Полный текст (10 391 стр.). Показаны 9731–9770 · переход к 9736.
стр. 9731
إلقاء التهم على الملتزمين
الثاني والعشرون: وصف المستقيمين بالتطرف والتزمت والتشدد.
أنا الآن أقف أمامكم، وأنا أسألكم بالله العلي العظيم إذا كانت مدرسة أحمد بن حنبل؛ مدرسة أهل السنة والجماعة، ومدرسة ابن القيم، ومدرسة ابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، المدرسة الإسلامية التي بعث بها محمد ﷺ متطرفة متشددة متزمتة، ففي من يكون العدل؟! وفي من يكون الإنصاف؟! وفي من يكون التوازن؟! هل سمعتم أحداً ممن مكن في العلم وقامت قدمه يكفر مسلماً؟ هل سمعتم عالماً أو داعية يحرم حلالاً؟ تشويه، متطرفون، متزمتون، متشددون.
أسألك بالله أليس شرفاً أن تكون متبعاً لمحمد ﷺ ؟!
والتعليقات الآن عند الرأي العام على الملتزمين فقط.
وتجد الآن من يخالف السنة، أو يشرب الخمر، أو يشتغل بتناول المخدرات أو يكون مروجاً لها أو يسمع الأغنية المحرمة التي أجمع أهل العلم على تحريمها أو يسهر الليالي الحمراء، أو يضيع وقته، أو لا يحضر صلاة الجماعة، أو يهجر القرآن، أو يحلق لحيته، أو يطيل ثوبه، ومع ذلك لا يجد لائمة من الرأي العام، لكن الشاب الملتزم بسبب تغير وانتكاس المفاهيم، وعدم عقلانية الناس إلا من رحم ربك؛ حين يحافظ على الصلوات الخمس، ويقصر ثوبه، ويترك لحيته؛ لأنه يحب القائمة البيضاء، محمداً وأبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، والله الذي لا إله إلا هو لولا هذه القائمة بعد الله كانت أنوفنا في التراب والطين.
هل عندنا تاريخ غير محمد ﷺ وهذه القائمة؟! بهم نباري الأمم، لا يستطيع أحد منهم أن يقول كلمة يستنقص بها واحداً منهم؛ حتى أرغمت على الحقيقة أنوفهم إرغاماً.
هارف في كتابه الأوائل يقول -وقد كررت قوله وأكرره والحقيقة تفرض نفسها-: أجدني مضطراً أن أقول: إن العظيم الأول في العظماء المائة في العالم محمد رسول الله ﷺ ، فكيف لا نباهي الناس ولا نفتخر أننا من أتباعه؟! لكن تجد الشاب يأتيني أو يأتي غيري من الإخوة الدعاة قال: والله يا أخي! أنا والله خجلان أريد أن أطلق لحيتي، لكن أبي وإخواني يستهزئون بي وفي جزيرة العرب أو في البلاد الإسلامية عموماً يستهزئون بك، قال: وأنا أريد أن أقصر ثوبي، لكن إخواني والجيران ربما يضحكون علي في المجالس، سبحان الله!! يضحكون عليك لأنك اتبعت الرسول ﷺ ؟! أصبح هؤلاء هم المعنيون بالتعليقات المرة التي لا يستحي منها أصحابهم، والله العظيم إنه لشرف لنا وللمسلمين أن يرى الإنسان هذه المسيرة.
يخبرني أحد الدعاة المشهورين يقول: رأيت في الجزائر مسيرة خرجت بعد صلاة الجمعة، قال: وإذا هم على منهج أهل السنة والجماعة، اللحى والثياب والزي الإسلامي، قال: فبكيت والله حتى سالت دموعي من رأس لحيتي، ومن يستطيع ألا يبكي؟! أنا سمعت أحدهم في هيئة الإذاعة البريطانية فيسألونه واسمه عبد القادر، يقولون: إنكم سوف تكونون مصدر شقاء للشعب الجزائري؟ قال: سبحان الله، الدين الذي أنزله الله سعادة للبشر أيكون شقاءً للإنسان؟! يقول : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] أي أن الأفكار الغربية والشرقية المستوردة هي شقاء للإنسان والشريعة الإسلامية هي السعادة، وكيف لا يفرح العبد حين يرى الألوف المؤلفة اتجهت إلى الله ، وصلَّت وكبرت، وأحبت محمداً ﷺ ؟! لكنها التربية الماكرة التي صنعها العميل من وراء الستار، وأخرجها للناس، وجعلها هي الحل، وجعلها هي الأصل، وجعل غيرها طارئاً عليها.
ما كنت أظن حتى في المجتمعات القبلية أنهم يلومون الشباب إذا اقتدوا بالسنة، المجتمعات التي كان الواحد منهم إذا قال له: تعدني أن تأتي؟ قال: نعم، قال: ماذا بيني وبينك؟ قال: هذه وجعل يده على لحيته، وإذا قال له في أمر جعل يده على لحيته، معناها: قطع الرءوس ودون ذلك خرط القتاد، إذا وضع يده على لحيته، فهي الخطورة القصوى التي لا بد أن تنفذ، يقول أحدهم: إذا ما تم هذا الأمر فاحلقها فيقول: لا.
مصانة مكرمة، والآن تحلق مجاناً، معذرةً لا أريد جرح الشعور، وأنا أعرف أن بعض الناس يحضر معي عندهم إيمان ومتبعون ولكنهم أخطئوا في حلق اللحى، أنا لا أريد أن أعلق عليهم، ولا أريد أن أجرح مشاعرهم، هم إخواني وزملائي، ووالله إني أحبهم لأصل الإيمان في قلوبهم؛ لكن أرجوهم اتباع محمد ﷺ لقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] أخشى أن يخرجوا ويقولون: كفرنا، أو فسقنا، أنا أقول: أخطئوا وعصوا ولا بد أن يتوب الله علينا وعليهم وهم إخواننا وأبناء عمومتنا، لكن والله نريد أن يكتملوا في اتباع سنته ﵊؛ لأنه أتى بسنةٍ لا بد أن تكون ظاهرة وباطنة، تقولها قوية: أنا مسلم متبع للسنة ولا تخجل من أحد؛ لأنك على الحق وغيرك على الباطل، يقول في الجبناء السفهاء من المنافقين: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء:٨].
فنصيحتي لإخواني: أن يتحملوا الاستهزاء والاستخفاف والاحتقار والتعليق، ويعلموا أنها في ميزان الحسنات، قال : ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣].
стр. 9732
تذكير بعناصر المحاضرة
أعود إلى عناصر المحاضرة مختصراً:
ذبح الإسلام بالطعن في أمور:
الطعن في القرآن.
والطعن في السنة بالطعن المطهرة، في الرسول المعصوم ﵊.
وفي النيل من الصحابة.
في تشويه التاريخ الإسلامي.
في وصف الإسلام بأقبح الأوصاف.
في هدم اللغة العربية.
في الطعن في العلماء والدعاة.
الهزيمة النفسية التي يعيشها المسلمون عموماً.
إيجاد نخبة مستغربة الفكر أجنبية العقل.
إشغال عامة المسلمين بالمعيشة فحسب.
إشغال المبتدئين في طلب العلم بالجزئيات.
انصراف كثير من العلماء إلى مسائل ثانوية من الترف العلمي.
تخويف الرأي العام من الإسلام.
تعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
امتصاص دماء الشعوب في البلاد الإسلامية في ثورات ومعارك يستفيد منها أعداؤهم.
ركل الإسلام عن الحياة وأخذ الإسلام كشعارٍ فحسب.
إرهاب وإرعاد العالم من كلمة الجهاد.
فصل العالم الإسلامي وتمزيقه إلى دويلات.
كبت الصوت الإسلامي في مجال التأثير.
عدم إعطاء الاقتصاد الإسلامي الفرصة ليقدم الخيار.
وصف المستقيمين بالتطرف والتزمت والتشدد.
стр. 9733
خاتمة فيها فوائد وتنبيهات
أيها الفضلاء! إكمالاً لهذه المحاضرة ألتقي بكم إن شاء الله لمن أراد مساء الثلاثاء في محاضرة بعنوان: مدرسة أهل السنة والجماعة في جامع شباعة في خميس مشيط يوم الثلاثاء مساءً بعد المغرب، يوم: ٣/ ٧/١٤١٢هـ والدعوة عامة.
لأنه لا بد من ذكر معالم هذه المدرسة، مدرسة أهل السنة والجماعة، ووصفها وصفاً مفصلاً حتى تتضح للناس وتكون على جلية.
стр. 9734
التوجه إلى الدعوة إلى الله والمشاركة في أعمال الخير
أيها الإخوة الكرام! خطابٌ موجه يوجهه الأخ لأخيه المقصر؛ مثل المتخلف عن صلاة الجماعة، مثلاً:
رجل يتهتك في الغناء.
رجل لا يقيم السنة على مظهره، هنا خطاب كتبه بعض الفضلاء من الدعاة وهو الأخ الداعية: عبد الله بن سعد بن منشط القحطاني كتب كتاباً بديعاً ورقه تجدونها في خارج المسجد مسددة بالآيات والأحاديث وأقوال أهل العلم، يقول:
الأخ الصديق: -الخطاب المفتوح- حفظك الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد:
قال الله جل وعلا: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥] ثم استطرد في كلام كالعسل المصفى، أنصح بهذه الرسالة أن تعطى للذين لا يحضرون صلاة الجماعة ولأمثالهم.
إخوتي الفضلاء! هنا بعض المسائل، وهنا كذلك رسالة وهي مأذون لها من الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي ترسل إلى بايع أفلام الفيديو من أرادها يجدها يعني: تسلمها أنت لبايع الفيلم الفيديو حتى يتقي الله ويتوب من فعله هذا؛ لأنه يهدم الملة والدين بسبب ما يفعله من نشر الفيديو المحرم، فهذا تجدونه إن شاء الله، وإذا أحببتم الاتصال والاستفسار أو السؤال فمؤذن المسجد هو الواسطة إن شاء الله.
أيضاً أيها الإخوة الفضلاء! نبهت في كثيرٍ من المحاضرات والدروس عن مسائل مهمة، من أهمها عندي بناء المساجد، لأن الأمة الآن تتجه إلى الله ، وتزدحم المساجد بالمصلين، وكثر الأخيار من عباد الله الصالحين مع كثرة السكان، فالناس يريدون مساجد وقد نبهت عن جامع النماص وجامع تنومة ومسجد في بني الاسمر، وجامع في تريبان وبعض المساجد في مناطق تهامة.
أنا أرى أن نحث كثيراً من الأخيار على جمع التبرعات، وإلى إنشاء المساجد فهي من أنفع ما يكون في عباد الله .
أيضاً هناك اقتراح أقدمه هذه الليلة: كثير من الإخوة إما طالب عنده راتب أو معلم، أو موظف، وكذلك الأخوات المعلمات والمربيات والموجهات؛ كل هؤلاء عندهم رواتب، فليت لكل واحد من الجميع صندوق يسمى صندوق الآخرة؛ لأنا -نسأل الله العافية- صرفنا أكثر ما أعطينا في الدنيا؛ في مطاعمنا، ومساكننا، وملابسنا، وسياراتنا، ثم ماذا نقدم للآخرة؟
ماذا نعطي للآخرة؟
ما هو رصيدنا عند الله ؟
هذا الصندوق يعطي الإنسان من التبرع إلى المسجد وللشريط الإسلامي، وأشكر من وصل منهم تبرعات إلى المساجد، ولكن لا زالت المساجد الآن تحتاج إلى من يقيمها ومن يدعمها، فالله الله في الاجتهاد في هذا لأنه نوعٌ من الجهاد.
стр. 9735
توجيه حول آداب الاتصال بالهاتف
أيضاً كلمة على استطراد، الاتصال بالهاتف له آداب، ومرحباً بأصواتكم وأصوات مثلكم ممن يتصل مستفسراً أو سائلاً أو ناصحاً أو موجهاً، والعبد المسلم لا يمل من صوت إخوانه، لكن هناك آداب يراعيها المسلم، حتى نكون أمة منظمةً كما أرادها الله ورسوله ﵊، وليس معنى ذلك التبرم أو التضايق من الاتصال معاذ الله؛ فإنه شرفٌ للعبد أن يتصل به إخوانه، لكن هناك أوقات كأوقات الصلاة؛ إذا أذن المؤذن فإنه لا اتصال، ويعذر أهل المدن لتفاوت الوقت، أيضاً الاتصال في أوقات الوجبات وهي تختلف من بيتٍ إلى بيت، الاتصال مثلاً في أوقات مثل بعد الحادية عشر ليلاً، فقد انتهى الليل وذهب، ما أخرك يا أخي من العصر والمغرب والظهر والعشاء تقوم تتصل بي بعد الحادية عشرة.
أيضاً -أيها الإخوة- لا تنسوا لطيفة من اللطائف: إن بعض الفضلاء إذا اتصل أخذ دقائق معدودة وطول وعرض في مسألة السلام، وأنا لقيته أمس: كيف حالكم؟
كيف حال أطفالكم؟
عساكم طيبين؟
مع العلم أن هناك ازدحاماً في الاتصال؛ يعلم الله أحياناً العشرات منها، في أوقات محدودة، ويريد الإنسان أن يقضي طلباً أو يوضح مسألة، أو يفتي بما أعطاه الله، فيأتي هذا الأخ من حسنه ومن حسن معاملته وأخلاقه فيحبسك في السلام، وكيف حالكم؟
قلت: طيبون قال: لعلكم مرتاحون؟
قلت: الحمد لله، قال: كيف حال الأهل؟ قلت: طيبون والحمد لله، كيف حال الزملاء؟!!
قائمة من التحقيقات، اختصر يا أخي! قل: السلام عليكم، كيف حالكم؟ وادخل في السؤال.
أيضاً يا أخي! من الأدب -حفظكم الله- الاختصار في السؤال لا تعطني القصة، مثلاً بعض الإخوة وقعت منه طلقة، فأخبرني بقصته مع زوجته، من مذكراته في الحياة: متى تزوج، وكيف عاش معها، ثم وصل إلى النتيجة! أعطني أنا ماذا تريد أن تقول لي، السؤال فقط وأفتيك، لأن الناس بكثرةٍ كاثرة يتصلون، هذه من الآداب.
أيضاً إذا اتصلت بك، أو اتصلت بي لا تقل: ألو، قل: نعم، وإذا اتصلت قل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما ألو فأرجوكم أن تتركوها، وتعالوا بكلماتنا المعهودة، الرسول ﷺ أراد أن يسير الأمة على كلمات إيمانية، أتى أبو ذر إليه وهو في الحرم ﵊ فحياه أبو ذر بتحية الجاهلية: عمت صباحاً يا أخا العرب، قال ﷺ : ﴿إن الله أبدلني بتحية خيراً من تحيتك، قال: ما هي؟ قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته﴾.
إذا اتصلت بك فرد السلام وسلم تكن بيننا التحايا الإسلامية؛ هذه بعض المسائل التي أردت أن أنبه عليها علّ الله أن ينفع بها.
стр. 9736
اعتذارات وشكر
أيضاً أيها الإخوة! ربما وقع في المحاضرة أني قلت ميتران رئيس وزراء فرنسا، وهو رئيس الدولة، ونستغفر الله ونتوب إليه، وهذه لا يسجد لها سجود سهو، نقرها ونقول: فإن كان رئيس وزراء أو رئيس دولة فهو واحد، واغتياب الفرنسيين الكفرة جائزٌ باتفاق أهل العلم، وحتى إسرائيل اغتيابها جائز ومطلوب؛ لأنها دولة توسعية، سبحان الله اكتشفنا أنها دولة توسعية، ولها نوايا سيئة في المنطقة، ومما اكتشف أن لها نوايا سيئة، ونحن لا نسيء الظن بالناس لكن ظهر لنا أن لها نوايا سيئة.
