← Джавами‘

Джавами‘ · id 7710

دروس للشيخ علي القرني

علي القرني

Полный текст (977 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه صدقوا ما عاهدوا: صدقوا الله في تلقيهم للقرآن، فتلألأت كلمات القرآن على شفاههم كما تتلألئ الكواكب في صفحات السماء، ملئوا الجوانح بكلام الله؛ فظهر أثر ذلك على الجوارح. رتَّلوا القرآن ترتيلاً ينمُّ عن التأثر بما يَتْلُونَ، وعلى وعي وحسن فَهْمٍ لما يقرءون، تلذذوا بقراءة القرآن، تعلموه وعلموه، وجعلوه خلقهم، فما من آية تنزل إلا ويرون أنهم المعنيون بها دون غيرهم، ما سمعوا: (يا أيها الذين آمنوا) إلا أصغوا بآذانهم يتلقون ما يؤمرون به؛ ليعملوا به، وما ينهون عنه لينتهوا عنه، فشرح الله صدورهم للإيمان بالقرآن، وأعلى قدرهم، ورفع ذكرهم ودرجتهم.

стр. 317

وقفة مع ثابت بن قيس يأتي أحدهم رسول الله ﷺ ذات يوم هلعاً، فزعاً، جزعاً، ترتعد فرائصه، فيقال له: ما بك؟ قال: أخشى أن أكون هلكت يا رسول الله! قال ﷺ : ولِمَ؟ قال: لقد نهانا الله أن نحب أن نحمد بما لم نفعل، وأجدني أحب الحمد، ونهانا عن الخيلاء، وأراني أحب الزهو. فمازال ﷺ يهدئ من روعه حتى قال: ﴿يا ثابت بن قيس! ألا ترضى أن تعيش حميداً، وتقتل شهيداً، وتدخل الجنة، فتبرق أسارير وجهه ويقول: بلى. بلى يا رسول الله! فيقول ﷺ : إن لك ذلك فلا تسل عن حالك﴾. ثم تتنزل آية الحجرات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢] وكان رجلاً جهوري الصوت، يلازم رسول الله ﷺ ولا يفارقه، عندها يلزم بيته ولا يكاد يخرج إلا لأداء المكتوبة، فافتقده النبي ﷺ فقال: ﴿من يأتيني بخبر ثابت﴾، فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله! فانطلق هذا الأنصاري فجاء إليه فإذا هو في بيته منكَّس الرأس، فقال: ما بك يا أبا محمد؟ قال: شر والله! قال: وما ذاك؟ قال: تعلم أني رجل جهوري الصوت، وكثيراً ما يعلو صوتي صوت رسول الله ﷺ وقد علمت ما نزل في كتاب الله، والله! ما أحسبني إلا حبط عملي، وأني من أهل النار. فيرجع الرجل إلى النبي ﷺ ويقول: يا رسول الله! كان من أمره كذا وكذا، ويقول: كذا وكذا. قال: ارجع إليه فقل له: ﴿لست من أهل النار، أنت من أهل الجنة يا ثابت﴾ فيأتي إليه ليخبره، فلا تسل عن المبشِّر، ولا تسل عن المبشَّر، ولا تسل عن الحال، حال وأي حال. وإذا به ينتظر تلك البشارة طوال حياته، يجاهد لله، ويجالد لله، وينطلق من معركة إلى معركة، إلى أن يصاب بموت رسول الله ﷺ كما أصيب المسلمون؛ ويرتد العرب؛ فيكون في من يردون المرتدين إلى الواحد القهار. جاء في المعركة، ورأى انخذال المسلمين، ورأى جرأة العدو، تحنط وتكفَّن ووقف على رءوس المسلمين يقول: [[يا معشر المسلمين! والله ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله ﷺ ، بئس ما عوَّدتم عدوكم من الجرأة عليكم، وبئس ما عودتم أنفسكم من الانخذال لعدوكم. اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء]]. ثم هبَّ هبَّة الأسد الضاري، فانطلق معه البراء وزيد وسالم، فنشروا الرعب في قلوب المشركين، وثارت الحمية في قلوب المسلمين، فنصر الله المسلمين، وإذا به يخر صريعاً على تلك الأرض، ينتظر بشارة رسول الله ﷺ . ﵁ وأرضاه، وجعل أعلى علِّيين مثواه.

