← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 9381–9420 · переход к 9386.

стр. 9381

تعظيم الأمة لهم ومن خصائص أهل السنة والجماعة: تعظيم الأمة لهم، واعترافها بفضلهم. فهم معظمون، والله حببهم إلى الناس. قال الإمام أحمد: بيننا وبين أهل البدعة الجنائز. فجنائز أهل السنة كثيرة، وحضور دروس أهل السنة كثير عددهم، يحضر لهم كالغمام، والألوف المؤلفة تحبهم؛ لأنهم على السنة، وأهل البدع والانحراف ودعاة العلمنة والمنافقين لا يحبهم أحد، ولا يحضر لهم الناس إلا جبراً رغبة فيما عندهم من مال أو رهبة من أوامرهم وسياطهم، أما أهل السنة فلا يملكون شيئاً من الدنيا، وليس عندهم قوة، ولكن جبل الله القلوب على حبهم، وجعل حبهم كالماء البارد يشربونه، وهذا علامة صدقهم إن شاء الله. لقد شيع الإمام أحمد أكثر من مليون مسلم، وشيع شيخ الإسلام أكثر من مائة ألف مسلم، وكادت دمشق تنقلب أولها على آخرها في الجنائز، عطس البربهاري في بغداد فشمته أهل بغداد إلى السوق، وهذا موجود في ترجمته، يقولون: كان في مجلس علم فعطس، فقال: الحمد لله! قيل: يرحمك الله، فقال أهل السوق الذي بجانب المسجد في دار السلام: يرحمك الله، وهذا من علامة القبول إن شاء الله. أما أهل البدع فلن تجد لهم أساس، ولا يحبهم الناس ولا يجتمع لهم، ومهما حاولوا من الشارات والتلميع فإن الله يقول: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] والله يقول: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] ويقول : ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨]. وقد ذكرت من خصائصهم: حب قرابة الرسول ﷺ .

стр. 9382

التورع وعدم التسرع في الفتيا ومن خصائصهم: تورعهم في الفتوى، فلا يصدرون الفتاوي إلا بعلم وتأمل وتأكد، ويدفع بعضهم إلى الآخر الفتوى، ولا يستعجلون ويخافون، ويقولون فيما لا يدرون: لا ندري! حرجاً من أن يقعوا في الملمات. قال علقمة: [[كانوا يقولون: أجرؤكم على الفتيا أقلكم علماً]] وقال ابن مسعود: [[إن الذي يفتي الناس بكل ما يستفتونه لمجنون]]. وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: [[أعلم الناس بالفتاوي أسكتهم، وأجهلهم بها أنطقهم]]. فهم يتحرزون من الفتيا ولا يتسرعون، ويخافون من الله ويراقبونه ولا يفتون إلا بدليل أو بأمر واضح.

стр. 9383

الإيمان بأن الجنة والنار موجودتان مخلوقتان ومن خصائصهم: أنهم يعتقدون أن الجنة والنار مخلوقتان موجدتان الآن، وليستا معدومتين ولا ينشئهما الله يوم القيامة كما زعمت القدرية والمعتزلة فإن هذا قول باطل. قال الشيخ حافظ الحكمي: والنار والجنة حقاً وهما موجدتان لا فناء لهما فهذه من صفاتهم. وأنت عليك أن تعرض نفسك على هذا المنهج وعلى خصائص أهل السنة والجماعة؛ لترى هل أنت منهم حقيقة؟ وإن لم تكن منهم فراجع نفسك وابكِ على ما سلف وتب إلى الله، واعلم أن الأمة المحمدية ثلاث وسبعون فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة، وهم هؤلاء الذين سمعت أوصافهم وأخبارهم؛ عسى الله أن يجمعنا بهم في دار الكرامة.

стр. 9384

الأسئلة

стр. 9385

نصائح لنجاح حفلات الأعراس في الصيف القادم بعد موسم الامتحانات سوف يكون موسم للزواجات، نسأل الله أن يتممه بالخير وأن يصلح منا الظاهر والباطن، وقد وصل إلي ما يقارب عشرين دعوة زواج، ولي اقتراح! أما من استطاع حضوره فهذا وارد، وأما إذا تعارض موعدان فهذا فيه مشقة، وعلى الدعاة حضور هذه الزواجات، وعدم الاعتذار، لكن هناك وجهات نظر أعرضها عليكم: منها حفظكم الله: أنه لا يُؤيد أن يتخذ الزواج -من باب خوف الملل- محاضرة من أوله إلى آخره، فلو نوَّع البرنامج لكان أحسن، من كان عنده زواج فليأخذ هذه الفقرات ويعرضها على الناس، وليعرضها على طلبة علم، أو على مخيم صيفي، أو على ثانوية متوسطة يقومون بهذا البرنامج، كأن يكون البرنامج مدته ساعة أو ساعة ونصف فقط ولا يزيد. فيبدأ هذا البرنامج بآيات من كتاب الله، ثم أحاديث من كلامه ﵊، ثم قصيدة عربية ولا بأس بقصيدة نبطية، ثم نشيد إسلامي يقدمه مجموعة من الطلبة، ثم نكات وطرائف، ثم مجلة، ثم ترجمة صحابي، ولا بأس بلعبة رياضية أمام الناس، ولا بأس أن يأتي كبير السن ويجعل له عشر دقائق أو ربع ساعة يتحدث عما كان عليه الناس وما أصبحوا فيه من النعم والخيرات، ثم يتحدث عن توجيه للزوجين وللمجتمع. فهذا الذي أُرشحه. الثاني: على الدعاة أن يختاروا الموضوع المناسب في الزواج، فلا يأتون بموضوع عذاب القبر ولا الموت، لأن الناس في حياة وليسوا بعزاء، ولا يبكي الناس فيتركون العشاء ويتباكون في طرف المخيمات، بل يشجعهم ويضحكهم ويسليهم ويعرض لهم قضايا هامة تنفعهم، فلكل مقام مقال: ووضع الندى في موضع السيف بالعلى مضر كوضع السيف في موضع الندى الثالث: أقترح على المتزوج أن يستصحب هدية للحضور، وهي أشرطة إسلامية ما بين مائتين إلى ثلاثمائة شريط يصرفها، وقيمتها سهلة ويسيرة من التكاليف الباهضة التي تصرف -أحياناً- في غير طاعة الله، فيأخذ مائتين إلى ثلاثمائة شريط مع كتيب مع كل شريط ويقدمه للحضور، لكل فرد هدية، وسوف ينفع الله بها نفعاً كثيراً، وأرجو أن يكون في الحساب. الرابع: أرى كذلك -وهذه وجهة نظر أعرضها عليكم وما نحن إلا إخوة بعضنا يستفيد من بعض- أن الزلفة والزير والحفلات الشعبية التي يصحبها المعازف محرمة، وهذه فتوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز أنقلها عنه، وأنا متأكد مما أقول، سمعتها من فمه مباشرة، وهو مرجعنا في الفتيا، وهو عالم البلاد الإسلامية شرقاً وغرباً، وشيخ الإسلام في هذا العصر: إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام قال: دلت النصوص على تحريم ذلك. وأتى بروايات وهي مشفية، فلا نريد أن يعود الناس إلى الوراء، بل يجددوا من أفكارهم وثقافتهم وإيمانهم، ولا يعبثون بعد أن يأكلوا نعم الله، فيقومون يتراقصون على الزيرة والزلفة فهذا من الخطأ. أما النساء فلا بأس أن يجتمعن على دفٍٍ يضرب بالأيدي، ولا بأس أن يرقصن بشرط ألا يخالطهن الرجال، ولا يكون عندهن آلات لهو كالأشرطة الغنائية، فإنها خمر العقول، وهي محرمة بإجماع أهل العلم. وقد أصدرت هيئة كبار العلماء في بلادنا فتوى بخصوص تحريم الغناء. ومن الرأي أيضاً: ألَّا يُؤخر العشاء على الناس -وهذا من الاستملاحات ما دام ذكر الزواج- فإن بعض الناس لا يقدم مؤدبته إلى ما يقارب الحادية عشرة أو الثانية عشرة، وقد ملَّ الناس وليس له ذلك، بل يحصر البرنامج، ومباشرة بعده يقدم للناس أكلهم وطعامهم. ثم يُراعي عدم التبذير، فيحاول معرفة عدد الحضور وعدد ما يقدم لهم من الطعام. ومن الملاحظات أيضاً: أن هنا قسم استقبال الولائم تحت جمعية البر، فمن عنده وليمة كبرى وخاف أن يفسد الطعام أو أن يبذر؛ فليتصل بهذه وينسق معها، ويأتون بسياراتهم ويأخذون ما بقي من ولائم ويوزعونها على الفقراء الذين لا يجدون اللحم من شهر إلى شهرين. وهذا أمر معلوم. وملاحظة أخرى: كثير من الدعوات تأتي لإلقاء محاضرات إلى بعض المناطق، والداعية لا يستطيع بمفرده أن يتنقل في كل منطقة، فوصيتي لطلبة العلم في كل منطقة أن يحرصوا على أخذ الشريط، كل جديد بجديده، وكل موضوع بموضوعه، وينزلونها إلى قراباتهم وجماعاتهم؛ ليكونوا أئمة لهم في الخير، فإن الله ينفع بها، وهذا شيء يريح الداعية، ويعمم النفع والفائدة للناس بإذنه .

стр. 9386

الدعوة إلى المساهمة في الخيرات السؤال يتسائل كثير من الإخوة عن البرنامج الصيفي. الجواب سوف يكون هنا -إن شاء الله- الدرس العلمي لطلبة العلم بعد كل فجر وبعد كل مغرب، أما الدرس -الآن- العام فسوف يستمر بإذن الله . وسوف يراعى في الموضوعات مسألة المخيمات؛ لأن المنطقة منطقة محببة إلى الناس بما منحها الله من جو طيب، وبما منح أهلها من خير وفضل واستقامة وكرم، فأصبح الناس يتوافدون إليها بالألوف، ولا أقول هذا مبالغة. أحياناً قد تجد في اليوم الواحد ما يقارب ستة وعشرين مخيماً، ينزلون دفعة واحدة من كل نواحي البلاد، فنصيحتي أن يُستغل هؤلاء في التوجيه وأن نكون دعاة لهم مؤثرين، وأن نقدم لهم الخير، وهذا أنتم لا توصون عليه؛ فإنه قد ظهر من حسن أخلاقكم ومن كرمكم ما بهر الناس، وقد وصل الإنسان إلى المنطقة الشرقية والشمالية والوسطى والقصيم والغربية، فوجد الثناء العطر على أهل هذه المنطقة -وهذه من نعمة الله- في أخلاقهم وفي بذل خدماتهم، حتى تجد الواحد منهم إذا مر بفرقة لا يعرفها من الطلبة أو من الشباب المصطافين أتى بخزان ماء وقرَّبه إليهم، وعرض خدماته عليهم والخيمة والسيارة ودعاهم إلى بيته، حتى أصبح يتحدث بكرمهم الركبان: يقولون معن لا زكاة لماله وكيف يزكي المال من هو باذله تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله أقول هذا وأنا واثق مما أقول بل كانوا يخبروننا في كثير من المجالس في غير هذه المنطقة من المناطق الأخرى عن صفات الكرم عند أبناء هذه المنطقة، ويقول أحدهم: نزلنا في الليل بجانب بيت، فخرج علينا صاحب البيت وبعد أن نصبنا خيمتنا أقسم لندخلن بيته، فأدفأنا وعشَّانا وأنامنا في بيته وكان كالخادم لنا. يقول أبو بكر في الأنصار، والأنصار هم من الأزد، وأنتم من سلالة الأنصار: جزى الله عنا جعفراً حيث أشرفت بنا نعلنا في الشارفين فزلَّت هم خلطونا بالنفوس وألجئوا إلى غرفات أدفأت وأظلت أبوا أن يملونا ولو أن أمنا تلاقي الذي يلقون منا لملت ولانقول ذلك تعصباً؛ لكننا أمة نقول للمحسن: أحسنت. وللمسيء: أسأت، فنشكركم من الأعماق، فقد قدم الصالحون منكم صورة جميلة من أعظم الصور عن هذه المنطقة، حتى المحافظة على الزي الإسلامي، وتحجبت المرأة، يقول بعضهم: أنزل في كثير من المساجد فلا أرى امرأة كاشفة أبداً الكلام الوقور الشباب الناشئ المحاضرات التي يحضرها المئات من المستقيمين الملتزمين حسن الخلق كرم الضيافة وهذا كله أحسن ما يُعمِّق حب هذه المنطقة. وتعلمون أن كثيراً من المناطق ودعاة دول الخليج قد أصبحوا -الآن- يدعون في المحاضرات -وقد استمعت إلى أشرطة- أقوامهم إلى أن يزوروا هذا المنطقة ليزوروا أهلها ويروا جوها وجمالها، فعسى الله أن يكون لكم هذا منزلة عند الله وقربة. وإنما المقصود الزيادة في هذا، والاستمرار عليه والاحتساب، خاصة في هذه المواسم؛ حتى نخفف عن الناس آلامهم؛ لأن بعضهم لا يعرف الطريق، وبعضهم لا يستطيع أن ينزل، وبعضهم تنقص الخدمات عنده وبعضهم ينقطع، وبعضهم يأتي وقد يكون فقيراً صاحب عائلة، فأرجو منكم -ولا توصون على هذا- البذل والعطاء والتضحية والإصلاح بما تستطيعون وتوزيع الشريط الإسلامي والكتيب. والله أعلم. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 9387

