← Джавами‘

Джавами‘ · id 7710

دروس للشيخ علي القرني

علي القرني

Полный текст (977 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الشعور بالمسئولية أخيراً: يا من قصد البحر! بسبب وصحبة إخلاص وصدق وصواب، وهمة مقرونة بها، يعقبه عمل، وقد نقد الثمن بثبات وتميز واتزان، اعلم أنك مسئول: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣] فليتق الله قاصد البحر في كل كلمة يقولها، وكل حركة أو سكون؛ فإن الله سائله. ذُكر عن بعض العلماء ﵏ أنه ولي القضاء، فحكم على رجل فاجر سفيه طائش فقال له: والله! ما أردت بحكمك هذا وجه الله، ولقد ظلمتني. فقال العالم: أو تقول ذاك؟ قال: نعم. وأقسم عليه. قال العالم -واسمعوا لما قال- قال: والذي لا إله إلا هو! ما تكلمت بكلمة منذ أربعين عاماً إلا وأعددت لها جواباً بين يدي الله ! فيا قاصد البحر: ﴿لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به﴾ فماذا عسى يكون الجواب؟ أعدَّ للسؤال جواباً، وللجواب صواباً، واقصد البحر بإعداد وخل القنوات. أخي قاصد البحر: -ولعل الكل قاصد- بقي أمور لابد لي من سردها نظراً للضيق. أعط كل ذي حق حقه، وقدم فاضل الأعمال على مفضولها، واعرف خير الخيرين لتتبع، وشر الشرين، ومع الدليل تدور ولا تغتر بالكثرة، والبر البر تفلح، والقصد تبلغ، ولا تكن خباً ولا الخب يخدعك: وابذل الخير تجني كل صلاح يبتذل الخير إذ تطيب البذور واعلم أن الكلام في الموضوع يطول، وما قلته سوى وميض حداء على الطريق، اكتفيت فيه من القلادة بما أحاط بالعنق، عجزاً في ضيق وقت، فما وجدت من صواب وحق فاقبله وما وجدت من خطأ فاعلم أني لم آلوا جهداً في الصواب، ويأبى الله إلا أن يتفرد بالكمال، والنقص في أصل الطبيعة كامن، وكيف يعصم من الخطأ من خلق ظلوماً جهولاً؛ لكن: إن تجد عيباً فسد الخللا جل من لا عيب فيه وعلا واقصد البحر وخل القنوات! أسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً وعملاً. اللهم كن لنا، وامكر لنا، وانصرنا وأعنا، واهدنا واهد بنا، ويسِّر الهدى لنا. اللهم كن للمستضعفين والمضطهدين والمظلومين. اللهم اجبر كسرهم، وتولَّ أمرهم، اللهم أزل عنهم العناء، واكشف عنهم الضر والبلاء. اللهم أنزل عليهم من الصبر أضعاف ما نزل بهم من البلاء، يا سميع الدعاء! يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 282

الأمر بالمعروف إن من أهم خصائص الأمة الإسلامية فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالقيام بها أصبحت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، وبسبب تركها لعنت أمم، وطردت من رحمة الله. فالواجب على المسلم أن يقوم بها في كل وقت ومكان، كل بحسب حاله ومكانه، والأمر بالمعروف له شروط وضوابط ووسائل يجب أن ينضبط بها.

стр. 283

ضرورة الانقياد للكتاب والسنة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين؛ فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً. يا أمة الحق والآلام مقبلة متى تعين ونار الشر تستعر متى الفواق وقد ضمت مصيبتنا متى الخلاص وقد لمت بنا العبر متى يعود إلى الإسلام مسجده متى يعود إلى محرابه عمر أكل يوم يرى للدين نازلة وأمة الحق لا سمع ولا بصر عباد الله: ونحن نعيش زمناً عصيباً، ووقتاً دقيقاً وحرجاً، يتعلق بمصير أمتنا، أقول: إن النجاة في انقيادنا لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ فلقد كتب الله لهذه الأمة حين تحيد عن كتاب الله أن تتقلب في ثنايا الإهانات، وتتنقل من هزيمة إلى هزيمة. فلنرفع الغطاء عن أعيننا، ولنكن صرحاء مع أنفسنا، كفانا نكبات، وكفانا كوارث، وكفانا نكسات، وكفانا تلمس النصر في ثنايا البشر من دون الله، كفانا كوننا عن كتاب الله بعيدين، وعن سنة رسوله ﷺ حائدين، ولنعُد إلى الحق المبين، فاسمعوا إليه يوم يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٧١] ألا فاتقوا الله حق تقواه يا عباد الله! واعلموا أن من أسباب النجاة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أسباب السقوط والهلاك: السكوت عن المنكرات، قال تعالى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف:١٦٥].

стр. 284

الأمر بالمعروف من خصائص هذه الأمة ألا فاعلموا أن من أعظم خصائص أمتنا أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وأن علماءها يغضبون إذا انتُهكت محارم الله، ودعاتها يشتاطون غيظاً وغضباً لانتهاك حدود الله، فهي المأمورة بقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]. ألا فلتكن طائفة تقف على حدود الله؛ ترعى المجتمع، تنظر لأحوال الأمة لا تسمح للجريمة، غَضِبَ مَنْ غضب ورَضِيَ مَنْ رضي، ليكن منكم علماء ودعاة يقفون أمام الشرور والمنكرات، يؤدون رسالة الله؛ ليرحمنا الله : ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٧١]. يوم يترك الأمر بالمعروف، فلنعلم أننا نحارب الله، ولنعلم أن غضب الله قد طوَّقنا، وأن سخط الله قد قرب منا. فإن تمادَتْ بنا الأهواء والخور فهي العقوبة لا تُبقي ولا تذر ما نتيجة أن يقر الناس على الجريمة، ويسكت على الفاحشة، ويقدم العاصي، ويؤخر المؤمن المرضي الراضي؟ ما نتيجة ترك الصلوات؟ وتعاطي المخدرات؟ والركون إلى الذين ظلموا وسماع الأغاني الماجنات، والجري وراء الشهوات، والمجاهرة بكل هذه المنكرات؟ ما نتيجة الرضا بكل هذه المنكرات، وما نتيجة السكوت على هذه المنكرات؟ إن نتيجة ذلك ومعناه سوف تختل الأمور، ويغضب الله وملائكته، معناه: أن البركة نزعت؛ لأننا سمعنا ورأينا وسكتنا، فما حرَّكنا ساكناً، وإلا لماذا كنا خير أمة أخرجت للناس؟ كنا كذلك بالأمر والنهي؛ نأمر بالمعروف بالمعروف، وننهى عن المنكر بالمعروف، وإلا فإن العذاب والسوء ينتظرنا.

стр. 285

عاقبة التهاون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأثر: أن الله جل وعلا أوحى إلى جبريل ﵇: أن اقلب مدينة سبأ على من فيها -وجبريل كما تعلمون أعطاه الله قوة هائلة، يقتلع الجبال والوديان والثغور والأشجار والأحجار، وله ستمائة جناح، بجناح واحد حمل أربع قرى- فرفعها إلى السماء حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم، ثم رماهم، فجعل عاليهم سافلهم، أرسله الله إلى هذه المدينة ليقلبها على من فيها، فقال: يا رب إن فيها عبدَك فلاناً، لم يعصِك طرفة عين، قال الله: فبه فابدأ؛ لأنه لم يتمعَّر وجهه فيَّ قط. لا إله إلا الله! يصلي ولم يعصِ الله طرفة عين، لكنه يرى المنكر فلا يغار، ويسكت عليه، فنزل جبريل، فأخذه بطرف جناح من معبده، فجعله في أول موكب المعذبين ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]، ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٨] لم لعنوا؟ ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩]. ذاك في بني إسرائيل، لكن والله قد وجد في مجتمعاتنا من يدعو إلى عدم التكلم عن الجرائم والمنكرات، وعدم تشخيصها وتحذير الأمة منها، ووالله ما حصل ذلك إلا وهلكت الأمة، وذهبت إلى الدمار، والعار، والنار: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩]. الزنا ودور الخمر فشت، وقطيعة الرحم والعقوق ذاعت، وتَفْوِيت الجماعات شاع، والتطفيف في المكيال والميزان زاد، والضغينة والمنكرات فاحت رائحتها، وعلماء بني إسرائيل ساكتون، صامتون، ملجمون، لماذا سكتوا؟ رغبةً أم رهبةً، والسكوت دائماً إما رغبة وإما رهبة؛ إما رغبة في حطام فانٍ أو منازل ومناصب، أو وظائف لا تسمن ولا تغني من جوع، وإما رهبة من سوط وقسوة بعض الظلمة، فسكتوا، فماذا كان الجزاء؟ قال سبحانه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة:١٣] قال أهل العلم: كان في الميثاق الذي أخذ عليهم: أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر. صح عنه ﷺ أنه قال في حديث ابن مسعود الذي رواه الترمذي: ﴿إنما دخل النقض على بني إسرائيل أنه كان إذا لقي أحدهم أخاه وهو على الفاحشة، قال له: اتق الله، ثم لا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وقعيده وشريبه، فلما فعلوا ذلك لعنهم الله، وعمَّهم بعقاب وغضب من عنده، وكان ﷺ متكئًا فتربع، وجلس، وقال: كلا والذي نفسي بيده، لتأمرنَّ بالمعروف، ولتنهَوُنَّ عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطراً، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم يلعنكم كما لعنهم﴾. لا إله إلا الله! نعوذ بالله من لعنة الله، وغضب الله: ﴿لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم من لا يرحم صغيركم ولا يوقر كبيركم﴾، ﴿لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم، فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم﴾. أترضون أن يعم الشر؛ فيُؤخَذ الصالح والطالح، وأن تنزل لعنة الله، وإذا تنزلت لا ترفع؟! أترضون أن يمقتنا الله من فوق سماواته؟! أين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟! أما اتكلنا على غير الله؟ أما عمت الشعوذة والخرافة في بعض القرى والبوادي؟ أما انتشر الفحش؟ أما استبدل القرآن في بيوت كثير من الناس بالأغنية؟ أما عوض في متاع القرآن باللهو والمجون؟ أما ضيعت الصلوات- إلا في بيوت من رحم الله-؟ أما تُهُوِّنَ بالجماعات؟ أما انتشر الربا وسُكت عليه؟ أما قطعت الأرحام؟ أما أُعلن الإلحاد؟ أما سُبَّ الإله؟ أما سُبَّ محمد ﷺ ؟ أما قُتِّل المسلمون؟ أما أُحييت الليالي الماجنات من المغنين والمغنيات على (هل رأى الحب سكارى مثلنا)، (ارفع ستار الخجل)، وغيرها من الترهات والخزعبلات؟ أما أُخذ الميراث؟ أما عُقَّ الوالدان؟ ولم يؤخذ على أيدي هؤلاء والدعاة مئات ومئات، والعلماء كذلك، والجامعات والمعاهد والمدارس تخرج؟

стр. 286

مسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيا طلبة العلم! ويا أيها العلماء! ويا دعاة الإسلام! هذا وقت الأمر والنهي، من يأمر وينهى إن لم تأمروا وتنهوا؟ إنا لا ندعو لمضاربة الناس، ولا لشتمهم، ولا لجرح شعورهم، ولا للتشهير بهم، حاشا وكلا، لكن ندعو إلى إنقاذ الناس من الضلالة، ندعو إلى إنقاذ الناس من النار؛ ندعو إلى أخذ الناس لمركب النجاة، ندعو إلى الأخذ بحبل الله؛ بكلمة الحق في أي مكان، بالنصيحة في الشارع، بالقدوة الحسنة، بالزيارات. يقول محمد ﷺ : ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان﴾، وفي رواية: ﴿وليس بعد ذلك مثقال حبة خردل من إيمان﴾، وعن عبادة بن الصامت ﵁ وأرضاه- قال: [[بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره، والعسر واليسر، وأن نقول في الله لا تأخذنا فيه لومة لائم، فمنا من وفى بذلك؛ فأجره على الله]]. ألا لا تأخذ المسلم في الله لومة لائم، يغضب مَنْ يغضب إذا رضي الله، ويسخط من يسخط إذا رضي الله ﴿من أرضى الناس بسخط الله: سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس: رضي الله عليه وأرضى عليه الناس﴾، والله إذا علم منك أنك تريد إرضاءه، أرضى عنك الناس، وحماك وسددك وكفاك وآواك. ألا فاحفظ الله يحفظك، واحفظ الله تجده تجاهك، تعرَّف على الله في الرخاء، يعرفك في الشدة. صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿مثل القائم في حدود الله- أي: الذي يأمر وينهى- والواقع فيها، كمثل قوم استهموا في سفينة، فكان قوم أعلاها، وقوم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على الذين في أعلاها، فظنوا أنهم آذوهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في الجانب السفلي لما آذينا الذين فوقنا﴾ ثم قال ﵊: ﴿فإذا تركوهم هلكوا وهلكوا جميعاً، وإذا أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً﴾ وهذا مثل من يترك المفسدين الفجرة الذين يلعبون بالأعراض والمبادئ والقيم، ويقول: نفسي نفسي، يصلي ويخرس كالشيطان الأخرس، من بيته إلى المسجد، ويرى الأمم، ويرى الأجيال، والشباب تائهين، ضائعين، حائرين، ثم لا يقول هذا هو الطريق؛ ليبقى وديعاً، هادئ البال، مطمئناً مرتاحاً. من كلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يرى الجرائم ولا يتكلم بكلمة، أما -والله- لو أن أحدنا أمر بأمر بسيط، أو نهى عن منكر في اليوم الواحد بالتي هي أحسن لصلح حالنا.

