Полный текст (10 391 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
بشروا ولا تنفروا
أورد ابن القيم وابن كثير أن الله لما أنزل كلمات إلى يحيى ﵇ ليبلغها قومه، والحديث في المسند وفي الترمذي، تأخر فما بلغها يحيى ﵇ بني إسرائيل، فإن الله كان يبعث في بني إسرائيل في الفترة الواحدة نبيين وثلاثة وأربعة وربما وجد العشرة من الأنبياء في فترة واحدة، فكان يحيى وعيسى ﵉ ابني خالة، وكانا مبعوثين في بني إسرائيل فتأخر يحيى فما بلغ، فقال عيسى ﵇: إما أن تبلغ ما أنزل الله إليك وإلا فاتركني أبلغ أنا، قال يحيى: أبلغ، فجمع بني إسرائيل وقام فيهم خطيباً فوعظهم.
قال أهل العلم: كان يحيى ﵇ دائم العبوس، لا يتبسم، وذلك: من حزنه، ومن تذكره للقاء الله، وكان عيسى ﵇ كلما لقي أحداً تبسم له، ولذلك أخذ ﷺ من هذا أنه يقول للصحابة إذا أرسلهم: ﴿بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا﴾ وأخوف الناس وأعلمهم بالله هو رسول الله ﷺ ، ومع ذلك كان بساماً، وفي الصحيح أن جرير بن عبد الله قال: ﴿ما رآني رسول الله ﷺ إلا تبسم في وجهي﴾.
стр. 982
مقتطفات من سيرة محمد بن سيرين
قال أهل العلم في ترجمة ابن سيرين ﵀: ومن مثل ابن سيرين؟! كنا نلقاه في النهار بساماً ضحاكاً، فإذا أظلم عليه الليل سمع جيرانه بكاءه من خشية الله، كان يبيع ويشتري في الزيت، وورد أنه أتت له جرار زيت، وقع فأر في جرة من الجرار، قيمة الجرار مائة ألف درهم، ووقع فأر في جرة فما درى أين الجرة، فأمر بإهدار جرار الزيت حتى لا يغش بها مسلماً، قالوا: وما وقع الفأر إلا في جرة.
قال: ومن يؤمنني أنه في بعضها، أو أنه تلوث بعضها، ولا أعرف الجرة التي وقع فيها، فأتلف الزيت بمائة ألف، فعوضه الله صبراً وإيماناً ورفع منزلته، ولذلك يسمى التاجر الأمين، ولا يظن الناس أن العبادة ليست إلا بالذكر والصلاة، بل هناك عباد يدخلون الجنة من باب النفقة والصدقة، وهم التجار، ويفتح الله للعلماء باباً، ويفتح للدعاة، ويفتح للمصلين، وللمتصدقين، وللمجاهدين، وللصالحين، وللذاكرين؛ فانظر إلى بابك الذي تريد أن تدخل منه فادخل.
стр. 983
معنى: (لو بلغت ذنوبك عنان السماء)
قال ﵊: ﴿يقول الله : يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عِنان السماء﴾ وفي رواية: ﴿عَنان السماء﴾ العنان هو: الغمام، لو بلغت ذنوب العبد الغمام يعني: من الأرض إلى الغمام فتزاحمت وتراكمت حتى بلغت هناك فلقي الله واستغفر لغفر له ولا يبالي ، لأن الله لا يريد تعذيب العبد، لكن يطلب الله من العبد أن يذل ويخضع، وأن يرجع إليه ، ليغفر له ﵎.
ورد في حديث عن الرسول ﷺ أنه: لما كان في المسجد بعد صلاة العصر وأراد ﷺ أن ينتقم من قريش؛ لنقضها صلح الحديبية؛ فإن نص المكاتبة أو مفهومها أن تضع الحرب أوزارها عشر سنوات إلا من ينقض العهد منهم، فإنه يكون المحروب والمنتقم منه، فنقضت قريش عهدها وميثاقها مع رسول الله ﷺ ، وعلم رسول الله ﷺ أن قريشاً قتلت بعض أحلاف الرسول ﵊، فأراد أن يتثبت حتى يأتيه الخبر، فصلى صلاة العصر، وجلس ﷺ يسبح والصحابة حوله، فدخل رجل من أحلافه -أتى من مكة - على جمل وقد قتلت قريش إخوانه وأبناءه، غدرت بعهد الله، ثم أتوا على أحلاف رسول الله ﷺ في منى وفي الوتير فقتلوهم، فدخل وبيده عصا فقال:
يا ربِ إني ناشدٌ محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
يقول: أين المحالفة والمكاتبة؟! نُقضت.
فانصر هداك الله نصراً أيدا وادعُ عباد الله يأتوا مددا
في فيلق كالبحر يجري مزبداً إن قريشاً أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا وقتلونا ركعاً وسجداً
فدمعت عيناه ﷺ ، ثم قال: ﴿اللهم إن قريشاً نقضت عهدك، اللهم فانصرنا عليهم﴾ فمر السحاب من قبلة المسجد يتقطع كأنه قذائف يمر تجاه مكة، يقول ﷺ : ﴿هذا العِنان أبشروا بالنصر﴾ قام ﵊ واستقبل القبلة قال: ﴿اللهم عم عليهم أخبارنا﴾ على قريش، ثم استنفر ﷺ أصحابه فكانوا عشرة آلاف مقاتل، المهاجرون فيما يقارب ألفاً، والأنصار في ألف، وسعد بن هذي في ألف، وجهينة في ألف، وأسد في ألف، ومزينة في ألف، وجعل ﷺ على كل كتيبة قائداً، وأراد الخبر أن يكون مكتوماً وألا يصل إلى قريش.
حاطب بن أبي بلتعه كتب إلى قريش فأمسكت الرسالة وقرأها ﷺ ودعا حاطب بن أبي بلتعه قال: ﴿ما حملك؟ فأخبره الخبر، فقال عمر: يا رسول الله! دعني لأضرب عنقه فقد نافق، قال: يا عمر! وما يدريك لعلَّ الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فدمعت عينا عمر﴾ ولم يدر كفار قريش، وما أتاهم خبر، ولا علموا حتى طوق ﷺ مكة.
جبل أبي قبيس في ليلة من الليالي يقول ﵊ للجيش: ﴿إذا وصلتم فليشعل كل واحد منكم ناراً﴾ هم عشرة آلاف يعني: عشرة ألف نار، فنزلوا فاحتلوا جبل أبي قبيس وجبل قينقاع والثنية السفلى والثنية العليا وكديم وكل مكان، وبعد صلاة المغرب أوقدوا النيران وإذا بـ مكة تضطرم ناراً كلها، فخرجوا من بيوتهم لا يعلمون ماذا هناك، فيقول أبو سفيان للعباس عم الرسول ﵊: ما هذا؟ قال: لا أدري؛ والعباس لم يدر؛ لأن الرسول ﷺ دعا أن يعمي الله عليهم أخبارهم، قال: أظن أنها خزاعة، قال: خزاعة أقل وأذل من ذلك، فأتى الخبر أنه ﷺ ثم كان الفتح، حتى يقول حسان قبل المعركة بأشهر يقول:
فإما تعرضوا عنا اعتمرنا وكان الفتح وانكشف الغطاء
يقول: اتركونا نعتمر ندخل البيت.
وإلا فاصبروا لجلاد يوم يعز الله فيه من يشاء
عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع مطلعها كداء
يقول: جعل الله خيلنا ما تعود إلينا.
عدمت خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء
ينازعن الأسنة مصعدات على أكتافها الأسل الظماء
تظل جيادنا متمطرات يلطمهن بالخمر النساء
لما دخل ﷺ الحجون، فإذا بالخيل تأتي من كداء منطلقة وهي خيل خالد بن الوليد لأنه أتى من كداء، وإذا هي تلهث، وإذا نساء مكة يأخذن الخمر من رءوسهن -كأن حسان شهد الوقعة- ثم تمسح المرأة وجه الفرس بالخمار وذلك لعزتها، فيتبسم ﵊ ويلتفت لـ أبي بكر ويقول: ﴿كيف يقول حسان؟﴾ لأنه ﵊ ما كان يحفظ الشعر ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩] كان يكسر الأبيات، لأنه لو كان يحفظ الشعر كانت قالت قريش: كان ينظم القرآن شعراً.
فيقول ﷺ : ﴿كيف يقول حسان؟﴾ يقوله لـ أبي بكر وأبو بكر كان نسابةً، علامةً، داهية، قال: يقول:
عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء
فتبسم ﷺ ، وسره هذا.
وفي تفسير قوله : ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ [الواقعة:٦٦ - ٦٩] قال ﵊: ﴿ما هذا؟ قالوا: غمام يا رسول الله! قال: والمزن.
قالوا: والمزن يا رسول الله! قال: والعنان؟ قالوا: والعنان﴾ فالعنان هو: الغمام، فيقول : لو بلغت ذنوبك أيها العبد عنان السماء ثم جئت لا تشرك بالله شيئاً -أو استغفرته- غفرها لك .
стр. 984
أحاديث فيها بشرى للمؤمن
هنا أحاديث لا بد أن نعيش معها في الاستغفار والتوبة، وهي مبشرات تُدفع لكل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، وصراحة أننا نعلن عجزنا وضعفنا وقلتنا، ونسأل الله ألا يفضحنا على رءوس الأشهاد؛ فإنَّا أهل ذنوب وخطايا وسيئات لا يعلمها إلا الله، لكننا نسأله أن يكفر عنا سيئاتنا، ويتقبل منا أحسن ما كنا نعمل في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون، ﴿كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون﴾.
стр. 985
حديث من أذنب ذنباً ثم استغفر الله
الحديث الأول: حديث أبي بكر الصديق الإمام المعتبر ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿من ألمَّ بذنب -أي: من أصاب ذنباً سواء كبير الذنب أو صغيره- فتوضأ وصلى ركعتين ثم استغفر الله من ذاك الذنب، إلا غفر الله له﴾ روى هذا الحديث الإمام أحمد وهو حديث صحيح عند جماهير المحدثين، ولذلك يقول علي لما رفعت له البشرى من أبي طالب يقول: ﴿كان الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ إذا حدثني الحديث استحلفته -يقول: احلف لي- فإن حلف صدقته، وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر﴾ لا يستحلف أبا بكر، من يستحلف أبا بكر؟!
