Полный текст (10 391 стр.). Показаны 9801–9840 · переход к 9806.
стр. 9801
حادثة شق صدر النبي ﷺ وتغسيله بماء زمزم
قال ﷺ : ﴿فرج عن سقف بيتي وأنا بـ مكة، فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم﴾ الرسول ﵊ شُقَّ صدره في حياته مرتين عليه أفضل الصلاة والسلام، مرة وهو طفل في بادية بني سعد، ومرة حيث بلغ من الكبر عتياً حيث خولَّه الله حمل الرسالة إلى أدائها إلى العالمين.
стр. 9802
حادثة شق صدر النبي ﷺ الأولى
المرة الأولى ذكرت في صحيح مسلم، وإذا عرض الحديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم فلا يتعقب.
يروي ﷺ أنه كان غلاماً فيما يقارب الثامنة من عمره، خرج يرعى البْهم مع أخيه من الرضاعة، وأمهما من الرضاعة هي حليمة السعدية، وأخواله بنو سعد، وذهب ﷺ فلما أصبح مع زميله وأخيه في الصحراء وإذا بملكين من السماء ينزلان لباسهما البياض، فيأخذان الرسول ﷺ فيضجعانه في الأرض، فلما أصبح مضطجعاً على الأرض على قفاه، شقَّا عن صدره الكريم ﷺ ، وأخرجا المرارة السوداء التي هي في كل إنسانٍ منَّا، حيث يجتمع فيها الحسد والحقد والغش والغضب، أما هو ﷺ فأخرج من صدره كل هذا الغل، والغش، والحقد، والحسد، وبقي صدره سليماً، ثم أتوا بطستٍ مملوء حكمة وإيمانا فأفرغوه في صدره الشريف، أما أخوه فذهب إلى بيت أمه خائفاً وجلاً وهو يرتعد ويقول: يا أماه! أخي محمد قد قتل، أتى رجلان من السماء فقتلاه وهو مقتول في وادي كذا وكذا، فتذهب أمه وأبوه -وهما خائفان- إلى ذلك المكان، فيجدانه ﷺ قد قام وهو ممتقع اللون متغير، فقالوا: ما لك؟ قال: جاء رجلان من السماء أضجعاني وأخرجا شيئاً من قلبي، ثم أفاضا في قلبي شيئاً، لذلك يقول : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] قال بعض أهل العلم: هذا هو الشرح، وقيل: شرحنا لك صدرك: وسعناه وجعلناه واسعاً رحباً، جعلناه ممتلئاً حكمةً وإيماناً فلا تهتم، ولا تحزن، ولا تغتم.
стр. 9803
فضل ماء زمزم
قال ابن حجر: والصحيح أن الرسول ﷺ شق صدره مرتين.
قال: ﴿ثم غسله بماء زمزم﴾ ولماء زمزم ميزة، يقول ﵊ في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والبيهقي وغيرهما: ﴿ماء زمزم لما شرب له﴾ قال بعض أهل العلم: إن شربته للمال أغناك الله، وإن شربته للعلم علمك الله، وإن شربته للشفاء شافاك الله، لكن لا بد من النية والإخلاص والصدق في شرب ماء زمزم، أما إن كان يأتي يتعبط ويلعب ويستهزئ، ويقول: أشرب وأجرب هل أغتني وأعود وأنا من التجار الأثرياء، فهذا لا يحصل على شيء لأنه مستهزئ، إنما يحصل على هذا الخير من يشربه صادقاً، قال حجاج بن منهال فيما يرويه عن ابن المبارك: شرب ابن المبارك من ماء زمزم ثم أخذ حفنة وقال: اللهم إن فلاناً حدثني عن فلان عن فلان عن رسولك ﷺ أنه قال: ﴿ماء زمزم لما شرب له﴾ اللهم إني أشربه لظمأ ذاك اليوم، فشربه، ﵁ وأرضاه.
وثبت عنه ﷺ أنه قال: ﴿ماء زمزم شفاء سقمٍ وطعام طعم﴾ يشفي السقيم بإذن الله، ويشبع الجائع، ولذلك لمَّا دخل أبو ذر مكة ما كان له مضيف، فتستر بأستار الكعبة أربعين يوماً، ما كان يأكل إلا من ماء زمزم، فسمن حتى تكسرت عكن بطنه من السمن، هذا من ماء زمزم، وليس لماءٍ على وجه الأرض ميزة أنه يشبع إلا ماء زمزم.
ولذلك ابن هبيرة -جازاه الله بما صنع- كانوا يأتون له بماء زمزم فلا يشربه ويشرب الماء الآخر، ويقول: هذا ماء الخنافس، فدعا عليه بعض أهل العلم، قال: اللهم إن كان محقاً في كلامه فأنت أعلم به، وإن كان مبطلاً فأسألك أن تعذبه في الدنيا وفي الآخرة، فأخذ وقطعت يده اليمنى وهو أمير، وعوقب في العراق ثم قطعت رجله اليسرى ثم عذب حتى مات.
ولا يمتاز إلا بهذه الميزة فيجوز أن يتوضأ منه ويغتسل منه، ولو كان على الإنسان نجاسة فإنه يتوضأ من ماء زمزم ويغتسل منه خلافاً لقول بعضهم قال علي ﵁ في أول مسنده في مسند أحمد: ﴿أتى ﷺ إلى زمزم فشرب من ماء زمزم وتوضأ ﵊﴾ وهو من حديث أسامة كذلك، وكان المسلمون يريدون أن يكسبوا ﵊ بالإهداء له، فورد في السيرة الحلبية أنه كان ينقل له ماء زمزم هدية، فيشربه ﷺ ولذلك عُظم ماء زمزم في هذا الموضع، فقال: ﴿ثم غسله -أي: صدره- بماء زمزم، ثم جاء بطستٍ من ذهب﴾.
