← Джавами‘

Джавами‘ · id 7708

دروس الشيخ عائض القرني

عائض القرني

Полный текст (10 391 стр.). Показаны 9766–9805 · переход к 9771.

стр. 9766

قضايا في حديث بناء الكعبة في هذا الحديث قضايا: أولها: مخاطبة الناس على قدر عقولهم، فالرسول ﵊ يخاف من الكفار يوم أسلموا أن يبدل شيئاً من الكعبة فيقول الكفار: انظروا! حتى الكعبة ما تركها حتى بدَّلها، فترتد وتنكر قلوبهم، فتركها ﷺ . ولذلك يقول ابن مسعود ﵁ وأرضاه: [[إنك لست مُحدِّثاً قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان على بعضهم فتنة]] ولذلك حق على الداعية والمتكلم أن يُقدِّر قدر المجتمع والبيئة التي يعيش فيها، لا يأتي إلى أناس لا يعرفون الأبجديات في الإسلام، ويقول: ذهبت القدرية، والمعتزلة والمرجئة، والجهمية، والأشاعرة إلى كذا، وذهب أهل السنة إلى كذا، عقولهم لا تدرك هذه المستويات من الدقة والخلافات والتعمق، فهذا أمر لا بد أنُ ينتبه له. قال علي ﵁ [[ w=٨٠٠٠٢٦٧>> حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله]] فحق علينا أن نُحدِّث الناس بما يعرفون. والقضية الثانية: قوله ﷺ : ﴿فأخاف أن تنكر قلوبهم﴾. إن على الداعية أن يتَّلمس المنافذ للدخول إلى القلوب، لكن لا يأتي إلى أمور كأنها غيبيات ما سمعوا بها فتنكر قلوبهم، فيصابون بكبت نسأل الله العافية. والقضية الثالثة: لما حدثت عائشة ﵂ ابن الزبير بهذا الحديث وهو خليفة -تولى الخلافة ست سنوات- هدم البيت، وأدخل الجدار في الكعبة، فأتى عبد الملك يطوف بالكعبة، فهدمها وأعادها على ما كانت عليه في عهد الرسول ﵊. لقد كان الناس حديثو عهد بجاهلية، ولكن لما ماتوا أتى ابن الزبير في خلافته، فأدخل الجدار داخل الكعبة، لكن عبد الملك بن مروان قتل ابن الزبير، صلبه عند الحجون بواسطة الحجاج، فغضب حتى لا تكون الكعبة من مشاريع ابن الزبير، فنقضها وأعادها على البناء الأول، وأخذ عبد الملك يقول: كذب ابن الزبير، ألا يستحي من الله، يقول: إنه سمع عائشة تقول: إن الرسول ﷺ قال: ﴿لولا أن قومك حديثو عهد بالجاهلية، لأدخلت الجدر في البيت، وألصق بابه في الأرض﴾ فقال العلماء بجانبه: صدق ابن الزبير، قالت عائشة هذا عن الرسول ﵊. ولما أتى هارون الرشيد بمشروع آخر لتوسعة الكعبة استشار الإمام مالك، فكتب له الإمام مالك: يا أمير المؤمنين! لا تفعل ذلك، فإن فعلت ذلك؛ أصبحت الكعبة لعبة للملوك، كلما أتى إنسان غضب على الذي قبله، قال: باسم الله! تُهدم الكعبة وتُبنى من جديد، فتوقف هارون الرشيد بهذا الرأي السديد الحازم، فبقيت على أصلها كما كانت في عهده ﷺ .

стр. 9767

إحراق الكعبة يقال: إن الكعبة أحرقت مرتين: المرة الأولى: لما أرسل عليها الحجاج بن يوسف الظالم قذائف المنجنيق، ركب الراجمات على جبل أبي قبيس، ثم أخذ يُطلق المنجنيق وهي حجارة كبرى تقدر برأس الإنسان، وكان يسحبها أربعة جنود، وكان لها شيء من جلود وحديد وسبائك وأعواد قوية، فإذا سحبت عادت القذيفة ثم أطلقت، فضربت البيت، وقد كان ابن الزبير في داخل البيت عائذاً بالله ، وكان يسمى "عائذ البيت" فوقعت فاحترقت الكعبة، فلمع بارق في الجو، وارعد الرعد، حتى سمع للرعد زلزلة في جبال مكة، فخاف الجنود وتوقفوا، فقال الحجاج: ما عليكم! هذه ذنوب تهامة. والمرة الثانية في عهد جعفر الصادق، يقال: كان يصلي فانطلقت شرارة من نار من بيت قريب من الكعبة فوقعت في لباس الكعبة فاحترقت.

стр. 9768

سعيد بن جبير والحجاج وما دام أننا تعرضنا للحجاج، فلا بأس أن نعيش مع الحجاج للاستفادة من قصته مع سعيد بن جبير أحد التابعين الأخيار، من الذين لهم أحاديث في هذا الباب، وكان من الناقمين على ظلم الحجاج. كان مع العلماء في بئر جمان، فهرب من الحجاج وبقي هارباً، قيل: سبع أو ثمان سنوات، فظفر به الحجاج، وأتي به، وأدخل على الحجاج كما في تحفة الأحوذي في المجلد الأول- قال له الحجاج: من أنت؟ قال: أنا سعيد بن جبير. قال: بل أنت شقي بن كسير، جعل مكان سعيد: (شقي) ومكان جبير: (كسير) قال: أمي التي سمتني أعلم، قال: شقيت أنت وشقيت أمك. ثم قال الحجاج: والله لأصلينك في الحياة ناراً تلظى -يقول ذلك لأحد العباد والزهاد والعلماء الكبار- قال سعيد بن جبير: لو أعلم أن ذلك إليك لاتخذتك إلهاً، قال الحجاج: علي بالعود، فأتي بجارية مغنية فضربت العود، فبكى سعيد بن جبير، قال الحجاج: أتبكي من الطرب؟ قال: لا والله. لكن الجارية خلقت وسخرت لغير ما خلقت له، وعود قطع من شجرة فسخر لغير ما خلق له، قال: عليّ بالذهب والفضة، فنثروها بين يديه، فقال: سعيد بن جبير: إن كنت جعلت هذا المال لتدرأ به عذاب الله فنعم ما فعلت، وإن كنت أخذته رياء وسمعة فوالله لتحاسبن عنه عند الله يوم القيامة. فقال الحجاج: خذوه، ووجهوه إلى غير القبلة؛ فقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] قال: اطرحوه أرضاً، قال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥] قال: لو كنت مظلوماً لانتصرت، قال: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢] فلما أرادوا ذبحه قال: يا قاصم الجبابرة، اقصم الحجاج، يا قاصم الجبابرة! اقصم الحجاج! يا قاصم الجبابرة اقصم ظهر الحجاج، اللهم لا تسلطه على أحد بعدي. فلما ذبح سعيد بن جبير ذكر بعض أهل السير أن رأسه كان يتدهده ويقول: (الله الله) فأتى الحجاج فدخل باب الإمارة وحك يده، فامتلأ جسمه بلاء من دعوة سعيد بن جبير، فوضع نفسه على السرير وأخذ يخور كما يخور الثور شهراً كاملاً، لا يأكل ولا يشرب، وورم جسمه، وخرج منه دمل يحكه فينزل منه قيح وصديد ودم، يقول: والله ما مرَّت بي ليلة إلا رأيت كأني أسبح في الدم. ويقول: لقد رأيت كأن القيامة قامت، فرأيت عرش الله بارزاً، ورأيت كأن الله حاسبني فقتلني عن كل إنسانٍ قتلةٍ، إلا سعيد بن جبير فقد قتلني به سبعين مرة، وهذا في تراجم سعيد في سيرة الحجاج، هذا على ذكر الحجاج وأمره إلى الله ، وهو من عصاة الموحدين أمره إلى الله لا نشهد له بجنة ولا نشهد عليه بنار، وقد ذكر في ترجمته: أنه مر على قبره ومعه بعض قرابته وقيل: أخوه، فسمعوه يصيح في القبر -نسأل الله العافية- فقال أحد أقاربه: رحمك الله يا أبا محمد! تقرأ القرآن في الحياة وتقرأ القرآن في القبر. أين هذا القرآن لكنه يريد أن يعتذر له.

стр. 9769

شرح حديث: (لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار) وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار﴾. في هذا الحديث يُحبب الرسول ﷺ الهجرة ويُقدِّمها على النصرة، فالمهاجرون أفضل بلا شك من الأنصار، قال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة:١١٧] فقدم المهاجرين على الأنصار، ويوم توفي ﵊ اجتمع الأنصار، وقالوا: الخلافة فينا، فأتى أبو بكر وهم في سقيقة بني ساعدة وهم في ضجة قال: ما لكم؟ قالوا: فينا الخلافة، قال: لا. قالوا: منا أمير ومنكم أمير، قال: لا. ثم تكلم أبو بكر بكلام أشفى العليل وأروى الغليل، وقال: بدأ الله بنا في القرآن وقدَّمنا عليكم، جزاكم الله من أهل وعشيرة خيراً، نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فرضيوا وبايعوا أبا بكر ﵃ جميعاً، فالرسول ﷺ يقول: ﴿لو سلك الناس وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار وشعب الأنصار﴾ وفي صحيح البخاري: ﴿آية الإيمان حب الأنصار﴾ والأنصار هم من ناصر الرسول ﵊ في دعوته يوم أتى المدينة، وكل من عادى الأنصار أذابه الله كما يذوب الملح في الماء، ولذلك أتى الشاعر الأخطل التغلبي الفاجر، فقال: ذهبت قريش بالمكارم والندى واللوم تحت عمائم الأنصار فابتلاه الله بسوء الخاتمة، لأنه تنقَّص أصحاب الرسول ﷺ . إذاً: لا تظن بأنه يكون محظوراً عليك استخدام "لو" فهي مقروءة كثيراً في القرآن، قال عن رسوله ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف:١٨٨] فأمره أن يقول: "لو" وهذا لا ينافي القضاء والقدر؛ لأن الرسول ﵊ يُؤمن بمشيئة الله، فمن آمن بمشيئة الله وأن تصاريف الأمور بيده سبحانه فلا بأس عليه.