قال بعض المفسرين: في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] الذي جاء بالصدق هو رسول الله ﵊، والذي صدق به هو أبو بكر، فكيف يُستحلف أبو بكر!! فقال: ﴿وصدق أبو بكر أن العبد إذا أذنب فتوضأ وصلى ركعتين غفر الله له ذاك الذنب﴾.
стр. 986
دعاءٌ علَّمه النبي ﷺ أبا بكر
وفي الصحيحين عن أبي بكر ﵁ وأرضاه قال: ﴿قلت: يا رسول الله! علمني دعاءً أدعو الله به في صلاتي﴾.
ما أحسن هؤلاء الصحابة! وما أرضاهم رضوان الله عليهم! والذي يريد أن يعرف الإسلام فليقرأ سيرهم، بساطة ويسر وسهولة.
فدله ﷺ على دعاء قال: ﴿فقال قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم﴾ فكان أبو بكر يقولها دائماً؛ أبو بكر الذي جاهد في سبيل الله وأنفق أمواله ودمه ووقته وكل شيء، يقول: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً.
وبعض الناس مغتر بالله ، حتى إذا قلت: سدد وقارب وعليك أن تكثر من الذكر، قال: الحمد والشكر لله، نصلي، ونصوم، وكم حججنا! وكم اعتمرنا! وكم تصدقنا! ونعدد على الله؛ وأبو بكر ﵁ وأرضاه خائف من الله، حتى أنه كلما سمع القرآن بكى.
تقول عائشة ﵂ وأرضاها في صحيح البخاري: لما قال ﵊: ﴿مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس، فقالت: يا رسول الله! إن أبا بكر رجلٌ أسيف -حزين لا يملك عينيه من البكاء، متى ما يقم مقامك لا يسمع الناس من البكاء- فقال ﵊: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صويحبات يوسف﴾ فكان من خوفه ومن وجله لا يسمع الناس قراءته من بكائه ﵁ وأرضاه.
فيقول ﷺ : ﴿قلْ: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً-وفي لفظ: كبيراً-﴾.
قال النووي في كتاب الأذكار: اجمع بينها في الدعاء قل: كثيراً وكبيراً، والصحيح أنه لا يجمع بينها فقل إما: كثيراً أو كبيراً؛ لأن الرسول ﵊ ما قال لـ أبي بكر إلا كثيراً أو كبيراً، ومن حسن نية الإمام النووي أن يريد حفظ الروايتين، لكن لك أن تدعو بها مرةً كثيراً ومرةً كبيراً.
﴿اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم﴾ هذا من الدعاء الذي حفظ لنا، والذي ينبغي على العبد أن يلازمه كثيراً، وأحسن ما يكون في العبد المسلم أن يستغفر من الذنب، وأن يعلن التوحيد؛ ولذلك يجمع إلى الله التوحيد كثيراً والاستغفار، يقول جلَّ ذكره: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩].
وعند أبي يعلى في المسند قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿يقول الشيطان: أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار﴾.
وورد أنه قال ﵊: ﴿جددوا إيمانكم.
قالوا: ماذا نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا لا إله إلا الله﴾ فتجديد الإيمان بلا إله إلا الله، وتصفيته بالاستغفار، فالاستغفار مقرون بالتوحيد، ولذلك يقول يونس بن متى ﵇ لما وقع في ظلمات ثلاث: ظلمة البحر، وظلمة الحوت، وظلمة الليل، قال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] فهو اعتراف مع توحيد.
стр. 987
حديث سيد الاستغفار
في صحيح البخاري عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت﴾ معنى أبوء: أرجع، يقول العبد وهو ينادي الله: يا رب! أنت الرحيم الغفور أبوء لك أي: أرجع لك بأمرين، من شر ما صنعت ونعمة منك، فمني أنا خطيئة ومنك نعمة وعطاء، فأنت صاحب الجميل والمعروف، فما دام أنك أنعمت عليَّ وكرمتني وخلقتني ورزقتني فكمل من إكرامك وإنعامك بمغفرة ذنوبي، أجل ليس من العبد شيء، النعمة من الله، والتقصير من العبد، يقول: أرجع إليك بإحدى اثنتين بذنب مني ونعمة منك، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: السائر إلى الله يسير بنظرين: نظر في جلال النعمة من الله ، ونظر في عيب النفس والعمل وتقصيرها، فأنت تعود إلى الله بذلك، وقد سبق في كتاب الزهد للإمام أحمد أن رسول الله ﷺ يقول: ﴿يقول الله ﵎: عجباً لك يا بن آدم! ما أنصفتني! خلقتك وتعبد غيري! ورزقتك وتشكر سواي! أتحبب إليك بالنعم وأنا غنيٌ عنك، وتتبغضُّ إليَّ بالمعاصي وأنت فقيرٌ إليَّ! خيري إليك نازلٌ وشرُّك إليَّ صاعد!﴾ فهذا مفهوم العبد المسلم، يوم يعرض نفسه على الكتاب والسنة يجد أن ما عنده حول ولا طول ولا قدم شيئاً إلا التقصير والذنب والخطيئة.
قال عمر ﵁ وأرضاه: [[اجلسوا إلى أفواه التائبين فإنهم أرقُّ أفئدة]] وإذا أراد الله أن يكسر العبد، ويكسر قلبه وكبره وعتوه وجبروته كتب عليه الذنب، فيذنب فينتهي الغرور، والغطرسة، والكبر، والعتو، والجبروت، ويعود ذليلاً، يعرض على ربه وعلى عتبات مولاه نفسه وروحه، فإذا أراد الله أن يترك العبد تركه؛ ولذلك بعض الناس بالطاعات يزهو ويتكبر وتعجبه نفسه، ويرى أن الناس في شقوة دائماً، وإذا جلس في مجلس أخذ يهتك أعراضهم ويقول: نسأل الله العافية، فلان مقصر، فلان نسأل الله أن يعافينا مما ابتلاه، فلان كذا وكذا.
قال ﵊ كما في صحيح مسلم: ﴿من قال: قد هلك الناس فهو أهلكَهم﴾ وفي لفط: ﴿هو أهلكُهم﴾ ومعنى هذا: يقول من قال: أن الناس قد هلكوا، وكثرت المعاصي، وأنهم شردوا عن الله، فعلامة ذلك أنه معجب بنفسه، وأنه مغرور، فهو أهلك الناس، أو على لفظة: هو أهلكهم، يعني: هو الذي أهلكهم بهذا الكلام؛ لأن بعض الناس إذا سمع بفاحشة، أو حد أقيم، أو إنسان تناول مخدرات، أو إنسان -نسأل الله العافية- زنا، يجلس في المجلس ويقول: ما سمعتم فلان بن فلان من آل فلان يقولون: إنه ارتكب فاحشة، وينتقل في المجلس هذا، وفي هذا، ويعرض الفاحشة، ليهونها في قلوب الناس؛ لأن الرأي العام كلما تحدث عن الفاحشة هانت الفاحشة في قلوب الناس، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور:١٩] ولذلك كان من الحكمة ألا يتحدث في ذلك كثيراً، أنا لا أقول: نسكت، ونغلق أعيننا، ونسد على آذاننا، ونقول: الناس ما شاء الله تبارك الله على عصر الصحابة، التفاح والموز والبرتقال يباع في السوق بأرخص الأثمان ونعمة من الله جليلة، لأن بعض الناس يرى الموز والتفاح والبرتقال أفضل نعمة، وهي إذا وجدت في الأسواق وتوفرت بالأثمان الرخيصة فالأمة في الرقي، وفي العظمة، وفي الدرجة الأولى، وهذه نَعْمة ليست بنِعْمة، النِعمة مع هذه النَعمة أن تتصل القلوب، وأن تمتلئ المساجد، وأن ترى الناس في صلاة الفجر، وأن ترى القرآن يُعمل به، وأن ترى مدارس تحفيظ القرآن متجهة ومقومة، وأن ترى الكتاب والسنة يقرأ ويتدارس، وحلقات العلم حية، والدعوة قوية، وأن ترى الفواحش وأهل الضلالة وأهل الباطل مقموعين؛ هذه هي النعمة؛ أما أن نخدع أنفسنا ونطلي أجسامنا بالزيت، ونقول: ما شاء الله تبارك الله وإنما نحن في سلام، لا ينبغي هذا المنهج، والمنهج الآخر أن نكون كلما جلسنا في مجلس قلنا: هذا المجتمع كله في ضلال، ولا يغرك إقبال الناس في المساجد، ولا تغرك الصلاة، ولا تغرك الدعوة، ولا تغرك كذا، لا، بين وبين؛ مثل منهج الكتاب والسنة، ومن قومه الله سدده.
стр. 988
استغفار الرسول ﷺ
وجاء من حديث أبي هريرة كما في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: ﴿إني لأستغفر الله وأتوب إليه أكثر من سبعين مرة﴾ وورد عن الأغر المزني: ﴿يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه فإني أستغفر الله أكثر من مائة مرة﴾ أو كما قال ﵊.
قال ابن عمر ﵁ وأرضاه وهو يجلس مع رسول الله ﷺ : ﴿كان يعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة من قبل أن يقوم: رب اغفر لي وتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم﴾ فإذا عُلم هذا فإنه ينبغي علينا أن نكثر من الاستغفار، وأن نلتجئ إلى الله ، وأن نطرح ذنوبنا، وأن نعلن عجزنا وتقصيرنا عنده .
стр. 989
من قصص الخائفين من الله
الرسول ﵊ كان يقوم الناس بالحدود في المدينة، لم يكن مقصود الحدود أن تنهي المعاصي لأنها مقدرة من الله، لكن أن تقوِّم سلوك الناس وتؤدبهم.
стр. 990
قصة الغامدية
فأتي إليه ﷺ بامرأة قد زنت، ولا يعني ذلك أن المسلم إذا فعل المعصية فقد خرج من الإسلام كما تقول الخوارج نسأل الله العافية! ﴿أُتي إلى النبي ﷺ بشارب خمر، مرات كثيرة، فيقول أحد الصحابة للشارب هذا: أخزاك الله ما أكثر ما يؤتى بك إلى رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : لا تقل ذلك، لا تُعِن الشيطان على أخيك، فإني والله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله﴾ فانظر إلى الحب كيف بقي مع المعصية، فهو ﵊ يعرف أنه سوف يحدث هذا الأمر.