стр. 287

شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ننتظر أن يصلح حالنا إذا ما أصلحنا؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] لكن يشترط في من يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر شروط: أولها: أن يكون أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر خالصاً لله، لا يبتغي الأجر إلا من الله، لا ليقال أمر ونهى؛ فإن الله سوف يرد عليه مقاصده، ولا يجعل لدعوته أثراً ولا فائدة ولا نفعاً، وأن يكون ذا علم، وذا بصيرة وحكمة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] وأن يكون عاملاً بما يقول، وما أقبح من ينهى الناس، وهو واقع فيما ينهى عنه! لن تقبل دعوته. لا تنه عن خلقٍ وتأتيَ مثله عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ ابدأ بنفسك فانهها عن غَيِّها فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ وأن تكون الدعوة بالتي هي أحسن؛ بالتحبب إلى القلوب، بشراء الأرواح، إن الذي يأتي ليغير منكراً بمنكر ما فعل شيئاً، بل أعان الشيطان على أخيه. إن من يجرح ويفضح الناس، ويشتم الناس، ويسب الناس، لن يجد أثراً لدعوته، يقول الإمام الشافعي -وهو يعلن مبدأ عظيماً من مبادئ الدعوة إلى الله-: تعمدني بنُصحكَ في انفراد وجَنِّبْنِي النَّصِيحةَ في الجماعة فإن النصحَ بين الناسِ نوعٌ من التوبيخِ لا أرضى استماعَه فإن خالفتني وعصيتَ أمري فلا تجزع إذا لم تُعْطَ طاعة

стр. 288

صور من معاناة السلف الصالح في الأمر والنهي ألا يا عباد الله: مروا بالمعروف ولا تخشوا إلا الله، لا خير فيكم إن لم تقولوا كلمة الحق، ولا خير في من لم يسمعها، ولا تظنوا أن الطريق مفروش بالورود لمن أمر ونهى، إنه طريق محمد ﷺ أوذي فيه، ووضع سلا الجزور على ظهره، ووضع الشوك في طريقه، وأُدمي عقباه، وشُجَّ وجهه، وكسرت رباعيته؛ فما ضعف وما استكان وما هان، وما كان له ذلك، وللدعاة من بعده قدوة فيه ﷺ .

стр. 289

الأوزاعي مع عبد الله بن علي هاهو عبد الله بن علي الحاكم العباسي عم أبي جعفر المنصور يوم دخل دمشق محتلاً؛ دخلها في يوم واحد فقتل ثمانية وثلاثين ألف مسلم في ست ساعات؛ كان من جبابرة الدنيا، حتى إنه أدخل الخيول في مسجد بني أمية. ثم دخل قصره وقال: من يعارضني فيما فعلت؟ قالوا: لا يعارضك أحد. قال: أترون أحداً من الناس يمكن أن ينكر عليَّ. قالوا: لا يمكن أن ينكر عليك أحد إلا الأوزاعي -عالم الدنيا في ذلك الوقت، الزاهد المحدث الكبير- قال: عليَّ بـ الأوزاعي. فلما نُوِدي الأوزاعي؛ علم أن الموت ينتظره، وأن الله أراد أن يبتليه؛ إما أن ينجح، أو يرسب رسوباً ما بعده رسوب؛ علم أن الله أراد أن يمتحنه ليصبر، أولا يصبر، فقالوا: للأوزاعى إن عبد الله بن علي يدعوك لمقابلته اليوم، والدماء لا زالت تجري على أرض دمشق لم تجف. فماذا كان من هذا العالم الزاهد؟ لبس أكفانه بعدما اغتسل، ثم لبس ثيابه من على أكفانه، ثم أخذ عصاه، وخرج من بيته، وقال: يا ذا العزة التي لا تُضام، والركن الذي لا يُرام، يا من لا تُهزَم جنوده، ولا يُغلب أولياؤه، اللهم أنت حسبي ومن كنت حسبه فقد كفيته، ثم دخل. وقبل أن يدخل سمع عبد الله بن علي به فصف وزراءه وأمراءه ميمنة وميسرة، ليُرهب هذا العالم، ثم مد سماطين من الجلود، ثم أمرهم أن يرفعوا السيوف حتى التقت رءوسها، ثم قال: أدخلوا الأوزاعي. فدخل من بين السيوف، فلما دخل، ووقف عند عبد الله بن علي، غضب هذا الأمير غضباً حتى انعقد جبينه، قال: أأنت الأوزاعي؟ قال: يقول: الناس أنِّي الأوزاعي، وقال الأوزاعي في هذه اللحظة: والله ما رأيته إلا كأنه ذباب أمامي، يوم أن تصورت عرش الرحمن بارزاً يوم القيامة، وكأن المنادي ينادي: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]، والله ما دخلت قصره إلا وقد بعت نفسي من الله . قال الأمير: ما ترى في هذه الدماء التي سفكنا؟ قال: حدثني فلان بن فلان عن فلان عن جدِّك عبد الله بن عباس: أن الرسول ﷺ قال: ﴿لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث؛ الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة﴾ فغضب حتى أصبح كالحية يتلظى، قال: ورأيت الوزراء يرفعون ثيابهم؛ لئلا يصيبهم دمي إذا قُتلت، قال: وأخذت أرفع عمامتي ليقع السيف على رقبتي مباشرة، قال: فرفع رأسه. فقال: ما ترى في هذه الأموال التي أخذت، وهذه الدور التي اغتصبت؟ قال: قلت: سوف يجردك الله يوم القيامة، ويحاسبك عرياناً كما خلقك؛ فإن كانت حلالاً فحساب، وإن كانت حراماً فعقاب. قال: فتلمظ كالحية، ورأيت الناس يتحفزون لئلا يقع دمي عليهم، قال: وكنت أقول في نفسي: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم. قال: فما كان منه إلا أن قال: اخرج، قال فخرجت فوالله ما زادني ربي إلا عزة وكرامة. ولما مات هذا الإمام، أتى عبد الله بن علي -ذلك الجبار- إلى قبره، وقال: والله إني كنت أخافك أخوف أهل الأرض، ووالله إني كنت إذا رأيتك رأيت الأسد بارزاً. لم خافه. لأنه صدق مع الله، واعتصم بحبل الله، وخاف الله فَخَّوف الله منه كل شيء.

стр. 290

أبو مسلم الخولاني مع الأسود العنسي وهاهو الأسود العنسي -طاغية اليمن - الكافر الساحر، القبيح الظالم، يجتمع حوله اللصوص، وقطاع الطرق؛ ليكونوا فرقة للصد عن سبيل الله، ليذبحوا الدعاة إلى الله، ذبح من المسلمين من ذبح، وحرق من حرق، وطرد من طرد، وفر الناس بدينهم، وأخذ يهتك الأعراض، ويعذب الدعاة، ومن بين هؤلاء الدعاة المخلصين أبو مسلم الخولاني -عليه رحمة الله ورضوانه- عذبه فثبت كثبات سحرة فرعون، وحاول أن يثنيه عن دينه، وعن دعوته، وأمره ونهيه، فقال: كلا والذي فطرني لن أقف: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢]. جمع الأسود الناس، وقال: أتعتقدون في داعيتكم أنه على حق؟ إن كان على حق، فسينجيه الحق، وإن كان على باطل فسترون، ثم أمر بالنار فأضرمت -نار هائلة تمر الطيور من فوقها فتسقط لعِظَمِ ألسنة لهب هذه النار- ثم ربط يديْ أبي مسلم ورجليه بالقيد، ووضعوه في مقلاع، ثم نسفوه بالمقلاع ليهوي في خضم لهيب النار ولظاها وجمرها، وهو يقول: حسبي الله ونعم الوكيل. كاد الموحدون أن تنخلع قلوبهم، وقف الناس ينظرون، وبدأت النار تخبو وتضعف، وإذ بـ أبي مسلم يخرج من طرفها الأخر ماشياً على قدميه، قد فكت النار وثاقه، عليه ثيابه لم تحترق، يدوس بقدميه الحافيتين الجمر ويتبسم وينظر إلى الناس. ذهل الطاغية، وخاف أن يسلم من لم يسلم، فهددهم وتوعدهم؛ ليصدهم عن سبيل الله، أما أبو مسلم فخرج من النار، وواصل مشيَه فاراً بدينه، والمؤمنون يتبعونه، حتى وصل إلى المدينة -في عهد أبي بكر ﵁ وأرضاه ودخل المسجد، وصلى ركعتين. وسمع به عمر ﵁ فجاء يغذ السير إليه، فلما رآه قال: [[أأنت أبو مسلم؟ قال: نعم. قال: أأنت الذي قذفت في النار، وخرجت منها سليماً؟ قال: نعم. فاعتنقه عمر يبكي، ويقول: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد ﷺ مثل إبراهيم الخليل ﵇]]. ألا فادعوا الله أيها المسلمون، ومروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، واعتصموا بحبل الله، فوالله لو كادتكم السماوات والأرض ليجعلن الله لكم منها فرجاً ومخرجاً. فاشدد يديْك بحبلِ الِله معتصما فإنه الركنُ إن خانتك أركانُ

стр. 291

أحد الصالحين مع ابن مقلة وهاهو أحد الصالحين ذكر أهل السير أنه دخل على ابن مقلة -وزير مجرم عباسي- سفك الدماء، ونهب الأموال، فاعترض عليه هذا الرجل الصالح، وأمره بالمعروف، ونهاه عن المنكر؛ فما كان منه إلا أن جلده عشر جلدات، فقال: أتجلدني يوم آمرك وأنهاك؟ أسأل الله أن يقطع يدك ولسانك. ويستجيب الله دعاء المخلصين الصادقين، ما مرت عليه ستة أشهر حتى أُخِذت أمواله، وقطعت يده، وقطع لسانه، وأخذ يبكي، ويكتب على الحيطان: ليس بعد الحياةِ لذةُ عيشٍ يا حياتي بانت يميني فبِيني يبكي ويكتب على الحيطان: إذا ما مات بعضك فابكِ بعضاً فإن البعضَ من بعضٍ قريبُ

стр. 292

ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره يا عباد الله: الأمر والنهي من خصائصنا إن كنا نريد الخيرية والأمان والاطمئنان، ومتى تركناه فلننتظر الجوع، والدمار، والحرب، والخوف، والجفاف، والغضب، والمقت، واللعنة.

стр. 293

هوان أهل جزيرة قبرص هاهو أبو الدرداء لما فتح المسلمون جزيرة قبرص، رأى صراخ أهلها، وبكاء بعضهم إلى بعض؛ فبكى كثيراً، قيل له: يا أبا الدرداء: ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ قال: [[ويحكم، ما أهون الخلق على الله إذا هم تركوا أمره، بينما هم أمة ظاهرة قاهرة تركوا أمر الله، فصاروا إلى ما ترون]]. ولا نذهب بعيداً بل نقلب النظر إلى من كانوا في رغد من العيش، في هناء وسعادة، فطغى أمراؤهم، وسكت علماؤهم، وأُبْلس دعاتهم، فما تُكِلم بمعروف وما نُهِي عن منكر، ولم يؤخذ على يد ظالم، فأمهلهم الله، ثم أخذهم أخذ عزيز مقتدر ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]. إليكم خياريْن لا ثالث لهما: إما أمر بمعروف ونهي عن منكر بقوة وأخذ على يد الظالم، وإما ضرب للقلوب، ثم لعنة توجب طرداً وإبعاداً من رحمة الله جل وعلا، أقول هذا إعذاراً بين يدي الله، وإقامة للحجة عليكم، وتحذيراً من أن يقع بنا بأس الله؛ فإن بأس الله لا يُرد عن القوم المجرمين، بينما الأمم هانئة وادعة، تترك أمر الله، وترتكب نهيه، ولا آمِر، ولا ناهٍ، إذ بالجو يدلَهِمُّ، والدماء تجري، والخوف والقلق يعم، هذه سنة الله، يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. يا أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا يومه، بل هذه ساعته، هذا وقت البيان، آن الوقت لئلا تأخذ الأمة في الله لومة لائم، إن الأمر جد خطير، وإن الله ينذر، ثم ينذر، ثم ينذر، ونُذُرُ الله تأتي في صور متعددة؛ فإن ارعوى الناس، وآبوا، وعادوا، وإلا: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]. أسأل الله أن يوفق الأمة وولاتها إلى القيام بمسئولية الأمر والنهي على الوجه الذي يرضي ربنا عنا، اللهم اجعلنا خير أمة أخرجت للناس بأمرنا ونهينا، كما كنا إنك على كل شيء قدير. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 294