стр. 9770

شرح حديث: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت) وقال ﵊: ﴿لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي﴾؛ لأن الرسول ﷺ ساق الهدي، فما أحل من إحرامه ﷺ ، وقال للصحابة: احلوا من احرامكم بعمرة، أي: اجعلوها عمرة، قالوا: كيف يا رسول الله؟ لأنهم لا يستسيغون هذا وهو ﷺ محرم، فأخبرهم أنه قد ساق الهدي، والذي يسوق الهدي من بلده يبقى في إحرامه، فقال: ﴿لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي﴾ ففيه التحسر على الأمر الفاضل الذي فاتك، فلك أن تتحسر عليه إذا كان فيه منفعة دينية شرعية تليق بك، ويقول ﵊ كما عند الترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري: ﴿ورجل يقول: لو أن الله آتاني مثل فلان، أو مثل ما آتى فلان، لعملت مثل ما عمل﴾ وقد جعل الرسول ﵊ الناس أربعة: رجل عنده مال وعلم يعمل به ما يرضي الله، فهذا مأجور مشكور، ورجل ليس عنده مال ولكن عنده علم، فقال: لو أن الله آتاني مالاً لفعلت به مثل ما فعل فلان، فهو مأجور وهما في الأجر سواء -مفهوم الحديث: ورجل جاهل آتاه الله مالاً فعمل به في المعاصي، فهو مأزور مدحور، ورجل رابع لم يؤته الله مالاً، وهو جاهل فقال: لو آتاني الله مالاً لفعلت به مثل ما فعل فلان، فهما في الوزر والإثم سواء. فالرجل الأول: أخذ شيئاً أو تمنى شيئاً لا يعاند به القضاء والقدر ولا المشيئة وفيه خير، والثاني: تمنى هذا.

стр. 9771

مواطن (لو) في القرآن أما مواطن "لو" في القرآن، قال : ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران:١٥٤] قال المنافقون في معركة أحد لبعضهم البعض: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٦٨] جلس فريق من المنافقين، وقالوا لإخوانهم من المنافقين: لا تخرجوا إلى أحد، ننذركم الحرب، لو كنا نعلم أن هناك نصراً أو فائدة لخرجنا، فلما خرجوا وقتلوا قالوا: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٦٨] وهذا خطأ وفيه معارضة للكتاب والسنة، وقد ذمها الله ؛ لأنها عارضت القضاء والقدر، ويقول راداً عليهم: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] فأخبر أن القضاء والقدر سبق أنه يغلب كل غلاَّب، وأنه لا يغلب القضاء والقدر أحد. وقال عن المنافقين: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ [التوبة:٤٢] في معركة تبوك يقولون: يا ليتنا نستطيع أن نخرج معكم، لكن كذبوا ليس لهم همة ولا مقصود ولا مطلوب، فقالوا: لو استطعنا لخرجنا معكم، ويعلم الله أنهم يستطيعون، يقول أحدهم: ﴿ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة:٤٩]. ويقولون: لو استطعنا يا رسول الله لخرجنا معك، لكننا لا نستطيع، وقالوا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران:١٦٧] لأنهم كذبوا وعارضوا القضاء والقدر: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٦٨]. وقال : ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] والبروج هي: الحصون أو القصور، والمشيدة هي: التي ترمز بالشيد من حصانتها، فالله يقول: ﴿يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَة﴾ [النساء:٧٨] ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩] فلو جاءت هنا في القرآن على الجواز، ولكن هناك للذم. إذاً "لو" تجوز في ثلاثة مواطن: أولها: إذا لم تعارض قدر الله ومشيئته. الأمر الثاني: إذا كانت للاستقبال، جاز استخدامها. الأمر الثالث: إذا كانت لمصلحة دينية وفائدة شرعية فاتت العبد، كما لو فاتت الصلاة على العبد وقال: لو أني استيقظت، لو أني فعلت أو لو أن لي منبه لتنبهت وتحسَّر على هذا الأمر، فهذا جائز. أما استخدامها بعد العجز وعدم بذل الأسباب، فهذه محرمة، كمثل من كان لا يذاكر فرسب، فيقول: لو أني ذاكرت لنجحت، فهذا عارض القضاء والقدر بـ (لو) ثم بكسبه فعل أمور محرمة.

стр. 9772

القوة المطلوبة من المؤمن يقول ﵊ في الحديث الذي يرويه مسلم: ﴿المؤمن القوي﴾ القوي في كل شيء؛ في الإرادة والبذل والعزيمة وليس في الجسم؛ لأن الله لم يذكر الأجسام في القرآن إلا في موطنين. موطن ذكر أنها مِنّة للملك طالوت على بني إسرائيل، فقال: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧] لأن الملك يحتاج إلى جسم. والموطن الثاني: ذكره في مذمة للمنافقين، فقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤]. لا بأس بالقوم من طول ومن قصر جسم البغال وأحلام العصافير قال: ﴿المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير﴾ الخيرية موجودة وأصل الخير فيهما موجود، لكن التفاوت النسبي الإضافي عند المؤمن القوي الذي يحبه الله ، مؤمن قوي في دعوته، قوي في تأثيره، قوي في إرادته، أحب إلى الله من المؤمن الضعيف. الآن عمر بن الخطاب أحب إلى الله من آلاف مؤلفة من المؤمنين الذين ضعفوا في الإيمان. عمر قوي في جسمه، كان يمشي كأنه راكب على فرس، وقوي في إرادته، وفي مشيته. مر أناس في سكة من سكك المدينة من الشباب الذين لم يهتدوا، والشاب إذا اهتدى وقلَّ علمه يبدأ بأمور ربما لا تنضبط كثيراً على السنة، فأخذوا يتماوتون في مشيتهم، نكسوا رءوسهم وكسروا أجنحتهم ومشوا في السكة، يظنون أن هذه تدخلهم في العشرة المبشرين بالجنة، فقالت عائشة: من هؤلاء؟ قال الناس: هؤلاء قوم اهتدوا تائبين إلى الله ، هؤلاء نُسَّاك عباد، قالت: [[كذبوا والله! لقد كان عمر أخشى لله، وكان إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع]]. فأما إذا مشى أسرع: فإنه كان يتفلت تفلتاً كأنه ﵁ وأرضاه الصخرة إذا نزلت من الجبل. يقول امرؤ القيس: مكر مفر مقبل مدبر معاً كجلمود صخر حطه السيل من عل وقال المتنبي: أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت وإذا سقت فإني الجوداء لم يجد أحداً يمدحه، فمدح نفسه!! وكان عمر ﵁ إذا خطب يسمع صوته من في السوق. وكان إذا ضرب أوجع: إذا ضرب الأعداء أو أهل البدع أو أهل المعاصي أو عزر ﵁ وأرضاه، تطير الشياطين من الرءوس بضربه، وقد كان من أضرب الناس حتى في المعركة بالسيف، ومن ضمن ما ذكره الشُّراح في كتبهم -وتحتاج إلى سند- أن عمر ﵁ وأرضاه عطس والحلاق يحلق له رأسه عند الجمرات فأغمي على الحلاق. وقد سمعت -في شريط- لأحد الخطباء وهو يخطب يوم الجمعة يقول: عمر ﵁ وأرضاه لقوة إيمانه ويقينه، لما أدخل القبر أتاه الملكان يسألناه! فانتفض من قبره، وقال للملكين: من ربكما؟! وهذه مبالغات تحتاج إلى أسانيد ومن أخبره ومن دخل مع عمر ﵁ وأرضاه. إن ما نحفظه عن عمر ﵁ وأرضاه هو الصدق والإخلاص والعدل والإيمان والحب والطموح.

стр. 9773

الحرص على الخير والاستعانة بالله ثم قال ﵊: ﴿احرص على ما ينفعك﴾ يصاب الإنسان بعاملين مؤثرين: (الكسل والعجز) العجز في القلب، والكسل في الأعضاء، وإذا أصيب الإنسان بالعجز والكسل؛ فاغسل يديك منه فليس فيه خير، من بذر بذرة "ليت"، نبتت له شجرة "لعل" يقطف فيها ثمراً يُسمى الخيبة والندامة، وأكثر ما تمر "سوف" على أهل العجز والكسل، تقول له: احفظ القرآن؟ يقول: سوف أحفظ إن شاء الله، و"سوف" هذه تأخذ معه عشر سنوات! لماذا لا تصلي جماعة؟ قال: إن شاء الله سوف أصلي ويفتح الله عليّ. فالعجز في القلب، والكسل في الجوارح، ولذلك تجد بعض الناس وهو ضعيف البنية لكنه قوي الإرادة، وتجد بعض الناس من أكبر الناس جسماً -على العكس- لكنه ضعيف الإرادة والتفكير. قال: ﴿احرص على ما ينفعك﴾ قال أهل العلم: الحرص على المنفعة هو: أن تبذل كل سبب ليحصل لك النفع، العلم لا يأتي إلا بسبب، المال والرزق لا يأتي إلا بسبب، الاستقامة والتوجه والالتزام لا يأتي إلا بسبب، أما إنسان يقول: لو أراد الله أن يهديني لاهتديت، سبحان الله! جبري في المعصية قدري في الطاعة، يقول لك: لماذا كذبت على الله وسرقت؟ قال: لأن الله كتب عليَّ أن أسرق، قلنا له: سلمنا لك جدلاً! ولكن، لماذا تركت -جدلاً- صلاة الفجر -مثلاً- في وقتها؟ قال: حتى يقدر الله لي ذلك. ﴿احرص على ما ينفعك واستعن بالله﴾ يقول أهل العلم كـ ابن تيمية: إن الحرص والسبب لا بد فيه عون من الله ، والمداومة على (إياك نعبد وإياك نستعين) والناس في (إياك نعبد وإياك نستعين) على ثلاثة أقسام: قسم يعبدون الله ويستعينون به، وهؤلاء مؤمنون. وقسم يعبدون الله ويستعينون بغيره، وهؤلاء فجرة. وقسم يستعينون بالله ويعبدون غيره، وهؤلاء مشركون. كان بعض المشركين يستعين بالله ويعبد غيره، وبعض الفجرة يعبد الله ويستعين بغيره، والمؤمن يعبد الله ويستعين بالله ، والعبادة لا بد فيها من الاستعانة، وإذا لم يعنك الله ؛ فلن تستطيع أن تعمل أي عمل، قال مطرف بن عبد الله: والله لو كان الإيمان وأردت أن أدخله هنا إلى قلبي؛ ثم لم يرد الله ما دخل الإيمان قلبي أبداً.