وامرأة ورد في السنة ذكرها وورد حدها في القرآن في سورة النور، أتت هذه المرأة من دون أن تستدعى، ودون أن يُخبر بها ﷺ فإذا هي مقبلة وهي حامل، وانظر إلى الإيمان كيف ارتقى في قلبها، فسألت من رسول الله ﷺ أن يطهرها، فالرسول ﷺ ما كأنه سمع، يريد أن يدرأ الحدود بالشبهة، يقول: ﴿ادرءوا الحدود بالشبهات﴾؛ يعني: تصامم ﵊، فأتته من على يساره فطلبت التطهير، فتصامم ﵊، يريد أن يستر الناس، حتى يقول على المنبر: ﴿يا أيها الناس! من ابتلي منكم بشيء من هذه القاذورات فليستتر بستر الله﴾ فأخذت تقول: يا رسول الله! تريد أن تردني كما رددت ماعزاً، ثم حلفت بالله أنها وقعت في الفاحشة، فقال ﷺ : ﴿عودي حتى تضعي حملك﴾ علَّها ربما تنكر، أو تسكت، أو تنسى، فعادت والإيمان مرتفع عندها، وتقوى الله في قلبها، فلما وضعت أتت بابنها في لفائف وعرضته عند الرسول ﵊، فقال ﵊: ﴿عودي حتى ترضعيه﴾ علَّها تنسى، أو تترك، أو لا تطلب إقامة الحد، فعادت حتى فطمته بعد سنتين وبيده كسرة خبز، فأتت به وعرضته عند رسول الله ﷺ ، فالتفت ﵊، وأراد ﵊ أن يدرأ، ولكنها صمدت وطلبت إقامة الحد والتطهير، ما معنى إقامة الحد؟ ترمى بالحجارة حتى تموت؛ لأنها ثيب، ليس بالسيف، أو بطلقات نارية قد يقتل الإنسان في فترة، لكن تضرب بالحصى حتى تموت، فقال ﵊: ﴿من يكفل هذا الصبي وهو معي في الجنة كهاتين﴾ فأخذه رجل من الأنصار، وأرسل ﷺ الصحابة ليرجموا المرأة، وهم في الطريق صممت، وآمنت بالله، وبموعود الله، وبما عند الله، فنصبوا لها وحفروا لها ثم بدأت الحجارة عليها حتى نضخ دمها على خالد ﵁ وأرضاه، فتكلم عليها، فقال ﵊: ﴿مهلاً يا خالد! لقد تابت توبة لو وزعت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم﴾ معنى ذلك: بسبعين من العصاة المردة الفجرة ما هو بسبعين من الصحابة، ﴿لو وزعت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم -وفي لفظ: لو وزعت على أهل المدينة لوسعتهم هذه التوبة﴾ وفي لفظ: ﴿مهلاً يا خالد! فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر الله له﴾؛ ثم قال ﷺ : ﴿فوالذي نفسي بيده لقد رأيتها تنغمس في أنهار الجنة﴾ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦] فما جزاء المذنب إلا أن يستغفر ويعود إلى الله .
في كلام لأحد العلماء في ظلال هذه الآية يقول: يا سبحان الله! يثقل الدم واللحم عند بعض الناس فيقع في الفاحشة، ثم يتذكر عظمة الله، وموقف الله، والعرض على الله؛ فيتوب إلى الله ، فيحببه ويقربه مولاه!! أو كما قال.
المقصود: أن هؤلاء النماذج التي عاشت مع الرسول ﵊ ما منعهم ذلك إلا أن يتوبوا ويستغفروا إلى الله الواحد الأحد .
стр. 991
قصة رجل من بني إسرائيل خائف من الله
في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه ﷺ يقول لأصحابه: ﴿كان في من كان قبلكم رجلٌ من بني إسرائيل أسرف على نفسه﴾ أي: وقع في الإسراف في الذنوب، بقي معه التوحيد والإيمان، أما لو كان مشركاً فهذا خالد مخلد في النار، لن يدخله الله الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، أبداً حرامٌ عليه الجنة، لكن وقع في ذنوب، فلما حضرته الوفاة، وكثير من الناس كما يقول الكتبة العصريون: لا يتذكرون الله، في غفلة وسكار وفي خمار حتى يصرعون في مصرع الموت، ثم يستفيقون، ونقلت لنا أخبار أن كثيراً من الناس لما أتاهم اليقين وأتاهم الموت، استفاقوا قبل سكرات الموت ثم أخذوا يبكون، قالوا: مالكم؟ قالوا: فعلنا، وفعلنا، وفعلنا، فأتى الحساب، قال: الناس في سكار حتى يحضرهم الموت فيستفيقون، ولذلك يقول عبد الحق الإشبيلي في كتابه العاقبة: المعتصم الخليفة العباسي لما حضرته الوفاة، بكى بكاءً طويلاً لا يعلمه إلا الله، فقالوا: مالك؟ قال: كم عمري؟ قالوا: عمرك ثمان وأربعون.
قال: أموت اليوم؟ وكان في سكرات الموت- قالوا: تموت.
قال: والله لو أدري أن عمري قصير ما فعلت ما فعلت؛ سفك الدماء، وفعل ما فعل وأمره عند الله، يقول: لا أدري أني سوف أموت الآن، فالناس كثير منهم لا يستفيق إلا في سكرات الموت، وهذا حدث لـ عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي لما حضرته الوفاة قام يتقلب ويبكي ويقول: يا ليتني كنت غسالاً، يا ليتني ما عرفت الخلافة، يا ليتني كنت في البادية، فسمع سعيد بن المسيب -أحد الزهاد والعباد والعلماء- قال: [[الحمد لله الذي جعلهم يفرون إلينا وقت الموت ولا نفر إليهم]].
فالمحاسبة في الدنيا ليست عند سكرات الموت، بل على الإنسان أن يراجع حسابه قبل أن يأتيه الموت؛ قال تعالى: ﴿وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد:٢٢] ويقول : ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤].
﴿فلما حضرت هذا الرجل الوفاة استعرض أبناءه فقال: كيف أنا لكم؟ قالوا: خير الآباء﴾ وهذا فعل بعض الناس، تجده مع أبنائه وزوجته ومع جيرانه من أحسن الناس خلقاً، ليناً، سهلاً، بشوشاً، صاحب هداية، وصدقات، وبر، ومعروف، وكرم، يعزم هذا، ويذبح لهذا، ويضيف هذا، ويخدم هذا بماله وبسيارته؛ لكنه فاجر مع الله، لا يصلي في المسجد، ولا يعرف القرآن، ولا يعرف الانصياع إلى كتاب الله وسنة الرسول ﵊، يا سبحان الله! من أولى بالإكرام؟ أأهلك، وزوجتك، وجيرانك، أم الحي القيوم؟! الأولى برد الجميل الذي خلقك وأعطاك ما تتمتع به، وهذا كثير في الناس؛ فإنهم عندهم حسن خلق لكنهم لا يعرفون المساجد، ولا الاستقامة ولا الدين، لكنك لو طلبته في شيء سكب لك دمه في إناء من الحب، أما أن تقوده إلى المسجد فكأنك تجرجره بسلسلة محمية بنار، ومقلب القلوب هو الواحد القهار، فلو أراد أن يكمل الله هذا العبد؛ لأعطاه من الإيمان ما يجعله محبوباً عنده وعند الناس.
فهذا الرجل لما حضرته الوفاة قال: ﴿يا أبنائي! أيُّ أبٍ لكم؟ قالوا: من خيرة الآباء، قال: فإني ما فعلت مع الله جميلاً -كنت أتظاهر لكم وللناس بالحسن وإذا خلوت مع الله انتهكت محارمه- فإذا أنا مت -إذا حضرتني الوفاة- فاجمعوا لي حطباً، وأشعلوا لي ناراً﴾.
هذا في الصحيحين، وتكلم عنه ابن تيمية في الرسائل والمسائل والرد على البكري والمسائل الماردينية، وهو من أصول المعتقد، فيه مسائل لا بد أن نقف عندها.
قال: ﴿فاجمعوا لي حطباً، فإذا جمعتم لي حطباً فأشعلوه في النار، ثم أحرقوني، ثم اسحقوني، ظن أنه سوف يفوت على الحي القيوم- قال: فإذا سحقتموني فذروني في يومٍ فيه ريح﴾ -يعني: ليس أي يوم، لكن يوم فيه ريح قوية هوجاء تنثر جسمي في كل مكان، أوقدوا له النار، واشعلوها، ثم أحرقوه حتى أصبح حمماً كالفحم، ثم سحقوه فلما سحقوه عرضوه للريح فأخذته في كل مكان -لكن الذي بدأه أول مرة، والذي إذا أراد أن يقول له: كن، فيكون، ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:١ - ٣] فجمعها الله بكلمة كن، ما قال للملائكة: اجمعوا لنا رميم هذا العبد، وأحضروه بعد ساعتين، إنما قال: كن رجلاً، أي: مثلما كان فكان كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠] فإذا الرجل أمامه ، وقد حاسبه وتكلم معه ، والله يتكلم بما شاء متى شاء ، قال: يا عبدي! ما حملك على ما صنعت؟ سبحان الله! يقرر الله العبد، ويحاسبه، ويكلمه، وكما جاء في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم ﴿ما منكم من أحدٍ إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان﴾ سوف يكلمك الله ليس بينك وبينه ترجمان، ويقول: ﴿أما فعلت كذا وكذا يوم كذا كذا، أما فعلت كذا وكذا يوم كذا وكذا﴾ فإن كنت من أهل الستر -نسأل الله أن يسترنا وإياكم- قال الله: ﴿لقد سترتها لك في الدنيا وغفرتها لك اليوم﴾ وأما إن كان من المجاهرين، المتعدين، المنتهكين للحدود، المنتهكين للحرمات، فهذا أمره لله .
﴿قال: يا عبدي! ما حملك على ما صنعت؟ -وسدده الله للجواب، الجواب كان سليماً جيداً- قال: يا رب! خفتك وخشيت ذنوبي.