أيها الإخوة الكرام! شكر الله لكم، ثم أشكر باسمكم من حضر وعنده امتحان غداً، لكنه التوقد للإسلام والحب للخير والتكاتف والتضامن؛ لأن تكثير سواد المسلمين في مثل هذه المجالس دليلٌ على صدقه وإخلاصه ونصحه، وأعرف أن فيكم من هو أبلغ مني وأفصح، وأعلم وأفضل؛ لكن أراد أن يكثر السواد، كما قال محمد أحمد الراشد: تكثير السواد، ومراغمة أهل الباطل، ولذلك كثر السواد يوم عرفة، ويوم الجمعة، وإظهار سواد المؤمنين أنه كثير كما يظهر أهل الباطل بكثرتهم وبعددهم، فأنت اليوم أتيت تكثر السواد، وأتيت تناصر أولياء الله ، وأتيت تدرس مع أهل السنة فيمن درس، وأتيت أنت اليوم ترفع راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، فكتب الله أجرك، وممشاك، وعودتك، وجلوسك، وأثابك، وكساك حلة، ورعاكم الله على إخلاصكم وعلى تضحياتكم.
أيضاً لا يفوتني أن أشكر الذين يكتبون الرسائل أنهم لأول ليلة حضروا فلله الحمد، وهي والحمد لله فتوحات من الله، ليس منا ولا من أحدٍ من الناس، الفضل فضل الله، أن يهدي الشباب وأن يردهم إليه رداً جميلا، بالأمس كان لا يصلي أحدهم ولا يأتي الفجر، واليوم هو ولي من أولياء الله، أخذ المصحف والسواك وتعلم السنة، والأدعية الصباحية والمسائية، واستنار ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الأنعام:٨٨]، ويقول : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨] وإذا رأيت العبد يفرح لإخوانه لكي يزيد عددهم، ويفرح للإسلام فاعرف أنه مخلصٌ صحيح القلب، أما الذي يغضب من كثرة الملتزمين وكثرة الأخيار فهو مريض القلب وحسبه الله.
стр. 9737
الخطاب للأمة جمعاء
أيضاً من هذا المنبر أنا لا أخاطب أبناء الجزيرة فقط، أنا أخاطب من هنا العالم الإسلامي، كل مسلم يحضر معي، وليس عندنا هنا شاميٌ ولا حجازيٌ ولا يمنيٌ ولا سودانيٌ ولا مصري؛ لأن محمداً ﷺ أتى بلافتة: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٣] اسمحوا لي وقد كررت عليكم لكن أعيد الأبيات:
أنا الحجاز أنا نجد أنا يمنٌ أنا الجنوب بها دمعي وأشجاني
بالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا بـ الرقمتين وبـ الفسطاط جيراني
وفي ربا مكةٍ تاريخ ملحمةٍ على ثراها بنينا العالم الفاني
في روضة المصطفى روحي ووالهفي في روضة المصطفى عمري ورضواني
النيل مائي ومن عمان تذكرتي وفي الجزائر آمالي وتطوان
دمي تصبب في كابل منسكباً ودمعتي سكبت في سفح لبنان
فأينما ذكر اسم الله في بلدٍ عددت ذاك الحمى من صلب أوطاني
أيضاً من يحضر منكم عليه أن يكون داعية في بلده، الإخوة السودانيون ينقلون الشريط والكتاب الإسلامي إلى بلدهم ويعيشون الصحوة هناك، الإخوة من الجزائر، الإخوة من سوريا، الإخوة من المغرب، من كل مكان، عليهم أن يكونوا دعاةً لمنهج الله، من الكويت، من الإمارات، من قطر، من البحرين، من عمان؛ لأن بلدنا واحد، ولا بد أن نسعى إلى توحيد الشمل، وإلى تأليف الكلمة، تحت لا إله إلا الله محمد رسول الله، فمثل هؤلاء يذهبون بالشريط الإسلامي وبالكتاب حتى يساهموا؛ لأنه يتصل بالهاتف والله يتصل بالهاتف حتى من بلادٍ نائية يقولون متى تصل الأشرطة، ولم نعرف لهم عنواناً، ولا نعرف بريداً، ولا نعرف كيف نوصل لهم؛ لأنهم قد يفقدون بعض الدعاة في بعض الأماكن، أو المنهج السديد، أو بعض الكتب، ترى دائماً الإخوة هنا يطلبون أن يتعاونوا وأن يأخذوا، وأهل الخير مستعدون للوقوف معهم حتى يكونوا وإياهم تحت مظلة واحدة.
أيضاً لا نسمح لأحد أن يحمل الحزازيات والتفرقات والعنصريات ليفرق بين المسلمين، كل هذه الأمة أمة واحدة، أراد الله أن تكون أمة واحدة، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، فأتقانا أكرمنا عند الله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
أيضاً أيها الإخوة الكرام لا يكفي -وقد قلت هذا وأقوله ويقوله غيري- أن يحضر الواحد منا في هذا المجلس ثم يذهب، لا بد أن يكون مؤثراً وداعية في الشريط والكتاب، يستغل المجلس فيحوله إلى مجلس خير، أنت تشتغل في شركة، تشتغل في مؤسسة، في بقالة، في دائرة، في مدرسة، في جامعة، عليك أن تكون أنت اللبنة، ومباركاً أينما كنت.
يقول ابن القيم: المبارك أينما كان هو الذي يدعو الناس في كل مكان.
أي أن قضية الإسلام تكون معك مثلما قال أبو الأعلى المودودي: الداعية المسلم كالذي به صداع فهو لا ينسى صداعه.
الذي عنده صداع في رأسه ينزل إلى السوق ولا ينسى الصداع، وأنت تحمل فكرتك.
يا إخوة دعونا نكون في مستوى من التأثير والمشاركة والفاعلية والتضحية كمستوى المبشرين، يذهب أحدهم إلى الشرق والغرب، وإلى حر أفريقيا وبرد سيبيريا حتى ينشر الدين المنسوخ، الدين المزعوم أنه للمسيح، ونحن على الإسلام لماذا لا نؤثر وندعو ونكون لبنات خير، التاجر في تجارته بماله، وصاحب الرأي برأيه.
стр. 9738
النصيحة الصريحة خير من المجاملة
ثم أمرٌ آخر: يوجد أيها الإخوة أحياناً مذهب المجاملة؛ تبرمجنا على المجاملة، حتى ما تجد صراحة في الألفاظ ولا في المناصحة، وأحياناً لا تجد إلا مادحاً، تسأله عن الدرس قال: كل شيء على ما يرام، المحاضرة، الأطروحات، القضايا قال: كل شيء طيب، فإذا خلا إلى زملائه قال: فيه كذا وكذا، ولكن كذا وكذا، وفعل كذا وكذا!
دعونا نتصارح، ومن رأى منا خطأً في أخيه فلينصحه، وليوصيه بينه وبينه بحكمة، ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].
أيضاً أريد أن أوضح مسألة: يا أيها الإخوة قد يفهم عنا بعض الناس أنا نريد أن نتشفى في بعض الناس، أو أنا نريد التهجم أو التجريح ومعاذ الله، ما يريد الداعية إلا أن يهتدي الناس، هل نريد لمسلم أن يعذبه الله بالنار؟! يقول الإمام أحمد: والذي نفسي بيده لوددت أن يجعلني الله فداءً لأمة محمد ﵊.
ثم إنا نسأل الله لنا ولكم التوفيق، وأن يصلح الراعي الرعية، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يتولانا وإياكم في الدارين، ونسأله لنا ولكم هدايةً وسداداً.
كما لا يفوتني أن أنبه أن من عنده تبرعات، أو مشاركة، أو استفساراً، أو ورقة، أو نصيحة، فعليه أن يؤديها إلى هذا المسجد والقائمين عليه، وهي تصلني إن شاء الله، ثم أنبهكم أن الدرس المقبل إن شاء الله سوف يكون مع أسئلتكم، لنعيش معكم فيما طرحتموه وما سألتموه، وأشكركم شكراً جزيلاً، وأسأل الله أن يجمعنا بكم في دار الكرامة، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 9739
إبراهيم إمام التوحيد
إن قصة إبراهيم ﵇ من أروع القصص في القرآن الكريم، ذلك لما فيها من المواقف العظيمة التي جعلته أبو الأنبياء ﵈ وقد عرض الشيخ حفظه الله إلى بعض المواقف لإبراهيم ﵇، وبين ما فيها من العبر والعظات؛ حتى نقتدي به في سيرنا إلى الله تعالى، وفي دعوتنا إليه سبحانه
стр. 9740
قصة هاجر مع إسماعيل في مكة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
أما بعد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى من طريق عبد الرزاق بن همام الصنعاني، قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي تميمة السختياني وكثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل: أم إسماعيل - هاجر - اتخذت منطقاً وذلك لتعفيِّ أثرها على سارة، ثم هاجر بها إبراهيم ﵇ إلى مكة، فنزل بها قريباً من رابية -وهو مكان البيت اليوم، وكانت هذا الرابية مرتفعة عن الأرض- فلما أنزلها ﵇ هناك، كان معها جراب من تمر وسقاء من ماء، ومعها ابنها إسماعيل، فلما أنزلهما مكان البيت أو قريباً منه، ولى وتركهما، فالتفتت إليه هاجر -وهي مولاة- وقالت: لمن تتركنا يا إبراهيم؟ فلم يجبها بشيء، ولم يلتفت إليها، فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم.
قالت: إذاً لا يضيعنا، فلما اختفى وراء الجبل، التفت ودعا الله ورفع يديه وقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧].
ثم تولى عنهم وتركهم، فأتت المرأة الصالحة تربي ابنها، فنفذ الماء، ونفذ الطعام من التمر، فأتت ترتفع لترى في جبال مكة أين تجد الماء.
قال: ابن عباس: لكأني بها تسعى بين الجبلين -أي: بين الصفا والمروة - سبعة أشواط، وتقول وهي تكلم نفسها: صه، - تسكت نفسها لترى هل تسمع صوتاً، أو ترى ساكناً أو حياً- ولم يكن في مكة من البشر أحد، فطافت سبعة أشواط -فهو طوافنا اليوم- ثم عادت إلى مكانها، وأخذ ابنها يتلوى على الأرض من شدة العطش، فنزل ملك من السماء -قيل: جبريل وقيل غيره، وليس في رواية البخاري أنه جبريل- فبحث بجناحه فخرج الماء، فأخذت تعدل الماء وتقيم التراب حوله وتقول: زمزم -أي: تزمزم الماء- وهذه من عادة قبائلهم إذا اشتغلوا في أمر، كأنها تنشد، أو كأنها تفزع، أو تسلي نفسها وتزمزم.
قال ﵊: ﴿رحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم لصارت عيناً معيناً﴾ أي: لو تركتها ولم تجمع عليها التراب، ولم تعدلها لصارت عيناً معيناً في مكة ثم نزل هناك ركب من جرهم، وجرهم قبيلة انتقلت إلى مكة، وهي من القبائل العربية التي سوف يتزوج منهم إسماعيل كما سيأتي نزلوا في طرف مكة، فرأوا غراباً عائفاً -وقيل: حدأة- وإذا هو فوق ماء زمزم، فقال هؤلاء الركب: إن الطائر معه الماء، فاقتربوا فلما رأوا هاجر قالوا: ننزل حول الماء؟ قالت: لا.
فاصطلحوا معها على أن ينزلوا معها على حسن الجوار، فنزلوا، فأعطوها الطعام، وأعطتهم الماء، فلما شب إسماعيل ﵇ تزوج منهم، وكان شاباً ظريفاً عاقلاً آتاه الله الحكم صبياً، فأصبح أرحامه أصهاره من جرهم.
فلما شب فيهم ﵇ أتاه أبوه بعد حين يزوره سيد من سادات الأنبياء، وسيد الكرماء والشجعان ﵇ أتى يزورهم فوجد امرأة إسماعيل ﵇ وهي في البيت، فطرق عليها وهو شيخ حسن الهيئة، عليه هندام الوقار والسكينة، وعليه علامات التوحيد، فقال: أين زوجك؟ -وهو ابنه لكنها لم تعرفه- قالت: خرج يطلب لنا صيداً، قال: كيف أنتم؟ قالت: في حالة ضيقة، وفي شر حال، فقال: إذا أتى زوجك فاقرئي ﵇، ومريه أن يغير عتبة بابه.
فأتى إسماعيل في المساء فسألها: هل أتاكم من أحد؟ قالت: أتانا شيخ حسن الهيئة، قال: هل سألكم عن شيء؟ قالت: نعم.
سألنا عن هيئتنا وطعامنا، فأخبرته أنا بشر حال، قال: هل أمركِ بشيء؟ قالت: نعم.
هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تغير عتبة بابك.
قال: ذلك أبي، والحقي بأهلك.
ثم تزوج زوجة أخرى صالحة، وأتاهم أبوه يزورهم مرة ثانية، فدخل على امرأته وقال: أين زوجك؟ قالت: خرج يطلب لنا صيداً -وكان يطلب الصيد في جهة نعمان، والعرب كانت تصيد من نعمان، وهو من أجمل الأودية عند العرب، وقد صوروه في الشعر حتى كأنه قطعة من حديقة، أو كأنه فيحاء في بستان، وإذا أتيت إلى نعمان لم تجد فيه إلا الشوك، ولذلك قيل:
ألا أيها الركب اليمانون عرجوا علينا فقد أضحى هوانا يمانيا
نسائلكم هل سال نعمان بعدنا وخب إلينا بطن نعمان واديا
وهو الوادي الذي فوق عرفات وفيه عين زَبِيْدَة.
فقالت: خرج يطلب لنا صيداً، قال: كيف حالكم؟ قالت: في أحسن حال والحمد لله، قال: إذا أتى فاقرئي ﵇، ومريه أن يثبت عتبة بابه؛ فأتى فسألها فأخبرته وقالت: هو يقرئك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، وهو يأمرني أن أمسككِ.
стр. 9741
زواج إبراهيم ﵇ من سارة
هذا الحديث من رواية ابن عباس، ولفظه قريب من هذا أو نحوه وفي هذا الحديث مسائل، تعرض لها أهل التفسير والحديث والفقه وأهل السير والتاريخ.
أول مسألة: زواج إبراهيم ﵇ من سارة، وقصة سارة مع الملك وفي ذلك فائدة: فإن القرآن يأتي بالقواعد والحقائق والأصول، ولكنه لا يتعرض للخلافيات التي لا فائدة منها، ولذلك لما ذكر قصة أهل الكهف لم يخبرنا بلون كلب أهل الكهف، ولا أين ناموا، ولا جهة الكهف، ثم قال للرسول ﵊: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ [الكهف:٢٢].
أي: لا تدخل نفسك إلا في مسائل علمية، وقواعد شرعية تستفيد منها، أما الجدل البارد الذي لا ينبني عليه حكم فليس هناك طائل من إيراده.
فالقرآن يأتينا بقصة إبراهيم وإسماعيل ﵉ في خطوط عريضة، وفي جمل باهرة منها بناء البيت، ومنها الدعوة إلى التوحيد، ومنها جدل إبراهيم الحق مع الملك وسوف يأتي.
ومنها: قصة البعث، وبعث الله للطيور بين يدي إبراهيم ﵇ إلى غير ذلك من القصص.
أما سارة فهي امرأة حرة، تزوجها إبراهيم ﵇، وعلمها التوحيد، وأرضعها لبن (لا إله إلا الله) منذ الصغر، وكانت من أجمل نساء زمانها، قال ابن كثير: أجمل النساء في العالمين سارة ومريم، وقيل: عائشة بنت الصديق ﵂ وأرضاها.
стр. 9742
هجرة إبراهيم ﵇ من حران
ثم هاجر إبراهيم من حران وحران هذه هي بلد شيخ الإسلام ابن تيمية.
بنفسي تلك الدار ما أحسن الربى وما أحسن المصطاف والمتربعا
وهي حران قريبة من دمشق في بلاد الشام، هاجر منها ابن تيمية إلى دمشق بعد أن ترعرع وشب فيها
هاجر إبراهيم ﵇ بـ سارة، فمر بملك من ملوك الدنيا، جبار عنيد، كان كلما سمع بفتاة جميلة اغتصبها من أهلها فلما وصل إبراهيم بزوجته، سمع به الملك فأرسل جنوده فأخذوا هذه المرأة الصالحة العابدة القوامة الزاهدة ولكن من يعتمد ويتوكل ويحفظ الله يحفظه .