خطاب عالم الأمة وجه الشيخ ابن باز خطاباً عاماً للأمة محذراً من الوقوع في أعراض الدعاة الذين أثبتت الأيام أن لهم قبولاً. وكان ابن باز قد وجه لبعض الدعاة خطابات خاصة، يحثهم فيها على الصبر والإخلاص وتحمل الأذى. وعن خطابه الخاص تكلم الشيخ عائض في هذه المحاضرة، وثَنَّى بكلام مفصل عن الخطاب العام وإيضاح حيثياته كونه على علم بها، مع إيضاح الغموض الذي أشكل على بعض ممن وصلهم الخطاب.

стр. 9388

العلامة ابن باز يتحدث عن الدعاة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عنوان هذا الدرس: خطاب عالم الأمة. من هو هذا العالم الرباني؟ وما هو الخطاب؟ إنه سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز عالم الأمة الإسلامية، وجه خطاباً إلى الأمة، وقد تناقلته وكالات الأنباء، والصحف، والشاشة، والراديو، وسوف أشرحه هذه الليلة، وأبين حيثيات الخطاب، وملابساته، وأسباب الخطاب؛ لأنني كنت أنا وغيري من الدعاة على معرفة عن كثب وقرب بدوافع هذا الخطاب وبأهدافه ومقاصده. وسماحة الشيخ ليس بحاجة أن نترجم له هذه الليلة، فالقلوب تعرفه، والعلوم تترجم له، والملايين المملينة في الأرض تشهد بحبه في الله . إنه الجامعة الربانية الكبرى التي تلقت تعاليمها في مدرسة محمد ﵊، إنه النبع السلسبيل العذب النظيف؛ الذي كانت ثقافته مستوحاة من قال الله وقال رسوله ﵊. قبل فترة من الزمن وصلت ومعي مجموعة من الدعاة في البلاد، وشكونا إلى سماحته ما نتعرض له من إيذاء عبر بعض الكتيبات والأشرطة والمقولات، وما يقوله بعض الناس في المجالس من وصفنا بالتطرف والعنف والتكفير والرأي الخارجي وغير ذلك، فما كان من سماحته إلا أن وعظنا موعظة بليغة، وأخبرنا بما لقي الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام في هذا الطريق، ووعدنا أن يكتب لنا رسائل خاصة باسم كل داعية، وأن يبث رسالة للأمة جمعاء في طول البلاد وعرضها، بل في كل العالم الإسلامي خطاباً إلى الأمة. ووفى سماحته، وصدق فيما قال، ولولا أن هناك لبساً من الخطاب الذي نشر، لما تكلمت عن الرسالة الخاصة، ولكني استخرت الله، ورأيت من المصلحة أن أقرأ الرسالة الخاصة، ثم أقرأ الرسالة العامة وأشرحها بحول الله.

стр. 9389

خطاب ابن باز للقرني يقول في رسالته الخاصة: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد العزيز بن عبد الله بن باز، إلى حضرة الأخ المكرم صاحب الفضيلة الشيخ/ عائض بن عبد الله القرني وفقه الله لما يحبه ويرضاه، وزاده من العلم والإيمان، آمين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فنظراً لحاجة الناس اليوم إلى الوعظ والتذكير والإرشاد، ولما لفضيلتكم من الجهود المشكورة في هذا المجال، والقبول والتأثير، نسأل الله أن يثيبكم على ذلك، فإني أرجو من فضيلتكم مواصلة الجهود في ذلك، والصبر على دعوة الناس إلى الخير، وتذكيرهم لما خلقوا له من توحيد الله وطاعته، وتشجيع إخوانكم من أهل العلم على ذلك، لما لا يخفى على الجميع من فضل الدعوة إلى الله سبحانه، وشدة حاجة المسلمين وغيرهم إليها، وذلك عن طريق المحاضرات والدروس والإجابة عما يشكل عليهم في أمور دينهم، والتعاون على البر والتقوى. ونحن مستعدون للتعاون معكم في ذلك، والتفاهم مع ولاة الأمر فيما قد يعرض لكم في هذا السبيل، فسيروا على بركة الله، وأبشروا بالأجر العظيم، والذكر الجميل، وحسن العاقبة التي وعد الله بها المخلصين الصادقين، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا، ويجعلنا جميعاً من أنصار دينه، والدعاة إليه على بصيرة، وأن يوفق حكومتنا، وعلى رأسها خادم الحرمين، وجميع المسئولين لكل ما فيه رضاه وصلاح أمر عباده، إنه جواد كريم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرقم: ١١٤٢ التاريخ: ١٠/ ٩/١٤١١هـ هذا خطاب وصل إلى كثير من الدعاة الذين لهم تأثير في البلاد أحتسبه الشيخ ذباً عن الأعراض، ومعاونة من سماحته للدعوة التي تنشر في البلاد على مذهب أهل السنة والجماعة. وبالمناسبة: أشكر أصحاب الفضيلة العلماء الذين يحضرون هذا الدرس، ليستمعوا إلى أخيهم الصغير، وهم أطول باعاً، وأعلى كعباً في العلم والدعوة، وسبقونا بسنوات، ونحن نستفيد من تجاربهم، وأشكر من ذب عن أعراض الدعاة، أو من وضح منهجهم، أو ناصرهم، أو دعا لهم دعوة بظهر الغيب.

стр. 9390

رسالة من الشيخ الطنطاوي وبالمناسبة -والحديث يجر بعضه بعضاً- وصلتني رسالة من فضيلة الشيخ/ علي الطنطاوي أثابه الله من مكة المكرمة، شكرنا فيها فضيلته على الدروس والمحاضرات، وأخبر أنه يستمع إلى كثير من الأشرطة، وهذا من تواضعه، على طول باعه في العلم والأدب والتاريخ، فأسأل الله أن يختم لنا وله بخير، ونفس الدعابة لا تفارقه حتى في رسالته، فشكرني على ما سبق من الثناء عليه، وعلى ذكر كتبه ومؤلفاته، وشكرني أني ترحمت عليه، وأخبرت أنه قد توفي، والحقيقة أنه مازال حياً، والدليل أن هذه رسالته، ولو أنه توفي لما كتب رسالة؛ لأن الذي يموت لا يستطيع بعد موته أن يكتب رسالة، فأسأل الله أن يجمعنا به وبالصالحين في دار الكرامة.

стр. 9391

قصيدة: الوحي مدرستي الكبرى قبل أن أصل إلى خطاب عالم الأمة، أقف معكم وقفة مع قصيدة؛ لأنكم أمة شاعرة تحب الأدب، وأنتم أدباء متأدبون مع الله ومع رسوله، أسأل الله أن ينفعنا وإياكم بأدبنا. عنوان القصيدة: الوحي مدرستي الكبرى أنا الحجاز أنا نجد أنا يمن أنا الجنوب بها دمعي وأشجاني بـ الشام أهلي وبغداد الهوى وأنا بـ الرقمتين وبـ الفسطاط جيراني وفي ثرى مكة تاريخ ملحمة على رباها بنينا العالم الفاني في طيبة المصطفى روحي ووالهي في روضة المصطفى عمري ورضواني النيل مائي ومن عمان تذكرتي وفي الجزائر آمالي وتطوان دمي تصبب في كابول منسكبا ودمعتي سفحت في سفح لبنان فأينما ذكر اسم الله في بلد عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني والوحي مدرستي الكبرى وغار حرا ميلاد فجري وتوحيدي وإيماني وثيقتي كتبت في اللوح وانهمرت آياتها فاسألوا يا قوم قرآني جبريل يغدو على قومي بأجنحة من دوحة الطهر في نجواه عرفاني بدر أنا وسيوف الله راعفة كم حطمت من عنيد مارد جاني كتبت تاريخ أيامي مرتلةً في القادسية لا تاريخ شروان وما استعرت تعاليماً ملفقةً من صرح واشنطن أو رأس شيطان وما سجدت لغير الله في دعة وما دعوت مع معبودنا ثاني وما مددت يدي إلا لخالقها وما نصبت لغير الحق ميزاني فقبلتي الكعبة الغراء يعشقها روحي وأنوارها في عمق أجفاني وليس لي مطلب غير الذي سجدت لوجهه كائنات الإنس والجان لا أجمع المال مالي كل أمنية طموحة تصطلي بركان وجداني وكل فدم جبان لا يصاحبني على الشجاعة هذا الدين رباني ليت المنايا تناجيني لأخبرها أن المنايا أنا لا لونها القاني ليرم بي كل هول في مخالبه ما ضرني وعيون الله ترعاني ممزق الثوب كاسي العرض ملتهباً أنعى المخاطر في الدنيا وتنعاني مريض جسم صحيح الروح في خلدي حب لأحمد من نجواه عرفاني بلال صوتي هتاف كله حسن أذانه في المعالي رجع آذاني وعزم عمار في دنيا فتوته أسقي شبابي به من نهره الداني عصا الكليم بكفي كي أهش بها على تلاميذ فرعون وهامان ونار نمرود أطفئها بغادية من الخليل فلا النيران تصلاني في حسن يوسف تاريخي وملحمتي من صنع خالد لا من صنع ريجان داود ينسج درعي والوغى حمم لا يخلع الدرع إلا كف أكفاني دعني ألقن قوماً ما لهم همم إلا على العزف من دان ومن دان قوم مخازنهم نهب ومطعمهم سلب وموكبهم من صف فئران هم في الرؤى نقطة سوداء إن لمعوا يا للرجال وهذا العالم الثاني يا جيل يا كل شهم يا أخا ثقة يا بن العقيدة من سعد وسلمان يا طارق يا صلاح الدين يابن جلا يا عين جالوت يا يرموك فرقان يا بائع الأنفس الشماء في شهب من الرماح على دنيا سجستان يا من بنوا المجد من أغلى جماجمهم في شقحب النصر أو في أرض أفغان يا من سقوا دوحة الإسلام من دمهم من كل أروع يوم الروع ظمآن يا صوت عكرمة المبحوح يقطعه قصف العوالي من سمر ومران هيا إلى الله بيعوا كل ثانية فصوت رضوان ناداكم وناداني