стр. 9804
حادثة شق الصدر الثانية
أماالمرةالثانية فهذه المرة التي شق فيه اصدره ﵊ بعد النبوة، قال أنس: ﴿كنا نرى أثر المخيط في صدر رسول الله ﷺ ﴾ ولذلك كان صدره رحباً واسعاً، فما كان يأتيه الغضب إلا في حدود الله إذا انتهكت، فكان كثيراً ما يحلم، بل هو ﷺ رسول الحلم والكرم والعظمة، يقول الله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
стр. 9805
قصة الإسراء والمعراج
ثم قال ﵊: ﴿ثم أخذ بيدي فعرج بي﴾ في قوله: أخذ بيدي، فيها الأنس والصحبة، وفيها الملاطفة للأصحاب، وإذا أردت أن تلاطف صاحبك أو صديقك فخذ بيده، وقد كان ﵊ يأخذ بأيدي أصحابه إذا أراد أن يلاطفهم ويوانسهم، يقول معاذ ﵁ كما في سنن أبي داود: ﴿أخذ ﷺ بيدي ثم قال: يا معاذ! والله إني لأحبك، لا تدع في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك﴾ ويقول ابن عمر كما في صحيح البخاري: ﴿أخذ ﷺ بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل﴾ فمن الملاطفة أن تؤانس صاحبك بأخذ يده في يدك ليتم الأنس، قال جرير بن عبد الله البجلي: ﴿كان ﷺ إذا رآني تبسم في وجهي، وكان ربما ضرب في صدري ﷺ ﴾ حتى لما أرسله ﷺ يهدم الأصنام قال: ﴿يا رسول الله! أنا لا أثبت على الخيل﴾ لأن جرير بن عبد الله البجلي من قبائل الجنوب وهم لا يعرفون الخيل بل يعرفون الإبل فقط، والأرض لا تناسب معيشة الخيول في هذه الجبال، فليسوا بأهل خيول، فلما أرسل ﷺ جرير بن عبد الله قائد جيش معه خمسمائة فارس، قال: ﴿اركب الخيل، قال: يا رسول الله! أنا لا أثبت على الخيل -يعني: إذا ركب هرب به- فقال ﷺ : تعال، فلما قرب منه ضرب في صدره وقال: اللهم ثبته واجعله هادياً مهدياً﴾ فما سقط مرة ثانية من على الخيل، فجعله الله هادياً مهدياً، وانتصر مع المسلمين، وهو شيخ قبيلة بجيلة التي يقول فيها الشاعر لما فرت يوم القادسية:
لولا جرير هلكت بجيلة نعم الفتى وبئست القبيلة
بل نعم الفتى ونعمت القبيلة ﵃ وأرضاهم.
فمن الملاطفة الأخذ بالأيدي.
стр. 9806
المكان الذي ابتدئ الإسراء فيه
قال: ﴿ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا فلما جئت إلى السماء الدنيا﴾.
هذه قصة الإسراء والمعراج حيث يقول : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١].
و
السؤال
كيف يقول : من المسجد الحرام، وقد أسري به من بيت أم هانئ كما يقول أهل السير؟ والصحيح أنه أسري به ﵊ من الحرم، فقد خرج من بيت أم هانئ أو من بيته، ثم دخل الحرم فأسري به من الحرم ﷺ .
وسبب الإسراء أن الرسول ﷺ طرده أهل مكة وأهل الطائف وكذبوه فعاد في وادي نخلة يناجي ربه في ليلة ظلماء ليس معه إلا الله، وليس له مؤنس إلا الله، فلما رفع أكفَّ الضراعة أدخله الله الحرم فطاف فيه، ثم أذن له بالإسراء والمعراج.
أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم
كنت الإمام لهم والجمع محتدم أعظم بمثلك من هادٍ ومؤتم
لما خطرت به التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلمِ
حتى بلغت مكاناً لا يطار له على جناحٍ ولا يسعى على قدمِ
وقيل كل نبيٍ عند رتبته ويا محمد هذا العرش فاستلمِ
ووصل ﷺ إلى بيت المقدس في ليلة مظلمة، ودخل في عجلة، وربط الفرس هو وجبريل عند الباب، ثم صلى ركعتين، قال أهل العلم: إن الأنبياء صلوا معه ﷺ وكان هو الإمام في تلك الليلة.
стр. 9807
النبي يُعرج به إلى السماء الدنيا
ثم عرج به ﷺ ، فلما أتيا إلى السماء الدنيا طرق الباب، وهذا فيه حكمة مشروعية الاستئذان، وأن الداخل الأجنبي لا يجوز له الدخول إلا بعد أن يطرق الباب أو يستأذن، وهذا أصله في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ ، فلما طرق جبريل ﵇ الباب قالوا: من معك؟ وهذا فيه فائدة أخرى: أن أهل البيت لا يفتحون حتى يستفسروا من الداخل؛ لأنه قد يكون عدواً أو مجرماً، أو غير ذلك فلهم أن يقولوا: من؟ ومن السنة أن يقول الطارق أو المستأذن: أنا فلان بن فلان، ولا يقول: أنا فقط؛ لأن الرسول ﵊ كان يعلم أصحابه ذلك، ولذلك يقول جابر: ﴿طرقت على رسول الله ﷺ فقال: من؟ فقلت: أنا، قال: أنا أنا، كأنه كرهها ﷺ ﴾ يقول ابن الجوزي: محتمل في كراهيته ﷺ أمران: الأمر الأول: كراهيته لأنا أنا، وكأنه يقول: أنا الرجل المشهور الذي لا يحتاج إلى تعريف، وهذا عجبٌ ومدح وغرور، والأمر الثاني: أن فيه إبهاماً على أهل البيت؛ لأنه ما علمهم باسمه، فكان ﵊ يطلب من أصحابه أن يعلم أحدهم باسمه، أو بكنيته، يقول أنس: ﴿استأذن رجلٌ على رسول الله ﷺ ، فقال: من؟ قال: أنا، أأدخل؟ فقال ﷺ لمولاه: اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان قل له: قل: السلام عليكم أأدخل؟ فعلمه فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ قال: ادخل﴾.
стр. 9808
موقف قريش من قصة الإسراء
وبعد أن وصل ﷺ السماء السابعة وتجاوزها إلى سدرة المنتهى وكلمه الله، وفرض عليه الصلوات الخمس، عاد إلى الدنيا في تلك الليلة، وأصبح في الصباح، ونزل إلى الحرم، وجمع الكفار وأخبرهم أنه أسري به تلك الليلة، كان معه في أول القصة أبو جهل قال: أصدق أسري بك؟ قال: نعم، قال: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، ثم عرج بي إلى السماء السابعة، فضحك أبو جهل وقال: اصبر حتى أجمع كفار قريش، أي: يسمعوا هذا الخبر، وهو لا يريد أن يفيدهم، لكنه يريد أن يستهزئ ويضحك، فجاءوا ورئيسهم آنذاك الوليد بن المغيرة وقد يكسو الكعبة سنة، وتكسوها قريش سنة.