стр. 9774

الرضا بالقضاء والقدر ﴿واستعن بالله ولا تعجز﴾ كرَّر ﷺ "لا تعجز"؛ ليبين لنا سبب الكسب وطلب الإرادة منه؛ لأن للعبد مشيئة تحت مشيئة الله ، والعبد يوم يعلم الله توجهه وحرصه يعصمه الله ، أهل النجاح والتفوق، وأهل الكسب والأخذ والعطاء ما منحهم الله ما لديهم إلا لأنهم توجهوا إليه وطلبوا ما عنده. ومن أعظم الكسب: الدعاء، وترك المعاصي، والاستغفار، والسهر على المصلحة، حتى يحصل لها صاحبها. ﴿وإذا أصابك شيء، فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان﴾ الشاهد من الحديث: لماذا تفتح "لو" عمل الشيطان؟ قال القاضي عياض وابن حجر: لأن "لو" إذا حدثت وسوس العبد وقال: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا؛ فشك في قضاء الله وقدره، فدخل في الارتياب، وهو فعل الشيطان، ولذلك تجد الناس يتسخطون في القضاء والقدر. ابن الراوندي -وتكتب ابن الريوندي محيي الدين الكلب المعفَّر- وكثيراً ما أذكر قصته لأنه يعترض على القضاء والقدر، رأى أعرابياً عنده بستان، وعنده خيالة، وعبيد ومال، فالتفت إلى السماء وقال: هذا العبد عنده كذا! وأنا الذي أكيل الدنيا ما أعطيتني شيء؟ ثم رمى بالخبزة في نهر دجلة، فابتلاه الله في حياته ودنياه، لأنه اعترض على القضاء والقدر. لذلك يقول بعض الناس: يا رب! لماذا قدرت عليَّ كذا؟ ماذا فعلت يا رب؟ سبحان الله! جلَّ الله ! بل يفعل ما يريد : ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] سبحانه ما أجله! ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. ومقامك من القضاء والقدر -وهي تدور حول كلمة "لو"- ثلاث مقامات: الأول: أن تؤمن أنه من عند الله . الثاني: أن تشكر الله على النعمة. الثالث: أن تحمد الله أنه لم يجعل المصيبة في دينك واستقامتك.

стр. 9775

تمني النبي ﷺ من يحرسه في ليلة من الليالي قال الإمام البخاري: باب: قوله ﷺ : ليت كذا وكذا. ليت هنا للتمني، وتحمل معنى: الترجي، والحديث عن عائشة ﵂ قالت: أرق النبي ﷺ ليلة، فقال: ﴿ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة، إذ سمعنا صوت السلاح، قال: من هذا؟ قال سعد: يا رسول الله! جئت أحرسك، فنام النبي ﷺ حتى سمعنا غطيطه﴾ قال أبو عبد الله: وقالت عائشة: قال بلال: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بوادٍ وحولي إدخر وجليل فأخبرت النبي ﷺ . في الحديث قضايا: أرق: أي أصابه الأرق وهو: السهاد ونفران النوم عن النائم. قال المتنبي: أرق على أرق ومثلي يأرق وجوى يزيد وعبرة تترقرق وسكن نابغة ذبيان بدار العرب، فقال: فبت كأن العائدات تركن لي فراشاً به يغلو فراشي ويقشب حلفت يميناً غير ذي مثنوية ولا علم إلا حسن ظن بصاحب والمقصود: أن الأرق هو شيء ينتاب الإنسان قبل نومه، يطرد النوم عنه ويُسمى عند بعضهم: بالسهاد. ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا وعادك ما عاد السليم المسهدا فلما أرق ﷺ وكان حول المدينة يسكن كثير من اليهود قتلة الأنبياء، قال: ﴿يا ليت رجلاً صالحاً﴾ -أي: أميناً- وقيل: إنه بعد الصباح دخل المدينة ﴿يحرسني الليلة﴾ ما هو الجمع بين هذا الحديث وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]. قالوا: هذه الآية متأخرة عن الحديث، فلما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] ترك ﷺ الحرس وبقي في رعاية الله . قال: "ليت" هي الشاهد، وهنا تمنى ﵊ فدل على أن هذا جائز، ولك أن تتمنى الخير، أو أي أمر. ﴿ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة، إذ سمعنا صوت السلاح﴾ سعد لابس للسلاح متهيئ لحراسته ﷺ ، وسعد هو ابن أبي وقاص، وله منقبة أنه صالح؛ فإن الرسول ﷺ قال: رجل صالح، بل هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وصاحب القادسية، وخال الرسول ﵊، الذي فداه بأبيه وأمه يوم أحد. ﴿من هذا؟ قال: سعد يا رسول الله! جئت لأحرسك، فنام النبي ﷺ حتى سمعنا غطيطه﴾ والغطيط هو صوت يردده النائم. قال أبو عبد الله، أي: البخاري. وقالت عائشة قال بلال، لما هاجر بلال من مكة إلى المدينة، وأصيب بالحمى -والحمى تؤثر في الإنسان حتى في الكلام- فسألته عائشة ﵂ فقالت: يا بلال! كيف تجدك؟ قال بلال رافعاً عقيرته وكان صوته جميلاً ندياً يسري إلى القلوب، ولذلك كان مؤذناً. فقال: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوماً مياه مجنة وهل تبدون لي شامة وطفيل قال البخاري: فأخبرت النبي ﷺ ، فسكت وسكوته إقرار، لأن بلال يقول: ألا ليت شعري، يقول بلال: يا ليتني بين أودية مكة، ولذلك حن الصحابة لـ مكة، فلما سمع ﷺ هذه الأبيات، قال: اللهم إن إبراهيم دعا لـ مكة بالبركة، اللهم إني أدعو للمدينة في مدها وصاعها بالبركة، اللهم اجعل ضعفي ما جعلته من البركة في مكة في المدينة، اللهم انقل حمى المدينة إلى ذي الجحفة، فانتقلت الحمى هناك. وهذه الأبيات أرق وألطف ما سمع في الأدب العربي، وليست لـ بلال وإنما هي لشاعر جاهلي، تأخر على بابه وجيرانه وخلانه فبدى على جبل في مكة فقال: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بوادٍ وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوماً مياه مجنة وهل تبدون لي شامة وطفيل الإذخر: شجر، والجليل: قيل شجر وقيل ثمر، ولكن كأنه جبل. وهل أردن يوماً مياه مجنة: مجنة سوق من أسواق العرب في مكة. وهل تبدون لي شامة -جبل- وطفيل -جبل آخر- وهذا من الحنين إلى الديار، وهذا من أحسن ما ذكرته العرب، قال الأصمعي: أبكت العرب في شعرها العجوز على شبابها. انتهينا من شاهد البخاري أنه يجوز استخدام "ليت"، فلك أن تقول: ليت فلاناً أتانا هذه الليلة، وليت ابني ذاكر هذه الليلة، وليتنا قرأنا شيئاً من القرآن، هذا جائز، ولم ينازع فيه العلماء كما نازعوا في "لو" التي مرت معنا.

стр. 9776

الأسئلة .

стр. 9777

خروج آدم وحواء من الجنة السؤال ما رأيك في مقولة علماء النفس إن السبب في إخراج أبينا وأمنا من الجنة هو دافع التملك؟ الجواب هكذا فليكن الكذب!! وهذا قول الذين لا يعلمون، وعلماء النفس ليسوا مفتين في الإسلام، ولا يفتون في القضايا الشرعية، بل يفتون في فنهم، ويبقون حتى نحتاج إلى علمهم، ولا نزري بهم، فلهم ملكة خاصة بهم، لكن سمعنا من يقول: إن من يكثر القراءة في كتب علماء النفس يصاب بمرض، وأقصد علماء النفس الكفار، أما علماء النفس المسلمين فلا يدخلون في هذا، فلهم أجر وقدم صدق، ونحسبهم والله حسيبهم أن فيهم الأخيار والذين يريدون الخير. لقد وجد علم النفس عند الناس، فالآن ماذا نفعل؟ يأتي الأوروبيون والأمريكان بتربية، فنقول: نعوذ بكلمات التامات من شر ما خلق، ليس عندنا إلا حديث فقط! وإذا أتوا بعلم النفس؛ نقول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق! لا، بل ديننا فيه تربية، وعلم نفس، وكل ما يتعلق ببني الإنسان، فنخرج لهم علم النفس من القرآن، لكن إذا أتوا يطعنون في القواعد والأصول عندنا نقول: توقفوا بارك الله فيكم، مكانك تحمدي أو تستريحي. وأما قول الأخ السائل فهذا ليس بصحيح، وهذا خطأ، وإنما أخرج آدم ﵇ من الجنة بسبب معصيته، كما ذكر ، فقال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١] لم يقل: (تملك وحب التملك) وإنما قال: فغوى، كيف يعاندون القرآن؟ ألا يستحون على وجوههم.

