Полный текст (10 391 стр.). Показаны 9556–9595 · переход к 9561.
стр. 9556
صفات الداعية
стр. 9557
الداعية تابع محمد ﷺ
إن الداعية ليس فناناً يداعب العواطف ويلعب بالمشاعر، ويتفقد مكامن التأثير في النفس، وليس شاعراً يسلب الألباب ويسافر مع الخيال، ويهيم في أودية الضلال، وليس فيلسوفاً يقنن القوانين ويضرب الأقيسة، ويحدد المقدمات، ويخلص إلى النتائج، وليس سلطاناً يفرض كلمته، ويؤدب أمته، ويحشد جنوده، ويرفع بنوده.
وليس تاجراً يجمع الدراهم، ويكنز القناطير المقنطرة، ويرصد الشيكات، ويضارب بالأسهم.
الداعية شيء آخر، إنه تابع لمحمد ﵊، ابن بار برعيته، وتلميذ نجيب في مدرسته، طالب متفوق في جامعته، يسري حب الله وحب رسوله ﷺ في دمه، ويشع في قلبه، ويضيء طريقه، ويملأ وجدانه، ويلهب ضميره.
الحب ليس رواية شرقية بأريجها يتروج الأبطال
لكنه الإبحار دون سفينة ومرادنا أن المحال محال
стр. 9558
الداعية لا يعرف التوقف عن الدعوة
الداعية ليس له إجازة ولا انتداب ولا مخصصات ولا عادات، الداعية ليس له حفل مولد، ولا مهرجان تخرج ولا حفل وداع، ولا مناسبة استقبال، بل هو مع الأنبياء؛ تلقاه على الرصيف، وفي الدكان، ومع أهل الحرف، مع النجار والخباز، والنساج والبناء، مع الناس باختلاف أذواقهم، ومشاعرهم وطبقاتهم، وألوانهم وأجناسهم، داعياً للملك والمملوك، داعياً للأمير والوزير، داعياً للكبير والصغير، داعياً للأنثى والذكر، داعياً للأبيض والأسود، الداعية باع نفسه من الله، فلا يطالب ولا يضارب ولا يعاتب ولا يحاسب، فاتورة تعبه مدفوعة في الآخرة: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥].
شيك أجرته مصروف من بنك: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢] وسند أمواله موقع عليه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود:٧٩].
بعنا النفوس فلا خيار ببيعنا أعظم بقوم بايعوا المختارا
فأعاضنا ثمناً أجل من المنى جنات عدن تتحف الأبرار
стр. 9559
الداعية لا ينتظر مكافأة من أحد
الداعية لا ينتظر شهادة حسن سيرة وسلوك من البشر، ولا نياشين يعلقها على صدره، ولا نجوم يضعها على أكتافه، ولا صورة ذكرى يرفها في مجلسه، إنه يريد تاج: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩].
ويطمع في نجوم: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ويرغب في نياشين: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢٥٧] الداعية لا يعين بقرار جمهوري، ولا بوثيقة حكومية، ولا بانتخاب من الجمهور، الداعية لا يأتي عن طريق صناديق الاقتراع، ولا المجلس النيابي، ولا الهيئات البرلمانية، فهو فوق الكنجرس، واللوردات والشيوخ، إن الله عينه، والواحد الأحد هيأه، والرحمن استأمنه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] الداعية مولاه الله، وإمامه محمد، وبيته المسجد، ومذكرته القرآن، وزاده التقوى، وعصاه التوكل، ولباسه الزهد، ومركبه اليقين، وطريقه الهدى، ومراده الجنة: ﴿دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وترعى الشجر حتى يلقاها ربها﴾
أنا ربي الله والدين أبي ورسول الله دوماً قدوتي
ولي القرآن نور ساطعٌ وإلى الكعبة دوماً قبلتي
الداعية لا تتوقف دعوته مع التخرج من المدرسة الليلية، ولا من مكافحة الأمية، ولا من الجامعة، ولا من المجالس الفقهية، ولا من المجامع العلمية، جامعة الداعية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت:٣٣] وشهادته: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ ووثيقة تخرجه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر:٩٤] الداعية لا ينتظر راتباً شهرياً، ولا مكافأة سنوية، ولا إكرامية مالية، ولا هتافاً جماهيرياً، ولا شكراً من الوزير، ولا ترقية من الفريق، ولا ثناء من مدير المدرسة، راتبه: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ [فاطر:٣٠] مكافأته: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾ [الحشر:٨] إكراميته: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر:٤٦].
هتافه: لا إله إلا الله، شكره ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد:٢٤] ترقيته: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥].
الداعية لا ترفع له أقواس النصر، ولا تعلق صوره، ولا ينتظر قصائد مدح، ولا ملحمات ثناء، ولا مقامات تبجيل، أقواس نصره: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ [الفتح:١].
صوره المعلقة: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود:١] مديحه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] مقامات تبجيله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩].
وثيقتي كتبت في اللوح وانهمرت آياتها فاقرءوا يا قوم قرآني
والوحي مدرستي الكبرى وغار حرا تاريخ عمري وميلادي وعرفاني
стр. 9560
اللين وحسن الخلق
أما بعد:
فالداعية رحيم رفيق، قريب حبيب، سهل لين، صبور شكور رحيم؛ لأن الرحماء يرحمهم الرحمن؛ ولأن إمامه محمد ﷺ أرسله الله رحمة للعالمين وهو يقول: ﴿من لا يَرحم لا يُرحم﴾ يقول أحد العلماء: ينبغي للمسلم إذا رأى الكافر أن يتمنى إسلام هذا الكافر رحمة به وشفقة عليه أن يدخل النار.
رفيق؛ لأن الله رفيق يحب الرفق، ولأن الرسول ﷺ يقول: ﴿ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع الرفق من شيء إلا شانه﴾ والرفق يسهل الصعاب، ويقرب البعيد، ويلين القاسي، ويطوع العاصي، ويجذب القلوب.
قريب: فهو يدنو من النفوس، وتحبه الأرواح وتعشقه الضمائر، وتهفو إليه البشر، قريب منهم متواضع كما كان قدوته ورسوله ﵊.
حبيب؛ تحبه القلوب، تفرح إليه، تشتاق لقدومه، تأنس بطلعته: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [مريم:٩٦].
يقول أحد الفضلاء: إذا سافرت ولم يبك عليك أصحابك، فراجع أخلاقك.
سهل لين؛ فهو كمعلمه ﷺ ، سهل في كلامه، فلا يتفيهق، ولا يتنطع، ولا يتشدق، ولا يتعمق، ولا يتكلف، سهل في أفعاله، فلا شطط، ولا يحملهم العبء ولا يجشمهم مشقة، صبور على الملمات والأزمات، صبور على الكربات والفواجع والحوادث والكوارث، يجوع فيصبر، يُسَب فيصبر، يُجلد فيصبر، يُحبس فيصبر، يُبكت فيصبر، يُكذّب فيصبر، يُؤذى فيصبر.
وانظروا إلى الأنبياء، أما نوح فازدجر، وأما صالح فقيل له: كذاب أشر، وأما هود فقُهِر، وأما زكريا فنشر، وأما يحيى فنحر، وأما موسى فضاق به المفر، وأما عيسى فافتقر، وأما محمد فابتلي فصبر، وأعطي فشكر، فعليهم الصلاة والسلام جميعاً، قال الله لنبيه ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧] وقال: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً﴾ [المعارج:٥] وقال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [المزمل:١٠] ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر:٨٥] ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤] ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون:٩٦].
والداعية شكور؛ شكور على النعمة، يُعطى فيشكر، يُسدد فيشكر، يُفتح عليه فيشكر، يأكل فيشكر، يلبس فيشكر، ينام فيشكر، يصح فيشكر، يمرض فيشكر، يعافى فيشكر، يبتلى فيشكر، يغتني فيشكر، يفتقر فيشكر: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤] ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم:٥] ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧].
لك الحمد يا رحمان ما هلَّ صيب وما تاب يا من يقبل التوب مذنبُ
لك الحمد ما هاج الغرام وما همى الغمام وما غنى الحمام المطربُ
стр. 9561
معرفة قيمة الزمن
أما بعد:
فإن الداعية يعلم أن الحياة ليست فرصة لتقلد منصب، ولا الظفر بإمارة، ولا العثور على وزارة، ولا جمع تجارة، ولا التشرف بسفارة، وليست الحياة عنده متعة يقضيها في اللهو واللعب، ليس عنده إجازة يقضيها على ضفاف الأنهار، ولا في قمم الهملايا، ولا عند شلالات نياجرا، ولا في أبراج كوالالمبور، ولا في حضور عيد الأم، وليس عند الداعية أرصدة في البنوك الربوية، وليس له هم في مراقبة البورصة العالمية، ولا الاهتمام بأسواق الذهب ولا بأسعار البترول، فكنزه وماله وغناه ومستقبله في جنات تجري من تحتها الأنهار، فلا يجهزه إلا: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن:٥٤] ولا يفرحه إلا: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:٢٤] ولا يسره إلا: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ [المطففين:٢٥] ولا يسعده إلا: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] ولا يطربه إلا: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] ولا ينعشه إلا: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ [الإنسان:٢٠].
الداعية ليس له سفر مع ألف ليلة وليلة، ولا أنس بـ أبي نواس، ولا خلوة مع بدائع الزهور، ولا توثيق من الزير سالم، ولا سند من شمس المعارف.
سهره مع صحيح البخاري، أنسه مع ابن تيمية، خلوته مع رياض الصالحين، توثيقه من يحيى بن معين، سنده من سفيان الثوري:
هيهات رحلة مسرانا جحافلنا كما عهدت وعزمات الورى أنفُ
في كفك الشهم من حبل الهدى طرف على الصراط وفي أرواحنا طرفُ
الداعية لا يفتخر بصداقات المشاهير، ولا نجوم الكرة، ولا نجوم الفن، ولا كواكب المسرح، ولا الساسة العمالقة، ولا الفلاسفة العباقرة، ولا رموز الثقافات، فله صداقات ومودات، مع نوح وإبراهيم، وموسى وعيسى، ومحمد، عليهم الصلاة والسلام، وله علاقة بـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وله اتصال بـ أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب.
الداعية ليس منهمكاً في زوايا الغرام، ولا مع قصاصات الهيام، ولا مع آهات الهجر، ولا زفرات الجوى، وأوجاع العيون السود، زفراته من: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك:٨] وآهاته من: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ [النساء:٥٦] وأوجاعه من: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٧ - ٢٩].
أما بعد:
فإن الداعية تتقلب به الأيام، وتتغاير عليه الليالي، وتختلف عليه الساعات، وتتعاقب عليه السنون، رضاً وغضباً، وسروراً وحزناً، شبعاً وجوعاً، منبر وحبس، شكر وشق، إقبال وإدبار، منحة ومحنة، عطية وبلية، أمل وألم، وهو مع ذلك عبد الله، ينزل مع القرآن أينما نزل، ويهبط مع الوحي أينما هبط، ويسافر مع الرسالة الخالدة أينما سافرت، ويرتحل مع القرآن أينما ارتحل، يصلي في القصر والحبس، في الجماعة والمزرعة، في الحاضرة والبادية، يسبح في النادي والمنتزه، يكبر في المسجد والسوق.
الداعية عنده شهادة أكبر من شهادات الأرض، ولديه وثيقة أعظم من وثائق أهل المعمورة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وعنده تزكية أجل من كل تزكية: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٣].
أيها الداعي الذي عبد الله طريق النجاة فيك قويم
أدعياء الضلال سُحار فرعون وأنت العصا وأنت الكليم
стр. 9562
العيش مع القرآن والسنة
أما بعد:
فقد قرأت عشرات المجلدات والمصنفات والمؤلفات، فما وجدت كالقرآن حسناً وجمالاً، بهجة ونظرة، قوة وفخامة، صدقاً وعدلاً، سادةً وإشراقاً.
وطالعت مئات المجلات والجرائد والدوريات والصحف، فما رأيت كالسنة عطاءً وبركة، سلوة وعزاءً، توعية وتربية، إرشاداً ونصحاً، تعليماً وتقويماً.
وسمعت آلاف الكلمات والأبيات، واللطائف والنكات، فما وجدت كذكر الله إيماناً ويقيناً، وروحاً وطمأنينة، وأنساً ورحمة، وثواباً وأجراً.
стр. 9563
الداعية متعدد المواهب
أما بعد:
فإن الداعية قد يكون غنياً كسليمان، وقد يكون فقيراً كعيسى، وقد يكون صحيحاً كإبراهيم، وقد يكون مريضاً كأيوب، وقد يطول عمره كنوح، وقد يقصر عمره كيوشع، وقد يكون ملكاً كداود، وقد يكون خياطاً كإدريس، وقد يكون راعياً للغنم كموسى، وقد تمر به الحالات جمعياً من غنى وفقر، ونصر وهزيمة، ونعيم وبؤس، وصحة ومرض، وعافية وبلاء، كمحمد صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين وسلم.
لأجل دينك ذاق القتل من قتلوا كأنما الموت في ساح الوغى عسلُ
ترى المحبين صرعى في ديارهم كفتية الكهف للرضوان قد نقلوا
وقد يكون الداعية واسع الخير، متعدد المواهب، كثير الإحسان، عظيم البر، كـ أبي بكر الصديق، يدعى من أبواب الجنة الثمانية، فلله دره، ما أجمله! ما أقواه! ما أصدقه!
وقد يكون صارماً حازماً قوياً شديداً في الحق، ذا صولة في الدين، ذا هيبة في الملة، كـ عمر بن الخطاب.
وقد يكون هيناً ليناً، سهلاً قريباً حيياً حليماً سخياً كـ عثمان بن عفان.
وقد يكون مقداماً شجاعاً، أبياً مضحياً فدائياً بطلاً كـ علي بن أبي طالب.
وقد يكون الداعية بحراً في العلم، دائرة معارف، موسوعة في الشريعة كـ ابن عباس.
وقد يكون خطيباً لوذعياً يرسل الكلمة كالقذيفة، ويبعث الحرف كالشهاب، ويطلق الجملة كالبركان، كـ ثابت بن قيس بن شماس.
وقد يكون الداعية شاعراً، يرسم الحرف في القلب، ويصنع البيت كالضياء، وينشد القصيدة كقطعة الماس كـ حسان بن ثابت.