فلما جلسوا تكلم ﷺ ، فقال الوليد بن المغيرة: يا محمد! إننا نصل بيت المقدس في شهر، ونعود منه في شهر، فكيف وصلت أنت في جزءٍ من ليلة إلى بيت المقدس ثم إلى السماء السابعة ثم عدت في نفس الليلة؟!! فإن كان لك من العلامات فأخبرنا بها، فقال ﷺ : وماذا تريدون من علامات؟ قالوا: صف لنا بيت المقدس نحن نعرف أبوابه ونوافذه وأسياجه ومداخله ومخارجه والرسول ﵊ ما تسنى له أن يقف على عدد أبوابه وأسياجه ومداخله ومخارجه، فأخذه من الكرب ما الله به عليم حتى تغشاه العرق، ولما وقف نكس ﷺ رأسه ثم رفع وإذا بصورة بيت المقدس أمامه، فأخذ يصفه باباً باباً ونافذة نافذة ومخرجاً مخرجاً ومدخلاً مدخلاً ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨] ورفع الوليد بن المغيرة قشة من الأرض، وقال: والله ما زاد على ما وصفت لنا كهذه، فآمن بعضهم وكفر بعضهم، ثم قال ﷺ : وهل أزيدكم؟ وسوف تقدم عليكم غداً قافلتكم في أولها الجمل الأورق عليه غرارتان، أي: كيسان، وسوف يقدم رعاتكم الذين رعوا في وادي كذا وكذا، فمررت بهم أنا وجبريل وقد كسرت رجل ناقة من نوقهم، قالوا: ننتظر، وفي الصباح صعدوا على شرفات بيوتهم وانتظروا وإذا بالقافلة داخلة وفي أولها الجمل الأورق عليه غرارتان، وأتى الرعاة فقالوا: أحدث عليكم شيء؟ قالوا: ما حدث شيء إلا أن ناقة فلان كسر رجلها، وصدق الله إذ يقول: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥].
وعاد ﷺ وأخبرهم بهذا فكفروا وعتوا عن أمر ربهم: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر:١٤ - ١٥].
قال ﵊: ﴿قال جبريل لخازن السماء: افتح.
قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل قال: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد ﷺ ، فقالوا: أُرسل إليه؟ قال جبريل: نعم أرسل إليه﴾ فالناس والملائكة والجن والإنس يتحرون رسالة محمد ﷺ ، فوصل ﵊ قال: ﴿وإذا أنا برجلٍ في السماء الأولى وهو آدم ﵇، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل يساره بكى، فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا آدم، إذا نظر عن يمينه رأى هؤلاء الخلق إلى أهل الجنة فضحك استئناساً وفرحاً وسرورا، وإذا نظر إلى ميسرته من أهل النار بكى، فسلَّم عليه ﷺ وعرَّف به جبريل، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح﴾ ثم عرج بالرسول ﷺ إلى الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة، حيث وجد ﵊ ابنا الخالة يحيى وعيسى قيل: في الثانية أو في الثالثة، فسلم عليهم ﷺ وحيوا مقدمه وباركوا رسالته، ووجد إدريس في الرابعة ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم:٥٧] فسلَّم عليه ﷺ ، ووجد هارون في الخامسة فسلَّم عليه ورحب به، وأما في السادسة فوجد موسى الكليم فلما سلَّم عليه ﷺ قال ﷺ : ﴿من هذا يا أخي يا جبريل؟ قال: هذا موسى ﵇﴾ والرسول ﷺ يصف الأنبياء، رآه لحظات لكن أخذ أوصافه- قال: ﴿أما موسى فكأنه من رجال أزدشنوءة﴾ وهي من قبائل جبال الجنوب من جبل الطائف إلى هذا الجبل جبل آسيا، يعني: في السمرة وفي الجعد وفي القوة؛ لأنه وصف بأنه القوي الأمين وأعطاه الله الشجاعة ﵇، فما صلح لبني إسرائيل ولا دوخ رءوسهم، ولا أذهب الوسوسة من رءوسهم إلا هو، ولذلك إذا غاب عنهم أو ذهب عبدوا العجل، أو لخبطوا في العبادة أو قالوا أو تكلموا، فإذا دخل عليهم خافوا، وهو لا يعرف ﵇ المداهنة معهم، بل كان قوياً حازماً معهم فكانوا يخافون منه، وهو الذي قتل نفساً ونجاه الله من الغم وتاب عليه، وهو الذي رفع الصخرة وتعرفون قوة الصخرة، وهو الذي شهد أكبر صراع في التاريخ مع فرعون، وانتصر عليه بإذن الله.
ثم واصل ﷺ فلما عرج به إلى السادسة بكى موسى فقال ﷺ لجبريل: ﴿ما لموسى يبكي؟ قال: يقول: نبيٌ بعث من بعدي يدخل الجنة من قومه أكثر مما يدخل الجنة من أمته﴾ يقول ابن تيمية في فتاويه: هذا من التنافس المحمود، فإن موسى لم يبكِ حسداً، ولا حقداً، وإنما بكى تنافساً يريد أن تكون لأمته من المرتبة كما لأمة محمد ﵊.
بشرى لنا معشر الإسلام إن لنا من العناية ركناً غير منهدمِ
لما دعا الله داعينا لطاعته بأكرم الرسل كنا أكرم الأممِ
ثم عرج بالرسول ﷺ إلى السابعة، وهناك وجد أفضل الأنبياء بعده ﷺ وهو إبراهيم فسلم عليه، وقال: ﴿مرحباً بالنبي الصالح، والابن الصالح﴾ وإبراهيم أبو الأنبياء والرسول ﷺ من أبنائه.
وإذا هو مسند ظهره إلى البيت المعمور، وهذا البيت يطوف به كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، أي لا يأتي دورهم مرة أخرى.
стр. 9809
وصول النبي ﷺ إلى سدرة المنتهى
وواصل ﷺ رحلته؛ أما جبريل ﵇ فتوقف، فقال ﷺ : معي؟ قال: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات:١٦٤] ومقام جبريل ﵇ ذاك المقام لا يتجاوزه، فصعد ﷺ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم:١٤ - ١٦].
قيل للرسول ﷺ : ما هو الذي يغشى السدرة؟ قال: ﴿ألوان لا أعرفها الآن﴾ ثم كلمه الله وفرض عليه خمسين صلاة، والصحيح أن رسول الله ﷺ لم ير ربه لما أسري به أو عرج به إلى السماء، والذين قالوا: إنه رأى ربه خالفوا النصوص، والمسألة خلافية لكن الصحيح مع الذين قالوا: لم يره، فقد قال موسى ﵇ لربه: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] يعني: في الدنيا، والمعتزلة قالوا: لا في الدنيا ولا في الآخرة، وقالوا: لن هنا للتأبيد وكذبوا قال ابن مالك:
ومن رأى النفي بلن مؤبدا فقوله اردد وسواه فاعضدا
أي: اردد قول من قال: إن النفي بلن مؤبد، فهي ليست إلا في الدنيا، وأما في الآخرة فإن الله يراه المؤمنون كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة.