стр. 9392

خطاب ابن باز للأمة بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله يأمر بالعدل والإحسان. -وسوف يكون لي وقفات أيها الناس، وأيما وقفات، فسوف أجعل لب محاضرتي وروحها وقلبها خطاب سماحته- وبالمناسبة: نحن تلاميذ تلك المدرسة الرائدة مدرسة ابن باز، ومحمد بن عبد الوهاب، وابن تيمية، وأحمد بن حنبل، المدرسة الأصيلة الرائدة المحافظة، المدرسة التي تتلقى تعاليمها من وحي الله والكتاب والسنة أنا ممن سماحته أنالت وممن دربت تلك الأيادي وما سافرت في الآفاق إلا ومن جدواه راحلتي وزادي

стр. 9393

الوقوع في أعراض الدعاة يقول: إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن الظلم والبغي والعدوان، وقد بعث الله نبيه محمداً ﵊ بما بعث به الرسل جميعاً من الدعوة إلى التوحيد، وإخلاص العبادة لله وحده، وأمره بإقامة القسط، ونهاه عن ضد ذلك من عبادة غير الله، والتفرق والتشتت، والاعتداء على حقوق العباد. وقد شاع في هذا العصر أن كثيراً من المنتسبين -انتساباً- إلى العلم والدعوة والخير يقعون في أعراض كثير من إخوانهم الدعاة المشهورين. أي أن هؤلاء يقعون في أعراض الدعاة المشهورين، الذين أثبتت الأيام أن لهم قبولاً، وأنهم يريدون الخير، والعدل والحق، ويرفعون عن الناس الجهل، ويبينون لهم عقيدة التوحيد، وينهونهم عن كل ما يغضب الله ورسوله. قال: ويتكلمون في أعراض طلبة العلم والدعاة والمحاضرين. فما هو الكلام؟ مرة يصفون هؤلاء الدعاة الفضلاء الأخيار بالتطرف، وأي تطرف؟! أتباع أحمد بن حنبل، مدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام محمد بن عبد الوهاب متطرفة؟! من الذي يحكم على هؤلاء الدعاة الذين تجتمع لهم الأمة بالألوف، والذين يسمع لهم، والذين رزقهم الله بصيرة في دينه؟ من الذي يحكم عليهم بالتطرف؟ ماذا فعلوا يوم حكم عليهم بالتطرف؟ أخرجوا عن الملة؟ أنقضوا بيعة صحيحة شرعية؟ هل استحلوا دماً أو عرضاً حراماً؟ هل كانوا طلبة للأموال؟ هل كانوا وراء جمع الدنيا؟ الله يشهد، ثم يشهد عباده الصالحون. قال سماحته: يفعلون ذلك سراً في مجالسهم. فلا تسمع إلا من يقول: هؤلاء الدعاة يكفرون الناس. ورب الكعبة لا أعلم داعية في البلاد ممن يوثق بدعوته يكفر مسلماً، والله ما كفرنا من يشرب الخمر غير مستحل لها، ولا كفرنا من يزني غير مستحل للزنا، ولا من يسرق غير مستحل للسرقة، فكيف نكفر من نسب إليه مخالفة شرعية أو معصية؟! هذا ظلم للدعاة، وتشويه لصورتهم في المحافل والمجالس والأماكن العامة، وهذا لا يليق. وأنا أدعوكم كما يدعوكم سماحته إلى أن تكونوا أنصاراً لله كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ [الصف:١٤] كيف تكون ناصراً لله؟ بنصرك لعلماء ودعاة الأمة ألاّ تسمع فيهم كلمة من مريض قلب، ولا من منافق، ولا من رجل في قلبه هوى، ولا من مبغض لـ (لا إله إلا الله) ولرسول الله ﷺ ، ولبيوت الله، ولكتاب الله، ولسنة الرسول ﵊. فتذب عن أعراضهم، ويتمعر وجهك في المجلس، وتغضب إذا سمعت أن عقيدتهم أو مبادئهم أو دعوتهم تنتهك، فإن من ذب عن أخيه المسلم في عرضه؛ ذب الله عن عرضه في موقف ينتهك فيه عرضه، ومن خذل المسلم خذله الله. ثم يقول سماحته: وربما سجلوه في أشرطة تنتشر على الناس. وقد سمعنا والله أشرطة قيلت فينا وفي طلبة العلم والدعاة، فحسبنا الله ونعم الوكيل، من وصفنا بإننا نريد بالبلاد تشويشاً أو رعباً أو تطرفاً أو عنفاً، ونُسب إلى كثير من العلماء والدعاة هذا الأمر، وهو بهتان وزور: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف:٥].

стр. 9394

مخالفة هذا المسلك للشريعة قال سماحته: وقد يفعلونه علانية في محاضرات عامة في المساجد، وهذا المسلك مخالف لما أمر الله به ورسوله من جهات عديدة منها: أولاً: أن هذا مخالفة شرعية. ثانياً: أنه ظلم. ثالثاً: أنه اعتداء على حقوق الآخرين. رابعاً: أنه تشويش لهذا الجيل الذي يثق في هؤلاء الدعاة من الطلبة، سواء كانوا في الابتدائية أو في الثانوية أو في الجامعات، سواء كانوا من العامة أم من العلماء؛ لأن هذه البلاد وغيرها من بلاد الإسلام لا تصلح إلا بالعلماء، ولا يستقيم أمرها إلا بالدعاة؛ لأن هذا العلم سند محفوظ، يرويه فلان عن فلان، عن البخاري عن ابن المديني عن الثوري عن علقمة عن ابن مسعود عن الرسول ﵊ عن جبريل عن رب العالمين. وهؤلاء حملة وأمناء، وقد روي عنه ﵊ عند الخطيب البغدادي وعند ابن عدي قوله: ﴿يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف المبطلين وتأويل الجاهلين﴾ أو كما قال ﵊. قال سماحته: أولاً: أنه تعد على حقوق الناس من المسلمين، وقد سمعنا من وصم الدعاة أنهم لا يفهمون الدين، وأنهم شددوا الدين على الناس، وحرموا ما أحل الله لهم، وهل هذا يعقل ممن يدرس الشريعة صباح مساء، ويدرس قضاة المسلمين وكتاب العدل، ويلتقي بالدعاة والعلماء، ويأخذ علمه من علماء أجلاء من المدرسة السلفية الرائدة المحفوظة عن معلم الخير ﵊. كيف نحرم ما أحل الله للعباد، والله يقول: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل:١١٦]؟! فلمْ يحرمْ الدعاة -والحمد لله- حلالاً، ولم يحللوا حراماً، بل كانوا وقافين عند النصوص، حذرين من مخالفة الله ورسوله ﵊. قال: أنه تعد على حقوق الناس من المسلمين، بل من خاصة الناس من طلبة العالم والدعاة الذين بذلوا وسعهم في توعية الناس وإرشادهم وتصحيح عقائدهم ومناهجهم، واجتهدوا في تنظيم الدروس والمحاضرات وتأليف الكتب النافعة. إن أقل ما يجب للدعاة على الناس أن يكفوا ألسنتهم عنهم، إن لم يشارك المسلم إخوانه من الدعاة بالحضور، وبالمساعدة في نشر الشريط الإسلامي، وبالدعم المالي للكتب، ولتوزيع الأشرطة، وبالدعاء بظهر الغيب وفي السحر وأدبار الصلوات، فنسأله بالله أن يكف لسانه، وأن يحفظ عليه هذا الصارم الذي بين فكيه، وأن يعلم أن الله سوف يحاسبه على ما اقترف لسانه، فإن الله لا تخفى عليه خافية. وإن لم يستطع أن يدافع عن إخوانه الدعاة، فعليه أن يكف سلاحه، وأن يحفظ لسانه، وأن يقف عند حده.

стр. 9395

تفريق وحدة المسلمين قال سماحته: ثانياً: أنه تفريق لوحدة المسلمين، وتمزيق لصفهم. ونحن -أيها الإخوة- عالمنا، ومسئولنا، وداعيتنا، وطالب العلم فينا، وجندينا، وتاجرنا، وفلاحنا، كلنا أسرة واحدة وجمعية كبرى في العالم الإسلامي، نحمل لافتة لا إله إلا الله محمد رسول الله، نستقبل القبلة كل يوم خمس مرات، نقدم دماءنا رخيصة ليرتفع هذا الدين. فقضية تفريق الأمة، وتشتيت كيانها، وإحداث الفرقة من فعل أهل البدع أعاذنا الله وإياكم منهم! قال سماحته: وهم أحوج ما يكونون إلى الوحدة، والبعد عن الشتات والفرقة، وكثرة القيل والقال فيما بينهم. وقد قال ﵊: ﴿من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه﴾ وقال له أحد الصحابة فيما يرويه مسلم في الصحيح: ﴿يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، قال: قل آمنت بالله ثم استقم. قال: ماذا تخشى عليّ؟ قال: كف عليك هذا، وأخذ بلسانه ﵊﴾ وقال ﵊ لـ عقبة بن عامر لما سأله: ﴿ما النجاة؟ قال: كف عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك﴾. قال سماحته: خاصة وأن الدعاة الذين نيل منهم هم من أهل السنة والجماعة. سبحان الله! أترون أمامكم رافضة أو خوارج؟ أو نحمل معتقداً غير معتقد أهل السنة والجماعة؟ أما يدرس الدعاة صباح مساء العقيدة الطحاوية؟ أما درسوا كتاب التوحيد؟ أما يعلمون الجيل كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وشيخ الإسلام ابن القيم وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب؟ من أين تأتينا الأفكار الدخيلة، ونحن بحمد الله ندرس صباح مساء عقيدة أهل السنة والجماعة؟! فلماذا هتك الأعراض؟ ولماذا التنديد والتشهير؟ حتى إن المفاجئة الكبرى -يا عباد الله- أن بعض الناس لا يعرف مبادئ الدين أو الأولويات من الدين، وينال من الدعاة ويصفهم بالجهل وعدم معرفة السنة! قال: وهؤلاء الدعاة هم من أهل السنة والجماعة. وأهل السنة والجماعة -والحمد الله- خطهم مرسوم، ومنهجهم معلوم واضحٌ، تركهم ﵊ على المحجة البيضاء، فما استوردوا أفكارهم من باريس وموسكو، وما دخلوا في صفه العملاء والمغرضين والمنافقين، وإنما هو الوضوح والمبادئ التي تعلن على المنبر في كل جمعة. قال سماحته: وهم من المعروفين بمحاربة البدع والخرافات والوقوف في وجه الدعاة إليها، وكشف خططهم وألاعيبهم. إذا اختفى الدعاة من الساحة من يحل محلهم؟ دعاة العلمنة والإلحاد والشهوات؟! ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء:٢٧] والسحرة والكهنة والمشعوذون والمروجون للجريمة. يوم يختفي الدعاة وينسحبون أو تبطل عدالتهم أو لا يوثق في دعوتهم، حينها يحل كل عميل محلهم، ثم تذهب البلاد الإسلامية شذر مذر.

