Полный текст (10 391 стр.). Показаны 9521–9560 · переход к 9526.
стр. 9521
الرضا بالزرع
﴿ورضيتم بالزرع﴾ أمة مزارعة، والزرع ليس بحرام؛ لكن إذا أصبحت البطون مقدمة على ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وأصبح الحرث والزراعة مقدمة على مسألة العبودية لله، وعلى نصر الدين في أقطار الأرض، وعلى تشجيع العلماء والدعاة، وعلى بث الوعي في الأمة، وعلى تعليم الناشئة، وعلى تربية الأطفال تربية مستقيمة، فالأمة لم تبعث مزارعة، والزراعة نتركها لغيرنا إذا أردنا أن ننصر دين الله، ولا تمنعنا الزراعة من نصر دين الله، فلنكن مزارعين؛ لكن ومجاهدين قبل ذلك، ولا يفهم من الكلام أن من زرع أو حصد أو استثمر أو عمل أو تاجر فقد ارتكب أمراً محرماً، فالله يأمر بذلك، لكن لماذا لا نقدم الدين أولاً؟! ولماذا لا نضحي لـ (لا إله إلا الله) أولاً؟! إذا أشغلتنا المزارع عن مبادئنا فلا حياها الله ولا بياها، وقد هدد الله وتوعد أن من رضي بالحياة الدنيا واطمئن بها أن يصليه نار جهنم.
﴿ورضيتم بالزرع﴾ فما أصبحنا نفتخر أمام العالم إلا بالمزارع والحدائق، وكنا نفتخر أمام العالم بأنا أهل العدل والإنصاف، وأهل الإسلام والإيمان والتوحيد، والشهداء الذين أزالوا الرِق من العالم، وأصبحنا الآن نخبر الناس أننا مزارعون من الدرجة الأولى، وحراس، وتجار، وصناع.
стр. 9522
الاهتمام بالمواشي والأنعام
﴿وأخذتم أذناب البقر﴾ أسلوبه ﵊ لاذع لأولئك الذين تركوا دين الله، وأصبحت مواشيهم ودواجنهم في بيوتهم أعظم عندهم من نصرة الدين، وقد وجد هذا، فوالله إن في الأمة من يغضب لبقره أكثر من غضبه لمبادئه الإسلامية.
الدين ينتهك، والمنكرات والفواحش تنتشر، وتعطيل كثير من أمور الإسلام، ومع ذلك لا غضب، أما إذا مست وظيفة العبد، أو منصبه، أو شيء من مصالحه، أو بيته أو أرضه، أقام الدنيا وأقعدها.
فمن هو المسئول عن الدين إلا أنتم؟ ومن يبلغ هذا الدين إلا أنتم؟ ومن يحمل مبادئه في الناس إلا أنتم؟
﴿وأخذتم أذناب البقر﴾ وقس على البقر أمثالها وأمثالها من الدواجن، والحمام، والغنم، والصقور، وفن الهوايات التي تعلق بها السفهاء ولو كانوا كباراً في السن، فأصبح الواحد منهم كبيراً في جسمه، طفلاً في عقله، يلعب بالصقر، ويتفرج الصباح والمساء على دواجنه ومزارعه، ودين الله لم يقدم له كلمة، ولم يقدم له درهماً ولا ديناراً، ولم يكن عوناً لنشره في الأرض، ماذا أريد أن أقول بعد هذه المقدمة؟
أقول: نحن في موطن صيفي، وهذه المنطقة كغيرها من مناطق البلاد الإسلامية تحتاج إلى دعوة، وتحتاج إلى رواد محمد ﵊، وإلى حملة قال الله وقال رسوله ﵊، أن ينشروا الدعوة في القرى والبوادي والمدن، وأن يكونوا دعاة فضيلة، يقول ﵊: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ ويقول: ﴿نضر الله امرءاً سمع مني مقالة فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع﴾ أين آلاف الخريجين من الجامعات؟ وأين آلاف الطلاب من الثانويات؟ وأين القضاة؟ أينتشر السحر والكهانة والشعوذة والشرك في المناطق والقرى والبوادي؟
أيخيم الجهل على كثير من الناس حتى لا يعرف الإنسان أنه يؤدي صلاته أداء إسلامياً؟
فأين أولئك؟ ألن يسألهم ربهم؟ ألن يسألهم معلمهم وشيخهم ﷺ ؟
فيا دعاة الإسلام! ويا حملة المبادئ! لا نريد منا أن نكون كمن قدموا أرواحهم في أحد.
فلا تعرضن بذكرنا في ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
لكن نريد أن نقدم شيئاً للدين؛ بنشر الكتاب الإسلامي، والكلمة الطيبة، والشريط الإسلامي، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإصلاح الناس، وأن نسعى في سعادتهم وإنقاذهم من الظلمات، وإنقاذهم من النار، وإدخالهم جنة عرضها السموات والأرض.
أيها الناس! صلوا على الحبيب ﵊، وأكثروا من الصلاة والسلام عليه، وأفيضوا بالتحيات عليه في هذه الساعة المباركة، وعلى أصحابه الكرام والتابعين لهم بإحسان، جمعنا الله بهم في دار السلام.
اللهم أصلحنا ظاهراً وباطناً، اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، اللهم اهدنا سبل السلام، اللهم أصلح من وليته علينا، اللهم ولِّ علينا خيارنا ولا تول علينا شرارنا، اللهم ولِّ علينا من يرجوك فينا ويخافك فينا ويرحمنا فيك.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 9523
وصايا لقمان
لقد حكى الله تعالى لنا على لسان لقمان ما أوصى به لقمان ابنه من الوصايا الجامعة لخيري الدنيا والآخرة.
وكانت الوصية بالتوحيد في مقدمة تلك الوصايا نظراً لأهميتها وعظيم قدرها ثم ثنى بالوصية ببر الوالدين وطاعتهما، وثلث بالعبادات، وختمت الوصايا بالوصية بلزوم الأداب الفاضلة والأخلاق الكريمة.
стр. 9524
حقيقة الحكمة
الحمد لله رب العالمين، الحمد الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً، أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
شكر الله لكم اجتماعكم وحضوركم واستقبالكم، وجمعنا الله بكم في دار الكرامة، فإن هذه المجالس من أعظم ما يتقرب به إلى الله ، هي مجالس المتقين، وأولياء الله إذا اجتمعوا ذكروا الله، وكما يجتمع الصالحون في هذه الدنيا على ذكره يجمعهم الله في جنته على محبته.
من كان ملتمساً جليساً صالحاً فليأت حلقة مسعر بن كدام
فيها السكينة والوقار وأهلها أهل العفاف وزينة الأقوام
أيها الإخوة الكرام! ذكر الله قصة لقمان ﵇ في القرآن بسورة، وتكلم الله عن كلام هذا الرجل الصالح، الذي أصلح الله قلبه.
وكان لقمان مولى من الموالي، لكن رفع الله ذكره بالتقوى، كان مملوكاً ولكن أحيا الله قلبه بالتوحيد والإيمان، ذكر في ترجمته: قال له مولاه: يا لقمان! ائتني بأطيب شيء في الإنسان، وبأخبث شيء فيه واذبح ذبيحة، فذبح ذبيحة وأتى بلسانها وقلبها وقال: هذا أطيب شيء إذا طاب، وهذا أخبث شيء إذا خبث.
يقول عنه في القرآن: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ) [لقمان:١٢] ما هي الحكمة وما معناها، وكيف نعرفها أيها الكرام؟
الحكمة كما قال السلف: مخافة الله، وفي أثر يروى عنه ﵊ أنه قال: ﴿رأس الحكمة مخافة الله﴾.
стр. 9525
معاني الحكمة في القرآن
والحكمة إذا أطلقت في القرآن فلها معنيان اثنان: إذا ذكرت مع القرآن فمعناها السنة: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَة﴾ [الأحزاب:٣٤] وإذا ذكرت وحدها فمعناها وضع الشيء في موضعه، ومعناها التسديد في الأمور، يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦٩] ولا حكمة لفاجر ولا سداد لعاصي، ومن عصى الله خذله الله، خذله في كلامه وأفعاله وحاله، ومن فجر نزع الله الحكمة من قلبه والنور.
يروى أن يوسف ﵇ -وهذا يذكره أهل التفسير في قصصه- لما همت به المرأة وهم بها، ذكر واعظ الله وبرهان الله، ورأى أباه يعقوب ﵇ وهو يعض بأسنانه على أنامله ويقول: يا يوسف! لا تزنِ فإن من زنى كالطائر ينتف ريشه.
وهذا كالعاصي إذا أقدم على المعصية، فإن الله ينزع منه النور أولاً، والحكمة والسداد ويخذله، ويجعله من أبعد الناس عن التسديد في الأمور.
стр. 9526
عبادة الشكر
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان:١٢] ثم فسرها الله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان:١٢] لا إله إلا الله ما أعظمها من حكمة! ورأسها شكر الله ، ولم يفسرها بمنصب أو بشهادة أو بمال، أو بثروة أو بمكتب أو بمطلوب، بل جعلها شكره .
قيل لأحد الصالحين: ما شكر الله؟ قال: أما شكر العينين فالبكاء -يعني: من خشية الله- وشكر القلب الحياء، وشكر اللسان الثناء، وشكر الأذنين الإصغاء.
هذا هو الشكر، يقول: شكر العينين البكاء، وعين بكت من خشية الله لا تمسها النار، وأما شكر القلب فالحياء من الله ؛ أن يعيش مراقبة الله وخشية الله، وأما شكر اللسان فالثناء على الله؛ التسبيح والتحميد، والذكر وتلاوة القرآن، هذا هو شكر اللسان، وشكر الأذنين الإصغاء للحكمة ولقول الله .
والشكر ذكر في آيات كثيرة من القرآن أستعرضها معكم أيها الأبرار الأخيار! فإنا نسأل الله أن ينظر إلينا في هذا المجلس نظر رحمة، وأن يعلم أنا اجتمعنا لذكره ولطاعته، أتينا من قبائل شتى، ومن أسر متعددة، ومن ألوان مختلفة، ومن أماكن متباينة، جمعنا الرضوان فيه والرحمة، ولعل الله أن يقول لنا في آخر المجلس: انصرفوا مغفوراً لكم فقد أرضيتموني ورضيت عنكم، فيا ربنا نسألك أن تغفر لنا ذنوبنا وخطايانا.
يقول الله عن الشكر: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤] ويقول في الشكر: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] ويقول في الشكر: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران:١٢٣] وقال عن الشكر أيضاً لما ذكر آل داود قال: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] وقال : ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢].
стр. 9527
حقيقة الشكر
كيف نفسر الشكر؟
قالوا: هي أن تثني على المنعم بإنعامه، وأن تجعل نعمته في طاعته ولا تخالف أمره، وهذا من أعظم ما فُسر به، ويقابل الشكر كفران الجميل قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم:٢٨].
لكن تعالوا نستعرض معاني الشكر، يقول سبحانه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾ [سبأ:١٣] جمع داود ﵇ آل داود -هذا في التفسير- وكان عددهم ستة وثلاثين ألفاً، رجالاً ونساءً فخطب فيهم وبكى وقال: يا آل داود! إن الله أنعم عليكم بنعم ظاهرة وباطنة، أتريدون أن تبقى؟ قالوا: نعم.
قال: قيدوها بالشكر.
والله ما خلع نعمة عن عبد إلا يوم يخلع العبد طاعة الله، والله ما حبس نعمة عن عبد إلا يوم يعرض العبد عن مرضاة الله، رجل أو أنثى.
إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم
وحافظ عليها بتقوى الإله فإن الإله سريع النقم
قالوا: أحد الصالحين نظر بنظرة واحدة إلى منظر لا يحل له فنسي القرآن بعد أربعين سنة.
قال لهم داود: صلوا في كل ساعة وتناوبوا الليل والنهار، فوزعهم إلى جماعات؛ فما كان يمر عليهم ساعة في الليل والنهار إلا وقوم يذكرون الله ويسبحون الله ويصلون لله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾ [سبأ:١٣] وهذا مصدر، أي: هكذا فاعملوا: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣].
سليمان بن داود ﵇ في قصصه أجرى الله له الريح، كما قال : ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ:١٢] وهذا هو الملك العظيم، يوم قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥] فسخر الله له الريح، فكان يأمرها أن تنقله من مكان إلى مكان، فتأتي كالبساط تحته فتحمله ومعه الأمراء والوزراء، والعلماء والجيش، وتنقله من مدينة إلى مدينة، وهذا ما يبلغه العلم الحديث أبداً، وأي علم يبلغ هذه الدرجة؟! ويقول الله في وصف الريح إذا أراد أن يهبط، ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص:٣٦] لأن الإنسان يتساءل إذا رفعت الريح سليمان ومن معه كيف تهبط به، أهناك مدرجات أم تصطدم به في الأرض أم ماذا تفعل؟ قال سبحانه: ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص:٣٦] ومعنى رخاءً: أي أنها تتدرج في خفة سرعتها حتى يقع على الأرض: ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص:٣٦] حيث أراد من الأرض، إذا قال: اهبطي هنا لا تهبط بقوتها، بل تترسل رويداً رويداً حتى يهبط بسلام.