وقد سئل ﷺ : ﴿هل رأيت ربك؟ قال: نورٌ أنَّى أراه﴾ أي: ما رأيته، وقالت عائشة لما قال الأسود بن يزيد: [[هل رأى محمد ﷺ ربه؟ قالت: لقد قف شعري مما قلت -قف شعر رأسه أي: انتفش، واستقام أو تحرك من ثقل هذه الكلمة- من زعم أن محمداً ﷺ رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله]].
فهو لم ير ربه، والذين قالوا: إنه رأى ربه، مثل ابن عباس فقد ورد عنه أنه قال ذلك كما في صحيح مسلم ولكن الصحيح أنه ﷺ لم ير ربه وقال: ﴿نورٌ أنَّى أراه﴾.
стр. 9810
فرض الصلوات الخمس
أما الصلاة ففرضت عليه خمسين صلاة كما تعرفون، فلما عاد أخبر موسى ﵇ -جزاه الله عن أمة محمد خير الجزاء- فقال: إني جربت بني إسرائيل وإنهم اختلفوا عليَّ وشقَّ عليهم ذلك، وقد أوتوا من الفرائض أقل مما كتب عليك فراجع ربك، فراجع ربه، فوضع عنه شطراً، قيل: الشطر ليس النصف، إنما تقدير محدد وعدد معين، فراجعه مرة ثانية فوضع عنه، فراجعه مرة ثالثة فوضع عنه، حتى أقرها خمساً، قال: ﴿لا يبدل القول لدي هي خمسون في الأجر وخمس في الفرضية﴾ أو كما قال ، وهو في هذا الحديث، فكل فريضة بعشر فرائض، والحسنة بعشرة أمثالها، وعاد ﷺ .
стр. 9811
لا صلاة مفروضة غير الصلوات الخمس
والسؤال هنا: هل فرض على الأمة شيء غير الصلوات الخمس؟ فالوتر هل هو فريضة أو واجب؟ وسنة الضحى، وتحية المسجد، والصلوات الطارئة كالعيدين، والكسوف، والخسوف، وغيرها مما ورد في السنة.
الصحيح أن ما فرض عليه ﷺ إنما هي خمس صلوات، ولذلك ما سوى هذه إما سنة مؤكدة، وإما سنة وإما مندوبٌ يُعمل بها من باب النفل المطلق الذي يتنفل به الإنسان ليتزود به الحسنات عند الله.
فالصلوات الخمس هي المفروضة في الكتاب والسنة، قال ابن عباس ﵁: [[أنا أستخرج الصلوات الخمس من القرآن]] ولا يغوص عليها إلا غواص -يقول عن نفسه- قال في قوله : ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم:١٧ - ١٨] فذكر الله صلاة الفجر في القرآن، وصلاة الظهر، والعصر على قول من يرى أن القسم في سورة العصر يقصد به الفريضة لا الدهر.
وقد أتى رجل من أهل نجد ليؤكد أنه لم يفرض على الرسول ﷺ إلا خمس صلوات، كما في حديث طلحة بن عبيد الله يقول: ﴿كنا جلوساً مع الرسول ﷺ في المسجد، فأقبل رجلٌ من أهل نجد ثائر الرأس، نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول -يعني: يتمتم في الكلام- فدنا من الرسول ﷺ ، فإذا هو يسأل عن الصلاة، فقال له ﷺ : خمس صلواتٍ في اليوم والليلة، قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا.
إلا أن تطوع﴾ فليس غيرها بواجب إذن.
стр. 9812
صلاة الوتر سنة مؤكدة
أما الذين قالوا: إن الوتر واجب فليس بصحيح، بل هو سنة مؤكدة، ما تركه ﷺ في حضرٍ ولا سفر، وكان إذا ترك الوتر ﷺ صلاه من النهار شفعاً لا وتراً، وعند أحمد وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة: ﴿أن الرسول ﷺ كان يقضي الوتر كهيئته في النهار﴾ لكن هذا الحديث لا يقاوم حديث مسلم عن عائشة: ﴿كان ﷺ لا يزيد في رمضان ولا في غير رمضان على إحدى عشر ركعة، فإذا فاته الوتر من الليل صلى من النهار ثنتي عشر ركعة﴾ فدل ذلك على أن الوتر لا يقضى على هيئته وتراً، وإنما يقضى شفعاً، من كان وتره ثلاثاً فليصل أربعاً، ومن كان وتره خمساً فليصل ست ركعات هذا هديه ﷺ في الوتر، أما ركعتا الفجر فما تركها لا في سفر ولا حضر، فالنوافل كلها تترك في السفر إلا الوتر وركعتي الفجر، ولك أن تصلي الضحى في السفر.
والأحناف ذهبوا إلى أن الوتر واجب، ولكنه ليس بواجب للأدلة هذه ولأنه خالف الفريضة في أحكامه، فإنه يجوز أن يوتر المسلم على الدابة وفي السيارة ولا يجوز أن يصلي الفريضة كذلك إلا للضرورة، فإن الرسول ﷺ قد أوتر على دابته، وأوتر الصحابة، فلو كان الوتر فريضة لما أوتروا على دوابهم، ولنزلوا وصلوا على الأرض.
هذه هي الصلوات الخمس التي فرضت عليه ﷺ ، أما في السفر فركعتان كما قال عمر ﵁: ﴿صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر، على لسان نبيكم ﷺ ﴾ هذه هي الصلوات الخمس التي فرضت عليه ﷺ .
وكان من هديه ﷺ كما يقول ابن القيم: أن يصلي في اليوم والليلة أربعين ركعة، ما بين فريضة ونافلة، قال ابن القيم: ومن قرع الباب كل يوم أربعين مرةً فيوشك أن يفتح له، فكان ﵊ يصلي أربعين ركعة ما بين الفريضة والنافلة، منها إحدى عشرة ركعة وتراً، ومنها اثنا عشرة ركعة سنناً رواتب، ومنها الفريضة سبع عشرة ركعة، هي في زاد المعاد، هديه ﷺ في الصلاة.
стр. 9813
حكم صلاة الضحى
أما الضحى فالصحيح أنها سنة مطلقة، للإنسان أن يصليها كما يشاء، ركعتين وأربعاً، وستاً، وثمانياً، ويزيد ما شاء الله، فالرسول ﷺ أوصى أبا ذر وأبا هريرة في الصحيح أن يصلوا ركعتين، قال أبو ذر وقال أبو هريرة والحديث لـ أبي هريرة في المسند وفي صحيح مسلم: ﴿أوصاني ﷺ بثلاث وقال: لا أدعهن حتى أموت: ركعتي الضحى، وصيام ثلاث أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام﴾.