стр. 9396

من هم أصحاب المصلحة من تشويه الدعاة قال سماحته: ولا نرى مصلحة في مثل هذا العمل إلا للأعداء المتربصين، من أهل الكفر والنفاق، أو من أهل البدع والضلال، وكم من متمن يعض أنامله غيظاً على بلاد الإسلام والمسلمين وعلى الكعبة والمصحف. لقد وقف -يا عباد الله- بعض رؤساء الجريمة في العالم يأخذ المصحف ويدوسه تحت قدمه، ويقول: بقي عند المسلمين اثنتان: المصحف والكعبة، ولا انتصار على هذا العالم إلا بتمزيق هذا الكتاب وهدم الكعبة. عن طريق ماذا؟ عن طريق إبطال دعوة الدعاة؛ لأن الله جعلهم نوراً، والرسول ﷺ عدلهم، وهم خلفاؤه ﵊ في الأمة. قال سماحته: ثالثاً: أن هذا العمل فيه مظاهرة ومعاونة للمغرضين من العلمانيين والمستغربين وغيرهم من الملاحدة الذين اشتُهر عنهم الوقيعة في الدعاة، والكذب عليهم، والتحريض ضدهم فيما كتبوه وسجلوه. فكل مسلم ينال من داعية سواء الذي سجل شريطاً أو وزع كتاباً أو نشر منشوراً ضد الدعاة، فهو متعاون مع العلماني الذي يرى أن الإسلام لا يستطيع أن يحكم العالم، مع العلماني الذي يرى أن الإسلام أن تصلي وتصوم فقط، لكن ألا يتدخل الإسلام في حياة الناس، مع العلماني الذي يريد الدنيا بلا دين، فأنت يا أيها البعيد بفعلك هذا كأنك -في كلام سماحته- تناصره، وتشد من أزره، وتقويه على ما يفعل؛ لأنه يريد أن يخترم هذا الميدان. ودعاة العلمنة -صراحة- لم يستطيعوا بحمد الله أن يؤثروا في هذا الكيان، دخلوا بترويجات فما ذهبت على الأمة، ومطالب فما استطيعت، أرادوا إبطال قناعة الناس في الدعاة والعلماء فما استطاعوا، فأخذوا ينفثون السموم، وينشرون الأشرطة والكتيبات نشراً عجيباً بمئات الألوف من النسخ لإبطال عدالة الدعاة. وكما تفضل سماحته أن هذا أعظم انتصار للعلمانيين، يوم يجدون بعض المبتدئين في طلب العلم، أو عامة المسلمين ينالون من الدعاة، ويصفونهم بعدم الفهم والعنف والتطرف. قال: وليس من حق الأخوة الإسلامية أن يعين هؤلاء المتعجلون أعداءهم على إخوانهم من طلبة العلم والدعاة وغيرهم. إن رميت رميت بسهمي، وإن ضربت ضربت جسمي. فإما أن تكون أخي بصدق فأعرف منك غثي من سميني وإلا فاطرحني واتخذني عدواً أتقيك وتتقيني فإني لو تخالفني شمالي ببغض ما وصلت بها يميني إذاً لقطعتها ولقلت بيني كذلك أجتوي من يجتويني ولقد أثبتت الأحداث -أيها المسلمون- التي مرت بها الأمة الإسلامية عموماً والبلاد خصوصاً أن الدعاة هم بإذن الله صمام الأمان للأمة، وأنتم تعرفون ماذا أراد حزب البعث الكافر المجرم بالبلاد أو بالعالم الإسلامي، فما كان من الدعاة إلا أن امتطوا صهوات المنابر منددين بهذا النظام وعروه وفضحوه، بل يعلم الله الذي لا إله إلا هو قبل موعد المواجهة مع هذا الحزب الكافر، لقد كان كثير من الدعاة على مشارف حدود البلاد والمقدسات في طوابير الجيش يلقون عليهم الخطب، ويقرءون عليهم سورة الأنفال، ويوجهونهم بالصبر والثبات؛ حتى يحطموا هذا الحزب الكافر العلماني. وهذا الذي يشهد عليه الله، فلم يكونوا متحزبين مع هذه الأحزاب الباطلة العلمانية الكافرة، بل كانوا ضدها، وحرباً في وجهها منددين ومشهرين بها، يدلون الأمة على ما ينجيهم في الدنيا والآخرة.

стр. 9397

إفساد قلوب العامة والخاصة قال سماحته: رابعاً: إن في ذلك إفساداً لقلوب العامة والخاصة. فيوم يفسد قلوب العامة على العلماء وطلبة العلم حينها لا يقبلون منهم خطبة ولا نصيحة؛ حتى أني سمعت أن بعض الناس أهدى إليه شريط بعض الدعاة، فقال: لا أريد أن أسمع لهؤلاء، لمن يسمع إذاً؟! ما هو البديل؟! يسمع للخرافيين، وأهل البدع، ومرتزقة الأفكار، ومن باع دينه في سوق الرخص؟! يقول: لا أريد أن أسمع لهؤلاء، ويقول أحدهم: لا تحضر دروس هؤلاء؛ فهم يفهمون الدين بالمقلوب! سبحان الله! ومن الذي يفهم الدين إن لم يفهمه الدعاة والأخيار والأبرار من طلبة العلم. قال: ونشراً وترويجاً للأكاذيب والإشاعات الباطلة، وسبباً في كثرة الغيبة والنميمة، وفتح أبواب الشر على مصاريعها لضعاف النفوس، الذين يدأبون على بث الشبه وإثارة الفتن، ويحرصون على إيذاء المؤمنين بغير ما اكتسبوا. وهذه مهنة بعض الناس، يقول عنهم : ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة:١٤] إذا لقيك ضحك لك، وهش وبش واحترمك، وبارك علمك وجهدك، ولكن إذا خلا رتع: رب من أنضجت غيظاً صدره قد تمنى لي شراً لم يطع ويراني كالشجى في حلقه عسراً مخرج ما ينتزع مزبدٌ يخطر مالم يرني فإذا أسمعته صوتي أنقمع وهذه الأبيات لـ أبي سويد الكاهلي، وهي من أجمل ما قيل. قال : ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤] يقولون لبعضهم: لنعط هؤلاء ما يصلح لهم من الكلمات، قال : ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:١٥ - ١٦].

стр. 9398

حرص الدعاة على مصلحة المسلمين قال سماحته: خامساً: أن كثيراً من الكلام الذي قيل لا حقيقة له. وسوف نلقى الله إن شاء الله ولم نكفر مسلماً، ولم نحرم حلالاً، ولم نحل حراماً، ونلقى الله بإذن الله وبتثبيته ولم نبتدع في الدين، فأسأل الله أن يثبتنا وإياكم تثبيتاً حتى نلقاه، ونموت على هذه السنة، وعلى هذا المعتقد معتقد أهل السنة والجماعة. أيضاً نسبوا إلى الدعاة أنهم يشهرون بالأسماء، وأنا لا أعلم إنساناً جرح باسمه، بل والله إن الدعاة يحرصون على حماية أعراض المسلمين، ووالله الذي لا إله إلا هو لا أعلم من إخواني الدعاة ولا من نفسي إلا أني أريد من الله ألا يعذب مسلماً، وأن يتوب الله على من عصاه ولو بالوقوع في أعراضنا وفي إيذائنا، أسأل الله أن يهديهم وأن يردهم رداً جميلاً، وأن يصلح ظاهرهم وباطنهم، وأن يتوب علينا وعليهم؛ لأن الله يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢] ويقول : ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] والله يقول: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]. فالواجب على المسلم ألا يحمل غلاً إلا على رجل يرى أنه يمتهن الدعاة أو يؤذي العلماء أو يتسبب في محاربة الدين والعلم والدعوة، فعلى المسلم أن ينتصر للدين والعلم والدعوة ولا ينتصر لنفسه. قال -حفظه الله للإسلام والمسلمين-خامساً: أن كثيراً من الكلام الذي قيل لا حقيقة له، وإنما هو من التوهمات التي زينها الشيطان لأصحابها وأغراهم بها، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [الحجرات:١٢] والمؤمن ينبغي أن يحمل كلام أخيه المسلم على أحسن المحامل. ولو وجد خطأ في شريط لمسلم فعليك أن تلتمس له تبريراً، فإما أنه وهم، أو أتته معلومات مغلوطة، أو أنه أراد شيئاً صالحاً طيباً ففهم على غير وجهه، فعليك أن تحمله على أحسن المحامل. قال: وقد قال بعض السلف: لا تظن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً، وأنت تجد لها في الخير محملاً.

стр. 9399

إذا اختلف أهل العلم فلهم أعذارهم ثم قال حفظه الله: سادساً: وما وجد من اجتهاد لبعض العلماء وطلبة العلم فيما يكون فيه اجتهاد؛ فإن صاحبه لا يؤاخذ به، ولا يثرب عليه إذا كان أهلاً للاجتهاد. فالعلماء يختلفون، والمسائل الفرعية ميدان الاختلاف بين أهل العلم، ولأهل العلم أعذارٌ في اختلافاتهم، ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: رفع الملام عن الأئمة الأعلام، فإذا خالفتني في مسألة فرعية أو خالفتك فلا ينبغي لك أن تشنع بي أو أشنع بك، أو تشهر بي أو أشهر بك، أو تغضب علي أو تهجرني، فإن الرسول ﵊ قد اختلف أصحابه في عهده في مسألة فرعية، وذلك حين أمرهم كما في الصحيح ألا يصلوا صلاة العصر إلا في بني قريظة، فبعض الصحابة فهم منه ﵊ العجلة، قالوا: إنما يقصد من الكلام ومن ظاهره أن نستعجل، فصلوا في الطريق، وبعض الصحابة فهموا منه أنه ينص على ألا يصلوا إلا في بني قريظة، فأجلوا الصلاة إلى أن وصلوا بني قريظة، فصوب الجميع ﵊، ودعا للجميع، ولم يغضب على أحد منهم، وقد قال ﷺ فيما صح عنه: ﴿إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد﴾ فما عليك من أمة مرحومة مجتهدهم له أجران، ومخطئهم في الاجتهاد له أجرٌ واحد، فادع لمخطئهم في الاجتهاد، ولمصيبهم في الأمور التي يسوغ فيها الاجتهاد.

стр. 9400

المجادلة بالتي هي أحسن قال: فإذا خالفه غيره في ذلك؛ كان الأجدر أن يجادله بالتي هي أحسن حرصاً على الوصول للحق من أقرب الطرق، ودفعاً لوساوس الشيطان وتحريشه بين المؤمنين. وأنا من هذا المنبر الشريف يا معاشر المسلمين! يا أيها الإخوة الكبار والصغار! من طلبة العلم والمسئولين والعامة، من سمع كلاماً مشتبهاً فيه لداعية -وأنا منهم- فليأتنا فإننا نرحب به، وليوجهنا وينصحنا، ويستفسر عن هذه الكلمة، وماذا نريد بها قبل أن يصدر أحكاماً، ولا أعلم داعية إلا وهو يفتح صدره وبابه، ويرحب بالتساؤلات، ويعتبر أننا أسرة واحدة تريد الله والدار الآخرة. ثم قال: فعليه أن يجادله بالتي هي أحسن حرصاً على الوصول للحق من أقرب طريق، ودفعاً لوساوس الشيطان، وتحريشه بين المؤمنين، فإن لم يتيسر ذلك، ورأى أحدٌ أنه لابد من بيان المخالفة فيقول ذلك في أحسن عبارة وألطف إشارة. فلا مانع أن توجه لي الأخطاء، أو تكتب أخطائي؛ لكن لا تحمل كلامي أكثر مما يتحمل، أو تتعرض لنيتي أو معتقدي أو تشهر بي في شيء ليس عليه دليل ولا برهان، فهذا معنى كلام الشيخ.