مسخ الله لأصحاب السبت الحمد لله رب العالمين جعلنا خير أمة أخرجت للناس نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال الله تعالى مخاطباً محمداً ﷺ : ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف:١٦٣ - ١٦٦]، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١]. هذه قصة قرية أُخِذت أخذ عزيز مقتدر، فضحها الله، وجعل أشخاصها قردة وخنازير، يوم تركوا أمره ونهيه، قرية كانت على الشاطئ مجاورة للبحر، حرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت، فوقفوا لا يصطادون يوم السبت، فزاد الله ابتلاءهم ابتلاءً، وامتحن صدقهم وإخلاصهم، فجعل الأسماك يوم السبت تأتي سابحة إلى الشاطئ، وفي بقية الأيام لا تكاد تجد سمكة إلا قليلاً، فانقسم الناس حيال أمر الله إلى أقسام، وهم في كل زمان بهذه الأقسام: قسم هم أهل الخبث والخيانة والفجور، قالوا: نجري جداول وأنهاراً إلى داخل الشاطئ، فإذا دخلت الأسماك سددنا عليها يوم السبت وأخذناها يوم الأحد. أَعَلَى الله يضحكون؟ أم على الله يمكرون؟ يخادعون الله وهو خادعهم. وقسم أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وقال: لا تفعلوا هذا، بل اتقوا الله، وخافوا الله، واحفظوا الله، فلم يسمع لهذا القسم. وقسم آخر: قال اتركوهم، لِمَ تنهونهم؟ الله سيعذبهم. فقال الدعاة إلى الخير: نأمرهم معذرة أمام الله يوم يجمع الأولين والآخرين؛ علهم أن يهتدوا، فنحن لا نعلم أن الله قد طبع على قلوبهم. بدأ أهل الخبث في تنفيذ خطتهم، وخداعهم، ومكرهم، فقام الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر-الذين يثقون بما يعد الله به- بجعل سور بينهم وبين الفجرة الماكرين؛ حتى لا يصيبهم من العذاب ما يصيب أهل السوء، وتركوا في الجدار نوافذ؛ ليتطلعوا أخبارهم من خلالها، ليكون لهم في ذلك عبرة. أما القسم الآخر فسكتوا ولم يمكروا، لكنهم رضوا بالمنكر، والراضي كالفاعل. ويأتي صباح يوم من أيام الله، يوم يغضب الله ويسخط على أعدائه، فيمسخ أولئك قردة وخنازير، فوجئ الدعاة، وإذ بالنوافذ ممتلئة خنازير وقردة، يقولون: من أنت؟ فيقول الرجل: أنا فلان، وهو على صورة خنزير، والمرأة تقول: أنا فلانة، وهي على صورة خنزير، وقعوا فيما يغضب الله، وتركوا الأمر والنهي؛ فصاروا قردة وخنازير. ثم أتى الله بأولئك الذين سكتوا، وما تكلموا، الذين يقولون في كل زمان: إن الدعوة تطرف وتزمُّت، أتى الله بهم فأدخلهم في الحظيرة، فحولهم قردة وخنازير، هم ما احتالوا على الله، لكنهم سكتوا على المنكر، والراضي كالفاعل ولا يظلم ربك أحداً. أما أولئك الدعاة الآمرون والناهون فسلموا في الدنيا، ولهم السلامة في الأخرى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٥]. إن من يسكت ويقول: نفسي نفسي، سيأخذه الله مع الطالحين: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى﴾ [هود:١٠٢]. تداعت علينا الأمم، ونحن كثرة كاثرة، لكن غثاء كغثاء السيل، أيقاظ نيام في الغالب، نؤمر فلا نأتمر، ونُنهى فلا ننتهي-إلا من رحم الله وقليل ما هم- والحوادث شاهدة: حلت بنا الأحداث، وطوقنا الأعداء، وخوفنا الله، فما زادنا ذلك إلا طغياناً كبيراً ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً﴾ [الكهف:٥٧]. أَأُخيَّ إن من الرجال بهيمة في صورة الرجل السميع المبصر فطن لكل مصيبة في ماله وإذا أصيب بدينه لم يشعر

стр. 295

التحذير من الإصرار على المعاصي قلنا: لعل الحوادث توقظ قلوبنا فنعود إلى الله نأمر وننهى، ونتوب ونعود، ونغير ونبدل، فما حصل شيء من ذلك -ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم- أسألكم بالله: هل كان الذين يتخلفون عن الجماعة عادوا لحضور الجماعات أثناء هذه الحوادث؟ أسألكم: هل الذين كانت بيوتهم تعج بالمنكرات، والمغريات، والملهيات، هل خرج شيء من هذه المنكرات في أثناء هذه الحوادث؟ أسألكم عن الذين يصبح أولادهم على الرسوم المتحركة، ويمسون على الأغنية والفيلم، والمسلسل الرخيص، والتمثيلية التي تدعو إلى الرذيلة، هل غيَّر واحد من برنامجه أثناء هذه الحوادث. أسألكم عن المختلطين -والذين أصبح الاختلاط ديدناً لهم في كل مناسبة- هل تركوا الاختلاط أثناء هذه الحوادث؟ هل اعتبروا؟ هل تفكروا؟ أسألكم عن أسواقنا، وعن المتبرجات، والمنكرات فيها، هل غُيَّر فيها شيء أثناء هذه الحوادث؟ هل نزل الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر إلى تلك الأسواق؟ أسألكم: هل مسلم لا زال فيه بعض الإسلام حركته هذه الحوادث، فقفل محلاً من محلات الفيديو في هذه البلدة؟ أسألكم: هل رجل صاحب تسجيلات للأغاني في هذه البلدة أقفلها، أو غيرها إلى تسجيلات إسلامية أثناء هذه الحوادث؟ ألا هل علم هؤلاء -أصحاب الفساد- بأنهم يأكلون حراماً؟ أسألكم: هل اتجه الناس أثناء الحوادث إلى المساجد بدلاً من اتجاههم إلى المقاهي والملاعب، أم زاد الاتجاه إلى الملاعب والمقاهي؟ أبالرياضة نبني مجد أمتنا أم بالفنون وبالأفلام ننتصرُ أسألكم: هل رأيتم مسلماً أثناء هذه الحوادث رجع إلى الله، فأعفى لحيته بعد أن كان يحلقها، ورفع إزاره بعد أن كان مرخياً له؟ أسألكم: هل سمعتم بتاجر قد أخذ أمواله ووضعها في مصرف لا يتعامل بالربا أثناء هذه الفتن؟ بل أسألكم عن أهم شيء في مثل هذا الوقت: هل سمعتم بالناس يتحدثون عن الجهاد في سبيل الله أثناء هذه الحوادث؟ أسألكم: هل تحرك الناس، فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر أثناء هذه الحوادث؟ يموت الميت في هذه الحوادث فلا نرى مراسم العزاء البدعية أثناء هذه الحوادث تنتهي. ألا هل تغير شيء؟ لا والذي رفع السماء بلا عمد ما تغير شيء في الغالب، بل ازداد الناس طغياناً، وتوكلاً على غير الله، وكأنهم يقولون: ربنا عجل لنا العذاب، المتخلف عن الجماعة لا زال، والمنكرات والملهيات بدأت تدخل البيوت بحجج واهية شيطانية، الراعي في بيته غش رعيته، فلم يأمرهم ولم ينهَهم، أمسى على الأخبار، والصحف، والأفلام، والمجلة، والمسلسل، وما رفع يده، ورعيته إلى الله رب البرية، ما كأنه سمع قول محمد ﷺ : ﴿ما من راعٍ استرعاه الله رعية فأمسى غاشاً لهم إلا لم يرح رائحة الجنة﴾. الاختلاط كما هو، والأسواق تعج بالمنكرات، وما رأينا آمراً أو ناهياً، الفيديو والتسجيلات الغنائية تزيد يوماً بعد يوم، حلق اللحى يتضاعف، وإسبال الثياب كالنساء يفشو، والحديث عن الجهاد يخبو ويضعف، بل لا يذكر أبداً، والسكوت عن المنكرات يزيد. لا إله إلا الله، ما أحلمك! ما أكرمك!، تمهل الظالم حتى إذا أخذته لم تفلته! اللهم إن أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفرطين ولا مفتونين.

стр. 296

وسائل الأمر بالمعروف يا مسلمون! يا مؤمنون! يا عقلاء! أخاطب فيكم الإسلام، والإيمان، والعقل، مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، واصدقوا، وأخلصوا لله، من عنده علم فليخرجه قبل أن يُلجم بلجام من نار، من عنده منكر فليخرجه وليتخلص منه قبل أن يندم فلا ينفعه ندم، من عنده مال فليسخره للقضاء على المنكرات وليسخره لدعم المسلمين في كل مكان. يا أيها التجار! يا من يملك مالاً! يا من ستسأل عن مالك من أين اكتسبته وفيما أنفقته! الميدان فسيح لك هذه الأيام، يا أيها التجار! اشتروا محلات الفيديو، اشتروا تسجيلات الغناء، واقلبوها إلى تسجيلات إسلامية، تكونوا بمالكم قد دعوتم إلى الله وأنتم في متاجركم، وقضيتم على المنكرات. يا أيها الشباب: لتنزلوا إلى الأسواق فتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر بالمعروف، يا من لا يستطيع هذا ولا ذاك: مر بالمعروف في بيتك وانهَ عن المنكر. واعلموا -يا عباد الله- أن دين الله ليس عليه خطر، ولا على رسالة الله خوف؛ الله تكفل بحفظ دينه من دونكم، لكننا نحن بدين الله نحفظ أنفسنا وأمتنا وجيلنا، نحن بحاجة إلى هذا الدين، فلنراجع أنفسنا، لا يزال الله يمهلنا، انهضوا، وعودوا، وتوبوا، ومروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، وبادروا إلى الخيرات لعلكم تنجون من عذاب الله القائل: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف:١٦٥] يا أيها الأخيار: يا أمراء القبائل! يا مشايخ القبائل: أنتم قدوة لمن أنتم رعاة لهم، بصلاحكم يصلح الله القرى والبوادي، كفى نوماً، وكفى طغياناً، اجتمعوا مع الشباب، وادعوا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة في قراكم، واقضوا على المنكرات؛ ليصلح الله لكم المجتمع، وليؤمنكم مما تخافون. إن السنن الإلهية لا تجامل أحداً، بل تجري على كل من استحقها ولو كان حراً قرشياً، ومن هذه السنن: أنه ما من بلدة أعلنت الحرب على الأمر بالمعروف، إلا جاءها عذاب الله بكرة أو عشية: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الفتح:٢٣]. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، يا سميع الدعاء! اللهم انصر من نصر الدين واجعلنا من أنصاره، واخذل من خذل الدين ولا تجعلنا ممن خذله. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا. اللهم انصرهم وسدِّدهم وثبِّتهم وأيِّدهم يا قوي يا عزيز. اللهم فرِّق جمع أعداء المسلمين. اللهم رد كيدهم، وامكر بهم، واجعلهم عبرة للمعتبرين. اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين. اللهم من أرادنا وأراد الإسلام بسوء فأشغله بنفسه، واجعل تدبيره في تدميره، ومزِّقه كل ممزق يا قوي يا عزيز! اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، غير خزايا ولا مفتونين. اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك. اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقِّهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم ارحمنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه. اللهم آنسْ وحشتنا في القبور، وآمِن فزعنا يوم البعث والنشور. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 297

حسرات قسوة القلوب نسيان الآخرة عدم الاستعداد ليوم الرحيل هجر كتاب علام الغيوب هذه كلها مظاهر لما آل إليه حال الأمة الإسلامية. ومع ذلك تجد إهمالاً شديداً لركيزة الوعظ والتذكير كركيزة تربوية مؤثرة، وتجد من يقلل من أهميتها. وفي هذا الدرس المبارك تجد إحياء لهذه الوسيلة بالكلام عن مواقف الحسرات في يوم القيامة.

