Полный текст (10 391 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
أكبر لغز في الحياة
السعادة هي لغز أعجز الأذكياء، وكبت الفلاسفة، وأعيا الشعراء والأدباء، والباحث عنها لا يجدها إلا في هذا الدين، وسورة التكاثر لها علاقة كبيرة في التذكير بالنعيم الحقيقي، وبيان أن ما سواه مسئول عنه يوم القيامة، وفي هذا الدرس نحلق حول هذه المعاني.
стр. 947
قضايا في سورة التكاثر
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
في هذه الروضة نجلس هذه الليلة مع ميراث محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، مع القرآن العظيم ومع الهداية المطلقة للبشرية الحائرة، في ظلال آيات بينات نعيش معها هذه الليلة، علّ الله أن يرحمنا ويفتح علينا بهذا القرآن.
يا منزل الآيات والقرآن بيني وبينك حرمة القرآن
يا من سترت معايبي ومثالبي وحلمت عن سقطي وعن طغياني
والله لو علموا قبيح سريرتي لأبى السلام عليّ من يلقاني
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:١ - ٨].
هذه السورة محزنة ومبكية، وفيها من اللوعة، والحرقة ما الله به عليم.
كان يقرؤها ﵊ متأثراً، ويقرؤها داعية، ومربياً، ويقرؤها ﵊ عالماً عاملاً بها هو وأصحابه.
هذه السورة لها أهداف جليلة ومقاصد نبيلة، هذه السورة مطلقة الأحاسيس، قوية البنيان، تهز القلب المسلم هزاً عنيفاً.
هذه السورة لها وقائع في قلوب الموحدين، ولها صدى في أنفس العابدين، ولها رجةٌ في أذهان المتوجهين إلى الله
هذه السورة تحدد مسار العبد، وتفصل بين المسلم والكافر، وتوجه العبد توجيهاً تربوياً ربانياً.
هذه السورة تعيش بك بين جو الدنيا الآسن المتخلف العفن، وبين جو الآخرة المشرق الباهر، الرائع البديع، هذه السورة تحددأيامك ولياليك وعمرك وساعاتك وثوانيك.
стр. 948
التكاثر بالعلم
فاستمع إلى قضاياها الكبرى يقول : ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١] هكذا تبدأ السورة -كما يقول بعض التربويين- بهجوم أدبي هجوم أدبي على القلوب اللاهية السادرة المخمورة بخمار الدنيا، إن الدنيا تسكر العبد، وتسكر الروح كما تسكر الخمر العقول، فالله بدأ بالسورة هكذا ضرباً عنيفاً، وكأنه يوقظ الغافلين؛ انتبهوا، فكروا تدبروا حاسبوا، وراءكم عقاب، وراءكم حساب، وراءكم ثواب، وراءكم جنة ونار ففكروا وتدبروا.
ألهاكم التكاثر فما هو التكاثر؟
ألهاكم: شغلكم وأبعدكم وخلف بكم عن الركب والمسير، فمالكم متخلفين؟
ألهاكم التكاثر، وما هو التكاثر؟ التكاثر في منظوره التجريبي الاستقرائي على أقسام عدة عند أهل العلم منها التكاثر بالعلم، والعلم إذا لم يرزقك خشية وإنابة، فهو ضلال، أرأيت إلى الضلال إذا لم يقربك العلم من الله ، فليتك ثم ليتك ما علمت.
إذا ما لم يفدك العلم شيئاً فليتك ثم ليتك ما علمتا
وإن ألقاك فكرك في مهاوٍ فليتك ثم ليتك ما فهمتا
فنادِ إذا اتجهت له اعترافاً بما ناداه ذو النون بن متى
وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا
العلم -وهو علم- إذا لم ينفعك ولم يفتح بصيرتك، ولم يجعلك تحضر الصلوات الخمس متوضئاً طاهراً، وتغض بصرك عن المحارم، أو تسمع أذنك حراماً، فلا تجلس الليالي الحمراء مع أعداء الله الفجرة؛ إذا لم ينفعك العلم هذا النفع، فليتك ثم ليتك ما علمت.
стр. 949
كالحمار يحمل أسفارا
إذا لم يوجهك العلم توجيهاً صحيحاً، ووجه بيتك وأبناءك وزوجتك وأختك وأمك، فهذه فائدة العلم.
لأن الأجانب يعلمون، لكن يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون.
علم الأكل علم القدور والبطون علم الفروج علم الفجور؛ يقول : ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦].
أمّا الدنيا فأذكياء، صنعوا الطائرة والصاروخ، وقدموا المصنع والثلاجة والبرادة والسخانة؛ لكن رسبوا في عالم الآخرة، إذا أتيت به في الآخرة فحمار، رياء وسمعة في الدنيا، وأن يكون للمواجهات فحسب، فإذا أصبح العلم في هذا المستوى فقل على صاحبه السلام، عفا عليه الدهر، إذا كان العلم علم شهادة لا يصل إلى القلوب، لا يرزق صاحبه الإخبات والاتجاه إلى الله، والاستقامة في السلوك والأدب؛ فليس بعلم بل هو كثرة، ولذلك نعى على المتكثرين بالعلم يقول عن بني إسرائيل: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارا﴾ [الجمعة:٥].
سبحان الله:
لقد ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمار
حمار عليه أسفار ومجلدات لكن حمار.
أينفع الحديث للحمار؟!
هل ينفع التفكير للحمار؟!
هل ينفع الفقه للحمار؟! لا.
ولذلك ذكر صاحب " كليلة ودمنة " أن الأسد جمع الحيوانات في الغابة، فحدثهم بفكاهة فكلهم ضحكوا إلاّ الحمار ما ضحك، وفي اليوم الثاني ضحك الحمار.
قال له الأسد: ما لك تضحك اليوم؟
قال: اليوم فهمت الفكاهة من أمس وأنا أتذكر وأتحفظ إلى اليوم، فالله وصف بني إسرائيل بالحمار، ووصفهم بالكلب فقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوُينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦].
стр. 950
العلم والشهادة العلمية
التكاثر بالعلم أن تجد البراويز محملة بالشهادات في البيت؛ لكن تنظر إلى الوجه فلا تجد عليه أثر علم، ما عليه نور ولا سفرة ولا وضوح، تنظر إلى الصلاة فإذا هي مهزوزة، المجلة الخليعة في البيت، مكان المصحف الأغنية الماجنة تدوي في البيت، والموسيقى مكان القرآن، التبرج والسفور، النظرة المسئولة وغير المسئولة التي تطلق على محارم الناس، تهتك أعراض الناس، الملبس من ربا السيارة من ربا الفلة من ربا أكل الأطفال من ربا التخلف عن الجماعات؛ وهذه الشهادة المعلقة لا تشفع له يوم القيامة.
نحن لم نفتح الدنيا بالشهادات لقد كان ابن مسعود من علماء الدنيا، كان رحباً كأنه الميدان الواسع إذا عبئ نسيماً، أو كأنه الوادي المتسع إذا ملئ ماءً، ما كان عنده شهادة، لكنه ظل في الدنيا كالنجم من قمر محمد ﷺ .
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري
ابن عباس أخذ علمه من مناجاته لله في الليل، كان يسجد ويبكي ويقول: [[يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني]] فأصبح حبر الأمة، وترجمان القرآن ولم يحمل شهادة، قال الخطيب البغدادي في كتاب اقتضاء العلم العمل: العلم كالكنز لا ينفعك إلا ما أنفقت منه، فإذا لم ينفعك العلم، فما هي الفائدة إذاً.
يقول عن بني إسرائيل جهلة العملاء الظلام: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِه﴾ [المائدة:١٣].
والرسول ﵊ نعى على الذين لا يفهمون ولا يفقهون ولا يعملون بعلمهم نسأل الله العافية والسلامة، صح عنه ﷺ أنه قال كما في سنن أبي داود: ﴿من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من أعراض الدنيا، لم يجد عرف الجنة، وإن عرفها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً﴾ أو كما قال ﵊ ﴿من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة﴾.
وفي لفظ: ﴿ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً﴾.
إنسان أتى يتعلم قال الله وقال رسوله للوظيفة، للشهرة، للسمعة، ثم لم يظهر عليه أثر العلم؛ حرام عليه أن يجد عرف الجنة، وهذا الحديث يبكي والله، نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم، وأن يمن علينا برحمته وفضله وعطفه وكرمه.
وصح عنه ﷺ أنه قال: ﴿من تعلم العلم ليجاري به العلماء، وليماري به السفهاء، فليتبوأ مقعده من النار﴾ من تعلم العلم ليجاري به العلماء، أي ليدخل في حلبة العلماء وفي صراع مع العلماء، ومشاجرةٍ، ومناظرةٍ ساخنة، ومباحثة ليكون محسوباً على العلماء.
أو ليماري به السفهاء أي: يستهتر به في المجالس، ويماري به كل سفيه؛ فليتبوأ مقعده من النار.
وصح عن ابن عباس ﵁ وأرضاه أنه كان يسهر الليلة الكاملة من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر وهو يبكي ويردد قوله : ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ [النساء:١٢٣]
стр. 951
التكاثر بالأموال
والتكاثر قد يكون في الأموال، وهذا الذي تشير إليه الآية أصلاً؛ والتكاثر في الأموال هو أن يكون الإنسان تخصصه وعمله في الحياة تزويداً لدراهمه ودنانيره، لكن تضيع حسناته، تضيع قيمته عند الله ثم عند الناس، ولا يشعر بذلك؛ فلا دين ولا استقامة ولا رصيد من العمل الصالح.
فلو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حي
ولكنا إذا متنا بعثنا ويسأل ربنا عن كل شي
الزاد هو العمل الصالح فهذا ثابت البناني أحد الصالحين من التابعين ذهب إلى خراسان جنوب إيران في نزهة يريد مهمة هناك، فمر بالحدائق الغناء، والبساتين الفيحاء، والأنهار المتدفقة والتلال المترعة؛ فكأنه ما رآها، فلما عاد إلى البصرة سأله أهل البصرة: كيف رأيت جمال الطبيعة؟
قال: والله ما كأني رأيت شيئاً، وما أعجبني في سفري هذا إلا أنني رأيت عجوزاً تصلي ركعتي الضحى.
هذا ثابت البناني الذي يقول عنه الذهبي: كان يبكي من خشية الله حتى تكاد أضلاعه أن تختلف، في سفرته كلها ما رأى جميلاً من الأشياء إلاّ رأى عجوزاً تصلي ركعتين.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس﴾.
فأين أهل القناطير المقنطرة من الذهب والفضة؟
أين أهل البنوك؟
أين أهل الشيكات الذين ظنوا أن المستقبل لهذا الرصيد؟
لا والله لا رصيد إلا لمن له رصيد عند الله .
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على ألا تكون كمثله وأنك لم ترصد لما كان أرصدا
والتكاثر بالمال فلسفة، يعبر عنها بعض الناس بقوله: يترك كل شيء إلا المال، يسبح بحمد المال، وبعض الناس يعبد المال من دون الله، يسجد للريال، ويركع للريال، ويسبح ويحمد الريال، لو سألت بعض الناس عن اسمه ربما يغلط فيقول: الريال.
ولذلك قال ﵊ وهو يتحدث عن هؤلاء: ﴿تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة﴾ هؤلاء عبيد.
لماذا؟
لأن أكبر معنى عندهم في الدنيا هذا المال، فحديثهم في المجالس في المال، وكلامهم في المال، أخذهم وعطاؤهم ومحبتهم وبغضهم على المال.
وهذه عبودية من دون الله .
قال ابن تيمية: " أإله غير الله يعبدون" أو " لا بد لهم من معبود غير الله يعبدوه " لا بد، لأن الإنسان كما في الحديث الصحيح: همامٌ حارث؛ قلبه همام، وأعضاؤه حارثة فاعلة تتحرك وتزاول، فلا بد له من مقصود، ولذلك اسم الله لفظ الجلالة قيل معناه: أنه تأله له القلوب، فلا تسكن إلا إلى الله، ولا تطمئن إلا إلى الله، ولا تصمد إلا إلى الله، ولا ترتاح إلا إلى الله، قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]
فإذا عرف هذا، فليعلم العبد أن من التكاثر، التكاثر في المال، وحدُّ المال الكثرة أن يشغلك عن طاعة الله، فإذا أشغلك عن طاعة الله، فاعلم أنه عارٌ ودمارٌ، وشنارٌ ونارٌ في الدنيا والآخرة.
стр. 952
التكاثر بالأولاد
ومن أنواع التكاثر عند المفسرين وأهل العلم: التكاثر بالأولاد، وبعض الناس لقلة فهمهم يتصور إذا رزق نفراً كثيراً من الأبناء؛ أن ذلك لحسنه ولمكانته عند الله، وكذلك المال والعلم، وهذه كلها ابتلاءات من الله، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْأِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر:١٥]
﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ) [سبأ:٣٧].
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦] من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها أي: نعطيهم منها ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٢٠ - ٢١].
والأولاد قد يكونون فتنةً، ولعنةً، وسخطاً، وغضباً، وشقاءً، قد يدخلون عليك البؤس والحسرة واللوعة والحرقة والفتنة، وفي بعض الآثار التي لا تصح مرفوعةً إلى المعصوم بل هو من كلام أحد الحكماء "في آخر الزمان لأن يربي أحدكم كلباً أوجرواً خير من أن يربي ولداً " هذا في بعض الأماكن يوم يرفع القرآن من البيت، يوم تنزك سنة الرسول ﷺ من البيت، تتربى الأسرة على غير لا إله إلا الله، على الأغنية الماجنة، على الصورة الخليعة، وعلى السهرة الآثمة، ولذلك ينشأ النشء معوجاً غير مستقيم، الابن ضال مضل، والبنت فاتنة مفتونة؛ لأن غرساً لا يربى على نهر محمد ﵊ غرس ميت.