فقال الله: يا ملائكتي! أشهدكم أني غفرت له وأدخلته الجنة﴾ وهذا الرجل قصته عجيبة، قال ابن تيمية: قد شك في القدرة؛ لأنه ظن أن الله لن يجمعه، لكن توبته كانت كبيرة عظيمة طغت على هذا الشك وعلى تلك الذنوب التي زحفت.
والذي نطلبه أن نعود إلى الله عوداً حميداً، أما أن نأتي ونستعرض ذنوبنا وخطايانا فنحن في ستر الله ، ونعلن عجزنا وتقصيرنا وما منا شيء أبداً، ومن تصدق أو صلى أو صام فإنما يفعل لنفسه، ومن أعرض عن الله، فالله غني عنه .
فهذا هو الرجل الذي ذكره ﵊، وتلك هي المرأة التي عرضت نفسها على رسول الله ﵊.
стр. 992
علاقة الدعاء بالعبادة
الشق الثاني في هذا الحديث: الدعاء.
يقول ﵊: ﴿قال الله : يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني﴾ فالدعاء له آداب، وهو من أفضل العبادة، وقد قال ﵊ في حديث فيه بعض المقال في الترمذي: ﴿الدعاء مخ العبادة﴾ والذي يصح من هذه الأحاديث: ﴿الدعاء هو العبادة﴾ وإذا رأيت العبد يكثر الدعاء كثيراً كثيراً؛ فاعرف أنه متجه إلى الله، وأنه كثير الإيمان.
стр. 993
قصة لرجل في الصحراء
أحد الناس يقول: نزلت في قفرة أنا وأهلي وانقطع عنا الماء وكنا في بادية، فذهبت لألتمس في وديانٍ أخرى فما وجدت شيئاً، فالتمست في مكانٍ يمنة ويسرة فما وجدت شيئاً، فعدت إلى أهلي فوجدت أطفالي كادوا يتلفون من الظمأ، وأوشكوا على الموت، قال: فتفكرت ثم تذكرت أن الحي القيوم بيده خزائن السموات والأرض، وكان مؤمناً ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاه﴾ [النمل:٦٢] ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] قال: فانقطعت كل الحيل التي حولي في الوديان، قال: فتيممت وصليت ركعتين ثم رفعت يدي ودمعت عيناي.
قال: والذي لا إله إلا هو -وهو صادق، ويعرف الإيمان، والصدق والنضوج -في وجهه- ما غادرت مكاني إلا وغمامة فوق رأسي وما كان في السماء شيء قال: ثم مطرت على الوادي الذي أنا فيه حتى امتلأت الغدرة.
وهذا لا يحتاج إلى إثبات، والسنة والآثار والتاريخ فيها أكثر من ألف قصة ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاه﴾ [النمل:٦٢].
стр. 994
رجل أرسل الله له ملكاً ينقذه
ويكفي كما تعلمون أن كثيراً من أهل العلم أوردوا قصة الرجل الذي خرج في تجارة، فعرض له لص مجرم في الطريق فأخذه معه، وقال: أوصلني إلى ذاك المكان بالأجرة، فصدقه فمشى معه، فلما مشى معه؛ فإذا بهذا المجرم معه خنجر فأخرجه، وقال: والله لأقتلنك الآن، لكن ادفع ما معك من مال؟ قال: أسألك بالله ما مع أهلي إلا أنا، قال: حلفت أن أقتلك؛ لأنه لو تركه وأخذ ماله أخبر الناس بوجود لص في الوادي، فقال: دعني أصلي ركعتين.
قال: صلِّ واستعجل.
قال: فقمت فتوضأت في ذاك الوادي، وقمت أصلي ركعتين، قال: والله لقد نسيت كل شيء في القرآن إلا قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاه﴾ [النمل:٦٢] قال: فكررتها، فلما انتهيت من الركعتين وإذا بفارس على فرس من آخر الوادي بيده خنجر كالمشعف قال: فأطلقه على هذا اللص، فوقع في لبته، فإذا هو يسقط على قفاه مقتولاً.
قلت: أسألك بالله من أنت؟ قال: أنا رسول ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاه﴾ [النمل:٦٢] لما دعوت الدعوة الأولى كنت في السماء السابعة، ودعوت في الثانية فكنت في الرابعة، ودعوت الثالثة فكنت في الأرض، فالله يقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاه﴾ [النمل:٦٢].
стр. 995
رجل يطارده جمل في الصحراء فيرى أمامه ثعبان
هناك قصة وهي من ثقات اشتهرت بين الناس وأوردوها في بعض الأخبار الموجودة العصرية وهي: أن شخصاً كان في البادية طارده جمل، قال: فمشيت في الصحراء والجمل ورائي يطردني -والجمل إذا طاردك فلا يعصمك إلا رب السموات والأرض، إلا أن يكون هناك جبل ترتقي فيه، أو مكان -قال: فأخذ الجمل ورائي، حتى كاد نفسي ينقطع، فإذا هو ورائي ما يغادرني أبداً، قال: فقلت على لساني: يا من يجيب المضطر إذا دعاه! قال: فعرض لي في الأرض شق فنزلت فيه، قال: يكفي الإنسان وزاد شيئاً، قال: فلما دخلت فيه جاء الجمل فجلس على ركبته حتى يلاحقه، قال: فيدخل رأسه فكنت أقول: يا من يجيب المضطر إذا دعاه! قال: وإذا بشيء يضايقني بجانبي، وأنا في هذا الثقب وهذا الشق، قال: فالتفت إليه فإذا هو ثعبان أسود، قال: فإن بقيت فالثعبان معي، وإن خرجت فالجمل فوقي، هذا نتيجة يا من يجيب المضطر إذا دعاه! سبحان الله! بل الله أكرم وأجلَّ ، قال: فبقيت أقول: يا من يجيب المضطر إذا دعاه! قال: فخرج هذا الثعبان، كان يتكي على كتفه وهو يخرج، لكن هنا موت وهنا موت، قال: فخرج ثم أخذ بأنف الجمل، قال: فرأيته يتعاصر هو والجمل، فخرجت أنا بحفظ الله ورعايته، وبعد فترة وإذا بالثعبان ميت والجمل ميت، وأنا أقول: هذه من تجارب الناس التي لا ننقلها حدثنا فلان عن فلان لكنها موجودة وملموسة ومحسوسة يجدها من يتصل بالحي القيوم، قل يا من يجيب المضطر إذا دعاه! وفي القرآن أهول من هذه القصص، فإن إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار بالمنجنيق قال الله تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] فكانت برداً وسلاماً، وصاحب الحوت نجاه الله من البحر وأنبت عليه شجرة من يقطين، فخرج بعد أن دخل في بطن الحوت، وأكلته وابتلعته؛ لأنه قال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].
فإذا رأيت العبد يكثر من الدعاء فاعرف أنه قريب من الله، وأن الله سوف يقربه.
стр. 996
أوقات يستحب الدعاء فيها
وأحسن أوقات الدعاء يا أيها المسلمون!
стр. 997
أدبار الصلوات
سئل ﵊ كما في مسند أحمد ﴿أيُّ الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الغابر، ودبر الصلوات﴾ ويقول ﵊ لـ معاذ ﴿لا تنس أن تقول في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك﴾.
стр. 998
في السجود
في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: ﴿أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً، فأكثروا من الدعاء؛ فقَمِنٌ أن يستجاب لكم﴾ فإذا وضعت رأسك في الأرض ساجداً بعد أن تقول: سبحان ربي الأعلى، فعليك أن تدعو بما تيسر.
يقول الأندلسي وهو يوصي ابنه:
وناد إذا سجدت له اعترافاً بما ناداه ذو النون ابن متَّى
وأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا
فإذا وضعت رأسك في الأرض فعليك بالدعاء، فإن الله قريب منك ، حتى يقول لرسوله ﵊: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] ما قال: إذا سألك عبادي عني فقل: إني قريب؛ لأن (قل) يقولون: تفصل بين القرب من الله والعبد، ولكن للمباشرة والمفاجأة لقربه ترك (قل) وقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦].
قال أحد الصالحين: جلست إلى معروف فسمعته يقول في مجلسه: واغوثاه ألف مرة، واغوثاه، واغوثاه، قلت: ما معنى واغوثاه؟ قال: أستغيث بالله، أما سمعته في القرآن يقول: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٩] فالإنسان كما يقول الحسن البصري ﵀: [[المسلم في الحياة كالغريق.
أي شيء يتمسك به]] الغريق في البحر إن عرضت له خشبة قفز عليها، إن رأى خيطاً ولو لم يكن شيئاً تمسك به، وإن رأى شجرة ولو ضعيفة تمسك بها، فنحن كالغرقى ما علينا إلا أن نتمسك بشيء من ذكر، وصلاة، ودعاء، واستغفار، وعلينا دائماً أن نرفع أكفنا إلى الله ، والعجيب أن عند الترمذي في السنن عن سلمان ﵁ وأرضاه؛ حين افتخر الناس بآبائهم وأمهاتهم وأجدادهم فقالوا: من أنت؟ قال: أنا ابن الإسلام.
قال الذهبي في ترجمته: سلمان بن الإسلام، أبوه هو الإسلام، ويقول:
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيسٍ أو تميم
فيقول سلمان سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿إن الله يستحيي من أحدكم إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً﴾ لا أكرم من الله ، ولا يمكن أن يكون هناك أكرم منه ﵎ فلا يمكن أن ترفع يديك إليه وتعود بخفي حنين، وبالمناسبة هذه الجملة تسمعونها كثيراً، وكثير منكم يعرف المثل: مرَّ بـ حنين صاحب ناقة، فأراد حنين أن يعطيه الحذاء ويأخذ الناقة، فعرض له الحذاء، فمر صاحب الناقة بحذاء واحدة -وكان طماعاً- فقال: حذاء واحدةٌ لا تنفعني، فمر قليلاً فرأى الحذاء الثانية، فبرك ناقته مكانها وأناخها، وأخذ هذه وعاد يأخذ الثانية، فأخذ حنين الناقة وذهب ذاك بخفي حنين، فإذا قالوا: رجع بخفي حنين، فإنهم يعنون أنه لا يعود إلا بشيء زهيد، والله لا يعيد العبد إلا بشيء إذا لم يدع بثلاث: إما ببلاء عام أو بقطيعة رحم أو بإثم، وإذا أخلص الدعاء وأكثر من الصلاة والسلام عليه ﷺ في دعائه، وإذا ألحَّ وأكثر، ودعا من قلبٍ صادق، لأن بعض الناس يبايع ويشاري في السوق، ويقول: اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا، وقلبه ليس في المغفرة ولا في الرحمة ولا في التوبة، ولكن ورد عن ابن مسعود: [[إن الله لا يقبل الدعاء من قلبٍ غافلٍ لاهٍ ساهٍ]] وبعضهم يرفع الحديث، فالواجب القصد والاتجاه والإخلاص وكثرة الدعاء.
أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يتولانا وإياكم في الدارين، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاه، وأن يبيض وجوهنا وإياكم بنور الإيمان، وأن يتولانا في من تولى، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 999
إمام أهل السنة أحمد بن حنبل
الإمام أحمد بن حنبل علم من أعلام أهل السنة، وكما نصر الله الإسلام بأبي بكر في يوم الردة فكذلك نصر الله الإسلام في يوم المحنة -محنة خلق القرآن- بأحمد بن حنبل، فحري بكل من يحب السنة وأعلامها أن يطلع على تاريخ الإمام أحمد حتى يدرك عظمة هذه السنة التي يحبها، وذلك من خلال التضحيات التي قدمها علماء الإسلام في سبيل المحافظة على صفائها ونقائها
стр. 1000
نشأة الإمام أحمد
الحمد لله القائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ * وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٣].
والصلاة والسلام على رسول الله؛ أفصح من بلغ عن الله، وأصدق الناس مع الناس، وأنصح الناس للناس، صلى الله على لسان الصدق الذي بلغ الدعوة العالمية إلى الناس، وأذن الخير التي وعت وحي السماء فبلغته بأمانة، ﷺ ما اتصلت أذن بخبر، وما تعلقت عينٌ بنظر، وما غرد قمريٌ على شجر، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله؛ شهادةً أدخرها لي ولكم ليوم العرض على الله.
أمَّا بَعْد: فيا أيها الناس! إن سير الصالحين مدرسةٌ أسسها القرآن، ووعتها السنة، ومعنا في هذا اليوم صالح من الصالحين، بل إمام الدنيا، وحافظ العصر، أحفظ أمة محمد ﷺ للحديث، وعت الدنيا اسمه، وحفظت القلوب رسمه، ما أظن هناك مسلماً يصلي خمس صلوات في اليوم والليلة إلا ويعرف هذا الإمام، حتى أعداؤه من الكفار والمنافقين يعرفونه إلى قيام الساعة؛ هو الإمام أحمد بن حنبل، إمام السنة الواقف يوم المحنة الزاهد فيما سوى الله، المتقن للحديث، فمن هو الإمام أحمد؟! علنا نقتدي بشيء من سيرته، فإن لم نستطع فلنحبه في الله، فإن المؤمن يحشر مع من أحب، والخليل على دين خليله، والله عزوجل يقرن الأصناف مع أصنافهم، والأنواع مع أنواعهم، والأشباه مع أشباههم:
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواءً في البضاعة
стр. 1001
مولده وطفولته وحفظه للقرآن
ولد الإمام أحمد في آخر القرن الثاني، وعاش في بيتٍ فقير، مات أبوه وهو طفل، فتكفلت أمه الزاهدة العابدة الصائمة القائمة بتربيته، وهذا دور المرأة يوم أن تكون صالحة، ويوم أن تكون عابدة، ويوم أن تكون مستقيمة، ينشأ أطفالها على لا إله إلا الله، ويحبون الله ورسوله، ويحبون كتاب الله، وينقادون إلى بيوت الله.
قال أحمد ﵀: فحفظتني أمي القرآن وعمري عشر سنوات، فحفظ كتاب الله واستوعاه في صدره، ففرت الوساوس والشياطين من صدره، فأصبح عابداً لله.
وفي الأثر: ﴿من حفظ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه﴾.
стр. 1002
رعاية أمه له
قال أحمد ﵀: كانت أمي تلبسني اللباس، وتوقظني، وتحمي لي الماء قبل صلاة الفجر وأنا ابن عشر سنوات، ثم كانت تتخمر وتتغطى بحجابها وتذهب معه إلى المسجد؛ لأن المسجد بعيد، ولأن الطريق مظلمة، فانظر إلى المرأة الصالحة.
لقد عاش في هذا الجو، وفي هذا البيت، وكان كل همه أن يعبد الله بكلام الله، وأن يكون عبداً خالصاً لله.
стр. 1003
رحلته في طلب الحديث
قال: فلما بلغت السادسة عشرة من عمري، قالت لي أمي: اذهب في طلب الحديث، فإن السفر في طلب الحديث هجرة إلى الله الواحد الأحد.
قال: فأعطتني متاع السفر.
أتدرون ماذا أعطته من الزاد؟! كم أعطته من الألوف؟! كم أعطته من الدراهم والدنانير؟! ما كانت تملك شيئاً، وإنما صنعت له ما يقارب عشرةً من أرغفة الشعير، ووضعتها في بقشية من قماش معه، ووضعت معها صرة ملح، وقالت: يا بني! إن الله إذا استُودع شيئاً لا يضيعه أبداً، فأستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه.
فذهب من عند أمه من بغداد، عاصمة الدنيا، دار السلام، لماذا ذهب؟! أذهب للسياحة كما يفعل اللاهون اللاغون اللعابون؟! أم ذهب إلى التفرجة كما يذهب السادرون المخمورون المسرفون؟! أم ذهب إلى تزجية الأوقات والتدحرج على الثلج كما يذهب الذين رفعت عنهم أقلام التكليف؟! لا، بل ذهب يبحث عن حديث رسول الله ﷺ ، إلى جانب المصطفى ﵊، إلى مكة والمدينة:
من زار بابك لم تبرح جوارحه تروي أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكف عن صلة والقلب عن جابر والسمع عن حسن
فذهب ﵁ وأرضاه.
قال: مضيت من بغداد على رجلي إلى مكة، فضعت في الطريق ثلاث مرات، فكنت كلما ضعت استغفرت الله، ودعوته، وقلت: يا دليل الحائرين! دلني، فوالله ما أنتهي من كلامي إلا ويدلني دليل الحائرين على الطريق.
من هو دليل الحائرين؟ إنه الله، من هو ملجأ الخائفين؟ إنه الله، من هو مناص العارفين؟ إنه الله.
فكان كلما ضاع في الصحراء التجأ إلى الله، ليس عنده علامات، ولا هناك مواصلات، ولا نقلٌ ولا خطوط، صحراء يبيد فيها اللبيد، ويضيع فيها الذكي والبليد، فضاع الإمام أحمد ولكن رد اتجاهه إلى الله: ﴿احفظ الله يحفظك﴾ فلما حفظ الله؛ حفظه الله في سمعه وجوارحه ودينه ومستقبله وسمعته إلى يوم القيامة، وحفظ الله اسمه للملايين، عند مسلمي الصين واليابان والملايو والعراق والجزيرة وسوريا والجزائر، ومسلمي أمريكا، كلهم يسمعون بـ أحمد بن حنبل؛ لأنه حفظ الله.
ثم وصل إلى مكة وأخذ الحديث من أهل مكة، وبعدها سافر إلى اليمن إلى صنعاء، إلى عبد الرزاق بن همام الصنعاني يطلب الحديث، وبينما هو في طريقه ضاع مرة رابعة، قال: وانتهت نفقتي من الخبز، أما الدراهم فما كان عندي دراهم، فماذا فعل؟ قال: نزلت إلى قوم أهل مزارع يحصدون ويصرمون، فأجرت منهم نفسي ثلاثة أيام.
يا سبحان الله! إمام الأئمة الذي يحفظ ألف ألف حديث كما يقول الذهبي وابن كثير، يحفظ مليون حديث، بل ما حفظ أحدٌ من الأمة أبداً كحفظ أحمد، يؤجر نفسه من الحصادين فيحصد معهم!! ووصل بحفظ الله إلى صنعاء، وأخذ الأحاديث النبوية وكتبها.
стр. 1004
عبادته وعلمه
كان الإمام أحمد يسهر الليل حتى الفجر، ويصوم النهار حتى الغروب، يقول ابنه عبد الله: "كان أبي يصلي من غير الفرائض في اليوم والليلة ثلاثمائة ركعة".
انظروا في تذكرة الحفاظ وسير أعلام النبلاء للذهبي والبداية والنهاية لـ ابن كثير وتاريخ بغداد وتاريخ دمشق، ففيها روايات متواترة على أنه كان يصلي من غير الفرائض في اليوم والليلة ثلاثمائة ركعة.
وكان يسرد الصوم إلا في بعض الأيام، ووصل إلى صنعاء فوهبت له جوائز من السلطان ومن بعض الأغنياء، فرفضها، وقال: أعمل بيدي، فاشتغل في بعض الصناعات بيده حتى أعطاه الله بعض الأموال، ثم عاد إلى بغداد.
أما علمه ﵀ فهو البحر وحدث عن البحر ولا حرج! ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] العلم ليس بالمؤسسات ولا بالشهادات ولا بالجامعات، العلم تقوى الله، العلم من الحي القيوم.
يقول الله لمحمد ﷺ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤] وقال الله لإبراهيم: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ [الكهف:٦٥] ويقول لداود وسليمان: ﴿وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ [الأنبياء:٧٩] ويقول لسليمان: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩] فالفَهمُ والعلمُ والفقهُ والذكاءُ من الله.
فيا من اغتر بشهادته أو بمستواه أو بمنصبه، والله ما تغني عند الله جناح بعوضة، العلم أن تتعلم وتعمل وتعلم الناس، ليس إلا، سواءٌ كان عندك شهادة أو لم يكن عندك، سواءٌ تعلمت في مدرسة أو لم تتعلم ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].
فعلم الله الإمام أحمد فحفظ ألف ألف حديث مع القرآن، مليون حديث يستحضرها كما يستحضر الفاتحة، حتى أنه كتب المسند من حفظه وهو أربعون ألف حديث.