стр. 9401

من آداب الخلاف والنصيحة قال: ودون تهجم أو تجريح أو شطط في القول، قد يدعو إلى رد الحق أو الإعراض عنه، ودون تعرض للأشخاص أو اتهام للنيات أو زيادة في الكلام لا مسوغ لها. فإن الدعاة مثلاً قد ينصحون أحياناً، فيتهمون في نياتهم ومقاصدهم، وقد يقول أحدهم كلمة عن جهة من الجهات أو مؤسسة، فيتهم أنه يريد العداء والتشهير والتجريح والانتقام، والله أعلم بالنيات. قال: وقد كان الرسول ﷺ يقول في مثل هذه الأمور: ما بال أقوام قالوا: كذا وكذا. فالذي أنصح به هؤلاء الإخوة الذين وقعوا في أعراض الدعاة فالشيخ ينصح الذين وقعوا في أعراض الدعاة، وقد نشرت وكالات الأنباء والصحف هذا الخطاب كما تعرفون، والحقيقة أن كثيراً من الناس سمعوا الخطاب سماعاً عاماً، أو سمعوا لفتات منه ولقطات، فأصبح بعضهم في أمر مريج، حتى سمعت بعضهم يقول: سماحة الشيخ رد على الدعاة، وبعضهم يقول: الشيخ يحذر من بعض الدعاة، وبعضهم يقول: الشيخ أوقف الدعاة عند حدهم إلى غير ذلك الكلام. والواجب على المسلم أن يكون صاحب بصيرة، وأن يدري ما سبب الخطاب، والله الذي لا إله إلا هو -وهذا الشريط يسجل، والشيخ حي يرزق في الثالثة والثمانين من عمره، والهاتف موجود- ما سبب هذه النشرة إلا ذهابي أنا وزملائي من الإخوة إليه، وشكوانا ما حدث وما صار. فقد كتب رسالة خاصة ورسالة عامة، ووعدنا بهذا وقال: تسمعونها إن شاء الله، وسوف أرسلها لوكالة الأنباء، ثم أرسل سماحته بالفاكس من يوم الثلاثاء والأربعاء إلى بيت كل داعية، وطلب أن تقرأ في المحاضرات والخطب، ومن هذا المكان أطلب من خطباء كل مسجد جامع في الجنوب أن يقرأ هذا الخطاب؛ لأنه -والحمد لله- الوسطى عندها خطباؤها وعلماؤها، والقصيم والشرقية والشمالية والغربية، ولكن في الجنوب واجب على كل خطيب أن يأخذ هذا الخطاب، وأنا سوف أجعله عند أحد الإخوة، ويصور منه إن شاء الله آلاف النسخ، وتجدونها عند مؤذن أو إمام المسجد غداً بإذن الله في صلاة المغرب ليأخذ كل خطيب نسخته، فأسأل الخطباء بالله أن يقرءوه على المنابر، وأن يوضحوه للناس؛ حتى نكون ممن يتعاونون على البر والتقوى.

стр. 9402

بعض النصائح للذين وقعوا في أعراض الدعاة قال: فالذي أنصح به هؤلاء الإخوة الذين وقعوا في أعراض الدعاة، ونالوا منهم أن يتوبوا إلى الله تعالى مما كتبته أيديهم، أو تلفظت به ألسنتهم، مما كان سبباً في إفساد قلوب بعض الشباب، وشحنهم بالأحقاد والضغائن، وشغلهم عن طلب العلم النافع. حتى وصل الأمر -والعياذ بالله- ببعض الشباب أن تركوا حضور المحاضرات، وبعض المبتدئين والمقصرين من أمثالنا قالوا: مادام الدعاة هكذا، فلا نحضر محاضراتهم ولا دروسهم، ولا نسمع أشرطتهم. سبحان الله! هكذا أوحى إليهم الشيطان، بسبب ما نقل من بعض الأشرطة والكتيبات التي لا تخفى عليكم. قال: أو تلفظت به ألسنتهم مما كان سبباً في إفساد قلوب بعض الشباب، وشحنهم بالأحقاد والضغائن، وشغلهم عن طلب العلم النافع، وعن الدعوة إلى الله بالقيل والقال، والكلام عن فلان وفلان، والبحث عما يعتبرونه أخطاء للآخرين، وتصيدها وتكلف ذلك! والعجيب أن بعض الناس لا يستمع الحكمة، ولا يستفيد من الفائدة، ولا يعجبه إلا عثرة الدعاة؛ حتى كما قال عامر الشعبي: والله لو أصبت تسعاً وتسعين إصابة، ثم أخطأت خطأ واحداً، لعدوا عليّ ذاك الخطأ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما نقله الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في كتاب المأمول: بعض الناس كالذباب لا يقع إلا على الجرح. آلاف الأشرطة الآن في الأسواق كلها حكمة وآيات وأحاديث وقصص ونفع وفائدة، فتجد المغرض يتركها جميعاً ويذهب إلى شريط سقط فيه الداعية سقطة أو عثر عثرة، أو أخطأ خطأً، ثم يأتي يقول: هو الذي ذكر في الشريط كذا وكذا، اسمعوا لشريطه. سبحان الله! أين العدل والإنصاف؟! أين الرؤية الموضوعية؟ أين ما طلبه الله منهم أن يكونوا شهداء لله ولو على أنفسهم؟ والله يقول: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]. ثم قال سماحته: كما أنصحهم أن يكفروا عما فعلوا بكتابة أو غيرها، مما يبرئون به أنفسهم من مثل هذا الفعل، ويزيلون ما علق بأذهان من يستمع إليهم من قولهم. وأنا أطالب كما طالب سماحته من قال كلمة في داعية أن يكفر بكلمة مثلها في المجلس، إن انتهك عرضه أو دعوته أو منهجه، أو أسلوبه، أو مزاجه، أن يقوم فيذب عنه، أو يثني عليه، أو يتحدث عن خصال الخير في العلماء والدعاة ليمحو الله السيئة بالحسنة. إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، والله يقول : ﴿وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد:٢٢] ويقول : ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] وذكر المربي العالم الغزالي في إحياء علوم الدين: أن السيئة تكفر بجنسها، فمثلاً من استهان بالمصحف في أيام ضلال وقد تاب؛ فعليه أن يكرم المصحف، ومن كان يسمع الغناء مثلاً في جاهليته؛ فعليه أن يسمع قول الحق والسماع الشرعي في كتاب الله ، ومن كان يعلق على الدعاة ويستهين بهم وبالعلماء فعليه أن يذب عنهم، وأن يثني عليهم وينشر فضائلهم، ويتقي الله فيهم. قال سماحته: ويزيلون ما علق بأذهان من يستمع إليهم من حولهم، وأن يقبل هؤلاء على الأعمال المثمرة التي تقرب إلى الله ، وتكون نافعة للعباد. لماذا لا يشتغل هؤلاء بالحق، أو بتربية أنفسهم، أو بالنفع؟ وإذا لم يفعل أحد فليكف لسانه، كف عليك لسانك، أو الزم بيتك، ولا تؤذ مسلماً ﴿المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس﴾. قال: وأن يحذروا من التعجل في إطلاق التكفير. وهنا وقفة، حول إطلاق التكفير، في الأسواق كتاب لمفتي عمان، اسمه الخليلي، وهو مازال حياً، والحقيقة أن هذا الكتاب مخالف لـ أهل السنة والجماعة، ويكفر أهل الكبائر؛ كشارب الخمر وكذلك الزاني والسارق، وهذا خلاف منهج أهل السنة والجماعة الذي ندين الله به، فلله الحمد على أن عصمنا من تكفير المسلمين، يشرب شارب الخمر في عهد رسول الله ﷺ أكثر من مرة، ثم يقول ﷺ : ﴿لا تسبوه، فو الذي نفسي بيده! إنه يحب الله ورسوله﴾. ولا يعني كلامي أني أجرئ الناس على المعاصي حاشا وكلا! ولكن ليكن عندنا ضابط، فإن عندنا ثلاث دوائر في الإسلام: دائرة الإيمان، ودائرة الإسلام، ودائرة الكفر، فدائرة الإيمان يدخلها الذي لا يرتكب الكبيرة عند بعض أهل العلم، ودائرة الإسلام يدخلها من يرتكب الكبائر ولكن لم يستحلها، ومازال مسلماً يقوم بالفرائض، ودائرة الكفر يدخلها من أتى بمكفر أو استحل كبيرة من الكبائر. وأيضاً هناك عصيان وفسوق وكفر، قال تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات:٧] فالكفر هو ما يخرج من الملة، ويُستحل دم من ارتكبه، والفسوق هو ارتكاب كبيرة كالزنا وشرب الخمر ممن يصلي ويعلم أن الزنا وشرب الخمر حرام؛ ومرتكب الكبيرة ليس بكامل الإيمان، وليس كالصالحين من عباد الله، ونشهد أنه فاسق، ولكن ليس بكافر؛ فلا نستحل دمه بل نقيم عليه الحد، وأما المؤمن فهو من يترك الكبائر ويداوم على الفرائض، وقد يأتي الصغائر، ولكن يتوب منها ولا يصر عليها. هذه يا عباد الله معالم لابد أن يعلمها العبد، ولابد أن يتكلم عن بصيرة ودراية ويسأل أهل العلم.

стр. 9403

وجوب التثبت والتريث قبل التكفير أو التفسيق قال: وأن يحذروا من التعجل في إطلاق التكفير أو التفسيق أو التبديع لغيرهم بغير بينة ولا برهان، وقد طالبنا ﵊ بالتثبت والتبين، ويروى عنه: أنه نظر إلى الشمس فقال لأحد أصحابه: ﴿على مثلها فاشهد﴾ يروي هذا الحديث ابن أبي خيثمة ولو أن في سنده نظراً كما ذكره الحافظ في بلوغ المرام، لكن أدلة القرآن تشهد له، فقوله : ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦] وكقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] وكقوله : ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] وكقوله : ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١] وقال جل اسمه: ﴿لا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦]. فالواجب على الإنسان أن يتثبت ولا يتعجل، وأنا أطالبكم بالحوار المفتوح، من كانت في ذهنه شبهة عن الدعاة، أو بلغه كلام، أو سمع كلاماً في شريط لم يفهمه، أو قرأ مقالة أو كتيباً؛ فليأتِ سواء في البيت أو المسجد أو في الكلية، أو يصل إلى أي شيخ في مكانه، أو يصل إلى الدعاة أو القضاة أو العلماء، ويتبين مما قيل؛ حتى يكون على بصيرة قبل أن يتهجم بأحكام يسأله الله عنها. قال: وقد قال النبي ﷺ : ﴿من قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما﴾ متفق على صحته. يقول سماحته: ومن المشروع لدعاة الحق وطلبة العلم إذا أشكل عليهم أمر من كلام أهل العلم أن يرجعوا فيه إلى العلماء المعتبرين ويسألوهم عنه، يقول عن المنافقين: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء:٨٣] المنافق يحب الشائعات، ويحب أن يشهر بالصالحين، ويستوشي الأخبار ويشعلها ويوقدها في المجالس وقد قال ﷺ : ﴿كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع﴾ رواه مسلم. قال : ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] فأنت إذا سمعت شائعة أو خبراً فعد إلى العلماء، واسأل طلبة العلم والدعاة حتى تكون على بصيرة. قال: ويسألوهم عنه ليبينوا لهم جلية الأمر، ويوقفوهم على حقيقته، ويزيلوا ما في أنفسهم من التردد والشبه، عملاً بقول الله في سورة النساء: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:٨٣] قال عمر ﵁ وأرضاه: [[أنا من الذين يستنبطونه]] أي: يعيدون إليه؛ حتى يبين لهم الأمر. قال سماحته: والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين جميعاً، وأن يجمع قلوبهم وأعمالهم على التقوى، وأن يوفق جميع علماء المسلمين ودعاة الحق لكل ما يرضيه، وأن ينفع عباده، ويجمع كلمتهم على الهدى ويعيذهم من أسباب الفرقة والاختلاف، وأن ينصر بهم الحق، وأن يخذل بهم الباطل، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين. عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد وهذا الخطاب -كما ترونه- قد انتهى، أثاب الله سماحته خير ما جزى عالم أمة عن أمته، وأسأل الله أن يبارك في عمره، وأن يجمعنا به في دار الكرامة، وأن يحفظه جزاء ما دافع عن الدعاة، وما وقف في صفهم، وما حمى الله به سنة محمد ﷺ . وهذا الخطاب سوف أسلمه إلى مؤذن المسجد، وغداً في صلاة المغرب تجدونه هنا؛ ليأخذه الخطباء وأئمة المساجد، وطلبة العلم، والدعاة في المدارس والثانويات والجامعات؛ حتى ينتشر بإذن الله، وهو -كما ترون- محفوظ ومكتوب بخط واضح، فأسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية. أيها الإخوة الكرام: كل ما في هذا الدرس -إن شاء الله- أشبه شيء بالرسائل العامة، والبيانات التي تهم الناس جميعاً، ومن حقنا جميعاً أن نكون جبهة واحدة ضد المبطلين والمحرفين والمخذلين والمرجفين والكفرة والملاحدة شرقاً وغرباً، فالإسلام مستهدف من أعدائه من الشرق والغرب، ومن الزنادقة، والذين يريدون أن يوقعوا الأمة في حمأة الرذيلة، فالواجب علينا أن نتناصح، وأن تكون كلمتنا واحدة، ونتواصى بالحق والصبر، كما وصف الله عباده بذلك، ومن رأى منا خطأً في أخيه فلينصحه، فإن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ﵁ يقول: [[المؤمنون نصحة، والمنافقون غششة]].