ونحن بالخصوص في هذه البلاد بلاد تعيش على ثلاثة أمور: إيمان وطموح وحب، بلاد هواها نشأ على لا إله إلا الله، وهواها سار على لا إله إلا الله، وتدفق ماؤها على لا إله إلا الله، وعلى الإيمان بالله وبرسول الله، كتب اسمها وقدرها -هذه الجزيرة - على لا إله إلا الله، فقدرها الإسلام وهي قدر الإسلام، ولا نزري بغيرنا من البلاد، فأولياء الله عندهم ربما يكونون أكثر من عندنا؛ لكنْ القبلتان، والعقبتان، والبيعتان، والهجرتان هي من هذه الأرض:
بنفسي تلك الأرض ما أحسن الربى وما أحسن المصطاف والمتربعا
فيوم يأتي بيت من البيوت، أو جيل من الأجال في هذه البلاد ليخرج القرآن من البيت، ويحل مكان القرآن الأغنية، أو يخرج المصحف ويحل المجلة الخليعة، أو يخرج حلقات السيرة والسمر مع هدي المصطفى ﷺ ليجعل لعب الورقة مكانها؛ معناه يقضي على لا إله إلا الله ويشطب على لا إله إلا الله من مسيرته.
لا حياة للأمة إلا بالإيمان يقول إقبال:
إذا الإيمان ضاع فلا أمانٌ ولا دنيا لمن لم يحي دينا
ومن رضي الحياة بغير دينٍ فقد جعل الفناء له قرينا
أمة بلا إيمان معناها قطيع من البهائم، جيش بلا إيمان هَوْشرة وهوش، فصل بلا إيمان شلة من المشاغبين، بيت بلا إيمان خراب؛ فيه غربان وبوم وعقارب، قلب بلا إيمان قطعة لحم متمزقة، كتاب بلا إيمان صحف ممزقة، قصيدة بلا إيمان أبيات مقفاة، كلمة بلا إيمان وخطبة بلا إيمان حروف مجمعة، والحب تعيش عليه الأمة، وإذا لم تعش على الحب فلا مصدر لها، وهو إكسير الحياة يحول المعدن إلى معدن آخر.
وإذا دخل الحب لغير الله ورسوله القلب فقد فسد، وظن الفنانون والفنانات، والمغنون والمغنيات، والماجنون والماجنات الأحياء منهم والأموات أن الحب عندهم.
ونحن الدعاة أو نحن أهل الدعوة وأهل قال الله وقال رسوله؛ إن كنا من أهل ذلك ما عندنا حب، بل الحب كل الحب والأصالة كل الأصالة في المصحف والسنة، أما حبهم فحب الضياع، حب العشق، حب الهيام، حب الانهزامية والفشل والبعد عن الله ، هذا أمر لا بد أن يتذكر وأن يفهم.
ثم قال : ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢] حتى زرتم المقابر، قبل أن أنفذ إلى الآية التي تلي هذه؛ أقول: التكاثر بالأولاد تكلم الله عن هذا في القرآن كثيراً، وذكر قصة محزنة عن رجل، ضال مضل، عميل، كفر بلا إله إلا الله، هذا الرجل هو الوليد بن المغيرة كان له عشرة أبناء، من أبنائه خالد بن الوليد سيف الله المسلول، خالد الذي قال عنه العلماء وقال هو عن نفسه أنه حضر أكثر من مائة معركة في سبيل الله وفي غير سبيل الله قبل الإسلام، ما فيه موضع شبر إلا أصابه إما طعنة برمح أو ضربة بسيف أو رمية بسهم.
نعم:-
تسعون معركة مرت محجلةً من بعد عشرٍ بنان الفتح يُحصيها
وخالد في سبيل الله مشعلها وخالد في سبيل الله مذكيها
ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم ولا رمى الروم إلا طاش راميها
أبوه كافر بالله العظيم، وخرج من صلبه هذا المؤمن العظيم، سبحان الله الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي.
الوليد بن المغيرة كان يحضر أندية قريش، ويدخل الحرم وعن يمينه خمسة أبناء وعن يساره خمسة، فقد كانوا عشرة، كان يلبسهم الحرير، وأسورة الذهب، وتيجان اللؤلؤ، كان تاجراً، ذهبه يكسر بالفئوس في مكة، فدعاه ﷺ إلى لا إله إلا الله؛ فكفر بلا إله إلا الله، قرأ عليه القرآن حتى بلغ قوله : ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣] فقام ووضع كفه على فم المصطفى ﵊ وقال: أسألك بالله وبالرحم -لأنه قطع قلبه- لا تواصل في القرآن، يعلم أنه حق، يعلم أنه مبدأ، يعلم أنه صدق، فرجع إلى قريش وأراد ان يسلم قالوا: لا نتركك.
يا أبا المغيرة حتى تقول، حتى تقول كلاماً، فقال: هذا القرآن سحر، فتنزل له الله بآيات وقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ [المدثر:١١].
أتى وحده، وقع أعمى، أصم، أبكم، جائع، ظمآن على الأرض، والآن يتفلسف في القرآن، يحارب لا إله إلا الله.
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ [المدثر:١١ - ١٣].
يشهدون معه الحفلات والمراسيم ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً﴾ [المدثر:١٣ - ١٤] أي: مهدت له أموره، أهذا هو الجزاء؟! وهذا رد المعروف؟! وهذا حفظ الجميل؟! تكبر علينا اليوم، اليوم يعرف شخصيته.
﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيداً﴾ [المدثر:١٤ - ١٦] وجزاؤه ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ [المدثر:١٧] صعود: جبل في جهنم يصعد فيه سبعين سنة إذا انتهى إلى أعلاه سقط على آخره وهكذا ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ [المدثر:١٧] لماذا؟ ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ [المدثر:١٨] تفلسف في القرآن، ما عرف لا إله إلا الله، قلبه آثم مجرم، دماغه ما فهم، ما عنده انفتاح ولا ذكاء ولا فهم ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:١٨ - ٢٦] أي: جهنم ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ [المدثر:٢٧ - ٢٨] نعوذ بالله من النار، نعوذ بالله من سقر، نعوذ بالله من الفجور، نعوذ بالله من عدم الفهم لآيات الله ، هذا في التكاثر بالأولاد.
стр. 953
التكاثر بالمناصب والزينة
ومن الناس من يتكثر في الظهور والمناصب والزينة، ويتكثر بالشهرة، وهي أمور مغروسة في الفطر، محببة إلى النفس لا يوجهها إلا الإسلام.
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١] أيها الناس! ألهاكم التكاثر، أيها التجار! ألهاكم التكاثر، أيها النائمون! إلى متى والموت قد حضر؟!
﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:٢] لأهل العلم مسلكان في قوله : أورد ذلك ابن كثير وابن جرير منهم من قال: سبب نزول هذه الآية والسورة: أن قريشاً عددوا الأسر على كثرتهم: أسرة بني سهم، وأسرة كذا، وأسرة كذا؛ فلما عددوا الأسر قالت هذه الأسرة: نحن أكثر عدداً من تلك الأسرة، حتى قالوا: نعد أمواتنا وأمواتكم، فخرجوا يعدون الأموات في القبور، فيقول تعالى:: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:٢].
والمسلك الثاني: قال المفسرون: معنى قوله : ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١] أي تكثرتم بالأموال والأولاد والزينة والشهرة والعلم حتى جاءكم الموت فأشغلكم وهذا هو الراجح والظاهر إن شاء الله.
ليس في الزيارة المعروفة الشرعية للمقابر، أو الزيارة العادية الذي يفعلها بعض الناس، لا.
إنها زيارة غير الزيارات، زيارة اضطرار.
كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكن أمانيا
زيارة لابد أن ينتقل ويفعلها ويزاولها كل إنسان، الملك والمملوك، الغني والفقير، الكبير والصغير، الأنثى والذكر.
﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:٢]: زرتم ولكنها على منوالها وعلى ظاهرها، زيارة ولكنها ليست بزيارة، وهي الموت؛ زيارة على النعوش، زيارة في الأكفان، زيارة ونحن جثث نحمل على أكتاف الرجال.
وهذا تلطفٌ في الأسلوب وعجبٌ في الكلام.
﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:٢]: وعلى ذكر الزيارة لا نستطرد في أحكامها؛ فلها باب آخر، إن هذه الزيارة ليست الزيارة المعروفة التي تزور فيها الأموات ثم تعود إلى بيتك، إنك إذا فعلت هذه الزيارة فلن تعود إلى بيتك مرةً ثانية، إن الله كما في الحديث القدسي يقول: ﴿إني كتبت على نفسي أنهم إليها لا يرجعون﴾ زيارة تفقد فيها أحبابك، وأصحابك، وأترابك، وإخوانك، وأخدانك، زيارة لن تعود إلا إلى جنة أو إلى نار، زيارة لن ترى فيها بيتك مرةً ثانية، ولا طفلك الوليد الحبيب، ولا طفلتك الوديعة الهادئة، ولا زوجتك الحبيبة، ولا بيتك ولا فراشك، زيارة تنقطع فيها عن أسباب الحياة وعن معالم الحياة.
تنبهوا يا رقود إلى متى ذا الجمود
فهذه الدار تبلى وما عليها يبيد
الخير فيها قليلٌ والشرُ فيها عتيد
والبر ينقص فيها والسيئات تزيد
فاستكثر الزاد فيها إن الطريق بعيد
стр. 954
حقيقة الدنيا
وقف علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه في الليل الدامس، فأخذ لحيته بيديه يبكي، ويقول: [[يا دنيا يا دنية طلقتك ثلاثاً لا رجعة بعدها، زادك حقير، وسفرك طويل، وعمرك قصير آه من وحشة الزاد، وبعد السفر، ولقاء الموت]].
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢].
يا أيها الذين قرب رحيلهم إلى المقابر، ماذا أعدتم للمقابر؟
يا أيها الذين استبشروا بطلعاتهم، وخافوا من وهج الشمس أن تغير بشرتهم، سوف تحشرون في المقابر، يا أيها الذي تظلل في الظل الهانئ الوارف؛ سوف تطرح في المقبرة، يا من تمتع برؤية أطفاله، والجلوس على منابره وكنباته، سوف توسد التراب، يا من تلذذ بالطعام والشراب؛ سوف يأكلك الدود.
ستنقلك المنايا من ديارك ويبدلك البلى داراً بدارك
وتسلب ما غنيت به زماناً وتنقل من غناك إلى افتقارك
فدود القبر في عينيك يرعى وترعى عين غيرك في ديارك
مر عمر بن عبد العزيز -كما في البداية والنهاية لـ ابن كثير - الخليفة الزاهد العابد، المجدد الأول بعد الصحابة؛ مرّ بالمقابر في دمشق فقال: يا موت ماذا فعلت بالأحباب؟ ماذا فعلت بالأحبة؟
ثم بكى حتى جلس، فجلس معه الأمراء والوزراء وهم يبكون قال: [[أتدرون ماذا يقول الموت؟ قالوا: لا.
قال: يقول: ذهبت بالعينين، وأكلت الحدقتين، وفصلت الكفين عن الساعدين، والساعدين عن العضدين، وفصلت القدمين عن الرجلين، والرجلين عن الساقين]].
ساعة الموت -كما يقول أحد الأساتذة العصريين- يذل فيها الجبار، ويذعن فيها المتكبر، ويسلم فيها الكافر؛ لكن لا ينفعه حينها إسلامه.
فإذا أعددت لنفسك زاداً في ذاك القبر آنسك الله، فوالله الذي لا إله إلا هو لا مؤنس في القبر إلا العمل الصالح والتسبيح والذكر والصلاة والقرآن، يا عالم الدراهم والدنانير يا عالم الملابس والمعطيات يا عالم الأكل والشراب يا عالم العمارات والسيارات.
هذه عملة لا تنفع في القبر، صيرفي القبر يقول: هذه عملة بهرجٌ زائف.
لا يدخل القبر إلا عملةٌ عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله، ووقع عليها رسول الله ﷺ ، وأتى بعلامتها جبريل، ورضيها الله، ودخلت بالإخلاص، ووضعت بالتواضع، وسلمت بالقبول، ورفعت إلى أبواب الجنة الثمانية.
стр. 955
كلا سوف تعلمون
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:١ - ٣] سبحان الله! كلمة (كلّا) كأنها صاعقة في القرآن، لا تأتي إلا في أسلوب وهجوم أدبي، الهجوم الأدبي تستخدم فيه كلا.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] (كلّا) هذه كالجبل، تتحرك كأنها القوارع أو القذائف على الرءوس.
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١] أهذا صحيح؟! كلا هذا خطأ؛ أخطأتم في الأسلوب، وأخطأتم في العمل، وأخطأتم في الفهم، وأخطأتم في الإدراك والإرادة.
﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:٣] سوف تظهر، لكم أمور ما ظهرت، كان ابن عمر ﵄ يقرأ قوله : ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] فبكى حتى أغمي عليه.
وفي كتاب الزهد لـ وكيع بن الجراح بسند جيد إلى ابن عمر أنه قرأ قوله : ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين:١] حتى بلغ قوله : ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] فبكى حتى أغمي عليه ورش بالماء ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧].
﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:٣] صلوا وصاموا وحجوا؛ لكن رياءً وسمعة، وظنوا أنها رصيد عند الله، فلما حضروا وجدوها هباءً منثوراً، فبكوا وتضرّعوا ولكن حيث لا ينفع التضرع والبكاء.