стр. 318

وقفة مع عباد بن بشر عاد رسول الله ﷺ من غزوة ذات الرقاع ونزل المسلمون شعباً من الشعاب ليقضوا ليلتهم، فلما أناخوا رواحلهم، قال رسول الله ﷺ : من يحرسنا الليلة؟ فقام عباد بن بشر، وعمار بن ياسر -وقد آخى بينهما رسول الله ﷺ فقالا: نحن يا رسول الله! ثم خرجا إلى فم الشعب، فقال عباد لـ عمار: أتنام أول الليل أم آخره؟ فقال عمار: بل أنام أوله، اضطجع عمار غير بعيد. بقي عباد يحرس جند رسول الله ﷺ ، وأرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، هدأت العيون، وسكنت الجفون، ولم يبقَ إلا الحي القيوم، عندها تاقت نفس عباد للعبادة، واشتاق قلبه للقرآن، فقام يصلي؛ ليجمع متعة الصلاة إلى متعة التلاوة، وطفق يقرأ سورة الكهف، يسبح مع آيات الله البينات. ويراه رجل من المشركين يصلي على فم الشعب، فعرف أنه حارس جيش رسول الله ﷺ فقال: لئن ظفرت به لأظفرن بجيش رسول الله صلى الله وسلم على نبينا محمد فوتر قوسه، وتناول سهماً من كنانته، ورماه به فوضعه فيه، فانتزعه عباد من جسده ورمى به، ومضى يتدفق في تلاوته، ورماه بالآخر فانتزعه، ومضى يتدفق في تلاوته، ورماه بالثالث فانتزعه، وإذا الدماء تنزف منه، فزحف إلى عمار وأيقظه قائلاً: لقد أثخنتني الجراح، عليك بثغر رسول الله ﷺ . ولَّى المشرك هارباً، وأمَّا عمار فنظر -ويا للهول! أثخنته الجراح، فقال: رحمك الله هلا أيقظتني من عند أول سهم رماك به؟ فقال عباد -واسمعوا إلى ما يقول-: [[كنت في سورة أقرؤها، فلم أحب أن أقطعها حتى أفرغ منها، وايم الله؛ لولا خوفي أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله ﷺ بحفظه؛ لكان قطع نفسي أحب إلي من قطعها]]. لا نامت أعين الجبناء، لا نامت أعين التنابلة والكسالى والبطالين. يا بنَ الهُدَى! يا فَتَى القرآنِ! دعكَ مِنَ الأوْهَامِ؛ جلجَلَ أمرُ الله أنْ أَفِقِ. تلذذوا بمناجاة الله في الخلوات، فما عدلوا بذلك شيئاً. عبَّر أحدهم عن تلك اللذة بقوله: [[والله لولا قيام الليل بكلام الله ما أحببت البقاء في هذه الدنيا. ووالله! إن أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، وإنه لتمر بالقلب ساعات يرقص القلب فيها طرباً بذكر الله، حتى أقول: إن كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه إنهم لفي نعيم عظيم]]. وعبر الآخر عن لذته بمناجاة الله بقوله: والله لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه، لجالدونا عليه بالسيوف. فقال قائل: وما الذي أنتم فيه تتلذذون، وبه تتلذذون؟ قال: لذة مناجاة الله في الخلوات. هذه حالهم يا متأمل! هذه حالهم يا متبصر! فما حالنا؟ كُثُرٌ ولكنْ عديدٌ لا اعتدادَ بِهِ جمعٌ ولكنْ بديدٌ غيرُ متَّسِقِ شككتْ نفسي مهانتكم أنكمُ يا قومِ منْ مُضَر خَبِّرُونِي أين حِسِّكُم لأزْيَد الوَخْز بالإبرِ نطقنا بالعربية والقرآن فما نكاد نلحن، ولحنا بالعمل فما نكاد نعرب، قنعنا بفصاحة اللسان مع عُجْمة الجنان: وكانَ البرُّ فعلا دونَ قولٍ فصارَ البرُّ نُطقاً بالكلامِ

стр. 319

أبو طلحة وجهاده في سبيل الله إن الصحابة لم يتلذذوا بالقرآن فحسب، بل عملوا بمقتضاه، وطبقوه واقعاً عملياً لا نظير له في تاريخ الأمة، فإذا بك ترى أبا طلحة الأنصاري وهو يسمع قول الله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] فيبادر فيجعل أفضل بساتينه في سبيل الله صدقة؛ يرجو برها وذخرها عند الله. ليس هذا فحسب، بل يفتح كتاب الله فيقرأ قول الله: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة:٤١] فيقول لأبنائه: جهزوني جهزوني. يا لله! شيخ كبير نيف على الثمانين لم يعذر نفسه، فيقول أبناؤه: رحمك الله، جاهدت مع رسول الله ﷺ ومع أبي بكر وعمر ﵄ وصرت شيخاً كبيراً، فدعنا نغزو عنك، قال: والله! ما أرى هذه الآية إلا استنفرت الشيوخ، ثم أبى إلا الخروج لمواصلة الجهاد في سبيل الله، والضرب في فجاج الأرض؛ إعلاء لكلمة الله، وإعزازاً لدين الله. فيشاء الله يوم علم صدق نيته أن يكون في الغزو في البحر لا في البر ليكون له الأجر مضاعفاً، وعلى ظهر السفينة في وسط أمواج البحار المتلاطمة يمرض مرضاً شديداً يفارق على إثره الحياة، فأين يدفن وهو في وسط البحر؟! ذهبوا ليبحثوا له عن جزيرة ليدفنوه فيها فلم يعثروا على جزيرة إلا بعد سبعة أيام من موته، وهو مسجى بينهم، لم يتغير فيه شيء كالنائم تماماً. وفي وسط البحر بعيداً عن الأهل والوطن نائياً عن العشيرة والسكن دفن أبو طلحة، وما يضره أن يدفن بعيداً عن الناس ما دام قريباً من الله ، ماذا يضره أن يدفن في وسط جزيرة لا أعلمها ولا تعلمها، يوم يجبر الله -بإذن الله- له كل مصاب بالجنة. لا نامت أعين الجبناء: ويلٌ لكم هل سِوَى الأكفانِ حُجَّتُكُم وهلْ يكونُ سوى الأكفانِ حَظَّكُمُ هيَّا اسلبُوها من الأجْداثِ باليةً ثم البسوها وقُولُوا الإرثُ إرثُكُمُ

стр. 320

الصحابة وصدقهم مع كتاب الله صدقوا ما عاهدوا: فكان القرآن فيصلاً في المواقف التي يحار فيها أولو الألباب، ما كانوا يرجعون إلا إلى كتاب الله؛ ففي يوم موت رسول الله ﷺ أصيب المسلمون وفجعوا، وفقد بعض الصحابة الصواب، حتى قال: والله! ما مات، فإذا بـ أبي بكر -تربية القرآن- يتلو ويقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤] فعلموا بذلك أنه مات، حتى إن بعضهم سقط ما كادت تحمله رجلاه، وحق له ذلك. ويختلف المسلمون بعد ذلك في من يخلف رسول الله ﷺ ، فقال المهاجرون: نحن أولى بخلافة رسول الله ﷺ ، وقال بعض الأنصار: نحن أولى بها، وقال بعضهم: بل تكون فينا وفيكم؛ منَّا أمير ومنكم أمير، وكادت تحدث الفتنة، ونبي الله ما زال بين ظهرانيهم ولم يدفن بعد، وإذا بأهل القرآن بكلماتهم الناصعة التي تئد الفتنة في مهدها ينطقون، إذا بـ زيد بن ثابت ﵁ تربية القرآن يقول: [[يا معشر الأنصار! إن رسول الله ﷺ كان من المهاجرين، فخليفته مهاجر مثله، وكنا أنصاراً لرسول الله ﷺ ؛ فنكون أنصاراً لخليفته]] ثم بسط يده إلى أبي بكر ﵁ وقال: هذا خليفتكم فبايعوه؛ فبايعوه ووئدت الفتنة في مهدها. هذا صدقهم مع كتاب الله، أصلحوا سرائرهم ففاح عبير فضلهم، وعبقت القلوب بنشر طيبهم. فالله الله في كتاب الله قراءة وتدبراً وعملاً؛ لأننا جعلناه -ومع الأسف- للمآتم صوتاً ومحدثاً، قبَّلناه وأكثرنا تقبيله، وما قبِلناه ولم يلامس شغاف قلوبنا، ادَّعينا حب من أُنزل عليه القرآن، ثم أحدثنا ما أحدثنا، وكل محدث ضلال، ومن عمل عملاً ليس عليه أمر رسول الله ﷺ أو أحدث في أمر رسول الله ﷺ ما ليس منه فهو رَدٌّ. فالله الله في القرآن! والله الله في السرائر والأعمال وفق شرع الرحمن وعلى طريقة خير الأنام! فإنه لا ينفع مع فساد السرائر وتنكُّب الاتباع صلاح ظاهر: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:٤٣ - ٤٤].