التجأ إبراهيم إلى الله ودعا الله أن يحفظ عليه زوجته، فأخذوها من بين يديه، وكان قد قال لها: إذا قدمت على الملك وسألك عن نسبك فقولي: أنا أخت إبراهيم.
وصدق؛ فإنها أخته في العقيدة والدين، وأخته في النسب الأول، فكلهم من آدم وحواء.
وصلت إلى هذا الجبار، ودخلت عليه، واقترب منها وهي متوضئة طاهرة، فدعت الله عليه؛ فجفت يده ورجله، فقال لها: ادعي الله لي أن يطلق يدي ورجلي، فدعت له فانطلق، ثم أتى يقترب منها، فدعت عليه، فجفت يده ورجله، فاقترب ثالثة، فدعت عليه بعد أن أطلق، فجفت يده ورجله، فقال: أتيتموني بشيطانة! اذهبوا بها فخرجت من عنده وأخدمها هاجر التي هي أم إسماعيل، جعلها مولاة وهدية لها، فقال لها إبراهيم: كيف كان الأمر؟ قالت: منع الله الفاجر وأخدم هاجر.
وقد قال بعض أرباب التفسير: إن الله أطلع إبراهيم ﵇ بمسيرة سارة، إلى أن وصلت إلى الملك، وبموقفها مع الملك، حتى عادت ليطمئن قلبه ويسكن، فقال لها إبراهيم لما عادت: والله لقد رأيتك منذ ذهبت إلى الآن.
стр. 9743
هجرة إبراهيم إلى مكة
فلما أخذ هاجر أتت بإسماعيل، فاغتاضت منها سارة، والغيرة مركوزة في طبيعة النساء، وكأن الغيرة ولدت مع النساء منذ أن خلق الله المرأة إلى اليوم ولما أتت بإسماعيل لم يكن عند سارة ولد ولا بنت، فاغتاضت منها وغارت، فأخذ إبراهيم ﵇ هاجر إلى مكة.
وسبحان الله! كيف اختار الله مكة من بين بلاد الأرض، لتكون مهبط الوحي، وليكون منها الإشعاع الرباني، والرسالة الخالدة، وليتخرج منا أساتذة التوحيد الذين رفعوا علم (لا إله إلا الله) فهي بحق جبال تصهر الرجال بحرارتها وبشظف عيشها، فتخرجهم رجالاً يقودون عجلة التاريخ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
فـ مكة مسقط رأس رسول الهدى ﷺ ، وهي التي ولد فيها أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وخالد، والصنف المختار من أصحاب رسول الهدى ﷺ .
وصل إبراهيم ﵇ إلى مكة، وقبل أن يأمره الله بالبناء اختار ذلك الموقع، قال بعض أهل العلم: لأنها وسط الدنيا، وقد أثبت العلم الحديث فيما سمعنا وقرأنا أن من صعد على سطح القمر رأوا أن وسط الدنيا هو الجزيرة العربية أو ما يقاربها، ووسطها هي الكعبة المشرفة، ولذلك سماها الله تعالى أم القرى، فهي تثبت الإشعاع في كل مدينة، ومنها لا بد أن تبعث الرسالة ويهبط الوحي على رسول الهداية ﷺ .
ولما وصل إبراهيم إلى هناك، وضع لهم جراباً من تمر وسقاءً من ماء وتولى إلى الله ، واختفى وراء الجبل، وابتهل إلى الله يقول في دعائه الحبيب إلى القلوب: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم:٣٧] وصدق ﵇، فإن مكة من أقحل بلاد الأرض، حتى يقول أحد المفكرين: يا سبحان الله! عناية الله، ونور الله، وهدايته تأتي من السماء بوحي خالد على رسول عظيم شريف، في بلاد ليس فيها حدائق ولا قصور ولا أنهار ولا دور، ولا فيها معطيات الحياة، ليس فيها إلا شجر من الشوك طلعه كأنه رءوس الشياطين، وحجارتها تتلظى بالنار وتتوقد، فبعثه الله ليقول: إن الآخرة لرسول الهدى ﷺ .
لم يبعثه في بغداد دار السلام، ولما وجدت بعد، وسميت بدار السلام؛ لأنها ذات حدائق غناء، ولم يبعثه في دمشق، ولم يكن هناك دمشق التي فيها البساتين الفيحاء ونهر بردا.
ولم يبعثه كذلك في أنطاكيا، ذات القصور الشاهقة، والحدائق الوارفة ولم يبعثه في بلاد أخرى ذكرت في التاريخ بجمالها وروعتها، بل بعثه هنا، ليقول: إن دعوتك للآخرة لا للدنيا.
فلما أتى ﵇ قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم:٣٧].
وكأنه علم أنه سوف يقوم هناك بيت محرم ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧].
وقد رأينا ورأى التاريخ وسمعت الدنيا الملايين المملينة في كل حج تهوي بأفئدتها، ملوكاً ومملوكين، علماء وعامة، رؤساء ومرءوسين، أغنياء وفقراء يهوون بأفئدتهم إلى البيت العتيق.
فلما ولى إبراهيم ﵇، وبقي الحال على ماكان، تزوج إسماعيل -كما مر- من جرهم، وجرهم هؤلاء ذكرهم زهير بن أبي سلمى يوم يقول:
فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله رجال بنوه من قريش وجرهم
يميناً لنعم السيدان وجدتما على كل حال من سحيل ومبرم
يمدح هرم بن سنان وقيس بن زهير لما تداركا عبساً وذبيان.
стр. 9744
أمر الله لإبراهيم أن يذبح إسماعيل
ولما درج وبلغ إسماعيل زاره أبوه، وكانت هذه هي أول زيارة يزوره فيها، وذلك لما درج وبلغ السعي، وأصبح حبيباً إليه ﵇، وتخلل مسلك الروح منه، وكان أحب الناس إليه
قد تخللت مسلك الروح مني ولذا سمي الخليل خليلاً
فأراد الله أن يخلص قلب إبراهيم من هذا الحب لهذا الابن له ، لأنه خليل الرحمن فلما وصل إلى مكة رأى فيما يرى النائم أن قائلاً يقول: اذبح ابنك! فتعوذ بالله من الشيطان، وتوضأ وصلى، ثم رأى الرؤيا مرة ثانية وثالثة، وعلم أنها رؤيا حق ولذلك قال الإمام البخاري: باب رؤيا الأنبياء حق، وقال إبراهيم: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢].
وخرج في الصباح فعرض الرؤيا على الابن الصالح وانظر إلى التربية الصالحة والهدي المستقيم، فلما عرض عليه الرؤيا لم يقل له: إني أفارقك، أو إني أتركك برهة من الزمن، لا.
بل قال: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢] ولم يقل آمر غيري بذبحك، لكن أنا أذبحك ويا لها من مصيبة! ويا لها من مسألة شاقة على الأنفس! ومثل لنفسك أن تؤمر أنت أن تذبح بيدك وسكينك أحسن أبنائك إليك ولو ابتليت ببلاء غير هذا لتحملت؛ كأن يسقط ابنك من على السطح، أو يزلق فيموت، أو يذهب أدراج الرياح، أما أن تؤمر أنت فتأخذ سكيناً وتأخذ ابنك فتبطحه على الأرض، وتجلس على صدره فتذبحه إنه لبلاء عظيم! بل من أعظم الابتلاء في تاريخ البشرية، لكن هكذا يثبت العظماء.
ألا لا أحب السير إلا مصعداً ولا البرق إلا أن يكون يمانيا
وأتى في الصباح واستدعى ابنه: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢].
فلم يشاوره، ولم يقل له: ادرس الموضوع واعطني النتيجة ولم يقل انظر: إما أن تكون طائعاً وإما عاصياً، فأنا أقوى منك، والله أمرني، وأنت طفل صغير، سأذبحك سواء رضيت أم لم ترضَ، لا.
بل قال له: ما هو ردك؟ فقال في هدوء وفي حياء وفي صبر، ويا لها من تربية! قال: يا أبتِ افعل ما تؤمر.
قال أهل التفسير: خاطبه بالأبوة في مقام الحنان، حتى وهو يعتدي على روحه بأمر الله ، قال: يا أبتي، من الحنان والشفقة وحق الأبوة وما قال: افعل ما تأمر أنت، وإنما تؤمر من الله، لأنه صدق بوحي من الله ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] قالوا: ما أحسن هذا الاعتراض! فلم يقل: ستجدني من الصابرين، وإنما قال: إن شاء الله، فصبري بالله، واتكالي على الله، وحفظي على الله ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات:١٠٣] الضمير يعود إلى إبراهيم وإسماعيل، فقد أسلم إبراهيم نفسه إلى الواحد الأحد، فإنه قد أمر بمشقة، ووده لو أنه هو المقتول، وأنه ما رأى هذا المنظر، وأسلم إسماعيل نفسه إلى الله : ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] قال أهل التفسير: ما استطاع أن يذبحه على ظهره، فجعله على وجهه ليذبحه من قفاه؛ لأنه يخشى أن ترسل العينين شعاعاً من المحبة إليه، وأن يرى وجه ابنه فتدركه الرأفة والرحمة فيعصي أمر الله، ولكنه تلَّه على وجهه ساجداً لله ، لئلا يرى وجهه أبداً حتى يذبحه إن هذا بلاء عظيم، ولا تستطيعه النفوس إلا من أسلم وجهه لله، وعلم أن ابتلاء الله معه الخلود والبقاء والحياة فأتى بالسكين ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] قال أهل العلم: لم يقل: أجلسه أو أقعده، وإنما تلَّه بقوة، لُيري الله أنه ينفذ الأمر بحماس وقوة.
وإبراهيم صاحب مواقف خالدة في القرآن، فقد قال الله تعالى حاكياً عنه: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات:٩٣] ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] كلها مواقف تشهد له بالقوة، لأن المسلم ينبغي عليه أن يأخذ أحكام الله وتنفيذ أوامر الله بالقوة، أما البرود والكسل والخنوع فليس في دين الله، ولذلك يقول الله ليحيى ﵇: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢] خذه بقوة، ولا تأخذه ببرودة ويقول الله عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ﴾ [النساء:١٤٢].
ولذلك باستطاعتك أن تميز بين المؤمن والمنافق بمقامهم في مقامات الولاية والعبودية، فالمؤمن يأتي إلى الصلاة بحرارة، ويقرأ القرآن بحرارة، ويستمع إلى الخطب والمواعظ وحلق الذكر بحب وشوق وحرارة، والمنافق يأتي ببرودة، سواء صلى مع الجماعة أو لم يصل، وإن فاته فلس واحد من ماله جزع وهلع عليه، ولكن إن فاته دينه وصلاته فلا يهمه ذلك ولا يشعر بأن النفاق قد خرق قلبه
أما إبراهيم فأسلم وتلَّه للجبين، فلما أخذ السكين ليذبحه أتى لطف الله ، وأتت رحمته ، فلم تذبح السكين، ومن عادة السكين أنها تذبح، ولكن حكمة الله أن يمنعها من الذبح والبحر يغرق، ولكن قدرة الله تمنعه أن يغرق موسى ﵇ والنار تحرق -وهذه من سنن الله الكونية- ولكنها لا تحرق إبراهيم ﵇ والسكين تذبح ولكن بقدرة الله جعلها لا تذبح أبداً، فمنعها من عنق إسماعيل لأنه بريء طاهر عفيف والاغتيالات تتوجه إلى الناس لتفتك بهم، لكن رسولنا ﷺ سلم حصل أكثر من عشر محاولات اغتيال.
عناية الله أغنت عن مضاعفة من الدروع وعن عال من الأطم
قال الله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٧] نزل عليه من الجنة، فأخذ السكين وذبح الذبح العظيم وهو الكبش ورد السكين إلى مكانها.
ومدحه الله أبد الدهر وأثنى عليه وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات:١٠٦].
فهو بلاء خالد، لكن خلَّد الله ذكره يوم أن قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤] فرفع الله ذكره أبد الدهر.
стр. 9745
بناء إبراهيم وإسماعيل البيت العتيق
وعاد العودة الثانية، وإذا إسماعيل قد أصبح فتىً قوياً يصارع الرجال، ويستطيع أن يقوم بمهام الرسالة، ويستطيع أن يبني معه، فيوحي الله إلى إبراهيم ﵇، ويقول: يا إبراهيم! ابن هنا بيتاً.
فيأتي إبراهيم ليبني بيت الله الذي من عفر وجهه في تلك العرصات صادقاً رزقه الله الصدق والإخلاص.
ولما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية ثورة القرامطة عندما ثاروا في الكعبة، وقتلوا ما يقارب ثلاثين ألف حاج، قتلوهم في الحرم، قال: وقتلوا بعض العلماء، فلما أتوا إلى عالم من العلماء بالسكين ليقتلوه حول الحجر قال:
ترى المحبين صرعى في بيوتهم كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا
ثم سقط قتيلاً، قال ابن كثير: فهنيئاً لك ذلك المضجع، وهنيئاً لك ذلك المرقد، فإنها من أحسن البقاع، شرفها الله وأزال عنا كل رجس فمن ذهب لعمرة أو حج فليغتنم تربية روحه في تلك البقاع، وليمرغ وجهه في تلك العرصات، وليدع الله بصدق وهو يطوف ويسعى أن يرزقه الإنابة والهداية، فإنها من أعظم الوقفات في الحياة الدنيا.
فلما أتى إبراهيم ﵇، قال: يا إسماعيل! إن الله يأمرني أن أبني البيت، قال: أو أمرك ربك؟ قال: نعم.
وهل تعينني على ذلك؟ قال: نعم أعينك عليه.
قال ابن عباس: كأني بإبراهيم ﵇ وقد ارتفع على الجدار وإسماعيل يناوله الحجارة وهو يضعها ويبني.
أتدرون ماذا كان هزيجهم؟ وماذا كان نشيدهم الخالد؟ كانوا يقولون: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧].
يحسنون ويبنون لوجه الله، ويجاهدون ويدعون، ومع ذلك يقولون: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم والفاجر يفجر ويعصي ويزني ويكذب ويغتاب، ومع ذلك يقول: ورحمة الله وسعت كل شيء.
فإبراهيم ﵇ كان يقول: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧] لئلا يكون في العمل رياء وأتوا يبنون حتى وصل إلى مكان الحجر الأسود، فأمره الله أن يبقي مكانه، فلما انتهى من البناء وقف والتفت إلى الحي القيوم، ودعا الله أن يبارك في هذا البناء، وأتاه جبريل بالحجر الأسود، وهو أبيض كاللبن، كالجوهرة البيضاء، أنزله من الجنة، فسلمه إلى إبراهيم وقال: ضع هذا الحجر في هذا المكان، ليستلمه الناس.
قال ابن عباس: [[والذي نفسي بيده، لقد نزل الحجر أبيض كاللبن، فسودته خطايا بني آدم، حتى أصبح أسود]] وصح عنه ﷺ في حديث أنه قال: ﴿من استلم الحجر الأسود بصدق كان للحجر الأسود لسانان يوم القيامة يشهدان لمن استلمه بصدق في الحياة الدنيا﴾ أو كما قال ﵊.
فمن استلم الحجر الأسود أو قبله وهو صادق ومشتاق ومخلص؛ أنطق الله الحجر الأسود يوم القيامة بلسانين ناطقين، يشهد لمن استلمه بحق في الحياة الدنيا.
والحجر الأسود له قصة مسيرة في التاريخ، فإنه اعتدي على عرضه وعلى كرامته في عهد القرامطة، يوم أن وفدوا من الأحساء إلى البيت العتيق، ووفد معهم الفاجر أبو طاهر الجنابي، وأخذ بسيفه على جمله يقتل الحجيج، وهو يقول:
أنا بالله وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا
ثم تقدم أحدهم بدبوس من حديد بيده، فقال: يا معشر المسلمين! يا أيها الحمير! تقولون: إن الله يقول: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران:٩٧] نحن دخلناه الآن فأين الأمن؟ فقال له بعض العلماء: هذا من باب الأمر لا من باب الخبر.