стр. 9778

بعض أخطاء الكُتَّاب السؤال كاتب يكتب عن الصحابة ﵃، وله كتاب اسمه ذو النورين عثمان بن عفان ﵁ وخلافته، فيها حقائق لا يقولها مسلم عن الصحابة؟ الجواب هذا الرجل يؤخذ من كلامه ويرد، وهو يحتاج إلى تعليم في الحديث النبوي، وإلى توجيه إن كان حياً أو إن كان ميتاً، ومثله أخوه وابن عمه وابن خالته عباس محمود العقاد، الذي هو مشهور عندنا كثير، أتى فتكلم بكلام يقول: معاوية كان يلعب بأهل الشام على هواه! حتى صلى بهم الجمعة يوم الأربعاء، سبحان الله! هذه في معاوية في الميزان، ألا يستحي من الله! فـ معاوية أحد الصحابة، ثم يأتي بالرسول ﵊ أشرف وأعظم من خلق الله، فيأتي يقارن بينه وبين نابليون في العسكرية، وفعل ذلك سعيد حوى -سامحه الله- في كتاب الرسول ﷺ ، حيث قارن بين المصطفى الذي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤] وبين كلب فرنسي، إذا نظرت إليه وأنت متوضئٌ انتقض الوضوء، فيقول: هذا في الحربية كذا، وهذا صاحب نظرية الاطلاع واكتساح المعركة والمواقع العدائية، وما أدري ماذا فعل، والرسول ﷺ فعل هذا، أما يستحي من الله! تقارن بين الرسول ﷺ وهؤلاء! والعقاد له فلتات، لكنه كاتب في القمة، له كتاب ما يقال عن الإسلام يتكلم فيه عن خصائص الإسلام ويرد على أباطيل خصومه وهو من أحسن كتبه، ولديه حسنات في كتبه مثل كتاب عبقرية عمر، صفات الرجل الممتاز، ومفتاح شخصية عمر، لكنه أتى بأمور لا يوافق عليها، مثل قوله في ترجمة علي: علي صدوق لأنه شجاع، وشجاع لأنه صدوق، ومعاوية أسد هصور وعلي جمل صبور. أتشبه الصحابة بالحيوانات! هؤلاء خير جيل أخرج للناس، لا بد من توقيرهم واحترامهم ﵃، إذاً فلينتبه لهذا الكاتب. وأدهاهم وأظلمهم وأغشهم طه حسين الذي يدعونه عميد الأدب العربي! كذبوا على الله، بل الشيخ علي الطنطاوي أحسن منه أسلوباً وأحسن فكرة وأنقى عقيدة، وأحسن إبداعاً، والله ما أعلم أني قرأت لأحد مثل الشيخ علي الطنطاوي من الأدباء والمفكرين العصريين في جودة الأسلوب، وإن شئتم فاقرءوا قصص من التاريخ، ونحن المسلمون، فيجعلون طه حسين عميد الأدب العربي؛ لأنه عميل فرنسا في الأدب، لا والله، المازني خير منه، والرافعي أحسن وأحسن وأجود لكنه أسلوبه يعقد، لكنه أقرب إلى أهل الإسلام بل دافع عن فكرة الإسلام كثيراً، وعباس محمود العقاد أحسن من طه حسين، وأمر المرين طه حسين بل هو أمر من الثلاثة: وما شر الثلاثة أمَّ عمروٍ بصاحبك الذي لا تصحبينا توفيق الحكيم، توفيق السفيه الخلق والتكلف والرأي العفن نعوذ بالله، صاحب المسرحيات المزرية بالإسلام، وصاحب السفه بعد أن كبر، فهذا أمره إلى الله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥]. خير منه في الساحة سيد قطب والشيخ علي الطنطاوي، وأبو الأعلى المودودي في كتاباتهم وكذلك، أبو الحسن الندوي الزاهد العابد المؤثر، صاحب الثمانين عاماً الذي طاف العالم بأدبه، حتى يقول في مسيرة الحياة: والله لقد ألقيت كلمة في الكويت، لقد رأيت الناس يصرعون ويغمى عليهم ويرشون بالماء. ولقد صدق فهو من أكثر الناس تأثيراً حتى في قلمه، وممن يقرأ لهم كذلك محمد قطب وسعيد حوى، إلا بعض الكتب لـ سعيد حوى مثل كتاب تربيتنا الروحية، فيعرض عنه ويسجر به في النار، لأنه صوفي من غلاة الصوفية، ﵀ وتجاوز الله عنه لحسناته الكثيرة.

стр. 9779

الحجاج في الميزان السؤال هل الحجاج أول من وضع النقط على الحروف في القرآن والتشكيل، ما صحة هذا القول؟ الجواب هذا القول صحيح، الحجاج هو الذي أمر بوضع النقط وهذه من حسناته، ومن حسناته أنه كان يقرأ القرآن كثيراً، وكان المصحف في جبته والسيف معلق، وكان السيف يشتغل وهو يقرأ القرآن، لكن أين تأثير القرآن على الحجاج؟ يقول الحسن البصري: يقرأ الحجاج القرآن على أناس فيهم جذام لا يسمعون، يقرأ على أناس معهم من النبط -ويل للنبط من شر قد هبط- ويبطش بطش الجبارين، ويلبس لباس الوعاظ، ويفعل فعل الفسقة، فأمره إلى الله. ومن حسناته أنه كان كريماً، كان يبذل المال بذلاً، وكان يدعى إلى مائدته في الإفطار فحيضرها الألوف في الغداء. ومن حسناته: أنه أقام الجهاد، وتتَّبع الخوارج فلم يترك لهم عيناً ولا أثر، لكنه سفك دماء العلماء، وأهان كثيراً من الصحابة، وقتل كثيراً من الأبرياء، فعلمه عند الله . يقول: نام ليلة فنهض ثم رفع رأسه، قال لحرسه: الله أكبر! فاجتمعوا عنده، قال: أجمعوا لي كل من كان خارجاً من بيته هذه الساعة وأودعوه في السجن، فأتوا يجمعون الناس، فأتوا إلى رجل قد انعزل عن الناس ويقرأ القرآن في المسجد، وحينما كانوا يجمعون الناس قال وهو يقرأ في المصحف: إنه عمل غير صالح -ابن نوح- أو عَمِلَ غير صالح، استدعوا لي القارئ فلان بن فلان من المسجد، فأتوا به فظن الحرس أنه متهم فسجنوه ستة أشهر في هذا الآية، فأتى الحجاج فقال: أخرجوا المتهمين، قال: أنت لماذا سجنت؟ قال: كنت أقضي حاجتي في الصحراء فقبضوا عليّ الحرس، قال: اجلدوه، وأنت لماذا سجنت؟ قال: سجنني ابن نوح ﵇، قال: لماذا؟ قال: لأنه عمل عملاً غير صالح، قال: أطلقوه، هذا الحجاج بن يوسف الثقفي.

стр. 9780

المسيَّب أم المسيِّب السؤال ما هو الصحيح سعيد بن المسيَّب أو سعيد بن المسيِّب؟ الجواب المشهور سعيد بن المسيَّب بالفتح أما المسيب بالكسر فنقلت عنه مقولة لكني لم أقرأها في كتب الحديث والتراجم، يقول: سيب الله من سماني المسيَّب، أي: بصفته أنه ضائع مسيب، وليس بضايع بل محفوظ عند الله، ولكن لم تصح عنه هذه المقالة، وهي خاطئة، وليست بثابتة عنه، والصحيح أنه ينطق سعيد بن المسيَّب، ضبطها البخاري ومسلم وأهل السنن والمسانيد.

стр. 9781

قراءة سورة الكهف يوم الجمعة السؤال ما صحة حديث قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة؟ الجواب هذا الحديث رواه الدارقطني بسند صحيح، وصححه الأرنؤوط في زاد المعاد وغيره من العلماء، فهو صحيح، فاقرأها ولا عليك، ينير الله لك عشرة أيام بلياليهن. وفي الختام: أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم، والحمد لله رب العالمين.

стр. 9782

من هم الأصوليون ؟ إن الأنبياء ﵈ أرسلهم الله إلى أقوامهم ليدعوهم إلى عبادة الله سبحانه، فمنهم من آمن، ومنهم من كذب وآذى رسل الله بكثير من الاتهامات الباطلة، والادعاءات الزائفة، وقد أخبر النبي ﷺ أن العلماء والدعاة سيبتلون كما ابتلي الرسل، وهاهم في عصر الابتلاء يتهمون بالرجعية والأصولية وغير ذلك من أنواع الادعاءات والإشاعات. وفي هذه المادة عرض لمنهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع الإشاعات بالإضافة إلى ذكر خصائص أهل السنة والجماعة.

стр. 9783

منهج أهل السنة في التعامل مع الشائعات الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد الصادق الأمين. أما بعد: أيها الناس! فمن صفات أهل السنة أنهم يتثبتون من الشائعات، على حد قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] فإذا تبين الخطأ وعرف مَن هو صاحبه، ومَن وراءه، فهو على أحد قسمين: الأول: إما رجل استتر بخطئه؛ فمنهج أهل السنة أن يردُّوا عليه بخُفية، ولا يشهِّرون به، ولا يفضحونه على رءوس الأشهاد. الثاني: وإن أشهر خطأه، وأعلن تمرده، كان عليهم لزاماً أن يظهروا ردهم وأن يشهِّروا على الناس جوابهم، وكان لزاماً على أهل السنة ألا يكتموا الردود، ولا يكتموا الدفاع عن منهج الله؛ لقوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠] ويقول سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧] كان لزاماً على علماء الإسلام ودعاته أن يبينوا ولا يخشون في الله لومة لائم، ويقولوا كلمة الحق فصيحة هادئة ناصعة. المسألة الثانية: دعاة الصحوة وعلماؤها منضبطون وحكماء، ضبطوا أعصابهم حين لم يستطع الدَّعِيُّ أن يضبط أعصابه، وتحكموا في عقولهم حين لم يستطع العميل أن يتحكم في عقله، وثبتوا في أماكنهم حين لم يستطع المتلبس بالنفاق أن يتحكم في موقعه.