стр. 321

عقبة بن عامر وطلبه العلم صدقوا ما عاهدوا: صدقوا في فقههم لدينهم، وفي طلبهم العلم ليعملوا به: ﴿من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين﴾ ﴿وخيركم من تعلم القرآن وعلَّمه﴾. فإذا براعي الغنم في باديته الذي رأس ماله في الحياة غنيماته يتركها يوم سمع بوصول رسول الله ﷺ إلى المدينة، يتركها وهي أعز وأنفس ما لديه في تلك الفترة؛ لينطلق إلى النبي ﷺ فيشهد شهادة الحق، ويبايع المصطفى ﷺ ثم يعود إلى غنيماته، ويسلم معه اثنا عشر راعياً. اجتمعوا يوماً من الأيام وقالوا: لا خير فينا إن لم نقدم على رسول الله ﷺ ليفقهنا في ديننا، ويسمعنا ما ينزل عليه من وحي السماء، ثم اتفقوا على أن يمضي كل يوم منهم واحد إلى المدينة؛ فيتفقه في الدين، ويسمع ما نزل من القرآن، وما نزل من الأحكام، فيرجع فينقله إليهم. يقول عقبة وهو أولهم: كنت أقول: اذهبوا واحداً تلو الآخر، وأنا أحفظ لمن ذهب غنمه؛ لشدة إشفاقه على غنمه أن يتركها لأحد من الناس، فطفقوا واحداً بعد الآخر يذهبون ويرجعون، فيأخذ عقبة منهم ما سمعوا، ويتلقى عنهم ما فقهوا. يقول عقبة: ثم ما لبثت بعد ذلك أن رجعت لنفسي، وقلت: ويحك يا نفس! من أجل غنيمات لا تسمن ولا تغني من جوع تفوت على نفسك صحبة رسول الله ﷺ والأخذ عنه مشافهة بلا واسطة، والله! لا يكون ذلك، ثم يتنحى عن أنفس ما لديه؛ عن غنمه، لكن إلى الغنيمة، فيلزم رسول الله ﷺ يمضي معه أينما سار، يأخذ بزمام بغلته، يمضي بين يديه أنَّى اتجه، وكثيراً ما أردفه ﷺ على دابته، وربما نزل ﷺ عن بغلته ليركب عقبة. جعل يَعُبُّ من مناهل رسول الله ﷺ العذبة حتى غدا مقرئاً محدِّثاً فقيها فَرَضِياً أديباً فصيحاً شاعراً، بل كان من أحسن الناس صوتاً بالقرآن، وكان إذا هدأ الليل، وسكن الكون، انصرف إلى كتاب الله ليقرأ، فتصغي أفئدة الصحابة لترتيله، وتخشع قلوبهم، وتفيض بالدمع أعينهم من خشية الله جل وعلا، حتى كان يدعوه عمر ﵁ ويقول: [[اعرض عليَّ شيئاً من كتاب الله. فيجعل يقرأ من آيات الله ما يتيسر وعمر يبكي حتى تبلل دموعه لحيته]]. قاد الجيوش فكان قدوة لكل قائد، وولي ولاية فعدل، ورمى وتعلم الرمي، وجاهد وجالد حتى لقي الله مخلِّفاً تَرِكَة المجاهدين الصادقين، ما تركته؟ إنها بضع وسبعون قوساً، أوصى أن تكون في سبيل الله؛ فرضي الله عنه وأرضاه، وعن جميع أهل القرآن.

стр. 322

أقوالهم في طلب العلم صدقوا: حتى قيل لأحدهم وقد استغرق طلب العلم وكتابته وتبليغه وقته، قيل له: إلى متى تكتب العلم؟ إلى متى وأنت تكتب في تلك العلوم؟ فقال: لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم تكتب بعد. فلا يدري المرء متى يقول الكلمة، فيهدي الله بها خلقاً كثيراً، ولا يدري المرء متى يقول الكلمة أو يكتب الكلمة الصادقة فتنجيه بين يدي الله. حتى إن أحدهم لتعاتبه زوجته على كثرة شراء الكتب فيقول رادّاً عليها: وقائلة أنفقتَ في الكتب ما حَوَتْ يمينُك من مالِ فقلت دعيني لعلِّي أَرَى فيها كتاباً يَدُلني لأخذِ كتابِي آمناً بيميني صدقوا: حتى قيل لأحدهم: بم كنت عالماً من بين أقرانك وأترابك؟ قال: لأني أنفقت في زيت المصباح لأدرس العلم في الكتب مثلما أنفقوا في شرب الخمور، وفرق بين إنسان بالعلم قد زكاها، وآخر بالمعازف ورنات الكئوس والغفلة قد دساها، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠].