وقد يكون للداعية حشم وخدم، ومال وجمال، وعيال كـ عبد الرحمن بن عوف.
وقد يكون الداعية فقيراً معدماً مملقاً، لا بيت ولا قصر ولا دار ولا عقار، ولا دينار كـ أبي ذر.
وقد يتولى الإمامة كـ معاذ، ويتولى القضاء كـ علي، والأذان كـ بلال والمواريث كـ زيد، والقيادة كـ خالد، والإمارة كـ أبي عبيدة، وقد يتكلم الداعية من بلاط السلطان كـ الزهري، وقد يتكلم من تحت الأرض من القبر كـ الزركشي، وقد يبجل ويحتفل به كـ مالك بن أنس، وقد يذهب دمه هدراً ورأسه شذراً كـ أحمد بن نصر الخزاعي.
الداعية كالهدهد، قطع الفيافي والقفار، ليبلغ رسالة الواحد القهار، العظيم الغفار، جلّ في علاه، يقول أبو معاذ الرازي: ويل لمن كان الهدهد خيراً منه، فكيف يبلغ الهدهد التوحيد وأنت ما بلغت التوحيد: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل:٢٥] وقد يكون الداعية كالنملة، يحذر قومه، وينذر بني جنسه: ﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨] وكالنحلة يجمع أطايب الحديث ويكنز أحسن المعرفة: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً﴾ [النحل:٦٩].
فيا حب زدني في هواك صبابة ويا قلب زدني في هوى مهجتي حبا
لعلي إذا جئت المحصب من منى نحرت فؤادي كي أفوز به قربا
стр. 9564
الثبات على المبادئ
إن أهم صفة من صفات الداعية، أنه صاحب مبدأ، وحامل رسالة، وله منهج، قد يغلظ أو يرفق، يقسو أو يلين، يقبل أو يدبر، يواجه أو يهادن، لكنه صاحب مبدأ، قد يحاور ويفاوض، ويرد ويقبل، ويأخذ ويعطي، ويغضب ويرضى، لكنه صاحب مبدأ، له ثوابت لا يتخلى عنها، وربما تنازل عن الحواشي ليبقى الأصل، وربما ترك التعليق ليبقى المتن، وربما تخلى عن الإطار لتبقى الصورة.
وقفة:
اللهم إن أجل ما نملك دماؤنا، اللهم فاسفكها في سبيلك، أسألك أن تسفك دماءنا لترتفع لا إله إلا الله محمد رسول الله ولينتصر المنهج الحق، منهج السلف، منهج أهل السنة والجماعة في الأرض.
الداعية هو الناطق الرسمي للملة: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف:٢٩] والسفير الأول للشريعة: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ [الأحزاب:٤٥] والمندوب الدائم لمحمد ﷺ : ﴿نضر الله امرءاً سمع مني مقالة فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلَّغ أوعى من سامع﴾ الأمين العام للقيم: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦].
الداعية له في كل قلب سفارة، وفي كل عقل محطة، وفي كل مجلس قناة، الداعية تقرؤه في الصحيفة، وقد تطالعه في المجلة، وقد تنظر إليه في الشاشة، تصلي وراءه في المحراب، تسمعه على المنبر، تلقاه في السوق، تصافحه في الحديقة، تجلس بجانبه في الحافلة، تعانقه في الطائرة، تقاتل وراءه في المعركة، تراه في العرس، تشاهده في الجنازة، يصافح الملك، يمسح رأس اليتيم، يرفق بالرئيس، يعطف على الأرملة، يمازح الشاب، يقود العجوز.
الداعية يرسل كلمته على ذبذبة طولها الحق، وعرضها الصدق، على هوى الإبداع، وعبر أثير المحبة، لتستقبل كلمته أطباق القلوب، وتنقل عبارته موجات الأرواح.
والدعاة درجات عند الله، منهم من يحبو، ومنهم من يمشي، ومنهم من يهرول، ومنهم من يمر مر السحاب، ومنهم من يشبه سرعة الريح، ومنهم من يحلق في سماء الإبداع، فيرتفع عن سطح الدنيا سبعة وثلاثين ألف قدم من الصدق والرفق والحق والعدل والعلم والإيمان.
إن كنت أنت بكيت من حر الجوى وسكبت في نيل الفراق دموعا
فنفوسنا ذبحت على ساح الوغى يا من يرى صرع السيوف وجوعا
стр. 9565
إصلاح الناس وتعبيد البشر لله
أما بعد:
فإن هم الداعية إصلاح الناس وتعبيد البشر لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، فليس همه المال ولا الجمال، ولا الجاه ولا المنصب؛ لأنه مكلف بمهمة محددة: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح:٣].
وعنده رسالة طابعها: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ [الذاريات:٥٧] وعنوانها: ﴿قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا﴾ يوزعها في كل قلب: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] الداعية حبيبه من أحب الله، ووليه من تولى الله، وصديقه من احترم الشرع، وعدوه من عادى الإسلام، ليس عند الداعية وقت للعداوات الشخصية، ولا فراغ لتوافه الأمور، فكل دقيقة من عمره حسنات، وكل ثانية من وقته قربات.
أعد الليالي ليلة بعد ليلة وقد عشت دهراً لا أعد اللياليا
فإما حياة نظم الوحي سيرها وإلا فموت لا يسر الأعاديا
الداعية ينهمر بالآيات والأبيات، والسير والعبر، والقصص والأخبار، والفوائد والقصائد، والشوارد والفرائد، يدعو بها كلها إلى الله الواحد الأحد، ليعبد الله وحده لا إله إلا هو، مرجع الداعية قلبه النابض، ومصدره نفسه المشفقة، وحبره دمه، ومادته دموعه، وورقه حصير الخير.
الداعية لا ينسى دعوته، وهل ينسى المريض مرضه، والجائع جوعه، والمحموم حماه، وكيف يترك الداعية دعوته، وهل يترك الرسام رشيته، والنجار فأسه، والفلاح مسحاته، والكاتب قلمه.
أما واعدتني يا قلب أني إذا ما تبت عن ليلى تتوب
فهأنا تائب عن حب ليلى فما لك كلما ذكرت تذوب
ولا حرج للداعية أن يضحي بنفسه في سبيل مولاه، بل هو الحق، فليبع وقته ودمه ودموعه، وكتبه وأوراقه، وليله، ونهاره: ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود:٧٩].
لكل شيء إذا ما تم نقصان
إلا الإيمان في قلب حامله.
لكل امرئ من دهره ما تعودا وعادة أهل الحق يا صاحبي الهدى
ما مضى فات، والمؤمل غيب إلا عند الداعية، فالماضي عنده ما فات ولا مات: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه:٥٢] والمؤمل عنده حاصل لا محالة، قادم بلا شك: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:٧].
نشيد اللاهين:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
ونشيد الدعاة:
قفا نبك من ذكرى الكتاب المنزل
أغنية الغافلين:
أخبروها إذا أتيتم حماها أنني ذبت في الغرام فداها
وملحمة الصالحين:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعبُ
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضبُ
стр. 9566
وقفة إجلال لذي الجلال والكمال
أيها الناس! أيها البشر! وقفة إجلال لذي الجلال والجمال والكمال، تقدس في علاه، لا إله إلا هو، ولا نعبد إلا إياه، ولا نرجو سواه، قال موسى لربه: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] أي همة يحملها هذا النبي! أشرقت نفسه بحب الواحد الأحد، اصطفاه بالكلام على البشر، فلما أعطاه الله الكلام، تاقت نفسه ليرى الواحد الأحد، ما أعظم الله! لا يُرى في الدنيا، ما أجل الله! لا يبصره المخلوق، ما أجله وما أشرفه! وما أرقى مكانه! لا نراه نحن في الدنيا، نحن أذل وأقل، وأكثر ذنباً وحقارة وهزالاً، وحاجة من أن نرى الله، قال الله: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] لن تستطيع رؤيتي في الدنيا، أنت بشر والبشر لا ينظر إلي في الدنيا، أنت مخلوق والمخلوق لا يراني في الدنيا، أنا أعظم من أن يراني الناس، أنا أعظم من أن يراني البشر في هذه الحياة الدنيا، تعالى الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤].
لن تراني يا موسى أبداً في الدنيا، فالجليل الكبير العظيم المتفرد بالكمال والجلال والجمال لا يراه البشر في الدنيا، على العرش استوى وعلى الملك احتوى، يعلم ما في السموات والأرض، وما بينهما وما تحت الثرى، قال: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف:١٤٣] إن كان الجبل يصمد لرؤيتي فسوف تراني، إن كان الجبل يستطيع أن يقف مكانه فسوف تنظر إلي، إن كانت أحجار الجبل فيها من القوة والصلابة والمناعة والجدارة أن تثبت فلتثبت: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف:١٤٣] قال أهل العلم: جبل طور سيناء، من أعظم الجبال صخوراً وحجارة، وصلابة وشدة وقوة، لكنه الواحد الأحد، أقوى من كل قوي، أغنى من كل غني، أمنع من كل ملك، أشرف من كل شريف، أعز من كل عزيز: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] إن كان الجبل يثبت مكانه فسوف تثبت أنت، إن كان الجبل بصخوره وحجارته وعروقه وأوتاده يثبت للنظر فسوف تثبت: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً﴾ [الأعراف:١٤٣] قال سفيان: [[ساخ الجبل في البحر]] تجلى الله سبحانه تجلياً يليق بجلاله، لانكيفه ولا نشبهه ولا نمثله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
تجلى للجبل العظيم المدلهم الآخذ طولاً وعرضاً، الشامخ بأوتاده وقوته وجذوره وصلابته وحجاره، وصخوره فاندك الجبل وساخ، ذاب للواحد الملك الوهاب، إليه المناب والمتاب: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً﴾ [الأعراف:١٤٣] قالوا: ساخ الجبل، وقيل: انغمس في الأرض، وقيل: وقع في البحر: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾ [الأعراف:١٤٣] قالوا: إنه مات، والصحيح أنه أغشي عليه، وفارق وعيه، من هول المشهد، يوم رأى الجبل يتناثر، والصخرة تدك، ورأى الحجارة تذوب فخر صعقاً ﵇، وغشي عليه، ثم أيقظه الواحد الأحد الذي يحيي العظام وهي رميم: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] لا أكرر هذا الطلب، سبحانك! أتأدب بين يديك، سبحانك تعاليت، يقول أهل التفسير: تقدست أن يراك الناس في الدنيا، سبحانك تعاظمت أن يراك المخلوق في هذه الحياة، سبحانك لا أسألك مسألة لا تليق بي! سبحانك أنت أعظم من أن تراك العيون! أو تدركك الأبصار، تعاليت في عليائك، ما أحسن الكلمة! وقع موسى مرمياً مغشياً عليه فلما أفاق، نفثت شفته، ونطقت لسانه: و ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] لا أكررها مرة ثانية، أتأدب على بساط الربوبية، وفي محراب العظمة، وفي إيوان القدسية، وفي دار الوحدانية، والألوهية، وأنا أول المؤمنين، هذه وقفة عظمة، للعظيم جل في علاه.
стр. 9567
دعاء وتأمين
أيها الناس! إني داع فأمنوا: اللهم أبرد لاعج القلب بثلج اليقين، واطفئ جمر الأرواح بماء الإيمان، يا رب! ألقِ على العين الساهرة نعاساً أمنة منك، وعلى النفوس المضطربة سكينة، وأثبها فتحاً قريباً، يا رب اهد حيارى البصائر إلى نورك، وضلاّل المناهج إلى صراطك، والزائغين عن السبيل إلى هداك، يا رب أزل الهموم والوساوس بفجر صادق من النور، وأفق باطن الضمائر بفيلق من الحق، ورد كيد الشيطان بمدد من جنود عونك مسومين.
اللهم أذهب عنا الحزن، وأزل عنا الهم، واطرد من نفوسنا القلق، نعوذ بك من الخوف إلا منك، والركون إلا إليك، والتوكل إلا عليك، والسؤال إلا منك، والاستعانة إلا بك، أنت ولينا، نعم المولى ونعم النصير، اللهم حقق الآمال، وأصلح الأعمال، وحسن الأحوال، وسدد الأقوال.
اللهم اجمع شمل الأمة، واكشف الغمة، وانصر الدين وأتمه، اللهم وفق ولاة أمورنا لما تحبه وترضاه، اللهم اجعلهم عوناً على طاعتك للمسلمين، ودرعاً للموحدين، وإنصافاً لملة المستقيمين على منهجك يا رب العالمين، ونصرة للدعاة والعلماء والمصلحين.
اللهم أصلح القلوب، واغفر الذنوب، واستر العيوب، اللهم اقبل توبة من يتوب، اللهم أجزل العطية، واغفر الخطية، وأحينا حياة رضية، ونسألك الميتة السوية.
اللهم ألهمنا الحجة وثبتنا على المحجة، اللهم يمن كتابنا، ويسر حسابنا، اللهم اشفِ منا العلل، واغفر الزلل، وادرأ عنا الكوارث واحمنا من الحوادث.
اللهم أذهب الشك باليقين، وألبسنا ثوب الدين، وانصر إسلامنا، وارفع أعلامنا، وثبت أقدامنا، وسدد سهامنا.
اللهم بلغ رسولنا عنا الصلاة والسلام، ما غيث همع، وبرق لمع، وظبي سنح، وبلبل صدح، اللهم آته الوسيلة، وامنحه الفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً، واعطه حوضاً موروداً، وأجب شفاعته، وأكرم وفادته.
يا رب! إن البشر اعتزوا بأنسابهم، وافتخروا بأحسابهم وعزنا وفخرنا بك، فلا نكون أشقى منهم بك، يا رب إنهم جمعوا الأموال، وادخروا الكنوز، واحتاطوا بالذهب والفضة، ومالنا وكنزنا، وميراثنا دينك وذكرك.