стр. 9784

واقع الحرب المعلنة ضد الملتزمين المسألة الثالثة: لقد أظهر البغاة من العلمانيين اليوم حربهم سافرة على أولياء الله، وشهَروا سيوفهم وردُودهم، وردَّدوا سخرياتهم في الصحف والمجلات وفي وسائل الإعلام، وليس لنا وسيلة إلا منبر محمد ﵊، نقف أمام الرأي العام لنحاكمهم تحت مظلة قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]. ولا زال أحد كتابهم المرموقين وشعرائهم اللامعين الذي اكتسب سطوعاً ولموعاً، وما كان له أن يسطع ويلمع؛ لأن من لم يتجه إلى الله فلا سطوع له، ومن لم يحكِّم (لا إله إلا الله) فلا لموع له؛ لكن أبى إلا أن يسطع ويلمع، وليته سطع ولمع على حساب دنياه، وشهرته، ولكن ما كفاه ذلك حتى أخذ الملتزمين والصالحين جسوراً إلى أهدافه، وأخذهم عوابر إلى مخططاته، هذا الكاتب طالعنا في جريدة الشرق الأوسط يوم الجمعة العدد (٤٣٧١) وهو يتحدث عن التغيرات التي يطمح إليها، تغيرات كيان الدين الإسلامي، وتغيرات المبادئ الخالدة، وتغيرات المنهج الرباني الذي شرفنا الله به؛ ولكنه بذكاء عجيب يأخذ إشارات وعمومات من الإسلام لينفث سُمَّه وحقده وحسده وضغينته، يقول في هذا العدد -وهو يطالب بتغيير في بُنية المجتمع، ومسيرته والتزامه-: ولم يكن من الطبيعي ولا من المعقول أن تتم هذه التحولات الحضارية الهائلة دون أن تتبعها تغييرات مادية وفكرية واجتماعية. أنحن أغبياء إلى هذه الدرجة؟! ألا نعرف اللغة العربية؟! ولا نعرف مقاصد الكلام، وماذا يريد أن يقول؟! يريد هدم الإسلام لَبِنَة لَبِنَة، وتدمير صرح الفضيلة، وهذا الكاتب والشاعر المشهور قرأتُ في مجلة الدعوة قبل ثمان سنوات مقابلة له قدمت في أمريكا، ظن أنها لن تصل إلينا؛ لكن الله أوصلها إلينا، فقد سئل عن حالنا -وهو من أبناء الجزيرة -: كيف حالكم في الجزيرة؟ قال: ما رأينا النور منذ ثلاثة آلاف سنة إلى الآن! ونقول: أما أنت صدقت فلم ترَ النور إلى الآن، ولكن نحن والله رأينا النور، وعشناه وأبصرناه ومشينا فيه، وشربنا منه ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥]. أما نحن -أيها الكاتب- فقد أتى محمد ﵊ وأخرجنا من الظلمات إلى النور ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥٧] أين ما يدعى ظلاماً يا رفيق الليل أينا إن نور الله في قلبي وهذا ما أراه قد سرينا في ضياء الوحي حباً واهتدينا ورسول الله قاد الركب تحدوه خطاه ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]. عرضت مقولته على سماحة الشيخ: عبد العزيز بن باز فقال: إن اعتقد ما يقول فقد ارتد عن الإسلام، وعليه أن يجدد إسلامه ويدخل في الدين من جديد. يقول في ذلك العدد: والحوار الذي يدور حول القضايا المفتوحة يجب أن يتم في جو هادئ بعيداً عن التشنج -اسمع الحكمة، واسمع العلم والمنطق- بعيداً عن التشنج والانفعال، بعيداً عن استعداء السلطة على الرأي الآخر، وبعيداً عن الاتهامات التي تلقى في أماكن الصلاة وبلا مبالاة. ما هو الحوار المقصود؟ حوارٌ بأن يجعل الشريعة مستعدة لأن نتفاوض عليها، وأن يؤخذ منها ما يُراد، ويترك منها ما يُراد: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥] ثم يكون هو حكيماً ويكون هو أستاذاً ومنظراً وعالماً، ومن أين له العلم؟! وعجبتُ له كل العجب! ورأيتُ له مقالة سيئة وقد كتبت رداً عليها، ولكن لم ينشر. وأتاني والله عشرات من الشباب مجروحةً مشاعرهم، باكيةً عيونهم، متأثرةً أرواحهم؛ لأنه يلدغهم من حيث لا يشعرون، ثم يأتي بخنجره ويجزرهم علانية أمام العالم بحجة الحكمة والحوار والهدوء. ولو كان خصمي ظاهراً لاتقيته ولكنه يا قوم يبري ويلسعُ هو لم يشهِّر، ولكنه لدغ ولسع، يأتيك يمدح العقيدة ثم يبث السم، يأتيك بالرسالة في الإسلام ثم يكبت الإسلام، يأتيك بالاستفاضة في المناهج الربانية ثم يدوس المناهج الربانية. أيها الكاتب! أيها الأديب! أسألك بـ ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٧ - ٨] أن تحكم عقلك إن كان لا دين لك، من الذين يسحتقون هذه الردود وسط العاصفة! هو يكتب في عين العاصفة، وهو الذي يثير علينا العاصفة، أعدوٌّ من الخارج وعدوٌّ من الداخل؟! أيلدغنا في وقت حرِج مقابل الدبابات المعتدية الغاشمة الجاثية على حدودنا، ونقابل جيوشاً جرارة تريد مقدساتنا، فيتركنا في الوقت الحرج، فيغير علينا؟! وأسالك -يا أيها الكاتب- بالذي جعل لك عينين، ولساناً وشفتين، وهداك النجدين، أن تقف وتفكر؛ من الذين أسسوا العدل في العالم؟! من الذين خاطبوا العدل في النور، وأوصلوا الفتوح إلى الدور، وعمروا القصور بعدل في القصور؟! من الذين طهروا الشعوب؟! من الذين قضوا على الفجور والخمور والعُهر، إلا أبناء (لا إله إلا الله).

стр. 9785

دعوى الأصولية والرد عليها ويستمر الكاتب ولا ينتهي ويقول في العدد [٤٣٧٣] في جريدة الشرق الأوسط يوم الأحد مقالاً بعنوان: أيها الأصوليون الصداميون! اسمعوا وعوا، مَن هُم الأصوليون؟ أتدرون مَن الأصوليون؟ الأصوليون في دوائر المخابرات الغربية هم أبناء الجزيرة العربية، هم أبناء (لا إله إلا الله) هم أنتم أيها الساجدون المصلون المتوضئون الطاهرون! هم أنتم يا حَمَلة (لا إله إلا الله) يامن عبدت أكتافهم للسيوف عبر التاريخ! وكأن ظل السيف ظل حديقة خضراء تنبت حولنا الأزهارا لم نخش طاغوتاً يحاربنا ولو نصب المنايا حولنا أسوارا فيقول: الأصوليون، وكلمة (الأصوليين) سرت على كل من انتهج نهج الاستقامة والالتزام من شباب الصحوة في العالم الإسلامي، وأكثر من يحارب الأصوليين إسرائيل عليها غضب الله، وكذلك الغرب عليهم لعنة الله؛ لأن كلمة (الأصوليين) مشتقة من الأصل، والأصل هو الكتاب والسنة، وسُموا بذلك لأنهم ركَّبوا منهجهم على الكتاب والسنة، وأصلوه من (قال الله وقال رسوله ﵊ ويقف الأصوليون على حدود الجزيرة أمام دبابات صدام وطائراته وجيوشه، ويأتي هذا من الداخل فيلدغهم بحجة أنهم مع صدام، ونحن -والله- قبل الحادثة وبعد الحادثة نعرف من هو هذا الرجل صدام، عقيدته، ومنهجه، وولاؤه، وسيرته، وسلوكه، وما أحببناه يوماً وما واليناه يوماً، وإنما أعلنَّا حربه وعداءه. يقول: أيها الأصوليون! من أتباع عبد الله المؤمن مؤخراً -أي: صدام حسين، هل تعرفون الهدف الذي يسعى قائدكم إلى تحقيقه؟! قائدنا محمد ﵊ وليس صدام حسين، ونبرأ إلى الله منه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] فمَن هُم الأصوليون؟ أيها الكاتب! أيها الأديب! أسألك بالله أن تراجع حسابك، وأن تتأمل، وتتفكر في من هم الأصوليون؟ إنهم الذين حفظوا مبادئهم، يوم ضيعها غيرهم في شوارع الغرب، إنهم الذين لبسوا زِيَّهم الإسلامي يوم ارتدى غيرهم الزي الكافر، إنهم الذين توضئوا بالماء النمير، يوم توضأ غيرهم بماء الخمر في ليالي العُهر وفي آخر الليل، إنهم الذين بكوا من آيات الله البينات، يوم دندن غيرهم على الأغاني الماجنات. الأصوليون هم الذين يحمون المقدسات، ولا يسمحون لأي مستعمر أو غازٍ بأن يصل إلى المقدسات إلا على جماجمهم، والأصوليون يقدمون جماجمهم تسحقها الدبابات؛ لتبقى (لا إله إلا الله) ويقدمون أعناقهم تقطعها المجنزرات؛ لترتفع (لا إله إلا الله). إذا محاسني اللآتي أدل بها كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر كيف نعتذر أمام رأي العالَم، يا أيها الكاتب! أما تعرف أن العالم الإسلامي به مئات الألوف من الأصوليين! بل ملايين من شباب الصحوة، كلهم يود أن يقدم روحه فداءً لـ (لا إله إلا الله) من مقدسات في الجزيرة العربية، ثم تأتي بشخطة قلم تلغي جهودهم وسطوعهم ولموعهم، وتحاربهم من الخلف في وقت شُغل فيه وُلاة الأمر والناس وشباب الصحوة بالعدو الخارجي، هذه والله لا يُقرها عقلٌ ولا نقل! فمَن هُم؟! مَن هُم الذين يتبعون صداماً؟! إنهم الذين يؤمنون بأفكار صدام العلمانية الكافرة، إنهم الذين لا يحترمون (لا إله إلا الله) يقول سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء:٦٠] يزعمون ولا يعتقدون: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء:٦٠] يتبجحون بالإسلام في المجالس والإسلام بعيد عنهم، ويتظاهرون بحب الإسلام وهم يذبحون الإسلام صباح مساء ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٦٠]