стр. 956
كلا لو تعلمون علم اليقين
﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:٢ - ٣] سوف تعلمون غداً يوم العرض الأكبر.
﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:٤] وهذا تأكيد بالتثبيت والإرادة بعد المبادئ، والتفريع بعد التفصيل، وهو منهج استقرائي لأهل التفسير، بل لأهل اللغة العربية قبل أن يكون لأهل التفسير يوم تؤكد الكلام.
﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:١ - ٣] ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:١ - ٢] هذا التأكيد يقرع القلوب لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد؛ لكن الذي ليس له قلب لا يفهم، والذي ليس له فكر لا يتفكر، والذي ليس له إرادة أو فسدت إرادته لا يعي ولا يفهم أبدا.
ً
- مراتب اليقين:-
﴿َكَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمّ َكَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:٣ - ٥] كيف علم اليقين؟
في القرآن حق اليقين، وعلم اليقين، وعين اليقين؛ فما هو الفرق بين عين اليقين وحق اليقين وعلم اليقين؟
يقول ابن القيم في مدارج السالكين: علم اليقين: هو أن تسمع بالشيء ولا تراه فهذا علم، ولكنك إذا تيقنت منه فهذا علم اليقين؛ فإذا علمت بشيء فتيقنت منه كان لديك علم اليقين.
وحق اليقين: هو أن يخبرك الثقاة بأمور تواترية تبلغ درجة حد التواتر، فتتيقن دوماً أن هذا الأمر صحيح، فيكون عندك درجة حق اليقين.
وعين اليقين: هو أن ترى الشيء بنفسك.
ثم ضرب على ذلك مثالاً؛ فقال: تسمع من الناس أن العسل لذيذ الطعم، وأنه طيب المساغ، وأنه سلس المذاق، فيكون عندك جزم من استقراء كلام الناس عن العسل أنه طيب فهذا علم اليقين، يخبرك أطباء ومدربون وأناسٌ كثيرون أن العسل من أحسن المطعومات فيكون عندك حق اليقين.
تأتي فتذوق العسل فيصبح عندك عين اليقين.
قال : ﴿ثُمّ َكَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:٤ - ٥] لو كان عندكم في الدنيا علم يقين يصل إلى القلوب ما فعلتم هذه الأفاعل، بالله هل يترك الصلاة من عنده علم يقين؟
بالله! هل يستهزئ بآيات الله ويستهتر بالمبادئ الخالدة في الدين من عنده علم يقين؟!
بالله هل يقضي وقته باللعب واللهو والغناء والمجون والسفور من عنده علم يقين؟!
بالله هل يخل بفرائض الله من عنده علم يقين؟!
لم تقع هذه الأمور إلا يوم نقض علم اليقين، ومات علم اليقين في القلوب، فلو وصل علم اليقين إلى القلوب، لكنّا وصلنا إلى الله .
ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتقي الله البطل
أيها اللاهي بلا أدنى وجلْ
اتق الله الذي
واستمع قولاً به ضرب المثل
اعتزل ذكر الأغاني والغزل
وقل الفصل وجانب من هزل
- الوصول إلى اليقين عند غلاة الصوفية:
الوصول هو التقوى، وهو علم اليقين، إذا وصل إلى القلب وصلت إلى الله ، إذا عرفت الله ، وعملت بأوامر الله، فقد وصلت، لا كوصول الصوفية، فعند غلاة الصوفية إذا وصلوا إلى درجة اليقين بزعمهم لا يصلون ولا يصومون ولا يحجون، قيل لهم: مالكم؟
قالوا: نحن نتعبد حتى نصل إلى درجة؛ فإذا وصلنا إلى درجة أسقط الله عنّا التكاليف، فالصلاة معناها: صلة مشايخنا، قلنا: والصيام؟
قالوا: الصيام حفظ أسرارنا.
قلنا: والحج؟ قالوا: زيارة أحبابنا.
قيل لـ أبي علي الروذباري: يقول الصوفية الذين تركوا الفرائض: أنهم وصلوا.
قال: صدقوا، وصلوا لكن إلى سقر، إلى جهنم.
ما كل من وصل وصل، ولا تصل أنت إلا على طريقٍ قائده محمد ﵊، وزادك فيه القرآن -كما سلف التنويه بهذه العبارات في أول المحاضرة-.
﴿ثُمّ َكَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:٣ - ٦]-نعوذ بالله من الجحيم- وهنا أسلوب القرآن ممتع مع فواصل الآيات، وهو أسلوب المد المحزن البكائي في الفواصل التي تمد في حركات.
﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:٥ - ٦]
قال: الجحيم ولم يقل: النار؛ لأن النار تمد وهو تناسب سورة [ص] والسور التي مدت فيها الألف ثم جاءت بعدها حروف، مثل المهاد، المئآب، الثواب، العقاب، القرار، لكن هذه كانت تناسب التحزين لأن السورة سورة بكاء ثم ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:٦ - ٧] الجحيم ترى يوم القيامة.
وصح عن الرسول ﵊ في أحاديث أنه: ﴿يؤتى بجهنم يوم القيامة يقودها بأزمة سبعون ألف ملك﴾ ولها زمجرة ولها تغيظ وزفير تكاد أن تتميز وتتقطع من الغيظ، وتريد أن تغير على أهل الموقف -نعوذ بالله من ذلك- ولكنها تصبر حتى يدخل فيها المجرمون.
نعم ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:٧] أتى هنا عين اليقين الرؤية، ويأتي عين اليقين هنا، وهي الدرجة التي ذكرها علم وعين.
стр. 957
لتسألن عن النعيم
﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٧ - ٨] هذه الآية من أعظم الآيات وكل ما أمدنا الله به في الحياة الدنيا فهو نعيم، واختلف أهل العلم في أجلِّ نعمةٍ في الحياة، فقال أهل المنطق من الأشاعرة: أجلُّ نعمة نعمة الحياة، وخالفهم أهل الحديث وقالوا: أجلُّ نعمة نعمة الإسلام، ووافق ابن تيمية على هذا القول الثاني وهو الصحيح، فأجلُّ نعمة في الحياة هي نعمة الإسلام.
خذ كل شيء، إن الله عوضٌ من كلِّ هذه، وليس من الله عوض، من وجد الطريق إلى الله فقد وجد كل شيء، ومن فقد الطريق إلى الله فقد فَقَدَ كل شيء، من نام على الرصيف وما وجد إلا كسرة الخبز وقطعةً يواري بها عورته، ووجد الإيمان فقد ملك الدنيا، ومن ملك الدنيا ثم فقد الإيمان، فقد أصبح في لعنة وأمسى في غضب، قال تعال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦] ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨]
النعيم على أنواع، ما هو النعيم؟
قيل: الماء البارد.
وهذا قول ابن عمر قال: [[تسألون عن الماء البارد]].
يوم تظمأ وتتحرق كبدك، وتريد أن تقدم كل شيء عندك لشربة ماء.
وقيل النعيم: هو السكن إلى الأهل، والرضا بالرزق مع الاستقامة.
وقيل النعيم: هو المدد بالجوراح وبالحواس فلا يطرقك حدث حتى تموت، وهذا من النعيم.
وقيل النعيم: هو ألا تطرقك طوارق الأحداث، وأن يتلطف بك في القضاء والقدر -وهذا من النعيم-.
وقيل النعيم: أن تسلم من فتنة الحياة (التفكير) وفتنة الابتلاء الذي يصل ببعض الناس إلى التسخط -وهذا من النعيم- والصحيح أن كل ما أعطاك الله مما أمدك به فهو نعيم، ولكن النعيم قد ينقلب عند من لا يحسن استخدامه واستعماله إلى جحيم.
هذا أبو تمام يقول:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
كتب علي بن أبي طالب أبو الحسن أمير المؤمنين إلى رجل يعزيه في ابنه قال له: [[يا فلان! إن احتسبت موت ابنك آجرك الله، وإن لم تحتسب موته سلوت بعد حين كما تسلو البهائم]].
انظر إلى العقل انظر إلى أستاذ الكلام، رجل العبارة، وأستاذ الكلمة الحارة (علي بن أبي طالب) يرسل الكلمات قذائف تصل إلى القلوب؛ يقول: إذا احتسبت موت ابنك كان نعيماً، وكان ثواباً لك عند الله، وإذا لم تحتسب سلوت بعد حين كما تسلو البهائم، فأخذ أبو تمام هذا المعنى وقال:
أتصبر للبلوى رجاءً وحسبةً فتؤجر أم تسلو سلوَّ البهائم
نعم.
البهيمة بعد حين تسلو عن فصيلها وعن ولدها، وهذا مثل بعض الناس يتسخط وقت موت الأب والابن والأخ، ويبكي، ويتذمر على القضاء والقدر، ويتعدى حدود الأدب، ولكن بعد أشهر يسلو كما تسلو البهيمة، فلا احتسب أجراً ولا جعله نعمةً وذخراً عند الله، ولا سلم من الذنوب والخطايا.
والنعم متنوعة: منها نعمة الابتلاء، ونعمة الرخاء، تليت هذه الآية في مناسبة صحَّ عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥] أنه قال: [[لا يرضى محمد وأحدٌ من أمته في النار]].
فأسأل الله أن يرضي عينه، وان يقرَّ عينه بدخولنا في الجنة، لأنه رحيم يشفق على هذا الجيل، ويشفق على هذه الأمة يقول في صحيح البخاري عن أبي موسى: ﴿آخذ بحجزكم، وتتهاوون كما تتهاوى الفراش في النار﴾.
يقول: لا تزنوا ولا تكذبوا ولا تغشوا ولا تخادعوا.
لكن كثيراً منا يخالفون أمره.
- حديث رسول الله: لتسألن عن النعيم:-
خرج ﵊ ذات يوم جائعاً علَّه أن يجد طعاماً في أحد الأمكنة، يطلب رزق الله، فخرج أبو بكر جائعاَ، وخرج عمر الفاروق جائعاً، فقال ﵊: ما أخرجك يا أبا بكر؟ قال: الجوع يا رسول الله.
قال: وما أخرجك يا عمر.
قال: الجوع يا رسول الله.
سبحان الله! العظماء يجوعون، نعم يجوع العظماء، والذئاب والأسود تجوع، والكلاب تشبع من لحوم الضأن.
يقول الشافعي:
تموت الأسد في الغابات جوعاً ولحم الضأن تأكله الكلاب
ليس الحبق والتبجح والسخط من العظمة، إنَّ الحمار يأكل ما يعادل عشرة أنفس من الرجال لكنه حمار، وهذا مقدور ومقدر، الرزق يأتي ويذهب، والأكل يأتي ويذهب.
طول الحياة إذا مشى كقصيرها والعصر للإنسان كالإعصار
لكن العظمة في القلوب، فالعظماء يجوعون، عظماء الأمم جميعاً في المسلمين وغير المسلمين من أجوع الناس.
فخرج قال: والله ما أخرجني إلاَّ الجوع، اذهبوا بنا نلتمس طعاماً، فخرجوا إلىبيت أحد الأنصار الأبطال الأخيار الذين قدموا كل شيء للإسلام، قدَّموا عرقهم، وقدَّموا دماءهم، وقدَّموا أموالهم وأبناءهم، جزى الله الأنصار خير الجزاء! الله أكبر! يا للأنصار من مفخرة في الإسلام ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] يقول بعض المفسرين: كان الأنصاري ينام جائعاً ويذهب بطعامه ويعطيه جاره، فيشبع الجار وينام وهو جائع.
هينون لينون أيسار بنو يسرٍ صيد بهاليل حفاظون للجار
لا ناطقون عن الفحشاء إن نطقوا ولا يمارون إن ماروا بإكثار
فجزاؤهم عند الله خير الجزاء، قالت عائشة المربية العالمة الصديقة بنت الصديق: والله ماضرَّ أحداً من الناس أن ينزل بأهله بجانب بيت من بيوت الأنصار، بكى أبو بكر بعد موت الرسول ﵊ وقال: يا معشر الأنصار! جزاكم الله خيراً من جيران، ما وجدنا والله مثلكم من جيران، ما مثلنا ومثلكم إلا كما قال طفيل الغنوي في أبيات لطيفة ظريفة، يقول:
جزى الله عنَّا جعفراً حيث أشرفت بنا نعلُنا في الشارفين فزلتِ
همُ خلطونا بالنفوس وألجئوا إلى غرفات أدفأت وأظلتِ
أبوا أن يملونا ولو أنَّ أمنا تلاقي الذي يلقون منا لملَّتِ
فخرج ﷺ وصاحباه الشيخان، الكبيران، الجليلان، اللذان هما قطب الإسلام بعد المصطفى ﷺ ودخلوا المزرعة وما وجدوا الأنصاري، كان يذهب يأخذ ماءً من بئر له في المزرعة، فوجدوا أماً وداعيةً، ومستقبلةً، وامرأة عاقلة فهشت وبشت في وجه الوفد العظيم الذي ما دخل البيت أعظم منه، وأخذت ترحب حتى أخذت تبكي من الفرح تقول: والله ما أحسن منَّا ضيفاً هذا اليوم.
طفح السرور عليًّ حتى إنني من عظم ما قد سرَّني أبكاني
وأخذت ترحب ويسألها ﷺ عن زوجها قالت: خرج يستعذب لنا الماء، ويأتي في هذا الوقت، فأتى الأنصاري، فلما سمع أن الرسول ﷺ في بيته أخذ يكبر فرحاً الله أكبر الله أكبر الله أكبر والله ما أحد أحسن منا ضيفاً هذا اليوم!!