اللهم فأغننا يوم الفقر الأكبر حتى نكون بك أغنى منهم بأموالهم، يا رب! إن البشر مدح بعضهم بعضاً، وأطرى بعضهم بعضاً، ورفع بعضهم بعضاً، ومدحنا وثناؤنا وتبجيلنا لك وحدك، اللهم إنهم أَمَّلوا من ممدوحهم جوائز وأوسمة، وعطايا وهدايا، اللهم فاجعلنا أكثر منهم حظاً بجوائزك، وأوسمتك وعطاياك وهداياك، اللهم إنا رأينا من ركن إلى محبوبه، وأنس بمرغوبه، وفزع إلى قريبه، واعتمد على صاحبه، اللهم إليك فزعنا، وعليك ركنا، وبك وثقنا، وعليك اعتمدنا، اللهم اجعلنا أسعد بك من القريب بقريبه، ومن الصاحب بصاحبه، ومن المولى بسيده، اللهم إنا رأينا الرءوس تخضع لسواك، والجباه تسجد لغيرك، والألسنة تقدس البشر، فغضبنا لذلك، وأزعجنا ذاك، فلك خضعت رءوسنا وسجدت جباهنا، وذلت رقابنا، اللهم إن نسألك الغنى يوم الفقر، والعز يوم الذل، والنجاة يوم التغابن.
يا رب حمداً ليس غيرك يحمد يا من له كل الخلائق تصمدُ
أبواب كل مملك قد أوصدت ورأيت بابك واسعاً لا يوصد
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 9568
لقاء مفتوح
يعتبر هذا اللقاء بمثابة أسئلة والشيخ يجيب، فتحدث الشيخ عن أمور كثيرة منها: كيفية تعلم الخطابة والوسائل إلى الخشوع عند سماع القرآن، والوسيلة إلى ترك المعاصي، ونبذة عن أمريكا، وتصور الشيخ عنها.
كما ذكر الشيخ بعض المقطوعات الشعرية في مدح ابن باز، وابن عثيمين عليهما رحمة الله.
стр. 9569
وسائل تعلم الخطابة
السؤال
فضيلة الشيخ! حفظك الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا شاب أحب أن يكون لي دور في المجتمع في مجال الخطابة، ولكني أجد في نفسي العجز عن ذلك، فماذا أعمل حتى أصل إلى هذا الهدف الطيب، وجزاك الله خيراً؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أولاً: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
يا رياض الخير قد جئتُ وفي جعبتي أبها بلقياكم تسامى
حلَفَت لا تشرب الماء ولا تأكل الزاد ولا تلقى مناما
أو ترى الأحباب في نجد فإن لم تجدهم صار ممساها حراما
فسلام الله أهديه لكم يا رجال النبل في نجد الخزامى
أنا قد أحببتكم في الله ما كان قلبي في سواه مستهاما
ثانياً: أما هذا السؤال، وهو أن الأخ يسأل كيف يكون خطيباً مطبقاً أو خطيباً حاذقاً أو فاهماً وموجهاً في الأمة.
الخطابة هي قبل كل شيء موهبة من الله ؛ ولكنها تحسَّن، ولها وسائل تحسين وتدريب ورياضة حتى يصل الإنسان إلى مبتغاه، والمقصد أن المسلم ينبغي أن يكسب بعمله وجه الله ، والله ﵎ يوزع المواهب والتخصصات على الناس، فما كل واحد إلا وله تخصص، بعضهم كاتب، والآخر خطيب، والثالث شاعر، والرابع مفتي، فالمقصود أن تخدم الإسلام بالدعوة أينما كانت الدعوة.
والصحابة رضوان الله عليهم ما كانوا كلهم علماء، ولا مفتين، ولا خطباء، وإنما كان فيهم الخطيب كـ ثابت بن قيس بن شماس، فاستخدم خطابته في نصرة (لا إله إلا الله) وفي الدعوة إلى (لا إله إلا الله) ومنهم الذي ليس بخطيب ولكنه مقاتل كـ خالد بن الوليد سيف الله المسلول، فاستخدم سيفه في نصرة الإسلام، ومنهم الشاعر كـ حسان أخذ القوافي يرسلها كالصواعق على رءوس الملاحدة والزنادقة والفجار.
إذاً: فعليك أن تعرف تخصصك الذي يمكن أن تخدم الإسلام به، فإن الله سوف يسألك عما وهبك من الكتابة، ومن الأدب، ومن الخطابة، ومن العلم، فأخلص مقصدك لوجه الله .
أما الخطابة فتعتمد على أمور:
الأمر الأول: أن يخلص، وأن يدعو الله ويسأله القبول والصدق، فإنه هو الذي يفتح ؛ ولذلك ذُكر عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه كان إذا أراد أن يتحدث قال: اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أصول وبك أقاتل وبك أحاور، وكان يكثر من الاستغفار كثيراً ليفتح الله عليه.
الأمر الثاني: الجرأة: ولذلك يقول ابن قتيبة في عيون الأخبار: الخطابة عند العرب تُبنى على الجرأة، وهي: أن تكون جريء القلب، جريء الجنان شجاعاً؛ لأن مقابلة الصفوف ليست بسهلة، ومقابلة الناس صعبة، فهذا يأتي بأن تدرب نفسك على الخطابة، وعلى الإلقاء، وعلى الدعوة إلى الله ، وأن تخرج إلى القرى وإلى الضواحي فتدعو الناس، فسوف يرزقك الله القبول ، وسوف يهدي على يديك، وسوف يكون لك باعٌ في الخطابة.
ويؤثر أن عبد الملك بن مروان، ذُكر عنه في تراجمه: أن أبناءه قالوا: نراك شاب رأسك ولحيتك، قال: من صعودي المنبر يوم الجمعة، أعرض عقلي على الناس.
وذكر ابن الجوزي في كتاب الحمقى والمغفلين: أن أحد الخطباء استقل المنبر ليتكلم، فأراد أن يقول: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فقال: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أشهر، فرد عليه الناس، قال: والله لقد تقاللت ستة أشهر وأردت أن أقول ست سنوات!
الأمر الثالث: التحضير: فلا يمكن أن يتكلم الإنسان بطلاقة إلا بعد أن يبلغ من العمر عتياً، أو يصل إلى الأربعين، وفي صحيح البخاري: أن عمر ﵁ وأرضاه لما ذهب إلى سقيفة بني ساعدة قال: [[فزوَّرت كلاماً في صدري]] أي: هيأه ليتكلم به عند الأنصار في سقيفة بني ساعدة.
فعلى المسلم أن إذا أراد أن يتكلم أن يحضر العناصر في ذهنه أو الموضوع، أو يحفظ الآيات والأحاديث، فلا يأتي مباشرة فيتكلم فيأتي بكلمة من البر وكلمة من البحر.
الأمر الرابع: على الخطيب أن يستقرئ أحوال الناس، فيعرف المقام الذي يتكلم فيه، فلا يتكلم في مجتمع ليسوا بحاجة إلى الكلام، مثل أن يذهب إلى أهل البادية الذين لا يعرفون التوحيد وهم واقعون في الشرك، فيتكلم في البنوك الربوية، وليس عند أهل البادية بنوكاً ربوية، أو يأتي إلى مجتمعات مرتكسة في الضلال فيتحدث لهم في جزئيات، إنسانٌ ما أسلم ولا عرف (لا إله إلا الله) ولا أنواع التوحيد، فيتحدث له عن إسبال الإزار، وعن تحريم حلق اللحى.
الأمر الخامس: أن يراعي الموقف فيعطي الناس ما يشتهون، فإن كان في خطبة جمعة فعليه أن يقصر ويوجز، وأن يطرق الموضوعات المهمة، وإن كان في درس فعليه أن يطيل وأن يتوسع بقدر الحاجة.
أما أمور الصوت، والنبرات، والنغمات، فهذه أمور أخرى.
ومِن أحسن ما كُتِب في الخطابة: كتاب الخطابة مفهومها ودلالتها أو نحو هذا العنوان، للشيخ محمد أبي زهرة وهو من أحسن الكتب في ذلك إن شاء الله، وفيه فوائد، لولا بعض الملاحظات فيه.
стр. 9570
الطريق إلى الخشوع عند سماع القرآن
السؤال
يقول السائل: فضيلة الشيخ: نقرأ من حياة الصحابة والتابعين أنهم كانوا يخشعون عند سماع القرآن، ويبكون عند تلاوته، ولكني لا أستطيع ذلك، فما السبب الذي جعلهم يخشعون ونحن أقل خشوعاً؟ وما هو الطريق إلى التأثر عند سماع أو تلاوة القرآن الكريم؟
الجواب
الخشوع عند تلاوة القرآن والتأثر والبكاء مدح الله به المؤمنين، وله أسباب، وكلما عظُم إيمان العبد خشع قلبُه، وخشي الله ، ولذلك ذكر الله العلماء فوصفهم بوصف، فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] فمن لم يخش الله فليس بعالم ولو حفظ النصوص واستحضر الأدلة؛ لأن المسألة مسألة خشية؛ ولذلك قال مطرف بن عبد الله بن الشخير في أبي بكر الصديق مقارنة بالصحابة: [[ما فاقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة ولا صدقة؛ ولكن بإيمان وقر في قلبه]].
وعن الحسن البصري أنه قال: [[ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل]] روى ذلك مالك بن أنس في الموطأ مرسلاً.
وأبو بكر ﵁ وأرضاه لم يكن أعلم الناس بالفتيا وكان في الصحابة من يفتي كـ عبد الله بن عباس، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وأبي بن كعب؛ ولكن كان أبو بكر أخشى الصحابة لله ؛ حتى تقول عائشة كما في الصحيحين: [[كان أبي رجلاً أسيفاً -أي: كثير البكاء والحزن- وكان إذا قام في صلاة الفجر قرأ سورة يوسف فما يبلغ قوله تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤] إلا وينهد باكياً وينهد المسجد معه من البكاء]].
وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد: أن أبا بكر دخل مزرعة رجل من الأنصار، فرأى طائراً يطير من شجرة إلى شجرة، فبكى وقال: [[طوبى لك أيها الطائر! ترد الماء وترعى الشجر، ثم تموت، لا حساب ولاعذاب، يا ليتني كنتُ طائراً]] فهذا من خوفه لله .
أما الأمور التي يحصل بها الخشية -إن شاء الله- فهي:
الأمر الأول: الصدق والإخلاص: أن تصدق في نيتك وفي إخلاصك في تلاوة كتاب ربك ﵎، فلا تقصد به الناس ولا ثناءهم ولا مدحهم.
الأمر الثاني: أن تتدبر ما تقرأ، وأن تقف مع عجائب القرآن وغرائبه، وأن تتصور أن الذي تكلم به هو رب العالمين حقيقة ، وأنزله على قلب الرسول ﵊.
الأمر الثالث: أن تحسن صوتك بالقراءة وتنغمه علَّك أن تحزن وتخشع.
الأمر الرابع: أن تختار لنفسك وقت الارتياح: وهذا قاله الإمام أحمد، فالشبع الكثير لا يناسب الرقة في القراءة، أو التعب الشديد، أو النعاس، وقد أتى فيها آثار، فإن الرسول ﵊ عفا عمَّن قام يصلي وهو ينعس، قال: ﴿فليرقد لعله أن يستغفر فيسب نفسه﴾ أو كما قال ﵊، فمن باب أولى قراءة القرآن، فيختار الوقت المناسب لقراءته.
الأمر الخامس: أن تتصور قلة المقام بهذه الدار، وأنه كتاب الرحيل، وأنه زاد إلى الله .
فإذا تم ذلك وإلا فادعُ الله وراجع فتح الباب من الاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله ، نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم ومن كل مسلم.
стр. 9571
واجب المسلم نحو المنكر في بيته
السؤال
فضيلة الشيخ: حفظك الله، السلام عليكم، أنا شاب ممن هداه الله، ولكني أشكو من المنكرات التي في بيتي، فما هو واجبي نحوها؟
الجواب
المنكرات ليست في بيتك فحسب، بل في كثير من البيوت، وكثير من المجتمعات، وكثير من المدن والقرى، ومشكلتنا ليست مشكلة قلة العلم، مشكلتنا الكبرى قلة دعوة الناس إلى (لا إله إلا الله) وتفهيمهم وتعليمهم، وهناك في المجتمعات من لا يُحسن الفاتحة، وقد اشتغل كثير من الدعاة وطلبة العلم بالرسائل والتحقيق ومن ثم ضاعت الأمة، فمسألة المنكرات ليست في بيتك فحسب، بل هي منتشرة، ونحن نرجو الله أن يغير الحال إلى أحسن، ثم إلى جهود طلبة العلم والدعاة أن ينشروا دين الله ، وأن ينشروا الدعوة والفهم في الناس.
وأما المنكرات في بيتك فعليك أن تكون ذا تؤدة وصبر، فإن بعض المنكرات أهون من بعض، وحمل بعض الشباب إذا رأوا المنكرات على عقوق الوالدين، فعقوا الوالدين من أجل بعض الأمور السهلة:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مُضر كوضع السيف في موضع الندى
صحيحٌ قد يكون في البيت غناء، لكن لا يحملك ذلك على ترك البيت وعقوق وقطيعة والديك لتغير هذا المنكر، فإن عقوق الوالدين من الكبائر، واستماع الغناء معصية، وعقوق الوالدين أعظم.
فأنا أدعوك إلى الصبر والحكمة في الدعوة، والحكمة أن تلين لوالديك، وأن تدعو لهم في كل صلاة، وأن تدعوهم إلى الله بالرفق، علَّ الله أن يهديهم على يديك، فإن لم تستطع فعليك بالصبر على أذاهم أو على ما يأتيك منهم، فإن لم تستطع فإن المعاصي منها ما يُقاطَع عليها، كترك الصلاة، فإن عليك أن تقاطع أهلك إذا تركوا الصلاة، أما المعاصي فتناصحهم وتصبر حتى يفتح الله قلوبهم لك، والله معك إذا أكثرت من الصدق والإخلاص، والدعاء والإنابة له .