أكبر مسند في الدنيا وفي المعمورة وعلى البسيطة هو بين أيدينا، لكن من يقرأ المسند؟ ومن يطالع المسند؟ ومن يتفقه في المسند؟
أأهل الصحف اليومية والخزعبلات، أم أهل الملاهي والملاغي إلا من رحم الله؟ لكن في الناس بقية، أصبح المسند مطبوعاً لنا طبعةً فاخرة، وأصبح معروضاً لنا عرضاً جيداً، وأصبح محققاً في الدواليب لكننا وضعناه ديكوراً وزينة، فيا أمة محمد من يقرأ مسند أحمد؟
إن من يقرأه يجد فيه التقوى والزهد والرفعة، والخوف من الله والخشية.
أفتى الإمام أحمد في ستين ألف مسألة بقال الله وقال رسوله ﷺ ، ذم المنطق، وذم الرأي، وذم الفلسفة والجدل، وقال للناس: نحن قومٌ مساكين اجتمعنا لندرس حديث الرسول ﷺ .
стр. 1005
تواضعه
أما تواضعه فمنقطع النظير، فطالب العلم، والعالم، والمسئول إذا لم يكن متواضعاً لله فلا تنظر إليه، فإن الله قد مقته من فوق سبع سموات، وقد سقط من عين الله، وقد باء بخزيٍ من الله إن لم يتب، كان متواضعاً جد التواضع، قال الحفاظ: رأينا الإمام أحمد نزل إلى سوق بغداد، فاشترى حزمة من الحطب وجعلها على كتفه، فلما عرفه الناس ترك أهل المتاجر متاجرهم، وأهل الدكاكين دكاكينهم، وتوقف المارة في طرقهم يسلمون عليه، ويقولون: نحمل عنك الحطب.
فهز يده، واحمر وجهه، ودمعت عيناه، وقال: نحن قومٌ مساكين لولا ستر الله لافتضحنا.
والعجيب في الإسلام أن العبد كلما ازداد تواضعاً لله، زاده الله رفعة، وكلما تكبر زاده الله حقارة ومهانة ومذلة ﴿جَزَاءً وِفَاقاً﴾ [النبأ:٢٦].
قال أبو بكر الصديق لـ خالد بن الوليد لما أرسله إلى اليرموك، أخذه بتلابيب ثوبه وهزه، وقال: [[يا أبا سليمان فر من الشرف يوهب لك الشرف، واطلب الموت توهب لك الحياة]] وصدق ﵁ وأرضاه.
أتى رجل يمدح الإمام أحمد، فقال له الإمام أحمد: أشهد الله أني أمقتك على هذا الكلام، والله لو علمتَ ما عندي من الذنوب والخطايا لحثوتَ على رأسي بالتراب.
انظر إلى الإمام العابد! جاءه قوم فقالوا: يا أحمد بن حنبل! إن الله قد نشر لك الثناء الحسن، والله إنَّا نسمع ثناءك في كل مكان، حتى في الثغور مع الجيش وهم يقاتلون العدو يدعون لك حينما يرمون بالمنجنيق.
فدمعت عيناه، وقال: أظنه استدراجاً من الله .
стр. 1006
زهده
أما زهده في الدنيا، فقد عرفه كثير ممن عاش معه، أتته الدنيا راغمة إلى باب بيته فأبى، طُلب منه أن يتولى القضاء فامتنع أبداً، وقال: إن تركتموني، وإلا فوالله لأهاجرن إلى مكانٍ لا تجدوني فيه أبداً.
يقول الذهبي وابن كثير: إن دخل الإمام أحمد كان في الشهر سبعة عشر درهماً، قال: هذه تكفينا، يقول أبناؤه: يا أبتاه! لا تكفينا هذه.
قال: أيامٌ قلائل، وطعام دون طعام، ولباس دون لباس، حتى نلقى الله الواحد الأحد.
يقول ابنه عبد الله بسند صحيح إليه: "بقيت حذاء أبي في رجله ثماني عشرة سنة، كلما خرمت خصفها بيده"، وهو إمام الدنيا.
أرسل إليه المتوكل ثمانية أكياس من الذهب والفضة، حملها الوزراء على أكتافهم مع سرية من الجيش بعد المحنة، فردها، وقال: والله لا يدخل بيتي منها درهم ولا دينار.
стр. 1007
خلقه
وأما خلقه فأحسن الناس خلقاً؛ لأن من يتعلم صباح مساء من القرآن، ومن يجلس مع القرآن فسوف يؤثر فيه ولو طالت السنوات والأعوام، والذي لا يأخذ أخلاقه من القرآن والسنة، فمن أين يأخذ الأخلاق؟! ومن أين يتعلم الآداب؟! أمن ديكارت وكانت -فئران البشرية- الذين نقلوا ثقافتهم إلينا لنتعلم منهم؟! متى كانوا أساتذة؟! متى كان المجرمون معلمين؟! بل هم أحقر الناس، وأخبث الناس مع الناس، إنما يتعلم من وحي السماء الذي ربى به محمد ﷺ .
يقول الإمام أحمد: رحم الله أم صالح -يعني: زوجته وكانت قد توفيت- صاحبتني ثلاثين سنة، والله ما اختلفت أنا وإياها في كلمة واحدة.
زوجته في بيته صاحبته ثلاثين سنة ما اختلف معها في كلمة واحدة.
أتاه رجل من أتباع المعتصم، فسب الإمام أحمد أمام الناس، وجدعه، وشتمه، وأخزاه بالكلام ولكن ليس بمخزي إن شاء الله، فقال الناس: يا أبا عبد الله! رد على هذا السفيه؟ قال: لا والله فأين القرآن إذاً؟! يقول الله عز من قائل: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣].
هذا هو القرآن الذي يمشي على الأرض.
كان يجلس للناس ﵁ وأرضاه، فيتعلمون منه، وينظر إليهم.
стр. 1008
خوفه من الله ومراقبته لله
قال ابنه عبد الله: دخلت على أبي وهو جالس في البيت متربعٌ مستقبل القبلة، ودموعه تنهمر على خديه، فقلت: يا أبتاه! مالك؟ قال: تذكرت في هذه الغرفة موقفي في القبر وحدي لا أنيس إلا الله.
قال: فأراك متربعاً لماذا لا تتكئ وتريح نفسك؟ -لأنه شيخ كبير- قال: أستحي أن أجالس الله وأنا متكئ، أما يقول الله: أنا جليس من ذكرني.
دخل عليه الأديب الكبير ثعلب، فقال له الإمام أحمد: ماذا تحفظ من الأدب والشعر؟ قال: أحفظ بيتين.
قال: ما هما؟ قال: قول الأول:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليَّ رقيبُ
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيبُ
فوضع الإمام أحمد الكتاب من يده وقام وأغلق على نفسه باباً وبقي في الغرفة، قال تلاميذه: والله لقد سمعنا بكاءه من وراء الباب، وهو يردد البيت:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليَّ رقيبُ
ولا تحسبن الله يغفل طرفةً ولا أن ما يخفى عليه يغيبُ
ورحم الله القائل:
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
كانت أكبر أمنية في حياته أن يحمل السيف مجاهداً في سبيل الله.
نظر إلى قدميه وقت الوفاة فبكى، وقال: يا ليتها جاهدت في سبيل الله! لكنه -والله- جاهد أعظم الجهاد، فقد بذل علمه، وخلقه، وجاهه، وبذل ماله، وكل ما يملك في رفع لا إله إلا الله؛ فكان إمام الدنيا بحق.
стр. 1009
ثناء الأئمة على الإمام أحمد
قال يحيى بن معين: والله ما رأيت أحداً كـ أحمد بن حنبل، والله لا أستطيع أن أكون مثله ثلاثة أيام.
وقال علي بن المديني: "لو كان الإمام أحمد في بني إسرائيل كان نبياً من الأنبياء".
وقال إسحاق بن راهوية: إذا رأيت الإمام أحمد رأيت كأن الله بارزاً على عرشه، وكأنه يحاسب الناس، فيذكرني بالآخرة.
وقال الإمام الشافعي ﵀: خرجت من بغداد، وسكانها ألفا ألف -مليونين اثنين- فوالله ما خلفت رجلاً أتقى لله، وأعلم بالله، وأزهد لله، وأورع عن محرمات الله، ولا أجود من أحمد بن حنبل.
رحم الله الإمام أحمد، وأسكنه فسيح جناته، وحشرنا في زمرته، يوم يوفى الصادقون بصدقهم، يوم يتقبل عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.
стр. 1010
محنة الإمام أحمد
الحمد لله ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وحجة الله على الناس أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أمَّا بَعْد: فيقول : ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣] ويقول عز من قائل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١] لما قرأ الفضيل بن عياض ﵀ هذه الآية بكى، وقال: اللهم إن بلوتنا فضحتنا!
فنحن في ستر الله، نسأل الله ألا يفضحنا وألا يفتننا، وأن يجعلنا في عافية وستر حتى نلقاه، لكن للفتنة نتائج طيبة يجعلها الله للصابرين، قال : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤].
والمحنة والفتنة التي تعرَّض لها الإمام أحمد رواها أهل التاريخ جميعاً، وسمعت بها الدنيا شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، فهي مسطرة إلى قيام الساعة، وهي محنة خلق القرآن التي أورثها المأمون في الأمة.
стр. 1011
سبب المحنة
وسبب هذه المحنة أن المأمون كان مشوباً برأيٍ منطقيٍ معتزلي.
يقول ابن تيمية ﵀: إن الله لا يغفل عن المأمون، لما أدخله من علم المنطق على المسلمين.
يقول المأمون الخليفة العباسي ابن هارون الرشيد: إن القرآن مخلوق، وكذب على الله، فالقرآن كلام الله عزوجل، والله يتكلم بما شاء متى شاء، لم يزل متكلماً ، يقول عز من قائل: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] فالأمر هنا: القرآن، فقال هذا الخليفة: إن القرآن مخلوق.
واستخدم السيف ليثبت هذه القضية في الأمة، وقتل ما يقارب ألفاً من من علماء الأمة من زملاء الإمام أحمد، وملأ بهم السجون، فبعضهم أجاب خوفاً من السيف، وبعضهم رفض، وقال: لا أجيب؛ فقتل في الحال، ومنع التدريس في المساجد، ومنعت الخطابة إلا للمعتزلة، وانتشر الشر الكثير، فنصر الله الإسلام بالإمام أحمد بن حنبل.