стр. 323

تضحية الصحابة في سبيل الله صدقوا ما عاهدوا: صدقوا فضَحوا بالنَّفس والنفيس في سبيل الله. صدقوا فتحمَّلوا الجوع والعطش والبرد والأذى لخدمة هذا الدين. صبروا على الامتحان، وآثروا العقيدة على نعيم الدنيا، فتركوا أموالهم وعشيرتهم وأوطانهم وهاجروا فارين بدينهم، فرضي الله عنهم وأرضاهم. استحقوا أن يخلِّد الله ذكرهم في كتابه بما وصفهم به من عاطر الثناء، وحفظ لهم قدرهم في الأمة على مدى الزمان. فإذا بأحدهم؛ وهو عبادة ﵁ يقول للمقوقس: [[وما منا رجل إلا وهو يدعو ربه صباحاً ومساءً أن يرزقه الشهادة، وألا يرَّده إلى بلده، ولا إلى أرضه، ولا إلى أهله وولده وماله، وليس لأحد منا هَمٌّ فيما خلَّفه، وقد استودع كل واحد منا ربه أهله وولده وماله، وإنما همُّنا ما أمامنا]]. بذلوا أرواحهم في سبيل الله حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله، أفنحن كذلك؟! اللهم اجعلنا جميعًا كذلك، آمين يا رب العالمين. أحبتي في الله: لم يكن طريق الصحابة ومن تبعهم بإحسان معبَّداً مفروشاً بالزهور والورود، بل كان محفوفاً بالأخطار، وكان الدخول فيها امتحاناً شاقّاً لا تجتازه إلا الهمم الشامخة، والنفوس العالية التي حازت الإيمان والإخلاص والمجاهدة والجهاد: سَلُوا بلالاً وعماراً ووالدَه عنِ السلاسلِ والرَّمْضاءِ والأَلَمِ مر رجل بـ المقداد بن الأسود ﵁ فقال له: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله ﷺ ، والله! لوددنا أنَّا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت. فقال المقداد: [[ما يحمل أحدكم على أن يتمنى محضراً غيبه الله عنه؛ لا يدري لو شهده كيف يكون فيه، والله! لقد حضر رسولَ الله ﷺ أقوامٌ كبَّهم الله على مناخرهم في جهنم؛ إذ لم يجيبوه، ولم يصدقوه، أو لا تحمدون الله إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربكم، مصدقين بما جاء به نبيكم، وقد كفيتم البلاء بغيركم. والله! لقد بعث رسول الله ﷺ على أشد حال بُعث عليه نبي من الأنبياء، في فترة وجاهلية ما يرون ديناً أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرَّق به بين الحق والباطل، وفرق به بين الوالد وولده، حتى إن الرجل ليرى والده أو ولده أو خاله كافراً، وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان ليعلم أنه قد هلك من دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حميمه وقريبه في النار، وإنها للتي قال الله: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان:٧٤]]]. لقد كان معظم الصحابة فقراء، ومَنْ لم يكن فقيراً فقد ترك ماله يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، وكانت الدولة الناشئة في المدينة لا تملك الأموال، فلا مطمع لمن يدخل في دين الله، في نيل المال أو الجاه أو أي عرض من أعراض الدنيا. ومن طريف الروايات التي تصور فقرهم وحالهم ما أخرج البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد ﵁ قال: [[كانت منَّا امرأة تجعل لها في مزرعة لها سلقاً -نوع من الخضار- فكانت إذا جاء يوم الجمعة تنزع أصول السلق، وتجعله في قدر، ثم تجعل معه قبضة من شعير تطحنه، قال سهل: فكنا ننصرف إليها من صلاة الجمعة فنسلِّم عليها، فتقرب لنا ذلك الطعام، والله! إنا كنا لنتمنى يوم الجمعة من أجل ذلك الطعام، ونفرح بيوم الجمعة لأجله]] مع أنه طعام لا شحم فيه ولا وَدَك، وما عند الله خير وأبقى.

стр. 324

تنازل صهيب عن ماله من أجل الله ثم تجيل نظرك، فإذا أنت بـ صهيب قد أزمع الهجرة للحاق برسول الله ﷺ ، لم يسعه أن يبقى بعد رسول الله ﷺ . فجهز له كفار قريش فرقة مراقبة تتابعه؛ لئلا يذهب بماله، وفي ذات ليلة أكثر من خروجه للخلاء للتعمية والتغطية عليهم، فما يلبث أن يعود من الخلاء حتى يخرج مرة أخرى، وهم يراقبونه حتى قال قائلهم: لقد شغلته اللات والعزى ببطنه، فقروا عيناً الليلة. أسلموا أعينهم للكَرَى مطمئنين، فتسلل صهيب من بينهم، ولم يمضِ غير قليل حتى فطن له أولئك، فهبوا مذعورين قلقين فزعين خائفين، وامتطوا الخيل، وأطلقوا أعنتها خلفه حتى أدركوه، ولما أحس بهم ﵁ وأرضاه- وقف على مكان عال وأخرج سهامه من كنانته، وهم يعرفون صهيباً وبرى قوسه. وقال: يا معشر قريش! تعلمون أني من أرمى الناس، والله! لا تصلون إليَّ حتى أقتل بكل سهم منكم رجلاً، ثم أضربكم بسيفي ما بقي منه بيدي شيء، فقال قائلهم: والله! لا ندعك تفوز بنفسك ومالك؛ لقد أتيتنا صعلوكاً فقيراً، فاغتنيت وبلغت ما بلغت، ثم تذهب به كلا واللات، قال: أرأيتم إن تركت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم. فدلَّهم على موضع ماله، وأطلقوا سراحه، فانطلق فاراً بدينه غير آسف على مالٍ أنفق زهرة العمر في تحصيله، يستفزُّه ويحدوه الشوق إلى رسول الله ﷺ . فلما بلغ قباء رآه رسول الله ﷺ فهشَّ له وبشَّ وقال: ﴿ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى﴾. والله! لا الدنيا وشهواتها وزخارفها ولذائذها ومتعها لا تساوي: ﴿ربح البيع أبا يحيى﴾. علت الفرحة وجه صهيب، وحقاً -والله- ربح البيع: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧].