ارتحل مرة من المرات إلى الهند من أرض فلسطين -كان يسكن ﵇ في فلسطين - فأمر الريح أن تحمله فحملته، فلما أصبح في الجو مع الناس على البساط؛ غطى شعاع الشمس عن فلاح يزرع في الأرض، فحجب الشمس عن هذا الفلاح، فنظر الفلاح فرأى سليمان ﵇ بين السماء والأرض ومعه الحاشية، فقال الفلاح وهو بالمسحاة يخدم الأرض: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً، قالوا: فارتفعت هذه الكلمة إلى الله؛ لأن سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، وأمثالها تصعد إلى الله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] انظر كيف نسب الضمير إليه وحده، فمرت على سليمان هذه الكلمة، فقال للريح: اهبطي هنا، فهبط بجانب الفلاح، قال: يا فلان! ماذا قلت؟ قال: قلت: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً، قال: والذي نفسي بيده لقولك سبحان الله أحسن مما أوتي آل داود.
ويقول ﵊ في صحيح مسلم: ﴿لأن أقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس -وفي لفظ- أو غربت﴾ قالوا: وأفضل حلية حلية الشكر، تجمل الناس بالذهب ولكن أصبح بلا إيمان لعنة، واتخذوا القصور، ولبسوا الملابس الفارهة، وركبوا السيارات؛ لكن لما تجردت عن الشكر ما أصبح لها طعم، ولا لون.
لبسنا حالياً من كل وشي فما سترت ملابسنا الخطايا
وأحسن لباس لباس التقوى ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦].
стр. 9528
شكر المرأة لله
يقول بعض العلماء: إذا أرادت المرأة أن تتجمل فلتتجمل بتقوى الله، فما لبست أعظم من تقوى الله حلة، لا ذهباً ولا فضة.
هل عرفت المرأة أن أعظم حلة تتحلى بها هي تقوى الله؟ هل علمت المرأة المسلمة أن حجابها وسترها، وعفافها وذكرها أعظم زينة يزينها الله بها في الدنيا والآخرة: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٩٠ - ٨٩].
هل علمت المرأة أمام الموضات، وأمام الغزو، والزحف الماكر، والعدوان والحرب على المرأة، أن زينتها في حفظ عرضها ونفسها ودينها وعفافها وتربية بنيها؟ والله! إن هذه المرأة التي تتكشف وتتبرج، وتتزين للناظرين، وتعرض نفسها سلعة للعيون، وتحاول أن تقدم نفسها في صورة بهية -على زعمها- لهي من أشوه النساء في الدنيا والآخرة.
إذا وقع الذباب على طعام رفعت يدي ونفسي تشتهيه
وتجتنب الأسود ورود ماء إذا كن الكلاب ولغن فيه
أراد الإسلام أن تكون المرأة درة في صدف، وأراد الكفار والفجار والمعرضون أن تكون سلعة معروضة كاللحم عند الجزار، تراها العيون وتلمسها الأيدي، فأقول هذا بمناسبة ما هو شكر المرأة لله؟ شكرها التقوى والحجاب والعفاف، قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] وهذه الجاهلية أدهى وأطم من تلك الجاهلية، من سمع في الجاهلية الأولى أن المرأة تمر على خياط في عهد أبي جهل فتقف معه وتخلو به، وتركب مع السائق الساعات الطويلة وهي متزينة متجملة متعطرة، فقدت زوجها ونسيها زوجها وغاب عنها وغاب عنها الإيمان؟
هل علم أن امرأة كانت تجوب السوق من الصباح إلى صلاة الظهر تخالط الهندوكي والسيخي والمسيحي والفاجر المعرض المتهتك؟ متى كان هذا؟ ألا إن هذا كفر بنعمة الله ، وهذا من أسباب السخط والمحق -والعياذ بالله- في الأمة، ويوم تصل المرأة إلى هذا المستوى فقد كفرت بأنعم الله، وقد جحدت معروف الله.
стр. 9529
كيفية شكر الله
قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان:١٢] يا لقمان! اشكر لله.
يقولون: داود ﵇ قال: يا رب! كيف أشكرك؟ ما أستطيع أن أشكرك، قال: يا داود! أتعلم أني أنا المنعم؟ قال: نعم.
يا رب! قال: فقد شكرتني.
ضاع فرس لـ جعفر الصادق ﵀ قال: والله لئن وجدت فرسي؛ لأشكرن الله شكراً من أعظم ما يشكره به الشاكرون، فلما وجد الفرس وركبه قال: الحمد لله رب العالمين، قالوا: أين الشكر؟ قال: قد قلته، قلت: الحمد لله رب العالمين.
ولذلك لما أراد الله أن يثني على نفسه قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر:١] وهي من أعظم الكلمات؛ حتى إن عمر ﵁ مر على أعرابي في السوق فقال: يا أعرابي! كيف حالكم -ليس من القضايا المهمة أن يدري عمر ماذا حدث للبدوي هذا لكن يريد أن يسمع كلامه- قال الأعرابي: الحمد لله يا أمير المؤمنين! قال عمر: إياها أريد، يعني: أريد الكلمة أن تنطقها وأن تقولها لتكتب في ميزان حسناتك وهي من أعظم الكلمات.
﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [لقمان:١٢] هذا تعبير القرآن وبلاغته وهذا سر بقاء القرآن، فهذه الوثيقة -المصحف- معنا ألف وخمسمائة سنة، ووثيقة ماركس اثنتان وسبعون سنة وداسها جرباتشوف بجزمته وهو من أبناء وأحفاد ماركس، لكن قرآننا يثبت عظمته، ويثبت جماله وجلاله، وبقاءه وخلوده وحفظ الله له.
سمعتك يا قرآن والليل واجم سريت تهز الكون سبحان من أسرى
فتحنا بك الدنيا فأشرق نورها وسرنا على الأفلاك نملؤها أجرا
﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [لقمان:١٢] من صلَّى صلَّى لنفسه، من صام صام لنفسه، صحَّ عنه ﵊ أنه قال: يقول الله ﵎: ﴿يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً﴾ والله لو كان العالم -كل العالم- على تقوى أتقى الأتقياء؛ يصلون ويصومون ويذكرون، ولم يكن فيهم رجل واحد ما زاد في ملك الله ذرة.
﴿يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً﴾.
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان:١٢] يستغني الله ﴿وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن:٦].
والله هو الغني ، لا تضره معصية العاصي ولا تنفعه طاعة الطائع، قال: ومن كفر بهذه النعم؛ فإن الله غني حميد، أي: لا يحتاج إليهم وليس في حاجتهم، وإنما تسببوا لأنفسهم بويل وخسران وبضر في الدنيا والآخرة.
والآن انتهى من المقدمة؛ وعرفنا بلقمان وترجمته وحياته في آية واحدة.
والقرآن لا يأتي بالحزئيات التي أشغلنا أنفسنا بها، ولد عام كذا وكذا في يوم كذا وكذا وفي ساعة كذا وكذا، وكان يأكل كذا وكذا، وكان له من الأطفال كذا وكذا، لا.
فالقرآن يأتي بقضايا كلية، يوم يتكلم عن الكلب في سورة الكهف ما أتى بلونه، وبعض المفسرين يقول: لونه أسود، قال الآخرون: لا.
مبرقش، قال الآخرون: لا.
أحمر يميل إلى الصفرة، ما بقي إلا أن يقولوا: بنفسجي، القرآن ما عرض لهذا، بل أتى بالمقصد وسماه كلباً، ويقول للرسول ﷺ : ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً﴾ [الكهف:٢٢].
وقال عن الطعام والشراب: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة:٢٥٩] قالوا: كان شرابه التوت، قال قوم: لا.
عصير الزيتون، وقال قوم: لا.
ما بقي إلا الميراندا أو الببسي، فالقرآن ما عرض لهذا ولكن أتى بقواعد كلية، فترجم للقمان في آية، ثم تكلم عن وصاياه.
стр. 9530
وصايا لقمان لابنه
والوصايا هي الحث على خير والتحذير من شر، وأعظم وصية في الحياة الوصية بالتقوى، سئل ابن تيمية في المجلد العاشر من الفتاوى من رجل من المغرب يقول له: يا شيخ الإسلام! أوصني، قال: أما إن سألتني على الوصية فلا أعظم وصية من وصية الله للناس لمن عقلها وتدبرها: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] فهذه أعظم وصية وهي أعظم شهادة في الدنيا أن اتقوا الله.
وقد وصى ﵊ أصحابه بوصايا عديدة، وكان يوصي الرجل بحسب ما يراه من استعداد: ﴿أتى رجل فقال: أوصني يا رسول الله! فإن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ، قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله﴾ حديث صحيح رواه الترمذي وغيره، ويقول ﵊ عند الترمذي عن ابن عباس: ﴿احفظ الله يحفظك -وهي من أعظم الوصايا- احفظ الله تجده تجاهك﴾ الحديث.
стр. 9531
التحذير من الشرك بالله
قال: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ [لقمان:١٣] أي: يوصيه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] أولاً: قال: يا بني! وهذا أدب تربوي، وعليك أن تعتبر بهذا الكلام؛ أنك إذا أردت أن تدعو الناس فعليك أن تلين لهم في الخطاب، وأن تأخذهم بالمحبة وأن تأخذهم بسهولة من اللفظ ويسر من الكلام، يا بني! هذه قضية تربوية قال: يا بني! يا حبيب قلبي! يا أقرب الناس إلى روحي! لا تشرك بالله.
والشرك له صور متعددة، فليس هو عبادة الصنم والحجر والوثن فقط، بل له صور، وبعض العلماء يقول: من توله بلعبة حتى قدمها على حُبِّ الله ووالى من أجلها وعادى من أجلها؛ فقد أشرك بها لقوله : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية:٢٣].
وأحد المفكرين كذلك يقول: الكرة تعبد من دون الله.
هذه الكرة التي يلعب بها، بلغ حال بعضهم أن عبدها من دون الله، فترك الصلاة من أجلها، وأخر الصلاة من أجلها، وبعضهم يجمع من أجلها الصلاة على المدرجات الظهر والعصر، فأفتى نفسه من أجل ألا تفوته المباراة، وبعضهم إذا -وقد عرض في سؤال وأظنه معتوهاً أو أحمقاً- حان الأذان، وخاف أن يذهب إلى المسجد فيفوته الشوط والمباراة؛ فرش غترته أمام شاشة التلفزيون وقام يصلي وهو ينظر إلى المباراة! وهذا حدث، وكان يركع سريعاً ويسجد سريعاً؛ حتى يجمع بين الحسنيين، وهما حسنيين كوجهه في الحسن وكعقله ورشده، فأي حب بعد هذا الحب؟!
بل بلغ بهم الولاء والبراء حتى يقول بعضهم: أنا هلالي حتى الموت، أو نصراوي حتى الموت، وهي أقرب إلى النصراني، سبحان الله! أحفاد خالد بن الوليد وعمر بن الخطاب هلاليون حتى الموت! وأنا لا أهاجم الأندية لذاتها، فأنا عضو شرف في نادي الهلال، لكن يوم يسجد نادي الهلال لله، ويوم يدعو أصحابه إلى مبادئ الله، ويوم تتجه النوادي إلى الله وهم إخواننا وأبناء عمومتنا؛ لكن حينما نلتقي نحن وإياهم تحت مظلة لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإن صلوا وعرفوا الله، وتوضئوا وقرءوا القرآن؛ فنحن وإياهم سواء، ورسالتنا واحدة وهم دعاة.
يقولون: أن رجلاً كان هلالياً وامرأته كانت نصراوية، فتبارى الفريقان فانتصر أحدهما على الآخر، فاحتدم البيت، وقام الخصام حتى طلق الرجل زوجته، إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم، فأي تربية وأي ولاء هذا؟
وبعضهم ببعض اللعب تبلغ به الشغف، مثل البلوت، تجد بعضهم مسلوب الإرادة، فتجده يلعب من صلاة العشاء إلى الساعة الثانية ليلاً، لا ذكر ولا صلاة، ولا قرآن ولا تسبيح، ولا دعاء ولا تبتل، ولا طلب علم ولا تحصيل، يلعب هذه اللعبة ويهيم بها ويراها في المنام فهل بعد هذا حب؟ وهل بعد هذا ولاء؟
والله يريد من العبد أن يعيش ذاكراً الله دائماً وأبداً: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١].