وقف وحده، وقال: لا والله، القرآن كلام الله، فاستدعي إلى الخليفة.
стр. 1012
الإمام يقص خبر المحنة
قال الإمام أحمد: أُخذت من بيتي وسط الليل وأنا أصلي، فوضع الحديد في يدي وفي رجلي حتى كان الحديد أثقل من جسمي -القيود التي حمل فيها أثقل من وزنه هو- ووضع على فرس، قال: فلما وضعت على فرس، أتيت أتمسك فما استطعت أن أتمسك، فكدت أسقط ثلاث مرات، كل مرة أقول: اللهم احفظني! فكان يردني الله حتى أتساوى على الفرس: ﴿احفظ الله يحفظك﴾ وكان الجندي الذي معه يضرب الفرس علّ الإمام أحمد يسقط على وجهه.
قال: فلما أدخلت السجن سحبت على وجهي فنزلت، قال: فكنت أستغفر الله، فنزلت في آخر الليل، قال: فلا أدري أين القبلة؟ ولا أدري أين أنا، في ظلام وفي وحشة لا يعلمها إلا الله، فكنت أقول: ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٩] قال: فمددت بيدي فإذا بماء بارد، فتوضأت منه وقمت أصلي إلى الفجر.
انظر إلى حفظ الله، حتى في الساعات الحرجة لا ينسى ربه ﵎، لأنه العون ﵎:
فالزم يديك بحبل الله معتصماً فإنه الركن إن خانتك أركانُ
قال: فلما أصبح الصباح، حملت على الفرس ثانية، وما طعمت طعاماً، وكدت أسقط من الجوع، فأدخلت على المعتصم الخليفة العسكري الثاني، صاحب عمورية بعد المأمون.
قال: فلما دخلت عليه هز السيف في وجهي، وقال: يا أحمد! والله إني أحبك كابني هارون، فلا تعرض دمك لنا.
فقال الإمام أحمد: ائتوني بكتاب الله أو بسنة رسول الله ﷺ !
حاول المعتصم معه ليجيب ويقول: القرآن مخلوق، فرفض، فدعا بالجلادين، ودُعي بجبار من الجبابرة؛ رأس الحرس الذي يتكون من خمسين ألفاً، يرأسه عجيف.
فقال المعتصم لـ عجيف: اضرب هذا الرجل -أي: الإمام أحمد - قال: فجلده مائة وستين سوطاً حتى غشي عليه، ثم استفاق، وكان يقول: لا إله إلا الله حسبي الله ونعم الوكيل؛ لأنها أقوى الكلمات، إنها قوة هائلة! إنها قوة فتاكة! حسبي الله ونعم الوكيل!
يقول ابن عباس ﵄: [[قالها إبراهيم فنجاه الله من النار، وقالها محمد فنجاه الله من كيد الكفار]] صلى الله على رسوله وسلم تسليماً كثيراً.
ورفض أن يجيب حتى تملغ وتجلد ظهره من كثرة الجلد، فرفع على الفرس وأعيد، وبقي في السجن ثمانية وعشرين شهراً، وسرد الصيام وهو في السجن في هذه الفترة كما قال ابنه عبد الله، فما أفطر يوماً واحداً، يعرض عليه الإفطار، وكان الخليفة يحبه، يقول: لا تأتوني بالعشاء حتى تعرضوه على الإمام أحمد.
فيعرضون له المائدة ليأكل، فيقول: والله لا آكل لهم لقمة، ولا أشرب لهم شربة.
على ماذا كان يتغذى الإمام أحمد؟ كان عنده جراب فيه سويق، فإذا اقترب وقت المغرب أخرج كفاً منه، ثم وضعه على الماء وشربه، هذا غذاؤه في ثمانية وعشرين شهراً.
ثم في الأخير عرض على السيف مرات ورفض، فلما أعجزهم وأكلَّهم وأملَّهم أعادوه إلى بيته، فأنزلوه وهو جريح.
يقول ابنه عبد الله: دخل أبونا علينا في الليل بعدما أُطلق من السجن، فأنزلناه من على الفرس، فوقع من التعب ومن الإعياء ومن الضعف والهزال والمرض على وجهه، قال: فبقي أياماً، ثم تولى الخلافة المتوكل فنصر السنة، وأتى بالمال والذهب إلى الإمام أحمد، فبكى الإمام أحمد وقال: والله إني أخاف من فتنة النعمة أكثر من فتنة المصيبة والمحنة، فرفض وما أخذ شيئاً، وبقي على هذا الحال.
وكان يقول: يا ليتني ما عرفت الشهرة! يا ليتني في شعب من شعاب مكة لا يعرفني الناس!
стр. 1013
وفاة الإمام أحمد
لمَّا أراد الله أن يرفع ذكر الإمام أحمد قبضه إليه في يوم من أسعد الأيام، مرض تسعة أيام، ومحص الله ما بقي عليه من خطايا وذنوب وسيئات؛ لا يخلو منها البشر في هذه التسعة الأيام، وفي اليوم الأخير منها عرف الخليفة أنه مريض؛ فأمر الناس بزيارته، فانقلبت بغداد العاصمة؛ عاصمة الدنيا، بغداد، صاحبة المليونين من البشر، انقلبت ظهراً لبطن متجهة في طوابير وفي كتائب إلى بيت الإمام أحمد لتزوره في اليوم الأخير.
قال أبناؤه: والله لقد أغلقت المتاجر حول بيوتنا، وتوقف الباعة، وتوقف حرس المتوكل من ممر الثكنات إلى بيتنا من كثرة الناس، فرفض الإمام أحمد أن يدخل عليه إلا الصبيان والمساكين، فأدخلوا الأطفال عليه، فأخذ يبكي ويقبلهم، ويمسح على رءوسهم، ويدعو لهم، ثم أدخل عليه الفقراء فأخذ ينظر إليهم، ويقول: اصبروا فإنها أيامٌ قلائل، لباس دون لباس، وطعامٌ دون طعام، حتى نلقى الله.
وفي سكرات الموت التفت إلى طرف غرفته، وقال: لا! بعدُ، لا! بعدُ، لا! بعدُ فقالوا: مالك؟! قال: تصور لي الشيطان، ورأيته يعض على إصبعه، ويقول: فتني يا أحمد، فتني يا أحمد! أي: هربت مني، فقد فتنت الناس إلا أنت، فيقول الإمام أحمد: لا! بعدُ، أي: انتظر إني أخاف على نفسي.
فقبضه الله ، واستودع أبناءه، وأوصاهم بوصية إبراهيم ﵇ لأبنائه؛ ألا يشركوا بالله شيئاً، وأن يقيموا فرائض الإسلام، وأن يتخلقوا بالخلق الحسن.
أتدرون ماذا كان آخر كلماته؟!
قال: اللهم اعف عمن ظلمني، اللهم اعف عمن شتمني، اللهم سامح من ضربني، اللهم سامح من سجنني إلا صاحب بدعة يكيد بها دينك فلا تسامحه أي: عدو الإسلام لا تسامحه، أما عدوي لنفسي فسامحه.
وقبضت روحه ﵁ وأرضاه، فماذا كان؟
طوى الجزيرة حتى جاءني خبرٌ فزعت منه إلى آمالي الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملاً شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر فليس لعينٍ لم يفض ماؤها عذر
ثوى طاهر الأردان لم تبق بقعة غداة ثوى إلا اشتهت أنها القبر
стр. 1014
تشييع جنازته
لما توفي الإمام أحمد أعلن المتوكل في الناس أن عليهم أن يشيعوا الجنازة؛ ففتحت الثكنات العسكرية لجيش الخليفة، وبقي الناس يتوضئون من وقت الضحى إلى صلاة العصر، وحملت الجنازة، وارتفعت في الصباح من بيته، ووصلت إلى مصلاها قريباً من ضاحية بغداد في العصر، من كثرة الزحام.
شيَّعه -كما يقول أهل العلم- مليون وثلاثمائة ألف، وستون ألف امرأة؛ كما أثبت ذلك أصحاب التواريخ، وتوقف اليهود والنصارى من بيعهم ذاك اليوم، وهبت رياح على بغداد حتى قال بعض الجهلة: قامت القيامة وخرج الجيش وقوامه تسعون ألف في مقدمة الناس يرتبون الصفوف، وتراددت بغداد بالبكاء من أولها إلى آخرها، ووصلت جنازته، حتى قال بعض أهل التاريخ: كانت تذهب الجنازة على رءوس الناس تحمل بالأصابع، وتعود إلى المؤخرة وتذهب وتأتي.
فلما وضعت ارتفع البكاء، وقام الناس يصلون عليها: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٩].
стр. 1015
بشائر فوزه
دفن أحمد لكن ما دفن علمه، ولا تواضعه، ولا زهده، ولا ذكره الحسن، أبقى الله له ذكراً إلى قيام الساعة.
قال ابن كثير: رآه كثير من الصالحين تلك الليلة، قالوا: ما فعل الله بك؟ -بعد أن توفي- قال: ناداني فقال: يا أبا عبد الله، إلحق بـ أبي عبد الله وبـ أبي عبد الله وبـ أبي عبد الله قلت: من هم؟ قال: بـ الشافعي وسفيان الثوري والإمام مالك؛ كلهم أبو عبد الله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦].
стр. 1016
دروس من سيرة الإمام أحمد
أول الدروس من سيرة الإمام أحمد ﵁ وأرضاه: أن الرفعة من الواحد الأحد، وأن من يحفظ الله يحفظه الله.
الأمر الثاني: أن الدنيا لا تساوي جناح بعوضة، لعنها الله وقد خلقها، وما التفت إليها منذ خلقها.
الأمر الثالث: أن العلم النافع والعلم الصحيح والعلم القويم هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
الأمر الرابع: أن من أراد الرفعة، ومن أراد المنزلة، والمكانة عند الله؛ فعليه أن يتواضع وينزل نفسه، ويلغي اعتباراته ليرفعه الله.