أي: أن الله يأمرنا أن نؤمن البيت، وأنت قد أخفته، فتقدم بخنجر فطعن العالم فقتله، ثم أتى إلى الحجر الأسود فضربه ثلاث ضربات بهذه الدبوس فانفلق منه ثلاث فلق، وهذا هو ما تجدونه فيه من التكسير، لأنه قد وقع عليه ثلاث ضربات، وإلا فإنه كان أملس كالثوب الأملس فاجتمع بعض الملوك، فجمعوا بعض المسك والغارية، وخلطوا بعضها ببعض، وألصقوه في الحجر.
وأخذوا الحجر وأركبوه على سبعمائة جمل، كلما مشى جمل أصابه الجرب وأهلكه الله فسقط الحجر من عليه، فيركبونه على جمل آخر، فيموت الجمل الآخر، حتى مات سبعمائة جمل، ووصل إلى الأحساء، وبقي معهم حتى اجتمع سلاطين الدولة الإسلامية ودفعوا مبلغاً هائلاً من الدارهم والدنانير والذهب حتى أعيد الحجر إلى مكانه ولله حكمة في ترك هؤلاء الغوغاء يأخذون الحجر، وله حكم في الأحداث التي وقعت في التاريخ، فهو الحكيم: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].
بنى إبراهيم ﵇ البيت، ونزل ووقف عند المقام الذي نحن نصلي فيه اليوم، وفيه يقول الله : ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة:١٢٥] فوقف هناك، ودعا الله كثيراً، فأمره الله أن ينادي في الناس جميعاً أن يحجوا إلى هذا البيت، وأن يأتوا إليه، فإنه بيت الرحمن ﷻ ، وفيه الهداية والنور وفي السماء الدنيا بيت آخر كالكعبة، يطوف به كل يوم -كما في رواية المفسرين- سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه أبد الدهر فلما انتهى أمره الله أن ينادي في الناس بالحج، فارتفع على جبل من جبال مكة، فنادى في الناس، قال ابن عباس أو غيره من المفسرين: فسمعه الناس في أصلابهم، فقال: من أراد الله به الخير فليأت إلى البيت، لبيك اللهم لبيك.
قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٧ - ٢٨] يأتوك رجالاً، أي: مترجلين يمشون على أقدمهم ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧] على كل بعير ضامر أي: ضعف من شدة السفر.
دخل رجل على ابن سيرين العلامة الكبير، وكان ابن سيرين يعبر الرؤيا، ويئولها، وكان عنده تأييد إلهي في الرؤيا كما يقول الذهبي، ولذلك ذكروا عنه أموراً عجيبة، ولشدة تقواه لله وزهده وإخلاصه رزقه الله تعبير الرؤيا أتاه رجل فقال: رأيت حمامة أخذت جوهرة في المنام فأخرجتها أصغر مما كانت، ثم أخذتها فأخرجتها مثلها، ثم أخذتها فابتلعتها فأخرجتها أكبر منها، فما تعبيرها؟ وكان ابن سيرين فيه خفة روح ودعابة، مع تقواه واتصاله بالله ، فكان يضفي على جلاسه وسماره شيئاً من المزاح ومن الدعابة السلمية العفيفة فقال: هذا مثلي ومثل الحسن البصري وقتادة بن دعامة السدوسي -وهم كانوا علماء في عهده- أما أنا فأسمع الحديث فآتي به كما هو، فهذا معنى أن الحمامة أتت بالجوهرة كما هي، وأما قتادة فإنه ينقص من الحديث فنقصت الجوهرة، وأما الحسن البصري فإنه يدبج ويوشح الحديث فيأتي أكثر مما هو.
وبينما هو جالس أتاه رجل عليه ملامح التقوى والزهد والعبادة، فقال: إني رأيت في المنام أني أؤذن، فنظر إلى السائل قليلاً ثم قال: أنت تحج هذه العام ويتقبل الله منك.
فقال الجلاس: ولماذا؟ قال: لأن الله يقول: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] وبينما هم جلوس إذ دخل فاجر من الفجار -نسأل الله العافية- فقال: إني رأيت في المنام أني أؤذن، فقال: أنت تسرق وتقطع يدك.
قال: ولماذا؟ قال: يقول الله : ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف:٧٠].
قال الراوي: فو الله ما مرت فترة إلا وحج هذا، وسرق هذا ورأينا يده على باب الإمارة قد قطعت.
ومن أراد أن يتثبت من هذه القصص فليرجع إلى سير أعلام النبلاء، في ترجمة ابن سيرين، وحلية الأولياء لـ أبي نعيم، والبداية والنهاية لـ ابن كثير، وغيرها من الكتب.
الشاهد: أن إبراهيم ﵇ نادى فاستجاب له من استجاب، وأما إسماعيل فأقام هناك وتزوج من جرهم، فهو جد رسولنا ﵊، وفي حديث ضعيف في سنده كلام، يقول ﵊: ﴿أنا ابن الذبيحين﴾ فالذبيح الأول إسماعيل، الذي عرضه إبراهيم ﵇ للذبح، والذبيح الآخر هو عبد الله أبو الرسول ﵊ مباشرة؛ فإن عبد المطلب لما جفت بئر زمزم نذر نذراً أن إذا أخرج الله الماء أن يذبح أحد أبنائه، وكانوا عشرة، منهم: عبد الله والحارث، وحمزة، وأبو طالب، والعباس، وأبو لهب فلما خرج الماء أقرع بين العشرة أيهم يخرج نصيبه ليتقرب بذبحه إلى الله -وهذا في الجاهلية- فخرج السهم على عبد الله والد رسول الله ﷺ ، ففداه بعشر من النوق، فأتى السهم الآخر، فوقع عليه، ففداه بعشرين، حتى وصلت إلى مائة، ففداه بها فكان الرسول ﷺ ابن الذبيحين.
وهل الذبيح الأول إسماعيل أم إسحاق؟ فيه خلاف، لكن الصحيح أنه: إسماعيل، وعليه كلام ابن كثير وابن القيم والذهبي وشيخ الإسلام ابن تيمية.
ولذلك يقول كعب الأحبار لأحد الخلفاء: [[والله الذي لا إله إلا هو، لقد علم اليهود أن الذبيح إسماعيل، لكنهم حسدوكم فقالوا: إنه إسحاق]] وذلك لأنه شرف لنا أن يكون جدنا إسماعيل، فهو جد الرسول ﵊، فإن الرسول ﷺ عدناني لا قحطاني، والعرب قحطان وعدنان، فالرسول ﷺ بعث من عدنان وأنصاره من قحطان، وهم الأوس والخزرج ﵃.
стр. 9746
مواقف إبراهيم ﵇ في القرآن
المسألة الثانية: مواقف إبراهيم ﵇ في القرآن.
وقد أسلفت في الحديث أن الله لا يذكر في القرآن إلا المهمات الكبرى والقواعد التي ينبغي أن يستفاد منها، ولذلك من العجيب أن تجد بعض المفسرين يدندنون حول على بعض المسائل الخفيفة التي لا طائل منها، كأن يقول أحدهم: أرم: في أي بلد؟ وكم طول أعمدتها؟ وطول الخضر ﵇ ولون بشرته وأشياء لا طائل منها.
ولذلك يقول سيد قطب وهو يتحدث عن القرآن وعن حياته مع القرآن: إنني عشت وأنا في الطفولة مع القرآن، فكان للقرآن طعم خاص في قلبي يوم أن كنت أسمع القرآن مباشرة، فلما كبرت وأتيت أدرس القرآن في المدارس وجدت القرآن ممزقاً.
أي: أن القرآن مزق ببعض كلام الإسرائيليات، والقصص والأحاديث، وكثرة إدخال النحو والصرف فيه، ونحن لا ننكر فائدة النحو والصرف واللغة، لكن أن يحوَّل القرآن إلى كتاب نحو كأنك تقرأ في كتاب سيبويه، أو يحول إلى كتاب تاريخ كأنه البداية والنهاية، أو كتاب جغرافيا كأنك تقرأ في الأطلس فهذا لم ينزل القرآن من أجله، إنما القرآن كما يقول أبو الأعلى المودودي في كتاب كيف تقرأ القرآن وهذا الكتاب له خصائص ليست في كتاب آخر، يقول: فأول خصيصة: ينبغي على قارئ القرآن أن ينزع كل تصور مسبق عن القرآن، فيأتي إلى القرآن وهو يتصور أنه كتاب الله، وأنه كتاب هداية.
الأمر الثاني: أن يعلم أن القرآن لا يوافق أي كتاب آخر من تأليف البشر، فإنهم في تآليفهم يقولون: في هذا البحث ثلاثة أبواب، وفي الباب الأول ثلاثة فصول، وفي الفصل الأول ثلاث فقرات وخاتمة، ومقدمة المشرف والأعضاء وهذا ليس في القرآن، يقول أبو الأعلى المودودي: بينما أنت تقرأ القرآن التربوي الرافع -أي: المتحدث- تقرؤه وهو يتحدث لك عن حدائق الدنيا، وعن النخيل والأعناب، وأصوت الأطيار وخرير الماء، وعن الزهور والورود، يريد أن يبين لك التوحيد، وإذا هو ينتقل بك إلى عذاب القبر وبينما يصيبك الخوف والوجل من عذاب القبر وتسأل الله العافية والسلامة، وإذا به يتركك من هذا المكان ويدخل بك على الملوك؛ ليعلمك كيف ينبغي أن يعيشوا، وأن يحكموا شرع الله، وعلى القضاة وماذا ينبغي عليهم من السياسات الشرعية وإذا به ينتقل بك إلى ساحة الجهاد، وصليل السيوف وضرب الرماح وأنت هناك، وإذا به يتركك وينتقل بك إلى البيت والمرأة، والطلاق والنكاح، وماذا ينبغي أن يعيش المسلم في بيته، وما هي الأمور التي ينبغي أن تحكم في البيت هذا هو كتاب الله، لم يؤلف مثل تأليف البشر.
الأمر الثالث: أنه لم يتفرد في فن من فنون الدنيا ولقد ألف العلامة الكبير طنطاوي جوهري كتاباً في التفسير، وأراد الخير، لكن قالوا: في كتابه كل شيء إلا التفسير، أراد أن يفسر القرآن فأتى بكل شيء إلا التفسير، أتى حتى بالهندسة في القرآن، فهو: يستدل على أن هناك مثلثاً وأنه موجود بقوله : ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات:٣٠] قال: هذا يدل على أن رسم المثلث زواياه منفرجة.
والخط المستقيم هو أقرب خط بين نقطتين، لقوله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦].
إلى أمور أخرى، وسبقه إلى ذلك الفخر الرازي، الذي قالوا فيه: إنه من أساطين الدنيا، وقد ألف كتاباً في التفسير يقع في ستة عشر مجلداً، لكنك إذا قرأته كأنك تقرأ في كتاب الطب أو في كتاب هندسة أو كتاب كيمياء أو فيزياء، وليس هناك إلا بعض اللمحات عن التفسير، حتى قالوا: فيه كل شيء إلا التفسير.
فالمقصود: إن القرآن ليس كتاب تاريخ، فلم يعتنِ بالتاريخ تلك العناية، ولم يخبرنا أن إبراهيم ﵇ ولد عام كذا وكذا، وأنه كان طويلاً أو كان قصيراً، أو طوله كذا وكذا، أو عنده أبناء، وكان يفطر بكذا، ويتغدى بكذا، ويتعشى بكذا لم يخبرنا بشيء من ذلك.
وليس كتاب جغرافيا؛ فلم يخبرنا بالقارات ولا بالدول، وليس بكتاب هندسة؛ فلم يأت بالأشكال ولكنه كتاب هداية ونور وصلاح وفلاح، وهذه هي القضية الكبرى التي ينبغي أن تفهم.
стр. 9747
موقف إبراهيم مع النمرود
أما مواقف إبراهيم في القرآن فهي كثيرة، وسأذكر لكم هذه المواقف لنتعلم عقيدة أهل السنة والجماعة من هذه المواقف، يقول بعض العلماء: حق على من أراد أن يتعلم العقيدة أن يتعلمها من مواقف الأنبياء في القرآن مع قومهم.
يقول الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨].
هذا النمرود بن كنعان الذي ملك الدنيا، يقول ابن عباس ﵄، وقد ذكره ابن كثير في سيرة إبراهيم ﵇، قال: ملك الدنيا أربعة: مؤمنان وكافران، فأما المؤمن الأول فهو سليمان ﵇، قال الله عنه: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥] الآخر: ذو القرنين ﵇.
وأما الكافران: فـ النمرود بن كنعان، وبختنصر، وقد أحسن الأخير؛ لأنه أباد اليهود من الأرض أول مرة، وهتلر أبادهم المرة الثانية، وينبغي لهم أن يبادوا مرة ثالثة؛ لأن الوتر مطلوب في الإسلام فـ بختنصر قطع دابرهم وتتبعهم حتى قتلهم قتل عاد وثمود، وأتى هتلر -سود الله وجهه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه- فأدخلهم وهم أحياء في الأفران، ولذلك إذا سمعوا بالنازية يغشى عليهم من الخوف والهلع وبقي لهم ثالث موحد يدوسهم على التراب أحفاد القردة الخنازير، وهذا قريب إن شاء الله.
فأتى إبراهيم ﵇ ودخل على هذا الملك والله أخبر عن الأنبياء أنهم يدخلون على السلاطين، وأنهم يتحدثون مع الطغاة، فقد أخبرنا أن إبراهيم دخل على النمرود، وأخبرنا أن موسى دخل على فرعون وسنقف مع القصتين لنرى ما هو الاختلاف بين الحوار والجدل، وما هي المناظرة التي وقعت، وما هي البينونة بين هذه القصة وبين تلك إبراهيم ﵇ دخل على هذا الفاجر، فدعاه إلى الله ، قال الله عنه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة:٢٥٨] أي: أعطاه الله الملك، ثم حاج إبراهيم في ربه ! كأن تقول لابنك -ولله المثل الأعلى-: أعطيتك، وشريت لك سيارة، ثم ما كان منك إلا أن تترك الفرائض وتترك مجالس الخير، وتذهب تعصي الله وتضيع وقتك!
﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] دخل إبراهيم وأراد أن يفحمه، فقال الملك: ما هي علامات ربك؟ قال: يحيي ويميت ولذلك موسى لم يقل هذا لفرعون؛ لأن فرعون درس في هذه المدرسة، فلو قال له ذلك لقال: أنا أحيي وأميت.
فموسى ﵇ تجنب هذا، لأنه ضيع الوقت مع فرعون فقال النمرود: أنا أحيي وأميت.
قال: كيف تحيي وتميت؟ قال: تعالوا بأسيرين، فأخرجوا محبوسين من السجن، فقال: هذا سوف أحييه وأعتقه، فقد عفوت عنك، وهذا سوف أميته، فضربه بالسيف وهذا ليس في اللغة ولا في العقل ولا في النقل أنه إحياء وإماتة، لكنه فاجر مجاهر بالفجور، فما موقف إبراهيم ﵇؟ هل من الحكمة أن يقول: لا والله ليس هذا بإحياء وإماتة، ويضيع الوقت معه، ثم يحلف ذلك أن هذا إحياء وإماتة، ثم يقول: قدم شاهدين وأعطني بينة؟ لا.
بل قال له: مادام أنك تحيي وتميت فما شاء الله تبارك الله عليك: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:٢٥٨] ولذلك يسمى هذا في الجدل (الإفحام) ومن أحسن من كتب فيه: الدكتور زاهر بن عوض الألمعي، في كتاب: الجدل في القرآن قال: مادام أن عندك هذه الإمكانيات والقدرات التي ما اكتشفناها إلا اليوم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:٢٥٨] ولو كان يستطيع أن يواصل في هذه القضية لواصل، لكنه ما استطاع أن يرد: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨].
стр. 9748
مقارنة موقف إبراهيم مع النمرود وموقف موسى مع فرعون
هذه هي المناظرة التي نجح فيها إبراهيم ﵇، أما موسى ﵇ فأتى من نوع آخر، دخل على فرعون، ولما أصبح على العتبات، ماذا أوصاه الله ؟ هل قال له: ارفع صوتك، أو ثبت جنانك، أو هيئ خاطرك؟ لا إنما قال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ [طه:٤٤] ما ألطف الله بعباده! وما أحسن دعوة الرسل وما أحسن أسلوبهم في القرآن! ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
من يدري؟ لعل الله أن يفتح عليه، ولذلك على الداعية ألا ييأس من الناس، فلو رأيت الإنسان يشرب الخمر ويزني ويسرق سبعين مرة، فلا تيأس منه، لأن مفاتيح القلوب بيد الله، قال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤] قيل: يتذكر النعم، أو يخشى من العذاب.