يقولون: كان شيخ الإسلام ابن تيمية لسانه لا تفتر عن ذكر الله، قالوا: نراك يا أبا العباس! ما تفتر أبداً عن ذكر الله، قال: قلبي كالسمكة، إذا خرجت السمكة من الماء ماتت، وقلبي إذا ترك الذكر مات.
فانظر إلى الحب، يحبهم ويحبونه.
يقول ابن القيم: ليس العجب من قوله يحبونه؛ فإنهم يحبونه لأنه منعم، لكن العجب من قوله يحبهم، خلقهم ورزقهم وأحياهم وأعطاهم ثم قال: يحبهم.
فنسأل الله أن نكون وإياكم من أحبابه، ومن أقرب الناس إليه، فإنه -والله- الفوز في الدنيا والآخرة، لكل من أراد أن يكون من الصالحين الأخيار.
﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان:١٣] بدأ أولاً بالعقيدة، وهذه المسألة كما ترى هي التي دائماً نكررها للناس، فقضيتنا الكبرى هي العقيدة، وبعض الناس يقول: لا يحتاج أن تتكلمون في العقيدة أو: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] عرفناه ونحن في الابتدائية، ولا تشغلونا بالعقيدة ويكفي، ولا والله لا يكفي، بل نتكلم عن العقيدة اليوم وأمس وغداً، وهي قضيتنا الكبرى وهي رسالة الرسل ﵈، وهي أعظم القضايا على الإطلاق، فلذلك بدأ بها.
والمسلم دائماً يكون حكيماً، إذا أتى إلى مجتمع أو أناس، ورآهم في شيء من الانحراف يبدأ بالعقيدة، فكيف تصحح مفاهيم الناس في السنن وهم معرضون عن العقيدة؟!
إنسان يأتي إلى قوم من البادية، يدعوهم إلى تربية اللحى وتقصير الثياب، ماذا ينفعهم إذا ربوا لحاهم، وقصروا ثيابهم، وهم لا يعرفون الله بأسمائه وصفاته، ولا يعرفون عظمته ولا يعرفون كماله وجلاله؟
وماذا ينفع الملحد أن يطلق لحيته، ويقصر ثوبه، وهو زنديق قلبه كقلب الحمار؟
هذا لا ينفع.
قال: ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان:١٣] فالشرك أعظم ذنب عصي به الله ، والشرك وصفه الله بأوصاف:
﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فالله جعل أعظم الذنوب الشرك.
قال ابن مسعود في الصحيح: ﴿يا رسول الله! أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وقد خلقك﴾ وقال نوح ﵇ لابنه: يا بني! لا تشرك بالله ولو مُزِّقت وسحقت أو كما قال.
وكانت رسالة نبينا ﵊ عن التوحيد، وصح عنه أنه قال: ﴿من قال: لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه دخل الجنة﴾ ومعنى مخلصاً من قلبه أي: يعمل بمقتضاها، أما أن يقول: لا إله إلا الله، لكن أبرد من الثلج، تخرج من لسانه لا معنى لها.
يقول: لا إله إلا الله، وهو عبد للأغنية!
يقول: لا إله إلا الله، وهو متعلق بالفيلم والشاشة!
ويقول: لا إله إلا الله، وبيته سكنة لإبليس!
يقول: لا إله إلا الله، وقلبه وثن!
يقول: لا إله إلا الله، وهو كالخواجة في تصرفاته وخلقه وسلوكه!
يقول: لا إله إلا الله، وهو لا يعرف من الإسلام لا رسماً ولا اسماً ولا قرآناً ولا ذكراً ولا صلاة جماعة!
يقول: لا إله إلا الله، وهو يحارب الملتزمين والأخيار والأبرار وأهل الدعوة وأهل العلم!
يقول: لا إله إلا الله، وهو يحبذ أن ينتصر الكافر على المؤمن!
يقول: لا إله إلا الله، وهو يعجب بالكفار ويذكرهم في المجالس.
ولذلك فروخ العلمانية وأذناب الماسونية دائماً ينفخون في أبواق أعداء الله أهل الحضارة القوم هنالك أهل العظمة والتصنيع أهل التكنولوجيا أما نحن فأهل الرجعية -يقول عن نفسه- وأهل التخلف والعالم الثالث، والدول النامية، ومن هذا القبيل هذا رجل مغرور بالله، وهذا رجل مخبول، وهذا رجل بعيد عن الله، فمعنى لا إله إلا الله مخلصاً من قلبك؛ أن تكون عابداً لله.
سليمان الأعمش الذي ترجم له الذهبي الراوي المحدث لما حضرته الوفاة قال لابنته: يا بنية! لا تبكي عليّ فوالله ما فاتتني تكبيرة الإحرام في الجماعة خمسين سنة، فما الحال في رجل يقول لا إله إلا الله وليس بينه وبين المسجد إلا مائة متر أو خمسين متر لكنه لا يصلي فيه! يسمع الله أكبر تدوِّي من على المنارة لكن لا يصلي في المسجد، وليس عنده عذر، هل بقي في قلبه إيمان! ماذا تنفعه لا إله إلا الله! فتجد هذا متهتكاً في الحدود.
وجلجلة الأذان بكل حي ولكن أين صوت من بلال
منائركم علت في كل ساح ومسجدكم من العباد خال
والله لو كان في قلبه إيمان لمشى في الظلام، يروى في الحديث: ﴿بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة﴾ كثير من الصالحين، ومن الشباب والأخيار يمشي في الثلج إلى المسجد، وفي شدة البرد القارص، الذي كالسكاكين، لكن في قلبه وقود هائل من الإيمان.
والله سمعت أنا من شاب من نيجيريا -هذا الشاب من أعبد عباد الله يقول لي: الحمد لله ولو أنام قبل الفجر نصف ساعة فقط، ثم أسمع الأذان -ويسمعني الله الأذان- فلا يمكن أن أبقى ولو لحظة، حتى يقول: نام مرة واقترب الأذان؛ فكأنه ما سمع الأذان، فرأى الرسول ﵊ وهو يقول: استووا استووا وعدلوا الصفوف قال: فاستيقظت مباشرة؛ لأن من استنار قلبه بنور الله أيقظ الله فطنته على تقوى من الله ورضوان.
стр. 9532
من صور الإشراك بالله
يقول: ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] من أعظم الذنوب في الأرض الشرك، والصور الموجودة الآن التي تنتشر: الكهانة والسحر والشعوذة، وقد انتشرت كثيراً.
ومن صورها كذلك الولاء للكافر والبراء من المؤمن.
ومن صورها كذلك تعظيم الكفار على حساب المؤمنين.
ومن صور الشرك: الاستهزاء بآيات الله، بالمصحف، بأهل الاستقامة، بالرسول صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبالمساجد وبالإسلام.
ومن صوره كذلك قول بعضهم الإسلام دين رجعية، والإسلام لا يصلح أن يواكب العصر، والإسلام انتهى، وهذه ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف:٥] هذه من المسائل.
стр. 9533
الوصية ببر الوالدين
ثم قال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان:١٤ - ١٥] تقوى الله والصلاة تنبي عن بر الوالدين، والذي يترك الصلاة لا تجد فيه خيراً، وبر الوالدين من أعظم الأعمال الصالحة التي نلقى بها الله، ويوم فسد بعض الجيل ووقعوا في ترك الصلوات، والسيئات والمخدرات؛ أتوا من العقوق ما لم يأت به أبو جهل ولا أبو لهب.
هل تصدقون أن أحداً ضرب أمه أكثر من سبع مرات بيده وهو يدعي أنه مسلم؟ ورأينا شيخاً كبيراً في السبعين يبكي ودموعه تسيل من على لحيته يشكو من ابنه، أي إسلام بقي مع هذا؟!
فالله قرن حقه بحق الوالدين: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤].
стр. 9534
الوصية بمراقبة الله
أيها المسلمون: ويستمر السياق، ويأتي لقمان ﵇ ليقرر لابنه قضية أن الله يعلم الغيب، وأن الله يطلع على السرائر، وأن الله لا تخفى عليه خافية، وأن الله قريب من العبد، وأن الله بعلمه وبشهوده وبحسابه وباطلاعه مع العبد، وهذا تقرير العقيدة وتقرير التوحيد، قال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦] يقول: يا بني! إذا تسترت وراء الجدران فالله معك، إذا تسترت بالحيطان فالله يراك.
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الظغيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
جلس صفوان بن أمية مع عمير بن وهب تحت ميزاب الكعبة في الحرم في مكة، والرسول ﵊ في المدينة، وكان آنذاك صفوان وعمير كافرين ومشركين بعد معركة بدر، قال صفوان: يا عمير بن وهب! أما ترى ماذا فعل محمد بنا في بدر، قتل آباءنا وإخواننا وأقاربنا فما رأيك؟
فقال عمير بن وهب: والله -أو أقسم بآلهته- لو وجدت من يقوم بأهلي وأطفالي لذهبت إليه في المدينة فقتلته.
قال صفوان - وهم تحت الميزاب ما معهم إلا الله-: أنا أقوم بأهلك وأطفالك وأزواجك، الهدم هدمي والدم دمي والحياة حياتي.
فأخذ عمير سيفه، فحشاه بالسم شهراً كاملاً، حتى أصبح السيف أزرق، ثم ذهب إلى المدينة، فلما دخلها دخلها بعد صلاة العصر وسيفه معه، فرأى عمر عمير بن وهب أقبل يريد المسجد، والرسول ﷺ بين الصحابة في المسجد، وليس عند الرسول ﷺ سيف ولا رمح ولا حراسة.
عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عال من الأطم
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالحوادث كلهن أمان
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] أي: يحفظك.
فرأى عمر ﵁ عمير بن وهب مقبلاً، فرأى في عيونه الشيطان، فأخذه عمر بتلابيبه ومحاميل سيفه بيد واحدة -وكان عمر قوياً، قوة الإيمان- وأدخله المسجد عند الرسول ﵊، فأجلسه ﷺ للتحقيق:
و
السؤال
يا عمير بن وهب! ماذا قدم بك؟
الجواب
قدمت لأفدي الأسارى الذين عندك، يعني آخذ بمالي الأسارى الذين أسرتهم في بدر وهذا الكلام كذب.
قال ﵊: لا والذي نفسي بيده! لقد جلست في يوم كذا أنت وصفوان بن أمية تحت ميزاب الكعبة فقال لك: كذا وكذا وقلت له: كذا وكذا، أليس كذلك يا عمير؟
قال عمير: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله.
стр. 9535
دور المراقبة في إصلاح الفرد والمجتمع
فعلم الغيب واطلاع الله على كل خافية قضية كبرى لا بد أن نعرفها، ونحن لو عرفناها ما كان وقع ما وقع، وما كان وجد من الشباب من أفطر في رمضان، فقد وجد من الجيل من يذهب في نهار رمضان تحت الكباري وفي الغابات والمنتزهات يأكل ويشرب في النهار، يستحي من الناس: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء:١٠٨] يعني: نظر الناس إليه أعظم من نظر الله ، لو وجد الإيمان بأن الله مطلع على كل خافية؛ ما كان هناك خلوة بالأجنبي والأجنبية من النساء، وما كان هناك خيانة زوجية، من الرجال لنسائهم، بأن يعاشر أجنبية لا تحل له، أو تعاشر أجنبياً من دون زوجها، وتخون الله وشرع الله ولا إله إلا الله والحجاب والدين، والاحترام والخلق، وتنكر كل شيء من مبادئها، وتنسى القبر الضيق يوم تحشر فيه وحيدة، وتنسى العرض على الله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام:٩٤] ما معنى هذه الآية؟
يقول: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ [لقمان:١٦] أصغر من البرة مثل السمسم، انظر إلى الوصف وتأمل: ﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ [لقمان:١٦] صخرة مقفلة وهي داخلها: ﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان:١٦] يعني ملقاة في البحر أو في البر: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦] وهذا وصف عجيب دقيق، إذا كان مثقال سمسمة يأتي بها الله ، فكيف بمن سجلت حسناته وسيئاته في سجلات؟ ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩].
﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦] انتهى من الوصايا.
أولاً عرض العقيدة، وتحدث عن بر الوالدين، ثم تكلم عن الأسماء والصفات بشيء من الأفعال والاشتقاق.
стр. 9536
الوصية بالصلاة والمحافظة عليها
بعد ذلك أتى إلى العبادات، قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧]
﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [لقمان:١٧] وقضية الصلاة في حياة المسلم هي قضية الإسلام والدين، وهي أكبر قضية بعد التوحيد، نادى بها رسول الله ﵊، وما بلغ الجيل مبلغ ترك الصلاة إلا يوم دخلوا في باب الكفر، ودخلوا الإلحاد والزندقة.