стр. 298

أهمية الوعظ والتذكير إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين؛ فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعينا عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. أما بعد: عباد الله: اعلموا أن المتأمل لحالنا -نحن المسلمين- اليوم، وحال زماننا وما ظهر فيه من الآفات والفتن، وما حصل فيه من انفتاح كبير على الدنيا وزخرفها حتى ظن أهلها أنهم قادرون عليها أو مخلدون فيها؛ ليشعر بالرهبة والإشفاق والخوف الشديد من مظاهر وعواقب هذه الحال؛ إذ قد قست منا القلوب، وتحجرت العيون، وهُجر كتاب علام الغيوب، بل قُرئ والقلوب لاهية ساهية في لُجَج الدنيا وأوديتها سابحة، كيف لا وقد زينا -غير متبعين- جدران بيوتنا بآيات القرآن، ثم لم نُزين حياتنا بالعمل بالقرآن، يقرؤه البعض منا -غير مقتدين- على الأموات، ثم لا يحكمونه في الأحياء، بل جعلت البركة في مجرد حمله وتلاوته، وتركت بركته الحقيقية المتمثلة في اتباعه وتحكيمه امتثالاً لقول الله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام:١٥٥] غفلنا ولم نشعر أننا غفلنا، وهذه -لعمر الله- أدهى وأَمَرُّ فينا؛ كثر القلق، وغلب الهم والحزن، وصَاحَبَ ذلك الأَرَق، مُكِر مكر شديد بالليل والنهار بأساليب ووسائل خبيثة ماكرة، تزين الفاحشة وتصدُّ عن الآخرة. فَشَتْ الفواحش والمظالم، ونيل من الأعراض، وأكلت الأموال، وظهرت صور صارخة من الحسد والبغضاء والفُرْقَة والخلاف حتى بين خبراء الفضل والإحسان، وعندها اسُتضعف المسلمون، وتبجح وتسلط الملحدون والمجرمون. قلنا ولم نفعل أمام عدونا وعلى أحبتنا نقول ونفعل قلَّ الاهتمام والعناية بركيزة الوعظ والتذكير كركيزة تربوية مؤثرة مفيدة، فصرت تسمع من يقلل من أهمية كتاب أو محاضرة أو درس يُرَكِّز على هذا الجانب، فيقال: هذا كتاب وعظي، ومحاضره وعظية، ومقال عاطفي، وكبرت من كلمة: إن صح أن الوعظ أصبح فضلة فالموت أرحم للنفوس وأنفع فلولا رياح الوعظ ما خاض زورق ولا عبرت بالمبحرين البواخر عندها عُطلت طاقاتنا الإيمانية. وكيف يعيش في البستان غرس إذا ما عُطلت عنه السواقي هبت رياح المعصية فأطفأت شموع الخشية من قلوبنا، وطال علينا الأمَدُ فَعَلا القلوب قسوة كما قست قلوب أهل الكتاب؛ فهي كالحجارة أو أشد قسوة. أسأنا فهم الدين الذي هو سر تميُّزنا وبقائنا، فشُغلنا بالشكل عن الجوهر، وبالقالب عن القلب، وبالمبنى عن المعنى، بذكريات مجيدة وتواريخ تليدة، نحتفل غالباً مبتدعين غير متبعين، وأحياناً نهتم بطبع الكتب الشرعية مفتخرين، ثم نتمرد على مضمونها هازئين. حالنا كالذي يقبِّل يد والده ولا يسمع نصحه، إنَّ هذا لَهُوَ البلاء المبين، وإنَّا لنخشى أن نصبح في زمرة من قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف:٥١] وأسوأ ما تمرُّ به أمة، وأتعس ما تمرُّ به أمة أن يصبح اللهو فيها ديناً، والدين فيها لَهْواً، ثم لا تسمع نصحاً. بُحَّ المنادي والمسامع تشتكي صَمَماً وأصبحت الضَّمَائِر تُشْتَرى تاهت سفائنها فما خاضت بها بحراً ولا هي في الشواطئ تظهر لهذا كله كان لابد من الوقوف على بعض مشاهد الحسرة في الأخرى، لعل النفوس تستيقظ وتخشع وتذل فتبادر إلى الحسنى، فما هناك من أمر هو أشدُّ دفعاً للنفوس إلى فعل الخير من أمر الآخرة، والوقوف بين يديْ من له الأولى والآخرة. فكل ضعف من أسبابه الغفلة عن الآخرة، وفي ذكر اليوم الآخر سعادة وطمأنينة، وسدٌّ منيع دون الهم والحزن وعدم السكينة، وعلام يحزن طالب الآخرة؟ أَعلى أمر حقير يفنى عما قريب؟! كلا. فالآخرة خير وأبقى. المؤمن باليوم الآخر لا تؤثر فيه المصائب؛ لأنه موقن أن المصائب إن لم تَزُل عنه زال عنها بالموت لا محالة، فلا تذهب نفسه على الدنيا حسرات. ذكر اليوم الآخر يطهر القلوب من الحسد والفرقة والاختلاف. ذكره يهدد الظَلَمَة ليرعووا، ويعزي المظلومين ليسكنوا؛ فكل سيأخذ حقه لا محالة، حتى يقاد للشاةِ الجلحاء من الشاة القرناء، فلا ظلم ولا هضم: والوزن بالقسط فلا ظلم ولا يؤخذ عبد بسوى ما عملا ذكر اليوم الآخر يمسح على قلوب المستضعفين والمضطهدين والمظلومين مسحة يقين تسكن معه قلوبهم، ثم تثبت شماء وهي تتطلع لما أعده الله للصابرين من نعيم يُنسى معه كل ضرٍّ وبلاء وسوء وعناء، وتتطلع لما أعده الله للظالمين من بؤسٍ يُنسى معه كل هناء.

стр. 299

مشاهد من يوم الحسرة فهيا معي -يا عباد الله- إلى مشاهد من الحسرة، أسأل الله ألا تكونوا من أهل الحسرة، علَّ ذلك تصلح به القلوب، وتتجه إلى علام الغيوب، وتنقاد الجوارح إلى العمل الصالح. إنه يوم الحسرة وما أدراك ما الحسرة، يوم أُنذر به وخُوِّف، وتُوعِّد به وهُدِّد، قال الله : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩] إنذار وإخبار في تخويف وترهيب بيوم الحسرة حين يُقْضَى الأمر، يوم يُجمع الأولون والآخرون في موقف واحد، يُسألون عن أعمالهم؛ فمن آمن واتبع سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً، ومن تمرَّد وعصى شقي شقاء لا يسعد بعده أبداً، وخسر نفسه وأهله، وتحسر وندم ندامة تتقطع منها القلوب، وتتصدع منها الأفئدة أسفاً. وأي حسرة أعظم من فوات رضا الله وجنته، واستحقاق سخطه وناره على وجه لا يمكن معه الرجوع ليستأنف العمل ولا سبيل له إلى تغيير حاله ولا أمل، وقد كان الحال في الدنيا أنهم في غفلة عن هذا الأمر العظيم، فلم يخطر بقلوبهم إلا على سبيل الغفلة حتى واجهوا مصيرهم، فَيَا لَلندم والحسرة! حيث لا ينفع ندم ولا حسرة. ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم:٣٩]: ﴿يوم يُجاء بالموت -كما في صحيح البخاري - كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة! هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم. هذا الموت. ثم يقال: يا أهل النار! هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم. هذا الموت. قال: فيؤمر به فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩]﴾. آهٍ من تأوهٍ حينئذ لا ينفع، ومن عيون صارت كالعيون مما تدمع. إنها حسرة بل حسرات! أنباء مهولات، ندامات وتأسفات ورد ذكرها في غير ما آية من الآيات، تصدر عن معرضين عن الآيات ولاهين ولاهيات عن يوم الحسرات، نذكر بعضاً منها في هذه الخطبة. من رسالة: قل هو نبأ عظيم بتصرف يسير، إنها تذكرة وعظات، علَّنا أن نحاسب أنفسنا ما دمنا في مهلة من أعمار وأوقات، وقبل أن نندم حيث لا ينفع ندم ولا حسرات.

стр. 300

من حسرات يوم الحسرة

стр. 301

الحسرة على أعمال صالحة شابتها الشوائب فمن هذه الحسرات -أجاركم الله من الحسرات-: الحسرة على أعمال صالحة شابتها الشوائب، وكدَّرتها مبطلات الأعمال من رياء وعُجْب ومِنَّة؛ فضاعت وصارت هباءً منثوراً في وقتٍ الإنسان فيه أشد ما يكون إلى حسنة واحدة: ﴿وَبَدا لَهُم مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر:٤٧ - ٤٨]. فكيف تقيك من برد خيامٌ إذا كانت ممزقة الرواق الفضل عند الله ليس بصورة الـ أعمال بل بحقائق الإيمان القصد وجه الله بالـ أقوال والطاعات والشكران فبذاك ينجو العبد من حسراته ويصير حقاً عابد الرحمن الحسرة على التفريط في طاعة الله، وتصرُّم العمر القصير في اللهث وراء الدنيا حلالها وحرامها، والاغترار بزيفها مع نسيان الآخرة وأهوالها: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦ - ٥٩] واضيعة العمر لا الماضي انتفعت به ولا حصلت على علم من الباقي بلى علمت وقد أيقنت وا أسفا أني لكل الذي قدمته لاقي

стр. 302

الحسرة على التفريط في النفس والأهل الحسرة على التفريط في النفس والأهل أن تقيهم من عذاب جهنم، يوم تفقدهم وتخسرهم مع نفسك بعد ما فُتنت بهم، ذلك هو الخزي والخسار، والحسرة والنار. حالك: بعضي على بعضي يجرد سيفه والسهم مني نحو صدري يُرسل النار توقد في خيام عشيرتي وأنا الذي ياللمصيبة أشعل ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الْذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥].

стр. 303

الحسرة على أعمال صالحة ذهبت في المظالم الحسرة على أعمال صالحة كان الأمل بعد الله عليها، ولكنها ذهبت في ذلك اليوم العصيب إلى من تعديت حدود الله فيهم؛ فظلمتهم في مال أو دم أو عِرْض، فكنت مفلساً حقاً: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ [طه:١١١] فيأخذ هذا من حسناتك، وهذا من حسناتك، وهذا من حسناتك، ثم تفنى الحسنات، فيطرح عليك من سيئات من ظلمتهم، ثم تُطْرح في النار، أجارك الله من سامعٍ من النار، وجنَّبك سخط الجبار بفعل ما يرضي الواحد القهار.

стр. 304

الحسرة على مجالسة أهل السوء حسرة جلساء أهل السوء يوم انساقوا معهم يقودونهم إلى الرذيلة، ويصدونهم عن الفضيلة، إنها لحسرة عظيمة، في يوم الحسرة يعبرون عنها بِعَضِّ الأيدي، يوم لا ينفع عضُّ الأيدي؛ كما قال ربي: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولا﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩].

стр. 305

حسرة الأتباع المقلدين لكل ناعق حسرة الأتباع المقلدين لكل ناعق، يوم يتبرأ منهم من تبعوه بالباطل، فلا ينفعهم ندم ولا حسرة: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ للهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٥ - ١٦٧]. حسرة الظالمين المفسدين في الأرض الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً حين يحملون أوزارهم وأوزار الذين يضلونهم بغير علم، وحين يسمعون عندها قول الله: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وهم بالآخرة كافرون﴾ [الأعراف:٤٤ - ٤٥]. ومن أعظم المشاهد المخزية حسرة في يوم القيامة يوم يكفر الظالمون بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضاً، محتجين ومتبرئين، فذاك قول الله: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم من الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً منَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لا تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٣٨ - ٣٩]. فيا حسرة الظَلَمَة وأعوانهم، يوم يعلمون فداحة جريمتهم في تنفيذ رغبات الظالمين، لكن حيث لا ينفعهم علم العالمين، وعندها لسادتهم يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً منَ النَّارِ﴾ ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ﴾ [غافر:٤٧]. فإذا بالسادة أذلة قد عنت وجوههم للحي القيوم، لا يملكون لأنفسهم شيئاً ولا يستطيعون. يقولون: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٨] إن لله غضبة لو وعاها من بغى ما غدا يمض اللسانا كم من ظالم يردد: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم من شَيْءٍ إِنهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:١٢ - ١٣]. فالعقلاء بمقولتهم لا يغترون، وإن فعلوا فإنهم يومئذٍ في العذاب والحسرة مشتركون. تصور معي -أخي- ذلك الجو من الحسرة والخزي والندامة المخيِمة على المستضعفين والمستكبرين. أتباع ضعفاء يتهمون زعماءهم بالحيلولة بينهم وبين الإيمان، ومستكبرون يقولون لأتباعهم: أنتم المجرمون، دعوناكم فكنتم مجيبين. لو رأيتهم إذ وقفوا عند ربهم من غير إرادة ولا اختيار -مذنبون ترهقهم ذلة في انتظار الجزاء- لرأيت أمراً مهولاً، يتراجعون، يرجع بعضهم إلى بعض القول، يلوم بعضهم بعضاً، ويؤنِّب بعضهم بعضاً، ويُلقي بعضهم تبعة ما هم فيه على بعض. يقول أتباع الضلال الذين استُضعفوا؛ لقادة الضلال الذين استكبروا: ﴿لَوْلاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٣١] يقولونها جاهرين بها، صادعين في وقت لم يكونوا في الدنيا بقادرين على هذه المواجهة؛ كان يمنعهم الذُّل والضعف والاستسلام وبيع الحرية التي وهبها الله لهم، والكرامة التي منحهم الله إياها، أما اليوم -يوم الحسرة٠ - فقد سقطت القيم الزائفة، وواجهوا العذاب، فهم يقولونها غير خائفين: ﴿لَوْلاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٣١]، حُلْتُم بيننا وبين الإيمان، زيَّنتم لنا الكفران فتبعناكم فأنتم المجرمون، وبالعذاب أنتم جديرون، وله مستحقون، ويضيق الذين استكبروا بهم ذرعاً، إذ هم في البلاء سواء، ويريد هؤلاء الضعفاء أن يحملوهم تبعة الإغواء الذي صار بهم إلى هذا البلاء، عندئذٍ يردون عليهم ويجيبونهم في ذلة مصحوبة بفظاظة وفحشاء: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ [سبأ:٣٢] الله أكبر! كانوا في الدنيا لا يقيمون لهم وزناً، ولا يأخذون منهم رأياً، ولا يعتبرون لهم وجوداً، ولا يقبلون منهم مخالفة بل حتى مناقشة، أما اليوم -يوم الحسرة- فهم يسألونهم في استنكار الأذلاء: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ﴾ [سبأ:٣٢] زيَّنا لكم الإجرام؟ نعم، لكننا لم نقهركم عليه، فما لكم علينا من سلطان. أما إنه لو كان الأمر في الدنيا لقبع المستضعفون لا ينبسون ببنت شفة، لكنهم في الآخرة حيث سقطت الهالات الكاذبة، والقيم الزائفة، وتفتحت العيون المغلقة، وظهرت الحقائق المستورة، فلم يسكت المستضعفون ولا هم يخنعون، بل يجابهون من كان لهم يذلون، فيقولون: ﴿بَلْ مَكْرُ الْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً﴾ [سبأ:٣٣]. مكركم لم يفتر ليلاً ولا نهاراً للصد عن الهدى، تزينون لنا الضلال، وتدعوننا إلى الفساد وتقولون: إنه الحق، ثم تقدحون في الحق، وتزعمون أنه باطل، فما زال مكركم بنا حتى أغويتمونا وفتنتمونا. ويا عباد الله! إن صور المكر تتنوع وتختلف من عصر لآخر، ففي وقت نزول القرآن كانت تتخذ أشكالاً من الأشعار في المنتديات الجاهلية، تُوَجَّه فيها التهم الباطلة لرسول الله ﷺ ومن معه، أو بصد الراغبين عن سماع الحق وتفويته عليهم، أو بإثارة نعرة الآباء والأجداد والتهويل من خطر تركها. هذا جلُّ ما عند الجاهلية الأولى من مكر الليل والنهار، ووالله! إنه لعظيم، لكن ماذا يساوي ذلك المكر الأول عند مكر الليل والنهار في زماننا الحاضر في أكثر ديار المسلمين اليوم، والذي ينطبق تماماً -بلفظه ومعناه- على المكر الموجود الآن الذي يعمل على مدى الأربع وعشرين ساعة؟! فما يكاد المذياع يفتر من مكره حتى يأتي دور التلفاز، وما يكاد التلفاز يفتر حتى يأتي دور الفيديو، ثم يأتي دور البث المباشر، ثم المجلة الهابطة، فالقصة الخليعة، وهكذا دواليك دواليك، مَكْرُ بالْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ. هل يُعذر المسلم في فتح فكره وبيته لمكر الليل والنهار؟ كلا والله لا يعذر؛ لأن المفسدين المتسلطين لن يعذروه بين يديْ الله يوم القيامة بقولهم: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ﴾ [سبأ:٣٢] ويرد هؤلاء المستضعفون: ﴿بَلْ مَكْرُ الْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ:٣٣]، ثم يدرك الجميع أن هذا الحوار البائس لا ينفع هؤلاء ولا هؤلاء إلا براءة بعضهم من بعض. علم كل منهم أنه ظالم لنفسه، مستحق للعذاب، فندم حين لا ينفع الندم، وتمني أن لو كان على الحق والإيمان والهدى سراً: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الَعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأغْلاَلَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ:٣٣]. قطاة غرَّها شَرَك فباتت تجاذبه وقد علق الجناح فلا في الليل نالت ما تمنت ولا في الصبح كان لها براح قُضِيَ الأمر، وانتهى الجدل، وسكت الحوار، وهنا يأتي حادي الغواء، وهاتف الغواية يخطب خطبته الشيطانية القاصمة، يصبها على أوليائه: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢]-طعنة أليمة نافذة لا يملكون أن يردوها عليه وقد قُضى الأمر وفات الأوان- ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم من سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢] ثم يؤنبهم على أن أطاعوه ﴿فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢] نفض يده منهم، وهو الذي وعدهم ومنَّاهم ووسوس لهم، وأما الساعة فلن يلبيهم إن صرخوا، ولن ينجدوه إن صرخ، ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢٢] فيا للحسرة والندم. الحسرة على أعمال محدثة وعبادات لم يأذن الله بها ولم يُتَّبع فيها رسول الله ﷺ ويحسب أهلها أنهم يحسنون صنعاً، لكنها تضيع في وقت الحاجة الماسة إليها، فهم الأخسرون أعمالاً، وساءوا أحوالاً، أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، أو كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، ووجد الله عنده فوفَّاه حسابه. يا أيها اللاهي الذي افترش الهوى وبكل معنىً للضلال تدثَّرَ إن كنت ذا عقل ففكر بُرهة ما خاب ذو عقل إذا ما فكَّرَ