стр. 325

حكيم وإنفاقه في سبيل الله ثم انظر أخرى فإذا أنت بآخر، إنه حكيم، يسلم إسلاماً يملك عليه لبَّه، ويؤمن إيماناً يخالط دمه، ويمازج قلبه، وهو يقطع على نفسه عهداً أن يكفر عن كل موقف وقفه في الجاهلية، أو نفقة أنفقها في عداوة رسول الله ﷺ بأضعاف أضعافها، وقد بَرَّ في قَسَمِه، وصدق فيما عاهد. فإذا بك تنظر فإذا حكيم قد آلت إليه دار الندوة التي كانت تعقد قريش مؤتمراتها فيها في الجاهلية، ويجتمع ساداتها وكبراؤها فيها ليأتمروا برسول الله ﷺ ، تخيله وهو يتخلص من تلك الدار مسدلاً الستار على ماض بغيض أليم، ويبيعها بمائة ألف درهم، فيقول فتى من قريش: بعت مكرمة قريش يا حكيم! فقال: [[يا بني! ذهبت المكارم كلها ولم يبقَ إلا التقوى، أو ما يسرك يا بني! أن أشتري بها داراً في الجنة؟ إني أشهدكم أني جعلت ثمنها في سبيل الله؛ أرجو ذخرها وبرها عند الله]] وربح البيع. ثم انظر إليه أخرى يوم يحج بعد ذلك فيسوق أمامه مائة ناقة مجللة بالأثواب الزاهية، ثم ينحرها جميعها؛ تقرباً إلى الله تعالى. ولا تعجب يوم يحج ثانية فيقف في عرفات، ومعه مائة من عبيده، قد جعل في عنق كل واحد منهم طوقاً من فضة، نقش عليه عتقاء لله ثم يعتقهم جميعاً على عرفات؛ ويسأل الله أن يعتق رقبته من النار. ثم يحج ثالثة فيسوق أمامه ألف شاة، ثم يريق دماءها كلها في منى، ويطعم بلحومها فقراء المسلمين؛ تقرُّباً لله فلا تنساه البطون الجائعة، ولا الأكباد الظامئة، ما دام على الأرض بطن جائع أو كبد ظمأى. يا ناعمَ العَيشِ والأموالُ بائدةٌ أين التبرعُ لا ضَاقتْ بكَ النِّعَمُ كان المال في يده لا يدور عليه الحول حتى ينفقه في سبيل الله. لا يألفُ الدرهمُ المضروبُ صُرَّتهم لكِنْ يمرُّ عليها وهو يستبقُ كبر حكيم بعد أن قدم ما قدم، وذهب بصره فاحتسبه لله، ونزل به الموت، واشتد وجعه، وإذ به يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ويقول: [[أخشاك ربي وأحبك، أخشاك ربي وأحبك]]؛ ليلقى الله. ﵁ وأرضاه، وجعل أعلى علِّيين مثواه، ورحم الله أولئك الرجال، طلبوا الدنيا على قدر مكثهم فيها، وطلبوا الآخرة على قدر حاجتهم إليها، لم يضحوا بأموالهم فحسب، بل ضحوا بدمائهم في سبيل الله؛ رجاء ما عند الله، وما عند الله خير للأبرار ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦].

стр. 326

حبيب وتضحيته بنفسه تنظر أخرى فإذا أنت بشاب ناضر الشباب، مؤمن بالله اسمه حبيب يكلف بمهمة شاقة؛ ليكون رسولاً لرسول الله ﷺ إلى مسيلمة الكذاب. يأخذ الرسالة غير وَانٍ ولا متريث ولا متردد، ترفعه النِّجاد، وتحطه الوهاد حتى يبلغ أعالي نجد، ويسلم الرسالة إلى مسيلمة، فلما قرأها انتفخت أوداجه، وبدا شره، ولو علم الله فيه خيراً لأسمعه. أمر بـ حبيب أن يقيد، وأن يعرض عليه من الغد، وما ضر حبيب وقد بلغ رسالة الحبيب ﷺ . فلما كان الغد أذن للعامة بالدخول عليه، وأمر بـ حبيب فجيء به يرسف في قيوده وسط جموع الشرك الحاقدة، مشدود القامة، مرفوع الهامة، شامخ الأنف بإيمانه، التفت مسيلمة إليه وقال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. أشهد أنه رسول الله ﷺ . فتميز من الغيظ وقال: أتشهد أني رسول الله -وخسئ-؟ فقال حبيب في سخرية: إن في أذني صمماً عن سماع ما تقول. فيتغير لون وجهه، وترتجف شفتاه غيظاً وحنقاً ليقول لجلاده: اقطع قطعة من جسده، فبتر الجلاد قطعة من جسده لتتدحرج على الأرض. ثم أعاد مسيلمة السؤال، أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، ﷺ . قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: إن في أذني صمماً عن سماع ما تقول. فأمر بقطع قطعة أخرى من جسده لتتدحرج على الأرض، فشخص الناس بأبصارهم مدهوشة مشدوهة من تصميم هذا الرجل وثباته؛ إنه الثبات من الله. مضى مسيلمة يسأل والجلاد يقطع وحبيب يقول: أشهد أن محمداً رسول الله، حتى صار قطعاً منثورة على الأرض، ثم فاضت روحه وهو يردد: محمد رسول الله ﷺ ، محمد رسول الله، محمد رسول الله. إن عذَّبوا الجسمَ فالإيمانُ معتصمٌ بالقلبِ مثلَ اعتصامِ اللَّيثِ بالأَجَمِ ثم يأتي الخبر لأمه، ويا لهول الخبر! وجدير بأمهات المسلمين وبأمهات الشباب والشابات أن يقفن مع هذه الأم ليدرسن سيرتها يوم جاءها خبر ابنها الذي قطع إرباً إرباً وهو يقول: محمد رسول الله، اسمع إلى ذلك المحضر الخالد لذلك الرجل- ما زادت -والله- يوم جاءها الخبر على أن قالت: [[من أجل هذا الموقف أعددته، وعند الله احتسبته، لقد بايع الرسول ﷺ ليلة العقبة صغيراً، ووفَّى له اليوم كبيراً، فحمدت الله كثيراً]]. فلو كانَ النساءُ كمنْ ذكرنا لفُضِّلتِ النساءُ على الرجالِ وما التأنيثُ لاسمِ الشمسِ عيبٍ ولا التذكيرُ فخرٌ للهلالِ هل وقفت عاجزة تبكي ابنها وتندب حظها؟ لا. بل في يوم اليمامة كانت تشق الصفوف كاللبؤة الثائرة تنادي: أين عدو الله مسيلمة؟ فوجدته مجندلاً على الأرض، سيوف المسلمين قد ارتوت من دمه، فطابت نفساً، وقرَّت عيناً ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم:٤٢] مضى حبيب ومسيلمة إلى ربهما، وشتَّان ما بينهما، فريق في الجنة، وفريق في السعير. لقد ضحى الصحابة بكل شيء، وصدقوا الله فصدقهم الله، وأقر أعينهم بنصرة دينه وإعلاء كلمته. مواكب تتلوها مواكب من صحابة رسول الله ﷺ : مواكبُ الله سارَتْ لا يُزَعْزِعُهَا عاتٍ منَ البحرِ أو عالٍ من الأطم لا يهتفونَ لمخلوقٍ فقدْ علمُوا أنَّ الخلائقَ والدنيا إلَى العَدَمِ