تصور في ذهنك -أيها المسلم- يا صاحب اللوعة والحرقة على سيرة المصطفى ﷺ تذكر أنك في بيتك وبين أطفالك ويطرق على بيتك طارق، فتفتح الباب فإذا محمدٌ ﷺ ، وإذا أبو بكر وعمر ضيوفك، أيُّ مكتوب في الأذهان؟! أيُّ كنز يقدَّم إليك إن كنت مسلماً؟! ما سمع في الدهر بجائزة أعظم، ولا وسام أعظم من هذا، فيفتح ويتقدَّم ويأتي بسفرته، ويذبح الشاة وهذا الكرم العظيم:
تراه إذا ما جئته متهللاً كأنك تعطيه الذي أنت سائله
فيشبع بطن المصطفى ﵊، بطن الذي ربَّى الأجيال، بطن الذي فتح الممالك بلا إله إلاَّ الله، بطن الذي أخرج الأساتذة والدعاة والعلماء والأدباء والقواد والشهداء، بطن الذي رفع لا إله إلا الله في طاشقند وسمرقند والهند والسند وكل بقعة على الأرض، فلما شبع قال: ﴿والله لتسألن يوم القيامة عن هذا النعيم﴾ هذا ﵊ شبع مرةً في أشهر طويلة، ويتحرَّى السؤال من الله ، وكم نسمع في اليوم والليلة ما كأن هناك وجبة تمر إلا بلحم، والوجبة التي تمر بلا لحم وجبةٌ نحاسب أنفسنا عليها، ونستغفر من تقصيرنا فيها، ما بقي إلا أن نسجد سجدة السهو إذا فات اللحم من وجبةٍ من الوجبات، كأنه قُرِّر علينا أنه لابدَّ أن يقدَّم اللحم على الموائد؛ حتى أصبحت بطوننا فتنة للحيوانات، تذبح بأصنافها ومطعوماتها من مثلجةٍ، وطازجةٍ، ومذبوحةٍ على الطريقة الإسلامية، والدانماركية، وعلى الإنجليزية، والفرنسية، وظلمات بعضها فوق بعض، والإنسان إذا لم يعرف أنَّ هذه نعم لا يقدرها، ولا يشكر الله عليها .
- مالك بن دينار يعظ رجلاً بالنعيم:-
اللقمة يوم ترفعها يسألك الله عنها لكن سؤال تقرير، يسألك الله يوم القيامة، أما إذا أكلت فشبعت قيل: نعم.
فماذا فعلت بالأكل؟
لأن كثيراً من الناس إذا أكل وشبع قام يرقص ويترك الصلاة، وإذا قيل له: لماذا لا تصلي؟ قال: إن لنفسك عليك حقاً! ألنفسك عليك حق في اللهو واللعب أما الصلاة فليس لها حق؟!
وكثير من الناس إذا أكل وشرب ذهب ليعصي الله بطعامه وشرابه، ويمسك حدود الله، ويتجرأ على محرمات الله، ويلعب بآيات الله وقد أكل نعم الله، استظلَّ بسماء الله، ومشى على أرض الله، وشرب ماء الله، وعصى الله.
أتى رجل إلى مالك بن دينار أحد الدعاة الأذكياء أحد الدعاة الواجهات في الأمة الإسلامية فقال: يا مالك بن دينار! أنا تبت من كل ذنب إلا من ذنب واحد.
قال: تب إلى الله.
قال: جربت نفسي فما استطعت.
قال: فتب.
قال: فما استطعت.
قال: أجل، أسألك أسئلة.
قال: سل.
قال: إذا أردت أن تعصي الله فاخرج من أرضه، كيف تعصي الله في أرضه؟
رجلٌ يكرمك في بيته ويدخلك في بيته فإذا تغديت وتعشيت أخذت السوط تضرب أبناءه؛ فإذا قال لك هذا الرجل: أطعمتك وأسقيتك وأكرمتك وتضرب أبنائي؟! تقول: أنا حر أتصرف كما أشاء.
قال: اخرج من أرض الله.
قال: وأين أخرج والأرض أرض الله والملك ملك الله؟! قال: وإذا أردت أن تعصي الله فلا تأكل من رزق الله.
أتأكل نعم الله وتعصي الله؟! قال: من أين آكل ولا رزق إلا رزق الله.
قال: إذاً فإذا أبيت ذلك فحاول ألا يراك الله، اختفِ في مكانٍ لا يراك الله فيه، وأين يختفي الإنسان بين الجدران من الواحد الديان، بين الحيطان من الرحمن، بين البساتين والأشجار من الواحد القهار.
لا والله.
وإذا خلوت بريبةٍ في ظلمةٍ والنفس داعيةٌ إلى الطغيان
فاستح من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
قال: لا أستطيع، الله يراني في كل مكان.
قال: فإذا أصريت على ذلك عصيت الله فحاول ألا يجدك يوم القيامة، فإنه إن وجدك عذبك عذاباً عظيماً.
قال: لا مفر ولا ملجأ ولا ملتجأ من الله إلى إليه، ثم أخذ يبكي وقال: أشهدك أني أتوب إلى الله.
стр. 958
نعيم الابتلاء
﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨] النعيم: نعيم الابتلاء وهذا لا يعرفه إلا قليل من الناس، قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١] قال: الفضيل بن عياض: [[اللهم لا تبلونا فتفضحنا]].
بعض الناس إذا ابتلاه الله افتضح، فالستر الستر! ولذلك أحسن الدعاء: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]
ابتلي الصالحون فرفع الله درجاتهم بالابتلاء، وأولهم الأنبياء.
مرض أيوب ﵇ مرضاً عظيماً سنوات عديدة، فلما أتاه الزوار قالوا: ادع الله أن يشفيك، قال: شافاني الله أربعين سنة، وأمرضي ثماني عشرة سنة؛ فإذا تساوى البلاء والعافية دعوت الله .
ونحن يمرض الواحد منا أياماً قليلة فيقول: طوَّل بي البلاء؛ دخلت المستشفى من شهرين وأنا طريح الفراش، وأين وأنت بالعشر، عشرين، ثلاثين، أربعين سنة تأكل صحيحاً معافى، أما حسبت هذا الوقت أما تذكرت هذا الزمن أما حاسبت نفسك على هذه النعم.
وذكروا عن عمران بن الحصين: أنه مرض ثلاثين سنة، فما شكا ولا اكتوى حتى صافحته الملائكة -كما في الإصابة وغيرها- بأياديها، لأنه شكر نعمة الله.
وكثير من الصالحين عدُّوا الابتلاء نعمة قطعت رجل عروة بن الزبير من فخذه، ونشرت وهو في الصلاة فقال: [[اللهم لك الحمد إن كنت أخذت فقد أعطيت، وإن كنت ابتليت فقد عافيت، أعطيتني أربعة أعضاء وأخذت عضواً واحداً، وأعطيتني أربعة أبناء وأخذت ابناً واحداً، فلك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا]].
وابتلي كثير من الناس منهم أبو ذؤيب الهذلي مات له سبعة من الأبناء فيقول:
والنفس راغبةٌ إذا رغبتها وإذا تُرد إلى قليل تقنع
والابتلاء نعمة إذا قدرها العبد لكن إذا تسخط أصبحت نقمة.
فما هي النعم إذاً؟ النعم على ثلاثة أضرب:
نعمٌ توصلك إلى رضوان الله وهي الإيمان والعلم الصالح، وهذا لا يعادله نعمةٌ من النعم أبداً، ولا يمكن أن يرقى إليها أحدٌ من الناس، ولا يصل إلى مستواها بشرٌ من البشر إلاَّ المسلمون، وهذا تفوقنا على الأمة الكافرة وعلى أعداء الله بنعمة الإيمان، ونعمة الإيمان لا يعادلها شيء، وقد أسلفت الحديث عن هذا.
ولذلك يقول إبراهيم بن أدهم: نحن في نعمٍ لو علم بها السلاطين لجالدونا عليها بالسيوف، فما هي هذه النعمة؟ هي نعمة الرضا بالله رَبَّاً، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبياً.
стр. 959
من قصص الملوك
عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي، هذا الرجل الكبير، المنظِّر السياسي لدولة بني أمية؛ حضرته الوفاة فبكي حتى تلبط بالأرض وهو في سكرات الموت، فسمع غسالاً يغني في وقتٍ هو فيه في سكرات الموت في قصره في دمشق، وبالقرب منه وادٍ فيه غسال يترنم بقصيدة فقال: يا ليتني ما عرفت الحياة، يا ليتني ما توليت الخلافة، ياليتني كنت غسالاً، فقال سعيد بن المسيب العالم الزاهد لما سمع هذه الكلمة: [[الحمد لله الذي جعلهم يفرُّون إلينا وقت الموت ولا نفرُّ إليهم]].
стр. 960
المعتصم العباسي
المعتصم الخليفة العسكري العباسي، فاتح عمورية، مدمر الروم الذي أحرق جيوشهم فقال أبو تمام:
تسعون ألفاً كآساد الشرى نضجت جلودهم قبل نضج التين والعنب
المعتصم الذي كان المصحف دائماً في حضنه.
ولا بأس أن أورد القصة باختصار حتى نعرف كيف كنا نغضب للا إله إلا اله إذا انتهكت، كنا نعيش للا إله إلا الله، كنا نموت من أجل لا إله إلا الله.
ذهبت امرأة مسلمة تبيع الثياب وتشتري إلى عمورية في بلاد الروم، والبلاد بلادٌ كافرة، فبسطت بضاعتها في السوق ضحى، وهي إمرأة غريبة بين قومٍ كفار؛ مثلما تذهب المرأة المسلمة اليوم إلى بريطانيا أو أمريكا أو إسرائيل، وبينما هي تبيع وتشتري أتى رجل كافر، فربط ثوبها بحجيزتها أو برأسها؛ فقامت فتكشفت عورتها فصاحت بأعلى صوتها في السوق وامعتصماه، وامعتصماه، وامعتصماه! تقول: أين الخليفة المعتصم عن هذا الأمر، أيرضى أن تنتهك حرمتي، وأن يؤخذ عرضي في السوق؟! أيرضى وهو خليفة للمسلمين أن يفعل بي هذا، فضحك الرومي الذي فعل هذا وقال: انتظري المعتصم حتى يأتي على فرسٍ أبلقٍ، وكان مستبعداً الرد، فسمع رجل مسلم في السوق هذا الصراخ العجيب الذي يدخل إلى القلوب ويقرع الأرواح.
وانطلق وركب البحر، ووصل إلى المعتصم في دار الخلافة في بغداد دار السلام، ودخل على المعتصم وكان عسكرياً قوياً متقياً لله.
فأتى هذا الرجل المسلم الذي سمع المرأة الصارخة المستنجدة بـ المعتصم بعد الله، فدخل عليه وقال: كنت يوم كذا وكذا في عمورية، ووقع للمرأة المسلمة تلك كذا وكذا فقالت: وامعتصماه، فضحك منها الروم وقالوا لها: انتظريه على فرسه الأبلق حتى يأتيك ينصرك، فقام المعتصم من على مجلسه وكرسيه واقفاً.
فقال: والله الذي لا إله إلا هو لا يصيب رأسي غسلٌ من جنابة حتى أطأ أرضهم بالخيل.
ثم أعلن الاستنفار في العالم الإسلامي وقال: لا بد من كل بيت من المسلمين أن يخرج منهم مجاهد ومن تخلف يضرب عنقه، ثم توجه وجعل العلماء في قيادة الجيش يفقهون الناس، ومشى حتى وصل إلى عمورية، ثم قاتلهم فكان يفتح كل مدينة بلا إله إلا الله، فإذا فتح المدينة أحرق حصونها حتى أخذت تشتكي هذه المدينة على هذه المدينة، وترى هذه المدينة نار هذه المدينة، ثم دخل عمورية فطوقها حتى استسلم قوادها، وأنزلهم وقال: عليَّ بالرجل، والله لا أغادر مكاني حتى يأتيني الرجل الذي أساء لتلك المرأة، فأتوا بالرجل يسحبونه، فأوقفه عند المرأة فقال لها: هذا الرجل رقيق لك.
إن شئت أعتقتيه لوجه الله، وإن شئت فهو عبدٌ لك قالت: بل أعتقه لوجه الله.
قال المعتصم وقد انتحى: أنا المعتصم، وهذا فرسي الأبلق، وقد جئت أنصرها بلا إله إلا الله.
يقول أبو ريشة.
ربَّ وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتَّمِ
لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصمِ
ألإسرائيل تعلو رايةٌ في حمى المهد وظل الحرمِ
أوما كنتِ إذا البغي اعتدى موجةً من لهبٍ أو من دمِ
كيف أغضيت عن الظلم ولم تنفضي عنك غبار التهم
ما كأننا كنَّا أمة نفتح بلا إله إلا الله، ونقدم لا إله إلا الله، ولذلك المناسبة يوم يقول أبو تمام:
تسعون ألفاً كآساد الشرى نضجت جلودهم قبل نضج التين والعنب
إلى أن يقول في القصيدة:
تدبير معتصمٍ بالله منتقم لله مرتقبٍ في الله مرتغب
الشاهد أن هذا الخليفة لما حضرته الوفاة تذكر لقاء الله قال: أموت؟! قالوا: تموت اليوم، وهو شاب.
يظن بعض الناس أنه لا يموت حتى تنتهي فترة العمل، ويتقاعد، ثم يبدأ عملية الموت، ينظر إلى لحيته وهي سوداء.
قال: لا لن أموت، ما دامت اللحية سوداء، فلا يموت الإنسان.
لكن أفتى أهل العلم بالإجماع أنه يجوز أن يموت الإنسان وهو شاب، فيقول المعتصم: أموت اليوم.
قالوا: تموت فنزل من على سريره يبكي ويقول: والله لو كنت أدري أنني أموت في شبابي ما لهوت عن ذكر الله ساعة.