стр. 306

الحسرة على أموال جمعت من وجوه الحرام الحسرة على أموال جمعت من وجوه الحرام؛ ربا ورشوة وغش وغصب وسرقة واحتيال وغيرها. فيا لله! أي حسرة أكبر على امرئ من أن يؤتيه الله مالاً في الدنيا فيعمل فيه بمعصية الله، فيرثه غيره فيعمل فيه بطاعة الله، فيكون وزره عليه وأجره لغيره؟! أي حسرة أكبر على امرئ أن يرى عبداً كان الله ملَّكه إياه في الدنيا، يرى في نفسه أنه خير من هذا العبد، فإذا هذا العبد أفضل منه عند الله يوم القيامة؟! أي حسرة أكبر على امرئ أن يرى عبداً مكفوف البصر في الدنيا قد فتح الله له عن بصره يوم القيامة، وقد عَمِيَ هو؟! إنَّ تلك الحسرة لعظيمة عظيمة! أي حسرة أكبر على امرئ علَّم علماً، ثم ضيعه ولم يعمل به فشقي به، وعمل به من تعلَّمه منه فنجيَ به؟! أي حسرة أعظم من حسرات المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. يوم تُبلى السرائر، وينكشف المخفي في الضمائر، ويعرضون لا يخفى على الله منهم خافية، ثم يكون المأوى، الدرك الأسفل من النار، ثم لا يجدون لهم نصيراً. أما الحسرة الكبرى فهي عندما يرى أهل النار أهل الجنة وقد فازوا برضوان الله والنعيم المقيم، وهم يقولون: ﴿قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٤]. وحسرة أعظم حين ينادي أهلُ النار أهلَ الجنة: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِما رَزَقَكُمْ اللهُ قَالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠]. وحسرة أَجَلُّ حين ينادي أهل النار مالكاً: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنكُم ماكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٧ - ٧٨]. ومنتهى الحسرة وقصاراها حين ينادون ربهم وتبارك وتقدس: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧] فيجيبهم بعد مدة: ﴿اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] فلا تسل لا ينبسون ببنت شفة، وإنما هو الشهيق والزفير. طال الزفير فلم يرحم تضرعهم هيهات لا رقَّة تغني ولا جزع فيا حسرة المقصرين! ويا خجلة العاصين! لذَّات تمر، وتَبِعات تبقى، تريدون نيل الشهوات والحصول في الآخرة على الدرجات! جمع الاضداد غير ممكن يا تُرَى. هواك نجد وهواه الشام وذا وذا يا خيُّ لا يلتام فدع الذي يفنى لما هو باقِ، واحذر زلل قدمك، وخفْ فلول ندمك، واغتنم شبابك قبل هِرَمِك، واقبل نصحي ولا تخاطر بدمك، ثم تتحسر حين لا ينفع ندمك. إذا ما نهاك امرؤ ناصح عن الفاحشات انزجر وانتهي إن دنياً يا أخي من بعدها ظلمة القبر وصوت النائح لا تساوي حبة من خردل أو تساوي ريشة من جانح لا تسل عن قيمة الربح وسل عن أساليب الفريق الرابح جعلنا الله وإياكم من الرابحين السعداء، يوم يخسر المبطلون الأشقياء، ويتحسر المتحسرون التُّعساء، إن ربي وليُّ النعماء، وكاشف الضُّر والبلاء. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 307

هل آن الأوان للتوبة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأصلي وأسلم على محمد الأمين، وعلى آله وصحبه والتَّابعين. أما بعد: عباد الله: وبعد هذا البيان من كتاب الرحمن عن صور الخزي والحسرة والخسران، هل آنَ لنا أن نُعِدَّ لهذا الموقف العظيم عُدَّته، ونعمل جاهدين على الخلاص من صفات أهل هذه المواقف المخزية. آنَ لنا أن نخلص العبادة لله وحده، ونجرد المتابعة لرسول الله ﷺ . آن لنا أن نحذر من كل ناعق ملبِّسٍ خائن، يمكر في الليل والنهار قبل أن تقول نفس: يا حسرتاه، ولات حين مَنَاص. آن الأوان للضَّعَفَة الأتباع أن يتبرءوا من متبوعيهم الظالمين المفسدين، فلا يكونوا أداة لهم في ظلم في دماء أو أموال أو أعراض؛ طمعاً في جَاهٍ أو حطام. آنَ الأوان للإنابة والبراءة من الظالمين قبل أن يتبرءوا من تابعيهم بين يديْ الله، يوم ينقلبون عليهم فيلعن بعضهم بعضاً حيث لا ينفع لعن ولا ندم. آن الأوان للمرأة المسكينة في زماننا اليوم أن تتنبه لهذه المواقف، فتتبرأ في دنياها اليوم من كل ناعق لها باسم الحرية والتَّمدُّن ومتابعة الأزياء والموضات، حتى لا تحقّ عليها الحسرة الكبرى عندما يتبرأ منها شياطين الإنس والجن الذين أضلوها، ثم لا يغنوا عنها من عذاب الله من شيء إلا الخصام والتلاعن المذكور في كتاب الله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ [الأحزاب:٦٧ - ٦٨]. آن الأوان لأتْبَاع الطوائف الضالة المبتدعة أن يفيقوا ويدركوا خطر هذه المتابعة، التي ستنقلب حسرة كبرى وعداوة ولعنة بينهم وبين متبوعيهم يوم القيامة: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم من ناصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٢٥]. آن الأوان لمن أعطوا قيادهم لجلساء السوء والمفسدين في الأرض ومن هم دعاة على أبواب جهنم يسوقونهم إلى الرذيلة، ويفتحون قلوبهم للمكر والألاعيب والصَّد عن الفضيلة. آن لهم أن ينتهوا ويقطعوا صلتهم بهم، وطاعتهم لهم ما داموا في زمن من مهلة وإمكان، وإن لم يقطعوها في الدنيا فهي لا شك منقطعة يوم القيامة، وستنقلب عداوة وخصاماً وحسرة: ﴿الأخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]. آن الأوان للمجاهرين عموماً بالمعاصي، والمجاهرين خصوصا برفع أطباق القنوات فوق البيوتات غير معظمين لشعائر الله والحرمات، مَن أشرعوا بيوتهم للضلال والمكر واللهو والعفن والتُّراهات بحجة الأخبار والمباريات. يستقبل الأفكار في عُلَب الهوى والشر فيها لوَّع المستقبلُ عُلَب يغلِّفها العدو وخَتْمُه فيها الصليب ونجمة والمنجلُ آن لهم أن يعلنوها توبة عاجلة نصوحاً قبل الممات، وقبل يوم الحسرات بلا مبررات واهيات، فالحقائق ساطعات غير مستورات وإن تَعَامَتْها نفوس أهل الشهوات. قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم وكل أمة محمد ﷺ كما أخبر معافى إلا المجاهرين، وما من راعٍ يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لهم، إلا حرم الله عليه الجنة، وكلكم راع ومسئول، وما كل راعٍ براع. ما كل ذي لُبَدٍ بلَيْثٍ كاسر وإن ارتدى ثوب الأسود وزمجرا يستخدم الشيطان كل وسيلة لكنَّه يبقى الأذل الأصغرا ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء:٢٧]. آن الأوان لمضيع وقته أمام ما تبثُّه هذه القنوات من محرمات أن يتوب ويئوب. آن الأوان لمن عَقْله في أذنيه، ولُبّه في عينيه، من أَثَّر البهتان فيه، وانطلى الزور عليه، أن يتوب قبل أن يقف أمام الله، فتشهد الأعضاء والجوارح، وتبدو السوءات والفضائح، فيُخْتم على فمه، وتتكلم يده، ويشهد سمعه وبصره وجلده بما كان يكسب، ثم لا تكون إلا الحسرات، فما تغنِ الحسرات ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مما تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم منَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:٢٢ - ٢٤]. يا ابن سبعين وعشر وثمان كاملات غرضاً للموت مشغولاً ببث القنوات وَيْكَ لا تعلم ما تُلقى به بعد الممات من صغارٍ موبقات وكبارٍ مهلكات يا بن من قد مات من آبائه والأمهات هل ترى من خالد من بين أهل الشهوات إن من يبتاع بالدين خسيس الشهوات لغبي الرأي محفوف بطول الحسرات عباد الله: في يوم القيامة يبحث كل إنسان عن أي وسيلة مهما كانت ضعيفة واهية لعلها تصلح لنجاته من غضب الله، ولذلك تكثر المناقشات والمحاورات بين الأباء والأبناء والأزواج والزوجات، والكبار المتسلطين والصغار التابعين، بين الأغنياء الجبَّارين والفقراء المنافقين، كل يحاول إلقاء التَّبعة على غيره، لكن حيث لا تنفع المحاورات، ولا الخصومات، ولا التَّنصُّل من التَّبِعات، ثم لا يكون إلا الحسرات. إلى الله يا قومي فما خاب راجع إلى ربه يوماً وما خاب صابر اللهم آنس وحشتنا في القبور، اللهم آنس وحشتنا في القبور، اللهم آمن فزعنا يوم البعث والنشور، اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يُسْمع. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك المجاهدين، واجعل هذا البلد آمنا مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم كن للمستضعفين والمظلومين والمضطهدين. اللهم فرِّج همَّهم، ونفِّس كربهم، وارفع درجتهم، واخلفهم في أهلهم، اللهم أَزِلْ عنهم العناء واكشف عنهم الضُّر والبلاء، اللهم أنزل عليهم من الصبر أضعاف ما نزل بهم من البلاء يا سميع الدعاء. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 308

صدقوا ما عاهدوا رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، أحبوا الله وأحبوا رسوله ﷺ ، ولهم دلالات على تلك المحبة، منها: اتباعهم لأمر الله ورسوله، وتضحيتهم بالغالي والنفيس في سبيل الله. فهذا صهيب يبذل ماله كله، وحبيب يقدم نفسه قرباناً لله، وثابت بن قيس يجاهد لينال الشهادة، وأبو بكر يجاهد المرتدين ليحافظ على دين الله، والمواقف تتكرر لرجال صدقوا ما عاهدوا الله. فهذه مواقف لرجال صدقوا بفعلهم، أما نحن فقد قلنا ولم نصدق. وهناك دروس مستفادة من الجولة في سيرة هؤلاء الأبرار لعلنا أن نلحق بهم.