فدخل موسى ﵇، فلما أصبح في الإيوان، ورأى الوزراء والأبهة والأمراء والسيوف والدولة والملك؛ خاف، قال الله: ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥].
يخاطب ربه مع أخيه هارون، ويقولان: يا رب نخاف من هذا الفاجر أن يفرط، أي: يستعجل علينا، ولا يتركنا نُسلم عليه، ويمكن أن يحبسنا أو يضربنا ضرباً مبرحاً ﴿أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥]: يتجاوز في العقوبة، فإذا كان استحقاقنا خمسين جلدة، يجلد كل واحد منا مائة جلدة، فيقول : ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] أي: أنا معكم فلا تخافا، إنما تكلم والله معك فدخل عليه، وهو رجل شاب، وكان قد قتل واحداً منهم، ثم ذهب يرعى الغنم، وإذا به يأتي بإزار من صوف، ومعه عصا كان يرعى ويهش بها على الغنم، أتى من الصحراء ويدخل على هذا الطاغية، الذي ما يرى الشمس إلا من السنة إلى السنة من الرفاهية والكبر، فيأتي وإذا هو منتفش كالطاوس على كرسيه.
يقول الحسن البصري: قاتل الله فرعون! كان طياشاً -سفيهاً- لأن العاقل ولو كان كافراً فإنه يترك الإنسان المتحدث الوافد عليه حتى يتحدث، ولذلك ملوك العرب كانوا يتركون الوافد حتى يلقي ما عنده، ويشرح غرضه، ويلقي رسالته أما هذا فلما رأى موسى وهارون جلس وقال: من ربكما يا موسى؟ كان الواجب أن يتركهم حتى يتكلموا، لكنه قاطعهم فقال: من ربكما يا موسى؟ قال الزمخشري: فلله در جواب موسى من جواب.
لم يقل: ربي الذي يحيي ويميت؛ لأنه سوف يضيع عليه الوقت كما ضيعه النمرود بن كنعان، وموسى ﵇ قد درس رسالة إبراهيم، وعرف مجريات حياته ودقائقها، فإن الله يعلم كل رسول برسالة الآخر، فقال: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] قال الزمخشري: لله درك من مجيب! ولله در جوابك ما أحسنه! فإن هذا هو الإفحام.
ذاك يدعي الألوهية، وعنده نهر صغير فقال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] فأجراها الله من فوق رأسه: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] ولم يقل: ربنا سميع وبصير لأن أهل السنة والجماعة يقرون بصفات الله ، ويقرون كذلك بأن للمخلوق صفات، فهم يقولون: الله عالم، له علم يليق بجلاله، والإنسان عالم له علم يليق به، ويقولون: الله حليم، له حلم يليق بجلاله، والإنسان قد يكون حليماً له حلم يليق به فلو أتى موسى ﵇، لكان ذلك مدخل لفرعون إلى قياس الاشتراك، فلو قال: ربي سميع، لقال فرعون: وأنا سميع، والناس سوف يصدقونه، ولو قال: ربي عليم، لقال فرعون: وأنا عليم، ولو قال: ربي حي، لقال فرعون وأنا حي لكنه أتى بصفتين ليست في فرعون -لأنه يدعي الألوهية-فقال: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] فعرف الكذاب أنه لا يعطي كل شيء خلقه ثم يهديه.
وما فائدة قوله: ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]؟ قالوا: هدى كل شيء إلى خلقه.
يقول : ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:٣] ولما قرأ سيد قطب هذه الآية سال قلمه في سورة الأعلى فنسي نفسه، فأتى بصفحات في هداية الله للحيوانات، وأتى بأعاجيب يحسن بنا أن نعود إلى الظلال لنقرأ هذه القصص وهذه الأعاجيب، يقول: من هدى الأسماك حتى تهاجر من المحيط الهندي إلى المحيط الأطلسي في وقت البيض، فتبيض هناك لأن ذلك، المحيط يتجمد، فإذا فقست بيضها هاجرت هذه المواليد والزواحف لتعود إلى أمهاتها! ومن هدى الجراد أن يأتي في موسم الصيف، فيفر من بلد إلى بلد؟ ومن هدى النحلة حتى يقول كريسي موريسون، ينقل عنه سيد قطب يقول: لعل راداراً يوحي إلى هذه النحلة بمكانها، كيف تهاجر وتترك خليتها ثم تقطع آلاف الأميال وتعود إلى الخلية! قال سيد قطب: نعم.
إن الله يقول: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً﴾ [النحل:٦٨ - ٦٩].
الشاهد: أن موسى ﵇ دمغه، فلما اندمغ احتار، ثم بعدها: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه:٥١] يقول: إن كان الله سوف يبعث الناس يوم القيامة، فأين تذهب القرون الأولى عندما تموت ولا تعود؟ فبإمكان موسى أن يقول له: ما دخلك يا حقير في هذه المسائل، لكنه تأدب في الخطاب؛ لأن الله أوصاه: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]
ولكن: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه:٥٢] ولله دره من جواب! فإنه لم يقل: لا يضل وسكت، لأنه لو قال: يضل وسكت؛ لقال الناس: إذاً ينسى، ولم يقل: لا ينسى وسكت؛ لأنه لو قال: لا ينسى وسكت، لقالوا: إذاً يضل، فنفى عنه الأمرين، نفى عن نفسه أن إذ وضع شيئاً في مكان فيضل عليه مكانها، أو ينسى أين وضعها بل هي في سجلات محفوظة عنده .
стр. 9749
إبراهيم ﵇ ومسألة إحياء الموتى
وهذا موقف ثان في القرآن يتحدث الله عنه باستفاضة ففي آخر سورة البقرة يعرض الله مشهد البعث والنشور للناس ويحسن بالداعية أن يستلهم هذه المواقف لعرض الدعوة على الناس؛ لأن مسألة البعث والنشور من أخطر المسائل في حياة الإسلام، فهما قضيتان: قضية توحيد الله ، وقضية الإيمان باليوم الآخر، يذكرهما الله دائماً.
ولذلك يقول الله تعالى بعد قصة إبراهيم ﵇ مع النمرود: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة:٢٥٩] وفي قراءة: (نُنشرها) أو (نَنشرها) ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩] قال بعض أهل العلم: إنه عزير، النبي الصالح من بني إسرائيل، خرج فمر بقرية كانت جميلة، ذات رواء، فيها أطيارها، وأشجارها وأنهارها، وفيها سكانها، ثم مر بها بعد فترة وإذا هي قد تهدمت، فلا أنيس فيها، ولا صائح ولا مجيب ولا حبيب ولا قريب، فالتفت إليها وقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩].
وكان معه حماره، وعليه طعامه وشرابه -ولا يهمنا طعامه وشرابه من أي شيء يكون- فأراد الله أن يعلمه، وكما يقول أحد الأساتذة الكبار الخطباء، قال: أدخل الله عزيراً في المختبر هو وحماره، فأخرجه وهو يؤمن بالله واليوم الآخر فأجرى عليه عملية الموت والإحياء مات الرجل ثم مات الحمار، والطعام والشراب في الخرج ما تغير بشيء وبعد مائة سنة أيقظ الله هذا الرجل الصالح، فقال له: كم لثبت؟ فنظر إلى الشمس وكان الوقت بعد العصر، وكان قد توفي في الصباح -كما يقول أهل التفسير- ولما بعثه الله بعثه بعد العصر، فقال: لبثت يوماً أو بعض يوم.
إما يوماً كاملاً، ولكن أخاف أني ما أكملت اليوم؛ لأن الشمس لم تغرب بعد، إذاً بعض يوم، وهذا من الورع والاحتياط في الحساب.
فقال : ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة:٢٥٩].
هذا الطعام موجود منذ مائة سنة، لم تتغير رائحته ولا طعمه، ولا لونه، ففتح فوجد اللحم كما هو، ووجد الماء والعصير كما هو لم يتغير، لكن الحمار غير موجود، لأنه لو كان الحمار موجوداً أمامه لشك كذلك في أنه بقي مائة سنة، فالتفت فلم يجد الحمار، ووجد العظام أمامه قال سبحانه تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً﴾ [البقرة:٢٥٩] قالوا: أعاد الله الحمار أمامه، فركب العظام وهو ينظر -بعد أن علم أن الحمار غير موجود- ثم كساه الله لحماً -كما ذكر في الخلق- فلما كسي لحماً ركب أعصابه فيه، ثم أعطاه دماً، ثم أعطاه جلده وشعره، ثم خلق فيه الروح؛ فانتفض الحمار، فإذا هو حي أمامه هل في ذلك شك؟!
﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة:٢٥٩] قيل: ننشزها: نركب بعضها في بعض، أو نحييها، وقيل: ننشرها بعد أن ماتت ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩].
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠] قال المفسرون: مر إبراهيم ﵇ بجيفة ميت، قيل: إنه حيوان ميت على ساحل البحر، وإذا بالغراب ينهش منه ويذهب، والحدأة تأكل منه، والنسور والطيور وغيرها، فقال إبراهيم: سبحان الله! الله يحيي الأموات بعد أن تموت، ولحوم هذه تذهب في بطون هذه كيف ذلك؟
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة:٢٦٠] أنت أستاذ التوحيد، الذي تربي الناس على التوحيد والعقيدة وتتكلم بهذا الكلام؟! ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠].
ولذلك يقول ﵊: ﴿ليس الخبر كالمعاينة﴾ وقال كما في صحيح البخاري: ﴿نحن أولى بالشك من إبراهيم﴾ أي: لو كان إبراهيم شاكاً لشككنا نحن، وهذا من تواضع الرسول ﵊، فإنه يقول: إبرهيم أقوى منا إيماناً، وأعرف منا بالتوحيد، وأقوى يقيناً، فلو شك لشككنا، فنحن أولى بالشك منه.
قال الله : ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] قد آمنت لكن أريد يقيناً عندما أرى الأمر مباشرة فأجرى الله عملية البعث بين يديه، ولم يقل له: إني سوف أحيي فلاناً أو فلاناً، لكن: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة:٢٦٠] وقد اختلف أهل التفسير في الطير، وقد ذكره صاحب فتح القدير، فقال بعضهم: هي بط ووزة وحمام ودجاج، وقال بعضهم: ليس فيها أوز، فيها حمام زاجل، وقال بعضهم: بل فيها نسر، وقال بعضهم: بل حدأة وغراب وهذا ليس فيه طائل، وإنما هي أربعة أصناف من الطيور ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة:٢٦٠] الصر: هو القطع، وقيل: هو الضم وما أحسن أسلوب القرآن! فإن الله لا يتكلم في القرآن إلا بالجملة الراقية العظيمة التي تملأ الأذنين جلالة وتملأ القلب محبة ورهبة ولذلك انظر كيف يتحدث القرآن بكلام لو تحدث عنه الناس بهذا الأسلوب، لتبدل الكلام، ألم يقل الله : ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق:١٠].
فلو تحدثنا عنه لقلنا: والنخل طويلات، لها ثمر طيب لكن الله قال: باسقات، جمع باسقة، في بلاغة وإبداع! وقال: لها طلع، ولم يقل: ثمر، لأن الطلع فيه حياء ورواء وإجماع للذهن، وإحياء للقلب، وقال: نضيد؛ كأنه حب منضود، أو كأنه عقد نقض بعضه على بعض فسبحان من أنزل هذا القرآن!
فأخذ إبراهيم ﵇ الطيور الأربعة، فقطعها، ثم جمع جثثها، شعرها ولحمها ودمها وعظامها، جمعها وخلطها، ثم وزعها على رءوس الجبال، وكانت رءوسها عنده، ثم نزل إلى الوادي والجبال حوله، ثم دعا وقال: تعالي باسم الله؛ فأخذ كل عضو يأتي إلى مكانه الجناح يأتي حتى يرجع إلى مكانه، ويأتي الشعر إلى مكانه وهكذا حتى رفرفت ثم خرجت من بين يديه فإذا هي أحياء بإذن الله.
قال الله: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً﴾ [البقرة:٢٦٠] ولم يقل: يأتينك على مهل، أو يأتينك يتدحرجن؛ وذلك لأن السعي فيه معنى الحياة قال الله : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٨٢ - ٨٣].
ثم قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠] لماذا قال الله في هذه الآية: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠] وقال عند عزير: ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩]؟
الآيتان وراء بعض، والقدرة والحكمة وجدت هنا وهناك، فلماذا هذا الاختلاف؟
الجواب
عزير كان عنده شك في إحياء القرية، فناسب أن يقول: أعلم أن الله على كل شيء قدير، ليقرر له حقيقة القدرة، وإبراهيم ﵇ لما قال الله له: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة:٢٦٠] فهو قد نفى عن نفسه الشك، فما يناسب أن يقول: أعلم أن الله على كل شيء قدير؛ لأنه قد علم، لكنه قال له: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠] فهو صاحب عزة وحكمة، فناسب أن يختم هذه بهذه، وهذه بهذه ولذلك أنا أنصح نفسي وإياكم بالاعتناء بخواتم الآيات؛ لأنها ما تأتي إلا لحكمة، فالله إذا ذكر المغفرة والتوبة في سياق الآيات قال: والله غفور رحيم، وإذا ذكر الحدود والعزة والحكمة قال: والله عزيز حكيم، وإذا ذكر الرزق والعلم والعطية والإذن قال: الفتاح العليم الوهاب، .
سمع أعرابي قارئاً يقرأ من حفظه قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] إلى قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:٣٨].
فقال القارئ: والله غفور رحيم.
فقال الأعرابي: لا يكون هذا أبداً، قال القارئ: ولم؟ قال: لأنه لا تأتي المغفرة والرحمة بعد هذا، إنما الذي يناسب هو العزة والحكمة.
فرجع إلى المصحف فوجدها كما قال الأعرابي وهذا من حكمة الله في كتابه الكريم.
стр. 9750
الكلمات التي ابتلى إبراهيمَ ربُهُ بها
يقول الله سبحانه في موقف آخر مع إبراهيم: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ [البقرة:١٢٤].
إبراهيم هنا هو المفعول فهو الذي ابتلاه الله بكلمات وبماذا ابتلاه ؟ وما هي هذه الكلمات؟
قيل: هي قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ [البقرة:١٢٤].
القول الثاني: أنها أوائل سورة المؤمنون، قال ابن عباس: [[ابتلاه الله بثلاثين آية، من أول سورة المؤمنون، - ترفع على الحكاية- وعشر من سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٣٥] والبقية، وعشر من سورة المعارج وسورة التوبة]]
وقيل: ابتلاه بخصال الفطرة، وهي: قص الشارب، وتقليم الأظافر، والوضوء.
والأحسن أن يقال: ابتلاه بالتكاليف الشرعية، فقام بها على أحسن قيام؛ فجعله الله للناس إماماً، ومن قام بالتكاليف الشرعية جعله الله للناس إماماً ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة:١٢٤] أي: واجعل من ذريتي أئمة؛ فأجابه الله: ﴿قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤] أي أن كل ظالم ولو كان من ذريتك لا يناله العهد، ولا يناله التوفيق ولا الهداية ولا السداد هذه من مواقف إبراهيم في القرآن.
стр. 9751
إبراهيم وإلقاؤه في النار
ومن مواقفه: إلقاؤه في النار وهو من أعظم المواقف التي تعرض لها في حياته، والتي أظهرت فضله ومنزلته، والعجيب أنه لما ألقي في النار تخلى عنه كل أحد إلا الله ، فأتاه جبريل وقال له: هل لك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم.
فلما ألقي قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، فجعلها الله برداً وسلاماً عليه، ولو جعلها برداً فقط لمزقته بالبرودة والزمهرير ولو جعلها سلاماً فقط لاقتضى أن يكون فيها حرارة، ولكن جعلها برداً وسلاماً؛ فخرج بإذن الله، وسلمه الله ، وكرر الله هذه القصة لأوليائه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
стр. 9752
خصائص إبراهيم ﵇ وصفاته في القرآن
يتميز إبراهيم ﵇ في القرآن عن الأنبياء بثلاث ميز:
الأولى: أن الله ذكر بعض صفاته كثيراً أكثر من غيره من الأنبياء.