стр. 9404

حكم من أتى الكهنة والسحرة والمشعوذين وهذه رسالة هامة وستجدونها بعد الصلاة خارج المسجد؛ ينبغي أن تُقرأ في القرى والبوادي، وأسأل الله أن ينفع بها، وفيها حكم من أتى الكهنة والسحرة والمشعوذين، وهذا نصها: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد: فقد انتشر في كثير من النواحي صورٌ للشرك والسحر والشعوذة والكهانة، وهو أمر خطير، وفساد كبير؛ يوجب غضب الرب ﵎، ويهدم الملة، ويحارب التوحيد، وقد قال عز من قائل: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦] وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ﴾ وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿من أتى عرافاً، فسأله عن شيء؛ لم تقبل له صلاة أربعين يوماً﴾. أيها الناس: وقد وجد في بعض المناطق قومٌ يدعون علم الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله، فيخبرون المريض بمرضه قبل أن يخبرهم، ويذكرون له اسمه، وأسماء أقاربه قبل أن يعلمهم بذلك، وهؤلاء يستخدمون الجن في الأخبار، ويذهب إليهم كثير من المرضى، ومن به مس من الجن، أو من به عقم، أو من منع عن زوجته، فيطلبون منهم الدواء، فإن صدقوهم بما يقولون؛ كفروا، وإن لم يصدقوهم وإنما جاءوهم فحسب؛ لم يقبل الله لأحدهم صلاة أربعين يوماً. وهؤلاء الكهنة وأمثالهم يكتبون كلاماً لا يفهم، ويدخلون بيوتاً خالية، ويتمتمون بكلام لا يعرف، ليس من القرآن ولا من السنة، وربما ابتدعوا حروفاً لا تقرأ، أو وصفوا للذي يأتيهم أوصافاً لا دخل لها في الطب، ولا دخل لها في العلم، كأن يصفوا له بعض الأدوية المحرمة من استخدام بعض النجاسات، أو ترك بعض الصلوات، أو يصفون له بعض الأكلات التي لا يعلم أهل الطب بأن لها دخلاً في طبه. فالواجب على المسلمين الإنكار على هؤلاء، وعدم الائتمام بهم في الصلاة، وهجرهم، ورفع أمرهم إلى من يأخذ على أيديهم. أما الرقية الشرعية بالقرآن الكريم والأحاديث الصحيحة الثابتة عن الرسول ﷺ ، فهذا أمر مشروع، ومما أثبته أهل السنة أن الجان قد يتلبس بالإنسان، ولا يخرجه إلا كتاب الله والأحاديث؛ من الأدعية الثابتة عن الرسول ﵊، وهذا أمر مشروع يؤجر من يرقي الناس به، ولعل الله أن يوفق الأئمة والخطباء لإلقاء دروس في التوحيد، والنهي عن الشرك، من مثل كتاب التوحيد وشرحه فتح المجيد ونحو ذلك، والله أعلم.

стр. 9405

بيان عن توحيد الألوهية وأيضاً هنا بيان للناس، وهي سلسلة سوف تصدر إن شاء الله في وريقات، عل الخطباء أن يقرءوها، أو يستفيدوا من الكتب التي استفدت منها. وهذا خطاب بعنوان: هذا بيان للناس، غالبه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب توحيد الألوهية، وهو الجزء الأول من الفتاوى، ولكن لما رأيت من عظم كلامه، ولما جعل الله له من نفع، ولحاجتنا في هذه المرحلة وبعدها إلى هذا الكلام، ولما يوجب علينا النصح؛ أحببت أن أنقل جملاً، وأن أربط بعضها ببعض، ولو أني غيرت في بعض الأسلوب؛ لأن أسلوبه عالٍ لكثرة علمه، ولاتساع بحره، ولجلالته، فأحببت أن أذكر جملاً بأسلوب مفهم ومبسط عل الله أن ينفع به. بعد الحمد لله والصلاة والسلام على الرسول ﵊. اعلموا أيها المسلمون أن من أعظم ما يجب على المسلم أن يعلم أنه لا إله إلا الله ، وهذه كلمة عظيمة طالما رددها ابن تيمية في الفتاوى، كلما مضى قليلاً عاد، فقال: فليعلم المسلم أنه لا إله إلا الله، ولا يستحق العبادة إلا هو ، وهو الذي خلق ورزق، وأعطى ومنع. اسمع الكلمات، والعقيدة الحارة، والتوحيد الخالص؛ الذي جعل هذا الإمام العظيم صانع الأحداث، وجعله يقف أمام الخرافات والبدع والإلحاد والزندقة، وقد باع روحه من الله، اسمع إلى هذه الكلمات المتدفقة من نور الله ، ونور رسوله ﷺ . قال: ورفع ووضع، وبسط وقضى، أرزاق الكائنات في خزائنه قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦]. وهذه الآية تعلمك من الخالق والرازق والذي يعطي ويمنع. قال: وآجال النفوس عنده، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾ [آل عمران:١٤٥] يغير ولا يتغير، ويبدل ولا يتبدل، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، لا يجبره أحدٌ على فعل أمر، قال عن نفسه : ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١] يزيل الملوك ولا يزول، ويحيل الدول ولا يحول: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦]. وهو الممدوح بكل لسان، المعروف بالإحسان، المدح في حقه حق وعبادة، وفي غيره مذموم ممن أراده، مدح نفسه قبل أن يمدحه المادحون، ونزه نفسه قبل أن ينزهه المنزهون: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات:١٨٠]. وقفة: أنا أعلم أن كثيراً منكم يقول: هذا كلام نسمعه صباح مساء ليس فيه جديد، وأقول: بل كله جديد على الأذهان التي لم تعمل به، أو التي لم تعتقده، أو لم تعش به في دنيا الواقع. قال: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] لا يموت ولا تبليه الوقوت: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨] ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] هو اليوم كما كان قبل أن يخلق اليوم، من أطاعه أحبه وقربه، ومن حاربه قصمه وأدبه، وهو صمد تصمد إليه الكائنات، لا إله إلا هو، الحيتان في متاهات البحار تسأله طعامها، والديدان في طبقات الطين تطلبه قوامها، والطيور في الأوكار تشدو بذكره، والبهائم في القفار تلهج بشكره: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل:٥٣]. فيا أيها المخلوق الهزيل والعبد الذليل! ويا أيها الفقير الحقير والكائن الصغير! تعلق بحباله فإنك غريب، ولا تقصد غيره فتهوي في مكان سحيق، فلا ينصرك ناصر، ولا يشفع لك شافع، ولن تجد من دونه ملتحداً. في الأثر -الذي ذكره ابن كثير في التفسير - أن الله يقول: وعزتي وجلالي ما اعتصم بي مخلوق دون غيري فكادت له السماوات والأرض إلا جعلت له فرجاً ومخرجا، وعزتي وجلالي ما اعتصم بغيري مخلوق إلا قطعت الحبال بيني وبينه، وزلزلت الأرض من تحت قدميه. فلا تخف غيره ولو خوفك المرجفون، فإنهم يخوفونك بالذين من دونه: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد:٣٣] ولا تعبد غيره؛ فإن الله حرم الجنة على من عبد غيره، فلا يملك الضر والنفع، ولا الحياة ولا الموت ولا النشور إلا هو، أما العباد أصلاً فلا يستطيعون جلب نفع أو دفع ضر عن أنفسهم فكيف بغيرهم، وقد قال لأشرف خلقه ﷺ : ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف:١٨٨]. ويقول إمام الموحدين وسيد المجاهدين ﷺ : ﴿واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء؛ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء؛ لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾. ولكن كثيراً من الناس؛ حتى ممن صلى وصام، وتهجد وقام، ينسى هذه العقيدة، فيخاف من غير الله أكثر من خوفه من الله، ويرجو غير الله أكثر من رجائه في الله، ويهاب منهم أكثر من هيبته من الأحد الصمد، فتجده يراقب الناس ويرائيهم، ويتخوف منهم، ويشتد حذره منهم، ويعتقد أنهم أهل النفع والضر والخلق والرزق، وهذا سوء تقدير وقلة تدبير، وجهل بالعلي الكبير. وتجد هذا المسكين لا يراقب الله، ولا يحذر مولاه؛ الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد، والذي حكم الكائنات بقهره، ونواصي العباد بأمره: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦]. وتجدهم لا يعبدون الله حق عبادته، ولا يتقونه حق تقاته؛ لأنهم صرفوا حقه لغيره، وما ينبغي له لسواه، فلا يأمر أحدهم بالمعروف خوفاً على نفسه، ولا ينهى عن المنكر حذراً من قطع رأسه، ولا يصدع بالحق حرصاً على الرزق، فتوحيده هزيل، وقلبه ذليل، ولو سمع قول الجليل: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة:٥٢] وقوله جل ذكره: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥] وقوله : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] وقول الخليل ﵇: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٨١]. فالواجب على من يقدر الله حق قدره أن يرهب ربه وألا يرهب الناس، فإن مولاه يقول: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠] وأن يخشى إلهه ولا يخشى الناس؛ فإن الله يقول: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة:١٥٠] ويقول عز من قائل في المنافقين الجبناء، والفجرة السفهاء: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء:١٠٨] إلى آخر الرسالة، وهي موجودة بعد الصلاة إن شاء الله بكمية طيبة خارج المسجد، لتقرأ في المساجد أو على خطباء المساجد وأئمة المساجد أيضاً، وأرجو ممن يقرؤها أن يصحح بعض الأخطاء الإملائية في الآيات والأحاديث، عل الله أن ينفع بها ، وأطلبكم الترحم على شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رحمة واسعة.

стр. 9406

أمثلة من أهل الصبر أيها الإخوة الفضلاء: يحضرنا في هذا الدرس وفي كل سبت قوم فضلاء، أنار الله بصائرهم، وابتلاهم بأخذ أبصارهم؛ ليرزقهم رضواناً عنده، قوم من معهد النور، وهم طلبة كرماء فضلاء، يقول المصطفى ﵊ في الصحيح: ﴿يقول الله : من ابتليته بحبيبتيه فصبر، عوضته عنهما الجنة﴾ يأتون وأنا أشاهدهم في أيام كثيرة بعدد طيب، يقود بعضهم بعضاً، وقد استناروا بنور الإيمان، قلوبهم نيرة: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩].