стр. 309

الحث على دوام ذكر الله الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. ولا إله إلا الله، إله الأولين والآخرين، وقيُّوم السماوات والأرضين، ومالك يوم الدين، الذي لا فوز إلا في طاعته، ولا عِزَّ إلا في التذلل لعظمته، ولا غنى إلا في الافتقار لرحمته. لا هدى إلا في الاستهداء بنوره، ولا حياة إلا في رضاه، ولا نعيم إلا في قُرْبِه، ولا صلاح ولا فلاح إلا في الإخلاص له وتوحيد حبه. إذا أطيع شَكَر، وإذا عُصِيَ تاب وغَفَر، وإذا دُعِي أجاب، وإذا عوُمِل أثاب. لا إله إلا هو سبحانه وبحمده! لا يُحصي عدد نعمته العادُّون، ولا يؤدِّي حق شكره الحامدون، ولا يَبلُغ مدى عظمته الواصفون: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٧]. اللهم لك الحمد مِلء السماوات والأرض؛ فكل الحمد لك. اللهم لك الشكر على نعم لا نحصيها؛ فكل الشكر لك. اللهم لك المتوبة والتذلل والخضوع فلا معبود غيرك. الحمد لله شَهِدت له بالربوبية جميع مخلوقاته، وأقرت له بالألوهية جميع مصنوعاته، سبحانه وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته. ولا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته كما أنه لا شريك له في ربوبيته، ولا شبيه له في ذاته ولا أفعاله ولا صفاته. سبحانه سبحت له السماوات وأملاكها، والنجوم وأفلاكها، والأرض وسكانها، والبحار وحيتانها، والنجوم والجبال والشجر والدواب والآكام والرمال، وكل رطب ويابس، وكل حي وميت: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء:٤٤]. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة قامت بها الأرض والسماوات، وخلقت لأجلها جميع المخلوقات، وبها أرسل الله تعالى رسله، وأنزل كتبه، وشرَّع شرائعه؛ لأجلها نُصِبت الموازين، ووضعت الدواوين، وقام سوق الجنة والنار، وانقسم الخلائق إلى مؤمنين وكفار، وأبرار وفجَّار، عنها وعن حقوقها يكون السؤال والجواب، وعليها يقع الثواب والعقاب، عليها نصبت القِبْلة، وعليها أسِّست الملة، ولأجلها جردت سيوف الجهاد، وهي حق الله على جميع العباد. إنها كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، لن تزول قدما عبد بين يدي الله حتى يسأل: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فلا إله إلا الله، شهادة حق وصدق أتولى بها الله ورسوله والذين آمنوا، وأتبرأ بها من الطواغيت والأنداد المعبودين ظلماً وزوراً من دون الله. وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، أشرف من وطئ الحصى بنعله، أرسله الله رحمة للعالمين، وإماماً للمتقين، وحجَّة على الخلائق أجمعين. بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمَّة، وجاهد في الله حق الجهاد، وقمع أهل الزيغ والفساد، فتح الله به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً. صلوات الله وسلامه عليه، وعلى أهل بيته الطيبين، وأصحابه المنتخبين، وخلفائه الراشدين، وأزواجه الطاهرات؛ أمهات المؤمنين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أحبتي في الله: أسعد اللحظات في حياة العبد يوم يطرق مسامعه ذكر الله، يوم يطمئن قلبه بقول الله، وقول رسول الله صلى وسلم عليه الله: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. إن من نعمة الله علينا تهيئة مثل هذا المخيم لنجتمع فيه على الخير والبر والذكر والتناصح. فأسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يجزيَ القائمين والمساهمين عليه وفيه أفضل ما يجزي عباده الصالحين، وأن يرزقنا شكر نعمته، وقد تأذن لمن شكر بالمزيد، وحيا الله هذه الوجوه، حيا الله وجوهاً أقبلت على الله فجعلت حياتها كلها لله. وهنيئاً لها من قلوب تَأَرِز إلى ذكر الله، فتسكن وتسعد بإذن الله. هنيئاً لأسماع امتلأت بذكر الله، فتلذذت بقول الله وقول رسول الله ﷺ . هنيئاً لأبصار تنعَّمَت بمجالسة من يذكر الله. هنيئاً لها من أقدام جعلت خطاها إلى ذكر الله. هنيئاً لكم يوم يرجى لكم أن تنصرفوا مغفوراً لكم، قد بُدِّلت سيئاتكم حسنات بإذن ربكم. هنيئاً لكم تُذكرون في ملأ خير من ملئكم، ملائكةٌ تحفُّ، ورحمة تغشى، وسكينة تتنزل. فيا حسرة وندامة وخزي من لم تنعم عينه وجوارحه بذكر الله! لَوْ يَعلَمُ العَبدُ مَا فِي الذِّكْرِ مِنْ شَرَفٍ أمْضَى الحياةَ بتسبيحٍ وتَهْليلِ لَوْ يَعْلمُ النَّاسُ مَا في الشُّكْرِ مِنْ شَرَفٍ لَمْ يُلْهِهِم عَنْهُ تَجْمِيعُ الدَّنانيرِ ولم يُبالُوا بأوراقٍ ولا ذهبٍ ولَو تجَمَّع آلافُ القناطيرِ فأكْثِرْ ذِكرهُ في الأرضِ دأباً لتُذْكَرَ في السَّماءِ إذا ذَكَرتا ونادِ إذا سَجدتَ لَهُ اعْترافاً بما ناداهُ ذو النون بنُ متَّى وسَلْ منْ رَبِّك التوفِيقَ فيها وأخلصْ في السُّؤال إذا سَألتا ولازم بابه قرعاً عساهُ سيُفتحُ بابه لك إن قَرعتا ونفسَك ذُمَّ لا تَذْمُمْ سِواها بعيبٍ فهْيَ أجدرُ منْ ذممْتا فلو بكت الدما عيناك خوفاً لذنبكَ لَمْ أقُلْ لَكَ قَدْ أَمِنْتا وَمَنْ لَكَ بالأمانِ وأنتَ عبدٌ أُمِرْتَ فَمَا ائْتُمِرْتَ ولا أََطَعْتا ثَقُلتَ منَ الذُّنوبِ ولستَ تَخْشَى بجهلِكَ أن تَخِفَّ إذا وُزِنْتا فلا تضحكْ مع السفهاءِ لهواً فإنك سوفَ تَبْكِي إنْ ضَحِكْتا ولا تَقُلِ الصِّبَا فيه مَجَالٌ وفكِّر كَمْ صَبِيٍّ قَدْ دَفَنْتا تَفتُّ فؤادَك الأيامُ فتّا وتَنْحِتُ جِسمكَ السَّاعاتُ نَحْتا وتدعوكَ المنونُ دعاءَ صدقٍ ألا يا صَاحِ أنتَ أُرِيدُ أنتا أحبتي في الله: أوصيكم جميعاً ونفسي بتقوى الله، وأن نقدِّم لأنفسنا أعمالاً تبيض وجوهنا يوم نلقى الله: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ [النساء:٤٢]. يقول أبو الدرداء ﵁ وأرضاه: [[ما تصدق متصدق بأفضل من موعظة يعظ بها الرجل قوماً، فيقومون وقد نفعهم الله بها]]. ﴿والكلمة الطيبة صدقة﴾ كما أخبر بذلك المصطفى ﷺ . وللكلمة الطيبة ملامح، أرجو الله أن تتوفر في هذه الكلمة تلك الملامح؛ لتتغلغل إلى الجوانح، فتظهر على الجوارح. فالكلمة الطيبة مِعْطَاءٌ جميلة رقيقة لا تؤذي المشاعر، ولا تخدش النفوس. جميلة اللفظ، جميلة المعنى، رقيقة المبنى، رقيقة المعنى، يشتاق لها السامع فيطرب ويخشى ويسعى. طيبة الثمر، نتاجها مفيد، غايتها بنَّاءة، منفعتها واضحة، أصلها ثابت مستمد من النبع الصافي؛ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وتمتد شامخة بفرعها إلى السماء؛ لأنها نقية، وصادرة -بإذن الله- عن صدق نية، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، يسمعها السامع فينتفع بها، وينقلها لغيره فينتفع، حتى إنه لينتفع بها الفئام من الناس، ويمتد النفع إلى ما شاء الله، وصاحبها لا يعلم مداها؛ فتبقى ذخراً له بعد الممات، ورصيداً له في الحياة. كلمة من رضوان الله يكتب الله بها الرضوان للعبد إلى أن يلقى الله. أسأل الله أن يجعل هذه الكلمات من الباقيات الصالحات، وأن ينفعني بها ومن رام الانتفاع بها من إخواني، وأن يجعلها من الأعمال التي لا ينقطع عني نفعها بعد أن أدرج في أكفاني، وأن يجعلها للجميع ذخراً في يوم الحسرات على ضياع الأوقات في غير الطاعات، يوم يوقف العبد بشحمه ولحمه ودمه وعصبه وشعره وأظفاره يعرض على الله، لا يخفى منه خافٍ، الجسد مكشوف، والضمير مكشوف، والقلب مكشوف، والصحيفة مكشوفة، والتاريخ مكشوف: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]. أما بعد:

стр. 310

قدوتنا جيل رباه النبي ﷺ أيها المؤمنون: إن لكل مجتمع رموزاً وقادة يمثلون قِيَمَهُ، ويوجهون الأمة، ويُقَوون الهِمَّة؛ ليصعدوا بالناس إلى القمة. ورموز المجتمع الإسلامي هم صحابة رسول الله ﷺ ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وأفضلهم أهل السابقة؛ مَنْ محَّصتهم الفتنُ، ونقَّتهم المحن، من امتُحنوا بالنفس والنفيس، فاسترخَصُوا كل شئ من أجل رفع راية التوحيد؛ ﵃، ورحمهم، وأخرج في الأمة من أمثالهم. إن المتملي والمتأمل لواقع أمتنا اليوم يجدها تكاد تفتقر إلى القدوات، وينقصها المثال؛ ولذلك فتحت باب استيراد القدوات من خارج الحدود، فتنَكرتْ لتاريخِها، وتَعَاظَمَ سُخْفُهَا وجهلها بسلفها وقدواتها، وتناقص عنصر الخير فيها بمرور الأيام، وخفتت قوةُ الضوء فيها؛ لأنها ابتعدت عن مصدر الضوء، وعن مركز الإشعاع فيها. إذا تمَثلَ ماضِينا لحَاضِرنا تكادُ أكبادُنا بالغَيْظِ تنفَطِرُ ولذا كان لابد للأمة أن ترجع لتاريخها، لا للتسلية، ولا لقتل الفراغ، ولا لاجترار الماضي، ولا للافتخار بالآباء فحسب، بل لنتعظ ونعتبر ونتشبه، ونعرف ذلك الجدول الفياض الذي نَهَل منه أسلافنا؛ لنعُبَّ منه كما عبُّوا، لنعلم ماذا فعلوا، لنقتدي بهم فيما فعلوا، لنعلم كيف وصلوا، لنصل كما وصلوا. ما أحوجنا إلى أن نترسَّم خطاهم، ونتلمَّس العزَّة في طريقهم، ونسير على هداهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠]. غابت شخوصهم، فلنسمع ولْنَعِ أخبارهم؛ فلعل ذاك يقوم مقام رؤيتهم على حد قول القائل: فاتَنِي أَنْ أَرَى الديارَ بطَرْفي فَلَعَلِّي أَعِي الدِّيَارَ بسَمْعِي لهذا كله كانت هذه الكلمات التي عنونتها بهذا العنوان: صدقوا ما عاهدوا؛ لتحكي لكم حياة جيل لا كالأجيال، وأبطال لا كالأبطال، ورجال لا كالرجال. رجال جاءتهم دعوة الحق فما ترددوا، وما كَبَوا، وما تلكئوا، وآمنوا بها وصدقتها قلوبهم، واستيقنتها أنفسهم، فما كان قولهم يوم أن دُعوا إلى الله ورسوله إلا أن قالوا: سمعنا وأطعنا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران:١٩٣]. وضعوا أيديهم في يدي رسول الله ﷺ ، وهان عليهم بعد ذلك أبناؤهم ونفوسهم وأموالهم وعشيرتهم؛ إذ علموا أن طريق الجنة صعب، محفوف بالمكاره، لكن آخره السعادة الدائمة فسلكوه، وعلموا أن طريق النار سهل محفوف بالشهوات لكن آخره الشقاوة الدائمة فاجتنبوه. رجال وأي رجال: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧] في السِّلم هداة مصلحون، عالمون عاملون، وفي الحرب مؤمنون محتسبون، مجاهدون ثابتون، عبَّاد ليل، وأُسْدِ نهار، حملوا السلاح في الميدان، وعلقوا القلوب وملئوها بالقرآن، قاوموا الشهوات، وقاوموا أهل العداوات، سيَّان الشيوخ منهم والشباب والشابات. القارئونَ كِتَابَ اللهِ فِي رَهِبٍ والواردونَ حِيَاضَ المَوْتِ فِي رَغبٍ منحوا الحياة جمالاً، ومعنى ومغزى في جميل مبنى: كيفَ الحياةُ إذا خلَتْ منهم ظواهر أو بطاح أين الأعزةُ والأَسِنَّةُ عند ذلكَ والسَّماحُ وقفة أقفها معكم إزاء هذه الصفوة المختارة ممن صدقوا ما عاهدوا، ما هي إلا قطوف من أشجار، وقطرات من بحار، ورحلة في أكثر من أربعة عشر قرناً في بساتين الصادقين اليانعة؛ للوقوف على ثمار مجتناه، وزهور منتقاه، وإني لأستغفر الله، ثم أستغفر الله، ثم أستغفر الله من وصف حال أولئك مع ضعف الاتصاف مني بصفاتهم، بل -والله- ما شممنا رائحتهم، ولكنها محبة القوم تحملنا على التعرف على منزلتهم، وقراءة سيرهم، وإن لم نلحق، فعسى همَّة منا أن تنهض إلى التشبث بساقة القوم ولو من بعيد: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١] ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً.