стр. 9786

خطر العلمانيين على الإسلام والمسلمين ولَطالَما سمعنا هذا الكاتب وقرأنا له، وعندي له قصاصات وملفات ووثائق عن ماذا يريد، وكيف ينفث، وإلى أي حد سوف يصل إذا ترك له الميدان، إنه خطير على الإسلام والمسلمين، وخطير على القبلة ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:٦٠] لأن الشيطان يتولاه صباح مساء. يقول العلمانيون القدامى: وكنت امرأً من جند إبليس فارتقى بي الحال حتى صار إبليس من جندي يقول: كنتُ جندياُ مع الشيطان فتطورت في المراتب حتى صرت أدير الشيطان وأذناب الشيطان ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ [النساء:٦١] تعالوا إلى القبلة، تعالوا إلى القرآن، تعالوا إلى (صحيحي البخاري ومسلم) تعالوا إلى المبادئ ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ [النساء:٦١] عجيب! ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ [النور:٥٠] أي: ليس هناك إلا احتمالات ثلاثة: الأول: إما مرض خطير اكتسبوه من تراثهم الذي تعلموه، ومن مائهم الذي شربوه، ومن جلبابهم الذي لبسوه، حقدٌ على الإسلام، وعداء لأولياء الله. الثاني: ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ [النور:٥٠] أي: أم شكوا في مصداقية الرسالة، ومصداقية الرسول ﵊. الثالث: ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ [النور:٥٠] أي: ويمكن أن يظنوا أن الله لا يريد بهم خيراً يوم أنزل لهم شريعة، ولا يريد بهم نصراً يوم أعطاهم هذه المبادئ، ولا يريد بهم فلاحاً ولا تطوراً يوم سنَّ لهم دستوراً، ويرون أن الدستور الإسلامي رمز التخلف والرجعية، والواجب الانقضاض عليه؛ لكن بذكاء كالذئب: ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بأخرى المنايا فهو يقظان نائم قال الله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [النساء:٦٢] كيف إذا أُخِذت رءوسهم بسيف ولي الأمر الذي يحمي رسالة التوحيد، فصلبهم بعد صلاة الجمعة وقطَّف رءوسهم؟! هذه مصيبة، لماذا؟ لأنهم يفسدون في الأرض، ويسعون فيها خراباً، ويدمرون معالمها، ومن أعظم ما ينتظرون: سيف العدل المشهور الذي أخذ رءوس قُطاع الطرق والمدبرين للفتن، والمروِّجين للجرائم، وهم أعظم من يروج الجرائم ويدبر الفتن، فجدير بالسيف أن يحصد رءوسهم. قال الله سبحانه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ [النساء:٦٢] أي: كيف إذا ابتُلوا بمصيبة؟! وكيف إذا أظهر الله عليهم الصف الإسلامي ثم جاءوا وقالوا: لا. إنما أردنا بالكلام والقصائد والمنشورات إحساناً وتوفيقاً بين الأمزجة وبين الردود، والله ما أردنا إساءة؛ ولكن أردنا أن نتحدث للرأي العام وأن نوافق بين المشارب والشرائح الاجتماعية! أبين الإسلام والكفر إحساناً وتوفيقاً؟! أبَيْن (لا إله إلا الله) و (لا إله والحياة مادة) إحساناً وتوفيقاً؟! أبَيْن المسجد والخمَّارة إحساناً وتوفيقاً؟! أبَيْن محمد ﷺ وماركس إحساناً وتوفيقاً؟! أبَيْن أبي بكر ﵁ وهتلر إحساناً وتوفيقاً؟! أبَيْن عمر ﵁ وصدام إحساناً وتوفيقاً؟! أتضحكون على لحى المسلمين؟! ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ [النساء:٦٣] أي: حاول أن تردعهم قبل أن يُلقوا بالأمة في هُوَّة، وأن يصدموا الأمة على دمائها، وأن يضربوها على أكتافها ضربة مهلكة. يقول سيد قطب في الظلال وهو يعلق على أولئك: إنها حالٌ مخزية حين يعودون شاعرين بما فعلوا، غير قادرين على مواجهة الرسول ﷺ بحقيقة دوافعهم، في الوقت ذاته يحلفون كاذبين أنهم ما أرادوا بالتحاكم إلى الطاغوت إلا رغبة في الإحسان والتوفيق، كيف؟! وهي دائماً دعوى كل من يحيدون عن الاحتكام إلى منهج الله وشريعته. ثم يقول: إنهم يريدون اتقاء الإشكالات، والردود الاجتماعية، وكلام العلماء وفتاوي الدعاة، فيتفكرون في الثياب وهم ذئاب، ويتخذون العكاز وهم رأس المصائب. إن الإشكالات والمتاعب والمصاعب تنشأ من الاحتكام إلى غير شريعة الله. ويريدون التوفيق بين العناصر المختلفة، والاتجاهات والعقائد المختلفة، ما عندهم تميز وليس لهم باع في الشريعة، ولا يعرفون شيئاً، عندهم ذكاء وعندهم بيان لكن هذا لا يكفي ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤]. في هذا الوقت الحرج؟! أنحن أعداؤك؟! أنحن الآن الذين نقف ضدك؟! أما تكلمت؟! أما نظمت الأشعار؟! أما صبرنا؟! أما سكتنا؟! أما رأينا أشعارك تنفث سماً وفجوراً وعداءً للإسلام؟! وقلنا منطق الحكمة أن يُناصَح؛ ولكن: أخي جاوز الظالمون المدى فحق الجهاد وحق الفدا أنتركهم يغصبون الجزيرة أرض الأبوة والسؤددا؟! فشَهِّر حسامك من غمده فليس له اليوم أن يُغمدا نفخت شموسنا غضباً علينا وقد نسجت ثيابَكمُ يدينا وسيفك في بني الإسلام ماضٍ وجذعك بيننا أضحى متينا تُغَنِّينا وتسخر إن عثرنا كأنك ما دريت ولادرينا! كأننا لا نعرف المخططات! ولا نعرف الكلمات! وإننا مستعدون بلسان طلبة العلم والعلماء الحكماء الذين يعرفون التصرف وضبط النفس أن نحاورك الحوار علنياً أمام الرأي العام؛ ليثبت الصادق من الكاذب، والجاد من الهازل، والراشد من الضال. تُغَنِّينا وتسخر إن عثرنا كأنك ما دريت ولادرينا! تُسر إذا أصبنا بالرزايا مخادعة وتضحك إن بكينا توكلنا على الرحمن إنا رأينا النصر للمتوكلينا وهل يُخذل جند الله؟! وهل يُضرب حزبُه؟! وهل يتقهقر أولياؤه؟! وهل يتعثر أنصارُه؟! بل هم الطليعة دائماً، والكوكبة النيرة؛ لأنهم يحملون فكراً سديداً سليماً.

стр. 9787

نداءات إلى أهل العلمنة إنا نطالب هذا الكاتب ورموز العلمنة جميعاً أن يتوبوا إلى الله، وأن يقدروا وُلاة الأمر، وأن يعرفوا أن من حق والي الأمر ألا يُخالَف فيما يُطاع الله فيه ورسوله، وألا يُعتدى على قداسة الدين، وحرمة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ولا يُسخر بأولياء الله، ولا يُستهزأ بالقيم ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] ولعلنا نسمع منتقداً يقول: هذا ليس من الحكمة! فما هي الحكمة بالله؟! وكيف نفسرها؟! وأروني الحكمة، وأخرجوا لي الحكمة، إذا كان هذا يتكلم أمام الملايين ويهاجم الإسلام بطريقة علنية، ثم يُقال: اسكت، لا تتكلم، إن الحكمة تقتضي أن تسكت! هذا ليس بصحيح، وما علَّمنا علماؤنا ومن قبلهم ولا الكتاب والسنة ولا أسلافُنا ولا الصحابة ولا التابعون إلا منهج الحق، أن نقول الحق ولا نخشى في الله لومة لائم. أسأل الله أن يهدي ضال المسلمين، وأن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن يحفظنا ويحفظ علينا ديننا وبلادنا ومقدساتنا، إنه نعم الحافظ وهو المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

стр. 9788

خصائص أهل السنة الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. أيها الناس: نحن أهل (لا إله إلا الله) لنا مصادر عدة، لنا انتماءات خالدة، لنا خصائص ربانية لا يشاركنا فيها أحد، هذه نقف بها أمام أهل العلمنة، ونحن فخورون جداً أن نكون من أولياء الله إن شاء الله، وواثقين من مبادئنا. فمن خصائصنا:

стр. 9789

أولاً: أننا أمة وحي دستورنا وعقيدتنا وشريعتنا وسلوكنا وأخلاقنا من الوحي ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:١ - ٤] غيرنا وأعداؤنا يأخذون قوانينهم من التراب والطين ومن جزمات مستعمريهم، ونحن نأخذ عقيدتنا وشريعتنا من رب العالمين ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] أعلون عقيدة، ومنهجاً، وعبادة، وأخلاقاً، وسياسة، واقتصاداً، وإعلاماً، ما دمنا نتحاكم لشرع الله، فنحن أمة وحي.

стр. 9790

ثانياً: أن ولينا الله الله مولانا ولا مولى لهم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١] فمن مثلنا -المسلمين- من الناس، تولينا الله والله تولانا، وأحببنا الله والله أحبنا إن شاء الله، فنحن إذا ضاقت بنا السبل مددنا أكفنا بين يدي علام الغيوب، فاتصلنا به مباشرة ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] إذاً هذه الأمة ربانية، أمة خرجت من الصحراء؛ لكنها اتصلت برب الأرض والسماء، فأجلسها على الجوزاء.

стр. 9791

ثالثاً: أن قدوتنا محمد ﵊ هل سمعت بقوم مثلنا قدوتهم محمد ﷺ ؟! إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا فإما حياة نظم الوحي سيرها وإلا فموت لا يسر الأعاديا رضينا بك اللهم رباً وخالقاً وبالمصطفى المختار شهماً وهاديا هل سمعت بقوم قدوتهم محمد ﵊ يضلون، أو يُخذَلون، أو يتراجعون؟! لا.

стр. 9792

رابعاً: أننا أمة وسطية ولسنا متطرفين، فنحن لا نغلو ولا نجفو، بل نعرف كيف نتعامل مع الشريعة، ونعي صروحها، ونؤسسها في الناس، لا نغلو فنصبح مثل الذين غلوا في فعلهم فغضب الله عليهم، ولا نجفو فنصبح مثل الذين تمردوا على معالم الدين. بل ننطلق من منطلقات الإسلام الصحيح، ومن شاء فليحاور شباب الصحوة وعلماءها ودعاتها.