стр. 9407

عبد الله بن عباس والأعمى -صراحة- هو الأعمى عن المسجد والقرآن والسنة والمنهج الرباني والتوحيد، أما أولئك فهم مبصرون، وإمامهم وشيخهم ابن عباس أخذ الله عينيه، وسلبه بصره، ثم زاد من بصيرته، فأصبح نوره في بصيرته، قال له بعض المنافقين: لا حرج عليك من عينيك -شامتاً- فتبسم ابن عباس وقال: إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي فؤادي وقلبي منهما نور عقلي ذكي وقلبي غير ذي عوج وفي فمي صارم كالسيف مأثور

стр. 9408

شيخ الإسلام ابن تيمية وهي المثل العليا التي يعيشها هؤلاء، فإنهم يجدون فيما أعطاهم الله ومنحهم عوضاً عما سلبهم، فالواحد منهم في جنة من عيشه مع القرآن والذكر والسنة والتعليم والعبادة، والله يمنح جنته حتى في الدنيا لمن أطاعه، كما قال شيخ الإسلام ﵀: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. وقد عاش هو بإيمانه ومبادئه وعلمه، فإنه سلسل بالحديد، وأتى به السجان ليدخله، وكان هذا الجندي حريصاً على إيذاء شيخ الإسلام، فأغلق الباب بقوة، وظن أنه أغلق منافذ هذا الإمام، وأنه أبطل جهوده، وقطع صوته، ومنع تأثيره في الناس، فتبسم هذا الإمام العلم، ثم قال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] كأنه يقول: العذاب خارج السجن مع أهل الشهوات، وأهل الانحرافات، والبدع والخرافات، أما الرحمة فهنا حيث يوجد القرآن والسنة والعبادة، ثم تبسم وهز كتفيه وقال: ماذا يصنع أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري، أنَّى سرت فهي معي، أنا قتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وسجني خلوة. هذا هو شيخ الإسلام سجنه خلوة في العبادة، وقتله شهادة في سبيل الله؛ لأنه باع نفسه لله، وبعض المترجمين يقول: كان شيخ الإسلام إذا هُدِّد يتبسم على المنبر، ويقول: لترم بي المنايا حيث شاءت فإني في الشجاعة قد ربيتُ فإن الماء ماء أبي وجدي وبئري ذو حفرت وذو طويتُ يقول: السنة سنتي، والمنهج منهجي، والرأس رأسي، والجنة لي بإذن الله ثم بعملي واقتدائي بإمامي محمد ﷺ . وأنا أقصد من هذا أن أهل التعاليم الربانية ليسوا في حجب، ومن يدرس سيرة ابن تيمية في السجن يجد عجباً من الأعاجيب، ماذا فعلوا حتى يغلقوا صوته المؤثر القوي؟ منعوه من الكتب، قال: هذه مصيبة، فأخذ الفحم وكتب في الجدران معلومات قديمة، ولا تزال حية جميلة وتجدونها في الكتب، فأخذوا الفحم؛ حتى الفحم بخلوا عليه، ومنعوه قالوا: لا تكتب! تلطخ الجدران علينا! قال: الله المستعان! فأخذ يسبح ويذكر الله ؛ فاغتاظوا! كأنهم لو أرادوا منعه من النفس منعوه، فقرروا مرسوماً جديداً أن يضعوه في الزنزانة مع الخمارين والسكارى ومروجي المخدرات، وما علموا أنه سوف ينفذ فتحاً جديداً، فوضعوه بينهم، فحولهم إلى علماء ودعاة. يضعونه مع واحد وهو فاقد الشعور من شربة الخمر، فيأتي شيخ الإسلام: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١] يشرح له القرآن والسنة ويقوده إلى التوحيد، فيخرج هذا من الزنزانة بعد أن كان خماراً مكاراً سكاراً؛ إماماً عالماً خائفاً متقياً، هذه هي رسالة المؤمن دائماً يحملها معه أينما سار وأينما حل وارتحل. وسوف تسمعون في الدروس المقبلة مقولات كثيرة من كلامه، وأبسطها إن شاء الله حتى يفهمها كل الناس من المقصرين من أمثالي، عل الله أن ينصر ميراثه؛ لأنه صراحة مجدد، لم يأت أحد مثله قبله بخمسمائة سنة، ولا من تاريخه إلى الآن مثله فيما نعلم، والله قدير على أن يأتي بمثله، ولكنا نقول الحق للناس. والذي دعا إلى هذا الحديث هو ما أتحفنا به هؤلاء الإخوة حين أتوا، وغيرهم من الشباب يملكون النظر -نعمة العينين- ويملكون الصحة والقوة ولا يأتون، وهؤلاء يأتون في سيارات فيقود بعضهم بعض، وينتظرون الدرس حتى ينتهي، فأسأل الله أن يثيبهم، وأن يرد عليهم أبصارهم في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

стр. 9409

بعض التنبيهات المهمة

стр. 9410

بعض تلبيسات الصحف أيها الإخوة: بيان سماحة الشيخ وخطاب عالم الأمة الذي قرأته نشرته الصحف، ولكن بعض الصحفيين استغل بعض الجمل فيه، ولم يبين مقصود الشيخ، والشيخ يريد شيئاً، ولكنهم يأخذون بعض الفقرات ويبترونها بتراً، مثلما قيل في بعض الصحف التي تنتشر انتشاراً واسعاً: ابن باز يستنكر حملات التكفير والتفسيق والتبديع عبر الأشرطة والمنابر، والذي يفهم من الكلام يقول: إن الشيخ يندد بالدعاة؛ لأنهم يفسقون ويبدعون ويكفرون عبر المنابر، هكذا ذكر صاحب الصحيفة فليتق الله، وعلى الشاب المسلم أن يدافع عن هذا، وإذا وجد من قرأ الصحيفة فليهد له الشريط أو يعطيه بيان سماحة الشيخ نفسه، وأنا أدعوكم إلى أن تقرءوا أنتم بأنفسكم في الصحيفة لا يقرأها غيركم، أن تقرأ أنت الخطاب بنفسك، وتقف على فقراته؛ لأنه صراحة لبس، وبالأمس واليوم الاتصالات مستمرة، وفهمت أن كثيراً من الناس ما فهم الخطاب، وأنه وقع في أمر مريج، والسبب أنه سمع المذيع يذيع وهو يشتغل، أو أنه خارج المنزل، أو أن ابنه كلمه أو جاره، فبنى هو على ما قال، ولابد من التثبت. أيها الإخوة: نظراً لكثرة الحاجة من الاتصال، ولكثرة ما يدعو الاتصال من بعض المسائل أو بعض الاستفسارات التي يستطاع أن يجاب عليها، فإن لم أستطع أو يستطع إخواني من الدعاة في المنطقة؛ نرفعها إلى مثل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، رأيت أن يكون وقت الاتصال من الواحدة إلى الثانية ظهراً كل يوم عبر هاتف رقمه: (٢٢٦٢٧٧٠) ومن كان عنده سؤال فليعرضه، فإن لم أستطع له؛ رفعته إلى من هو أعلم، أو استشرت فيه علماء المنطقة ودعاتها، وفقهم الله لما يحبه ويرضاه. أيضاً أيها الإخوة: الكثير أشادوا بخطاب الشيخ وأثنوا عليه أثابهم الله، وطلبوا أن ينشر على نطاق واسع في الجامعات والمدارس، وأنا بدوري أطالبهم بأن ينشروه، ويقرءوه، وأن يحتسبوا الأجر فيه، في المجالس، وأن يوضحوا وجهات النظر التي التبست في المجتمع.

стр. 9411

منشور باطل وهنا منشور انتشر بين الناس وهو باطل لا صحة له، وكأنه صارد عن جهات مبتدعة تريد تخريب معتقد الناس، أو لها أغراض في تخريب البلاد والعباد. يقول: مرضت فتاة عمرها ثلاثة عشر عاماً مرضاً شديداً عجز الطب في علاجها، وفي ذات ليلة اشتد بها المرض فشكته وبكت وسهرت غالب الليل، فرأت في المنام السيدة زينب وأوصتها ببعض الوصايا. وهذا كذب وبهتان وافتراء، ولم يحدث من هذا شيء، فلا يلبس على المسلم دينه، وليعد إلى أهل العلم يستفتيهم وهو يعرفهم.

стр. 9412

كتاب الأسبوع والكتاب في هذا الأسبوع أيها الإخوة الفضلاء هو كتاب رياض الصالحين، وأنا أقول لكم كلمة باختصار: لم ينشر في العالم الإسلامي كتاب بعد القرآن كـ رياض الصالحين، لا في كتب الحديث ولا الفقه ولا التفسير ولا كتب التربية ولا علم النفس ولا كتب الثقافات ولا الأدب ولا السيرة، لم ينشر ولم يوجد له قبول بعد كتاب الله ككتاب رياض الصالحين، فأنا أوصي إخواني أن يكون في بيت كل واحد منكم نسخة، يقرؤها على أهله، وحبذا قبل النوم، أو بعد صلاة العشاء، أو في أي وقت مناسب، أن تجمع أهلك وأطفالك وبناتك، فتقرأ لهم حديثين أو ثلاثة كل يوم، وتشرح لهم ما يسر الله، إن هذا الكتاب هو الكتاب التربوي الذي رشح، ولا أعلم مثله كتاباً بعد كتاب الله يصلح للعلماء والعامة وطلبة العلم، وهذا يدل على صدق صاحبه ونيته واتصاله، وعلى أنه أحب الله ورسوله. وهذا الكتاب إلى الآن وصل في تاريخ توزيعه إلى الملايين المملينة، وما من دار طباعة إلا تبدأ في أول منشوراتها بـ رياض الصالحين، مما يؤخذ بالألوف المؤلفة وهو في كل بلد من بلاد الإسلام، فأسأل الله أن يغفر لصاحبه، وأن ينفعنا بـ رياض الصالحين. كتب للنووي روض بها وتروض في رياض الصالحين ولقد مدح الكتاب بأشعار ومدح صاحبه، غفر الله للجميع وألحقنا بهم في دار الكرامة.

стр. 9413

واجب البلاغ على طلاب العلم أيضاً أيها الإخوة: دعوة إلى الإخوة طلبة العلم أن يبلغوا دين الله الذي يحملونه، وقد أتت رسائل يشكو أصحابها من انتشار بعض المخالفات الشرعية وسقوط طلبة العلم في القرى والأماكن والبوادي، وأنا أقول: إن هذا ميثاق قبل أن يكلفك أحد كلف نفسك، وبلع دين الله، واحذر من الكتمان، فقد قال ﷺ : ﴿من كتم علماً ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠].

стр. 9414

الصبر على الإيذاء والحسد يشكو بعض الإخوة من الاستهزاء بهم، فنقول له: إن خطاب الشيخ الآن دفاع عنك وعن الإسلام وعن عرضك وعرض الأخيار والأبرار، فاحمد الله أن جعلك في موقف إذا نيل منك أثابك الله، ولم يجعلك أنت المستهزئ؛ بل جعلك أنت الذي يتعرض لهذا، كما تعرض له أشرف الخلق ﵊، فإنه سُخر منه، واستهزئ به، وضحك من دعوته، ونيل من عرضه، وأوذي ﵊؛ فصبر واحتسب، فاحمد الله أن يستهزأ بك، وماذا فعلت أنت؟ أطلقت لحيتك! وقصرت ثوبك! وصليت الصلوات الخمس في جماعة! وحرمت على نفسك الغناء! وحضرت الدروس! فهذه جريرتك عند الأمة؟! يقول أحد الشعراء: إذا محاسني اللاتي أدل بها كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر يقول: أخرجني من هذه الورطة، إذا كان التزامي واستقامتي على منهج الله هي أكبر ذنب لي؛ فكيف اعتذر للناس. ويقول المهدي صاحب كتاب البحر الزخار، وهو حاكم من حكام اليمن، من آل البيت، شكا له ابن الوزير ما يلقاه -هذا العالم الكبير- من الاستهزاء والسخرية، قال: وشكوت من ظلم الوشاة ولم تجد ذا سؤدد إلا أصيب بحسد لا زلت يا صدق الكرام محسداً والشانئ المسكين غير محسد ويقول آخر: إن العرانين تلقاها محسدة ولا ترى للئام الناس حسادا السقط ليس لهم حاسد، ولا وراءهم من يستهزئ بهم؛ لأنهم سقطوا أصلاً، وإنما يُحسد من نبغ أو نبل أو حرص بالدين أو حمل رسالة، أو عنده ميثاق، أو كان صاحب مبادئ، فهذا الذي يتعرض دائماً للاستهزاء فاحمد الله على ذلك، واعلم أنها في ميزان الحسنات، وتلقها بصدر رحب، فإنها مع المران سوف تكون سهلة، فسوف توجه إليك السهام ثم تسقط ولا تصيبك بإذن الله؛ لأن الله يقول: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤] يقول: هم يألمون، لكن أنتم نصيركم أعلى، وسندكم أغلى، ومنهجكم أجلى، وأنتم في ميزان الحق ثابتون. أيضاً يقول : ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠] فهم يمسهم القرح، حتى يقول أحد الشعراء عنده ﵊: سقيناهم كأساً سقونا بمثلها ولكننا كنا على الموت أصبرا فتعود الاحتمال، وحمل الأذى، وكن صامداً محتسباً صابراً لا تتوجع؛ بل فوض أمرك إلى الله، وقل دائماً: حسبنا الله ونعم الوكيل، يقول المتنبي: إذا اعتاد الفتى خوض المنايا فأهون ما يمر به الوحول يقول: الذي يعتاد المبارزة دائماً الذهاب إلى المعركة في حقه قليل؛ لأنه أصبح عنده استعداد ومناعة، مثل التطعيم ضد مرض الكوليرا، فهم الآن يطعمون الناس بالمصل؛ فتستفيد منه كرات الدم البيضاء لترد هذا المرض، كذلك الدعاة وطلبة العلم والأخيار البادئين، عليهم أن يكون عندهم مصل من الصبر والتحمل، وليعتبروا بصاحب الرسالة الخالدة الذي وضع السلى على رأسه، وجرح، وأوذي، وقتل سبعون من صحابته، وطرد من بلاده، وبيعت أملاكه، وضربت بناته، وجعل الحجر على بطنه ﵊ من الجوع، ومع ذلك يقول: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾. فمثل هذا يعطي طالب العلم قوةً واحتمالاً: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢].