وعند أبي داود في الصحيح: ﴿أن الرسول ﷺ لما دخل يوم الفتح صلى ثمان ركعات﴾ قال أهل العلم: هذه صلاة الضحى، فللمسلم أن يصلي ركعتين وأربعاً وستاً وثمانياً، لكن المقصود أن يصلي الإنسان شيئاً ويداوم عليه، فقد ينشط الإنسان أن يصلي في بعض الأيام أربعين ركعة، ثم يفتح الله عليه، ويسهل فيداوم ثلاثة أشهر أو أربعة أو سنة، لأن المقصود بالإسلام هو القصد والمداومة، يقول ﵊ في الصحيحين من حديث أبي هريرة وحديث أبي ذر: ﴿يصبح على كل سلامى من الناس صدقة؛ فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، ثم قال ﷺ : ويجزي عن ذلك ركعتان يركعهما أحدكم من الضحى﴾.
وبعض الناس أوجب الضحى، ولكن هذا قولٌ شاذ خالف إجماع الأمة على أن ركعتي الضحى ليست بواجبة، وقائل هذا ما عند أثارة من علم ولا دليل.
стр. 9814
حكم تحية المسجد
أما تحية المسجد فالصحيح أنها سنة مؤكدة، وأن المسلم لا يجلس حتى يصلي ركعتين، ولذلك يقول ﵊ للداخل في الجمعة: ﴿إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين﴾ وقال ﷺ للداخل لما دخل: ﴿أصليت ركعتين -وهو يخطب بالمسلمين-؟ قال: لا.
قال: قم فصل ركعتين﴾.
وهل تصلى بعد العصر أو بعد الفجر؟ الصحيح أنها تصلى، وأنها من ذوات الأسباب التي تصلى في مثل هذا الوقت، وبعض الناس من الفقهاء يقولون: لا يُصلى في هذا الوقت، ولكن الصحيح أنها تصلى في مثل هذا الوقت لأنها من ذوات الأسباب.
стр. 9815
أقوال الناس في رؤية الله
قال النبي ﷺ بعد ذلك: ﴿ثم عرج بي بعد ذلك حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام﴾ قد ذكرنا أن الصحيح أن الرسول ﷺ لم ير ربه، وأنه ما رآه في الدنيا ولا رآه أحد من الناس، وهذه عقيدة قالها كثير من أهل السنة والجماعة، وموسى ﵇ إنما وجهه الله على مستحيل؛ لأن الرؤية ممتنعة في الدنيا، والناس في الرؤية ثلاثة أقسام:
قومٌ قالوا: يرى في الدنيا والآخرة وقد كذبوا، وقومٌ قالوا: لا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة وقد كذبوا.
وقومٌ قالوا: يرى في الآخرة ولا يُرى في الدنيا وهم أهل السنة والجماعة.
стр. 9816
قول الصوفية في رؤية الله
فأما الذين قالوا: يرى في الدنيا والآخرة فهم غلاة الصوفية، يقولون: يُرى في الدنيا والآخرة، ولذلك يجلس أحدهم ثلاثة أيام لا يأكل ولا يشرب فيتخيل أشباحاً وصوراً أمام عينيه فيقول: رأيت ربي، وكلمني قال الذهبي: والله ما كلمك، ولا أوحى إليك، ولكن طاش عقلك وفاش من الجوع، يعني: لعب الشيطان بعقولهم فقالوا: رأينا الله، ولذلك لما خالفوا منهج ما الرسول ﷺ ابتلوا بهذه الخرافات، وإذا رأى أحدهم طيراً في السماء قال: هذا الملك أتى يخبرني، وإذا سمع صريراً بالليل قال: هذه كرامة من كرامات الأولياء.
стр. 9817
قول المعتزلة في رؤية الله
وأما المعتزلة فقالوا: لا يُرى في الدنيا والآخرة وخالفوا النصوص، قال : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] فهذا خلاف ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] وهي وجوه أهل السنة وأهل التسامح وأهل الخير والثناء، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، فنفى المعتزلة أن يُرى .
стр. 9818
قول أهل السنة والجماعة
وأما أهل السنة فقالوا: يرى في الآخرة ولا يرى في الدنيا، وأما يوم المزيد فهذا موقف الفصل، ففي الجنة خصص الله سبحانه يوم المزيد، والصحيح أنه يوم الجمعة، فيدعو ، عباده فيدنو فيري عباده وجهه الكريم، وأما في العرصات فإن الله يراه المؤمنون كما في حديث جرير بن عبد الله، يقول: ﴿نظر رسول الله ﷺ إلى القمر ليلة البدر قال: إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضارون في رؤيته -وفي لفظ: لا تضامون-﴾ تضارون: تألمون وتتألمون، وتضامون: أي تتزاحمون.
فعقيدة أهل السنة والجماعة: أن الصالحين يرون الله في العرصات، وفي الجنة من باب أولى، أما المعتزلة فقالوا: لا في العرصات، ولا في الجنة.
قال ﵊: ﴿فمررت على موسى ﵇ قال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قال: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعني فوضع شطرها فرجعت إلى موسى قلت: وضع شطرها، فقال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك﴾ قال أهل العلم: جزى الله موسى عن أمة محمدٍ خير الجزاء فإنه أحسن ﵇ في طلب المعذرة والتخفيف عن الأمة المحمدية، ومقصود البخاري من باب كيف فرضت الصلاة أن يبين متى فرضت وفي أي مكانٍ فرضت، وكم عدد ركعاتها، وقد رتب كتابه ترتيباً عجيباً، ولذلك يقول ابن رجب: استفتح البخاري هذا الكتاب بباب: (كيف فرضت الصلاة في الإسراء) ليبين أن أول ما يتكلم في الموضوع أو في الباب لا بد أن يبين فرضية هذا الباب وهي الصلاة.
стр. 9819
مسائل في صلاة السفر
ثم قال البخاري ﵀: وعن عائشة أم المؤمنين قالت: ﴿فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر﴾ هدي الرسول ﷺ في صلاة السفر ألا يزيد على ركعتين إذا كانت الصلاة رباعية، ولم يؤثر عنه ﷺ أنه أتم في السفر فجعلها أربعاً، وإنما كان يصلي المغرب ثلاثاً، ويصلي الرباعية ركعتين، وكان يوتر ويصلي ركعتي الفجر، وأما الذين ذهبوا إلى الإكمال فليس لهم حديثٌ صحيح، وحديث الدارقطني عن عائشة أنها قالت: ﴿يتم ويقصر ﷺ ويصوم ويفطر﴾ ليس بصحيح، ولكن هديه ﷺ أن يقصر في السفر، وأما الصيام فباب آخر.