стр. 327

عاقبة الصدق فإذا أنت ترى أحدهم وهو عقبة بن نافع على أطراف غابة القيروان ينادي ويخاطب السباع والهوام ويقول: نحن أصحاب رسول الله ﷺ ؛ جئنا لننشر دين الله في الأرض فأخلي لنا المكان، فتخرج السباع والهوام حاملة أولادها على ظهورها؛ لتخلي المكان لجند الله؛ كرامة من الله، أطاعوا الله فطوع الله لهم كل شيء؛ ليبني مدينة القيروان في تلك الغابة، لا ليركن إليها ويجلس فيها ويتنعم بها، بل ينطلق بعد ذلك فاتحاً في الأرض حتى يقف بقوائم فرسه في أطراف المحيط الأطلسي ليقول كلمته الخالدة، وقوائم فرسه قد ابتلت بمياه المحيط الأطلسي: [[والله! لو كنت أعلم أن وراء هذا البحر أرضاً وأقواماً لخضته في سبيل الله؛ لأنشر دين الله]]. وإذا بـ قتيبة في الجانب الآخر في شرق الكرة الأرضية -ذاك في غربها وهذا في شرقها- يفتح المدن والقلوب، حتى يقف على أطراف مملكة الصين ويقسم بالله ليطأن بأقدام فرسه تلك المملكة، ويسمع ملكها فيهلع ويخاف ويجزع، ويعلم أن هؤلاء إذا قالوا فعلوا، فيرسل صِحَافاً من ذهب مملوءة بتربة أرض الصين؛ ليبرَّ قسم قتيبة، وتطأ خيل قتيبة تلك التربة، وتكون الصحاف مقدمة الجزية، وأربعة من أبنائه يوضع عليهم وسام المسلمين، فيا لله! مهلاً حماةَ الضَيْمِ إنَّ لِلَيلِنا فجراً سيطْوِي الضَيم في أطمارهِ هارون الرشيد خليفة المسلمين يخاطب السحابة وهو على كرسيه، ويقول: أمطري أنَّى شئت؛ فسوف يأتيني خراجك. صارت الكرة الأرضية ما بين مسلم حقاً وكافر يدفعُ الجزيةَ عنْ يدٍ وهو صَاغِرٌ. للهدى كانوا أذلاء وللعدلِ والمَعروفِ كانُوا خُلفاءْ لو دعاهم صارخٌ لانتفضوا مِن بطونِ الأرضِ يرمونَ السماءْ تركُوا المنزلَ معموراً لنا ثُمَّ جِئنا فتركناهُ خَلاءْ ضربُوا العِزَّ لنا أخبيةً فنقضنَاها حِبَاءً فخِباءْ ومع هذا: يا أمتي إنْ طالَ ليلُك عابثاً فتَرَقَبي بسمات فجرٍ في الظَّلام جَديدِ ما نامَ جفنُ الحقِّ عنك وإنمَّا هيَ هدأةُ الرِّئبالِ قبلَ نفارِهِ لعلها هدأة الأسد قبل نفاره.

стр. 328

مواقف من الإخلاص صدقوا ما عاهدوا: صدقوا في التجرد لله، وطلب الأجر العظيم من الله، وأنعم به من تطلع لا يعدله شيء من تكريم الدنيا. صح أن أعرابياً قسم له النبي ﷺ في خيبر من الغنيمة وكان غائباً، فلما حضر أعطوه ما قُسِم له، فجاء الأعرابي للنبي ﷺ وقال: ﴿يا رسول الله! ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى هاهنا بسهم فأدخل الجنة -وأشار إلى حلقه- فقال ﷺ : إن تصدق الله يصدقك، فلبثوا قليلاً، ثم نهضوا لقتال العدو، وكان له ما أراد، إذ أتي به يحمل وقد أصابه سهم حيث أشار، فجعل النبي ﷺ يقول: أهو هو؟ قالوا: نعم. قال: صدق الله فصدقه الله، ثم كفنه النبي ﷺ بجبته وصلى عليه، ودعا له، ثم قال: اللهم هذا عبدك، خرج مجاهداً في سبيلك؛ فقتل شهيداً وأنا عليه شهيد﴾. أرادوا الله فشمخت نفوسهم إلى رضوان الله، فترفعوا عن الدنيا حتى قال قائلهم؛ وهو جابر بن عبد الله: [[والذي لا إله إلا هو! ما اطلعنا على أحد من أهل القادسية أنه يريد الدنيا مع الآخرة]]. وهاهو أبو الحسن علي ﵁ يوم الخندق يرى عمرو بن ود -فارس العرب بلا منازع- وهو يجتاز الخندق ويندب المسلمين للمبارزة، فيتقدم علي لمبارزته، فيندب الثانية وقد استصغر علياً فيخرج له علي فيندب الثالثة للمبارزة، فما لها إلا علي، فيقول النبي ﷺ -فيما روي عنه-: ﴿أخرج إليه منصوراً﴾، فكان اللقاء، وما هو إلا قليل حتى قتله علي ﵁. فأين تربَّى علي؟ تربى في حجر رسول الله ﷺ ، فهو ربيب الإخلاص والتجرد والصدق. والأمرُ من معدنِهِ لا يُستغربُ والفرعُ للأصلِ حتماً يُنسبُ صدقوا ما عاهدوا: فاتهموا أنفسهم وهضموها وروضوها على مقابلة الجهل بالحلم، والحمق بالعقل، والإساءة بالإحسان والعفو؛ ركلوا العُجْب والكبر والغرور، فعاشوا سعداء، وماتوا شهداء في حبور. يقال لأحدهم: يا مراءٍ! فيقول: متى عرفت اسمي؟ وآخر في الحج وقد ازدحم الحُجَّاج، وبلغت القلوب الحناجر يقول أحد الذين بجواره: والله ما أظنك إلا رجل سوء. فيقول: ما عرفني إلا أنت. ويؤتى بالثالث ويقف يوم عرفة آخر النهار متذللاً خاضعاً خاشعاً، قلوب الخلق وألسنتهم تجأر إلى الله أن يعتق الرقاب من النار، فإذا به تصفو نفسه، ويرق قلبه، فيتذكر ذنوبه وخطاياه -وهي من ذنوب وخطايا صغار- فيقول: لا إله إلا الله! ما أشرفه من موقف وما أرجاه! لولا أني فيهم لقلت: قد غفر الله لهم، اللهم لا تردهم من أجلي، اللهم لا تردهم من أجلي. ليتَ شِعْرِي ما الَّذِي أطْلقهُمْ مِنْ عِقَالٍ وبقيناً أُسَرَاءْ ما لنا نحنُ عَجِبنَا واغْتَرَرْنَا أوَ لسْنَا كُلُنَا طيناً ومَاء لو تبعنا في الهدى آثارهم لانطلقنا وسمونا للعلاء