стр. 9415

نصيحة لمن يتتبع عورات المسلمين وأيضاً أنا أطلب من الصف المستهزئ أن يخفف من لأوائه ومن حرارته واعتدائه، وأن يتقي الله في الأمة وفي أخيارها، فإن الرسول ﷺ يقول: ﴿يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه! لا تتبعوا عورات المسلمين؛ فإن من تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في عقر داره﴾. اللهم أصلح الراعي والرعية، اللهم أصلحنا سراً وعلانية، اللهم أصلح ولاة الأمر ووفقهم لما تحبه وترضاه، اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم أصلح علماء المسلمين، اللهم أصلح دعاة المسلمين، اللهم اجمع كلمتنا على الحق، اللهم من سل علينا سيفاً فاقتله بسيفه، اللهم من أراد بنا وبالإسلام والمسلمين سوءاً، فأشغله بنفسه، واجعل تدميره تدبيره، وخذه أخذ عزيز مقتدر. اللهم احفظنا بما تحفظ به عبادك الصالحين، وتولنا في الدارين. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 9416

الموت إن أعظم ساعة يمر بها الإنسان هي ساعة الموت، تلك الساعة التي تنسي ما قبلها، ولو كان أحد ينجو من هذه الساعة الرهيبة لنجا منها المصطفى ﷺ ، فقد ذاق سكرات الموت. وفي هذا الدرس تحدث الشيخ عن شدة الموت وسكراته، وذكر أحوال بعض الذين ذاقوه من الصحابة والتابعين ثم تكلم عن أسباب تذكر الموت.

стр. 9417

ساعة الموت والاحتضار إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداًَ عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أيها الإخوة الكرام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ومن واجب أهل الفضل علينا أن نشكر لهم فضلهم, ومن واجب أهل الإحسان أن نشكر لهم إحسانهم, فنشكر مدير هذه الثانوية بالغ الشكر, ونشكر الأساتذة الكرام، ونشكركم أيضاً لحسن استماعكم، ولتواضعكم أن تسمعوا هذه الكلمات, نسأل الله أن ينفع بها، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم. أما بعد: فهذه الكلمة تدور حول الموت، وحين أخبرت بهذا الموضوع تذكرت أبياتاً في الموت للشاب العالم الزاهد حافظ الحكمي إذ يقول ﵀: والموت فاذكره وما وراءه فما لأحد منه براءة وإنه للفيصل الذي به ينكشف الحال فلا يشتبه والقبر روضة من الجنان أو حفرة من حفر النيران إن يك خيراً فالذي من بعده أفضل عند ربنا لعبده وإن يكن شراً فما بعد أشد ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صد تالله لو علمت ما وراءكا لما ضحكت ولأكثرت البكا ومن هذه الذكرى يمر الإنسان في قافلة الموت, ويتذكر هذا المصير المحتوم, وهذه الساعة المقضية من الله على ابن آدم, ساعة الموت التي يذل فيها الجبار, ويذعن فيها العاصي, ويعود فيها المتمرد, ويتوب فيها المذنب. ساعة الموت الأليمة التي يمر بها الملك والمملوك, والرئيس والمرءوس, والغني والفقير, وكان من الجميل بنا أن نذكر بعض قصص المحتضرين، وأخبارهم وأنبائهم؛ علّنا أن نتذكر هذا المصرع الذي لن يفوتنا أبداً, وسوف نمر به ولو طالت أعمارنا, ولو تمتعنا بالشباب والصحة, ولو زهت لنا السيارات والعمارات، ولو سكنّا في الشقق الفاخرة, ولو لبسنا الملابس الجميلة, ولو تمتعنا بالمطاعم, وجلسنا على الموائد, وتزاورنا وضحكنا كثيراً, فإنها سوف تمر بنا هذه الساعة التي تنسي ما قبلها, والتي يتذكر فيها الإنسان حسابه مع الله, ماذا فعل؟! وماذا قدم؟! وماذا عمل في تلك الساعات التي أفناها في القيل والقال, وفي اللهو واللعب, وفي الجلوس -الذي لا طائل من ورائه- في مرافقة أقران السوء, وأصحاب الانحراف الذين ما زادوه إلا ضلالاً وإعراضاً عن الله. تلك الساعة لا بد أن نحسب لها حسابها من الآن, ولا بد أن نقف معها وقفة طويلة جداً؛ لنتذكر بماذا سنلقى الله وبماذا سوف نرد على الملكين؟ وماذا سنقول إذا طُرحنا في تلك الحفرة التي تعرفونها؟ ففي تلك الحفرة يتجرد الإنسان من كل شيء إلا من الأعمال الصالحة؛ يتجرد من المنصب فيدخل في قبره بلا منصب, يدخل بلا: يا صاحب الفخامة! ولا يا صاحب المعالي! ولا يا صاحب السماحة! وإنما يُدخل جثمانه في قطع بيضاء ويوسد في هذه الحفرة, ويتولى عنه الناس, ويدخل بلا سيارة وبلا إخوان وبلا خلان, وبلا زوجة, وبلا صاحب, وبلا قرين.

стр. 9418

الرسول ﷺ في ساعة الاحتضار ولو نجا أحد من الناس من ساعة الموت لكان جديراً أن ينجو محمد ﷺ , ولكنه -والله- ما نجا, مر بها كما يمر بها الإنسان, ووقف معها كما يقف الإنسان، وهو أشرف الخلق على الله ﵎, وهو أكرم الناس على ربِّ الناس, لكنه تلقاها برحابة صدر؛ لأنه أحسن العمل مع الله, يروي البخاري ومسلم في صحيحيهما: ﴿أنه لما احتضر ﷺ وضع خميصة -وهي قطعة قماش- على وجهه الشريف من شدة الكرب, وروحه تنتزع من بين جنبيه وهو يقول: لا إله إلا الله, لا إله إلا الله, لا إله إلا الله إن للموت لسكرات, اللهم أعني على سكرات الموت, اللهم خفف عليّ سكرات الموت، تقول عائشة: بأبي هو وأمي، والله إنه كان يضعها في الماء فيبلها -أي: الخميصة- ثم يضعها على وجهه ويقول: اللهم أعني على سكرات الموت, ثم يقول ﷺ وهو كذلك: بل الرفيق الأعلى, بل الرفيق الأعلى, بل الرفيق الأعلى﴾ قال العلماء: إنما قال ذلك ﷺ ؛ لأنه خير بين أن يمد له في عمره, وأن ينسأ له في أجله أو يلقى ربه, فقال: بل الرفيق الأعلى, أي: أريد اللقاء الآن, أريد الرحيل من هذه الدنيا الآن, أريد الموت في هذه الساعة؛ لأنه يعلم ﷺ أنه مهما طال عمره، ومهما امتد أجله, فإنه سيلقى هذا المصرع، فمن الآن إذاً. فإذا كانت هذه الحياة نهايتها هذه النهاية, فبدون كلفة ومشقة، وبدون هموم وغموم، الآن أنهيها, والآن أتجرع كأس الموت، والآن أرتاح من هذه الحياة. وتوفي ﷺ كما يتوفى الناس, ومات كما يموت الإنسان, ولكن بقي ذكره أبد الآبدين؛ لأنه أحسن العمل مع الله. والإنسان يطمع في طول العمر, ويطمع في امتداد الأجل؛ لأن بعض الناس يرى أن هذه الحياة متعة, سكنى ومطعم، وملبس وزواج، وترق في المناصب؛ فيرى أن هذه الحياة أحسن من الحياة الأخرى, أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة, أولئك الذين ضلت أعمالهم, وأولئك الذين حبط مسعاهم وأولئك الذين خسروا الصفقة مع الله, فهم يريدون هذه الحياة فحسب. وقف موسى ﵇ فقال: يا رب! أريد عمراً طويلاًَ, قال الله : يا موسى! اختر ما شئت، وجاء ملك الموت -وهذه قصة صحيحة- فضربه موسى ففقأ عينه, فعاد ملك الموت إلى الله فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ففقأ عيني, فرد الله عليه عينه, وعاد ملك الموت ليقبض روحه, قال: يا موسى! تمنَّ ما شئت من العمر, قال: ثم ماذا؟ قال: ثم تموت, قال: الآن إذاً, فقبض روحه, ولذلك يقول أبو العتاهية: نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح لتموتن وإن عمرت ما عمر نوح فإن كان هذا العمر, فلا بد من النهاية، ولا بد من المصير المحتوم.

стр. 9419

أبو بكر في السكرات روى أهل السير أن أبا بكر ﵁ لما احتضر دخلت عليه ابنته عائشة فسلَّمت عليه وبكت طويلاً ونظرت إليه, خليفة المسلمين وصاحب رسول الله ﷺ في الغار, وصدِّيق الإسلام, يموت في ثوبين متواضعين مجرداً من الدنيا لا يملك إلا بدنه ولا يملك إلا بيتاً من طين، والعالم الإسلامي تحت إدارته وخلافته, فتدخل عليه عائشة في السكرات وتقول وهي تعزيه بروحه ﵁ وعنها: صدق الشاعر يا أبتاه: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر فالتفت إليها وقال مؤنباً لها، ومؤسفاً لها، ومعارضاً لها في هذا الاستشهاد، لا والله كذب الشاعر وصدق الله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] هذا الموقف ليس موقف قول شعر, وليس موقف محاضرات, فهذا موقف يقول الله : ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] ما معنى (تحيد)؟ أي: تفر, كلما أتاك المرض ذهبت إلى المستشفى, وذهبت إلى العيادة, وعرضت نفسك على الطبيب علّك تمتع, لكن إذا جاء الموت انتهى كل شيء: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] هذا ما كنت منه تفر, وتحاول أن تلف, وتحاول أن تعرض, ولكن الآن لا منجى ولا ملجأ من الله إلا إليه, وانتهى كل شيء.

стр. 9420

معاوية في حال النزع دخلوا على معاوية ﵁, وهو على سرير الملك في دمشق عاصمة الإسلام, فلما أتاه الموت قال: أنزلوني على التراب, فقالوا: يا خليفة المسلمين! ويا أمير المؤمنين! نرى السرير أرفق لك, قال: أنزلوني لا أبا لكم انتهى السرير وانتهى الملك, فأنزلوه فلما وضعوه في التراب, ووضع خده؛ وبكى طويلاً على التراب, وقال صدق الله بقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦] نسي كل شيء, نسي جيشه وجنده, نسي ملكه وقصوره, وما كان يعد, وانتهى الأمر إلى هذا الموقف وهذا المصير المحتوم.
следующие страницы →