الثانية: أنه عرض دعوته بالآيات والتفكر في مخلوقات الله أكثر من غيره.
الثالثة: أنه واجه صعوبات مع أبيه ومع بيته قبل أن يذهب إلى الناس ولذلك يذكره الله كثيراً، يقول الله عنه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود:٧٥] أواه: أي: كثير التأوه من الذنوب، وقيل: كثير الاستغفار، وقيل: كثير التوبة حليم: أي: أنه شفيق رحيم فإن الله تعالى ذكر هذه الآية بعد قصة ذهاب الملائكة إلى قوم لوط ليدمروهم، فأشفق عليهم إبراهيم ﵇، وأخذ يجادل فيهم القوم مهلكون، وإبراهيم ﵇ قام وترك الغداء معهم وقام يجادلهم في قوم بلغوا من إجرامهم كل مبلغ، فهذه علامة الحلم.
وقد ذكره الله في الشجاعة فقال: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات:٩٣].
وذلك عندما ذهبوا إلى عيدهم، فأتى بفأس فمال على الأصنام فضربها حتى كسرها، وكانت من زبرجد ومن زجاج ومن ذهب وفضة، وأخذ الفأس فعلقه على الكبير الأبله، فأتوا إليه، ومن حقارتهم أنهم يهونون من شأن مخالفيهم: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٠].
لأن أهل الضلال الآن إذا سمعوا بأهل الإصلاح وأهل الخير قالوا: هناك أناس يدعون أنهم سوف يدعون إلى الله وينشرون العلم، والصهيونية العالمية تفعل هذا مع الدول الإسلامية، وتهون من شأنها، وأما نحن إذا أخبرنا عنهم فنقول: الإرهابيون، القتلة، حتى نخوف نساءنا وأطفالنا منهم، فنتصورهم في المنام، وهم يهونون من شأننا.
وإبراهيم ﵇ له روغتان: روغة شجاعة، وروغة كرم قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] أي: من روغته وسرعته أتى بعجل.
إذاً: من صفاته: الكرم والشجاعة والحلم وهذه ميزة القيادي، وقد كانت موجودة في أبي بكر، فقد قال ﵊ كما في صحيح البخاري: ﴿يا أبا بكر! إن فيك شبه من إبراهيم ﵇﴾ أو نحواً من هذا.
стр. 9753
أثر بركة إبراهيم ﵇ في مكة
ولما أتى إبراهيم ﵇ إلى مكة ترك الأثر العجيب المبارك إلى قيام الساعة، ولا بد أن أستعرض معكم في هذه العجالة بعض المسائل:
أولاً: ما جاء في ماء زمزم وفضلها: فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: ﴿ماء زمزم شفاء سقم، وطعام طُعم﴾ فهو يشفي -بإذن الله- السقيم لمن تعالج به وعرف قدره، قال ابن القيم: وأتاني مرض أعيا الأطباء، فنزلت وأخذت من ماء زمزم، ورقيت نفسي فتشافيت بإذن الله فمن أحسن ما يستشفى به الاستشفاء بماء زمزم، ومن استشفى به شفاه الله بإذنه سبحانه.
وطعام طعم، أي: أنه يكفيك عن الطعام، وأنك لو بقيت على ماء زمزم لشبعت بإذن الله، إن كنت تقصد الإشباع، فقد جاء في الحديث: ﴿ماء زمزم لما شرب له﴾ وقد بقي عليه أبو ذر أربعين ليلة، يقول: حتى تكسرت عكن بطني من السمن.
ومن المسائل: هل يجوز أن يتوضأ بماء زمزم أم لا يجوز؟
المسألة خلافية بين أهل العلم: فبعضهم كره أن تتوضأ منه؛ لأنه ماء طاهر مبارك، فلا يمتهن بالوضوء والصحيح أنه يتوضأ منه، فقد جاء في مسند الإمام أحمد من حديث علي وأسامة بن زيد ﴿أن الرسول ﵊ توضأ وشرب من ماء زمزم﴾ وقد ورد أن الرسول ﵊ أدخل أصابعه في الصحفة فبارك الله في الماء الذي خرج من أصابعه، فتوضأ الناس من هذا الماء، وهو أشرف من ماء زمزم، فمن باب أولى أن يتوضأ منه، وكذلك يجوز أن يغتسل به من الجنابة، وهذا هو الصحيح إن شاء الله.
وكيف شرب الرسول ﷺ منه؟ ثبت أنه شرب منه واقفاً قيل: لكثرة الزحام، وقيل: لعجلته ﷺ ، وقيل: ليبين الجواز، وهذا كله وارد، فمن شرب مرة واقفاً فقد خالف الأولى، والأحسن أن يشرب جالساً، ومن كان في زحام أو مشقة أو عجلة فله ذلك.
المسالة الثانية: تحريم مكة على لسان إبراهيم ودعوته لها بالبركة، فإنه حرمها ودعا لأهلها بالبركة، فبارك الله فيها، ولذلك عندما قال إبراهيم لزوجة إسماعيل: ما طعامكم؟ قالت: اللحم والماء.
قال: هل لكم طعام غيره؟ قالت: لا.
ليس لنا إلا اللحم والماء.
فدعا لهم بالبركة فيه قال ابن عباس: فما ينفرد أحد من الناس في غير مكة باللحم والماء إلا لم يوافقاه، إلا في مكة فيوافق العبد اللحم والماء.
فلا يستطيع الإنسان أن يعيش دائماً على لحم وماء إلا في مكة.
المسألة الثالثة: فضل الزوجة الصالحة، وأنها علامة الخير وإذا آنست المرأة زوجها بالصلاح وأظهرت له الخير والبركة، بارك الله في البيت، ولذلك إبراهيم ﵇ أمر إسماعيل ﵇ أن يطلق امرأته الأولى؛ لأنها دائماً تتشاءم، فالخير موجود ومبذول، والماء كثير، والبيت واسع، ولكنها دائماً تقول: بيتنا ضيق، وسيارتنا لا تصلح، وأثاثنا من أخس الأثاث، ونحن في شدة وفي ضنك، والناس مرتاحون إلا نحن فهذه ليس فيها خير ولا بركة فإن المرأة الصالحة ولو كانت تأكل خبز الشعير فإنها تحمد الله، وتقول: نحن في نعمة وارفة، وفي ظل ممدود، ونحن في بركة وخير، وهذه هي علامة الخير والبركة.
ومن المسائل: فضل التوكل على الله ، فإن إبراهيم ترك أهله وترك زوجته وطفله وذهب متوكلاً على الله فحفظهم الله.
وفي الختام: نسأل الله لنا ولكم الهداية والسداد والتوفيق، وأن يتولانا وإياكم، وأن يرعانا ويفقهنا في دينه، وأن يبصرنا بشرع نبيه وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 9754
احرص على ما ينفعك
بين لطائف اللغة ونصوص الشريعة، تتنقل بنا هذه المادة، في حديث عن أحكام التمني والتحسر، وضوابط (لو) و (لولا).
تتخلل ذلك أحاديث عن بعض الشخصيات كالحطيئة والحجاج، وكابن المسيب وابن جبير، وبعض الإضافات التي تضمنتها الأسئلة بعد المحاضرة.
стр. 9755
أحكام (لو) في الشريعة واللغة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
ومع أحاديث من صحيح البخاري في كتاب التمني، يتساءل ويسأل الأكثر! عن لفظٍ يُطلقه كثير من الناس، ما صحة هذا اللفظ؟ وما مدى مصداقية هذا اللفظ؟ وهل يعارض هذا اللفظ القضاء والقدر؟ وما هو موقف القرآن والسنة من هذا اللفظ؟
قال رحمه الله تعالى: باب ما يجوز من اللَّو وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ [هود:٨٠] ما هي كلمة "لو"؟ والبخاري سرد أحاديث على "لو ولولا" هل يجوز لك أن تقول: لو؟ لو فعلت كذا لكان كذا وكذا؟
عندما تمرض فتقول: لو أني ذهبت إلى الطبيب قبل مرضي لما مرضت؟ يرسب ابنك، فتقول: لو أني ذاكرت مع ابني أو راجعت له دروسه ما رسب، هل هذا جائز أم لا؟
ذلك ما سوف يجيبنا عليه الإمام البخاري، وسوف يحلق بنا المصطفى ﵊ في أحاديث لندخل رياضاً يانعة، ولنسمع أقوال أهل العلم وهم يحللون هذه الألفاظ (لو ولولا).
стр. 9756
قول لوط لقومه: (لوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّة)
قال: وقوله تعالى: ﴿لوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّة﴾ [هود:٨٠].
لوط ﵇ هو الذي قال هذه المقالة، لما هجم عليه المجرمون يريدون ضيوفه من الملائكة، وكان قوم لوط قوم سوء -أهل فاحشة- فلما رآهم خرج إليهم، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٨] أما عندكم إيمان؟ أما عندكم عقول؟
ثم تأسف وتحسر! وقال من شدة الغضب: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ [هود:٨٠] لو أستطيع أن أقارعكم وأجاولكم وأصاولكم هذا اليوم لفعلت، ثم انتقل وقال: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠].
ما هو الركن الشديد؟
الأسرة القوية، قال: يا ليت عندي قوة في نفسي هذا اليوم، أو يا ليت عندي أسرة قوية وعشيرة مؤيدة لأخمدكم هذا اليوم.
قال ﵊ وهو يقرأ هذه الآيات: ﴿رحم الله أخي لوط، لقد كان يأوي إلى ركن شديد﴾ والركن الشديد هو الله فيقول: كأن الرسول ﵊ تعجب! كيف يقول: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد، وكأنه نسي الله من الغضب، ولا أقوى وأجل وأعظم من الله!! لكنه قالها مع الغضب.
стр. 9757
" لو " في حديث عن يوسف
والرسول ﵊ كان يتابع بعض قصص الأنبياء باستغراب، وربما علق ﵊، قرأ سورة يوسف يوم وصل يوسف السجن ويوم عاد الرسول إلى الملك، فقال ﵊: ﴿رحم الله يوسف! لو لبثت ما لبث يوسف في السجن لأجبت الداعي﴾ كأنه يقول: يوسف أفضل منا على هذا، ويوسف ﵇ رفض أن يخرج من السجن إلا ببراءة، قال الملك: أريد أن أستخلصه لنفسي، قال: لا.
﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٠].
يقول: لا أخرج حتى يكتب لي براءة أني ما خنت وما أخطأت وما تعديت؟ وفي الأخير خرج ببراءة، فالرسول ﷺ أكبر قيمته.
стр. 9758
" لو " في حديث عن موسى والخضر
وقرأ ﷺ سورة الكهف، وتابع القصة باستغراق بين موسى والخضر ﵉، فلما انتهت القصة، قال ﵊ وهو يتبسم: ﴿رحم الله موسى! لوددنا أنه صبر وقص علينا من نبأهما﴾ يقول: ليته مكث قليلاً حتى يزداد علماً بهذه السيرة والرحلة العجيبة الغريبة.
стр. 9759
حديث البخاري في باب ما يجوز من اللو
ثم قال البخاري: باب ما يجوز من اللو؛ لأنه ورد عند مسلم وابن ماجة وأبي داود وأحمد بألفاظ متباينة، يقول ﵊: ﴿المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله، وإن أصابك شيء؛ فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل﴾ فالآن هل يجوز لنا مع هذا النهي في الحديث أن نطلق "لو" وأن نتلفظ بها؟ هذا ما سيظهر لنا من مقصود البخاري.
قال حدثنا علي بن عبد الله.
علي بن عبد الله هو: المديني شيخ الإمام البخاري، إمام كبير وأمير المؤمنين في الحديث، كان حفظه للحديث كالسحر، يقول البخاري على جلالته في الإسلام: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني.
قال: حدثنا سفيان بن عيينة، سفيان في السند اثنان: سفيان الثوري وسفيان بن عيينة وكلاهما جليلان، وحماد في السند اثنان: حماد بن سلمة وحماد بن زيد وكلامها جليلان أيضاً.
حدثنا: أبو الزناد، عن القاسم بن محمد، قال: ﴿ذكر ابن عباس المتلاعنين، فقال عبد الله بن شداد: أهي التي قال رسول الله ﷺ : لو كنت راجماً امرأة من غير بينة؟ قال: لا! تلك امرأةٌ أعلنت﴾ الشاهد هنا "لو".
أما قصة هذا الحديث فهو أنه أتى رجل إلى الرسول ﵊، فقال: يا رسول الله! إذا وجد الرجل مع امرأته رجلاً آخر ماذا يفعل؟
فكره ﵊ هذه المسألة؛ لأنها لم تقع بعد والإنسان يطلب ستر الله وعفوه وكرمه، فكره ﷺ المسألة، ولم يجب ﵊ الرجل، فوقع الرجل في هذه المغبة والمسألة، فذهب إلى الرسول ﵊ فشكى امرأته إليه، فقال ﵊: ﴿البينة وإلا حد في ظهرك، قال: يا رسول الله! والله ما كذبت ولا كُذبت، قال: البينة وإلا حد في ظهرك﴾ أنت قاذف والقاذف يجلد ثمانين جلدة، قال: ﴿يا رسول الله! ما كذبت ولا كُذبت﴾ وخرج يسأل الله أن يجعل الله له مخرجاً، إما أن يجلد وتفارقه زوجته؛ لأنه قاذف، وإلا أن يقيم البينة، وتُرجم زوجته، فأنزل الله الحل لهذا الملاعنة في سورة النور، فاستدعاها ﷺ واستدعاه، ووعظه بالله وذكَّره بلقائه وموعوده والعرض عليه، فلاعن وتقدم، ثم أخذها وذكرها بموعود الله والعرض على الله، والوقوف بين يديه، فتقدمت، وفي الأخير قال ﵊: ﴿انظروا لها وقد حملت! إن أتت به كيت وكيت فهو شبيه بزوجها، وإن أتت به كيت وكيت فهو شبيه بالرجل الذي رميت به﴾ فوضعت بالرجل التي رميت به، نسأل الله العافية!
قال ﵊: ﴿والذي نفسي بيده! لولا ما سبق من الكتاب لكان لي ولها شأن﴾ أي: لولا آية سورة النور لكان لي ولها شأن -يعني: الرجم- وقال ﵊: ﴿لو كنت راجماً امرأة من غير بينة﴾ أي: لرجمتها، فـ"لو" هنا استخدمها ﷺ .
стр. 9760
شروط جواز استخدام " لو "
يجوز استخدام (لو) بشروط: ألا تعارض مشيئة الله ﵎، فإذا عارضت القضاء والقدر حرم استخدام (لو) فلا يقع إنسان في حادث ومصيبة، فيقول: لو فعلت كذا وكذا؛ لما وقعت عليك المصيبة، هذا معارضة للقضاء والقدر، لكن لك أن تتحسر على أمر فات عليك، تقول: لو كنت في شبابي، أو لو استقبلت من شبابي ما استدبرت؛ لتبت إلى الله ، هذا تأسف على العمل الصالح وقد جوَّزه بعض أهل العلم.
فيجوز إطلاقها لمن جزم بمشيئة الله وهذا رأي ابن حجر العسقلاني في الفتح.
وإن كان العمل للاستقبال فيجوز ذلك، وهو قول القاضي عياض المالكي، تقول: لو أتت العطلة الصيفية لحفظت القرآن، أما الماضي فلا يجوز عند القاضي عياض، لكن سوف يرد عليه أهل العلم برد وهو ما كان فيه مصلحة وفائدة، كان يتحسر عليها ويقول: لو أني استطعت أن أذهب إلى الجهاد لذهبت وفي الحديث: ﴿لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي﴾ فالرسول ﵊ تحسَّر على أمر فات ومضى.
نواصل مع البخاري في صحيحه ثم نأتي إلى المسائل التي في الحديث.
قال عطاء: أعتم النبي ﷺ بالعشاء، فخرج عمر ﵁، فقال: الصلاة يا رسول الله! رقد النساء والصبيان، فخرج ورأسه يقطر يقول: ﴿لولا أن أشق على أمتي -أو على الناس- لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة﴾ الحديث.