стр. 9820
السفر يقدر عرفاً
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما هي مدة السفر الزمنية؟ وما هي المسافة للسفر.
هل تقدر بالأميال والكيلو مترات؟
الصحيح -كما يقول ابن تيمية ﵀ أنها لا تقدر بالأميال، وأن من قدر المسافة المكانية بالأميال فقد أخطأ وليس له دليل، وأن ما ورد أن الرسول ﷺ كان يقصر في ثلاثة أميال، أو في ثلاثة فراسخ، أو في كذا فرسخ فليس بوارد؛ لأن ما فعله ﷺ اتفاقاً لا يكون دليلاً على التحديد للمسافة، يعني: لا يطلق على كل سفر، والصحيح: أن ما يسمى سفراً في اللغة فنقصر فيه، وإذا تعارف الناس أن هذا سفر قصرنا فيه، فإذا تعارف الناس أنك إذا كنت تريد الطائف أنك مسافر ولم ينكروا عليك إذا قلت: إنك ستسافر إلى الطائف فهذا سفرٌ في العرف وفي اللغة فتقصر فيه، ومثله إلى جدة، وإلى الرياض، أما إذا قلت: أسافر إلى السودة فإن هذا ليس بسفر، وينكر عليك الناس استخدام هذه الكلمة أو أسافر إلى الخميس هذا ليس بوارد، فالصحيح أن السفر لا يقيد بمسافة من الأميال ولا بالكيلو مترات؛ بل ما سمي سفراً عند المسلمين وفي عرفهم، فتقصر فيه الصلاة، ويجوز لك أن تقصر من وقت انطلاقك من بيتك، أو من ركوبك سيارتك، إذا أدركتك الفريضة وأنت على جناح سفر، هذا هو هديه ﷺ في السفر.
стр. 9821
مسألة الجمع في السفر
وأما مسألة الجمع في السفر، فكان هديه ﷺ أنه يجمع بين الصلاتين إذا جدَّ به السير وكان على جناح سفر جمع بين الصلاتين، بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، أما إذا نزل ﷺ منزلاً في أثناء السفر فإنه ما كان يجمع، كان يصلي كل صلاة وحدها، مثلاً: إنسان يريد أن يسافر إلى الطائف، فلما ارتحل من هنا أدركه الظهر والعصر وهو راكب في السيارة فله أن يقدم العصر مع الظهر فيصليهما جمع تقديم، أو يؤخر الظهر مع العصر فيصليهما جمع تأخير قصراً وجمعاً، ولا يصلي الظهر قصراً ثم يمشي قليلاً ثم يصلي العصر قصراً، لا.
الأفضل أن يجمع بين الصلاتين إما تقديماً وإما تأخيراً قصراً وجمعاً، وأما إن نزل يوماً أو يومين مثلاً في الباحة وجلس هناك، فالأفضل أن يصلي المغرب في وقتها، ويصلي العشاء قصراً في وقتها ويصلي الفجر قصراً في وقتها، ويصلي العصر في وقتها؛ لأنه مسافر لكنه نازل، وأما المسافر الذي على جناح السفر، فإنه يقصر ويجمع.
стр. 9822
صلاة المسافر إماماً أو مؤتماً
وإذا صلى المسافر وراء المقيم فإنه يصلي بصلاة المقيم ويتم صلاته، وله أن يتنفل إذا صلى وراء مقيم أو يترك النافلة، فإن النافلة لا تصلى في السفر.
وهنا مسألة: إذا صلى إماماً وهو مسافر والمصلون مقيمون؟
وإن صلَّى هو إماماً بالناس فإنه يصلي القصر ويقول للناس: أتموا صلاتكم؛ فإني في سفر كما فعل ﵊ في أهل مكة فإنه صلى بهم ثم قال: ﴿أتموا صلاتكم فإنَّا قوم سفر﴾ هذا في السفر.
стр. 9823
حكم الوتر والرواتب في السفر
كان ﷺ يؤخر الوتر في السفر إلى آخر الليل كما كان يصلي ركعتي الضحى، قال ابن تيمية: وللمسلم أن يتنفل ما شاء في بقية الأوقات، لكنه لا يتنفل السنة الراتبة ولا يصليها في السفر؛ لأن الرسول ﷺ لم يصل السنة الراتبة وقيل لـ ابن عمر ﵁: [[ألا تتنفل؟ قال: لو كنت مسبحاً لأتممت]] أي: لو كنت متنفلاً لأتممت صلاتي وهذه من فتاويه ﵁ وأرضاه.
стр. 9824
الجمع بين الصلوات أفضل وأولى
وليس بواجب على الإنسان أنه إذا جد به السير أو نزل في منزل أنه يصلي كل صلاة وحدها بل له أن يجمع، لكن الأفضل كما قال ابن تيمية -في مجلد كامل عن القصر والجمع في السفر، وأثبت في الأخير- أن الأولى والمعروف من هديه ﷺ : أنه إذا كان على جناح سفر وجدَّ به السير يصلي الصلاتين جمعاً وقصراً، وإذا نزل منزلاً يصلي كل صلاة وحدها.
стр. 9825
بداية قصر الصلاة للمسافر
أما متى يبدأ المسافر بالقصر في الصلاة، وهل هو من حين ينوي السفر وهو ما زال عند أهله، أم من بعد الخروج من الديار؟
والجواب على ذلك أنه إذا كان المسافر نوى السفر وهو ما زال مع أهله فليس له أن يقصر، وإذا خرج فله أن يقصر، فقد كان الصحابة إذا ركبوا دوابهم، ثم فارقوا شيئاً من بيوتهم قصروا وأفطروا، فهذا معلوم إلا إن الإمام مالكاً يقول: حتى يفارق عمران البلدة، ولكن هذا ليس عليه حديث صحيح، بل سن الله للمسافر، ولو كان في البلدة وقد خرج من بيته عازماً على السفر أن يقصر؛ لأن المقصود وسر المسألة موجود وهو السفر، والعلة ليست في المشقة، وبعض الناس إذا سافر يقول: أنا لا أجد مشقة في الطائرة وأنا راكب، فيظن أن هذا من باب الحساب والزيادة عند الله ، والله إنما جعله تخفيفاً للأمة، وجعله لحكمة أرادها، وهو رخصة، فعليك أن تقبل رخصة الله التي أهداها لك، وهذا هو هدي رسول الله ﷺ ، وليس في القصر ولا في الفطر مسألة مشقة، إنما المسألة رخصة وهدية أهداها لنا .