стр. 9572
السبيل إلى ترك المعاصي
السؤال
فضيلة الشيخ: السلام عليكم، أنا شاب حائر، أحاول أن أغير من وضعي السيء، فأنا أترك الصلاة أحياناً، وأعمل بعض الأعمال السيئة، وكلما تركت المعصية راودتني نفسي بالرجوع إليها، فما الذي ترشدني إليه حفظك الله؟
الجواب
نسأل الله أن يتوب علينا وعليك، وكفى بترك الصلاة معصية، فإن من ترك صلاة واحدة عامداً متعمداً فقد كفر، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أن من ترك صلاة واحدة عامداً حتى انتهى وقتها فلا يقضيها بعد الوقت، فإنه في تلك الفترة قد كفر بالله العظيم، وليس له أن يقضيها؛ لأنه قد مرت به فترة كفر، بل عليه أن يعود إلى الإسلام من جديد ويتوب إلى الله، ويدخل في الدين، ومضت تلك الصلاة، فتركك لبعض الصلوات أو لصلاة واحدة معناه الكفر، نسأل الله العافية، حتى قال بعض أهل العلم من المحدِّثين: ليس بصحيح تقسيم تارك الصلاة إلى متهاون وجاحد، بل من ترك الصلاة فقد كفر بلا عذر، فكيف يتركها!
فعليك أن تتقي الله، كل شيء يهون إلا ترك الصلاة فإنه الكفر، يقول ﵊: ﴿بين المسلم وبين الكافر ترك الصلاة﴾ من حديث جابر عند مسلم، وعند أبي داود من حديث بريدة بن الحصيب: ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر﴾ فنعوذ بالله من التاركين للصلاة، ونسأل الله أن يهدي شباب الإسلام.
فإذا اهتديت وواظبت على الصلاة فسوف يهديك الله سواء السبيل، ويرشدك إلى أنك إذا صليت الصلوات الخمس في جماعة، وحافظت عليها ظاهراً وباطناً، وأحسنت سجودها وركوعها وخشوعها فسوف تهتدي بإذن الله مع الدعاء.
أما بقية المعاصي فلن يسلم منها أحد؛ لكن أرشدك إلى أنْ تعزم على التوبة، وأن كلما وقعت تستغفر وتتوب، وأن تفعل من الحسنات ما يمحو السيئات، والله معك.
стр. 9573
لا تيئسوا من واقع المسلمين اليوم
السؤال
فضيلة الشيخ: الشباب المسلم يتألم حين يرى الواقع السيء الذي تعيشه الأمة، فبعضهم قد يئس من عودة العزة والنصر للمسلمين، فما الذي توجهونه إلى الشباب الذين يعيشون مثل هذا التصور؟
الجواب
الحل بيد الشباب المسلم إذا استطاعوا وإذا علموا ذلك، الحل أن ننطلق بالدعوة والتوجيه والتوعية لوجه الله ، الحل أن نصدق مع الله ، وأن نبذل مثلما يبذل غيرنا أو عُشر ما يبذل أعداؤنا، تجدون بعض الدعوات المغرضة البدعية الشركية كيف يبذل دعاتُها والقائمون عليها من الجهود والتضحية، والإعلام والدعوات، والمؤلفات والصحف والمجلات.
فالحل مسئوليتنا نحن، أما أن ننتظر ونتمسكن ونقول: نفسي نفسي، ونتخفى في بيوتنا فهذا ليس بحل، بل بهذا نزيد الأمة وهناً إلى وهن، وهزيمة إلى هزيمة، والحق أن ندعو وأن نوجه بالحكمة وبالتي هي أحسن، وأن نقود الناس إلى صراط مستقيم.
فلو أن كل شاب اهتدى حاول أن يهدي معه شاباً آخر لهداه الله سواء السبيل: ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمُر النعم﴾ لكن تجد كثيراً من الشباب المستقيم ركن وانزوى عن المنابر، فلا يخطب؛ لأنه يخاف على نفسه من الشهرة والرياء، وهذا مدخل للشيطان عجيب، يأتيه من هذا المدخل ليعطله عن الدعوة إلى الله، ويأتي الشاب المتعلم الذي عنده خير كثير من العلم، فيقول له: لا تجلس للناس حتى تتمكن في العلم ويرسخ قدمك، فيضله حتى يميته، ويأتي للآخر الكاتب، فيقول له: لا تكتب، إن الكتابة شهرة، ومن هذا القبيل، إذاً بهذا ضربنا الشيطان وشتتنا.
فالحل بأيدينا إذا صدقنا مع الله ، فإن الناس الآن يعيشون في صحوة والحمد لله، وكم في هذه الصحوة من طالب علم، ومن خطيب لَبِق وكاتب فاهم، إذا استطاع أن يوجه قدراته لخدمة الإسلام سوف ينصر الله هذا الدين بلا محالة.
стр. 9574
شاب يخجل من الجلوس بين الصالحين
السؤال
أنا شاب محب للخير؛ ولكني أجد في نفسي حواجز عن مجالسة الصالحين، وأحياناً أترك مجالس الطيبين خشية أن يستهزئ بي الناس، فبمَ تنصحني؟
الجواب
هذا الأخ يشكو من الخجل أو من الحواجز التي بينه وبين الناس، أو العقدة النفسية، وحل هذا أن يجالس من زملائه وأقرانه الذين يجرؤنه على مجالسة الناس، فإنه ليس واجباً على المسلم أن يجالس الناس، قد يكون الأصلح لقلبه أن يعتزل الناس في بعض الأمور؛ لكن أن تكون لك جِبِلَّة حتى يحرمك هذا الخجل عن الفائدة والاستفادة وتوجيه الناس وتعليمهم، فهذا ليس بصحيح، قال مجاهد كما في صحيح البخاري: [[لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر]].
فأنا أرشدك إلى تقوى الله وأن تقصد في هذه مواقف الحق، وأن تبدي ما عندك فإنك على صراط مستقيم، وألا تخجل، فإنه لا يخجل إلا من ضيع شبابه في الغناء والترَّاهات وضياع الساعات وإتيان الشهوات والمعاصي والمخالفات، لا يخجل من أنار الله قلبه بالقرآن, ولا يخجل من يصلي لله كل يوم خمس صلوات، ولا يخجل من يتضرع كل يوم خمس مرات.
ومما زادني شرفاً وفخراً وكدتُ بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيَّرتَ أحمد لي نبيا
فأنت في مقام الفخر والعزة بالإسلام، ولك العزة فلا تخجل ولا تتأخر، وإنما درب نفسك على الجلوس مع الناس، وعلى الأخذ والعطاء رويداً رويداً، وسوف تجد أن هذه العقدة تنحل بإذن الله.
стр. 9575
نبذة عن أمريكا
السؤال
فضيلة الشيخ: أعطِنا نُبذة عن ذهابك لـ أمريكا، وما هي تصوراتك للإسلام في أمريكا؟ ويقال: إن الشعب الأمريكي يتوفر لديه الصدق والأمانة وغيرها لا تحضرني الآن، فهل من الممكن أن تعطينا نبذة قصيرة؟
الجواب
الذهاب إلى أمريكا لا يُنْصَح به ولا يُوْصَى به؛ لكن قد يضطر المسلم إلى أن يسافر، إما لدعوة يرى أنه سوف ينفع بإذن الله، أو لعلاج لم يجد له بديلاً في بلاد المسلمين، أو لدراسة ينفع بها الإسلام والمسلمين.
من هذه الأمور ومن ضمن ما كتب الله : سفري إلى أمريكا لمؤتمر الشباب العربي المسلم العاشر، في أوكلاهوما شمال أمريكا، وهذا المؤتمر حضره أكثر من أربعة آلاف شاب مسلم، وحضره من العلماء والدعاة ما يقارب خمسين داعية وعالماً ومفكراً.
والإسلام هناك ليس كما يتصور الناس، وقبل هذا الحديث أقول: إن الأخ يوم يقول: إن الشعب الأمريكي شعب صادق وأمين، فهذا إما واهم وأما ناقل خطأ، وقد أخطأ كل الخطأ، بل إن الشعب الأمريكي هو شعب الكذب والخيانة، والضلالة والجهالة، وقلة الحياء وقلة المروءة، ومن لم يصدق فليرَ ولينظر إليهم، هم يعبدون الدينار من دون الله، ولا تجد أبخل منهم في شعوب الأرض، وهم أمة قطع الله الأواصر والوشائج التي بينهم، يقف الإنسان صاحب السيارة المعطلة في الثلج من العشاء إلى ظهر اليوم الثاني ولا يجد من ينجده؛ خوفاً منه وخوفاً من البوليس وخوفاً من المتابعة.
شعب مبتور العرى ومقطوع الوشائج، وقد انخلع، وإذا انتهى الإنسان من (لا إله إلا الله) فما عليه؟! أصبحت أفعاله كلها ذنوب وخطايا، ولذلك قلت:
ورأيت أمريكا التي نسجوا لها أغلى وسامْ
قد زادني مرأى الضلا ل هوىً إلى البيت الحرامْ
وتطاولت تلك السنون فصار يومي مثل عامْ
ما أرضهم أرضٌ رأيتُ ولا غمامهمُ غمامْ
وعجبت للإنسان مبتور الإرادة والمصيرْ
يسعى بلا هدف ولا خير ولا هَدي منيرْ
مركوزة قدماه في ذل المرارة والسعيرْ
زيف من الهالات في قسماته شعب حقيرْ
إذاً: فاخلع من ذهنك هذا التصور: أنهم أوفياء أو أمناء أو صادقون، هم صادقون وأمناء إذا علموا أنهم سوف يجنون منك منفعة أو مصلحة؛ ولكن إذا علموا أنه ليس عندك منفعة لهم ولا مصلحة فلماذا يتقربون منك؟! حتى يحصل الواحد منهم على ثلاثين حسنة عند الله أو أربعين؟! هو لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، ولا بالجنة ولا بالنار، فهو شعب عميل يعبد الدرهم والدينار، وشعب متمرد على الله، وهو الذي أدخل الشهوات في أذهان المسلمين، ومكر بالأديان في الأرض، ولذلك:
فواحش قد أظلمت منها السما والأرض منهم أوشكت أن تقصما
يقدسون الكلب والخنزيرا ويبصرون غيرهم حقيرا
ما عرفوا الله بطرف ساعة ولا أعدوا لقيام الساعة
فهم قطيع كشويهات الغنم لهو ولغو وضياع ونغم
إلى آخر تلك الأبيات.
стр. 9576
من قصائد الشيخ عائض
السؤال
فضيلة الشيخ: إني أحبك في الله حباً لا يعلمه إلا الله، وسؤالي: بما أن هذا الوقت لقاء فأسمعنا من شعرك ما تملأ به النفوس؟ وجزاك الله خيراً.
الجواب
أحبك الله الذي أحببتني فيه، وحشرنا وإياك والسامعين في روضة من رياض الجنة، أما الشعر فهناك قصائد؛ لكن لا أدري هل هناك شيء محدد من القصائد؟ إلى الآن التي وصلت أربع طلبات، منها: قصيدة الشيخ ابن عثيمين، والطلبات كلها -والحمد لله- في المشايخ، وكأننا متخصصون في مدح المشايخ، ونسأل الله أن يجعل هذا في ميزان الحسنات وألا يجعل فيه رياء ولا سمعة، والمقصود أني لست بحاجة إلى أن أمدحهم وليسوا بحاجة إلى مدحي؛ لكن من باب أن يفهم الناس أنَّا نقدر العلماء وأهل العلم والفضل، فهنا في القائمة أربع قصائد، في الشيخ ابن باز، وابن عثيمين، وسياف، ورمضان.
أما الشيخ عبد العزيز بن باز فنبدأ به، وقد مر في بعض المناسبات أن بعض الإخوة كلمني أنه سوف يؤلف كتاباً يجمع فيه القصائد، اسمه: الممتاز في مدائح الشيخ عبد العزيز بن باز، قلت: حبذا لو أسميته نسيم الحجاز بالثناء على الشيخ ابن باز، وكلها سواء لكن بعضها يمتاز عن بعض، ولا بد من النسيم حتى يكون هناك ثناء عاطر، ويُطرح هذا الاقتراح، وأنا أستحسن قصيدة تقي الدين الهلالي في الشيخ ابن باز؛ لأنها جميلة، وهو محدث كبير ﵀، فأظنه وفد على الشيخ، وكان في الجامعة الإسلامية، فقال ما يقارب ستين بيتاً، يقول في مطلعها:
خليليَّ عوجا بي لنغتنم الأجرا على آل باز إنهم بالثنا أحرى
وزهدك في الدنيا لو أن ابن أدهم رآه رأى فيه المشقة والعسرا
إلى آخر القصيدة.
والمجذوب يقول:
روى عنك أهل الفضل كل فضيلة فقلنا حديث الحب ضرب من الوهم
فلما تلاقينا وجدناك فوق ما سمعنا به في العلم والأدب الجم
فلم أرَ بازاً قط من قبل شيخنا يصيد فلا يؤذي المصيد ولا يُدمي
وقصيدة البازية قلت فيها:
قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي فقمت أنشد أشواقي وألطافي
لا أبتغي الأجر إلا من كريم عطا فهو الغفور لزلاتي وإسرافي
عفواً لك الله قد أحببتُ طلعتكم لأنها ذكرتني سَيْر أسلافي
يا دمع حسبك بخلاً لا تجود لمن أجرى الدموع كمثل الوابل السافي
يا شيخ يكفيك أن الناس قد شُغلوا بالمغريات وأنت الثابت الوافي
أغراهم المال والدنيا تجاذبهم ما بين منتعل منهم ومن حافي
مجالس اللغو ذراهم وروضتهم أكل اللحوم كأكل الأغطف العافي
وأنت جالست أهل العلم فانتظمت لك المعالي ولم تولََع بإرجافِ
بين الصحيحين تغدو في خمائلها كما غدا الطل في إشراقه الضافي
تفتي بفتياك جهلاً مطبقاً وترى من دقة الفهم دراً غير أصدافِ
إلى آخر القصيدة.