стр. 311

مواقف من تربية النبي ﷺ صدقوا ما عاهدوا من خلال تربية المصطفى ﷺ ، صار كل صحابي أمَّة وحده، فما من صحابي إلا وله سمة معينة، وموقف خاص، منهم من أشار واقترح، ومنهم من أوضح وشرح، ومنهم من أضاف واستدرك، وكل ذلك فيما يخدم الدعوة إلى الله جل وعلا. فـ سلمان يستفيد من خلفيَّته الحضارية الفارسية المادية ليخدم هذا الدين؛ فيقترح يوم تحزّب الأحزاب على رسول الله ﷺ حفر الخندق، وأَنْعِمْ به من اقتراح. والخباب يقترح الوقوف في غزوة بدر على الماء، فيشرب المسلمون ويحرم المشركون. ويوم يُعاد أبو جندل وهو يستنجد بالمسلمين ويقول: يا معشر المسلمين! أتردوني إلى أهل الشرك فيفتنوني عن ديني، ورسول الله ﷺ يسليه ويعزيه ويقول: ﴿اصبر واحتسب؛ فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً﴾. وإذا بـ عمر -وما عمر؟! عجزت نساء الأرض أن ينجبن مثلك يا عمر - ينفعل مع الموقف، ويمشي بجوار أبي جندل ويقرب سيفه من أبي جندل؛ طمعاً في أن يستله ليقتل أباه دون مؤاخذة على بنود صلح الحديبية، لكن أبا جندل لم يفعل؛ فأعيد. وانظر إلى الصديق، وما الصديق؟! يوم يتولى الخلافة، فترتد بعض قبائل العرب بموت رسول الله ﷺ حتى لم تكن الجمعة تقام إلا في بعض الأمصار؛ كـ مكة والمدينة، فيقوم لله قومة صادق مخلص؛ ليؤدب المرتدين، وينفذ جيش أسامة، وفي أقل من سنتين إذا بجيوشه ترابط على أبواب أعظم إمبراطوريتين في ذلك الوقت؛ ألا وهي فارس والروم، شعاره: [[ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي]]. شعاره شعار رسول الله ﷺ يوم يقول: ﴿لأقاتلنكم حتى تنفرد سالفتي﴾. وأبو بصير، ما أبو بصير؟! يخطط لحرب عصابات بعيدة عن بنود صلح الحديبية، إذ جاء مسلماً فارّاً بدينه من قريش إلى المدينة بعد صلح الحديبية، وبعد توقيع المعاهدة. فأرسلت قريش في طلبه رجلين، فسلمه رسول الله ﷺ -وفاءً بالعهد- إليهم، وفي الطريق تمكَّن أبو بصير بشجاعته وحكمته وذكائه من قتل أحد الرجلين، ويفر الثاني، ويرجع هو إلى النبي ﷺ ويقول: ﴿قد -والله- أوفى الله ذمتك يا رسول الله! فلقد رددتني إليهم، ثم نجاني الله منهم، فقال النبي ﷺ -كما في البخاري - ﴿ويل أمِّه؛ مسعر حرب لو كان معه أحد﴾. فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده عليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، واستقر به المقام هناك، وفهم المستضعفون من عبارة الرسول ﷺ -وكانوا أذكياء- أن أبا بصير في حاجة إلى الرجال، فأخذوا يفرون من مكة إلى أبي بصير، وكان على رأسهم أبو جندل، جاء الفرج والمخرج كما أخبر بذلك النبي ﷺ . اجتمع منهم عصابة يتعرضون لقوافل قريش، فيقتلون حراسها، ويأخذون أموالها، وتضطر عندها قريش مرغمة ذليلة راكعة أن ترسل إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم أن يرسل إلى أبي بصير ومن معه؛ فمن أتاه فهو آمن. تنازلت عن هذا الشرط تحت ضغط العصابة المؤمنة كـ أبي بصير وأبي جندل، فأرسل النبي ﷺ إليهم وأبو بصير في مرض الموت، فمات وكتاب رسول الله ﷺ بين يديه، وقدم أصحابه على رسول الله ﷺ آمنين سالمين غانمين قد جعلوا من أنفسهم أنموذجاً يُقتدى به في الثبات، والإخلاص، والعزيمة، والجهاد، وتمريغ أنوف المشركين، والذكاء، وبذل الجهد في نصرة هذا الدين، حتى قرروا مبدأ من المبادئ؛ ألا وهو: (قد يسع الفرد مالا يسع الجماعة). كل ذلك في حكمة، وأي حكمة! إذ كان ذلك بإشارة من النبي ﷺ ، وتشجيع من النبي ﷺ يوم وصف أبا بصير بأنه مسعر حرب لو كان معه رجال، ثم إن أبا بصير خارج عن السلطة، ولو في ظاهر الحال، فلا مؤاخذة على بنود المعاهدة: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦٩]. وهذا خالد بن الوليد يستلم الراية يوم مؤتة -يوم سقط القوَّاد الثلاثة- بلا تأمير فرضي الله عن الجميع. وفي القادسية تنفر خيل المسلمين من الفِيَلة، فيعمد صحابي ليصنع فيلاً من طين، ويؤنس ويؤلف فرسه به حتى يألفه، فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيلة، فحمل على الفيل الذي كان يقدم الفيلة، فقيل له: إنه قاتلك، قال: لا ضير أن أقتل ويفتح الله على المسلمين. ما كانوا يعيشون لأنفسهم، لكن يعيشون لدينهم، ويعيشون لعقيدتهم. وهذا عبد الرحمن بن عوف يصفق بالأسواق حتى لا يكون عالة على غيره: مَضَوْا في الدُّنَا شرقاً فأسلمَ فُرسُها وسَاروا بِها غَرباً فسلَمَ رُومُها زيد يجمع القرآن، وابن عمرو يدوِّن الحديث، وابن عباس يخرج إلى الأسواق ليسلم على الناس، ويذكرهم برب الناس. ويتحاور ويتناقش سلمان وأبو الدرداء حول قيام الليل، وحقوق العيال. تسابق إلى الخيرات، عزيمة في الأداء، إيجابية في العمل دون النظر لما يقوله الآخرون، أو حب لشهرة يراها المسلمون.

стр. 312

عوامل صدق الصحابة مع الله علموا أن الإيجابية إعذار إلى الله من التقصير، فأدوا واجبهم قدر الإمكان، ولم ينتظروا النتائج، على مبدأ: فعلي بِذرُ الحبِّ لا قَطْفُ الجَنَى واللهُ للساعين خيرُ مُعينِ علموا أن التكليف فردي، وكل سيحاسب يوم القيامة فرداً: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١] ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء:٨٤]. فكان كل فرد منهم أمة؛ يوم تربوا على منهج المصطفى ﷺ فصدقوا ما عاهدوا.

стр. 313

معاصرتهم نزول الوحيين صدقوا ما عاهدوا: وكيف لا يصدقون وقد عاصروا نزول الوحيين، وتلقوا التربية من القدوة المطلقة -صلوات الله وسلامه عليه ورضي الله عنهم أجمعين- يوم بعثه الله بـ مكة، فأخرج العباد من الظلمات إلى النور بإذن ربه، يوم أخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام؟! رأوه وهو يقف على الصفا وحيداً فريداً قد اجتمعوا حوله وهو يقول: ﴿إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد﴾ ﴿قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا﴾ فأعرضوا وأصروا واستكبروا استكباراً، وقال عمه: تبّاً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فتبت يداه، ثم تبت يداه. لم يتراجع رسول الله ﷺ ولم ييئس، وما كان له ذلك؛ لأنه يعلم أنه على الحق، ويستمر عشر سنين يتبع الناس في منازلهم، في عكاظ ومجنة في المواسم، يقول: من يؤويني؟ من ينصرني حتى أبلَّغ رسالة ربي وله الجنة؟ فلا يؤويه ولا ينصره أحد، حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر، فيأتيه قومه، فيحذرونه غلام قريش لا يفتنه. حرب إعلامية ضخمة في الصد عن سبيل الله تمارس ضد الدعوة إلى الله في كل زمان ومكان: والسرُّ باقٍ والزمانُ مجددٌ والسيفُ ما فَقَدَ المضِاءَ وما نَبَا

стр. 314

معاصرتهم لمحن النبي ﷺ كيف لا يصدقون وقد عاصروا رسول الله ﷺ وما معه إلا نفر قليل؛ خمسة أعبد وامرأتان فلم يهن ولم يضعف ولم يستكن، وما كان له ذلك صلوات الله وسلامه عليه، بل جاهد وجالد حتى كثر أصحابه وأوذا كما أوذوي في سبيل الله؛ فما ضعفوا وما وهنوا وما استكانوا، بل صابروا، وهاجروا فراراً بدينهم هجرتين: إلى الحبشة ثم إلى المدينة رضوان الله عليهم أجمعين. عاصروا وعايشوا رسول الله ﷺ فكانوا له الأعوان والأنصار، آووه وصدقوه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه. عاصروا محنة الهجرة بقسوتها وشدتها عليهم؛ كيف وهم يفقدون أوطانهم وأهاليهم -مرابع الطفولة وحياتهم كلها- ويرون فوق ذلك قائدهم ورسولهم ﷺ يقف أمامهم يخاطب مكة بـ الحزورة قائلاً: ﴿والله! إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إليّ، ولولا أني أُخْرِجت ما خرجت﴾. دموعه تهطل على لحيته ﷺ ؛ فيا لها من قلوب احترقت وهي ترى نبيها على ذلك الحال! ويا لها من قلوب غلبت مصلحة العقيدة ومتطلبات الدعوة على هوى النفس وشهواتها! فما النتيجة؟ أمضى الله لها هجرتها، ولم يردها على أعقابها.

стр. 315

معايشتهم لجهاد النبي ﷺ ومشاركتهم فيه كيف لا يصدقون وقد عاصروا وعايشوا وشاركوا في الصراع بين الحق والباطل، فكانوا ضمن ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً في بدر يقولون: ربنا الله، يقابلون ألفاً يكفرون بالله قد خرجوا بطراً ورئاء الناس، فنصر الله القلة على الكثرة، فيعلو الحق، ويسكنُ الباطل كما قضى الله؟! ما كبروا الله حتَّى كلُّ ناحيةٍ ردَّت ورجَّعَ في تكبيرها النغمُ تجاوبتْ بالصدى الأرجاءُ صائحةً فالريح تصرخ والقيعانُ والأكمُ كيف لا يصدقون، وقد عايشوا تجمع الأحزاب من قريظة وقريش، وخذلان أهل النفاق، وتسللهم من الصف مدعين أن بيوتهم عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فراراً، جاءوا من فوقهم ومن أسفل منهم، وبلغت القلوب الحناجر وظنوا بالله الظنونا، ونصر الله جنده بعد ذلك بجندي من جنوده؛ ألا وهو الريح: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]؟! كيف لا يصدقون وقد عاصروا صلح الحديبية، وقد بلغوا ألفاً وأربعمائة وأكثر من ذلك، فكتب الله لهم الرضوان في بيعة الرضوان كما سطر ذلك القرآن: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [الفتح:١٨]؟! كيف لا يصدقون وقد كانوا جند رسول الله ﷺ وهم من ضمن عشرة آلاف؛ منهم من أخرج من دياره بغير حق إلا أن قال: ربيَ الله، وإذ بنصر الله يتنزل، فإذا هم عائدون إلى مكة التي أخرجوا منها فاتحين، قائدهم رسول الله ﷺ خاشعاً شاكراً لأنعم الله، يقرأ سورة الفتح وهو على راحلته، يطوف بالكعبة، ويستلم الركن بمحجنه كراهة أن يزاحم الطائفين، ثم يحطم الأصنام ويطهر البيت الحرام، ويجيء الحق، ويزهق الباطل، والباطل زهوق كما قضى الله وقدر الله. وإذ بالذين أخرجوه نكست رءوسهم، خاضعين، أذلة، راكعين، وهو يقول لهم: ما تظنون أني فاعل بكم؟ فقاموا يتملقونه وقد كانوا يؤذونه، يقولون: أخ كريم وابن أخ كريم، فكان كريماً، والكرم من طبعه وخلقه ﷺ قال: ﴿اذهبوا فأنتم الطلقاء﴾. يا ربِّ صلِّ على المختارِ ما ضحكَتْ زواهرُ الرَّوضِ للأنداء والدِيَم كيف لا يصدقون، وهم ضمن ثلاثين ألفاً يقودهم رسول الله ﷺ إلى تبوك ليؤدب الروم في شمال الجزيرة العربية، وكان له ذلك؟! كيف لا يصدقون، وهم يرون من كانوا ثلاثة أصبحوا مائة ألف، ورسول الله ﷺ في ذلك الموضع الذي أهين فيه، على الصفا يكبر ويقول: ﴿خذوا عني مناسككم﴾ في حجة الوداع، فيكبر وراءه مائة ألف قد شخصت الأبصار إليه؛ لتعرف نسكها منه ﷺ ، عندها يعلم الجميع في ذلك الوقت وفي هذا الوقت أن العاقبة للمتقين؟! فليصدق الذين عاهدوا، فالعِبْرَة ليست بكثرة عدد، فمن ثلاثة إلى خمسة، إلى ثلاثمائة، إلى ألف وأربعمائة، إلى عشرة آلاف، إلى ثلاثين ألفاً، إلى مائة ألف؛ ما قاتل رسول الله ﷺ عدواً بعدد، وإنما قاتلهم بما هو أقل من عددهم، لكنها حكمة الله الربانية التي جعلت نقباء الفضل في الناس هم الأقل، كما جعلت الصقر بين الطير هو الأقل: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩].