стр. 329

أقوال في العفو والصفح عن الآخرين صدقوا ما عاهدوا: فعفوا وصفحوا. وهبوا النقص للفضل، والإساءة للإحسان، فصفت سرائرهم، ونصعت سيرهم، وسلمت صدورهم، ولهجت أنفسهم: ﴿لا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠] كل ذلك يرجون ما عند ربهم. يقال لأحدهم: إن فلاناً من الناس يقع فيك، فيقول: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣] ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٧٦]. ثم يقال له أخرى وقد ظُلم وبُهِت وسُبَّ وشتم: ألا تدعو على من ظلمك وسبك وشتمك؟ فيقول: من دعا على ظالمه فقد انتصر، إن رسول الله ﷺ يقول: ﴿اصبروا حتى تلقوني على الحوض﴾. يُسبُّ أحدهم ويشتم بما ليس فيه فيقول: إن كنت صادقاً فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك. ويقال للثالث: إن فلاناً يقع فيك ويقول فيك كذا وكذا، ويذكرك بسوء، فيقول: رجل صالح ابتلي فينا فماذا نعمل؟! من تعدى حدود الله فينا لم نتعد حدود الله فيه، العفو أفضل، لا ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك، فتعفو وتصفح وتغفر فيغفر الله لك. أيها الأحبة: إن مكانة المؤمن أعز من أن يتساوى في الظاهر مع ظالمه، بل يرى أن من الدين والمروءة أن يدعى إلى أن يشمخ على من يبدي الإسفاف، ويترفع عن موقف يقوده إلى رفع صوت أو إثارة فضول أو جدل أو لجاج، وبعضنا -ويا للأسف- يتخذ أخاه هدفاً ويجمع الجموع ليرجموه معه، ترى بعضنا يرفع ويخفض، ويجرح ويعدل ويشي. وليس مَلامِي عَلَى مَنْ وشَى ولكنْ ملامي عَلَى مَنْ وَعَى اللوم على من يمنح الآذان الصاغية للوشاة، ولأولئك أقول: وا أسفاه يوم تسود صحف التفاضح، ويوم تسترخى بيننا أيدي التصافح، ليست المنزلة -والله- بأن تنال لقباً بتجريح إخوتك، إنما المنزلة أن تحتل في قلوب المؤمنين حيِّزاً، وأن تنادي ملائكة السماء أهل الأرض: أن أحبوا فلاناً. صدقوا ولم نصدق: قلوب امتلأت بخشية الله، وقلوب امتلأت بمحبة الله، ترجو ما عند الله، لا تتسع لحقد أو ضغينة أو حسد لخلق الله، بل -والله- كانوا مشفقين على عباد الله؛ يعلمون الجاهل، وينبهون الغافل، مغتنمين كل فرصة، مستفيدين من كل مناسبة. يمر أبو الدرداء بجماعة تجمهروا على رجل يضربونه ويشتمونه، فقال لهم: ما الخبر؟ قالوا: وقع في ذنب كبير، قال: أرأيتم لو وقع في بئر أفلم تكونوا تستخرجونه منه؟ قالوا: بلى. قال: فلا تسبوه ولا تضربوه، لكن عِظُوه وبصِّروه، واحمدوا الله الذي عافاكم من الوقوع في مثل ذنبه. قالوا: أفلا تبغضه؟ قال: إنما أبغض فعله، فإذا تركه فهو أخي، فأخذ الرجل ينتحب ويعلن توبته وأوبته، ليكون في ميزان أبي الدرداء ﵁ يوم يقف بين يدي الله: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢] ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن:١٤].

стр. 330

حب الصحابة لرسول الله صدقوا في حبهم لرسول الله ﷺ فحرصوا على رؤيته وصحبته، وقد كان فَقْد صحبته ورؤيته ﷺ أشد عليهم من كل شيء. أحبوه وبذلوا المال والنفس والنفيس دونه ﷺ . أحبوه فامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه. أحبوه فنصروا سنته، وذبُّوا عن شريعته، وما أحدثوا في حبه ما لم يشرع. فليحذر الذين ادعوا حبه ولم يتبعوه واتبعوا أهواءهم أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم، لقد سدَّ الله دون جنته الطرق، فلن تفتح الجنة لأحد إلا من طريقه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. أحبوه حتى جاء أحدهم إليه يفكر فيما بعد موت رسول الله ﷺ ويقول: ﴿يا رسول الله! إنك لأحب إلي من نفسي ومن ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، فإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وأنا إن دخلت الجنة خشيت ألا أراك، فلم يجبه ﷺ ليتنزل الجواب قرآنا يتلى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء:٦٩].