الأمر الخامس: أنك كلما سجدت لله سجدة رفعك الله بها درجة، وهذا الإمام يصلي كل يوم ثلاثمائة ركعة؛ لأن كل سجدة بدرجة عند الواحد الأحد.
الأمر السادس: أن في سير هؤلاء أثراً في القلب، وتربية للروح، وهداية إلى الواحد الأحد، فطالعوا أخبارهم، وتلمحوا سيرهم، وكونوا متشبهين بهم، علَّ الله أن يهدينا وإياكم سواء السبيل.
عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وقد قال ﷺ : ﴿من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة وارض اللهم عن أصحابه الأطهار، من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه يا رب العالمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، ولرفع رايتك.
اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان وفي فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين.
اللهم ثبت أقدامهم، اللهم أنزل السكينة على قلوبهم، اللهم أيدهم بروح منك، وأيدهم بنصرك يا رب العالمين.
اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بكيد؛ فأشغله بنفسه، واجعل تدبيره في تدميره، وحطمه ومزقه، والعنه كل ملعنة، وخذه أخذ عزيز مقتدر يا رب العالمين.
اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا.
اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1017
أين أنتم يا شباب ؟
وجه الشيخ حديثه هذا إلى صنف من الناس لا يحضرون المساجد ولا مجالس الخير، وذكر أنه يحبهم رغم أخطائهم لأن في قلوبهم بقية من الإيمان، وفيهم بقية خير: (الفطرة، والغيرة إلخ).
موضحاً أنهم بعد تعليمهم وإرشادهم سيكونون رصيداً للإسلام والدعوة والجهاد، وألمح إلى المنكرات والمخالفات التي يقع فيها هؤلاء الشباب والشابات، ورأيه فيها، وإسقاط الأحكام الشرعية المناسبة عليها، وعد منها ما يزيد على أربعة عشر منكراً.
ثم شرع يتكلم عن علاج الأمراض السابقة وعن التوبة والصبر على الهداية والنظر إلى معالي الأمور.
ثم تكلم عن الاقتداء بالحبيب المصطفى ﷺ ، ثم ختم بعبارة نفيسة عن الموت وتذكره، والإجابة على أسئلة الحاضرين، وحث على قراءة كتاب (صيد الخاطر) لابن الجوزي.
стр. 1018
نداء للشباب اللاهي
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
عنوان هذا الدرس: أين أنتم يا شباب؟
أيها الإخوة الكرام البررة! كانت المحاضرة السابقة بعنوان (لقاء مع الشباب) وكانت لصنف من الشباب الذين يحضرون الدروس، والذين يواظبون على الصلوات الخمس، والذين يحبون الله ورسوله، والذين يتولون الله ورسوله ولاية خاصة، وهذه الليلة حديث مع صنف من شباب آخر، ليسوا هنا، لكني أبلغهم سلامي وسلامكم من هنا، فسلام الله عليهم ورحمة الله وبركاته.
إن قلبي يحن إليهم وأنا أريد أن يحضروا، وعسى أن نراهم في القريب العاجل، ربما حضر بعضهم، ولكن الكثير لم يحضروا، إنهم هناك على الأرصفة، وفي المقاهي، وفي المنتزهات، وفي أماكن اللهو، يا ليتهم يحضرون ليروا إخوانهم من المؤمنين الصادقين المصلين، أهل الصلوات الخمس، أهل الولاية العامة والخاصة، الذين يحبون الله ورسوله إنني أبلغهم قول القائل:
أهلاً وسهلاً والسلام عليكم وتحية منا تزف إليكمُ
أحبابنا ما أجمل الدنيا بكم لا تقبح الدنيا وفيها أنتم
أهتف من كل قلبي إليهم أن يشاركوا شباب الصحوة في مسيرتهم الخالدة، وفي صلاحهم واستقامتهم.
أيها الشباب الذين لم يحضروا وألهاهم المباح، أو الذي يؤدي إلى المكروه، أو الأمر المحرم عن الحضور، نناديكم لأن بيننا وبينكم عهداً وميثاقاً هو ميثاق: إياك نعبد وإياك نستعين، وعهد: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فحقٌ علينا أن نناديكم، وأن نهتف بكم، وأن نزوركم، وأن ندعوكم إلى رحاب محمد ﵊.
إلى هنا؛ حيث البر والعفاف والاستقامة والذكر.
إلى هنا حيث الأمجاد والتاريخ وحيث الحنيفية السمحة والشريعة.
إلى هنا حيث القبسات الإيمانية وإشعاع النور، والانطلاقة التي بثها في الكون محمد ﵊، أنادي في قلوب هؤلاء الشباب بقية الإيمان، وفي قلوبهم بقية من إيمان، فلم ينتزع الإسلام أصلاً من قلوبهم؛ بل مازالت بذرة الإيمان في قلوبهم، وأنادي بقية النور نور الهداية في قلوبهم، وأنادي الحب لله ورسوله ﵊، الذي في قلوب أولئك الذين يحملونه، ولو كانوا يتأخرون عن الصلاة، ولو كانوا يسمعون الغناء، ولو كانوا يصاحبون المجلة الخليعة، فما زال أصل الإيمان يشع يشع ويذوي يذوي في قلوبهم:
تعالوا تعالوا نكتب الحب موثقاً بدمعٍ غزيرٍ يغسل الحوب والذنبا
تعالوا نعيد العهد بين قلوبنا أتيناكم طوعاً نبادلكم حبا
إنهم أحفاد مصعب، ولكن مصعباً لم يكن لاغياً لا هياً في الحياة.
كان حنيفاً مسلماً ولم يكن من المشركين، قطع جسمه في سبيل الله ليظهر أنه يحب الله ورسوله، أليس هذا دليلاً على الحب؟! أليس هذا برهاناً على ولاية الله؟! أليس هذا شاهداً على حبه لله؟ إي والله لقد قطع في أحد.
فيا أيها الشباب الذين لم يحضروا: شلل، وعصابات، وجماعات، همهم السيجارة والكيرم والسهرة، والضحك الذي لا ينتهي، واللهو، والعبث، إن مصعباً يعتب عليكم أنكم ادعيتم أنكم أحفاده، ولكنكم لستم بأحفاده إلى الآن، نعم بينكم وبين مصعب نسب لا إله إلا الله محمد رسول الله.
ويا أحفاد معاذ بن جبل لم يكن معاذٌ مضيعاً لأوقاته، كان معاذ يحملُ الكتابَ والسنةَ ويعلم العالمين:
عُبَّاد ليل إذا جن الظلامُ بهم كم عابد دمعه في الخد أجراهُ
وأسد غاب إذا نادى الجهاد بهم هبوا إلى الموت يستجدون رؤياه
يا أحفاد أُبي! لم يكن أبي هاجراً للكتاب، بل كان سيد القراء، يصحب الكتاب كتاب القرآن ربيع قلبه، ونور بصره، وأنيس روحه، كان يحب القرآن، ويعمل بالقرآن، فأين أنتم يا شباب الإسلام من كتاب الله ومن قراءته وتدبره؟!
وقِّفَا بي على النقى وقفا بي واتركاني هنيهة وارفقا بي
واعذراني من الدموع فهذي قصةُ الحب صاغها أحبابي
هذه مقدمة، وأنا أعلن أني أحب أولئك كما أحبكم في الله؛ لأن الحب يتجزأ والولاية مع هؤلاء في الله وفي رسوله ﵊ تتبعض، فهو حب نسبي وولاء نسبي، نحبهم لأصل الإيمان الذي عندهم، فعندهم خير كثير.
стр. 1019
جوانب الخير عند الشباب
أنا أحدثكم عن جوانب الكمال التي في هؤلاء:
стр. 1020
من جوانب الخير: الفطرة
أولاً: إن عندهم الفطرة التي فطر الله الناس عليها لا تبديل لخلق الله، أنا أعلم أنهم لم يحضروا، وأنا أعلم أن بعضهم يصلي في بيته، وأنا أعلم أن كثيراً منهم يستمع إلى الأغاني الماجنات أكثر من سماعه إلى الآيات البينات، وأنا أعلم أن الكثير يطالع المجلات الخليعات أكثر مما يطالع الأحاديث النبويات الموروثة عن معلم الخير ﵊، ولكن عندهم الفطرة، مكتوب في قلوبهم لا إله إلا الله محمد رسول الله، فقد نزلت رءوسهم من بطون أمهاتهم إلى الأرض وهي تحمل مبدأ التوحيد: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢].
فأنا أخاطب الفطرة فيهم، وكثير من الناس يظن أن هؤلاء يعيشون بلا فطرة أو يعيشون بلا دين اذهب إليه وحرك الفطرة، اسقها بماء الهدى، وابعث فيها الأنوار، واجعلها تنمو وتنمو وتكبر وتكبر حتى تراه بجانبك في الصلاة وفي الدرس، وفي المحاضرة، لكنك أنت أخطأت، وأنا أخطأت، وهو أخطأ.
فأخطأت أنت لأنك لم تشارك في الذهاب إليه، ولم تبعث له بحبك، ولم تقف معه، ولم تبادله الأشواق والمودة، وأخطأت أنا لأنني ما خصصت جزءاً من دعواتي ومحاضراتي لأولئك، وأخطأ هو لأنه لم يلتمس النور، ولم يبحث عن الهداية، ولم يأت مرة ليجرب نفسه في مثل هذه المحاضرات والدروس، إنه جرب نفسه في المقهى، وجرب نفسه في المنتدى، وجرب نفسه على الرصيف، وجرب نفسه مع الكرة، وجرب نفسه مع الأغنية، لكنه ما جرب مرة واحدة طعم الهداية والنور:
أين من يدعي ظلاماً يا رفيق الليل أينا إن نور الله في قلبي وهذا ما أراه
قد مشينا في ضياء الوحي حباً واهتدينا ورسول الله قاد الركب تحدوه خطاه
أين توجد معالمه ﵊؟ في المحراب.
أين توجد أنواره؟ في المحراب.
أين يوجد دستوره؟ في المحراب.
أين توجد مسيرته المباركة؟ في المحراب.
أين يوجد منهجه المستقيم؟ في المحراب.
اذهب إلى أولئك وتعال بهم إلى المحراب؛ لقوله ﵊: ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ هذه هي المكاسب الغالية يا شباب الإسلام.
следующие страницы →