ومنها:
أراك كالضوء تجري في محاجرنا فلا تراك عيون الأغلف الجافي
كالشدو تملك أشواقي وتأسرها في نغمة الوحي من (طه) ومن قاف
يكفي محياك أن القلب يعمره من حبكم والدي أضعاف أضعافِ
أما الشيخ ابن عثيمين فقد زرناه قبل عشرة أيام في عنيزة في بيته، وجاءنا قبل ثلاثة أيام في أبها، يداً بيداً، مثلاً بمثل، سواء بسواء، زارنا ليفيدنا، وزرناه لنستفيد منه، المقصد أن نوع البحر هذا الذي مدحت عليه الشيخ ابن عثيمين هو بحر مسبوك، يقول علي بن أبي طالب ﵁ على نوع هذا البحر والقافية:
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت بانيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الموت نبنيها
فاعمل لدار غداً رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن ناشيها
فقلت:
دنياك تزهو وما تدري بما فيها إياك إياك لا تأمن عواديها
تحلو الحياة لأجيال فتنعشهم ويدرك الموت أجيالاً فيفنيها
عارية المال قد ردت لصاحبها وأكنف البيت قد عادت لبانيها
والأينق العشر قد هضت أجنتها وثلة الورق قد ضجت بواكيها
واكتب على أرضهم بالدمع ملحمة من المحبة لا تُنسى لياليها
أرض بها العلم أو حاذق فطن يُروي بكأس من العلياء أهليها
عقيدة رضعوها في فتوتهم صحت أسانيدها والحق يرويها
ما شابها رأي سقراط وشيعته وما استقل ابن سينا في بواديها
ولـ ابن تيمية في أرضهم عَلَم من الهداية يجري في روابيها
إذا بريدة بالأخيار قد ظفرت يكفي عنيزة فخراً شيخنا فيها
محمد الصالح المحمود طائره البارع الفهم والدنيا يجافيها
له التحية في شعري أرتلها بمثل ما يرفع الأشواق مهديها
وأما سياف أو الإسعاف في إتحاف سياف:
سياف في ناظريك النصر يبتسمُ وفي محياك نور الحق مرتسمُ
وفيك ثورة إسلام مقدسة بها جراح بني الإسلام تلتئم
حطمت بالدم أصناماً محجلة وصافَحَتْ كفُّك العلياء وهي دمُ
ثأرت لله والدين الحنيف فلم يقم لثأرك طاغوت ولا صنمُ
على جبينك مِن سعد توقُّده وخالد في رؤى عينيك يقتحمُ
حلِّق إذا شئت فالأرواح طائرة فعن يمينك من عاهدتَ كلُّهمُ
وصغ من المهَج البيضاء ملحمة يظل يقرؤها التاريخ والأممُ
موتاً على صهوات البيد يعشقه أهل البسالة في عليائهم شمم
لا موتَ مَن تسهر اللذاتُ مقلتَه وحياته سيان في الورى والعجمُ
سياف خذ من فؤادي كل قافية تجري إليك على شوق وتستلمُ
قد صغتها أنت إسلاماً ومكرمة وفي سواك القوافي أشهر حرُمُ
كادت معاليك أن ترويك معجزة لكن تواضعك الأسمى لها كَتَمُ
كأنما أنت كررت الأُلَى ذهبوا هذا صلاح ومحمود ومعتصم
إلى آخر القصيدة.
ورمضان: أربعة أبيات:
مرحباً أهلاً وسهلاً بالصيامْ يا حبيباً زارنا في كل عامْ
قد لقيناك بحب مفعمٍ كل حب في سوى المولى حرامْ
فاغفر اللهم ربي ذنبنا ثم زدنا من عطاياك الجسامْ
لا تعاقبنا فقد عاقبنا قلق أسهرنا جنح الظلامْ
стр. 9577
حكم التكني بأسماء الصحابة
السؤال
ما حكم الكنية بأسماء الصحابة مثل: أبو حمزة، وأبو عمر، وليس له ولد بهذا الاسم، إنما تفاؤل؟
الجواب
الكنية بأسماء الصحابة من أشرف الكنى، والتكني وليس لك ولد جائز في الشريعة الإسلامية، وفي صحيح البخاري عن أنس ﵁ قال: ﴿دخل علينا رسول الله ﷺ فقال: يا أبا عمير! ما فعل النُّغَير؟﴾ وأبو عمير أخو أنس، كان طفلاً يلعب بطائر معه، صاده من ضاحية المدينة وربطه بحبل وتركه في البيت وقص جناحيه، ثم بعد فترة مات الطائر، فكانت مصيبة عند هذه الطفل الصغير؛ لأن الأحداث في أذهان الصغار أحداث عالمية كأنها الحرب العالمية الثالثة، فأراد ﷺ من باب الدعوة والدخول إلى قلوب الأطفال؛ لأنه حقاً يسبي القلوب ويشتريها.
محاسنه (هُيُولا) كل حُسْن و (مَغناطيس) أفئدة القلوبِ
ولذلك يقول الله : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] فأراد أن يقف على نفس مشكلة الحزن التي يعيشها هذا الطفل الصغير ليربيه على (لا إله إلا الله) وليس المقصود هو الطائر، فدخل ﵊ وقال: ﴿يا أبا عمير! ما فعل النُّغَير؟﴾ فلك أن تتكنى ولو لم يكن لك ولد.
وفائدة: بعض الزنادقة -نعوذ بالله- يقولون: المحدثون يروون أحاديث ليس فيها فائدة، مثل قوله ﷺ لقبيلة أسلم: ﴿أسلم سالَمها الله﴾ ولقبيلة غفار: ﴿غفار غفر الله لها﴾ ولأخي أنس: ﴿يا أبا عمير، ما فعل النُّغَير؟﴾ فما هي الفائدة من هذا؟ قال ابن حجر: ذُكِر عن الإمام ابن القاص الشافعي أنه استخرج من هذا الحديث الأخير أكثر من عشرين فائدة، وبعضهم أوصلها إلى ستين فائدة، منها:
- جواز الصيد في الحرم المدني.
- جواز اللعب بالطائر.
- جواز تكنية من لا كنية له.
- استحباب زيارة الأحباب والأقارب ولو كانوا أطفالاً.
- جواز المزاح.
- جواز السجع بلا تكلف.
إلى غير تلك الفوائد.
فلك أن تتكنى، والعرب تستشرف الكنية، ولذلك يقول شاعرهم:
أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسوءة اللقبُ
كذاك أُدِّبتُ حتى صار من أدبي أني وجدتُ ملاك الشيمة الأدبُ
فمن أحسن ما يزرع لك الود في صدر أخيك أن تقول: يا أبا فلان؛ يا أبا طلحة، يا أبا حمزة، كما فعل ﷺ يوم يربي الأجيال المتجهة إلى الله ويقول: يا أبا بكر، يا أبا حفص، يا أبا الحسن، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 9578
حكم التسمي والتكني باسم الرسول ﷺ وكنيته
السؤال
إذا تسمى العبد باسم الرسول ﷺ وتكنى بكنيته، فما الحكم؟
الجواب
هناك حديث يقول ﷺ فيه: ﴿تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي﴾ أو كما قال ﷺ ، وحديث عارَضه يقول: ﴿من أباح اسمي ومن حرم كنيتي﴾ أو كما قال ﷺ .
وأهل العلم على ثلاثة مشارب في هذا:
- منهم من منع التسمي والتكني مطلقاً.
- ومنهم من أجازهما بعد وفاة الرسول ﷺ .
- ومنهم من قال بجواز الكنية وحدها أو الاسم وحده، ولا يُجمَعان.
والصحيح أنها لا بأس بها إن شاء الله بعد وفاته ﷺ ، فإن الذي عُرف من قرائن النهي أن الرسول ﷺ كان يمشي حول مقبرة بقيع الغرقد، فنادى رجلٌ رجلاً: ﴿يا أبا القاسم! فالتفت ﷺ ، فقال الرجل: أريد فلاناً ولا أريدك يا رسول الله! فقال: تسموا باسمي ولاتكنوا بكنيتي﴾ أو كما قال ﷺ ، فلما مات ﵊ لنا في الظاهر أن نتسمى باسمه ونتكنى بكنيته، ووجد هذا في علماء الأمة كـ محمد بن أبي بكر الصديق وله ولد اسمه القاسم، وغيرهم كثير في علماء الإسلام ومجاهديه.
стр. 9579
هل البكاء في الصلاة من النفاق
السؤال
أخي الشيخ: بعد التحية والسلام، هل التباكي خلال الصلاة من النفاق؟ أرجو أن توضح لنا ذلك؟
الجواب
الله أعلم بنيتك، ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾ والله هو الذي يطَّلع على الضمائر والقلوب، فإن القلوب مكان نظر الرب ﵎، فالله أعلم، فإن تباكيت لله في صلاتك فلك ذلك؛ لكن بشرط ألا تخرج بعض الحروف أو لا تشوش على الناس، أو لا تقطع قراءتك إلا من بكاء لا بد منه، أما التباكي خارج الصلاة فوارد، ولك إذا قرأتَ القرآن ولم يأتك بكاء أن تتباكى؛ لكن لا تقصد بالبكاء غير وجه الله .
أُثر عن الحسن البصري في ترجمته: أن رجلاً بكى في مجلسه، فقال الحسن: والله ليسألنك الله يوم القيامة عن هذا البكاء، أقصدتَ به وجهه أم لا.
فالله الله في قصد الله في العمل، وأكثر ما يدخل الرياء والنفاق ومصانعة الناس من طريق البكاء؛ لأن الواحد قد يبكي ليظهر للناس أنه خاشع، وقلبه ليس بخاشع، فلا تبكِ إلا إذا غلبك البكاء، وإذا كنت وحدك فحاول أن تتباكى أو تبكي؛ لحديث: ﴿ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه﴾ قال: خالياً؛ لأنه أصدق وأخلص.
стр. 9580
كيفية الخلاص من قرناء السوء
السؤال
فضيلة الشيخ: إني أحبك في الله، إذا أتى أحدٌ من جلساء السوء يريد أن يجالسني ويسبب لي المشاكل، فماذا أفعل؟ هل أبتعد عنه؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.
الجواب
أنت أخبر بظرفك، فإذا جاءك جليس، وكان من المناسب وترى في نفسك أن تدعوه إلى الله فلا تذهب، وعليك باللين والمصابرة علَّ الله أن يهديه على يديك، فلا تظن أن الله طبع على قلوب الناس فلا يهتدون! فإن الله هدى أهل الضلالة وكثيراً من المشركين، وقد عبدوا الأصنام وزنَوا وبغَوا في الأرض وأفسدوا فيها كل الفساد، فأنت لا تتصور أن الله طبع على قلوب الناس؛ لكن تجلس وتحاول أن تؤثرفيه.
أما إذا جربت حالك معه، وأيست منه، فعليك أن تتهرب منه؛ لكن ليس بمقابلة الجفاء، إذا جلس تقوم مباشرة، أو إذا صافحك تسحب يدك، فالرسول ﷺ ما كانت معاملته مع الناس هكذا: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] والله يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] صافح الكفار، وصافح اليهود، والمنافقين ﵊ ودعاهم.
فاللين مطلوب، يقول : ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣] فعليك أن تحسن من خلقك بالبسمة وباللين؛ لكن الموادَّة شيء آخر، فلا تواده، ولا تحبه، أو تصانعه، أو تجامله، أو تزوره:
لكن إذا بُليتَ به فكن كأنك لَمْ تسمعْ ولَمْ يَقُلِ
حتى يجمِّل الله ويسد الحال.
стр. 9581
حكم الاحتفاظ بالصور للذكرى
السؤال
فضيلة الشيخ: حفظك الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما حكم من يحتفظ ببعض الصور للذكرى؟
الجواب
الصور كثر الكلام فيها، وكثرت فيها المؤلفات والفُتيا، وعرفتم أنتم الذي وقع من كثرة ما تُكُلِّم في الصور، الصور لا تجوز إلا لضرورة ملحة يحتاجها المسلم في حياته، أما صور الذكرى والتعظيم فهي محرمة، وهذا من أحسن ما قيل، وهذا الذي يظهر لي.
والله أعلم.
стр. 9582
الشرود في الصلاة لا يلزم منه سجود السهو
السؤال
الذي يفكر ويسرح في الصلاة ماذا يفعل؟ هل يسجد سجود سهو أم ماذا؟
الجواب
هذا عليه أن يتقي الله قبل أن يبدأ؛ لأن الهيام أو الشرود أو السرحان في الصلاة على أنواع:
ألا تفقه هل قرأت الفاتحة أم لا، وهذا عند كثير من أهل العلم يبطل الصلاة؛ لأنك لم تعرف أنك قرأت الفاتحة، ولم تعرف ماذا قلت.
أما أن يشرد قلبك وتأتيه خطرات فهذا لا يسلم منه أحد، ولا يمكن أن يتخلص من هذا الوارد؛ لأن الشيطان يأتي إذا أقيمت الصلاة فيوسوس ويقول للعبد: اذكر كذا، اذكر كذا.
أما سجود السهو فتسجده إذا تركت واجباً من واجبات الصلاة، أما أن تسهو أو تتذكر شيئاً في الصلاة فلا تسجد؛ لأنه لم يقم على ذلك دليل، والناس يبتلون بهذا، ولو كان هناك أثر لعُلِم ولنُقِل؛ لأن المصلين يبتلون دائماً بالشرود والنسيان والسهو في الصلاة والخطرات والواردات، وما سمعتُ في حد علمي أن هناك سجوداً له.
стр. 9583
الوسائل في نصح شارب الدخان
السؤال
كيف يكون النصح والإرشاد للإنسان الذي يشرب الدخان؛ لأن لدي أقارب يشربون الدخان وأحب أن أكون ناصحاً لهم؟
الجواب
يكون النصح بالوسائل التي يهديك الله إليها، أهمها: اللين: أن تلين بالتوجيه والتعليم، وأن تعطي المسألة حقها من الاهتمام والتوجيه.
لأن بعض الناس إذا أتى يدعو شارب الدخان أقام الدنيا وأقعدها على شارب الدخان وقال: ويلك من الله، ومن عذابه وغضبه ولعنته، حتى كأنه كفر بالله العظيم؛ لكن لا بد أن تأخذ كل مساحة من المعاصي حدها، وهو منهج القرآن، القرآن ذكر الشرك فذمه وعظَّمه وأكثر القول فيه، وذكر بعض الذنوب فأعطاها مساحتها وحقها؛ كالغيبة والنميمة وشهادة الزور.
فأنت عليك أن تقوم على هذا المنكر وتعرف أنه حرام، لكن لا بد أن تعرف أنك تتخاطب مع مسلم يقيم الصلاة ويخاف من الله ، فتخاطبه أن هذا حرام بالوسائل العلمية، بالكتب التي أُلِّفت في هذا المجال في ذم الدخان وفي تحريمه فتهديها له، أو تكتب له رسالة، أو تتصل به، أو تجلس معه وتبين له أضرار الدخان الصحية والمالية والنفسية والدينية، حتى تقنعه إقناعاً، أما الغضب فلا يقنع أحداً، فأنت تحرجه بالغضب وبالتهديد، فربما يجاملك يوماً من الأيام، ولكنه ما اقتنع، والدعوة تُبنى على الاقتناع.