وقضية أن يترك الإنسان الصلاة معناها أنه يكفر، إلا أن يعود إلى الإسلام، ومعناها أنه كتب على نفسه أنه مرتد، وأحل دمه للسيف، وعرضه وماله، يقول ﵊: ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر﴾ ويقول: ﴿بين المسلم والكافر ترك الصلاة﴾ وهي أحاديث صحيحة، ويقول في الصحيح: ﴿والذي نفسي بيده! لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أخالف إلى أناس لا يشهدون الصلاة معنا، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار﴾ نعوذ بالله من النار.
ترك الصلاة كفر، وما أظن مسلماً يظن أنه بقي معه ذرة من إيمان ويترك الصلاة، ووالله! ما يدري الإنسان ويتعجب كيف يبلغ بالإنسان مبلغاً أن يسمع بالرسول ﵊ والقرآن وقيام الساعة ولقاء الله والجنة والنار والصراط والميزان ثم يترك فريضة واحدة؟! كيف يستطيع؟ هل يعيش مطمئناً؟ هل يستطيع أن يأكل ويشرب وهو يعلم -مثلاً- أنه ما صلى المغرب، وأنه تركها قطعاً؟! ماذا ينتظر هذا إلا أن تنزل عليه صاعقة تلعنه وتخزيه من السماء؟! أعوذ بالله من الخذلان والخسار.
﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [لقمان:١٧] وهي زاد الداعية وزاد المسلم ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:٤٥ - ٤٦].
فقضية الصلاة هي زاد المسلم في الحياة، كان يقول ﵊ إذا اهتم واغتم: ﴿أرحنا بها يا بلال﴾ ﴿وكانت قرة عينه في الصلاة﴾ ذكر عمر الصلاة وهو في سكرات الموت فقال: [[الصلاة الصلاة! لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة]].
стр. 9537
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان:١٧] ميزتنا نحن عسكريون ومدنيون، كباراً وصغاراً رجالاً وإناثاً، أنا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ويوم يبلغ بالإنسان أن يموت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قلبه يتبلد إحساسه ويصبح كالبهيمة، ويموت تماماً، والذي تموت الغيرة في قلبه معناه أنه ليس عنده لله وقار ولا مكانة، قال : ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩] والله يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
الأمر بالمعروف واجب عليّ وعليك، فليس هناك هيئة خاصة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس هناك فئة أو كيان يجب عليها وحدها فقط أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أنا وأنت جميعاً إن لم نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر؛ فإنا معرضون لغضب الله وسخطه وعذابه.
الرجل في بيته، والمرأة في بيتها، والأستاذ في مدرسته، وكذلك العامل والموظف والفلاح والتاجر إنها رسالتنا، لكن انظر إلى واقعنا يوم تركنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أصبح أهل المعصية أكثر، وأصبحت لهم الصولة والجولة، وأصبحت لهم المكانة، وأصبح الإنسان ما يستحي أن يعرض بضاعته من اللهو واللغو.
بالله عليكم في عهد السلف الصالح، هل يستطيع أحد أن يأتي بأدوات الغناء على مستواهم القديم في المدينة المنورة في جانب مسجد رسول الله ﷺ فيبيعها ويعرضها للناس، هل يستطيع أحد أن يفتح مكاناً ويحلق لحى المسلمين، يقول أحد الدعاة: رأيت صالون حلاقة اسمه صالون النشامى، والنشامى هؤلاء معناهم الأبطال، يعني: حلق لحى النشامى، هؤلاء كم هم أبطال، وكم هم أخيار، وكم فيهم من الرجولة هؤلاء النشامى الذين جعلوا لحاهم تحت الأقدام!
ويقول: رأى في صالون آخر صالون اللحية الغانمة، ولعلكم تسمعونها في شريط أطب مطعمك، يقول: صالون اللحية الغانمة، ما لها من لحية ليس فيها من الغنم شيء! وإنها -والله- بعيدة من الله.
إنما أقول: سُكِتَ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحن نقول: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللين وبالحكمة وبالموعظة الحسنة وبالكلمة المؤداة.
تصور لو أن عاص من العصاة كصاحب من يروج الأغاني يمر عليه عشرون أو ثلاثون مني ومنك ومن الناس يقولون: اتق الله، الغناء حرام فقط، ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع ثم الخامس إلى أن يبلغ العدد عشرين في يوم؛ أما يعود في البيت ويسأل نفسه ويقول: عشرون أو ثلاثون مروا عليّ اليوم كل يقول: اتق الله اترك الغناء، أجل حدث شيء، والناس كلهم يخالفوني إذاً أتوب إلى الله.
ولكن نرى المعاصي واستمرأناها، وآكلناهم وشاربناهم وجالسناهم وأصبحت هذه من الخفيفة، حتى إذا نهيت عن بعض الأمور؛ كأن ترى الإنسان يشرب باليسرى فتقول: لا تشرب باليسرى، فيقول لك زميلك: يا أخي! أولاً: خلِّ حالك في شأنك، الأمر الثاني: نفسك نفسك، ثالثاً: يا أخي! ما تعرفون دائماً إلا الشرب والأكل بالشمال واليمين، كلها واحدة والأمر فيه سعة.
وإذا قلت له في اللحية قال: ما تعرفون إلا اللحى دائماً وتقصير الثياب والقضية أكبر من تقصير الثياب، فالقضية قضية إسلام، حتى يضيع الدين ويصبح مقطعاً ممزقاً بين يدي هؤلاء الذين لا يعرفون سيرة الرسول ﷺ ، ولا يتصوروا الإسلام.
ويقول بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] وهذا فيه حرارة يقول:
أقسمت أن أوردها حرة وقاحة تحت غلام وقاح
إذا سألت الله في كل ما أملته نلت المنى والنجاح
معناه أنه يذوق حرارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: واصبر على ما أصابك، سوف تضرب أو تؤذى أو تسب، أو تجرح، فاصبر على ما أصابك.
стр. 9538
صور من حياة السلف في الأمر بالمعروف
كان أحد الصالحين -ترجم له الذهبي - يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قال: فيضربونه في بغداد حتى يغمى عليه، فيرشونه بالماء فيستفيق فيقول: وعزتك وجلالك لآمرن بالمعروف وأنهى عن المنكر، نعم.
محمد ﷺ لما أراد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر رموه بالحجارة حتى سال الدم من قدميه الشريفتين ولسان حاله يقول:
إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم
إن كان هذا يرضيك فأهلاً وسهلاً بالجرح، وأهلاً وسهلاً بالضرب، حتى لما جرحت إصبعه ﵊ قال:
هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت
يقول: الأمر سهل في سبيل الله، وفي طاعة الله وفي مرضاة الله ، وقصص الآمرين بالمعروف كثير منهم النابلسي عالم من علماء المسلمين، محدث كبير ترجم له أهل العلم، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، كان إذا وقف في الصلاة فكأنه سارية، كان يخرج ومعه سكين في جيبه، فإذا رأى جرار الخمر شققها، لكن هذا إذا كان التغير باليد لمصلحة أعظم، أما إذا علمت أنك لو غيرت بيدك؛ كانت المفسدة أعظم فلا يجوز لك أن تغير بيدك؛ لأنك سوف تجر مفسدة أعظم من ذلك.
وقد صح عنه ﵊ أنه قال: ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان﴾ فهو على مستويات بقدر المصلحة.
والتغيير باليد مهمة السلطة التنفيذية.
فكان هذا العالم - النابلسي - يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكان يؤدب ويحلق رءوس المبتدعة من غلاة الصوفية الذين يخالفون السنة، أتى مرة في مجلس الحديث فسأله سائل عن الحكام الفاطميين، والحكام الفاطميين أكثرهم زنادقة، كـ الحاكم بأمر الله الذي كان زنديقاً ملحداً، فكان إذا خرج إلى السوق سجد له الناس، فقالوا للنابلسي: ماذا ترى في الحكام الفاطميين؟ وهو في القاهرة لأن النابلسي كان في القاهرة، والحاكم موجود في القاهرة وهو يدرس الحديث في المسجد، قال النابلسي: من كان عنده عشرة أسهم فليرم النصارى بسهم واحد، وليرم الفاطميين بتسعة أسهم، وبلغت السلطان الكلمة بعد صلاة العشاء مباشرة بعد الدرس، وأرسل إليه الجنود، فقالوا: قم يريدك السلطان، فعرف أنه من أجل الكلمة فتبسم وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، معناها: أنني بعت نفسي من قبل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة:١١١].
ووصل إلى السلطان، وكانت الكلمة قد بلغت السلطان خطأ، قال النابلسي: إن من كان عنده عشرة أسهم فليرم النصارى بسهم وليرم الفاطميين بتسعة، فبلغت السلطان: إن من كان عنده عشرة أسهم فليرم النصارى بتسعة وليرم الفاطميين بسهم واحد، وهذه أسهل من الأولى، فقال له الحاكم بأمر الله -عليه غضب الله فهو ملحد زنديق-: يا نابلسي! قال: نعم.
قال: أنت الذي يقول قبل العشاء في مجلس الدرس: من كان عنده عشرة أسهم فليرمنا بسهم واحد وليرم النصارى بتسعة أسهم، قال: لا.
الفتوى خطأ، قال: كيف؟ قال: قلت: من كان عنده عشرة أسهم فليرمكم بتسعة وليرمِ النصارى بسهم.
فسلط يهودياً عليه وقال له: اسلخ جلده كما تسلخ الشاة قبل أن تذبحه، فنكسه وعلقه بأرجله في الشمس.
ومما يروى أنه وُجد من يظلله كرامة من كرامات الأولياء.
ولما بلغ اليهودي سلخ جلده إلى القلب رحمه اليهودي! فطعنه بالسكين في قلبه فمات، وكان يتبسم وهو يسبح، يقولون: كان منكوساً ودمه يقطر وهو يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
وهذا من أعظم ما يكون عند مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو واجب على كل مسلم ما دام حياً في عقله وفي إدراكه أن يأمر بحسب استطاعته: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧].
стр. 9539
الوصية بلزوم الأدب والأخلاق
الآن ينتقل إلى السلوك والأدب، قال تعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان:١٨] لا تصعر خدك للناس، والصعر داء يصيب الجمل في عنقه فيصبح مصعوراً دائماً يمشي كذا، ولذلك المتكبر تجده كالطاوس، يقولون: أحمق الناس المتكبر، فهو يرى الناس لا شيء، وهو أتفه الناس لديهم، فهو يتعالى على الناس ولكن الله يقول: اخسأ لن تعدو قدرك، ومن تواضع لله رفعه، ومن تكبر على الله وضعه، وجزاء المتكبر أن يحشر يوم القيامة في صورة الذر؛ يطأه الناس بأقدامهم يوم العرض الأكبر، فهو سمين بدين كبير لكن يأتي في صورة الذرة؛ لأنه تضخم في الدنيا فصغره الله وحجمه يوم العرض الأكبر.
من صفات المتكبرين أنه يحب أن يتحدث مع الناس دائماً في الطريق، فلا يحب أن يمشي وحده، ودائماً تجده يتكلم ولو كان كلاماً لا نفع فيه، لكن يحدث الذي عن يمينه، والذي عن يساره ويشير بيده.
ومنها كذلك أنه لا يجود بالسلام، بل دائماً ينتظر منك أن تسلم عليه؛ لأنه يرى نفسه في رتبة عالية، كيف أسلم على هؤلاء الجنود وأنا أعلى مستوى؟! فتجده لا يبذل السلام، وتجده إذا دخلت في مكتبه يعطيك رءوس أصابعه، كأنه يقطر عليك السلام بالقطارة، ولا يمزح إلا مع مثله أو أعلى منه؛ لأنه يقول: إذا مزحت قلَّت هيبتي، ومحمد ﷺ مازح الأطفال، ومازح العجائز ﵊، وما زاده الله إلا رفعة.
ومن صفات المتكبر: أنه غضبان دائماً بدون شيء، فتجده إذا خرج من بيته كأن زوجته ضربته على وجهه، فدائماً غضبان بدون سبب، لكن غضب الكبر، يقول:
وجوههم من سواد الكبر عابسة كأنما أوردوا غصباً إلى النار
هانوا على الله فاستاءت مناظرهم يا ويحهم من مناكيد وفجار
ليسوا كقوم إذا لاقيتهم عرضاً أهدوك من نورهم ما يتحف الساري
تروى وتشبع من سيماء طلعتهم بوصفهم ذكروك الواحد الباري
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري
وهؤلاء أولياء الله وأحباب الله.
