وذهب إلى الله، إلى الرفيق الأعلى. خير بين الدنيا وقصورها وذهبها وفضتها ومناصبها فقال: ﴿بل الرفيق الأعلى. فتقول عائشة ﵂ وأرضاها: خيرت والله فاخترت يا رسول الله﴾. كفاك عن كل قصر شاهق عمد بيت من الطين أو كهف من العلم تبني الفضائل أبراجاً مشيدة نصب الخيام التي من أروع الخيم جلس في بيت الطين، وعاش فيه، ما وجد ما يملأ بطنه، ليالي تمر وأياماً تكر، ولقي الله. نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم يا خير من دفنت في القاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم فصلى الله عليه وسلم كلما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عنه الغافلون، وكلما أحبه المحبون، وكلما أبغضه المبغضون.

стр. 9453

حال الصالحين في سكرات الموت أما حال الصالحين في سكرات الموت. يَبِيْنُ صلاح العبد يوم يصرع، وساعة الموت ساعة يسلم فيها الجبار، ويذعن فيها المتكبر، ويفتقر فيها الغني، ساعة الموت تتحدى، ساعة الموت معلم لا بد أن يمر به الإنسان، تسلب الإرادة، وتضعف العزيمة، وتقطع الحبال، وتنتهي الحيل. واترك الحيلة فيها واتكل إنما الحيلة في ترك الحيل ساعة الموت أليمة جد أليمة، ولذلك يَبِيْنُ صلاح الصالحين وفساد المفسدين فيها.

стр. 9454

أبو بكر حال الموت حضرت سكرات الموت أبا بكر الصديق فقالت ابنته عائشة ﵂ وعنه: يا أبتاه! صدق الأول -وهو حاتم - يوم يقول: لعمرك ما يغني الثواء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر فالتفت إليها مغضباً وقال: يا بنية! لا تقولي ذلك، ولكن قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٢١]. ثم قال: إذا مت فخذوا بغلتي هذه -خليفة ما ترك إلا بغلة وثوبين- وهذين الثوبين واذهبوا إلى عمر بن الخطاب وقولوا له: يا عمر! اتق الله لا يصرعك الله مصرعاً كمصرعي، يا عمر! إن الحق ثقيل مرير، وإن الباطل خفيف وبير، وإنما ثقلت موازين أقوام لأنهم حملوا الحق، وإنما خفت موازين أقوام لأنهم حملوا الباطل. فذهبوا بالبغلة وبالثوبين من خليفة ملك ربع الدنيا، فوصلوا إلى عمر فأعطوه، فجلس يبكي ويقول: يا أبا بكر! أتعبت الخلفاء بعدك. يعني: كيف نستطيع هذا المنهج؟ متى نبلغ هذا المستوى؟

стр. 9455

عمر بن الخطاب حال الموت وأتت سكرات الموت عمر ﵁ وأرضاه. مولى المغيرة لا جادتك غادية من رحمة الله ما جادت غواديها يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواه يهتز كسرى على كرسيه فرقاً من خوفه وملوك الروم تخشاه وقف عند الجمرات في آخر حجة حجها ودعا الله بقلب صادق، وقال: [[اللهم ضاعت رعيتي، ورق عظمي، وشاب رأسي، ودنا أجلي، اللهم فاقبضني إليك غير مفرط ولا مفتون، اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك وموتة في بلد رسولك]]. شرطان: في سبيل الله، وفي مدينة رسول الله ﷺ . قال له الصحابة: كيف تسأل الشهادة في المدينة؟ ومن يسأل الشهادة يخرج إلى الثغور والقتال والأعداء. قال: هكذا سألت وأسأل الله أن يلبي لي ما سألت. وعلم الله أنه صادق مخلص: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [محمد:٢١] عاد إلى المدينة، وامتدت له يد أبي لؤلؤة الآثمة لا جاد الله قبره، في صلاة الفجر في أحسن بقعة وفي أحسن صلاة فطعنه ثلاث طعنات وهوى صريعاً. قد كنت أعدى أعاديها فصرت لها بفضل ربك حصناً من أعاديها حمل على أكتاف الرجال وهو مطعون فما تذكر ولداً ولا زوجة ولا منصباً ولا وظيفة ولا داراً ولا مالاً، أخذت عيناه تهراق بالدموع وهو يقول: يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني ما عرفت الحياة، يا ليتني ما توليت الخلافة. تقول هذا وأنت الزاهد المجاهد الصادق، فكيف بنا نحن؟! كيف نلقى الله؟! دخل عليه علي أبو الحسن ﵁ وأرضاه، فأثنى عليه، قال: يا علي! والله الذي لا إله إلا هو وددت أني نجوت كفافاً لا لي ولا عليَّ. وأخذ يقول لابنه عبد الله: انزع المخدة من تحت رأسي وضع رأسي على التراب علَّ الله أن يرحمني. رحمك الله وأسكنك الله الرضوان ورفع منزلتك يوم يتقبل الله من الصادقين: أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا ويَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ. هنيئاً لك، السعادة إن شاء الله وشهادة الرسول ﵊. وذكر أهل السير باستفاضة أن عثمان إذا ذكر القبر بكى حتى يجلس، قالوا: تُذكر الآخرة فلا نرى هذا البكاء، فإذا رأيت القبر بكيت؟ فقال سمعت الرسول ﷺ يقول: ﴿القبر أول منازل الآخرة، فإذا نجا العبد منه أفلح، وإذا خسر فيه خسر فيما بعد﴾. أو كما قال ﵊. القبر منزل -والله- موحش، لا صديق، لا حبيب، لا زوجة، لا ولد، إلا العمل الصالح، تركوا ما تركوا، واستجوبوا فما نطقوا، وودعوا فإما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار.
следующие страницы →