стр. 9584
أسهل الطرق لحفظ العلم
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فضيلة الشيخ: أحبك في الله، ما أسهل طريقة لحفظ العلم؟ جزاكم الله خيراً.
الجواب
حفظ العلم، أوله: حفظ القرآن، ووسائل حفظ القرآن تكمن فيما يأتي:
الوسيلة الأولى: تقوى الله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] فإن مَن اتقى الله فتح الله عليه، وسهَّل له أموره، وحفَّظه ما تعلم.
الوسيلة الثانية: كثرة الاستغفار والتوبة: ذُكر عن ابن تيمية أنه يقول: إنها تصعُب عليَّ المسألة فأستغفر الله أكثر من ألف مرة -أو أقل- فيفتحها الله عليَّ.
والذنوب سبب للنسيان والذهول والشرود، فعليك أن تكثر من الاستغفار إذا أردتَ أن تحفظ، وقبل أن تحفظ، وبعدما تحفظ.
الوسيلة الثالثة: أن تقلل من المحفوظ: فلا تكثر على نفسك، فإن من أخذ العلم جملة ضيعه جملة كما يقول الزهري.
فلا يمكن أن تأخذ العلم في يوم أو يومين، أو أسبوع أو شهر، بل تأخذه قليلاً قليلاً، قطرة قطرة، وآية آية، وحديثاً حديثاً، فقلل من المحفوظ فهو أصل عظيم للحفظ.
الوسيلة الرابعة: أن تكرر ما تحفظ: كأن تأخذ أربع آيات أو خمس آيات فتكررها كثيراً خمسين مرة إلى مائة مرة قبل أن تنتقل إلى غيرها من الآيات.
الوسيلة الخامسة: أن تقرأ ما حفظت من القرآن في الصلوات والنوافل.
الوسيلة السادسة: أن تذاكر العلم الذي حفظته: كأحاديث حفظتها من رياض الصالحين أو بلوغ المرام فتذاكر زملاءك وإخوانك، وإن كان لك تلاميذ أن تعقد معهم جلسة؛ لأن العلم يحيا بالمذاكرة.
الوسيلة السابعة: أن تعمل بما علمت: ليحفظك الله ما تعلمت.
الوسيلة الثامنة: أن تحقق المسائل، فإنه حفظ للعلم، وتخرج وتنقح، وتؤلف إذا بلغت درجة التأليف.
стр. 9585
وقفة مع القلوب وأمراضها
السؤال
أرجو أن تتحدث عن أمراض القلوب وعلاجها مع الأدعية إذا أمكن؟
الجواب
أمراض القلوب على قسمين:
أمراض الشبهات، وأمراض الشهوات.
أمراض الشبهات في المعتقد.
وأمراض الشهوات في العمل.
أمراض الشبهات شك وريبة ووسوسة تصل إلى الزندقة والإلحاد نعوذ بالله من ذلك.
وأمراض الشهوات كحب المعاصي، كالزنا والسرقة، والاعتداء على الناس، والبغي في الأرض، والغيبة، وأكل الأموال المحرمة، هذه من الشهوات.
فأما علاج مرض الشبهات فالعلم واليقين، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] فاليقين عند الشبهات وعند الصبر الشهوات.
فأول ما أوصيك به: طلب العلم، قال ابن دقيق العيد: أصابتني وسوسة في بدء حياتي فسألت العلماء فقالوا: عليك بطلب العلم فطلبتُ العلم فأذهب الله عني الوسوسة -أي: الشبهات- فعليك بطلب العلم والجلوس مع العلماء وقراءة كتب السلف الصالح من كتب الحديث والتفسير والفقه ليُذهب الله عنك مرض الشبهة.
وأما علاج مرض الشهوة فبالصبر بعد إحسان صلاة الفريضة ظاهراً وباطناً، والتزود بالنوافل، وكثرة الدعاء والذكر وتدبر القرآن، هذه إن شاء الله تذهب مرض الشهوات.
والدعاء الذي أنصحك به هو:
ما ثبت في صحيح مسلم: عن عائشة أن الرسول ﵇ كان يدعو ويقول: ﴿اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم﴾.
وكان من دعائه: ﴿يا مثبت القلوب! ثبت قلبي على دينك﴾.
ومن دعائه أيضاً: ﴿يا مصرف القلوب والأبصار! صرِّف قلبي على طاعتك﴾ أو كما قال ﵊.
وقوله: ﴿اللهم اهدني وسددني﴾.
وقوله: ﴿اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي﴾.
وقوله: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾.
وقوله: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب﴾.
وأسأل الله لي ولكم جميعاً أن يتقبل منا ومنكم، وأن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت حتى نلقاه إنه على كل شيء قدير.
стр. 9586
أريد أن أكون شاعراً
السؤال
يقول السائل: إذا أردتُ أن أكون شاعراً في الإسلام، فماذا أفعل؟
الجواب
الشعر لا يأتي بالقوة وبالعصا، ولكن بالموهبة، فمن كانت عنده موهبة فلينمها، ومن كان غير ذلك فليُرح نفسه؛ لأن كثيراً من أهل العلم ومن السلف الصالح ومن الصحابة لم يكونوا شعراء، وإنما بذلوا بما أعطاهم الله ، ولذلك بعض العلماء يرى أن الشعر يزري بالعلماء وطلبة العلم، حتى يقول الشافعي:
ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد
فبعضهم يرى أنه خفة وطيش وأنه يزري؛ لكن الصحيح أنه إذا اقتُصِد فيه ووُجِّه للدعوة الإسلامية وخدمة العلم، فهو -إن شاء الله- في خير، أما إذا أردت أن تكون شاعراً فاتبع الآتي:
الأمر الأول: إن كانت عندك موهبة فنَمِّها بالاطلاع وبكثرة محفوظ الشعر، يقولون: أن تحفظ آلاف الأبيات من الشعر، وخاصة الشعراء الذين أجادوا كـ المتنبي وأبي تمام وجرير والبحتري ومن كان في طبقتهم.
الأمر الثاني: أن تقرض الشعر وأن تقلل من قرضه، حتى تعتمد على الكيف لا الكم؛ لأن بعض الشباب إذا بدءوا في الشعر خصصوا كل يوم عشر دقائق فقط، فتأتي مهزوزة، فهو لا قرأ في الأدب ولا اطلع، وإنما يُشْعِر دائماً بدون قواعد، وبعد سنوات ينتهي، فالمقصد أن تطالع كتب الأدب كثيراً، ولا يشغلك الشعر عن العلم؛ لكن يكون له أوقات، وذُكر في الأدب: أن شعراء اجتمعوا عند نهر، فقال أحدهم: ما رأيكم لو أن كل واحد منا يصنع بيتاً في هذا المقام، وكان معهم رجل ليس بشاعر، فنَظَم كلٌّ منهم بيتاً وأَلَحُّوا على هذا الذي ليس بشاعر أن يأتي ببيت، فلما ألَحُّوا قال:
كأننا والماء من حولنا قوم جلوس حولَهم ماءُ
انظر ما أحسن هذا الأسلوب، والبيان، والبديع!! فبعض شعر الناس من هذا القبيل، حتى ذكر ابن عبد ربه في العقد الفريد أن بعضهم يقول:
الليلُ ليلٌ والنهارُ نهارُ والأرض فيها الماءُ والأشجارُ
ظاهر البيت بيت، ليس مكسوراً، هو بيت شعر؛ لكنه لا يحمل أي معنى جديد.
فالشعر يعتمد على أربعة أمور:
أولها: البحر: وبحور شعر العرب ستة عشر بحراًً، وزاد الأخفش بحراً فصارت سبعة عشر بحراً.
ثانيها: القافية: أن يكون على قافية، فلا يأتي المرء بالراء ثم ينتقل إلى الشين ثم إلى الطاء ثم إلى الخاء ثم إلى الجيم، فهذا لعب.
ثالثها: الأسلوب: فإن النَّظْم شيء والشعر شيء آخر، وابن مالك عندما يقول:
قال محمد هو ابن مالك أحمد ربي الله خيرَ مالكِ
ولا يجوز الابتدا بالنكرة ما لم تفِد كـ (عند زيد نمرة)
فإنما هو نَظْمٌ وليس بشعر، لكن الشعر مثل قول المتنبي:
وقفتَ وما في الموت شك لواقفٍ كأنك في جفن الردى وهو نائمُ
تمر بك الأبطال كلمى هزيمةً ووجهك ضحَّاك وثغرك باسمُ
فهذا الأسلوب لا بد منه.
رابعها: الخيال: فلا بد أن يكون عند الشاعر خيال يتخيل الأمور، فما يقول: لا الشمس شمس، ولا المسجد مسجد، ولا الميكرفون ميكرفون، هذه أمور مسلَّمة؛ لكن يأتي بصورة بديعة، مثل قول بشار بن برد:
كأن مثار النقع فوق رءوسنا وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبُه
أو كقول امرئ القيس:
مُكِرٌّ مُفِرٌّ مُقْبِلٌ مُدْبِرٌ معاً كجلمود صخر حَطَّه السيلُ مِن عَلِ
إلى غير تلك التشبيهات، فهذا الخيال لا بد منه.
ولذلك تجد الآن شعراً في الساحة، ليس فيه خيال ولا أسلوب ولا روي ولا قافية، وإنما هو كلام عادي، وإذا أراد أن يُسَمَّى شاعراً أتى بأمور إذا سألتَه هو عن معانيها ما استطاع أن يجيبك، يقول: هذه رموز ومصطلحات لا يدركها الناس العاديون، وربما كان مستواه أضعف من مستواك، حتى يجعلك تقول: بارك الله فيك، فتح الله عليك، أنا ما أردت هذه القصيدة؛ لأنه يقول:
في وهج الليل سرحتُ
ونمتُ في جنح الضحى
ثم سقط عليَّ الشاطئ بلمعانه
وإذا بريق الشمس فوق حاجبي
فماذا أفعل؟
فإذا قلتَ: بارك الله فيك، استنبط لنا من هذه الكنوز ومن هذه البضاعة، قال: لا.
أنت مستواك ضعيف، عقلك ما بلغ إلى هذا الرقي العلمي.
فنقول له، جزاه الله خيراً: يبقى هو وبضاعته وسوف يثبت المتنبي وأبو تمام وجرير عنه أنه شاعر فحل!
стр. 9587
شعر في أهوال يوم القيامة
السؤال
الشيخ عائض: إني أحبك في الله، هل نظمت شعراً في أهوال الآخرة؟ فإن كان الجواب نعم فأرجو منك أن تسمعنا شيئاً من ذلك.
الجواب
عندي القصيدة التي مضت (الدمعة الخرساء) هي من ذكر أهوال الآخرة:
دنياك تزهو وما تدري بما فيها إياك إياك لا تأمن عواديها
تحلو الحياة لأجيال فتنعشهم ويدرك الموت أجيالاً فيفنيها
عارية المال قد ردت لصاحبها وأكنف البيت قد عادت لبانيها
والأينق العشر قد هضت أجنتها وثلة الورق قد ضجت بواكيها
يا رب نفسي كبت مما ألم بها فزكها يا كريم أنت هاديها
إلى آخر القصيدة، هذا ما يحضرني أني نظمت فيه، لكن لَمَّا ذكرني فمن أعظم ما قرأتُ صراحةً في أهوال الآخرة قصيدة لأحد الشعراء في عهد نور الدين، وهو المؤسس -حقيقةً- لدولة بني أيوب أو الأكراد، وهو من العلماء والفضلاء والزهَّاد، حتى يقال: إنه سادس خلفاء الإسلام، كان من أعدل الناس، وكان يصلي الليل إلا قليلاً، ويصوم أكثر الأيام، ولا يسمع الموعظة إلا بكى، وجاهد في سبيل الله حتى أتته جروح وشروخ في أرجله من كثرة ما ركب الخيل، عمل مهرجاناً في دمشق، مهرجاناً حافلاً كبيراً، حضره أمراؤه ووزراؤه وقوّاده وجيشه والناس، فأتى هذا العالم والناس قد اكتضوا في المهرجان فوقف أمام نور الدين محمود فألقى قصيدة كأنها تتقطع من القلب، يقول لـ نور الدين هذا:
مثِّل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور
إن قيل نور الدين جاء مسلماً فاحذر بأن تأتي ومالك نور
حرمت كاسات المدام تعففاً وعليك كاسات الحرام تدور
إلى أن يقول:
هذا بلا ذنب يخاف لهوله كيف المصر على الذنوب دهور
قصيدة مما تقارب أربعين بيتاً، فلما قالها قيل: أغمي على نور الدين محمود، فسقط من على كرسيه على الأرض مغشياً حتى رُشَّ بالماء، وكان يقول: هي أول توبتي في الإسلام.
ومن أحسن ما قرأتُ كذلك من الشعر في الدار الآخرة قصيدة للشاعر الكبير ابن عثيمين الذي توفي قبل سنوات، وقد رَثى علاَّمة من علماء نجد اسمه عبد الله العجيري، يقول في قصيدته وهي مَرْثِيَّة محزنة:
هو الموت ما منه ملاذٌ ومهربُ متى حُطَّ ذا عن نعشه ذاك يركبُ
نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها وعلَّ الرجا مما نرجيه أقربُ
ونبني القصور المشمخرات في الهوا وفي علمنا أنا نموت وتخربُ
نشاهد ذا عين اليقين حقيقة عليه مضى كهل وطفل وأشيبُ
ولكن علا الرانُ القلوبَ كأننا بما قد رأيناه يقيناً نكذِّبُ
إلى الله نشكو قسوة في قلوبنا وفي كل يوم واعظ الموت يندبُ
إلى آخر تلك القصيدة.
стр. 9588
من تاب تاب الله عليه
السؤال
أنا شاب ابتليت بصحبة سيئة، ووقعت في بعض المحرمات والكبائر، فما هو السبيل للرجوع إلى الله؟ وهل إذا تبتُ تُقبل توبتي؟
الجواب
سبحان الله! لا تُقْبَل توبتُك وقد قُبِلَت توبةُ المشركين الذين عبدوا الأصنام والأوثان من دون الله، وزنوا، وسرقوا، وكذبوا، وفجروا، وألحدوا؟! لا.