ومن صفات المتكبر أنه يستخدم دائماً: أنا وفعلت وقلت وراجعت ودخلت وخرجت، ويترجم لنفسه في المجالس دائماً، فيكون أمقت الناس عند الله وأبعدهم من الله.
﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ [لقمان:١٨] فالخطر بالأيادي، ونفخ الصدر، والصعر بالوجه كلها من علامة المتكبرين.
﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٨ - ١٩] يعني: امش قصداً إلى حاجتك وبتؤدة وسكينة ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان:٦٣].
ثم قال: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان:١٩] لا ترفع صوتك فوق اللازم، فهذا هو أدب القرآن، فيتدخل القرآن حتى في قضية تنظيم الصوت، لأن الواثق من نفسه يتكلم بهدوء، والمسلم عاقل رشيد في ألفاظه، تجد الآن أبعد الناس عن الطاعة والمسجد ليس عندهم عقول، فينادي زميله في الشارع فتسمعه من وراء كيلو مترات عدة، أو تراه يصفر لزميله تصفيراً، ولكن لو كان ملتزماً لما عمل ذلك.
وتجد بعضهم يلعن زميله قبل أن يلقاه وقبل أن يسلم عليه، ويصيح صياحاً، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩].
يقول: يا بني! لا تفعل هذه الأفعال، يا بني! حياة الإيمان أعظم، يا بني! المؤمن منظم في الحياة، يا بني! هناك آداب لا بد أن تسلكها.
فلا إله إلا الله ما أعظمها من وصايا!
بدأ بالعقيدة والعبادة وبر الوالدين ثم العبادة ثم الأخلاق والسلوك، فهل لنا أن نعود من هنا فنتدبر هذه الآيات، ونعيد قراءتها في التفسير، كـ تفسير ابن كثير، ونجعلها قضيتنا الكبرى حتى نطبقها في واقعنا وحياتنا لنعيش حياة السعادة، وحياة الإيمان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:٩ - ١٠].
فالحمد لله أولاً وآخراً، وسراً وجهراً، والحمد لله ليلاً ونهارا، ً الحمد لله الذي جمعنا بكم، والحمد لله الذي جعلنا نتكلم عن الإيمان، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
стр. 9540
الصرخة الأخيرة
اليهود أعداء الله أعداء الرسل والأنبياء أعداء التاريخ أعداء القيم والأخلاق الفاضلة وفي هذه المادة عرض سريع لتاريخهم الأسود مع الله ومع الأنبياء وعلى رأسهم نبينا محمد ﷺ .
стр. 9541
اليهود أهل مكر وغدر
الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيءٍ فقدره تقديراً.
وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.
стр. 9542
اليهود يدسون السم للنبي ﷺ
أيها الناس: انتهى ﷺ من خيبر بعد أن طوقها، يوم خان أهلها، ونقضوا الميثاق، وأساءوا المعاملة، وتجرءوا على العهود، انتهى من حصار خيبر منتصراً فاتحاً، وكان جائعاً -بأبي هو وأمي- جائعٌ وجبال الدنيا تعرض عليه ذهباً وفضة، جائعٌ والقناطير المقنطرة توزع على يديه لفقراء المسلمين، احمر وجهه من الجوع، وقد فتح الخزائن، وفتح القناطير المقنطرة، فأتته امرأة من اليهود ودعته إلى طعام، وهو أكثر الناس بل إمامهم في التواضع، يقول: ﴿لو دُعيتُ إلى كراعٍ لأجبت، ولو أهدي إلي كراع لقبلت﴾.
دعته لطعام -حكمة من الله ليظهر الله أستارهم، وليهتك أسرارهم، وليظهر عوارهم- فأجاب معه ستة من الصحابة، وقدمت له اليهودية شاةً مصلية مشوية، وقالت: تفضل كل، وقد سألت الناس: أي عضوٍ من الشاة يعجبه أن يأكل؟ قالوا: يأكل الذراع، فحشت الذراع سماً أزرق حتى أصبح سماً زعافاً لا يُطاق، فأقبل ﵊ يأكل ليتألف قلبها وهو القريب السهل المتواضع، الذي عطف الله عليه الأرواح وجمع عليه الأنفس، رفع الذراع، ولاكه بأسنانه، ووضع فمه الطاهر الشريف على الذراع، ولما أصبح ذراع الشاة في فمه؛ أنطق الله ذراع الشاة بإذنه وقدرته، فقال الذراع: يا رسول الله! لا تأكلني أنا مسمومة سمتني اليهودية لتقتلك، فلفظه ورماه.
يا ألله! محمدٌ يقتل؟! محمدٌ يغتال؟! محمدٌ تدبر له مجزرة؛ لترتكب أعظم مقتلة في تاريخ الناس، وأعظم جريمة في مسيرة البشرية، وأعظم غيلةٍ في تاريخ الكون؟
إذا قتل محمد؛ فلتمت العدالة، ولينته السلام، ولتقتل الحرية، وليكفن التاريخ، وليدفن الدهر، قال الذراع: لا تأكلني يا رسول الله! سمتني اليهودية، فرمى بالذراع، ولكن السم سرى في جسمه بأبي هو وأمي؛ ليرزقه الله مع النبوة الشهادة، ليكون سيد الأنبياء والشهداء، وإمام الأولياء، ورسول من خلق الأرض والسماء، جُمعت له المحاسن:
هذا الذي جاء والأبحار مالحةٌ فمز فيها فصار الماء كالعسلِ
هذا الذي ردَّ عيناً بعدما فقئت وريقه قد شفى عين الإمام علي
من الذي دبر له المقتلة، والمجزرة، والغيلة؟
إنهم الذين يقتلون شيوخنا في فلسطين.
إنهم الذين يبقرون بطون النساء في فلسطين.
إنهم الذين يهدمون مساجدنا في فلسطين.
قتلة الأنبياء.
стр. 9543
اليهود يسبون الله ويقتلون الأنبياء
ماذا قالوا عن الباري جلَّ في علاه، الذي تفرد بالجمال والكمال والجلال، الغني؟ يقولون: فقير! الغني فقير! يقولون عن الواحد الأحد: فقير!
أوحى الله لموسى فقال: يا موسى! قل لبني إسرائيل: أفقيرٌ أنا وأنا أغنيت من في السماوات والأرض؟!
أفقيرٌ أنا وأنا أطعمت الكائنات، وأنا أطعمت المخلوقات؟!
أفقيرٌ أنا -يا موسى- ويدي سحاء الليل والنهار؟!
أرأيت ما أنفقت من يوم خلقت السماء والأرض فإنها لم تنقص مما في يميني.
يقول كما في الحديث القدسي: ﴿يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وأنسكم وجنكم، قاموا في صعيدٍ واحد فسألوني فأعطيت كل واحدٍ مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر﴾.
واليهود يقولون: الله فقير! اسمع رد القرآن قال: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران:١٨١] الحمد لله فقد سمع الله، ويكفي أنه سجل عليهم أنه سمع، وشهد، يكفي سمعنا كلامهم، وسجلناه عندنا وعرفناه: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] ما هو الرد؟ ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آل عمران:١٨١] والله! وعزة الله! وكلمات الله! إنها تسجل عليهم لتحفظ في يومٍ ليس فيه شفيع ولا خلة ولا نصير ولا مولى.
ثم قال سبحانه وأدهى من ذلك، وأعتى، وأطغى، وأظلم: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾ [آل عمران:١٨١] وهذا سحب ملفات الماضي، يقول: أدهى وأعتى وأجور وأطغى وأظلم وأبطش: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾ [آل عمران:١٨١].
ألم يدبروا لقتل لمحمد ﷺ وقتلوا أربعمائة نبي، على رأسهم زكريا ويحيى، شدخوا رءوسهم، وقتلوهم، ونشروهم، وسفكوا دماءهم؟
الأنبياء يقتلون؟! ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾ [آل عمران:١٨١].
هم الذين دبروا المكيدة.
ثم قال : ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران:١٨١ - ١٨٢] ثم التفت القرآن إليهم: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران:١٨٣] قال : ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٨٣] إن كنتم صادقين أنكم لا تتبعون إلا أنبياءكم فلمَ قتلتموهم؟!
стр. 9544
اليهود يشهدون زوراً
أتى مجرمٌ من يهود المدينة ووصل مكة -ومحمدٌ ﵊ في المدينة - ليؤدي أظلم شهادة في التاريخ، فاستقبله الوثنيون المشركون الذين أخرجوا محمداً ﵊ من مكة، الذين طاردوه، وشردوه، وآذوه، وسبوه، وشتموه، وقاتلوه، وحاربوه، استقبل المجرم كعب بن الأشرف، فلما رأوه ألبسوه برداً -ألبسه الله النار والخزي- ثم استقبله كفار مكة في مجلسٍ كبيرٍ حاشد ليؤدي أظلم وأطغى وأبغى شهادة في التاريخ، قالوا: يا كعب! عندك علم التوراة، أنت عندك علم ليس عندنا -فهم أميون عرب لا يقرءون وليس عندهم كتب- نسألك يا كعب! بالذي شق البحر لموسى وأنجاه من فرعون هل أرسل الله محمداً رسولاً؟ هذا السؤال الأول.
السؤال الثاني: نسألك يا كعب بن الأشرف! بالذي شق البحر لموسى ونجاه من فرعون هل نحن أهدى سبيلاً أم محمد؟
اسمع الجواب، اسمع الخونة أهل الغدر والخيانة ونقض المواثيق.
قال: ما دام أنكم سألتموني بالتوراة وبالذي شق البحر لموسى وبالذي أنجى موسى من فرعون -يعني: متحرج بلغت عنده الأمانة والذمة والورع المنتهى- ما أنزل الله على بشرٍ من شيء، قال: حتى موسى ما أتاه وحي، ولا غيره ولا سواه ولا قبله ولا بعده.
وأما أنتم فأشهد أنكم أهدى من محمد سبيلاً.
فأتى القرآن ليرد عليه، لا مفاوضات، لا حوار، لا جدل منطقي، لا استدراج، لا نتيجة لا مقدمة لا خاتمة، قال : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ [النساء:٥٠] أبو جهل الوثني النجس النذل المشرك؛ أهدى من محمد الطاهر العادل البار؟!
محمد المعصوم، المنزل عليه جبريل، المذكور في التوراة والإنجيل، صاحب الغرة والتحجيل أزكى منه أبو جهل؟! يا وثن يا ملعون! اسمع رد القرآن قال: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ [النساء:٥٠] لا مفاوضات يقول سبحانه: لأنه لم يستدرجه في جدال، ولا برهان، ولا دليل، قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء:٥٢] أنت ملعون أصلاً، لا تستحق أن يسمع منك، ولا تفاوض، ولا يقال لك: أين التوراة؟ أين الإنجيل؟ يكفي أنك ملعون؛ لأنك قدمت شهادة آثمة يدوسها التاريخ بقدمه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ [النساء:٥٢].
هؤلاء هم أبناء أولئك السلالة، والفصيلة، والنوع، قتلة الأنبياء الذين سبوا الواحد الأحد.
стр. 9545
اليهود يتهمون الله بالبخل
أتوا إلى من خلق السماوات والأرض، إلى العادل جلَّ في علاه الذي خلق العدل، فقالوا: يد الله بخيلة، لا ينفق كثيراً على الناس، فقال سبحانه يرد عليهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] يعني: بخيلة.
انتهت الشبهة بإيجاز، ذكر كلامهم للتاريخ وللدهر وللبشرية، يحفظه من يحفظه، ويعلمه من يعلمه، ويجهله من يجهله، التاريخ المفضوح المعروض للناس؛ تاريخ اليهود، قال سبحانه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] هم قالوا: يدٌ واحدة، والله له يدان اثنتان كلتاهما يمين، سحاء بالخير الليل والنهار، وكان الرد من الله فقال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤].
стр. 9546
تأديب القرآن لليهود
ثم أدب القرآن اليهود في أكثر من موطن، يبين لنا أفعالهم وشنيع تصرفاتهم، ويعرض تاريخهم الكائد المكشوف، قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١] يا كعب! يا كاذب! يا مفتري ما أنزل الله على بشرٍ من شيء؟!! قال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام:٩١] التوراة التي في يدك تتأكل بها، وتزور على الناس، وتخادع البشر: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ [الأنعام:٩١] هذا صنيعهم في فجر تاريخ الإسلام مع رسول الهدى ﷺ .
стр. 9547
اليهود يغدرون بالنبي ﷺ
دعوه وقالوا: نتفاوض معك يا محمد! ولا ينادونه بالرسالة تكبراً وبغياً وحسداً، يقرءون في التوراة اسمه، ورسمه، وصفته، وقالوا للأنصار: سوف يبعث لكم عربيٌ من مكة رسولٌ من عند الله؛ فلما رأوه عرفوا الصفة بالمكتوب، والصوت بالصورة، والمقروء بالمشاهد، قالوا: لا.