(لولا) هنا ليست كـ (لو) فإن لو أداة امتناع الشيء لامتناع غيره، تقول: لو أتاني الضيف لأكرمته، فما أكرمته لامتناع مجيئه، لو ذاكر الطالب لنجح، امتنع نجاحه لامتناع مذاكرته.
стр. 9761
بعض المعاني التي تستخدم فيها (لو)
تأتي (لو) على معانٍ: تأتي بمعنى: إن الشرطية، كقوله : ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١] أي: وإن أعجبتكم، فـ (لو) تأتي شرطية.
وتأتي للتقليل: التمس ولو خاتماً من حديد، وفي الحديث: ﴿أن امرأة أتت إلى الرسول ﵊ فعرضت نفسها؛ ليتزوجها المصطفى ﷺ فأعرض عنها، فأتى رجل فخطبها، فقال ﵊: أعندك شيء؟ قال: لا، قال: التمس ولو خاتماً من حديد، فذهب فلم يجد شيئاً، فقال: أعندك شيء من القرآن؟ قال: نعم.
قال: ماذا عندك؟ -في بعض الروايات- قال: سورة البقرة، قال: زوجتك إياها بما معك من القرآن﴾ والشاهد: التمس ولو خاتماً من حديد، فـ (لو) هنا للتقليل.
ولو أني بليت بهاشمي خئولته بنو عبد المدان
لهان عليَّ ما ألقى ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني
يقول الشاعر: يا ليت الذي يخاصمني على مستواي! لكنه رجل متبذل، يخصمني وهو رجل حقير صغير، حتى إن ابن القيم كما في شفاء العليل في "كتاب القدر" يقول: بلينا -والله- بالمبتدعة أفراخ الصابئة وأذناب المجوس! أي: أنهم يهاجمون أهل السنة والجماعة.
ثم قال: ولو أني بليت بهاشمي: أي: من بني هاشم، من أسرة الرسول ﷺ .
خئولته بنو عبد المدان: وهي أسرة كبيرة من العرب.
لهان علي ما ألقى: أي لو كان خصمك فيه قوة، لهان عليك.
ولكن تعالوا فانظروا بمن ابتلاني: والعرب يصيبها المضض إذا كان خصمه حقيراً ثم أذله، ولذلك يجدون مضاضة أن يذلهم الحقير.
الحارثي أحد شعراء العرب وعظمائهم في نجران، أتت إليه امرأة عجوز فضربته على وجهه، لأنه قتل ابنها، قال: ليتها صاحبة معصم تكون ضربتني على وجهي، كأنه يقول: عجوز وتضربني؛ لأنه مكتف مقيد كالأسد، قتل ابنها وقتل أشراف قومها، ثم رسم قصيدة يقول:
وتضحك مني شيخة عبشمية كأن لم تر قبلي أسيراً يمانيا
إلى آخر القصة، والشاهد: أن (لو) تستخدم للتقليل.
وتستخدم (لو) للعرض تقول: لو تنزل عندنا أكرمناك، لو تأتينا أتحفناك، ولو تسعدنا شرَّفناك.
وتستخدم للحصر: لو فعلت كذا لكان أحسن، لو ذاكرت كان أفيد، لو صليت كان أنفع، لو ذكرت الله كان أعظم لأجرك.
وتستخدم بمعنى (هلاّ) قال تعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الكهف:٧٧].
في الرحلة الطويلة لموسى ﵇ مع الخضر وكان فيها أعاجيب، كما قال تعالى عن الجن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ [الجن:١] العفاريت يقولون: القرآن عجبٌ، وكثير من الناس لا يعجبون من القرآن! وفي آخر المطاف نزل الخضر وموسى ﵉ فاستطعما أهل القرية فلم يطعموهما بسبب اللؤم والبخل:
لا يقبض الموت نفساً من نفوسهم إلا وفي يده من نتنها عودُ
عيد بأية حال عدت يا عيد بما مضى أم لأمر فيك تجديدُ
إلى أن يقول:
إني نزلت بكذابين ضيفهم عن القرى وعن الترحال محدودُ
جود الرجال من الأيدي وجودهم من اللسان فلا كانوا ولا الجودُ
فالخضر رأى الجدار يكاد أن يسقط فقام فبناه، قال موسى: سبحان الله! قوم حملونا بالسفينة بغير أجر وخرقت السفينة، وقوم لم يطعمونا وبنيت لهم الجدار ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الكهف:٧٧] قال: هلاَّ من باب الأدب.
وتستخدم: للتمني، قال سبحانه: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٠٢] لكن ما تنفعهم كرة؟ يقول أهل الجحيم في الجحيم: ياليت لنا عودة إلى الدنيا، لكن (لولا) للتمني.
وتستخدم شرطية جزائية: لو جئتني أكرمتك، ولو ذاكرت نجحت.
قال أحد العرب وقد سرقت إبله من قبيلة مخاصمة محاربة، فذهب إلى قومه فقال: أنجدوني!
كانوا جبناء حتى أن بعض القبائل العربية قبل الإسلام كانت القبيلة تقية ورعة، قالوا: فيها جبن، حتى أن الحطيئة يسب قبيلة يقول:
قُبِّيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل
يقول: ماشاء الله! ما أحسن هذه القبيلة، لسكونها ووقارها وورعها لا يغدرون بالناس، وهذا من جبنها، وهو يعني: الذم، فذهبت القبيلة إلى عمر ﵁، فقالت: يا أمير المؤمنين! سبنا وشتمنا، قال عمر: عليّ به! فأتي بـ الحطيئة، وقد كان من كبار الشعراء؛ لكنه بذيء اللسان، وفي مجلس عمر دخل أمير أهل العراق الزبرقان بن بدر قال: سبني يا أمير المؤمنين! وأتى ثانٍ وثالث، قال: سبني يا أمير المؤمنين! قال عمر: ماذا يقول فيكم أيتها القبيلة؟ قالوا:
يقول:
قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل
قال عمر: ياليتني كنت كذلك، وعمر يدري أنه يسبهم؛ لأنه يعرف الذم.
يا أمير المؤمنين إنه يقول:
ولا يردون الماء إلا عشية إذا صدر الوراد عن كل منهل
يقول: من الخوف والجبن لا يزاحمون على الماء إلا بعد صلاة المغرب، قال عمر: ذلك أبعد للزحام.
وعمر يمررها كلها لكنه يأتي بأمور لا تسمح، وفي الأخير قال للزبرقان: ماذا قال فيك الحطيئة؟
قال: يقول فيّ:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
قال عمر: ما سبك! يقول: اجلس في بيتك فإنك مطعوم ومكسي، قال: أنا خادم، قال: لا.
قال: ويقول:
أزمعت يأساً مبيناً من نوالكم ولا يرى طارق للحر كاليأس
قال: صدق ما سبك! قال: اسأل حسان، وحسان هو طبيب المهنة، "أعطوا القوس باريها" فأتى حسان فجلس، فذكر عمر له البيت، فقال حسان: ما سبه وإنما سلح عليه!
فقال: عمر: أنزلوا الحطيئة في بئر، فأنزلوه فيها، فأخذ يصيح كالثعلب من آخر البئر، وألقى قصيدة أبكت عمر ﵁ وأرضاه، يقول:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
يقول: يا أمير المؤمنين! يا عمر بن الخطاب! أجلستني في قعر البئر وأطفالي في الصحراء، بماذا تلقى الله، وتقول لله في أطفالي.
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
ضيعت كاسبهم في قعر مظلمة فاغفر عليك سلام الله يا عمر
إلى آخر القصيدة فبكى عمر وأطلقه، وشرى أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم، قال: حرام عليك أن تهجو أحداً، فلما مات عمر كان يريد أن يهجو؛ فيتذكر عهد عمر فيسكت حتى مات، فما هجا أحداً بفضل الله.
المقصود: أن هذا الرجل سلبت إبله فذهب إلى قبيلته فاستنجد القبيلة، فقالوا: لا ننصرك، سبحان الله! فألقى قصيدة رائعة يقول فيهم:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
يقول: لو كنت من القبيلة تلك، ما أخذوا إبلي؛ ولكن أنا منكم، أنتم فسلة يا ضعاف إلى أن يقول:
قوم إذا الشر أبدى ناجديه لهم هبوا إليه زرافات ووحداناً
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهاناً
انظر إلى الشجاعة! لا يقول: إذا أتى رجل يصيح فيهم: يا قومنا أجيبوا داعي الله! تعالوا فقد أحيط بي، فيقولون: أعطنا بينة، هل يشهد معك أربعة أنهم أخذوا إبلك الشاهد أن "لو" تأتي: للتمني وتأتي في مواضع أخرى.
أما "لولا" التي يقول فيها ابن حجر: هي أداة امتناع لوجود، كما في الحديث: ﴿لولا أن أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة﴾ ما معنى هذا؟
يقول ﵊: ﴿لولا أن أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة﴾ وجدت المشقة فامتنع الأمر.
قال عطاء: فخرج عمر ﵁ وأرضاه، والرسول ﵊ كان منشغلاً في بيته -غالباً- وقت صلاة العشاء، فلما انصرف الرسول ﷺ أتى النساء والصبيان، لأن الصحابة ﵃ وأرضاهم، كانوا أهل مهنة، فأبطأ عليهم ﷺ وهم أهل أشغال في النهار، فنام كثير منهم، فأتى عمر وكان ﵁ جريئاً، فقال: يا رسول الله! يا رسول الله! يا رسول الله! نام النساء والصبيان، فخرج ﷺ تقطر ظفائره بالماء، وفي لفظ: أنه وضع خاتمه على ناصيته الشريفة يزيل الماء، وقال: ﴿لولا أن أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة﴾ أو كما قال ﵊، فهو ﷺ لا يريد المشقة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] فهو ﵊ يتجنب كل ما فيه مشقة، ويكره التنطع والتعمق والتشديد على الناس.
قام الرسول ﷺ في رمضان يُصلي من الليل، فوجد قوماً يُصلَّون بصلاته ﷺ ، فترك الصلاة في الليلة الرابعة، قالوا: لماذا يا رسول الله؟ قال: خشيت أن تكتب عليكم.
وفي الحديث: ﴿كان يترك كثيراً من العمل خشية أن يكتب على الأمة﴾ عليه أفضل الصلاة والسلام.
كان يقوم في الصلاة يريد إطالتها فيسمع بكاء الطفل من آخر المسجد، فيخفف الصلاة لما يعلم من وجد أمه عليه.
لكن كيف يرقد النساء والصبيان ثم يقومون للصلاة ولم يتوضئوا؟
قال أهل العلم: يحمل الحديث على محملين:
الأول: أنهم نعسوا ولم يرقدوا، والنعاس يسمى رقاداً، أي: أول الرقاد يسمى نعاساً ولم يكن متمكناً.
والأمر الثاني: أن في الحديث أمراً مسكوتاً عنه، ومن يخبرنا أنهم توضئوا أم لا؟ وإلا فالحديث على ظاهره -إن شاء الله- على قول من قال: إن النوم لاينقض الوضوء.
عن عبد الرحمن وهو الأعرج قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: إن رسول الله ﷺ قال: ﴿لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك﴾ وفي رواية البخاري ﴿مع كل وضوء﴾ وهذا الأمر يقتضي الحث والندب على السواك، ويعلم أن السواك ليس بواجب على الناس، لقوله ﷺ : ﴿لولا أن أشق على أمتي؛ لأمرتهم﴾ فانتفى الأمر والوجوب لما فيه المشقة.
стр. 9762
النهي عن الوصال
وعن أنس ﵁ وأرضاه قال: ﴿واصل النبي ﷺ آخر الشهر وواصل أناس من الناس، فبلغ النبي ﷺ فقال: لو مدَّ بي الشهرُ لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم، إني لست مثلكم، إني أظل يُطعمني ربي ويسقيني﴾.
معنى الحديث: أن الرسول ﵊ صام يوماً من الأيام ثم واصل، والمواصلة هنا، أي: مواصلة الليل بالنهار، فالرسول ﷺ صام الليل مع النهار، فأتى أناس من الصحابة يريدون المواصلة، فقال ﵊: ﴿أنا لست كهيئتكم! أني أظل يطعمني ربي ويسقيني﴾ فواصل، فقال ﷺ : ﴿لو مد بي الشهر لواصلت بكم﴾ يعني: تحدٍّ حتى يظهر من يستطيع أن يصبر ممن لا يستطيع أن يصبر، كالمنكل بهم ﷺ .
ومعنى: ﴿إني أظل يطعمني ربي ويسقيني﴾ ليس معناه: أنه يطعمه الطعام، ويسقيه الشراب، فإنه ليس بصائم على هذا، لكن معناه: أنه يطعمه من المعارف والإشراقات والوحي والنور والحكمة ما يشبع به.
يقول الأندلسي:
فقوت الروح أرواح المعاني وليس بأن طعمت ولا شربتا
أي: إن قوت القلب هو أرواح المعاني والألفاظ والإبداعات ودلالات الألفاظ، والمعاني: هي التي تشبعك، وليس الطعام والشراب كما عند كثير من الناس.
فالرسول ﷺ يُطْعم بالوحي، ويُسقى بالحكمة، فلا يظمأ.
قال ابن القيم عند هذه: نعم، هذا ما يدير الله عليه من المعاني والحكم، ثم أتى بأبيات، وهي لأحد العرب يخاطب محبوبته حاكياً عن ناقته لكنَّ ابن القيم قلب هذه الأبيات وجدها لتكون في حب العبد لمولاه ﵎، يقول:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزاد
لها بوجهك نور تستضيء به ومن حديثك في أعقابها حادي
إذا تشكت كلال السير أسعفها سوق القدوم فتحيا عند ميعاد
وهي من أحسن الأبيات، ذاك الشاعر يقول: أمشي بناقتي فتكل، فأُحدثها بأخبارك فتتشجع -انظر إلى الكذب الكثير- قال: فإذا أظلم الليل رأت من الأنوار فتوقت ومشت.
الشهرزوري يقول عنه ابن خلكان: له أبدع قصيدة عند العرب في معنى النور يقول:
لمعت نارهم وقد عسعس الليل ومل الحادي وحار الدليل
فتأملتها وفكري من البين عليل وطرف عيني كليل
وهذا كما قال : ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [الشعراء:٢٢٤ - ٢٢٧].
﴿إني أظل يطعمني ربي ويسقيني﴾ قال: "لو مد" والشاهد من الحديث (لو) وهي أداة امتناع لامتناع.
стр. 9763
نبذة عن حياة سيد التابعين
سعيد بن المسيب، حيا الله سعيد بن المسيب سيد التابعين بلا مرية، اختلف أهل العلم أيهم سيد التابعين؟ قالوا: سعيد بن المسيب، أو الحسن البصري أو أويس القرني، قالوا: أما في الزهد فـ أويس؛ فإن فيه أحاديث، وأما في العلم والنقل والفقه فـ سعيد بن المسيب، وأما في أعمال القلوب والرقائق فـ الحسن البصري.
وسعيد بن المسيب قرشي زهري، كان قوي الشخصية إلى الحد الذي يفوق الحصر، رفض أموراً كثيرة عُرِضَت عليه، جلد وابتلي ورفع الله منزلته، كان يجلس بعد الفجر، وكانت ثيابه بيضاء، وكان يعتني بالطيب والسواك والوضوء، وكان يستقبل القبلة، قالوا: كان يجلس متربعاً حتى يؤذن لصلاة الظهر وهو يذكر الله، وقيل عنه: إنه كان يصوم كثيراً من الأيام، وما رئي إلا قليل من الأيام وهو مفطر.
ويقول: والله ما فاتتني تكبيرة الإحرام مع الإمام أربعين سنة، وما نظرت إلى ظهر أحدٍ في الصلاة إلا إلى الإمام، قال: ولما وقعت معركة الحرة، التي دبرها يزيد بن معاوية، ولو أن بعض المؤرخين ينفي هذه المعركة عن يزيد، ويبرئ ساحته من المعركة، لكنه أرسل مسرف بن عقبة، يقول النبي ﷺ : ﴿لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء﴾ في لفظ: ﴿لا يكيد أحد المدينة إلا أنماع كما يذوب الملح في الماء﴾ فأرسل جيشاً من دمشق فدخل المدينة، فاستباحها ثلاثة أيام، وقتل أبناء المهاجرين، والأنصار، وخرجوا من المسجد خائفين، قال سعيد: -كما في سيرته-[[فبقيت في المسجد كلما حضر وقت الصلاة أسمع الأذان من قبره ﷺ ]] هكذا ورد وهذه الرواية هذه صحيحة.