بل أنت من أحب الناس إذا تبت إلى الله : ﴿للهُ أفرحُ بتوبة عبده من أحدكم كان على راحلته عليها طعامه وشرابه فضلَّت منه فوجدها فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح﴾ ونداء الله للناس صباح مساء: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] وقوله جل ذكره: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
وعند مسلم عن أبي موسى ﵁ قال: ﴿قال رسول الله ﷺ : إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها﴾.
وعند مسلم عنه ﷺ أنه قال: ﴿والذي نفسي بيده، لولم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم﴾.
وعند مسلم عن معاذ ﵁ في الحديث القدسي: ﴿يا عبادي! إنكم تذنبون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم﴾.
وورد عنه ﷺ عند الترمذي أنه قال: ﴿كل ابن آدم خطَّاء، وخير الخطَّائين التوَّابون﴾.
فنسأل الله أن يتوب علينا وعليك، فإذا تبت فأكثر من الاستغفار، وافعل من الحسنات ما تكفِّر السيئات: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] ﴿وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد:٢٢] ثم عليك أن تجانب جلساء السوء فلا تجلس معهم، إلا أن ترى أنك تستطيع أن تحولهم وتُقْبِل بقلوبهم على الله فلك ذلك.
شروط التوبة:
الأول: أن تعزم على ألا تعود إلى ما كنت تفعل.
الثاني: أن تندم على ما فعلت من المعاصي.
الثالث: أن ترد حقوق الناس إن كانوا من أهل الحقوق؛ كأخذ مال، أو غصب ملك، أو انتهاك عرض، عليك أن ترد هذه الحقوق إلى أهلها إن استطعت، وإن رأيت أن ثمة مضرة أو أنه سيجلب عليك بعض الأمور التي لا تُحمد عقباها، فعليك أن تتصدق به على نية صاحبه إذا كان مالاً، والله يتولانا وإياك.
جزى الله الشيخ خيراً على تفضله لإجابة الأسئلة، ونسأل الله أن يجعلها في موازين أعماله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 9589
من عوامل النصر والهزيمة
إن الأمة الإسلامية اليوم تعيش هذه المرحلة الحرجة الموسومة بالضعف والهوان بعيدة عن النصر وذلك لأسباب عديدة، وكما أن النصر لابد له من عوامل فكذلك الهزيمة لابد لها من أسباب، فمن عوامل النصر والهزيمة ما تجدونه في طيات هذا المادة.
стр. 9590
موجز في عوامل النصر والهزيمة في الأمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، أما بعد:
هذه المحاضرة بعنوان: من عوامل النصر والهزيمة، وعناصرها كما يأتي:
عوامل النصر:
طلب الشهادة.
رفع راية الجهاد.
القتال لتكون كلمة الله هي العليا.
الشجاعة الإيمانية.
الدعاء واللجوء إلى الواحد الأحد.
التوكل على الله ﵎.
الإعداد: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠].
التوبة النصوح، وترك الخطايا والذنوب.
تسخير وسائل العلم والإعلام لخدمة الدين.
إصلاح المناهج الدراسية.
إقامة القسط وتوخي العدل.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعوامل الهزيمة:
عدم الثقة بالله ﵎.
الاغترار بالكثرة والقوة.
الإرجاف وتصديق الشائعات.
التخذيل في صفوف الذين آمنوا.
الترف والترهل.
اشتغال الأمة بالتوافه.
ضعف الهوية الإيمانية.
الإسراف في المباحات الملهية.
اهتمام الأمة بصغار المسائل على حساب كبارها.
عدم ربط الأمة بعلمائها.
التنازع والاختلاف.
النفاق في الأمة؛ النفاق الاعتقادي والنفاق العملي.
стр. 9591
عوامل النصر في الأمة
إذا عاش الناس لحظات الصفر، وهم يلقون مناياهم فما علينا؟ وما نحشد لهذه الأحداث، إلا كما يحشد لها الذين آمنوا ولبسوا أكفانهم في بدر وأحد، وعين جالوت، وحطين وأنتم أبناؤهم "ومن يشابه أبه فما ظلم".
نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثلما فعلوا
والله يقول: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠] ويقول : ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤].
فالمسلم يموت والكافر يموت، ولكن المسلم ترفع روحه إلى الحي القيوم: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].
ونريد أن نخبر الناس في هذه الفترة الحرجة أنا أبناء الذين فتحوا ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، بلا إله إلا الله، وأنا أبناء الذين أتوا إلى معركة أحد، وقد لبسوا الأكفان واغتسلوا، ويقول أحدهم: [[اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى]].
وأنَّا أبناء عقبة بن نافع الذي وقف في صحراء أفريقيا في الغابة، وقال: أيتها الوحوش والحشرات، ادخلي جحوركِ فإنّا أصحاب رسول الله ﷺ جئنا نفتح الدنيا.
فلماذا نخاف الموت والله يقول: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة:٥٢] هكذا ربانا رسول الهدى ﵊.
رسول الهدى بستانك اليوم أخضر وذكراك عصفور من القلب ينقر
أتسأل عن أعمارنا أنت عمرنا وأنت لنا التاريخ أنت المحذر
تذوب شخوص الناس في كل لحظة وفي كل يوم أنت في القلب تكبر
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] يقول أحد العلماء: متناً وسنداً، فنحن أمة الوحي، أمة تتلقى تعاليمها من الله، وترتفع أرواحها إلى الله، وتعيش لله، وهي أمة الخلافة في الأرض، متى ما تمسكت بالدين كانت شجاعة، فَلِمَ الخور والجبن؟
يقول أحد الشجعان في إحدى المعارك:
لترم بي المنايا حيث شاءت إذا لم ترم بي في الحفرتين
يقول: ترمي بي المنية حيث شاءت إلا في حفرة النار، نار جهنم، ويقول: أقدم جمجمتي؛ لترتفع لا إله إلا الله.
الطرماح بن حكيم، وهو أحد الصحابة، كان يبتهل إلى الله -يوم أن كانت الأمة تصدر من الإيمان، يوم أن كانت تشرب ماء زمزم، يوم كانت عند الركن والحطيم -يقول:
أيا رب لا تجعل وفاتي إن أتت على شرجع يعلى بخضر المطارف
ولكن شهيداً ثاوياً في عصابة يصابون في فج من الأرض خائف
إذا فارقوا أوطانهم فارقوا الردى وساروا إلى موعود ما في المصاحف
يقول: يا رب لا تقتلني على فراشي، لا تجعلني أموت حبطاً في المستشفى، في غرفة الباطنية، كما ماتت الأمة حبطاً من كثرة ما أكلت وشربت، وأصبح عندنا شهداء البطون، هم أهل غرف الباطنية، وأصبح المستشفى الواحد يرحب بالمرضى، ولكن من بطونهم لا من جماجمهم، فيقول:
ولكن شهيداً ثاوياً في عصابة يصابون في فج من الأرض خائف
﴿مد ابن رواحة يده إلى الرسول ﵊، ثم قال يا رسول الله! على ماذا تبايعنا؟ -في العقبة - قال: أن تنصروني وتحموني مما تحموا منه نساءكم وأهليكم وأطفالكم، قال: فإذا فعلنا ذلك؟ قال: لكم الجنة -ولم يقل لكم الدنيا- قال: ربح البيع، والله لا نقيل ولا نستقيل﴾.
يقول أحد الصحابة يوم أن رباه رسول الهدى ﵊، على بذل النفس في وقت الخطر:
إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا صدود الخدود والكرام المناكب
صدود الخدود والقنا متشاجر ولا تبرح الأقدام عند التضارب
стр. 9592
الأول: طلب الشهادة
أول عامل من عوامل النصر: طلب الشهادة، وتسليم النفس لمن خلقها، وهي وديعة عندك تتحرى لحظة الصفر لتقدمها لمن أودعها، والله يقول للنفس: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر:٢٨].
ولا يرجع الشيء إلا بلبيك، فبدأت من الله ولا تعود إلا إلى الله، والله يقول في صك المعاهدة الذي وقع عليه أهل بدر وأحد، وأهل الأحزاب، والقادسية واليرموك: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١].
وفي صحيح البخاري أن رسول الهدى ﵊ يقول وقد شرفه الله بالرسالة أعظم من الشهادة، يقول: ﴿والذي نفسي بيده، لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل﴾ ولذلك قادهم وفتح المستعمرات والقلاع، وخطب أصحابه على منابر الأندلس، وصلوا إلى السند، وذهبوا إلى بخارى، محمد ﵊ هو واجهة الأمة.
هذا الرجل العظيم بأبي هو وأمي، يأتي في معركة بدر فيقود المعركة بنفسه، ويحضر أحداً فيتدرع بدرعيه، ويقاتل، ويقول الله له ليكون قدوة للأمة في الشجاعة والمحاربة: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء:٨٤] يفر بعض أصحابه وجيشه في غزوة حنين وهو في خط النار -في الخط الأول- فلا يفر، بل يستل السيف وينزل من على البغلة، ويقول:
أنا النبي لا كذب أنا بن عبد المطلب.
فحياه أحد شعراء العروبة ولو أنه قومي، لكن هزته شجاعة الرسول ﵊، فقال:
أنت الشجاع إذا لقيت كتيبة أدبت في هول الردى أبطالها
وإذا وعدت وفيت فيما قلته لا من يكذب قولها أفعالها
كان يضرب ألف مقاتل مع مالك بن عوف النصري من هوازن، أخذ التراب وقال: ﴿شاهت الوجوه﴾ فما بقيت عين إلا دخلها التراب، وصمد للمعركة حتى انتصر انتصاراً باهراً.
يقول علي بن أبي طالب وهو من أشجع الناس، لكن شجاعته تلاشت في شجاعة الشيخ الكبير والأستاذ الجليل، يقول: [[كنا إذا اشتد بنا الخطر وحمي الوطيس، اتقينا برسول الله ﷺ فكان أقربنا من القوم والحرب]] ولذلك تربت الأمة على الشجاعة، ودلفت كتائبه إلى نهر دجلة والفرات والنيل تبايع الله وتفتح الدنيا بلا إله إلا الله، وأصبح الصحابي الواحد منهم يكبر فينصدع الإيوان، وينهدم القصر، وتنفتح القلعة.
تعال يا من حاله في وبال وروحه مغروسة في عقال
يا راقداً لم يستفق عندما أذن في صبح الليالي بلال
روض النبي المصطفى وارفٌ أزهاره فاحت بريا الجمال
معاذ بن عفراء في الخامسة عشرة من عمره، وأهل الخامسة عشرة اليوم يشترون اللاصق ويضعونه على النوافذ، ويغمى عليهم قبل أن يأتي الكيماوي؛ لأن الجبان يموت باليوم ألف مرة، والشجاع لا يموت إلا مرة واحدة.
معاذ بن عفراء يدخل المعركة وهو في الخامسة عشرة يقول: أين أبو جهل؟ قالوا: ذاك، فلما بدأ الهجوم، وأعلنت حالة الطوارئ، وبدأ السيف يقطر من الدماء، انطلق هو وأخوه على أبي جهل فجعلوه شذر مذر، ويعود بسيفه لا طائشاً ولا رعديداً ولا جباناً، ويقول: يا رسول الله! أنا قتلته، ويقول أخوه: أنا قتلته، فيتبسم القائد العظيم، ويحيى الجيل الخالد، جيل القرآن، ويقول: ﴿كلاكما قتله﴾.
متى كانت هذه الأمة أمة ساقطة تخاف الموت، أمة ترى في المنام الموت وهي تود أنها بالأعراب، أو تجد مغارة أو مدخلاً تولي عن نفوس المستعمر، أو عن اليهودي، أو عن الماركسي؟ متى كانت كذلك إلا يوم أبطلت طلب الشهادة.
خرج ابن رواحة من مسجده ﵊ يقاتل في مؤتة، فقال الصحابة: يعود إلينا ابن رواحة بالسلامة، قال: لا.
لا يريد السلامة، ما خلق إلا ليقتل، وما رفع الرأس فوق الرقبة إلا لينسف، لكن في سبيل الله، أبناء شامير وأبناء ديكسمان، يقتلون في سيناء تحت الدبابات المصرية من أجل راية النمرود.
البلاشفة الحمر يقتلون في أفغانستان من أجل راية لينين واستالين.
وأنتم أحفاد صلاح الدين! وطارق بن زياد، ومحمود بن سبكتين! فيقول ابن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة وطعنة ذات فرع تقذف الزبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي يا أرشد الله من غاز وقد رشدا
فيقتل في المعركة ويمر الصحابة ويسلمون على قبره ويبكون ويقولون: يا أرشد الله من غاز وقد رشدا، هذه هي الحياة.
علي بن أبي طالب يأتي في صفين، فيتبسم لما رأى قرينه يبارزه، فوضع الدرع من على جنبه، يعني من الشجاعة، يقول: أبارزك وأنت عندك درع وأنا بلا درع، ثم يقول:
أي يومي من الموت أفر يوم لا يقدر أم يوم قدر
يوم لا قدر لا أرهبه ومن المقدور لا ينجو الحذر
أما يقتل في اليوم الواحد العشرات بحوادث السيارات؟ أما سمعنا أن بعض الناس أكل عصيداً حاراً فتفجر في بطنه، أو نشب عظم في حلقه، فمات شهيداً على الفراش، أو جلس في المسرح وهو ينشد أغنية ليحيي بها الأمة الهامدة! أو يقدم مسلسلاً فزلق من على المسرح فوقع على أم رأسه فمات؟!
لقد ذهب الحمار بأم عمرو فلا رجعت ولا رجع الحمار
سعد بن الربيع يدبج دمه في المعركة ويقول له سعد بن معاذ: ماذا تريد يا سعد بن الربيع؟ وهو من أهل الآخرة، قال: [[أبلغ رسول الهدى ﵊ مني السلام، وقل جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمته، والذي نفسي بيده لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً]] وهذا قبل أن يلقى الجنة، لكن رأى العلامات: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠].