سبحان الله! ولا يتذكر هذا المصرع إلا عند سكرات الموت.
стр. 961
معاوية بن أبي سفيان وهارون الرشيد
عن شفي الأصبحي قال: لما حضرت معاوية الوفاة كشف الستار ثم مرَّغ وجهه في التراب وبكى وقال: صدق الله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦].
حضرت الوفاة هارون الرشيد الخليفة العباسي، أقوى خليفة، الخليفة الحضاري الذي قدم لخلافته وملكه ما لم يقدمه أحد من أهل عصره، والذي كان يخرج على شرفات القصر ويقول للسحابة: " أمطري أنَّى شئت، فإن خراجك سوف يأتيني " أي: أيَّ مكان أمطرت فيه فهي من بلادي.
حضرته الوفاة في طوس فخرج يبكي وقال: اجمعوا لي الجيش، فجمعوا الجيش، فأشرف على الجيش ونظر إلى السماء وهو يبكي وقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه، فبكى الناس
стр. 962
أنواع النعيم
فالنعيم الأعظم -وهو النعيم الأول- هو أن يوصلك إيمانك إلى رضوان الله هو نعمة الإيمان، والتعلق بالله، وبكتاب الله.
النعيم الثاني: ألا تجعل لك إماماً ولا قدوةً ولا هادياً إلا محمداً رسول الله ﷺ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١]
فمن لم يجعل الرسول عليه الصلاة السلام إمامه وأسوته وقدوته؛ فلا يزال ضالاً حقيراً لا يساوي عند الله فلساً.
ليس هناك أعظم من الرسول ﷺ في المربين، ولا في المعلمين، وشريعته تؤخذ كاملة، فأما التجزئة والترقيع فهذا أمرٌ لا يرضاه الله قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥].
والنعيم الثالث: -وهو يدخل في النعيم الأول والثاني؛ لكنه ينفصل بجزئيات- نعيم العبودية، نعيم النوافل بعد الفرائض، ولا أنعم ممن وضع وجهه في الأرض ساجداً لله .
ومما زادني شرفاً وفخراً وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبياً
الدنيا كلها والله لا تساوي ركعتي الضحى.
حين تخرج من عملك، من مكتبك أو من إدارتك أو من فصلك، فتتوضأ وتصلي ركعتي الضحى في أربع دقائق أو خمس دقائق، والله إن الدنيا كنوزها وذهبها وملكها لا يساوي تلك الركعتين.
النعيم أن تأخذ المصحف تتلو آيات الله، فإذا لم تبكِ فتباك النعيم هو أن تقوم في السحر إن وفقك الله لقيام السحر والليل، فتقوم فتبتهل إلى الله أن يعافيك ويشفيك النعيم: أن تعد بأناملك دائماً وأبداً وأنت في المجالس أو وأنت سائر، بالتسبيح والتهليل والتكبير النعيم أن يصل قلبك بالله النعيم أن ترضى بما أعطاك الله من الأرزاق، ومن الأولاد، ومن البيوت، وتعدَّ نفسك في رغدٍ من العيش.
وقل لمن أخذ الدنيا: خذها ومعها مثلها إذا بقي الدين فهو الاستقامة والفلاح والنجاح.
فهذا نعيم العبودية نعيم اللذة.
يقول ابن تيمية كما ثبت ذلك عنه: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
إنها لذة العبادة والذكر، ولذلك لما أدخل القلعة أغلق عليه السجان الباب قال ابن تيمية: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] ثم قال: "ماذا يفعل أعدائي بي؟!
أنا جنتي وبستاني في صدري أنَّى سرت فهي معي أنا قتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وسجني خلوة"
فجنته وبستانه الذكر والعبادة والاتصال بالله .
ولذلك انظر إلى المؤمنين الذين يداومون على الصلوات الخمس في الجماعة أهل المصاحف أهل قيام الليل أهل صيام النوافل أهل التسبيح وركعتي الضحى كيف تجد عندهم من السكينة، والاطمئنان، والصلاح، والخير ما لا تجده عند أولئك الذين لا يعرفون هذه الأمور.
يبحثون عن السعادة لكن ما وجدوا طريقها.
هذا الأمريكي دايل كارنيجي في كتاب دع القلق وابدأ الحياة أتى بطرق السعادة، وفي الأخير تنبه واستفاق وسط الليل يقول: اكتشفت أن السعادة أن تجلس نصف ساعة مع الله .
أين أنت يا عدو الله ما بحثت عن السعادة إلا في هذه النصف ساعة، نحن إن شاء الله سعادتنا ليل ونهار، أما أنت فتظن أن السعادة في الدراهم والدنانير لأنك ما عرفت السعادة.
رغم أن هذا الكتاب ترجم إلى تسع وخمسين لغة، والحكمةُ ضالةُ المؤمن يأخذها أنَّى وجدها، والشيطان علَّم أبا هريرة آية الكرسي، وهي موجودة في القرآن، ففي الصحيحين قال له الشيطان: اقرأها في كل ليلة فلا يزال عليك من الله حافظ، فقال ﵊ مقرراً ذلك وهو يتبسَّم: ﴿صدقك وهو كذوب﴾.
صدق هذه المرَّه وقد كذب مليون مرة، ولذلك لا بأس أن نأخذ هذه الأساليب التجريبية والاستقراءات لنرى كيف وصلوا إليها، وكيف المستوى المنحط الذي وقعوا فيه.
فهو بعد أن ألَّف كتاب (دع القلق وابدأ الحياة) أخذ سكيناً ونحر نفسه في آخر المطاف سبحان الله! يطبب الناس وهو مريضٌ، يقتل نفسه بسكِّين أيُّ طبٍّ هذا؟! لأنه ما عرف المسجد.
من النعيم الثالث، نعيم المسجد، يوم تدل ابنك على المسجد معناه أنَّك تجنبه السجن، والخمارة، ودور الدعارة، والمقاهي اللاهية، والجلسات السيئة يوم تقوده إلى المسجد معناه أنك ترفع وتشرف رأسه في الدنيا والآخرة يوم تعلمه طريق المسجد معناه أنك تؤسس له مستقبلاً متيناً؛ ليس مستقبل الشهادة والمال؛ لأن الذي يعتمد على غير الله ينهار ويكسل وينهزم:
فالزم يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركانُ
فإذا عرف ذلك فليعرف النعيم أنه القرب من الله ، والعبودية لله، أسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا أن يقرَّ عيوننا وعيونكم بالنعيم الخالد، وبعبوديته ، وأن يرزقنا وإياكم الاستقامة.
اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنَّا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك.
стр. 963
الإنسان المبتلى
الخطاب الرباني يصاحب الإنسان وهو لم يزل في عالم الذر في ظهر أبيه آدم، ثم يصحبه هذا الخطاب جنيناً ووليداً وطفلاً، فإذا ما بلغ السابعة من العمر أمر بالصلاة، فإذا بلغ العاشرة ضرب على تركها، فإذا بلغ الأربعين فإنه غالباً ما يستمر على ما وصل إليه من الهداية والضلال، ثم بعد فراقه للدنيا يبقى الجزاء، فليس الموت نهاية كل حي، بل هناك اليوم الآخر حيث يستمر الخطاب الرباني الذي يتضح به مصير هذا الإنسان.
стр. 964
شمول الخطاب الرباني للحياة الإنسانية
الحمد لله ملء الأرض والسماوات، وعدد أنفاس الكائنات، الحمد لله ما وقف الحجيج بـ عرفات، وما باتوا بـ المزدلفة أحسن مبات، والحمد لله ما رموا الجمرات، وسكبوا عند البيت العبرات، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومربياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:١ - ٢].
الله يلاحق حياة الإنسان قبل أن تحمل به أمه، وقبل أن يكون نطفة، وقبل أن تضعه أمه على الأرض ناشئاً وصبياً، ثم طفلاً، ثم شاباً، ثم فتياً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، ثم شيبة، ثم ينتقل إلى الله.
стр. 965
رعاية الله للإنسان وهو جنين
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢] هذا هو الميثاق الغليظ، أخذه الله على الناس وهم في أصلاب أبيهم آدم، فدلهم على التوحيد، من هو ربكم؟ من هو إلهكم؟ من القادر الذي يخلقكم؟ من الذي يستحق العبادة؟
تحمل أم الإنسان بالإنسان، فإذا الله يتحدث عنه وهو في بطن أمه، فتضعه على الأرض لا ضاحكاً أو صامتاً أو ساكتاً أو نائماً أو مستيقظاً، إنما تضعه باكياً، ولم نسمع في تاريخ الإنسان أن رجلاً أو أنثى ولدوا وهم ساكتون، إلا عيسى بن مريم فما بكى، أما نحن جميعاً فقد بكينا يوم أن أتت بنا أمهاتنا، قال بعض الفلاسفة: بكى الإنسان لأنه خرج من السعة إلى الضيق.
وقال آخر: بكى الإنسان من هول الابتلاء، ومن عظم المشقة التي سوف يجدها من الضيق والهم والحزن.
وقال آخر: بكى الإنسان لأنه سوف يرى التكاليف أمام عينه والله أعلم، وقد قال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [النحل:٧٨].
كان أبكماً أصم أعمى، لا يأكل ولا يشرب ولا ينطق، فتولاه الله، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون.
ولدتك أمك يابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا
فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا
يقول ﵊ في الصحيح: ﴿كل مولود يولد على الفطرة﴾ ما هي الفطرة؟ أيولد مغنياً مطبلاً؟! أيولد ماجناً ممثلاً؟! أيولد مسرحياً معربداً؟! أيولد كروياً لاهياً؟! أيولد وبيده الكأس في الليالي الحمراء؟! لا.
بل يولد على لا إله إلا الله، يقع رأسه على لا إله إلا الله ومحمد رسول الله، يقول سبحانه: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠].
لكن من بدل خلق الله؟ إنهم العملاء، إنهم الخونة، إنهم أعداء الإسلام، بدلوا الإنسان من إنسان إلى كلب، ومن مؤمن إلى خنزير، ومن عبد صالح إلى بهيمة: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] كقلوب الحيوانات تماماً، يحفظون ويدرسون ويقرءون كل شيء إلا الدين، ويفهمون كل شيء إلا الإسلام، ويعرفون كل شيء إلا القرآن والسنة، قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩] ويؤذن لهذا الطفل كما أذن ﵊، في أذن الحسن أول ما أتت به فاطمة الزهراء ﵂، لماذا؟ لينشأ على التوحيد والإيمان، أخذ أذنه الرقيقة الضعيفة فاقترب منها ﵊ وقال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر حتى أكمل الأذان ليقع الأذان في قلبه، لينشأ عبداً مصلياً وعابداً ذاكراً.
لكن لما أتت التربية المعكوسة، وولد الابن على الموسيقى الإيطالية، أصبح لا يعرف إلا المجلة الخليعة، والسهرة الماجنة، ينشأ ويشب وهو يحفظ من الأغنيات العشرات، ولا يحفظ من الآيات البينات شيئاً.
ثم يقول الله للإنسان: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦].
من الذي خدعك؟ من هذه الطغمة الفاسدة والجلساء السيئون الذين حرموك من منهج الله؟ من المسئول عنك؟
﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨] لكنه يوم شب وقوي، وكبر كاهله، ونسي القرآن، أصبح معربداً لا يعرف الله.
стр. 966
العاص ينكر إعادة الله للخلق
أتى العاص بن وائل السهمي إلى الرسول ﷺ ، والعاص هذا -على اسمه- عاص لله، تاجر رعديد عدو للإسلام، ليله خمر، ونهاره فسوق وإلحاد وزندقة وانحراف، وعداوة أكيدة لله ولرسوله ﷺ ، أتى بعظم قديم وفتته في يده وحتحته، وقال: يا محمد! أتزعم أن ربك يعيد هذا العظم؟
لأن الرسول ﷺ أتى للناس يقول: إن هناك حساباً وعقاباً، وإن هناك يوماً آخر ومصيراً محتوماً نقف كلنا أمام الله فيه، قال: أتزعم أن ربك يعيد هذا العظم؟ ثم حتحته، ونفخه أمام الرسول ﵊، قال ﵊: ﴿نعم.
يعيده الله ويدخلك النار﴾ وفي الجواب زيادة "ويدخلك النار" لأنه عدو لله.
واسمع إلى رد الله يقول: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٩] ونلاحظ أنه الله لم يسمه لأنه حقير.
إنك أيها المجرم! لو نظرت إلى خلقك وأنت نطفة، ثم نزلت ثم اعتمدت ثم اعتمرت، ثم أصبحت كهلاً، لاعتبرت أن الله هو الخالق، هذه هي مرحلة الإنسان.
стр. 967
تسمية المولود
يطالب ﵊ بحسن الاسم، فإننا ندعى يوم القيامة بأسمائنا وأسماء آبائنا، عبد الرحمن، أحمد، محمد، ليست الأسماء الدخيلة التي حولت أجيالنا إلى جيل رخيص، إلى جيل -إلا من رحم ربك- يأكل وينشأ في أرضنا، ثم يحمل عداوة الإسلام، باسم غربي، أتى اسمه من لندن أو من باريس ولم يأتِ من بلاد الإسلام، من بلاد المصطفى ﵊:
من بلادي يطلب الفهم ولا يطلب العلم من الغرب الغبي
وبها مهبط وحي الله بل أرسل الله بها خير نبي
قل هو الرحمن آمنا به واتبعنا هادياً من يثرب
وحينما يصل الطفل إلى السابعة، يقول ﵊: ﴿مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع﴾.
стр. 968
سن الأربعين وما بعدها
ثم يصل الإنسان إلى الأربعين، فإذا الله يقول: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [الأحقاف:١٥].