стр. 9793

خامساً: أننا أمة معطاءة رجاء شقيق عارض رمحه إن بني عمك فيهم رماحُ معطاءة دائماً، يقول ﵊ فيما صح عنه: ﴿أمتي كالسيل، لا يُدرَى الخير في أوله أو في آخره﴾ لم تعقم أرحام نسائنا، ولم تقف الأمهات عن إنجاب العظماء، فلا زال يلد فينا الزعماء الأبرار، والعلماء الأخيار، والأدباء، والشهداء، والصديقون، والدعاة، والصالحون، فنحن دائماً سوف نقدم: ثمنُ المجد دمٌ جُدنا به فاسألوا كيف دفعنا الثمنا

стр. 9794

سادساً: أننا أمة الخلافة الله جعل هذه الأمة خليفة في الأرض، تتولى الخلافة، وتقود العالم، وتوجه البشرية من وسط الدنيا، من أم القرى مكة من الجزيرة، ومن حولها من العالم الإسلامي، فالخلافة لهذه الأمة التي تحمل (لا إله إلا الله).

стр. 9795

سابعاً: هذه الأمة وارثة وما معنى وارثة؟ أي: أنها سوف ترث العالم إن شاء الله، وقد أخبر ﵊ أنها سوف تتبوأ منزلتها، وتحكم بعقيدتها وشريعتها، ويُطوِّق الأرض عقلُها، ويحكم الكون برها وسلامها وخيرها وفضلها، فأبشروا! الغد لكم، والفجر لكم، والمنتظر لكم. يا أمة المجد قومي مزقي الحُجُبا وأعلني في ليالي دهرك الشهبا أتذكرين صلاح الدين سفسطة من غير بذل صلاح الدين قد ذهبا قبر العظيم إذا ما زاره ذنبٌ رغا وأزبد لا حييت يا ذنَبا لو أخبروا عمر الفاروق نسبتهم وأسمعوه الرزايا أنكر النسبا أبواب أجدادنا منحوتة ذهباً وذي هياكلنا قد أصبحت خشبا من زمزم قد سقينا الناس قاطبة وجيلنا اليوم من أعدائنا شربا لكن أبشر هذا الكون أجمعه أنَّا صحونا وسرنا للعلا عجبا بفتية طهر القرآن أنفسهم كالأُسْد تزأر في غاباتها غضبا عافوا حياة الخنا والرجس فاغتسلوا بتوبة لا ترى في صفهم جُنُبا عباد الله: صلوا على معلمنا ﷺ ، وأكثروا عليه من الصلاة والسلام في هذا اليوم، فإن صلاتكم معروضة عليه، فصلى الله عليه وسلَّم تسليماً أبداً ما دامت الليل والنهار جزاء ما قدم وما أنتج وأعطى للأمة، وارضَ اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 9796

كيف فرضت الصلاة ؟ الصلاة الركن الثاني من أركان الإسلام، وهنا بيان لكيفية فرض الصلاة على أمة محمد ﷺ مع عرض لكثير من المسائل التي تخص الصلاة ومتعلقاتها، كصلاة المسافر، والضحى، والوتر وتحية المسجد وغيرها. إضافة إلى ترجمة بسيطة لصحابيين جليلين هما أبو ذر الغفاري، وسلمة بن الأكوع.

стр. 9797

وقفات مع أبي ذر إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. نستأنف كتاب الصلاة مع الإمام البخاري، حيث يستهل كتاب الصلاة بتبويب رائع، حيث يقول: باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء. ثم يقول: وقال ابن عباس ﵄: حدثني أبو سفيان في حديث هرقل فقال: ﴿يأمرنا -يعني: النبي ﷺ بالصلاة والصدق والعفاف﴾. ثم ساق حديث أنس، قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ﷺ قال: ﴿فُرج عن سقف بيتي وأنا بـ مكة، فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطستٍ من ذهبٍ ممتلئ حكمةً وإيماناً، فأفرغه في صدري ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا﴾ الحديث. هذا أول حديثٍ في كتاب الصلاة يأتي به الإمام البخاري ويستهل به هذا الكتاب العظيم، وفي هذا الكتاب مسائل، وقد تعودنا أن نعيش مع صحابي يكون راوياً أو يذكر في الحديث لنروح به مجلسنا، وقد يتكرر في الترجمة أو سيرة الصحابي شيء ولا بأس بذلك، فحياة أصحاب محمد ﷺ هي الحياة: أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره كما المسك ما كررته يتضوع وأبو ذر هو صاحبنا هذه الليلة، ونحن أصحابه، ونسأل الله أن يحشرنا في زمرته وزمرة أمثاله من أصحاب محمد ﷺ .

стр. 9798

وصية النبي ﷺ لأبي ذر أبو ذر إذا ذكرته ذكرت الزهد، والعبادة، والإنصاف، والتضحية، والعدل، وكلمة الحق. يقول: ﴿أوصاني ﷺ بسبع، ذكر منها: وعلى قول الحق ولو كان مراً، وذكر منها: وأن أُكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله﴾. فما معنى أن يكثر أبو ذر من لا حول ولا قوة إلا بالله؟ ذكر ﷺ أبا ذر بهذه الوصية وقال له: ﴿أكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله﴾ لأنه كان سريع الغضب، وفيه حدة، يندفع ولا يتمالك أعصابه ﵁، فأوصاه ﷺ أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء حديثاً فيه ضعف قال: ﴿يُحشر أبو ذر مع عيسى ﵇ يوم القيامة﴾ لجهده ولعبادته ولما فيه من كلمة حقٍ كان يقولها، عرف الإسلام -كما تعرفون- ودخل مكة، والتمس مكان الرسول ﷺ ، فلما رآه قال: السلام عليكم ورحمة الله يخاطب الرسول ﷺ ، وهذه تحية المسلمين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فتبسم ﷺ ، والعرب كانت تحيي بعضها بقولها: " عم صباحاً " يقول امرؤ القيس: ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العُصُر الخالي فقال ﷺ : ﴿لقد أبدلني الله تحيةً خيراً من تحيتك السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته﴾ ودخل في دين الله، وجعله ﷺ من أقرب أصحابه إلى قلبه.

стр. 9799

زيارة النبي ﷺ لأبي ذر كان النبي ﷺ يزوره في بيته في أقصى المدينة، يوم أن يتكبر الجبابرة أن يزوروا متبوعيهم أو بعض تلاميذهم وطلابهم، ينطلق محمد ﷺ أعظم إنسان عرفته البشرية، وأروع مربٍ عرفته الإنسانية، إلى زيارة هذا التلميذ البار والطالب النجيب أبي ذر ﵁ فيزوره في بيته، بل أعظم من ذلك كان يزور العجوز، ويزور الأطفال ﷺ . قال أبو ذر: ﴿وتأخر عني محمد ﷺ مرة من المرات فلما أتاني التزمني فكان أحسن، أو أطيب﴾ يعني: عانقني، فكانت أطيب من غيرها يعني: أعلى وأروع، واستمر ﵁ وأرضاه مع الرسول ﷺ ، وكان ﷺ مربياً وحكيماً يلحظ المواهب في الناس، فكان يؤهل كل موهبةٍ في مكانها المناسب. فلم يأتِ بـ خالد بن الوليد ليجعله مفتياً في المسجد، وما لـ أبي سليمان والفتوى؟! وهو يجيد ضرب الرءوس وقطعها، فيجعله ﷺ في العسكرية، قائداً في الجيش. وأتى حسان بن ثابت رب القوافي، وصانع الأبيات والقصائد، فلم يأت به ﷺ ليجعله إماماً في المسجد وما لـ حسان وللإمامة؟! بل جعله شاعر الدعوة الإسلامية، ينصب له المنبر ويقول: ﴿اهجهم وروح القدس معك﴾. وأتى زيد بن ثابت فلم يعينه ﷺ قائداً عسكرياً، بل عينه في الفرائض؛ لأنه يجيد الفرائض. هذه تخصصات: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة:١٤٨] فالله أعلم كيف يُخدم هذا الدين، ولذلك لا يأت الطبيب ليجعل نفسه مفتياً، ولا يأتِ المفتي ليتطبب، ولا يأتِ الأستاذ الذي يجيد الفقه والحديث ليجعل نفسه مهندساً، ولا يأتِ المهندس ليفتي في الفرائض ويقسم بين أهل الفروض وأهل العصبة؛ ما له ولذلك؟! لكن أين أبو ذر من هذه المواهب وهذه الميزات؟ ميزته في الزهد والانقطاع والخلوة عن الناس، ولذلك بيَّن ﷺ هذا لـ أبي ذر. قال أبو ذر للرسول ﷺ : ﴿يا رسول الله! أمّرت فلاناً وفلاناً، وتركتني﴾. أول الدعوة يظن أن الأمر بالأغلبية أو أن المسألة مسألة اغتنام، فعلمه ﷺ أن المسألة ليست هكذا، وقال له: ﴿يا أبا ذر! إني أحب لك ما أحب لنفسي، وإنك رجلٌ ضعيف، وإن الإمارة خيبة وندامة يوم القيامة إلا من أدى حق الله فيها﴾ فمنعه ﷺ أن يتأمَّر، بل أوصاه أن إذا بلغ التقدم الحضاري في المدينة إلى جبل سلع أن يخرج من المدينة، فقال له ﷺ كما في الحديث الصحيح: ﴿إذا بلغ البناء سلعاً فاخرج من المدينة﴾ فبلغ البناء سلعاً فخرج من المدينة ﵁ إلى الربذة حيث صفاء الصحراء الذي يناسب صفاء أبي ذر ﵁، حيث إن أبا ذر لا يعرف الدجل ولا التدليس ولا النفاق ﵁ وأرضاه.