اختلف الوصف، قال : ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩] بعدما وصفتم وبشرتم وأخبرتم؛ كفرتم؟!
هذا هو محمد ﵊، دعوه للمفاوضة وذهب ﵊، ولم يأخذ حرساً، ولا موكباً، ولا خدماً، ولا حشماً، ولا جنوداً، ولا بنوداً.
رعاية الله أغنت عن مضاعفةٍ من الدروع وعن عالٍ من الأطم
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على خير البرية لم تنسج ولم تحمِ
كأنه وهو فردٌ من جلالته في موكبٍ حين تلقاه وفي حشمِ
وقد كان يحرس من الناس فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] لا تتخذ حرساً، لا يحميك إلا الله، لا تتخذ جنوداً، ولا موكباً، عناية الله تكفيك، ورعاية الله معك، والله يحوطك بعيني رعايته، فلا تتخذ أمامك ولا خلفك ولا معك من يحوطك، يحفظك الله فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.
وانطلق بلا حراسة، تعرض لعشر محاولات اغتيال ونجا منها بأعجوبه، فبقي معلماً حتى أدى الرسالة.
فوصل اليهود معه ثلاثة، قالوا: تعال إلى الظل يا أبا القاسم! الخونة يظللونه من الشمس! فقربوه من الجدار فجلس موكلاً أمره إلى الباري، مفوضاً أمره إلى الواحد الأحد، القوي العزيز، المطلع على السرائر، الواحد الأحد: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم:٦٥] أوكل أمره إلى الله: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٤ - ٤٥] حسبنا الله ونعم الوكيل هي كلمة محمد ﷺ ، جلس ولسان الحال يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، والمكيدة تُجرى على السطح، فقربوا صخرة ضخمة يدفعها أربعة منهم وقربوه من الظل، ليسقطوا الصخرة من على الجدار على رأسه، يقتل من؟ أزعيم؟! أفضل الزعماء.
أعالم؟ معلم العلماء.
أصالح؟ سيد الصالحين، يقتل! فقربوا الصخرة وبقي ثوانٍ لتسقط على رأسه الشريف؛ لتنتهي هذه النفس الطاهرة وهذه الروح العامرة ويقتل محمد ليبكي التاريخ، ويندب الدهر، وترثي الدنيا كل الدنيا، ثوانٍ وإذا بالوحي من السماء، قم قم، اذهب اذهب، اخرج اخرج، الموت أقبل منك، يدبرون قتلك، فوثب ﵊، وتأخر عن الظل وعن الجدار فوقعت الصخرة مكانه، فدعاهم: يا أعداء الله! وجهز جيشه لبني النضير واستلمهم ﷺ وأذلهم.
стр. 9548
إن تنصروا الله ينصركم
وهاهم الآن يكررون تلك الأفعال الشنيعة، لكن هناك كان يقابلهم رجال، قابلناهم بسيد الخلق ﵊، بأطهر من خلق الله، وأشجع من برأ الله، وأعدل من أوجد الله، وواجهناهم بـ عمر، أعدل البرية في عهده، الذي هز الدنيا بقميصه المرقع، الذي قرقر بطنه على المنبر من الجوع عام الرمادة فقال: [[قرقر أو لا تقرقر والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]]
أيا عمر الفاروق هل لك عودةٌ فإن جيوش الروم تنهى وتأمرُ
رفاقك في الأغوار شدوا سروجهم وجيشك في حطين صلوا وكبروا
تغني بك الدنيا كأنك طارق على بركات الله يرسو ويُبْحِرُ
دخل بيت المقدس بثوبه الممزق، فقال له الصحابة: البس يا أمير المؤمنين؟ أين خدمك؟ أين حشمك؟ أين موكبك؟ فهز إصبعه، وقال: [[نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله]] واستلم المفاتيح.
تعود لنا المقدس إذا عدنا إلى رب المقدس، إلى من أوجد بيت المقدس، تعود لنا فلسطين إذا مرغنا لرب العالمين أنوفنا في الطين.
وأتى صلاح الدين ليقود الأمة، من هو صلاح الدين؟ ما هي بطاقته الشخصية؟ ما هو حسبه؟ ما نسبه؟ مسلمٌ، عبدٌ لله، ولي من الأكراد: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩] من نصر الله؛ نصره الله، حبشياً، هندياً، تركياً، فارسياً، تركمانياً، أي بشرٍ وجنسٍ ينصر الواحد الأحد ينصره الله.
أبو لهب القرشي الهاشمي في النار، وبلال العبد الحبشي في الجنة.
ولا تحسب الأنساب تنجيك من لظىً ولو كنت من قيسٍ وعبد مدانِ
أبو لهب في النار وهو ابن هاشمٍ وسلمان في الفردوس من خراسان
صلاح الدين من أي بيت؟ من بيت امرأة تحفظ القرآن.
يا نساء المسلمين! أين من حفظت ابنها القرآن؟ أين من علمت ابنها السنة؟ أين من ردعت عيون ابنها عن المقت والرذيلة والخنا والزور؟ أين من سكبت الطهر في أرواح أبنائها ليخرجوا لنا نسخاً مكررة من صلاح الدين؟
حفظ صلاح الدين الأيوبي الكردي القرآن، وحافظ على تكبيرة الإحرام، لم تفته تكبيرة الإحرام في حياته، كان يقوم الثلث الأخير ويدعو الواحد الأحد: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠] النصر من عند الله، وكان يقرأ الموطأ، وكان محدثاً مهتدياً فنصره الواحد الأحد، ورد بيت المقدس.
فإن بقينا على ذنوبنا وخطايانا وإسرافنا مع ربنا؛ فسوف ينشئ الله نشئاً آخر، وجيلاً آخر، متوضئاً، صالحاً، طاهراً، تالياً لكتاب الله، ليعيد لنا بيت المقدس، أما أن نأتي بعقائد هشة، وبولاءٍ منقوص، وبعدم ثقة في الباري وتفويض إليه واتباعٍ لرسوله؛ فأنَّى هذا: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]
أمتي! أمة الإسلام! أمة محمد ﵊!
أمتي! أمة القرآن!
أتلقاك وطرفي حاسرٌ أسفاً من أمسك المنصرمِ
كيف أغفيت على الظلم ولم تنفضي عنك غبار التهم
ألإسرائيل تعلو رايةٌ في حمى المهد وظل الحرمِ
أوما كنت إذا البغي اعتدى موجةً من لهبٍ أو من دمِ
اللهم أعد لنا أمجادنا، وارفع أعلامنا، وسدد سهامنا، وثبت أقدامنا، ورد فلسطين محررةً إسلامية، ورد لنا المسجد الأقصى كريماً معززاً من يدِ يهود.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.
стр. 9549
اليهود قوم بهت
الحمد لله حمداً حمداً، والشكر لله شكراً شكرا، أحمده حمداً لا ينتهي، وأصلي على النبي المعصوم، هادي البشرية، ومهدم كيان الوثنية، وعلى آله وصحبه ومن سار على منهجه إلى يوم الدين.
دخل ﵊ المدينة، أقبل فاتحاً، طرد من مكة شريداً.
يا طريداً ملأ الدنيا اسمه وغدا لحناً على كل الشفاه
وغدت سيرته أسطورةً يتلقاها رواة عن رواه
هل درت من طاردته أمةٌ هبلٌ معبودها شاهت وشاه
طُرد وحيداً فريداً فقيراً فأسس دولةً في المدينة ملأت السماوات والأرض.
стр. 9550
عبد الله بن سلام يعلن إسلامه
واسمعوا إلى رجلٍ من اليهود يروي أول يومٍ وصل فيه الرسول ﵊ إلى المدينة، وهو عبد الله بن سلام ﵁؛ لأنه أسلم وآمن بمحمدٍ ﵊، وبشر بالجنة، وهو الذي شهد شاهدٌ من أهلها، يقول سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف:١٠] شهد منكم شاهد، صاحب التوراة، قارئكم وعالمكم عبد الله بن سلام، شهد أن محمداً ﷺ صادق، كيف استكبرتم! كيف طغيتم! كيف بغيتم! كيف كذبتم!
قال: كنت في السوق فإذا برجلٍ يصيح في السوق: يا أيها الناس! قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، فانقلب السوق بما فيه.
من الذي تكلم؟ أفصح من تكلم.
من الذي خطب؟ أفصح من خطب.
من الذي تحدث؟ أعدل من تحدث.
انقلب السوق، كان إذا تكلم ﵊ توقفت القلوب، وسالت الدموع، وهاجت الأرواح، واشتعلت الأنفس.
وإذا خطبت فللمنابر هزةٌ تعرو الندي وللقلوب بكاءُ
قال: ﴿أيها الناس! قولوا لا إله إلا الله﴾ هذا هو فجر التاريخ، هذا هو إمام الإنسانية، انقلب السوق، ترك صاحب البضاعة بضاعته، وصاحب السمن سمنه، وبائع الغنم غنمه، وبائع الجمال جماله، والجزار جزارته، والنجار نجارته، والبزاز بزه، وأقبلوا زرافات ووحداناً، سعوا إليه وهو معتلٍ في السوق كأنه سيفٌ مسلول أو علم منصوب، أو بدر في كبد السماء، فاقتربوا، قال ابن سلام ﵁ وأرضاه يوم أراد الله أن يهديه: فاقتربت معهم، وزاحمت فنظرت إلى وجهه أولاً فإذا هو ليس بوجه كذاب، بل وجه صادق، تعرف الصادق من وجهه، وعباراته، وكلماته، وخطراته، وسكناته، ولحظاته، فنظرت إلى وجهه فرأيت النور البهجة الإشراق الصدق العدل
وجهه يملأ المكان نوراً.
وجهه يملأ الأرواح سروراً.
وجهه يملأ الأنفس حبوراً.
وجهه فقط يهتدى به.
يقول عمه أبو طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأراملِ
يكفيك شاهد أن تنظر في وجهه، حتى يقول ابن رواحة:
لو لم تكن فيه آياتٌ مبينةٌ لكان منظره ينبئك بالخبرِ
لا تطلب أدلة، لا تطلب براهين، انظر إلى وجهه، فقط صعِّد نظرك في هذه البسمات، والقسمات، والرسمات؛ لترى النور يفاجئك ويدخل قلبك.
قال: فنظرت إلى وجهه فإذا هو ليس بوجه كذاب، ثم تكلم ﵊ فقال: ﴿أيها الناس! أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام -اسمع الكلمات والدرر والجواهر وكان اليهود يسمعون مع المسلمين- وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام﴾ فقام عبد الله بن سلام فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فسأله من أين أنت؟ قال: من اليهود، فتعجب ﵊ ورحب به وحياه، وأخبره بما أنزل الله عليه، وما ذكر الله من أخبار موسى، فإذا الرسالة نفس الرسالة، وإذا المعنى هو المعنى، وإذا الدليل هو الدليل.
стр. 9551
موقف اليهود من ابن سلام
قال: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت -يبهتون، يخونون، يغدرون، أهل زور، أهل كذب، لا تخبرهم أني أسلمت، لكن ادعهم -يا رسول الله- إلى بيتك أو إلى المشربة، واجعلني خلفك في غرفة واسألهم عني، ثم أخرج وأقول: أسلمت، واسمع ماذا يقولون، فأخذه ووضعه في غرفة وأغلق عليه، ثم دعا من اليهود عشرة من أحبارهم، ومن دجاجلتهم، من الذين يتأكلون بالتوراة، المزورين على الله ثم التاريخ، قال: كيف عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وعالمنا وابن عالمنا، وحبرنا وابن حبرنا، وسيدنا وابن سيدنا.
فقيههم وعالمهم هو عبد الله بن سلام، وهؤلاء عشرة قد شهدوا، فقال ﷺ : كيف لو أسلم؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك -يقولون: حماه الله من أن يسلم لك، أو يصدقك، أو يتبعك- قال: اخرج إليهم، فخرج وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.
قالوا: شرنا وابن شرنا، وخبيثنا وابن خبيثنا، وكاذبنا وابن كاذبنا، قال سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف:١٠] هذا هو الشاهد، فلم لا تسلموا؟! عرف الحق وهو عالمكم، فلم لا تتبعون الحق؟ فما المعنى؟
المعنى أننا نجابه قوماً سبوا الواحد الأحد، وقتلوا الأنبياء، وكفروا بالشرائع، واغتالوا الحق، وحاربوا العدل في الأرض، فليس لنا معهم إلا أن نعود إلى الله ونفوض أمرنا إلى الله، ونلجأ إلى الواحد الأحد، ونستجير به منهم، لننتصر عليهم.