الأربعون تمام العقل، وتمام القوة والإرادة والعزيمة، الأربعون رقي في الفهم، ونضوج في الإدراك والمعرفة، يقول بعض العلماء: إذا بلغ ابنك الأربعين ولم يهتد فاغسل يديك منه، لأن الله يقول: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ [الأحقاف:١٥] لكن بعد أن يصل الأربعين ثم لم يهتد، ولم يتعرف على بيوت الله، ولم يسجد لله، ولم يكن عبداً لله، ولم يخلص لله، فاعلم أنه مجرم إلا أن يتداركه الله، ما بعد الأربعين شيء، ويصل القرآن مع الإنسان، فإذا شيبه قد أنذره، قال ابن عباس: وهو يقرأ قوله : ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] قال: النذير هو الشيب، من شاب رأسه أو شابت لحيته ثم لم يكن له رادع، ولم يكن له منذر وواعظ، فاعلم أنه رجل مخذول أصابه خذلان.
يقول الإمام أحمد إمام أهل السنة لما رأى الشيب في لحيته في المرآة: والله ما وصفت الشباب إلا كشيء كان في يدي ثم سقط، يقول أبو العتاهية:
بكيت على الشباب بدمع عيني فلم يغن البكاء ولا النحيبُ
ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيبُ
أتدرون ماذا فعل المشيب؟! الآن الذين هم منا في السبعين والثمانين كلت أظفارهم، وضعفت أسماعهم، واحدودبت ظهورهم، وملوا الحياة، لا نوم ولا هدوء ولا لذة للطعام، قال تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٨] ومن نعمره في الحياة نعيده، فيصبح أكله كأكل الطفل، وإدراكه كإدراك الطفل، أفلا يعقلون؟ يقول أحد الشعراء:
إذا الرجال ولدت أولادُها وأخذت أسقامها تعتادُها
وكثرت من مرض عوادُها فهي زروع قد دنا حصادُها
(إذا الرجال ولدت أولادها) إذا أتى لأولادك أولاد وأصبحت جداً، فانتظر الموت، وانتظر لقاء الله، قال سفيان الثوري: من بلغ الستين فليشتر كفناً.
(وكثرت من مرض عوادها) يعاد في المستشفى وفي البيت وفي الطريق، سعال، وسهر وزفرات، وشكوى من السبعين والثمانين.
نام قيس بن عاصم المنقري وعنده عشرة أبناء، وكان أغنى العرب، لكن كل شيء له دواء إلا الهرم، وكل شيء له علاج إلا كبر السن، كان عنده عشرة من الأبناء، وهو سيد قبيلة بني تميم، وعنده من الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم ما الله بها عليم، لكن ما كان ينام الليل، وكان عمره ثمانين، إذا أتى لينام أتاه السعال والزفرات والهم والغم، فيقول له أبناؤه أزعجتنا، ما تركتنا ننام، فنظم قصيدة:
قالوا أنينك طول الليل يزعجنا فما الذي تشتكي قلتُ الثمانينا
أشتكي الثمانين، وأبكي من ثمانين سنة.
لكن ما هو الختام؟ وما هو التاج الذي يمكن أن يتوجه الإنسان لحياته؟ إنه العمل الصالح، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤].
стр. 969
سكرات الموت
يأتي الإسلام فيقول للإنسان: إذا أتتك سكرات الموت، فاحرص على أن تموت على (لا إله إلا الله) يقول ﵊: ﴿من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة﴾ وهو حديث صحيح، لكن كيف؟ لا يثبت على لا إله إلا الله إلا مؤمن، ولا يقولها في سكرات الموت إلا مؤمن، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
ذكر الذهبي المحدث الكبير: أن أبا زرعة المحدث ﵀ حضرته سكرات الموت فأغمي عليه، فأراد تلاميذه أن يذكروه بلا إله إلا الله وهو مغمى عليه، ولكن استحيوا أن يقولوا له: قل: لا إله إلا الله، لأنه شيخ المسلمين.
قالوا: نتذاكر سند حديث لا إله إلا الله، فلو ذكرناه بالسند فسوف يتذكر المتن هو، فقال أحد التلاميذ: حدثنا فلان عن فلان -وهذا أبو زرعة يحفظ ألف ألف حديث مليون حديث- فاستيقظ وسمع السند، ولكنهم من هول المصيبة ومن هول الكارثة نسوا السند، فأخذوا يقولون: حدثنا فلان، فيقول الثاني: لا.
بل فلان، فاستيقظ وقال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا فلان، حدثنا فلان، عن معاذ ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة﴾ ثم مات بعد ذكر الحديث.
وأما ابن القيم فيلوم المارقين العابثين الماجنين السفهاء المغنين في سكرات الموت، يقول: قيل لسفيه معربد وهو في سكرات الموت: قل: لا إله إلا الله، قال: أين الطريق إلى حمام منجاب، قال: فمات عليها لأنه عاش عليها، ومن شب على شيء مات عليه، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
يقول أحد العلماء -وذكره ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل وشكر هذه الأبيات- يقول يخاطب الله:
وحقك لو أدخلتني النار قلت للذين بها قد كنت ممن أحبهُ
وأفنيت عمري في علوم كثيرة وما منيتي إلا رضاه وقربهُ
أما قلتم من كان فينا مجاهداً سيحمد مثواه ويحسن شربهُ
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم
стр. 970
الإيمان باليوم الآخر
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
في بعض المقررات الدراسية كلمة هي من الإلحاد فهي كلمة زندقة تؤخذ من مذكرة استالين ولينين والإسلام منها بريء، وهي تصادم العقيدة مصادمة كاملة مطلقة عامة، وهي قولهم في عبارتهم التي يحفظونها ويدرسونها: "المادة لا تستحدث ولا تفنى"، ويقيمون عليها قانون الكيمياء ويؤصلونه على هذا المبدأ، وهذه تعارض قول أهل السنة، بل قول أهل الإسلام قاطبة بما فيهم المبتدعة.
ومعنى أنها لا تستحدث: أنها قديمة وأنه لم يخلقها أحد، ولكن الله يقول: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦].
قالوا: لا تفنى وقال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] وقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] ومقصودهم من هذا أن الإنسان إذا مات فقد انتهى، أرحام تدفع وأرض تبلع، وقالوا: إذا انتهى الإنسان عفا عليه النسيان، ولكن الله يقول: لا.
والقرآن يقول: لا.
ومحمد ﵊ يقول: لا.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه:١٠٢] ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤] ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] وقال تعالى: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢].
стр. 971
قصر الحياة الدنيا في نظر أهل الآخرة
إنها الحياة الآخرة، وإنها مرحلة ومسألة حياة الإنسان في الآخرة، يقول سبحانه وهو يسأل الناس يوم القيامة خاصة الغافلين: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢] كم مكثتم من فترة؟ يا أهل الثمانين ويا أهل المائة! كم لبثتم من فترة؟
بعض الصحف وبعض المجلات تجري مقابلة مع بعض الناس، قالوا: بلغ مائة وأربعين سنة، لكن تعال وابحث ما هو المحصول بعد مائة وأربعين سنة؟ لا شيء، يسألونهم ماذا يفطر في الصباح؟ وما هي وجبة الغداء؟ وماذا يجيد من العرضات الشعبية والقصائد النبطية؟ ولكن لا آية ولا حديث ولا نافلة ولا صيام ولا ذكر ولا قيام ليل ولا صلة رحم، كل هذه لا تعرض في الأسئلة، ولا يسألونه ما هو أثره على أسرته؟ أو على نفسه؟ ولا يسألونه ما هي آماله عن اليوم الآخر؟ وما هي تطلعاته؟ إنما هي هذه الأسئلة، فيقول لسان الحال: ليت هذا العمر الطويل لشيخ الإسلام ابن تيمية أو الإمام أحمد ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢] والله يدري والله يعلم بما لبثوا ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣] يقولون: لبثنا يوماً واحداً في الحياة، فأدركهم الورع، وخافوا أن يكذبوا، فقالوا: أو بعض يوم، وليس يوماً كاملاً، ويقولون لله: اسأل الملائكة والكتبة، نحن لا ندري.
قال الغزالي: من هول الموقف لا يدرون كم لبثوا!
لا إله إلا الله! إذا بلغ بك الحال يوم القيامة ألا تعرف عمرك، فكيف هذا اليوم؟! يا له من يوم ما أهوله! قال سبحانه: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه:١١٤ - ١١٦].
стр. 972
الإنسان بين النسيان والجحود
يقول ﵊: ﴿نسي آدم فنسيت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته﴾ والسبب أن آدم ﵇ نثر الله ذريته أمامه كصورة الذر، فرأى داود ﵇ وهو يزهو أمامه كالدر، قال: يا رب! من هذا؟ قال: ابنك داود، قال: كم عمره؟ قال: ستون سنة، قال: يا رب! زده من عمري أربعين، فزاده الله: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] فلما حضرت آدم الوفاة عجل الله وفاته قبل أربعين، قال: يا رب! بقي من عمري أربعين، قال: قد أعطيتها ابنك داود، فجحد آدم ذلك، قال: فنسي آدم فنسيت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته، ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه:١١٤ - ١١٦] ولكن أمام نسيان الإنسان وجحود الإنسان يخرج الله له كتاباً منذ أن أتت به أمه إلى أن مات، اقرأ كتابك ولا يقرؤه غيره، يستوي الأمي والمتعلم والجامعي والتاجر والفلاح وراعي الغنم كلهم يقرءون، قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٤].
فيقرأ الإنسان: يوم كذا فعلت كذا وكذا، ويوم كذا قلت كذا وكذا، فيطوي الإنسان كتابه ويقول: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩].
стр. 973
دروس وفوائد
من هذه المقالة وهذه الخطبة نأخذ دروساً:
أولها: أن الإسلام معك وأنت في بطن أمك، حتى تدخل الجنة أو تدخل النار.
ثانيها: أنك لست متروكاً هملاً ولا سدى، بل إنه وحي من الله لا ترفع خطوة ولا تنام ولا تستيقظ ولا تأكل ولا تشرب ولا تتحدث إلا والوحي معك: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢].
ثالثها: أن الذي لا يضبط حركاته ولا سكناته مع الوحي، فهو سفيه قد سفه نفسه، وهذا الرجل الذي لا يتجه إلى الرسالة الخالدة.
رابعها: أننا لسنا في حاجة لأي مبدأ، أو أي قانون، أو رسالة أو أطروحة غير رسالة محمد ﵊.
فإما حياة نظَّم الوحي سيرها وإلا فموت لا يسر الأعاديا
إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا
أيها المسلمون! فلنعد إلى القرآن والسنة، ولنستهد بهدى الله الذي أُرسل به ﵊، فإن كل قلبٍ ملعون إلا قلباً أشرقت عليه شمس الرسالة، وكل أرض مغضوب عليها إلا أرضاً رأت شمس هذا الدين، ومن اعتقد أنه سوف يهتدي بهدى غير هدى الله الذي أُرسل به محمد ﵊ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
أيها الناس! صلوا وسلموا على رسول الهداية ومعلم البشرية، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
اللهم ارض عن أصحابه الأطهار، وعن المهاجرين والأنصار، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين!
اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله في نفسه، واجعل تدبيره تدميره، واخذله يا رب العالمين!
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح سرائرنا وظواهرنا وبيوتنا وشبابنا يا رب العالمين!
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 974
الرجاء والدعاء
عبادة الله لابد أن تكون بالخوف والرجاء، والشيخ قد ساق في درسه هذا أحاديث في باب الرجاء، واستنبط منها فوائد جليلة، وذكر أموراً جليلة وقصصاً يتبين منها عظم أثر الدعاء، به نجا الغريق، وبه أصبحت النار برداً وسلاماً، وبه ينصر المسلمون، وبه تهطل الأمطار، وبه ينزل ملكاً من السماء لينقذ رجلاً إلخ.
стр. 975
معركة قطز مع التتار
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، معنا في هذا الدرس حديث عظيم، هو قاعدة من قواعد الإسلام، وأصل من أصول الدين، رواه الإمام الترمذي في كتابه السنن يقول: عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿قال الله ﵎: يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عِنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا بن آدم! لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً للقيتك بقرابها مغفرة﴾ هذا الحديث رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وهو حديث قدسي؛ أي: أن لفظه من الرسول ﷺ ومعناه من الله الواحد القهار، وهو حديث تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله.
والترمذي هو صاحب السنن التي قدمها هدية للأمة الإسلامية، وهي من الكتب الأصيلة، فهي من الكتب الستة التي عليها بعد القرآن ومدار رحى الإسلام، والتي نواجه بها أعداء الدين، والتي نفتخر ونتشرف أن تكون من ميراثنا ومن تراثنا، ومن حكمة الله أن الله حفظ لنا الوحي الذي أنزله على محمد ﷺ في الكتاب والسنة بهذه الكتب.
لما قدم التتار -المغول- مع جنكيز خان من صحراء سيبيريا واجتاحوا العالم الإسلامي وذلك حين ضعفت لا إله إلا الله في قلوب المسلمين؛ وتركوا المساجد؛ وتلفتوا إلى المغنين والمغنيات والخمارات، فابتلاهم الله بأمة لا تعرف الرحمة، ولذلك في الأثر: ﴿من لم يتعرف إليَّ سلَّطُّت عليه من لا يعرفني﴾ فهؤلاء التتار المغول ما عرفوا الله ، وهم برابرة القلوب؛ فيهم قسوة لا يعلمها إلا الله، لا يعرفون الرحمة، إنما يعيشون على الدم، وهم أول شعب امتاز بسفك الدم في العالم، فاجتاحوا العالم الإسلامي، ودمروا المساجد، وحولوا بيوت الله إلى إسطبلات للخيول، وكان أحدهم يصعد على المنبر ويشرب كأس الخمر والناس جلوس، وكانوا يقفلون باب المسجد، وكلما دخلت جماعة داخل المسجد يدخل أحدهم بالسيف فيقتل من في المسجد جميعاً.