стр. 9800

موقف أبي ذر في تبوك وفي تبوك يتقدم ﷺ إلى منزله في تبوك فيتفقد الجيش؛ قال: ﴿من تخلف؟ قالوا: فلان، قال: إن يرد الله به خيراً يأتِ به﴾ وإذا برسول الله ﷺ يفقد أبا ذر، فيقول: ﴿أين أبو ذر؟ قالوا: تخلف يا رسول الله! قال: إن يرد الله به خيراً يأتِ به، وما هي إلا لحظات وإذا بـ أبي ذر كالصقر من آخر الصحراء في وهج الشمس، وفي حرارة الصحراء التي تتوقد، يقتلع خطاه من على الرمال، فيقول ﷺ : من هذا؟ قالوا: ما ندري يا رسول الله! قال: كن أبا ذر -كن أيها المقترب الحبيب أبا ذر - فيقترب رويداً رويداً فإذا هو أبو ذر، فيقول ﷺ لأصحابه: رحم الله أبا ذر يعيش وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده﴾ فيقدم ﵁ وأرضاه. فلما توفي ﷺ خرج أبو ذر من المدينة بطهره وزهده وعبادته، ونصب خيمة في الصحراء يعبد الله ويناجيه ويتلو كتابه، وأتته الوفاة فمات وحده، ثم أدركته عصابة من المؤمنين على رأسهم معلم العراق وداعية الإسلام فيها ابن مسعود ﵁ فدفنوه فعاش في آخر حياته وحده في الصحراء، ومات وحده، ويبعث يوم القيامة أمة وحده، حسناته تزاحمه بجانبيه فلا يطرق مزاحماً معه ﵁ وأرضاه، هذا هو أبو ذر الغفاري ﵁ وأرضاه حينما يُذكر يذكر معه الزهد والعبادة والعزلة والانقطاع عن هرج الناس وخلطتهم وكلامهم.

стр. 9801

حادثة شق صدر النبي ﷺ وتغسيله بماء زمزم قال ﷺ : ﴿فرج عن سقف بيتي وأنا بـ مكة، فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم﴾ الرسول ﵊ شُقَّ صدره في حياته مرتين عليه أفضل الصلاة والسلام، مرة وهو طفل في بادية بني سعد، ومرة حيث بلغ من الكبر عتياً حيث خولَّه الله حمل الرسالة إلى أدائها إلى العالمين.

стр. 9802

حادثة شق صدر النبي ﷺ الأولى المرة الأولى ذكرت في صحيح مسلم، وإذا عرض الحديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم فلا يتعقب. يروي ﷺ أنه كان غلاماً فيما يقارب الثامنة من عمره، خرج يرعى البْهم مع أخيه من الرضاعة، وأمهما من الرضاعة هي حليمة السعدية، وأخواله بنو سعد، وذهب ﷺ فلما أصبح مع زميله وأخيه في الصحراء وإذا بملكين من السماء ينزلان لباسهما البياض، فيأخذان الرسول ﷺ فيضجعانه في الأرض، فلما أصبح مضطجعاً على الأرض على قفاه، شقَّا عن صدره الكريم ﷺ ، وأخرجا المرارة السوداء التي هي في كل إنسانٍ منَّا، حيث يجتمع فيها الحسد والحقد والغش والغضب، أما هو ﷺ فأخرج من صدره كل هذا الغل، والغش، والحقد، والحسد، وبقي صدره سليماً، ثم أتوا بطستٍ مملوء حكمة وإيمانا فأفرغوه في صدره الشريف، أما أخوه فذهب إلى بيت أمه خائفاً وجلاً وهو يرتعد ويقول: يا أماه! أخي محمد قد قتل، أتى رجلان من السماء فقتلاه وهو مقتول في وادي كذا وكذا، فتذهب أمه وأبوه -وهما خائفان- إلى ذلك المكان، فيجدانه ﷺ قد قام وهو ممتقع اللون متغير، فقالوا: ما لك؟ قال: جاء رجلان من السماء أضجعاني وأخرجا شيئاً من قلبي، ثم أفاضا في قلبي شيئاً، لذلك يقول : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] قال بعض أهل العلم: هذا هو الشرح، وقيل: شرحنا لك صدرك: وسعناه وجعلناه واسعاً رحباً، جعلناه ممتلئاً حكمةً وإيماناً فلا تهتم، ولا تحزن، ولا تغتم.

стр. 9803

فضل ماء زمزم قال ابن حجر: والصحيح أن الرسول ﷺ شق صدره مرتين. قال: ﴿ثم غسله بماء زمزم﴾ ولماء زمزم ميزة، يقول ﵊ في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والبيهقي وغيرهما: ﴿ماء زمزم لما شرب له﴾ قال بعض أهل العلم: إن شربته للمال أغناك الله، وإن شربته للعلم علمك الله، وإن شربته للشفاء شافاك الله، لكن لا بد من النية والإخلاص والصدق في شرب ماء زمزم، أما إن كان يأتي يتعبط ويلعب ويستهزئ، ويقول: أشرب وأجرب هل أغتني وأعود وأنا من التجار الأثرياء، فهذا لا يحصل على شيء لأنه مستهزئ، إنما يحصل على هذا الخير من يشربه صادقاً، قال حجاج بن منهال فيما يرويه عن ابن المبارك: شرب ابن المبارك من ماء زمزم ثم أخذ حفنة وقال: اللهم إن فلاناً حدثني عن فلان عن فلان عن رسولك ﷺ أنه قال: ﴿ماء زمزم لما شرب له﴾ اللهم إني أشربه لظمأ ذاك اليوم، فشربه، ﵁ وأرضاه. وثبت عنه ﷺ أنه قال: ﴿ماء زمزم شفاء سقمٍ وطعام طعم﴾ يشفي السقيم بإذن الله، ويشبع الجائع، ولذلك لمَّا دخل أبو ذر مكة ما كان له مضيف، فتستر بأستار الكعبة أربعين يوماً، ما كان يأكل إلا من ماء زمزم، فسمن حتى تكسرت عكن بطنه من السمن، هذا من ماء زمزم، وليس لماءٍ على وجه الأرض ميزة أنه يشبع إلا ماء زمزم. ولذلك ابن هبيرة -جازاه الله بما صنع- كانوا يأتون له بماء زمزم فلا يشربه ويشرب الماء الآخر، ويقول: هذا ماء الخنافس، فدعا عليه بعض أهل العلم، قال: اللهم إن كان محقاً في كلامه فأنت أعلم به، وإن كان مبطلاً فأسألك أن تعذبه في الدنيا وفي الآخرة، فأخذ وقطعت يده اليمنى وهو أمير، وعوقب في العراق ثم قطعت رجله اليسرى ثم عذب حتى مات. ولا يمتاز إلا بهذه الميزة فيجوز أن يتوضأ منه ويغتسل منه، ولو كان على الإنسان نجاسة فإنه يتوضأ من ماء زمزم ويغتسل منه خلافاً لقول بعضهم قال علي ﵁ في أول مسنده في مسند أحمد: ﴿أتى ﷺ إلى زمزم فشرب من ماء زمزم وتوضأ ﵊﴾ وهو من حديث أسامة كذلك، وكان المسلمون يريدون أن يكسبوا ﵊ بالإهداء له، فورد في السيرة الحلبية أنه كان ينقل له ماء زمزم هدية، فيشربه ﷺ ولذلك عُظم ماء زمزم في هذا الموضع، فقال: ﴿ثم غسله -أي: صدره- بماء زمزم، ثم جاء بطستٍ من ذهب﴾.

стр. 9804

حادثة شق الصدر الثانية أماالمرةالثانية فهذه المرة التي شق فيه اصدره ﵊ بعد النبوة، قال أنس: ﴿كنا نرى أثر المخيط في صدر رسول الله ﷺ ﴾ ولذلك كان صدره رحباً واسعاً، فما كان يأتيه الغضب إلا في حدود الله إذا انتهكت، فكان كثيراً ما يحلم، بل هو ﷺ رسول الحلم والكرم والعظمة، يقول الله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].

стр. 9805

قصة الإسراء والمعراج ثم قال ﵊: ﴿ثم أخذ بيدي فعرج بي﴾ في قوله: أخذ بيدي، فيها الأنس والصحبة، وفيها الملاطفة للأصحاب، وإذا أردت أن تلاطف صاحبك أو صديقك فخذ بيده، وقد كان ﵊ يأخذ بأيدي أصحابه إذا أراد أن يلاطفهم ويوانسهم، يقول معاذ ﵁ كما في سنن أبي داود: ﴿أخذ ﷺ بيدي ثم قال: يا معاذ! والله إني لأحبك، لا تدع في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك﴾ ويقول ابن عمر كما في صحيح البخاري: ﴿أخذ ﷺ بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل﴾ فمن الملاطفة أن تؤانس صاحبك بأخذ يده في يدك ليتم الأنس، قال جرير بن عبد الله البجلي: ﴿كان ﷺ إذا رآني تبسم في وجهي، وكان ربما ضرب في صدري ﷺ ﴾ حتى لما أرسله ﷺ يهدم الأصنام قال: ﴿يا رسول الله! أنا لا أثبت على الخيل﴾ لأن جرير بن عبد الله البجلي من قبائل الجنوب وهم لا يعرفون الخيل بل يعرفون الإبل فقط، والأرض لا تناسب معيشة الخيول في هذه الجبال، فليسوا بأهل خيول، فلما أرسل ﷺ جرير بن عبد الله قائد جيش معه خمسمائة فارس، قال: ﴿اركب الخيل، قال: يا رسول الله! أنا لا أثبت على الخيل -يعني: إذا ركب هرب به- فقال ﷺ : تعال، فلما قرب منه ضرب في صدره وقال: اللهم ثبته واجعله هادياً مهدياً﴾ فما سقط مرة ثانية من على الخيل، فجعله الله هادياً مهدياً، وانتصر مع المسلمين، وهو شيخ قبيلة بجيلة التي يقول فيها الشاعر لما فرت يوم القادسية: لولا جرير هلكت بجيلة نعم الفتى وبئست القبيلة بل نعم الفتى ونعمت القبيلة ﵃ وأرضاهم. فمن الملاطفة الأخذ بالأيدي.
следующие страницы →