стр. 9826
كيفية الصلاة في الطائرة للمسافر
وأما إذا كان المسلم في الطائرة وأتى وقت الفريضة وهو غير مستقبل للقبلة، فالأولى له في هذه الحالة أن يستقبل القبلة، يعني: أن يجتهد اجتهاداً حتى يعرف القبلة ثم يصلي، كأن يسأل أحداً أو تكون عنده بوصلة، أو يتحرى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ثم يصلي؛ لأنه لا يجوز أن يصلي الفريضة لغير القبلة، أما النافلة فلك أن تستقبل القبلة بداية التكبير، ثم تنحرف حيث اتجهت بك الطائرة أو السيارة أو الدابة، أما الفريضة فلا بد من استقبال القبلة فيها، فيستقبل ويتحرى حتى يظن أو يكون عنده غالب ظن أن هذه وجهة القبلة، ولا يشترط أن يصيب عين الكعبة لكن جهة الكعبة، ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة:١٤٤].
стр. 9827
حكم من صلى جمعاً وقصراً ووصل قبل دخول وقت الثانية
هناك سؤال ورد عند أهل العلم أن رجلاً حضر بلده وقت صلاة العصر، فهل عليه أن يصلي العصر مرة ثانية وقد صلاها جمعاً مع الظهر؟
الجواب
لأهل العلم في ذلك روايتان:
فمنهم من قال: يقاس على حديث الذي صلى الفجر في بيته ثم أتى والناس يصلون فالرسول ﷺ في سنن أبي داود قال للأسود بن يزيد: ﴿صلِّ فإنها لك نافلة﴾ وقال لـ أبي ذر في صحيح مسلم: ﴿إذا صليت وأتيت والناس يصلون فصلِّ ولا تقل: إني صليت﴾ وتحتسب له نافلة.
ومنهم من قال: يكتفي بتلك الفريضة التي صلاها في السفر ولا يصلي، والأحوط والأحسن له أن يصلي مع الناس ويحتسبها نافلة.
стр. 9828
الأذان والإمامة في السفر
أما في السفر فإنه يؤذن للصلاتين إذا جمعهما وقصرهما أذاناً واحداً ويقيم إقامتين، وهذا هديه ﷺ ، ومن ترك الأذان والإقامة في السفر فلا عليه، لكن هذه هي السنة، يقول الإمام أحمد كما في المغني للحنابلة: أمر الأذان سهل، يعني: أنه ليس بذاك التي تتوقف عليه الصلاة.
أما الأذان والإقامة على المرأة فليست عليها لقوله ﷺ كما في سنن البيهقي بسندٍ صحيح: ﴿ليس على المرأة أذان ولا إقامة﴾.
стр. 9829
قضاء صلاة السفر في الحضر
وهنا مسألة: من أتى البلدة وقد خرج وقت الصلاة ولم يكن قد صلاها قصراً في سفره فعليه أن يصليها قضاءً لصلاة السفر يعني: قصراً، وإن أتى والوقت لا زال قائماً فيصليها إتماماً؛ لأنه وصل في وقتها؛ لأنها تعتبر صلاة حضر.
стр. 9830
بعض مخالفات الناس في الصلاة
стр. 9831
الزيادة في الأوراد التي في الصلاة
كثير من الناس خاصة العوام لا يعرفون ماذا يقولون في صلاتهم، فيزيدون في بعض السنن وفي بعض الفرائض وبعض المنقولات والمقولات، وينقصون في بعض المأثورات عنه ﷺ .
يقول الإمام: استووا فيقولون: استوينا واستعنا بالله، من أين أتت؟ من رءوسهم، وهذه صلاة تعبدية، يقول ﷺ : ﴿من أحدث من أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ وبعضهم يقول: استوينا توجهنا إلى الله الحي القيوم، فإذا قال: الله أكبر قالوا: الله أكبر كبيرا، فزادوا كبيرا، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قالوا: الحمد لله رب العالمين، فإذا قال: الرحمن الرحيم، قالوا: سبحانه، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قالوا: استعنا بالله، وهذه بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، وأهم شيء في الصلاة والحج والعمرة والصيام الأذكار؛ لأنها وردت من الشارع الحكيم ﷺ فلا يزاد فيها، خاصة الصلاة، وليس هناك حل إلا أن طلبة العلم يخبرون الناس بهذه الأمور ويعلمونهم السنة، والعجيب أن الكثير من الناس يحفظ من الأحاديث الموضوعة عشرات لكن إذا أتى إلى أحاديث صحيحة لا يحفظها.
стр. 9832
الجهر بالنية
ومن البدع في الصلوات أن بعض الناس إذا جاء يصلي قال: نويت أن أصلي العصر لله أربع ركعات، ونويت أن أصلي المغرب ثلاث ركعات، وهذا خالف المنقول والمعقول، فأما المنقول فلم يرد ذلك عنه ﷺ فهو مبتدع، وأما المعقول فإنه ما أتى من بيته، ولا توضأ، ولا دخل المسجد إلا يريد أن يصلي العصر، وهو قد علم، فهذه ليست بواردة، بل هي بدعة.
ومن البدع في الصلاة كذلك تكرار الفاتحة، فإن بعض الناس يقرءون الفاتحة كثيراً من الوسوسة ويكررها متعمداً، فهذا مبتدع جاهل، فنسأل الله أن يعافيه.
стр. 9833
كتب تصف صلاة النبي ﷺ
وعلى من لم يعرف صفة صلاة الرسول ﷺ ، أن يقرأ وصفها في ثلاثة كتب: كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد فإنه من أحسن ما كتب العلماء في هديه ﷺ في العبادات، وكتيب للشيخ عبد العزيز بن باز سهلٌ وميسر، وكتاب للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، هذه الثلاثة من قرأها فقد عرف الصورة الكاملة للمسنونات والمبتدعات التي تقع في الصلوات، فلننشر هذه الكتب بين الناس.
стр. 9834
ترجمة سلمة بن الأكوع
قال الإمام البخاري: باب وجوب الصلاة في الثياب، وقول الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] ومن صلى ملتحفاً في ثوبٍ واحد.
ويذكر عن سلمة بن الأكوع أن النبي ﷺ قال: ﴿يزره ولو بشوكة﴾ وفي إسناده نظر.
стр. 9835
كان سلمة من أسرع الصحابة في الجري
سلمة بن الأكوع ﵁ وأرضاه أحد أصحاب محمد ﷺ ، وأحد العدائين بل هو أسبق صحابة رسول الله ﷺ على الإطلاق، روى عنه أهل السير أنه كان يصيد الغزلان والأرانب لسرعته بيده، فما كان يسبقه أحد، بل كان يسبق الخيل، تنطلق الفرس ثم ينطلق سلمة بن الأكوع فيسبقها بنفسه ﵁ وأرضاه.