فيا من أراد أن تنتصر الأمة! انصر الإسلام في نفسك وبيتك وأسرتك ومدرستك وناديك.
يا من أراد أن تعود لنا أرضنا، ويُحمى عرضنا، ويُكف الظلم والذبح والقتل والتشريد عن أبنائنا! استلهموا الرشد من الواحد الأحد، اطلبوا النصر من الله، الجئوا إلى الله، جددوا التوبة معه سبحانه.
يا ألله! كان المسلمون في القادسية، واليرموك، وعين جالوت، وحطين إذا حضروا المعركة رفعوا أكفهم إلى الله، والآن نحضر فنرفع شكاوينا إلى المجالس الكافرة، وإلى الأندية الغابرة، ونتكفف ونستجدي الأمم!
يا ألله! صلاح الدين يوم حضر في حطين، يقاتل أعداء رب العالمين، أهل الصليب، قال لجيشه: امكثوا، لا تبدءوا المعركة حتى يصعد الخطباء في العالم الإسلامي على المنابر، فإنها ساعة استجابة، فإذا بدأ الخطيب يخطب، وتنزل النصر من السماء؛ بدأنا المعركة.
فلما صعد الخطباء المساجد في العالم الإسلامي، ماذا فعل؟ ألقى خوذته، ومرغ وجهه في التراب، واستقبل القبلة، وبكى وناشد الله النصر، وتوجه بجيشه فأحرقوا الصليب وأهله، وفتح بيت المقدس ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠].
أيها الناس! أسأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، وأسأله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، أن ينصرنا نصراً مؤزراً.
اللهم ارفع راياتنا وأيّد بيناتنا، اللهم انصرنا على عدوك وعدونا، اللهم انصرنا على قتلة الأنبياء الذين سبوك وسبوا كتبك، وآذوا رسلك.
اللهم مزقهم، اللهم احرقهم، اللهم دمرهم، اللهم شردهم.
اللهم اجعلهم عبرةً للمعتبرين، وعظة للمتعظين، اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق، اللهم وحد صفوفهم، اللهم ألف بين قلوبهم، اللهم ردنا إلى الكتاب والسنة رداً جميلاً، اللهم ارفع الضائقة عنا، اللهم ارفع الكرب، وفك الخطب، فأنت نعم الرب.
اللهم إنهم استأسدوا، وبطشوا، وسفكوا، وآذوا، وسبوا، وشتموا، اللهم فنصرك الأكيد، وبطشك الشديد، يا ذا العرش المجيد.
اللهم أهلِك يهود، اللهم اكفنا شرهم بما شئت يا رب العالمين.
اللهم صلِّ وسلم على النبي المجتبى، والرسول المصطفى، اللهم اعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة، جزاء ما قدم وبلغ ونصح وبيّن.
اللهم صلِّ عليه وعلى آله وسلم، وعلى أصحابه ومن سار على منهجه إلى يوم الدين، اللهم ارض عن خلفائه الراشدين المهديين، ومن سار على منهجهم يا رب العالمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 9552
أما بعد
إن الداعية المسلم لا يعرف الكسل والخمول، ولا يعرف التوقف عن تبليغ دعوته مهما سجن أو عذب، إنما هو كالنخلة يثمر وينتج في كل زمان ومكان؛ ينشر دعوة ربه ويُعبِّد الناس لخالقهم.
وهو يتصف بالأسلوب الدعوي المعروف عن سيد الدعاة محمد ﷺ ويتصف بصفات الداعية الحق.
стр. 9553
لله الأمر من قبل ومن بعد
الحمد لله، أحمده تعالى على جميل إنعامه وإفضاله، وأشكره على جليل إحسانه ونواله، له الحمد على أسمائه الحسنى وصفات كماله ونعوت جلاله، وله الحمد على عدله قدراً وشرعاً، وله الحمد في الآخرة والأولى وهو الحكيم الخبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق العلي الكبير، تعالى في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، تعالى في أحكامه وأفعاله عن الشريك والوزير، وتقدس في أحديته وصمديته عن الصحاحبة والولد والولي والنصير، وتنزه في صفات كماله ونعوت جلاله عن الكُفُؤ والنظير، عز جاهه وتقدست عظمته، عظم شأنه عن المنازع والمغالب والمعين والمشير، جل في بقائه وغناه عن المطعم والمجير، فسبحانه ما أعظمه وأحلمه وأجله! وما أكمله! وما أقواه! وما أغناه! عليه توكلت وإليه أنيب وهو حسبي ونعم الوكيل.
من أين أبدأ؟!
من أين أبدأ والمحامد كلها لك يا مهيمن يا مصور يا صمد
من أين أبدأ وهو الذي مدح نفسه قبل أن يمدحه المادحون، ووصف نفسه قبل أن يصفه الواصفون، وأثنى على نفسه قبل أن يثني عليه المثنون، كيف أبدأ؟
من أين أبدأ والمحامد كلها لك يا مهيمن يا مصور يا صمد
احترت في أبهى المعاني أن تفي بجلال قدرك فاعتذرت ولم أزد
الحمد لله جزيل العطاء، مسدي النعماء، كاشف الضراء، معطي السراء، الحمد لله عالم السر والجهر، الحمد لله عالي القهر والقدر، الحمد لله المتكفل بالأقوات، المدعو في الملمات والمدلهمات، كاشف الكربات، المرجو في الأزمات، الحمد لله على كل نعمة أنعم بها، وعلى كل بلية صرفها، وعلى كل أمر يسره، وعلى كل قضاء قدره، وكل مكروه كفاه، وكل حادث لطف فيه، الحمد لله كم أعطى من النعيم، كم منح من الخير العميم، كم تفضل به من النوال الجسيم، عمت نعمه، وانصرفت نقمه، تضاعف كرمه، الحمد لله على تمام المنة، الحمد لله بالكتاب والسنة، الحمد لله على نعمة الإسلام، وتواتر الإنعام، توالت فضائله وعم نواله، وحسنت أفعاله وتمت أقواله، الحمد لله نور الجميل، واهب العطاء الجزيل، شافي العليل، المبارك في القليل، أجود من أعطى، وأشرف من أوفى.
يا غافلاً عن إله الكون يا لاهي تعيش عمرك كالحيران كالساهي
ارجع إلى الله واقصد بابه كرماً والله والله لن تلقى سوى الله
من قبله فهو المقبول، من حاربه فهو المخذول، من التجأ إليه عز، من توكل عليه كفاه، من أطاعه تولاه، من عاداه قصمه، من بارزه حطمه، من أشرك به أحرقه.
فوالله لو صغنا من الدمع قصة وصار كتاب الحب بالدم يكتب
وسرنا على الأجفان نمشي محبةً على النار نشوى أو على الجمر نسحب
لما بلغت ما تستحق جهودنا فكل ولو نال المشقة مذنب
الكل مذنب ومقصر، الكل معترف وأنا أول المعترفين: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، النبي الخاتم، والإمام المعصوم، والأسوة الحسنة، والقدوة المثلى، شرف الحواضر والبوادي، زينة النوادي، أعظم هادي، وأفضل حادي.
يا طريداً ملأ الدنيا اسمه وغدا لحناً على كل الشفاه
وغدت سيرته أسطورة يتلقاها رواة عن رواه
ليت شعري هل درى من طاردوا عابدو اللات وأتباع مناة
هل درت من طاردته أمة هبل معبودها شاهت وشاه
أما بعد:
فعنوان محاضرتي "أما بعد" وأما بعد وأما قبل فلله الأمر من قبل ومن بعد، ليس لنا من الأمر شيء، وليس لنا مع قدرته حول، وليس عندنا لأمره رد، وما لنا لقضائه حيلة، وما لدينا مع قدرته تدبير، هو الفعال لما يريد ونحن العبيد، إن تشرفنا فالطين أصلنا، وإن افتخرنا فالتراب مردنا، وما لمن خلق من ماء مهين أن يشمخ بأنفه أو يزهو بعلمه، أو يعجب برأيه، سبحانك! اعترفت بذنبي وتقصيري أمامك.
يا أنت يا أحسن الأسماء في خلدي ماذا أعرف من متن ومن سند
تقاصرت كلم الأوصاف عندكم لما سمعنا ثناء الواحد الأحد
والله لو أن أقلام الورى بريت من العروق لمدح السيد الصمد
لم نبلغ العشر مما يستحق ولا عُشر العشير وهذا غاية الأمد
يا رب! يا حي يا قيوم! يا لطيف! أنت الكامل وأنا الناقص، أنت الغني وأنا الفقير، أنت القوي وأنا الضعيف، أنت الحي وأنا الميت، أصابع المذنب تشير إلى الغفار، ألسنة الفقر تدعو الغني، أكف الضعف ترفع للقوي، الميت يمدح الحي القيوم، الغريق ينادي يا ذا الجلال والإكرام! الكلمات والإشارات عاجزات، البلاغة والبيان والتعبير تعلن التبشير، لا يعلم ما يستحق إلا هو، ولا يحيط بعلمه سواه، لا يقدر قدره إلا إياه، لا يحسن الثناء عليه غيره، إن قدسته أو سبحته أو مجدته فهو الذي علمني، إن حمدته أو كبرته أو وحدته، فهو الذي ألهمني، إن عبدته أو شكرته أو ذكرته فهو الذي أكرمني، صفات المدح في الكاملين ذرة من كماله، نعوت الفضل في الأبرار نفحة من أفضاله، ألسنة المادحين، وأقلام الواصفين، حائرة في جلاله، من أنا حتى أمدحه؟! من أنا حتى أمجده؟! من أنا حتى أثني عليه؟! أنا الذي خلقت من تراب أصف الملك الوهاب؟! أنا الذي صور من طين أذكر جلال رب العالمين؟! إن الخجل يملأ فؤاد من خلق من ماء مهين، إذا قام يشدوا بأوصاف أحكم الحاكمين.
اللهم إن أشرف تاج نحمله تمريغ الأنف على التراب لجلالك، اللهم إن أعظم وسام نحمله وضع الجباه على الأرض لعبوديتك، أنا الظالم لنفسه، المعترف بتقصيره، المقر بذنبه، أنت الواجد الماجد الغني الحميد، عز جاهك، جل ثناؤك، تقدست أسماؤك، لا إله غيرك.
قد كنت أشفق من دمعي على بصري فاليوم كل عزيز بعدكم هانا
يا ألله! سجد وجهي لك، يا ألله! خشع سمعي وبصري لك، يا ألله! رغم أنفي لك، يا ألله! ذلت رقبتي لك، يا ألله! وجل قلبي منك، يا ألله! التجأت نفسي إليك، يا ألله! حسن ظني فيك، يا ألله! طاب الحديث عنك، يا ألله! كمل التوكل عليك.
إليك وإلا لا تشد الركائب ومنك وإلا فالمؤمل خائب
وفيك وإلا فالغرام مضيع وعنك وإلا فالمحدث كاذب
стр. 9554
الوصايا العشر
أما بعد:
فقد وقفت عشراً واستفدت عشراً:
أولاها: اللجوء إلى الله في الملمات، وقصده في الكربات، وسؤاله في الأزمات.
ثانيها: أن مع العسر يسراً، ومع الكرب فرجاً، ومع الضيق سعة، وبعد الشدة رخاء.
ثالثها: أنه ليس لك في المصائب إلا الله، وما لك عند الدواهي إلا الله، وما معك في الخطوب إلا الله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢] فوحدوه وأخلصوا له العبادة، وأطيعوه واهتفوا بولائه، وادعوه، والتجئوا إليه، واسجدوا له، واشكروه.
رابعها: أن العلماء يصيبون ويخطئون، والدعاة يحسنون ويغلطون، والمصلحون يسددون ويعثرون، إلا محمداً ﷺ ، فهو المصيب بلا خطأ، والمسدد بلا غلط، والمصلح بلا عثرة: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
خامسها: أن الكتب تعرف منها وتنكر، وتقبل وترد، وتوافق وتخالف، إلا الوحي كتاب وسنة، ففيه الصحة كلها، والصواب أجمعه، والحق أتمه وأكمله، والعدل أوله وآخره.
سادسها: أنه ليس لأحد أن يدّعي أنه المخول وحده لنصرة الدين، ولا التكلم باسمه، فدين الله منصور، شاء من شاء، وأبى من أبى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩].
نصر محمداً العربي ﷺ سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي، وصلاح الدين الكردي، ونور الدين التركماني، وإقبال الهندي.
سابعها: أن الرفق هو الطريق الأمثل للدعوة، وأن الكلمة اللينة هي السحر الحلال، وأن الأسلوب السهل هو مصيدة الرجال، فاسأل الله أن يصلح النية والذرية، وأن يوفق الراعي والرعية.