وبلغ من الذلة والقلة والهوان لما هانت الأمة في عين الله أن يأتي التتري ويقول للمسلمين وهم جماعات: ابقوا هنا حتى أذهب إلى البيت فآخذ سيفاً وأقتلكم به، فلا يتحركون خوفاً حتى يأتي، ويقول للمسلم -يوم كان الإسلام اسماً-: ضع رأسك على الصخرة حتى آتي، فيضع رأسه فيأتي التتري يذبحه بالسيف، ولكن ما كان الله ليعطل رسالة الرسول ﷺ ، وما كان الله لينهي لا إله إلا الله في الأرض؛ لأنه دينٌ عالمي، يقول الأستاذ سيد قطب ﵀ في تفسير قوله : ﴿وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم:٥٢] قال: يا ألله! إنها دعوة تعلن عالميتها من اليوم الأول.
الرسول ﷺ وحيد، معه ثلاثة زيد بن حارثة وأبو بكر وعلي، وقريش بالسيوف وبالموت من كل جانب، ويقول من السماء: ﴿وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم:٥٢]؛ وبالفعل سرت الدعوة العالمية حتى سجد لله أهل السند الذين ما عرفوا الله، وأهل أسبانيا الذين ما عرفوا لا إله إلا الله، فلما أراد الله أن يعيد للأمة قوتها، هل تعود قوتها بالطائرات والدبابات وبالتدريب؟ لا.
إنما تعود قوتها إذا عادت إلى الله ؛ لأن هذه الأمة مختارة اختارها الله للخلافة في الأرض، واختارها لأداء الرسالة، فإذا تعرَّفت على الله عرف الله الناس قدر هذه الأمة وعظمتها وسموها.
стр. 976
قطز ينادي واإسلاماه
فأتى قطز السلطان المملوكي الذي كان يباع ويشترى في السوق فأعتقه كثير من أهل العلم، ثم تولى بقوته وشجاعته الحكم، فعاد إلى الله وجمع الأمة الإسلامية، فصعد على المنبر يوم الجمعة في القاهرة، فقطع قلبه بالبكاء، والعالم الإسلامي أصبح ممزقاً، التتار من كل مكان، والناس إذا سمعوا صوتاً أو رجفةً ظنوها تترياً فيكاد أحدهم يسقط، حتى إذا دعت المرأة على ابنها كما يقول المؤرخون تقول: لاقى الله بينك وبين مغوليٍ أو تتري.
فصعد هذا يوم الجمعة، واختطب خطبة شجاعة إيمانية وقطعها بالبكاء، ثم نادى: واإسلاماه، فتحرك الإسلام في القلوب، وتحركت لا إله إلا الله في النفوس، وعادت القلوب إلى بارئها الذي يكسب القوة، واجتمع المسلمون من كل حدب وصوب في مصر، حتى إن الذهب والفضة أصبح صُبَر -أي: أكواماً- وكانت المرأة تلقي خاتمها وخرصها ولا تبقي عليها من الذهب شيئاً؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال:٦٠] فلا تكفي القوة الروحية؛ لأنها رهبنة، لكن مع القوة الروحية قوة جسمية وفكرية وعلمية وعسكرية؛ فكان قطز يستعرض مع العلماء بعد كل صلاة من القاهرة إلى القناطر يستعرض الجيش الإسلامي؛ فكانوا يتدربون، وكانوا يبارون السهام، وكانوا يتناضلون حتى الغروب، ثم يبدءون من الغروب في صلاة واستغفار حتى الفجر.
وكان يصلي بهم الحاكم قطز، فيدعو ويبكي، ويقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض؛ معنى ذلك: أن الجيش الذي اجتمع في مصر إذا سحق فعلى لا إله إلا الله السلام، سوف تنتهي الدعوة الخالدة والمسلمون من الأرض، واجتمع معه العلماء وأمروه أن يحرم الربا، ويمنع الخمور، وينهى عن المعاصي والفحش فمنعها؛ لأن الأمة كلما عصت الله سلط الله عليها من هو أعصى له من هؤلاء العصاة، فعادوا، وحرم الربا، وحرم الخمور، حتى يقول أحد الزهاد وهو يعظ قطز قبل المعركة:
حرمت كاسات المدام تعففاً وعليك كاسات الحرام تدور
ويقول في أولها:
مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور
فبكى حتى سقط من على كرسيه، هذا قطز، وفي الأخير اجتمع مع العز بن عبد السلام؛ العالم الشافعي الكبير، واستعرض آخر استعراض للجيش، وأوصاهم بتقوى الله ، وأمرهم أن يصوموا قبل المعركة ثلاثة أيام؛ لأنها من أعظم المعارك التي عرفها التاريخ، فعرفوا اللجوء والرجوع إلى الله حين ضاقت الضوائق وحين قالوا: واغوثاه واإسلاماه.
стр. 977
المسلمون يلحقون التتار إلى أبواب دمشق
والتقى المسلمون والتتار بين الشام ومصر في معركة طاحنة، وتقدمت كتائب التتار كالجبال، ابن جنكيز خان الذي كان القائد ما كان يعرف الرحمة أبداً، وظن بعض المؤرخين أنهم لن يهزموا في التاريخ، فلما تقدموا أرسل التتار والمغول الجمال وكان عليها شوك فأخذت تجتاح جيش المسلمين فانهزمت المقدمة، وانهزم القلب، وانهزمت الميمنة، وانهزمت الميسرة، وبقي قطز وسط المعركة يقول: لا إله إلا الله، فلما انهزم الجيش أخذ قلنسوة الجيش المسلم أخذ خوذته التي على رأسه وتحميه من الضرب فوضعها في الأرض وداسها بقدمه وقال: واإسلاماه؛ معنى ذلك: أن الإسلام قد انتهى، ولكن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] فلما سمع الجيش (واإسلاماه) رفع الله هذا الصوت، يقولون: ما قالها إلا بكلمة منخفضة لكن رفعها الله حتى سمعها كل الجيش، فعادوا يقاتلون كما يقاتل الإنسان عن ابنه أو عن نفسه، وجاء وقت الظهر وقد ولى التتار أدبارهم، فيقول قطز: لا ترفعوا السيوف عنهم حتى ندخلهم دمشق، فأخذوا يأسرون ويضربون ويقتلون حتى تهاوى العشرات والمئات على وجوههم، وأصبحوا يقتلونهم ثلاثة أيام بلياليها، حتى اقتربوا من دمشق.
يقول المؤرخون: أصبحت الريح تأخذ أظفار هؤلاء التتار من الأموات فيسمع لها خشخشة كخشخشة الأوراق من كثرتها، وأصبحت الأرض منتنة من روائحهم، حتى تهب الريح العاصف فيجدها أهل المدائن وأهل القرى من روائح القتلى؛ مجزرة في التاريخ ما سمع بمثلها.
стр. 978
شيخ الإسلام يتصدى للتتار في دمشق
أوشكوا على دخول دمشق فتصدى لهم شيخ الإسلام ابن تيمية، فعندما أرادوا الدخول واجتياح دمشق قام في رمضان وشرب الماء أمام الناس، وهو صائم والناس صيام، وقال: لا صيام لكم والمعتدي الأجنبي قد دخل البلاد، فأفطروا جميعاً.
ثم وقف ابن تيمية وألقى خطبة من سمعها يظن أن القيامة قامت، وكان يقطع صوته بالبكاء، ويقول: والله لننتصرن، والله لننتصرن، والله لننتصرن، فيقول الصف المقدم: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً.
والتقوا في معركة شقحب، وسحق بقية التتار وفرَّ قائدهم ومن معه من زعمائهم.
وقبل ذلك وصلهم ابن تيمية يعظهم في مخيماتهم، فقال له قازان حفيد جنكيز خان: ادع لي، فيقول ابن تيمية وقد رفع يديه: اللهم إن كان في حياة هذا العبد خيرٌ لدينك فأحيه، وإن كان فيه شرٌ لدينك فأمته واسحقه واقطع دابره، فكان يقول: آمين، ولا يدري ما معنى الكلام، وفي الأخير هداه الله إلى الإسلام، ودخل كثير من التتار في الإسلام، وعاد الإسلام منصوراً.
والشاهد من القصة: أن التتار لما قدموا على بغداد أخذوا الكتب كل الكتب إلا ما شاء الله ووضعوها في النهر فجعلوها جسوراً تمر عليها الخيول المسلحة.
فيقول أهل التاريخ: الحمد لله ما فاتنا شيء من التفسير، ولا من الحديث، ولا من الفقه،، إنما فاتتنا كتب الخزعبلات، والتراهات، وكتب النفاق، والمنطق، وعلم الكلام التي أدخلها المأمون وأبناؤه وأضرابه التي جاءت بالشقاء والنكد على الأمة، وأبقى الله لنا من ضمن ما أبقى سنن الترمذي، وكذلك يرفع الله المخلصين بكتبهم وكلماتهم، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧].
واليوم تؤلف المؤلفات الكثيرة طعناً في الإسلام، ويؤلف أهل الشعر من الحداثيين الذين ينهجون نهج الإلحاد قصائد لكنها سوف تموت؛ لأن الحق حيٌ وأما الباطل فيموت في كل يوم عشر مرات.
فالمقصود: أنه من ضمن هذا التراث سنن الترمذي؛ الذي تسمعونه دائماً على المنابر، وفي المحافل والإذاعات، وفي فصول الدراسة، حين يذكر حديث ويقال: رواه الترمذي؛ لأن الله علم إخلاص هذا الرجل فرفعه بكتابه.
الترمذي رجل بسيط ولكن عظَّمه الإسلام والتقوى والعلم، يقول عنه الذهبي: ثبت عن الترمذي أنه بكى حتى عميت عيناه، فكان أعمى في آخر حياته، يتلقى العلم، ويملي على تلاميذه، فأصبح من أحفظ الناس، تسمعه يورد الحديث بروعة فائقة ثم يقول: حديث حسن صحيح، أو حديث حسن، أو حديث صحيح, أو حديث غريب؛ وهذه مصطلحات تعرف من علم المصطلح.
стр. 979
الدعوة بالرجاء والخوف
أما الحديث الذي معنا في هذا الدرس، فإنه حديث بشرى، يزف لكل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر.
والرسول ﵊ كان كلما أرسل داعية، أو أرسل معلماً، أو مربياً، قال: ﴿بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا﴾ لأن معاذاً لو جاء إلى اليمن ﵁ وأرضاه وأمثاله، فقال: ويل لكم من نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى.
ويل لكم من الله الذي سوف يأخذكم أخذ عزيز مقتدر، مالكم لا تبكون؟! أتضحكون؟! لنفر الناس من الإسلام ولما دخلوا في دين الله، وهذا مجرب، وأنا كطالب عالم -أو طويلب علم- أرى أن من الحكمة أن يقرن الرجاء بالخوف، وأن تخصيص جلسات للخوف مطلقاً إنما هو إرهاب للفكر المسلم، بل لا بد من إقران الخوف بالرجاء.
دخل الفرنسيون الجزائر وحطموا منارات الإسلام في الجزائر، وقام أحد علماء الجزائر - p=١٠٠٠٥٠٧>> عبد الحميد بن باديس - ليخاطب شعب الجزائر ليردهم بالخوف من الله حتى يتركوا الخمور والزنا والربا، فلما سمعوا هذا الكلام يئسوا من رحمة الله ، وقنطوا وزادوا في المعاصي، فعاد فدعا الله ، ما هو المفتاح لقلوب الجزائريين حتى يعيدهم إلى الله، فتذكر أنه لا يوجد مفتاح إلا الرجاء في رحمة الله، ثم قال كلمته المشهورة على المنبر في جنوب الجزائر:
شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب
من قال قد هودته قلب الحقيقة أو كذب
أو كما قال، ثم قال: شعب الجزائر لا يعود إلى الله إلا بالرجاء، فأتى بأحاديث التوبة، ومثل هذا الحديث في الرجاء، فلما سمع الناس أن هناك رباً رحيماً غفوراً وأنه يقبل توبة العبد، ويغفر له؛ دخلوا في دين الله أفواجاً، وما هي إلا سنة واحدة حتى قدموا مليوناً من القتلى، وسحقوا فرنسا بكبريائها وعتوها وغطرستها في الأرض، وأخرجوا المستعمر من بلادهم.
стр. 980
الرجاء باب عظيم
فالمقصود أن الرجاء باب عظيم، وأنه مفتاح للدخول على الله ، حتى مدح ابن القيم كتاب الرجاء، وقال: هو الباب الذي يجنح بالعبد إلى الله، والعجيب أنه في رياض الصالحين أتى بكتاب الخوف فيما يقارب أربع صفحات، ثم أتى بكتاب الرجاء في ثمان صفحات ثم أتى بفضل الرجاء في ست صفحات لتأتي القلوب إلى الله .
قال ابن القيم في مدارج السالكين: العاقل لا يبني قصراً ويهدم مصراً.