وفي السيرة أن أعرابياً جاء يسابق فقال: من يسابق؟ فقال سلمة: فاستحييت لعظمة رسول الله ﷺ ؟ قال الأعرابي: أقول من يسابق؟ قال: ائذن لي يا رسول الله أن أسابقه، فتسابقا وكان سلمة على الأرض والأعرابي على فرس، فمضى أمام الناس حتى ارتفع نقع الغبار بينهما، وحجز بين الرؤية وبين الناس فانكشف الغبار، وإذا بـ سلمة قد سبق الأعرابي بزمنٍ طويل وبمسافة مديدة.
стр. 9836
سلمة يأسر خمسة من المشركين
يقول سلمة: جلست يوم الحديبية وقد توزعنا تحت شجر، قال: فلما توزعنا نمت تحت شجرة، وإذا بخمسة من الكفار جلسوا بجانبي ووقعوا في عرض الرسول ﷺ في الشتيمة، يشتمونه وكان معهم سلاح، قال: فتركتهم حتى ناموا وقد علقوا سلاحهم في الشجرة وما يعرفون من أنا.
قال: فلما علقوا سلاحهم قمت عليهم وجمعت سيوفهم بيدي اليسرى ثم سللت سيفي باليد اليمنى، قال: ثم أوقفتهم واحداً واحداً وليس عندهم سلاح، قلت: والذي شرف محمداً ﷺ بالرسالة إما أن تذهبوا معي الآن إليه وإما أن أضرب الذي فيه عيونكم -يعني: رءوسهم- فقاموا معه قال: فأخذت أسوقهم قبلي كما تُساق الماعز، حتى وقفت أمام الرسول ﷺ فقلت: يا رسول الله! ائذن لي أن أضرب أعناق هؤلاء؛ فإنهم شتموك، فتبسم ﷺ وقال: اجلسوا، من أين أتيتم؟ قالوا: نحن ثمامنون رجلاً أتينا ونزلنا من جبل نريد اغتيالك.
فأخبروه قبل أن يستخبرهم وهو ﷺ لم يدر أنهم ثمانون، ولم يعلم ﷺ بهذا، فطوق ﷺ المكان، وأنزل الثمانين وأخذ سلاحهم، قال : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ [الفتح:٢٤] فلما نزلوا على حكمه ﷺ عفا عنهم، فسلم الله رسوله والمؤمنين من محاولاتهم وسلمهم من الرسول ﷺ والمؤمنين.
стр. 9837
سلمة بن الأكوع يبايع النبي ﷺ عدة مرات
قال سلمة بن الأكوع: فقام ﷺ يبايعنا لماذا؟ لأنه أرسل عثمان إلى مكة ليشهد الخبر، فأتاه أهل مكة وبيتوا عثمان بـ مكة، فحبسوه عن الرسول ﷺ حتى أتت الشائعات أن عثمان قد قتل، فقال ﷺ : بايعوني، قيل في رواية: على الموت، فقام سلمة: قال: فكنت آخذ أغصان الشجرة من على وجه الرسول ﷺ فقال: بايع يا سلمة! فبايعته، فلما انتصف الناس قال: بايع يا سلمة! فبايعته، فلما أتى في آخر الناس قال: بايع يا سلمة! قلت: قد بايعت يا رسول الله! قال: وأيضاً وأيضاً، فبايعته ﷺ فأنزل الله ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [الفتح:١٨].
وهو من الذين ﵃ وأرضاهم، وهو من السباقين إلى كل مكرمة، سبق إلى المسجد بقلبه، وسبق إلى التقوى بروحه، وسبق الناس في ميدان المصارعة برجليه ﵁ وأرضاه.
стр. 9838
موقف بين الحجاج وسلمة
دخل العراق واعتزل في الصحراء ودخل يوم الجمعة والحجاج يخطب على المنبر فقطع الحجاج خطبته غضبان وقال: أتعربت بعد الهجرة؟ قال سلمة: لقد أذن لي ﷺ ، في البادية، وقد كان الحجاج يؤذي أصحاب محمد ﷺ والرجل له حسنات مغمورةٌ في بحر سيئاته، نبغضه ونعتقد أن بغضه من أوثق عرى الإيمان، ولكن علمه عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.
هذا سلمة بن الأكوع صحابي محمد ﵊ الذي علمه على علمٍ وبصر.
نسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية، وأن يفقهنا في الدين، وأن يلهمنا رشدنا، ويقينا شر أنفسنا، وأن يتولانا في الدارين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 9839
اتقاء الشبهات
إن الله أنزل هذا الدين وجعله كاملاً قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) [المائدة:٣] فبين الله الحلال وجعل له حداً، وبين الحرام وجعل له حداً، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى هذه الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع فيها وقع في الحرام.
وفي هذه المادة بيان لهذه الكلمات مع التعرض إلى الأحكام والمسائل التي تدور حولها.
стр. 9840
شرح حديث: (الحلال بين والحرام بين)
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً
أما بعد:
فيقول الله ﵎: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧] فالنور الذي أُنزل مع محمد ﷺ هو الكتاب والسنة، فمن استنار بهما أنار الله طريقه وأنجاه، وأفلح في الدنيا والآخرة، ومن عدل عنهما أو تركهما؛ فقد أعمى الله بصيرته.
يقول ابن تيمية ﵀: " أرض لا تشرق عليها شمس الرسالة فهي أرض ملعونة، وقلب لا يُشرق عليه هذا الدين فهو قلب مغضوب عليه " فإن الله إذا غضب على القلوب فلن يوصل إليها هذا النور من الكتاب والسنة، وسجعلها في حجاب لا ترى ولا تسمع، ولا تبصر ولا تفقه، وإذا رضي الله عن قلب حبَّب إليه الكتاب والسنة، فأوصل إشعاع هذا الكتاب وهذه السنة إلى هذا القلب، وإذا غضب الله على أرض ولعنها من الدنيا لم تشرق عليها شمس الرسالة.
فشمس الرسالة -أيها المسلمون- هي الكتاب والسنة! فمن استنار بنورهما اهتدى وقاده الله إلى جنات عرضها السماوات والأرض نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستضيء بنورهما، ويتمسك بحبلهما، وممن يمشي على طريقهما، إنه على كل شيء قدير.
عن النعمان بن بشير ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿الحلال بيِّن، والحرام بيِّن وبينهما مشتبهات، لا يعلمُها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحِمى يُوشكُ أن يُواقعهُ، ألا وإنَّ لكل ملكٍ حمىً، ألا إن حِمى الله في أرضه محارمه، ألا وإنَّ في الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدتْ فسدَ الجسدُ كلُّه ألا وهي القلب﴾.
следующие страницы →