ثامنها: أن غالب محاضرات الدعاة، وندوات العلماء، حسن وصواب، وحق وعدل، والقليل النادر غلط وخطأ؛ لعنصر البشرية وضعف الإنسانية، وانتفاء العصمة وانقطاع الوحي.
تاسعها: وجدت أن الأمة لايشفي عليلها ولا يروي غليلها، مقطوعة من فنان، ولا طرح من علماني، ولا هيام من شاعر، ولا خيال من فيلسوف، إنما يحييها ويرفعها ميراث من نبوة، وتركة من رسالة، وأثارة من وحي: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧].
عاشرها: وجدت أن الأمة قد تكون غير منتجة، ولا مخترعة، ولا مكتشفة، ولا مصنعة، ولكنها لا تعيش بلا إيمان، ولا تحيا بلا رسالة، ولا تشرف بلا منهج: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢].
تلك عشرة كاملة، أهديها لمحبي النصح وعاشقي الفضيلة وطلاب الحقيقة، وشباب الإصلاح ورواد المعرفة: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨].
دعها كما شاءها الرحمن جارية الله يحفظها والله يرعاها
لها من الوحي نور تستضيء به وبهجة الغار تبدو في محياها
стр. 9555
أسلوب الداعية في الدعوة
أما بعد:
فهذه عشر سنوات طويلات قصيرات، فيها حسنات وسيئات، ومضحكات ومبكيات، مرت بسرورها وحزنها، ونعيمها وبؤسها، وغناها وفقرها، ولذتها ومعاناتها.
فتصرمت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أيام
ثم انبرت أيام هجر أعقبت صبري أسىً فكأنها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام
انتهت هذه العشر عندنا، ولكن ما انتهت عند الله: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه:٥٢].
أما بعد:
فإن الداعية ليس له حقل واحد لا يعمل إلا فيه، بل حقول متعددة، وميادين مختلفة، ومنابر شتى، فالدعوة لا يحدها حد، ولا يحصرها حصر، ولا يقيدها قيد.
إن الدعوة تجري في دم الداعية، يقولها كلمة، يصوغها عبارة، ينشدها قصيدة، يدبجها خطبة، ينقلها فكرة، يؤلفها كتاباً، يلقيها محاضرة.
إنها قد تكون مع النفس محاسبة ومراقبة، وتكون مع الأم براً وحناناً، ومع الأب شفقة ورحمة، ومع الابن تربية وأدباً، ومع الجار إحساناً وبراً، ومع المسلم مصافاة ومودة، ومع الكافر دعوة وحواراً، فهذا إبراهيم الخليل ﵇ يتلطف بأبيه، يا أبتي! يا أبتي! يا أبتي!
وهذا نوح ينوح على ابنه: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ [هود:٤٢]
وهذا لقمان يترفق بابنه وفلذة كبده، يا بني! يا بني! يا بني!
وهذا موسى يعطف على فرعون، وهذا مؤمن آل فرعون يقول لقومه: يا قومي! يا قومي! وهذا مؤمن آل ياسين، ينادي وهو في الجنة: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس:٢٦]
إن الدعوة هم لازم، وواجب دائم، فهي معك في السيارة والطيارة والسفينة، وفي النادي والجامعة والمزرعة والمتجر، قد تدعو بسيرتك أكثر من كلامك، وتدعو بصفاتك أعظم من خطبك، وتدعو بخلقك أحسن من محاضراتك، ليس للداعية وقوف.
سجن يوسف فدعا في السجن، وطرد نوح فدعا في السفينة، وحوصر محمد ﷺ فدعا في الشعب، وطوق فدعا في الغار، وطرد فأنشأ دولة.
قيل لشيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله سره: إن السلطان أمر بإخراجك إلى قبرص، قال: والله إن بي من السرور والفرح ما لو وزع على أهل الشام لوسعهم، والله إني كالغنمة -هذا لفظه- لا تنام إلا على صوف، إن خرجت إلى قبرص دعوتهم إلى لا إله إلا الله فأسلموا، وإن سجنت خلوت بعبادة ربي، وإن قتلت فأنا شهيد.
ليس من المهم عند الداعية، أن يكون له جمهور حاشد أو حفل بهيج أو مستمعون كثر، المهم أن يقول الحق، وأن يأمر بالمعروف، وأن ينهى عن المنكر، وأن يحمل الميثاق بأمانة، وأن يبلغ الشريعة بصدق: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧] بعض الأنبياء لم يستجب له أحد، والبعض استجاب له واحد أو اثنان، والبعض جماعة، وبعضهم دعا عمره كله ثم قتل ولم يطعه بشر، وأنبياء آخرون مكثوا السنون الطويلة يدعون ثم نشروا بالمناشير.
سيدي علل الفؤاد العليلا أحيني قبل أن تراني قتيلا
إن تكن عازماً على قتل روحي فترفق بها قليلاً قليلا
стр. 9556
صفات الداعية
стр. 9557
الداعية تابع محمد ﷺ
إن الداعية ليس فناناً يداعب العواطف ويلعب بالمشاعر، ويتفقد مكامن التأثير في النفس، وليس شاعراً يسلب الألباب ويسافر مع الخيال، ويهيم في أودية الضلال، وليس فيلسوفاً يقنن القوانين ويضرب الأقيسة، ويحدد المقدمات، ويخلص إلى النتائج، وليس سلطاناً يفرض كلمته، ويؤدب أمته، ويحشد جنوده، ويرفع بنوده.
وليس تاجراً يجمع الدراهم، ويكنز القناطير المقنطرة، ويرصد الشيكات، ويضارب بالأسهم.
الداعية شيء آخر، إنه تابع لمحمد ﵊، ابن بار برعيته، وتلميذ نجيب في مدرسته، طالب متفوق في جامعته، يسري حب الله وحب رسوله ﷺ في دمه، ويشع في قلبه، ويضيء طريقه، ويملأ وجدانه، ويلهب ضميره.
الحب ليس رواية شرقية بأريجها يتروج الأبطال
لكنه الإبحار دون سفينة ومرادنا أن المحال محال
стр. 9558
الداعية لا يعرف التوقف عن الدعوة
الداعية ليس له إجازة ولا انتداب ولا مخصصات ولا عادات، الداعية ليس له حفل مولد، ولا مهرجان تخرج ولا حفل وداع، ولا مناسبة استقبال، بل هو مع الأنبياء؛ تلقاه على الرصيف، وفي الدكان، ومع أهل الحرف، مع النجار والخباز، والنساج والبناء، مع الناس باختلاف أذواقهم، ومشاعرهم وطبقاتهم، وألوانهم وأجناسهم، داعياً للملك والمملوك، داعياً للأمير والوزير، داعياً للكبير والصغير، داعياً للأنثى والذكر، داعياً للأبيض والأسود، الداعية باع نفسه من الله، فلا يطالب ولا يضارب ولا يعاتب ولا يحاسب، فاتورة تعبه مدفوعة في الآخرة: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥].
شيك أجرته مصروف من بنك: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢] وسند أمواله موقع عليه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود:٧٩].
بعنا النفوس فلا خيار ببيعنا أعظم بقوم بايعوا المختارا
فأعاضنا ثمناً أجل من المنى جنات عدن تتحف الأبرار
стр. 9559
الداعية لا ينتظر مكافأة من أحد
الداعية لا ينتظر شهادة حسن سيرة وسلوك من البشر، ولا نياشين يعلقها على صدره، ولا نجوم يضعها على أكتافه، ولا صورة ذكرى يرفها في مجلسه، إنه يريد تاج: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩].
ويطمع في نجوم: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ويرغب في نياشين: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢٥٧] الداعية لا يعين بقرار جمهوري، ولا بوثيقة حكومية، ولا بانتخاب من الجمهور، الداعية لا يأتي عن طريق صناديق الاقتراع، ولا المجلس النيابي، ولا الهيئات البرلمانية، فهو فوق الكنجرس، واللوردات والشيوخ، إن الله عينه، والواحد الأحد هيأه، والرحمن استأمنه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] الداعية مولاه الله، وإمامه محمد، وبيته المسجد، ومذكرته القرآن، وزاده التقوى، وعصاه التوكل، ولباسه الزهد، ومركبه اليقين، وطريقه الهدى، ومراده الجنة: ﴿دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وترعى الشجر حتى يلقاها ربها﴾
أنا ربي الله والدين أبي ورسول الله دوماً قدوتي
ولي القرآن نور ساطعٌ وإلى الكعبة دوماً قبلتي
الداعية لا تتوقف دعوته مع التخرج من المدرسة الليلية، ولا من مكافحة الأمية، ولا من الجامعة، ولا من المجالس الفقهية، ولا من المجامع العلمية، جامعة الداعية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت:٣٣] وشهادته: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ ووثيقة تخرجه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر:٩٤] الداعية لا ينتظر راتباً شهرياً، ولا مكافأة سنوية، ولا إكرامية مالية، ولا هتافاً جماهيرياً، ولا شكراً من الوزير، ولا ترقية من الفريق، ولا ثناء من مدير المدرسة، راتبه: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ [فاطر:٣٠] مكافأته: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾ [الحشر:٨] إكراميته: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر:٤٦].
هتافه: لا إله إلا الله، شكره ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد:٢٤] ترقيته: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥].
الداعية لا ترفع له أقواس النصر، ولا تعلق صوره، ولا ينتظر قصائد مدح، ولا ملحمات ثناء، ولا مقامات تبجيل، أقواس نصره: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ [الفتح:١].
صوره المعلقة: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود:١] مديحه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] مقامات تبجيله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩].
وثيقتي كتبت في اللوح وانهمرت آياتها فاقرءوا يا قوم قرآني
والوحي مدرستي الكبرى وغار حرا تاريخ عمري وميلادي وعرفاني
стр. 9560
اللين وحسن الخلق
أما بعد:
فالداعية رحيم رفيق، قريب حبيب، سهل لين، صبور شكور رحيم؛ لأن الرحماء يرحمهم الرحمن؛ ولأن إمامه محمد ﷺ أرسله الله رحمة للعالمين وهو يقول: ﴿من لا يَرحم لا يُرحم﴾ يقول أحد العلماء: ينبغي للمسلم إذا رأى الكافر أن يتمنى إسلام هذا الكافر رحمة به وشفقة عليه أن يدخل النار.
رفيق؛ لأن الله رفيق يحب الرفق، ولأن الرسول ﷺ يقول: ﴿ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع الرفق من شيء إلا شانه﴾ والرفق يسهل الصعاب، ويقرب البعيد، ويلين القاسي، ويطوع العاصي، ويجذب القلوب.
قريب: فهو يدنو من النفوس، وتحبه الأرواح وتعشقه الضمائر، وتهفو إليه البشر، قريب منهم متواضع كما كان قدوته ورسوله ﵊.
حبيب؛ تحبه القلوب، تفرح إليه، تشتاق لقدومه، تأنس بطلعته: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [مريم:٩٦].
يقول أحد الفضلاء: إذا سافرت ولم يبك عليك أصحابك، فراجع أخلاقك.
سهل لين؛ فهو كمعلمه ﷺ ، سهل في كلامه، فلا يتفيهق، ولا يتنطع، ولا يتشدق، ولا يتعمق، ولا يتكلف، سهل في أفعاله، فلا شطط، ولا يحملهم العبء ولا يجشمهم مشقة، صبور على الملمات والأزمات، صبور على الكربات والفواجع والحوادث والكوارث، يجوع فيصبر، يُسَب فيصبر، يُجلد فيصبر، يُحبس فيصبر، يُبكت فيصبر، يُكذّب فيصبر، يُؤذى فيصبر.
وانظروا إلى الأنبياء، أما نوح فازدجر، وأما صالح فقيل له: كذاب أشر، وأما هود فقُهِر، وأما زكريا فنشر، وأما يحيى فنحر، وأما موسى فضاق به المفر، وأما عيسى فافتقر، وأما محمد فابتلي فصبر، وأعطي فشكر، فعليهم الصلاة والسلام جميعاً، قال الله لنبيه ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧] وقال: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥] وقال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [المزمل:١٠] ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر:٨٥] ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤] ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون:٩٦].
والداعية شكور؛ شكور على النعمة، يُعطى فيشكر، يُسدد فيشكر، يُفتح عليه فيشكر، يأكل فيشكر، يلبس فيشكر، ينام فيشكر، يصح فيشكر، يمرض فيشكر، يعافى فيشكر، يبتلى فيشكر، يغتني فيشكر، يفتقر فيشكر: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤] ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم:٥] ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧].
لك الحمد يا رحمان ما هلَّ صيب وما تاب يا من يقبل التوب مذنبُ
لك الحمد ما هاج الغرام وما همى الغمام وما غنى الحمام المطربُ
следующие страницы →