ثم قال: هناك رجل اسمه الحارث المحاسبي ألف كتاباً اسمه الرعاية، فلما قرأه الناس تركوا المساجد، وكتاب الرعاية كتاب رقائق وأدب وسلوك، لكنه ليس تربوياً؛ لأنه ظن أنه سوف يخوفهم، ويضربهم بسوط الخوف حتى يأتوا إلى بيوت الله، فلما دخل وتعمق، وأكثر من الخوف؛ ترك الناس المساجد وتعطلت بيوت الله ، وهذا معروف، يقول ابن الوزير في العواصم والقواصم: إن الخوف إذا كثر على النفوس كلت وملت، فإنك لو تقوم في مجتمع صغير أو قرية فتقوم لهم كل صباح وكل مساء: مالكم لا تبكون؟! أين أنتم من كذا؟! ثم تجمع قصص الخوف لقطعت قلوبهم، وقالوا: ما هي أعمالنا؟ إذاً هذه الصلاة لا تنفعنا، والذكر لا ينفعنا، وقراءة القرآن، ونترك الصدقة، ونترك الإخوة، وييئسون من رحمة الله، لكنك إذا أعدتهم إلى الله بباب الرجاء مع لذع من الخوف لعادوا بإذن الله ، فلا يستغرب مستغرب أننا نكثر دائماً من أحاديث الاستغفار والرجاء؛ لأن أهل أبها أناس لا يعودون إلى الله إلا بالرجاء مع شيء من الخوف، كما يعود الجزائريون إلى الله بالرجاء، فيقول ﷺ يقول الله : ﴿يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي﴾ لا أحلم من الله ، ولذلك يحلم عن الكافر الفاجر، تجد بعض الفجرة يقتل المسلمين ويسحقهم سحقاً، يسحق المدينة، ويقتل الأطفال والنساء، ويعذب، ويشنق، ويربط، وينصب الزنزانات، ثم يلتفت المؤمن يقول: أما هناك انتقام؟! أما هناك محاكمة؟! أما يعلم الله ما يفعل هذا الفاجر؟! قال الله في سورة إبراهيم: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢] أي: لا تحسب أن الله غافل عنهم إنما هو وراءهم بالمرصاد، لكن: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٤٣].
حتى يقول سيد قطب ﵀ في سورة البروج: الحياة ليست طويلة حتى ينتقم الله من أهل الفجور وأهل الظلم، لا تكفي ستون سنة ليعذب الله هذا المجرم، فيدخر الله له العذاب آلاف السنوات.
فالله حليم ، فكيف إذا كان هذا المخطئ مسلماً في الأصل، ويحب الله ، ثم عاد فحاسب نفسه وتفكر فيما فعل في شبابه، ثم عاد إلى الله يقول ﷺ : ﴿إن الله أفرح بتوبة العبد من أحدكم ضلت منه راحلته عليها طعامه وشرابه، فبحث عنها، فلما وجدها وقد أيس منها قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك! أخطأ من شدة الفرح﴾ فالله أفرح بالعبد إذا عاد إليه من هذا بناقته.
ولذلك قال أهل العلم: آيات في كتاب الله ما نريد أن لنا بها حمر النعم.
وقال ابن مسعود ﵀: [[آية في كتاب الله والله ما أريد أن لي الدنيا بما فيها بهذه الآية، قالوا: وما هي؟ قال: قوله : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:٣١]]] قال بعض أهل العلم: من اجتنب الكبائر كفر الله عنه الصغائر.
ثم تأتي الكفارات وسوف أذكرها، فيقول عز من قائل في كتابه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] وقال جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦].
стр. 981
بشروا ولا تنفروا
أورد ابن القيم وابن كثير أن الله لما أنزل كلمات إلى يحيى ﵇ ليبلغها قومه، والحديث في المسند وفي الترمذي، تأخر فما بلغها يحيى ﵇ بني إسرائيل، فإن الله كان يبعث في بني إسرائيل في الفترة الواحدة نبيين وثلاثة وأربعة وربما وجد العشرة من الأنبياء في فترة واحدة، فكان يحيى وعيسى ﵉ ابني خالة، وكانا مبعوثين في بني إسرائيل فتأخر يحيى فما بلغ، فقال عيسى ﵇: إما أن تبلغ ما أنزل الله إليك وإلا فاتركني أبلغ أنا، قال يحيى: أبلغ، فجمع بني إسرائيل وقام فيهم خطيباً فوعظهم.
قال أهل العلم: كان يحيى ﵇ دائم العبوس، لا يتبسم، وذلك: من حزنه، ومن تذكره للقاء الله، وكان عيسى ﵇ كلما لقي أحداً تبسم له، ولذلك أخذ ﷺ من هذا أنه يقول للصحابة إذا أرسلهم: ﴿بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا﴾ وأخوف الناس وأعلمهم بالله هو رسول الله ﷺ ، ومع ذلك كان بساماً، وفي الصحيح أن جرير بن عبد الله قال: ﴿ما رآني رسول الله ﷺ إلا تبسم في وجهي﴾.
стр. 982
مقتطفات من سيرة محمد بن سيرين
قال أهل العلم في ترجمة ابن سيرين ﵀: ومن مثل ابن سيرين؟! كنا نلقاه في النهار بساماً ضحاكاً، فإذا أظلم عليه الليل سمع جيرانه بكاءه من خشية الله، كان يبيع ويشتري في الزيت، وورد أنه أتت له جرار زيت، وقع فأر في جرة من الجرار، قيمة الجرار مائة ألف درهم، ووقع فأر في جرة فما درى أين الجرة، فأمر بإهدار جرار الزيت حتى لا يغش بها مسلماً، قالوا: وما وقع الفأر إلا في جرة.
قال: ومن يؤمنني أنه في بعضها، أو أنه تلوث بعضها، ولا أعرف الجرة التي وقع فيها، فأتلف الزيت بمائة ألف، فعوضه الله صبراً وإيماناً ورفع منزلته، ولذلك يسمى التاجر الأمين، ولا يظن الناس أن العبادة ليست إلا بالذكر والصلاة، بل هناك عباد يدخلون الجنة من باب النفقة والصدقة، وهم التجار، ويفتح الله للعلماء باباً، ويفتح للدعاة، ويفتح للمصلين، وللمتصدقين، وللمجاهدين، وللصالحين، وللذاكرين؛ فانظر إلى بابك الذي تريد أن تدخل منه فادخل.
стр. 983
معنى: (لو بلغت ذنوبك عنان السماء)
قال ﵊: ﴿يقول الله : يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عِنان السماء﴾ وفي رواية: ﴿عَنان السماء﴾ العنان هو: الغمام، لو بلغت ذنوب العبد الغمام يعني: من الأرض إلى الغمام فتزاحمت وتراكمت حتى بلغت هناك فلقي الله واستغفر لغفر له ولا يبالي ، لأن الله لا يريد تعذيب العبد، لكن يطلب الله من العبد أن يذل ويخضع، وأن يرجع إليه ، ليغفر له ﵎.
ورد في حديث عن الرسول ﷺ أنه: لما كان في المسجد بعد صلاة العصر وأراد ﷺ أن ينتقم من قريش؛ لنقضها صلح الحديبية؛ فإن نص المكاتبة أو مفهومها أن تضع الحرب أوزارها عشر سنوات إلا من ينقض العهد منهم، فإنه يكون المحروب والمنتقم منه، فنقضت قريش عهدها وميثاقها مع رسول الله ﷺ ، وعلم رسول الله ﷺ أن قريشاً قتلت بعض أحلاف الرسول ﵊، فأراد أن يتثبت حتى يأتيه الخبر، فصلى صلاة العصر، وجلس ﷺ يسبح والصحابة حوله، فدخل رجل من أحلافه -أتى من مكة - على جمل وقد قتلت قريش إخوانه وأبناءه، غدرت بعهد الله، ثم أتوا على أحلاف رسول الله ﷺ في منى وفي الوتير فقتلوهم، فدخل وبيده عصا فقال:
يا ربِ إني ناشدٌ محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
يقول: أين المحالفة والمكاتبة؟! نُقضت.
فانصر هداك الله نصراً أيدا وادعُ عباد الله يأتوا مددا
في فيلق كالبحر يجري مزبداً إن قريشاً أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا وقتلونا ركعاً وسجداً
فدمعت عيناه ﷺ ، ثم قال: ﴿اللهم إن قريشاً نقضت عهدك، اللهم فانصرنا عليهم﴾ فمر السحاب من قبلة المسجد يتقطع كأنه قذائف يمر تجاه مكة، يقول ﷺ : ﴿هذا العِنان أبشروا بالنصر﴾ قام ﵊ واستقبل القبلة قال: ﴿اللهم عم عليهم أخبارنا﴾ على قريش، ثم استنفر ﷺ أصحابه فكانوا عشرة آلاف مقاتل، المهاجرون فيما يقارب ألفاً، والأنصار في ألف، وسعد بن هذي في ألف، وجهينة في ألف، وأسد في ألف، ومزينة في ألف، وجعل ﷺ على كل كتيبة قائداً، وأراد الخبر أن يكون مكتوماً وألا يصل إلى قريش.
حاطب بن أبي بلتعه كتب إلى قريش فأمسكت الرسالة وقرأها ﷺ ودعا حاطب بن أبي بلتعه قال: ﴿ما حملك؟ فأخبره الخبر، فقال عمر: يا رسول الله! دعني لأضرب عنقه فقد نافق، قال: يا عمر! وما يدريك لعلَّ الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فدمعت عينا عمر﴾ ولم يدر كفار قريش، وما أتاهم خبر، ولا علموا حتى طوق ﷺ مكة.
جبل أبي قبيس في ليلة من الليالي يقول ﵊ للجيش: ﴿إذا وصلتم فليشعل كل واحد منكم ناراً﴾ هم عشرة آلاف يعني: عشرة ألف نار، فنزلوا فاحتلوا جبل أبي قبيس وجبل قينقاع والثنية السفلى والثنية العليا وكديم وكل مكان، وبعد صلاة المغرب أوقدوا النيران وإذا بـ مكة تضطرم ناراً كلها، فخرجوا من بيوتهم لا يعلمون ماذا هناك، فيقول أبو سفيان للعباس عم الرسول ﵊: ما هذا؟ قال: لا أدري؛ والعباس لم يدر؛ لأن الرسول ﷺ دعا أن يعمي الله عليهم أخبارهم، قال: أظن أنها خزاعة، قال: خزاعة أقل وأذل من ذلك، فأتى الخبر أنه ﷺ ثم كان الفتح، حتى يقول حسان قبل المعركة بأشهر يقول:
فإما تعرضوا عنا اعتمرنا وكان الفتح وانكشف الغطاء
يقول: اتركونا نعتمر ندخل البيت.
وإلا فاصبروا لجلاد يوم يعز الله فيه من يشاء
عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع مطلعها كداء
يقول: جعل الله خيلنا ما تعود إلينا.
عدمت خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء
ينازعن الأسنة مصعدات على أكتافها الأسل الظماء
تظل جيادنا متمطرات يلطمهن بالخمر النساء
لما دخل ﷺ الحجون، فإذا بالخيل تأتي من كداء منطلقة وهي خيل خالد بن الوليد لأنه أتى من كداء، وإذا هي تلهث، وإذا نساء مكة يأخذن الخمر من رءوسهن -كأن حسان شهد الوقعة- ثم تمسح المرأة وجه الفرس بالخمار وذلك لعزتها، فيتبسم ﵊ ويلتفت لـ أبي بكر ويقول: ﴿كيف يقول حسان؟﴾ لأنه ﵊ ما كان يحفظ الشعر ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩] كان يكسر الأبيات، لأنه لو كان يحفظ الشعر كانت قالت قريش: كان ينظم القرآن شعراً.
فيقول ﷺ : ﴿كيف يقول حسان؟﴾ يقوله لـ أبي بكر وأبو بكر كان نسابةً، علامةً، داهية، قال: يقول:
عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء
فتبسم ﷺ ، وسره هذا.
وفي تفسير قوله : ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ [الواقعة:٦٦ - ٦٩] قال ﵊: ﴿ما هذا؟ قالوا: غمام يا رسول الله! قال: والمزن.
قالوا: والمزن يا رسول الله! قال: والعنان؟ قالوا: والعنان﴾ فالعنان هو: الغمام، فيقول : لو بلغت ذنوبك أيها العبد عنان السماء ثم جئت لا تشرك بالله شيئاً -أو استغفرته- غفرها لك .
стр. 984
أحاديث فيها بشرى للمؤمن
هنا أحاديث لا بد أن نعيش معها في الاستغفار والتوبة، وهي مبشرات تُدفع لكل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، وصراحة أننا نعلن عجزنا وضعفنا وقلتنا، ونسأل الله ألا يفضحنا على رءوس الأشهاد؛ فإنَّا أهل ذنوب وخطايا وسيئات لا يعلمها إلا الله، لكننا نسأله أن يكفر عنا سيئاتنا، ويتقبل منا أحسن ما كنا نعمل في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون، ﴿كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون﴾.
стр. 985
حديث من أذنب ذنباً ثم استغفر الله
الحديث الأول: حديث أبي بكر الصديق الإمام المعتبر ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿من ألمَّ بذنب -أي: من أصاب ذنباً سواء كبير الذنب أو صغيره- فتوضأ وصلى ركعتين ثم استغفر الله من ذاك الذنب، إلا غفر الله له﴾ روى هذا الحديث الإمام أحمد وهو حديث صحيح عند جماهير المحدثين، ولذلك يقول علي لما رفعت له البشرى من أبي طالب يقول: ﴿كان الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ إذا حدثني الحديث استحلفته -يقول: احلف لي- فإن حلف صدقته، وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر﴾ لا يستحلف أبا بكر، من يستحلف أبا بكر؟!
قال بعض المفسرين: في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] الذي جاء بالصدق هو رسول الله ﵊، والذي صدق به هو أبو بكر، فكيف يُستحلف أبو بكر!! فقال: ﴿وصدق أبو بكر أن العبد إذا أذنب فتوضأ وصلى ركعتين غفر الله له ذاك الذنب﴾.
следующие страницы →