فطلب الشهادة إذا رسخ في الأمة، وأصبح يعيش معها في أدمغتها، وتفكيرها، ومشاعرها، أصبحت أمة شجاعة، لا تخاف، ولا تجزع ولا تخرج إلى البوادي، لا تتدثر بالألحفة والأغطية، لأنها أمة سلاح.
стр. 9593
الثاني: رفع راية الجهاد
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤] مثل صفوف الصلاة، يقول محمد إقبال:
نحن الذين إذا دعوا للصلاتهم والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا
يقول: إذا حان أذان الظهر أو العصر ونحن في المعركة، أوقفنا القتال، وهذه هي صلاة الخوف، التي في الصحيحين.
جعلوا الوجوه إلى الحجاز وكبروا في مسمع الروح الأمين فكبرا
يقول: نحن إذا لقينا المعركة، وأذن المؤذن كبرنا واستقبلنا الحجاز إلى الكعبة، فإذا كبرنا كبر جبريل في السماء، فارتفع تكبيرنا إلى الواحد الأحد: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠].
ولكن الأمة يوم خانت حيّ على الصلاة، خانت حيّ على الكفاح، ولما خانت صلاة الفجر، ولم تصل صلاة الفجر في الجماعة، خانت الجبهة، ولم تستطع أن تصمد صموداً هائلاً يسمع به الناس وتسمع به إسرائيل وروسيا ومن وراءهما.
ولكن الأمل في الله، ثم فيكم أنتم يا أهل صلاة الفجر، لا نوم بعد الفجر.
أتنام يا خدن العقيدة كيف تغفو يا أخاه
أتنام والفجر الجميل إذا تبدى في حياه
الليل ولى هارباً يخشى الأذاة الطغاه
رفع راية الجهاد في سبيل الله، بأن تُدَرَّس أبواب الجهاد، وتُعلن صريحة على الناس.
كان المسلمون في القرن الثالث والرابع -لما تلقوا هجمات عاتية- يدرِّسون كتب الجهاد، ويوزعون أحاديث الجهاد، وتكون الخطب في الجهاد، فعلى خطباء الجُمع، وعلى الأئمة والعلماء أن يحركوا وازع الجهاد في سبيل الله، والجهاد أميت في العالم الإسلامي، فتولت الأمة خطيئة ما سمع الدهر بمثلها.
أصبحنا ندافع، وأصبحنا نقول: ليس لنا أطماع في بلاد الله، كيف وإسرائيل تقطن بيت المقدس؟ كيف وجرباتشوف موسكو ليست له؟ كيف وأعداء الله يرثون في الدنيا، لا.
الدنيا للمسلمين كما قال تعالى: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] الدنيا ليست لهؤلاء الزنادقة العملاء، هم دخلاء في الدنيا، الواجب تطهيرها منهم، نعم لنا أطماع، لنا أن نزيحهم تماماً، وأن نملأ أفواههم تراباً، وأن نرفع راية الجهاد راية لا إله إلا الله.
إن العلمنة أوحت للأمة أنه لا يجوز للمسلم أن يعتدي حتى على الكافر، وليبقى الكافر يعايش المسلم، ويسمون المعايشة إنسانية، هذا الأمر لا يمكن بالمنطق، أتعايش شامير وجرباتشوف وأذنابهم وعملاءهم وتبقى ويبقى البعث؟! لا.
فلا بقاء للكفر في الأرض مادام هناك لا إله إلا الله، ولا إله إلا الله، من مبادئها تكون أو لا تكون البشرية، تبقى أو لا يبقى أحد.
لأنها كونية التعاليم، ربانية المغفرة، ولا إله إلا الله كلمة خطيرة، ما دمر قوم نوح بالغرق إلا من أجل لا إله إلا الله، ولا أتت الصيحة إلا من أجل لا إله إلا الله، ولا جيئ بالجنة والنار إلا من أجل لا إله إلا الله، وراية الجهاد.
стр. 9594
الثالث: القتال لتكون راية الله هي العليا
نحن حقيقة لا نقاتل من أجل وطنية، والوطنية نزعة شركية تعبد من دون الله، وإلا فوطني كل أرض ذكر فيها اسم الله، كابول وطني صنعاء وطني، بغداد وطني، الكويت وطني الجزيرة وطني:
في الشام أهلي وبغداد الهوى وأنا بـ الرقمتين وبـ الفسطاط جيراني
وأينما ذكر اسم الله في وطن عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني
لم يكن لنا حدود يوم ملكنا الدنيا، كان عمر في المدينة يحكم اثنتين وعشرين دولة، وكان هارون الرشيد يحكم ثلاثة أرباع آسيا، وكان المعتصم يهدد حدود بلغاريا الآن.
كان من طموحات عمر بن عبد العزيز، أن يفتح ما وراء سيحون وجيحون، لماذا؟ حتى تطبق لا إله إلا الله في الكرة الأرضية.
لأن هؤلاء الحشرات إما يحرقون أو إلى النفايات، لأن الأرض من خلقها؟ الله، ومن خلق الذي عليها؟ الله.
وماذا يريد الله من الخليقة؟ ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ [يس:٦١] لا إله إلا الله، نريد أن ترسخ في قلوب الناس.
جاء رجل كما في الصحيحين إلى الرسول ﷺ وقال: ﴿يا رسول الله! الرجل يقاتل رياء، ويقاتل سمعة، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال ﵊: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله﴾ أتقاتل من أجل أمتار من الأرض، أو سيارة، أو منصب.
ألا بلغ الله الحمى من يريده وبلغ أكناف الحمى من يريدها
قتل أحد الناس في عهد الرسول ﵊ فقال الصحابة: هنيئاً له الجنة يا رسول الله! قال ﷺ : ﴿كلا والذي نفسي بيده إن البردة التي غلها تتلظى عليه في نار جهنم﴾ لأنه سرق بردة، غلها من الغنيمة، فأخذها فكانت حظه من الجهاد.
وخرج أحد الأبطال من المدينة، يقاتل مع رسول الله ﷺ في أحد فحمل السيف، وما ترك شاذة ولا فاذة إلا أتبعها بسيفه يضربها ثم أصابه جراح في رأسه حتى وصل عضده، فجزع فاتكأ على سيفه حتى خرج من ظهره، فلم يعرف الصحابة لماذا قتل، ومتى قتل، فقالوا: هنيئاً له الجنة، قال ﷺ : ﴿كلا والذي نفسي بيده إنه من أهل النار﴾ فذهبوا فوجدوه قد قتل نفسه.
إن القتال من أجل أن تكون لا إله إلا الله أعلى وأجل، من أجل أن تسيطر لا إله إلا الله في الأرض، وأن تكون إياك نعبد وإياك نستعين هي التي توجه الناس، وتوجه الشعوب والأمم والدول.
стр. 9595
الرابع: الشجاعة الإيمانية
الرسول ﷺ ربى أصحابه على حالة الاستنفار، فالترهل والكسل، والجبن والخور لا يعرفه أحد منهم، يصعد المنبر ويخطب، ويمسك السيف في أول أيامه، يعلن حالة الاستنفار والحرب على أبي سفيان من على المنبر، أعلنه يوم الجمعة، فيستشير الصحابة ﷺ وهو على المنبر وهم جلوس -كانوا أحياناً يصلون بالسيوف- فيقول: ما رأيكم نقاتل أبا سفيان في المدينة أو نخرج له؟
وكان يريد ﷺ أن تكون المعركة داخل المدينة؛ لأن حرب المدن دائماً المدافع ينتصر بإذن الله على المهاجم، وهذا هو الرأي الصحيح، قال: تكون الحرب داخل المدينة، حتى يقتل أبو سفيان وجيشه في الأزقة وفي المنحنيات، وفي مجامع الطرق، فصوت كبار الصحابة على هذا الرأي، ودخل مالك بن سالم من الأنصار، شاب في العشرين من عمره، وعليه ريشة نسر وقد سل سيفه وقال: ﴿يا رسول الله! اخرج بنا إلى أحد أيسبي أبو سفيان سبايانا ويأخذ غنمنا ونقاتل داخل المدينة، يا رسول الله! لا تحرمني دخول الجنة، فو الذي نفسي بيده لأدخلن الجنة﴾ ذكرها ابن إسحاق.
فقال ﷺ وهو يتبسم على المنبر من هذه الحرارات والتوقدات، قال: ﴿وبم تدخل الجنة؟ قال: بخصلتين قال: ما هما؟ قال: أحب الله ورسوله، ولا أفر يوم الزحف﴾ فيخرج ﷺ إلى أحد ويدير المعركة على رأس أبي سفيان، وهكذا سلّم ﷺ راية الجهاد على المنبر لـ عمرو بن العاص، وسلّمها لكثير من المقاتلين، وقال على المنبر: ﴿وأخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه﴾.
فالقرارات العسكرية كان يعلنها ﷺ يوم الجمعة، ولم تكن خطب الجمعة تقتصر على الغسل من الجنابة فقط، ولا على التيمم ولا تحريك الأصبع، لا.
خطب الجمعة للا إله إلا الله، وإماطة الأذى عن الطريق، في الاقتصاد، والأدب، والحياة، هي لعالم الغيب والشهادة، هكذا أرادها ﵊.
الشجاعة الإيمانية، مثل خالد، كان يصلي بالمسلمين في اليرموك، وكان جيشه أقل من ثلاثين ألفاً، وجيش الروم ما يقارب ثلاثمائة ألف، انظر الفارق، عشرة أضعاف، قال: [[إني مصلٍ بكم الفجر، ثم إني مكبر فإذا كبرت الأولى فاركبوا الخيول، يعني الخيالة -الكمندوز- وإذا كبرت الثانية: فيمموا العدو، وإذا كبرت الثالثة: فابدأوا باسم الله]] فكبر أبو سليمان، وبدأ في التكبيرة الثالثة: وقد بدأ الهجوم الصاعد وكان خالد قد خاض مائة معركة في الجاهلية والإسلام، لم يهزم في معركة.
تسعون معركة مرت محجلة من بعد عشر بنان الفتح يحصيها
وخالد في سبيل الله يشعلها وخالد في سبيل الله يذكيها
ولا أتى بقعة إلا سمعت بها الله أكبر تدوي في نواحيها
ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم ولا رمى الروم إلا طاش راميها
يوم مات كان يقول: [[فلا نامت أعين الجبناء]] يقول: الليلة فرحة الجبناء من السعود؛ لأنهم سوف يسمعون أن خالد بن الوليد مات، ومعنى ذلك أنهم سوف يعلقون العقود الكهربائية، ويرقصون ليلهم إلى الفجر، لأن هذا عيد وفرح وسرور، ولكن خلف لهم خالد ألف خالد، وخلف لهم صلاح ألف صلاح، وخلف لهم طارق ألف طارق.
ويعيشها الإنسان مثل المعتصم.
المتوكل على الله ، أتاه المنجمون عندما أراد أن يفتح عمورية فقالوا: احذر، برج الذنب الآن قد استكمل، فإذا أتى برج العقرب فاغز الروم، وهل يتعامل المعتصم مع النجوم؟ أمة تعرف لا إله إلا الله، تعرف: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠] قال: آمنت بالله وكفرت بكم، والله لأغزون هذا اليوم، وتحرك بتسعين ألفا.
تسعون ألفاً كآساد الشرى نضجت جلودهم قبل نضج التين والعنب
رمى بك الله جنبيها فحطمها ولو رمى بك غير الله لم يصب
ولكن ما هو برنامج الجيش؟ جعل ابن مرزوق محمد بن الحسن الشيباني الإمام والمفتي والخطيب للجيش، إنها أمة تصلي الصلوات الخمس، وتقرأ القرآن ولها حزب من القرآن، أمة تتهجد وتتصل بالله.
وصل المعتصم إلى المعركة، ودمر عمورية، وانتصر بإذن الله، وقال له أبو تمام يحييه:
أين الرواية أم أين الدراية كم صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
بهارج وأحاديث منمقة ليست بنفع إذا عدت ولا غرب
فالنصر في شهب الأرماح لامعة بين الخميسين لا في السبعة الشهب
النصر بالقتال، النصر بالاعتزاز بقدرة الواحد الأحد.
ويعيش ابن المبارك، عالم محدث وراوية، لكن العالم الإمام في المنبر وفي المحراب ينقلب إلى أسد في الجبهة.
إن تصنيف الناس إلى تخصصات واجب، لكن إذا طغى تخصص على تخصصٍ آخر وأعدمه فليس بوارد، فـ ابن المبارك يخرج من الحرم وهو المفتي، فلامه الفضيل بن عياض على ذلك وقال: تخرج من الحرم وتقاتل، وتترك الصلاة فيه، والصلاة الواحدة بمائة ألف صلاة، وكان ابن المبارك أفقه، فقال: نعم أخرج.
بغض الحياة وخوف الله أخرجني وبيع نفسي بما ليست له ثمنا
إني وزنت الذي يبقى ليعدله ما ليس يبقى فلا والله ما اتزنا
ويقاتل ابن المبارك في المعركة، ويقتل سبعة في يوم واحد، فيرسل له الفضيل يلومه، ويقول: تركتنا، وتركت الحرم والدروس، فيكتب له:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
هذه مصداقية الشجاعة الإيمانية التي ورثها المسلمون من معلمهم الكبير ﵊.
شيخ البخاري أبو إسحاق وإذا قال البخاري: أبو إسحاق، فهو الفزاري الذي يقول البخاري عنه: أشجع من عرفنا في الإسلام أبو إسحاق الفزاري، فقال الرجل: لا.
ليس بصحيح هذا، فغضب البخاري فقال: أشجع الناس في الإسلام والجاهلية.
وأبو إسحاق شيخ محدث، قتل ألف مقاتل مبارزة بدون سيف، كان عنده مثقال من الحديد لا أدري كم وزنه، ذكره الذهبي، وكان قوي الجسم، فإذا خرج الفارس يبارز أبا إسحاق فر أبو إسحاق أمامه، ثم يلتفت إليه فجأة فيضربه على رأسه، فيوقعه على الأرض بدمائه.
كان أبو إسحاق من أشجع الناس على الإطلاق، وقد حياه الخلفاء في عهده، لأنه كان محدثاًَ يعرف حدثنا ورواه فلان، ويعرف الجرح والتعديل، لكنه إذا حضر المعركة عرف الجرح والتعديل من نوع آخر.
следующие страницы →