يقول سعيد: سمعت أبا هريرة يقول: ﴿نهى رسول الله ﷺ عن الوصال﴾ وصال الليل بالنهار، وقد فعله بعض الصحابة والتابعين، ولكن هذا مردود عليهم بالسنة، قال الذهبي: فعرضنا عبد الله بن الزبير وكان من أقوى الناس على العبادة، يمر به ليلة -كما في سيرته- فيجعل الليل من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر قائماً يقرأ، والليلة الثانية راكعاً إلى صلاة الفجر، والليلة الثالثة ساجداً إلى صلاة الفجر، وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء بسند صحيح عنه: كان يصوم سبعة أيام ليلاً ونهاراً ويفطر في اليوم الثامن، سبعة أيام سرداً، ويفطر على سمن الأبقار، وكان عابداً من الدرجة الأولى، طاف بالبيت يوم أن اقتحم السيل الحرم، فطاف في السيل ﵁ وأرضاه، ولم يكن كبير جثمان وإنما كان نحيفاً، ذكر أنه كان إذا خطب ارتجت له نواحي الحرم من صلابة صوته وشجاعته، وهو الذي قتله الحجاج: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤].
إذاً ورد النهي عن الوصال والسرد، وسرد الأيام -أي: صيام الدهر- منهي عنه؛ لقوله ﷺ : ﴿لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد﴾.
أي: أنه ينهى أن يصوم الإنسان كل الأيام وعليه بالسنة أن يصوم ويفطر، أما السرد فمنهي عنه، وأما الصحابة الذين فعلوا ذلك؛ فيحمل على أنه ما بلغهم النهي، ﵃ وأرضاهم.
стр. 9764
حديث: (ولولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية)
وعن عائشة ﵂ قالت: ﴿سألت النبي ﷺ عن الجدار أمن البيت هو؟ قال: نعم.
قلت: فما بالهم لم يُدخلوه في البيت؟
قال: إن قومك قَصُرت بهم النفقة -أو قَصّرت بهم النفقة- قلت: فما شأنُ بابه مرتفعاً؟
قال: فعل ذاك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، ولولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية، فأخاف أن تُنكرَ قلوبهم أن أدخل الجدار في البيت وأن ألصق بابه في الأرض﴾.
стр. 9765
المعنى الإجمالي لحديث بناء الكعبة
يقول ﵊ لما قالت له عائشة ﵂ وأرضاها: يا رسول! هل الجدار هذا من الكعبة؟ قال: نعم، قالت: فلماذا لم يدخل بالكعبة؟ قال: إن قومك -أي: قريش الكافرة- وهذا فيه جواز إطلاق القوم الوثنيين في النسبة، أن تقول للمسلم: قومك ولو كانوا مشركين، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ﴾ [هود:٢٥] وقال في صالح: إلى قومه، وقال في هود: إلى قومه، فسَّماهم أقواماً لهم بنسبة العنصر والنسب لا بنسبة الديانة والخلق والعقيدة.
قال: ﴿إن قومك قصرت بهم النفقة﴾ ما وجدوا مالاً ليدخلوا هذا الجدار في الكعبة، قالت: فلماذا الباب مرتفع؟ أما ترى باب الكعبة كيف ارتفع إلى أعلى؟
قال ﵊: فعل ذلك قومك عمداً، ليدخلوا من شاءوا ويتركوا من شاءوا.
كيف يدخلوا من شاءوا؟
الآن لا يدخل الكعبة إلا بسلم فكان يجتمع أربعون لا يمكن أن يدخل غيرهم من أهل الرأي والمشورة المسنين منهم، فإذا دخل واحد ليس من أهل الندوة أو أهل الرأي، ضربوه في صدره فيقع على قفاه، وأما بني هاشم فيدخلون ولو كانوا صغاراً؛ فإنهم الأسرة المجيدة، القوية وأسرة الريادة، وأما غيرهم فلا يدخل إلا الكبار.
فقال ﷺ : ﴿ولولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم، أن يدخل الجدر في البيت وأن ألصق بابه في الأرض﴾ أي: لفعلت.
стр. 9766
قضايا في حديث بناء الكعبة
في هذا الحديث قضايا:
أولها: مخاطبة الناس على قدر عقولهم، فالرسول ﵊ يخاف من الكفار يوم أسلموا أن يبدل شيئاً من الكعبة فيقول الكفار: انظروا! حتى الكعبة ما تركها حتى بدَّلها، فترتد وتنكر قلوبهم، فتركها ﷺ .
ولذلك يقول ابن مسعود ﵁ وأرضاه: [[إنك لست مُحدِّثاً قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان على بعضهم فتنة]] ولذلك حق على الداعية والمتكلم أن يُقدِّر قدر المجتمع والبيئة التي يعيش فيها، لا يأتي إلى أناس لا يعرفون الأبجديات في الإسلام، ويقول: ذهبت القدرية، والمعتزلة والمرجئة، والجهمية، والأشاعرة إلى كذا، وذهب أهل السنة إلى كذا، عقولهم لا تدرك هذه المستويات من الدقة والخلافات والتعمق، فهذا أمر لا بد أنُ ينتبه له.
قال علي ﵁ [[ w=٨٠٠٠٢٦٧>> حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله]] فحق علينا أن نُحدِّث الناس بما يعرفون.
والقضية الثانية: قوله ﷺ : ﴿فأخاف أن تنكر قلوبهم﴾.
إن على الداعية أن يتَّلمس المنافذ للدخول إلى القلوب، لكن لا يأتي إلى أمور كأنها غيبيات ما سمعوا بها فتنكر قلوبهم، فيصابون بكبت نسأل الله العافية.
والقضية الثالثة: لما حدثت عائشة ﵂ ابن الزبير بهذا الحديث وهو خليفة -تولى الخلافة ست سنوات- هدم البيت، وأدخل الجدار في الكعبة، فأتى عبد الملك يطوف بالكعبة، فهدمها وأعادها على ما كانت عليه في عهد الرسول ﵊.
لقد كان الناس حديثو عهد بجاهلية، ولكن لما ماتوا أتى ابن الزبير في خلافته، فأدخل الجدار داخل الكعبة، لكن عبد الملك بن مروان قتل ابن الزبير، صلبه عند الحجون بواسطة الحجاج، فغضب حتى لا تكون الكعبة من مشاريع ابن الزبير، فنقضها وأعادها على البناء الأول، وأخذ عبد الملك يقول: كذب ابن الزبير، ألا يستحي من الله، يقول: إنه سمع عائشة تقول: إن الرسول ﷺ قال: ﴿لولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية، لأدخلت الجدر في البيت، وألصق بابه في الأرض﴾ فقال العلماء بجانبه: صدق ابن الزبير، قالت عائشة هذا عن الرسول ﵊.
ولما أتى هارون الرشيد بمشروع آخر لتوسعة الكعبة استشار الإمام مالك، فكتب له الإمام مالك: يا أمير المؤمنين! لا تفعل ذلك، فإن فعلت ذلك؛ أصبحت الكعبة لعبة للملوك، كلما أتى إنسان غضب على الذي قبله، قال: باسم الله! تُهدم الكعبة وتُبنى من جديد، فتوقف هارون الرشيد بهذا الرأي السديد الحازم، فبقيت على أصلها كما كانت في عهده ﷺ .
стр. 9767
إحراق الكعبة
يقال: إن الكعبة أحرقت مرتين:
المرة الأولى: لما أرسل عليها الحجاج بن يوسف الظالم قذائف المنجنيق، ركب الراجمات على جبل أبي قبيس، ثم أخذ يُطلق المنجنيق وهي حجارة كبرى تقدر برأس الإنسان، وكان يسحبها أربعة جنود، وكان لها شيء من جلود وحديد وسبائك وأعواد قوية، فإذا سحبت عادت القذيفة ثم أطلقت، فضربت البيت، وقد كان ابن الزبير في داخل البيت عائذاً بالله ، وكان يسمى "عائذ البيت" فوقعت فاحترقت الكعبة، فلمع بارق في الجو، وارعد الرعد، حتى سمع للرعد زلزلة في جبال مكة، فخاف الجنود وتوقفوا، فقال الحجاج: ما عليكم! هذه ذنوب تهامة.
والمرة الثانية في عهد جعفر الصادق، يقال: كان يصلي فانطلقت شرارة من نار من بيت قريب من الكعبة فوقعت في لباس الكعبة فاحترقت.
стр. 9768
سعيد بن جبير والحجاج
وما دام أننا تعرضنا للحجاج، فلا بأس أن نعيش مع الحجاج للاستفادة من قصته مع سعيد بن جبير أحد التابعين الأخيار، من الذين لهم أحاديث في هذا الباب، وكان من الناقمين على ظلم الحجاج.
كان مع العلماء في بئر جمان، فهرب من الحجاج وبقي هارباً، قيل: سبع أو ثمان سنوات، فظفر به الحجاج، وأتي به، وأدخل على الحجاج كما في تحفة الأحوذي في المجلد الأول- قال له الحجاج: من أنت؟ قال: أنا سعيد بن جبير.
قال: بل أنت شقي بن كسير، جعل مكان سعيد: (شقي) ومكان جبير: (كسير) قال: أمي التي سمتني أعلم، قال: شقيت أنت وشقيت أمك.
ثم قال الحجاج: والله لأصلينك في الحياة ناراً تلظى -يقول ذلك لأحد العباد والزهاد والعلماء الكبار- قال سعيد بن جبير: لو أعلم أن ذلك إليك لاتخذتك إلهاً، قال الحجاج: علي بالعود، فأتي بجارية مغنية فضربت العود، فبكى سعيد بن جبير، قال الحجاج: أتبكي من الطرب؟
قال: لا والله.
لكن الجارية خلقت وسخرت لغير ما خلقت له، وعود قطع من شجرة فسخر لغير ما خلق له، قال: عليّ بالذهب والفضة، فنثروها بين يديه، فقال: سعيد بن جبير: إن كنت جعلت هذا المال لتدرأ به عذاب الله فنعم ما فعلت، وإن كنت أخذته رياء وسمعة فوالله لتحاسبن عنه عند الله يوم القيامة.
فقال الحجاج: خذوه، ووجهوه إلى غير القبلة؛ فقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] قال: اطرحوه أرضاً، قال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥] قال: لو كنت مظلوماً لانتصرت، قال: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢] فلما أرادوا ذبحه قال: يا قاصم الجبابرة، اقصم الحجاج، يا قاصم الجبابرة! اقصم الحجاج! يا قاصم الجبابرة اقصم ظهر الحجاج، اللهم لا تسلطه على أحد بعدي.
فلما ذبح سعيد بن جبير ذكر بعض أهل السير أن رأسه كان يتدهده ويقول: (الله الله) فأتى الحجاج فدخل باب الإمارة وحك يده، فامتلأ جسمه بلاء من دعوة سعيد بن جبير، فوضع نفسه على السرير وأخذ يخور كما يخور الثور شهراً كاملاً، لا يأكل ولا يشرب، وورم جسمه، وخرج منه دمل يحكه فينزل منه قيح وصديد ودم، يقول: والله ما مرَّت بي ليلة إلا رأيت كأني أسبح في الدم.
ويقول: لقد رأيت كأن القيامة قامت، فرأيت عرش الله بارزاً، ورأيت كأن الله حاسبني فقتلني عن كل إنسانٍ قتلةٍ، إلا سعيد بن جبير فقد قتلني به سبعين مرة، وهذا في تراجم سعيد في سيرة الحجاج، هذا على ذكر الحجاج وأمره إلى الله ، وهو من عصاة الموحدين أمره إلى الله لا نشهد له بجنة ولا نشهد عليه بنار، وقد ذكر في ترجمته: أنه مر على قبره ومعه بعض قرابته وقيل: أخوه، فسمعوه يصيح في القبر -نسأل الله العافية- فقال أحد أقاربه: رحمك الله يا أبا محمد! تقرأ القرآن في الحياة وتقرأ القرآن في القبر.
أين هذا القرآن لكنه يريد أن يعتذر له.
стр. 9769
شرح حديث: (لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار)
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار﴾.
في هذا الحديث يُحبب الرسول ﷺ الهجرة ويُقدِّمها على النصرة، فالمهاجرون أفضل بلا شك من الأنصار، قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة:١١٧] فقدم المهاجرين على الأنصار، ويوم توفي ﵊ اجتمع الأنصار، وقالوا: الخلافة فينا، فأتى أبو بكر وهم في سقيقة بني ساعدة وهم في ضجة قال: ما لكم؟ قالوا: فينا الخلافة، قال: لا.
قالوا: منا أمير ومنكم أمير، قال: لا.
ثم تكلم أبو بكر بكلام أشفى العليل وأروى الغليل، وقال: بدأ الله بنا في القرآن وقدَّمنا عليكم، جزاكم الله من أهل وعشيرة خيراً، نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فرضيوا وبايعوا أبا بكر ﵃ جميعاً، فالرسول ﷺ يقول: ﴿لو سلك الناس وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار وشعب الأنصار﴾ وفي صحيح البخاري: ﴿آية الإيمان حب الأنصار﴾ والأنصار هم من ناصر الرسول ﵊ في دعوته يوم أتى المدينة، وكل من عادى الأنصار أذابه الله كما يذوب الملح في الماء، ولذلك أتى الشاعر الأخطل التغلبي الفاجر، فقال:
ذهبت قريش بالمكارم والندى واللوم تحت عمائم الأنصار
فابتلاه الله بسوء الخاتمة، لأنه تنقَّص أصحاب الرسول ﷺ .
إذاً: لا تظن بأنه يكون محظوراً عليك استخدام "لو" فهي مقروءة كثيراً في القرآن، قال عن رسوله ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف:١٨٨] فأمره أن يقول: "لو" وهذا لا ينافي القضاء والقدر؛ لأن الرسول ﵊ يُؤمن بمشيئة الله، فمن آمن بمشيئة الله وأن تصاريف الأمور بيده سبحانه فلا بأس عليه.
стр. 9770
شرح حديث: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت)
وقال ﵊: ﴿لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي﴾؛ لأن الرسول ﷺ ساق الهدي، فما أحل من إحرامه ﷺ ، وقال للصحابة: احلوا من احرامكم بعمرة، أي: اجعلوها عمرة، قالوا: كيف يا رسول الله؟
لأنهم لا يستسيغون هذا وهو ﷺ محرم، فأخبرهم أنه قد ساق الهدي، والذي يسوق الهدي من بلده يبقى في إحرامه، فقال: ﴿لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي﴾ ففيه التحسر على الأمر الفاضل الذي فاتك، فلك أن تتحسر عليه إذا كان فيه منفعة دينية شرعية تليق بك، ويقول ﵊ كما عند الترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري: ﴿ورجل يقول: لو أن الله آتاني مثل فلان، أو مثل ما آتى فلان، لعملت مثل ما عمل﴾ وقد جعل الرسول ﵊ الناس أربعة: رجل عنده مال وعلم يعمل به ما يرضي الله، فهذا مأجور مشكور، ورجل ليس عنده مال ولكن عنده علم، فقال: لو أن الله آتاني مالاً لفعلت به مثل ما فعل فلان، فهو مأجور وهما في الأجر سواء -مفهوم الحديث: ورجل جاهل آتاه الله مالاً فعمل به في المعاصي، فهو مأزور مدحور، ورجل رابع لم يؤته الله مالاً، وهو جاهل فقال: لو آتاني الله مالاً لفعلت به مثل ما فعل فلان، فهما في الوزر والإثم سواء.
فالرجل الأول: أخذ شيئاً أو تمنى شيئاً لا يعاند به القضاء والقدر ولا المشيئة وفيه خير، والثاني: تمنى هذا.
следующие страницы →