стр. 316

رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه صدقوا ما عاهدوا: صدقوا الله في تلقيهم للقرآن، فتلألأت كلمات القرآن على شفاههم كما تتلألئ الكواكب في صفحات السماء، ملئوا الجوانح بكلام الله؛ فظهر أثر ذلك على الجوارح. رتَّلوا القرآن ترتيلاً ينمُّ عن التأثر بما يَتْلُونَ، وعلى وعي وحسن فَهْمٍ لما يقرءون، تلذذوا بقراءة القرآن، تعلموه وعلموه، وجعلوه خلقهم، فما من آية تنزل إلا ويرون أنهم المعنيون بها دون غيرهم، ما سمعوا: (يا أيها الذين آمنوا) إلا أصغوا بآذانهم يتلقون ما يؤمرون به؛ ليعملوا به، وما ينهون عنه لينتهوا عنه، فشرح الله صدورهم للإيمان بالقرآن، وأعلى قدرهم، ورفع ذكرهم ودرجتهم.

стр. 317

وقفة مع ثابت بن قيس يأتي أحدهم رسول الله ﷺ ذات يوم هلعاً، فزعاً، جزعاً، ترتعد فرائصه، فيقال له: ما بك؟ قال: أخشى أن أكون هلكت يا رسول الله! قال ﷺ : ولِمَ؟ قال: لقد نهانا الله أن نحب أن نحمد بما لم نفعل، وأجدني أحب الحمد، ونهانا عن الخيلاء، وأراني أحب الزهو. فمازال ﷺ يهدئ من روعه حتى قال: ﴿يا ثابت بن قيس! ألا ترضى أن تعيش حميداً، وتقتل شهيداً، وتدخل الجنة، فتبرق أسارير وجهه ويقول: بلى. بلى يا رسول الله! فيقول ﷺ : إن لك ذلك فلا تسل عن حالك﴾. ثم تتنزل آية الحجرات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢] وكان رجلاً جهوري الصوت، يلازم رسول الله ﷺ ولا يفارقه، عندها يلزم بيته ولا يكاد يخرج إلا لأداء المكتوبة، فافتقده النبي ﷺ فقال: ﴿من يأتيني بخبر ثابت﴾، فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله! فانطلق هذا الأنصاري فجاء إليه فإذا هو في بيته منكَّس الرأس، فقال: ما بك يا أبا محمد؟ قال: شر والله! قال: وما ذاك؟ قال: تعلم أني رجل جهوري الصوت، وكثيراً ما يعلو صوتي صوت رسول الله ﷺ وقد علمت ما نزل في كتاب الله، والله! ما أحسبني إلا حبط عملي، وأني من أهل النار. فيرجع الرجل إلى النبي ﷺ ويقول: يا رسول الله! كان من أمره كذا وكذا، ويقول: كذا وكذا. قال: ارجع إليه فقل له: ﴿لست من أهل النار، أنت من أهل الجنة يا ثابت﴾ فيأتي إليه ليخبره، فلا تسل عن المبشِّر، ولا تسل عن المبشَّر، ولا تسل عن الحال، حال وأي حال. وإذا به ينتظر تلك البشارة طوال حياته، يجاهد لله، ويجالد لله، وينطلق من معركة إلى معركة، إلى أن يصاب بموت رسول الله ﷺ كما أصيب المسلمون؛ ويرتد العرب؛ فيكون في من يردون المرتدين إلى الواحد القهار. جاء في المعركة، ورأى انخذال المسلمين، ورأى جرأة العدو، تحنط وتكفَّن ووقف على رءوس المسلمين يقول: [[يا معشر المسلمين! والله ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله ﷺ ، بئس ما عوَّدتم عدوكم من الجرأة عليكم، وبئس ما عودتم أنفسكم من الانخذال لعدوكم. اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء]]. ثم هبَّ هبَّة الأسد الضاري، فانطلق معه البراء وزيد وسالم، فنشروا الرعب في قلوب المشركين، وثارت الحمية في قلوب المسلمين، فنصر الله المسلمين، وإذا به يخر صريعاً على تلك الأرض، ينتظر بشارة رسول الله ﷺ . ﵁ وأرضاه، وجعل أعلى علِّيين مثواه.

стр. 318

وقفة مع عباد بن بشر عاد رسول الله ﷺ من غزوة ذات الرقاع ونزل المسلمون شعباً من الشعاب ليقضوا ليلتهم، فلما أناخوا رواحلهم، قال رسول الله ﷺ : من يحرسنا الليلة؟ فقام عباد بن بشر، وعمار بن ياسر -وقد آخى بينهما رسول الله ﷺ فقالا: نحن يا رسول الله! ثم خرجا إلى فم الشعب، فقال عباد لـ عمار: أتنام أول الليل أم آخره؟ فقال عمار: بل أنام أوله، اضطجع عمار غير بعيد. بقي عباد يحرس جند رسول الله ﷺ ، وأرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، هدأت العيون، وسكنت الجفون، ولم يبقَ إلا الحي القيوم، عندها تاقت نفس عباد للعبادة، واشتاق قلبه للقرآن، فقام يصلي؛ ليجمع متعة الصلاة إلى متعة التلاوة، وطفق يقرأ سورة الكهف، يسبح مع آيات الله البينات. ويراه رجل من المشركين يصلي على فم الشعب، فعرف أنه حارس جيش رسول الله ﷺ فقال: لئن ظفرت به لأظفرن بجيش رسول الله صلى الله وسلم على نبينا محمد فوتر قوسه، وتناول سهماً من كنانته، ورماه به فوضعه فيه، فانتزعه عباد من جسده ورمى به، ومضى يتدفق في تلاوته، ورماه بالآخر فانتزعه، ومضى يتدفق في تلاوته، ورماه بالثالث فانتزعه، وإذا الدماء تنزف منه، فزحف إلى عمار وأيقظه قائلاً: لقد أثخنتني الجراح، عليك بثغر رسول الله ﷺ . ولَّى المشرك هارباً، وأمَّا عمار فنظر -ويا للهول! أثخنته الجراح، فقال: رحمك الله هلا أيقظتني من عند أول سهم رماك به؟ فقال عباد -واسمعوا إلى ما يقول-: [[كنت في سورة أقرؤها، فلم أحب أن أقطعها حتى أفرغ منها، وايم الله؛ لولا خوفي أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله ﷺ بحفظه؛ لكان قطع نفسي أحب إلي من قطعها]]. لا نامت أعين الجبناء، لا نامت أعين التنابلة والكسالى والبطالين. يا بنَ الهُدَى! يا فَتَى القرآنِ! دعكَ مِنَ الأوْهَامِ؛ جلجَلَ أمرُ الله أنْ أَفِقِ. تلذذوا بمناجاة الله في الخلوات، فما عدلوا بذلك شيئاً. عبَّر أحدهم عن تلك اللذة بقوله: [[والله لولا قيام الليل بكلام الله ما أحببت البقاء في هذه الدنيا. ووالله! إن أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، وإنه لتمر بالقلب ساعات يرقص القلب فيها طرباً بذكر الله، حتى أقول: إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه إنهم لفي نعيم عظيم]]. وعبر الآخر عن لذته بمناجاة الله بقوله: والله لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه، لجالدونا عليه بالسيوف. فقال قائل: وما الذي أنتم فيه تتلذذون، وبه تتلذذون؟ قال: لذة مناجاة الله في الخلوات. هذه حالهم يا متأمل! هذه حالهم يا متبصر! فما حالنا؟ كُثُرٌ ولكنْ عديدٌ لا اعتدادَ بِهِ جمعٌ ولكنْ بديدٌ غيرُ متَّسِقِ شككتْ نفسي مهانتكم أنكمُ يا قومِ منْ مُضَر خَبِّرُونِي أين حِسِّكُم لأزْيَد الوَخْز بالإبرِ نطقنا بالعربية والقرآن فما نكاد نلحن، ولحنا بالعمل فما نكاد نعرب، قنعنا بفصاحة اللسان مع عُجْمة الجنان: وكانَ البرُّ فعلا دونَ قولٍ فصارَ البرُّ نُطقاً بالكلامِ

стр. 319

أبو طلحة وجهاده في سبيل الله إن الصحابة لم يتلذذوا بالقرآن فحسب، بل عملوا بمقتضاه، وطبقوه واقعاً عملياً لا نظير له في تاريخ الأمة، فإذا بك ترى أبا طلحة الأنصاري وهو يسمع قول الله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] فيبادر فيجعل أفضل بساتينه في سبيل الله صدقة؛ يرجو برها وذخرها عند الله. ليس هذا فحسب، بل يفتح كتاب الله فيقرأ قول الله: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة:٤١] فيقول لأبنائه: جهزوني جهزوني. يا لله! شيخ كبير نيف على الثمانين لم يعذر نفسه، فيقول أبناؤه: رحمك الله، جاهدت مع رسول الله ﷺ ومع أبي بكر وعمر ﵄ وصرت شيخاً كبيراً، فدعنا نغزو عنك، قال: والله! ما أرى هذه الآية إلا استنفرت الشيوخ، ثم أبى إلا الخروج لمواصلة الجهاد في سبيل الله، والضرب في فجاج الأرض؛ إعلاء لكلمة الله، وإعزازاً لدين الله. فيشاء الله يوم علم صدق نيته أن يكون في الغزو في البحر لا في البر ليكون له الأجر مضاعفاً، وعلى ظهر السفينة في وسط أمواج البحار المتلاطمة يمرض مرضاً شديداً يفارق على إثره الحياة، فأين يدفن وهو في وسط البحر؟! ذهبوا ليبحثوا له عن جزيرة ليدفنوه فيها فلم يعثروا على جزيرة إلا بعد سبعة أيام من موته، وهو مسجى بينهم، لم يتغير فيه شيء كالنائم تماماً. وفي وسط البحر بعيداً عن الأهل والوطن نائياً عن العشيرة والسكن دفن أبو طلحة، وما يضره أن يدفن بعيداً عن الناس ما دام قريباً من الله ، ماذا يضره أن يدفن في وسط جزيرة لا أعلمها ولا تعلمها، يوم يجبر الله -بإذن الله- له كل مصاب بالجنة. لا نامت أعين الجبناء: ويلٌ لكم هل سِوَى الأكفانِ حُجَّتُكُم وهلْ يكونُ سوى الأكفانِ حَظَّكُمُ هيَّا اسلبُوها من الأجْداثِ باليةً ثم البسوها وقُولُوا الإرثُ إرثُكُمُ

стр. 320

الصحابة وصدقهم مع كتاب الله صدقوا ما عاهدوا: فكان القرآن فيصلاً في المواقف التي يحار فيها أولو الألباب، ما كانوا يرجعون إلا إلى كتاب الله؛ ففي يوم موت رسول الله ﷺ أصيب المسلمون وفجعوا، وفقد بعض الصحابة الصواب، حتى قال: والله! ما مات، فإذا بـ أبي بكر -تربية القرآن- يتلو ويقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤] فعلموا بذلك أنه مات، حتى إن بعضهم سقط ما كادت تحمله رجلاه، وحق له ذلك. ويختلف المسلمون بعد ذلك في من يخلف رسول الله ﷺ ، فقال المهاجرون: نحن أولى بخلافة رسول الله ﷺ ، وقال بعض الأنصار: نحن أولى بها، وقال بعضهم: بل تكون فينا وفيكم؛ منَّا أمير ومنكم أمير، وكادت تحدث الفتنة، ونبي الله ما زال بين ظهرانيهم ولم يدفن بعد، وإذا بأهل القرآن بكلماتهم الناصعة التي تئد الفتنة في مهدها ينطقون، إذا بـ زيد بن ثابت ﵁ تربية القرآن يقول: [[يا معشر الأنصار! إن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين، فخليفته مهاجر مثله، وكنا أنصاراً لرسول الله ﷺ ؛ فنكون أنصاراً لخليفته]] ثم بسط يده إلى أبي بكر ﵁ وقال: هذا خليفتكم فبايعوه؛ فبايعوه ووئدت الفتنة في مهدها. هذا صدقهم مع كتاب الله، أصلحوا سرائرهم ففاح عبير فضلهم، وعبقت القلوب بنشر طيبهم. فالله الله في كتاب الله قراءة وتدبراً وعملاً؛ لأننا جعلناه -ومع الأسف- للمآتم صوتاً ومحدثاً، قبَّلناه وأكثرنا تقبيله، وما قبِلناه ولم يلامس شغاف قلوبنا، ادَّعينا حب من أُنزل عليه القرآن، ثم أحدثنا ما أحدثنا، وكل محدث ضلال، ومن عمل عملاً ليس عليه أمر رسول الله ﷺ أو أحدث في أمر رسول الله ﷺ ما ليس منه فهو رَدٌّ. فالله الله في القرآن! والله الله في السرائر والأعمال وفق شرع الرحمن وعلى طريقة خير الأنام! فإنه لا ينفع مع فساد السرائر وتنكُّب الاتباع صلاح ظاهر: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:٤٣ - ٤٤].
следующие страницы →