стр. 331

دليل المحبة عند ربيعة ويقول ﷺ لـ ربيعة الأسلمي: ﴿سل شيئاً يا ربيعة! قال: أسألك مرافقتك في الجنة، قال ﷺ : أو غير ذلك؟ قال: ما هو إلا ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود﴾. كان الناس يسألون ما يملأ بطونهم، ويواري جلودهم مما هم فيه، أما المحب فلا يريد إلا مرافقة حبيبه في الدنيا والآخرة.

стр. 332

أبو بكر وشدة حبه لرسول الله وبعد عام من وفاته ﷺ يقف أبو بكر ﵁ على المنبر ويقول: ﴿سمعت رسول الله ﷺ في هذا الموقف من عامي الأول، ثم استعبر أبو بكر وبكى، ثم قال أخرى: سمعت رسول الله ﷺ فلم يملك أن خنقته العبرة فبكى، ثم قال ثالثة فخنقته العبرة فبكى، ثم قال -لا يسمع صوته من نشيجه- قال ﷺ : لم تؤتوا شيئًا بعد كلمة الإخلاص مثل العافية، فسلوا الله العافية﴾ نسأل الله العافية.

стр. 333

مواقف دلت على حب رسول الله أما سعد بن الربيع فهو في آخر رمق يجده زيد بن ثابت بين القتلى، وإذا به يقول: [[بلِّغ رسول الله ﷺ مني السلام، وقل له: إني لأجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى رسول الله ﷺ وفيكم شِفْر يطرف]]. والآخر يقول يوم أحد وقد كان يقوم النبي ﷺ ويجالد فيقول: [[لا تشرف يصبك سهم، نحري دون نحرك يا رسول الله!]] أحبوا فامتثلوا أوامره وبينما بعضهم يصلي صلاة العصر إذ حولت القبلة إلى الكعبة، فمرَّ عليهم رجل صلى مع النبي ﷺ ، فقال: ﴿أشهد أني صليت مع رسول الله ﷺ وقد وُجِّه إلى الكعبة، فانحرفوا وهم ركوع في صلاة العصر تأسيا برسول الله ﷺ ﴾. نزل تحريم الخمر: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] فأريقت الخمر حتى جرت بها سكك المدينة ولسان حالهم ومقالهم: انتهينا انتهينا. خلع ﷺ نعليه وهو يصلي فألقوا نعالهم وراءه، فسألهم: ﴿لم فعلتم ذلك؟ قالوا: رأيناك ألقيت فألقينا، فأخبرهم أن جبريل أتاه فأخبره أن فيهما قذراً﴾. يقول يوماً وابن رواحة قادم إلى المسجد يريد الدخول: اجلسوا عباد الله! أو كما قال ﷺ فيجلس ابن رواحة خارج المسجد، ما وسعه إلا الاستجابة لأمر رسول الله ﷺ . أبو بكر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﷺ كان يتتبع أفعال النبي ﷺ فيفعلها حبّاً لرسول الله ﷺ فالحب اتباع لا ابتداع. وبعد وفاة النبي ﷺ بذهب إلى عمر ويقول له: [[انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها. قال: فلما انتهينا إليها ورأتنا بكت، فقال لها أبو بكر: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله ﷺ . قالت: ما أبكي ألا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله، ولكن أبكي لأن الوحي انقطع من السماء بموته ﷺ ، ثم انفجرت تبكي ﵂، فهيجتهم على البكاء، فجعلا يبكيان معها]] إيه يا أم أيمن. يا أم أيمن قد بكيتِ وإنَّنا نلهُو ونمجنُ دونَ معرفةَ الأدب لم تبصري وضع الحديثِ ولا الكذب لم تبصري وضع المعازفِ والطرب لم تشهدي شرب الخَمور أو الزنا لم تلْحَظِي ما قدْ أتانا من عطَب لم تلحظي بدعَ الضلالةَ والهوى لولا مماتُك قدْ رأيتِ بنا العَجَب لم تعلمي فعل العدو وصحبِهم ها نحن نجْثُو لليهودِ على الرُّكَب واحرَّ قلبي من تَمَزُّقِ جَمعِنا أضحتْ أمورُكِ -أمتي- مثلَ اللعب تالله ما عَرفَ البكاءُ صراخَنا ومع التباكي لا وشائجَ أو نَسَب كيف لا يحبونه وقد أخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربه، فكان لهم قائداً ومربياً وأباً ورسولاً نبياً، وسراجاً منيراً؟! ولن يؤمن أحد حتى يكون رسول الله ﷺ أحب إليه من ماله وولده وأهله ونفسه والناس أجمعين: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] وذلك هو الحب أيها الأحبة. إن هذا الحب العميق لرسول الله ﷺ مع شدته، ومع مفاداتهم له بالنفس والنفيس، فإن عقائد المسلمين استقامت بفضل الله، ولم يتجاوزوا صفة النبوة، ولم ينسبوا إلى نبيهم ﷺ صفة الألوهية، ولم يعبدوه من دون الله، بل كان صوته يجلجل في عقولهم ويرددون قوله: ﴿أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بـ مكة﴾ القرآن يذكِّر ببشريته: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف:١١٠] والقرآن يذكر أنه يصيبه ما يصيب البشر: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] فالاتباع خير لو كانوا يعلمون.

стр. 334

أمنيات الصحابة وهممهم صدقوا الله حتى في أمنياتهم وهممهم، وهمم أهل الدين يجب أن تكون أعلى وأسمى. هكذا كانت مطالب الصحابة رضوان الله عليهم وأمانيهم، اجتمعوا يوماً من الأيام فقال قائلهم: تمنوا. فقال رجل: أتمنى لو أن لي مثل هذه الدار مملوءة ذهباً أنفقه في سبيل الله . وقال آخر: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤاً وزبرجداً وجواهراً أنفقه في سبيل الله وأتصدق به. وأما علي ﵁ فيتمنى الضرب بالسيف، والصوم بالصيف، وإكرام الضيف. وأما خالد فيتمنى ليلة شديدة البرد، كثيرة الجليد، يصبِّح فيها العدو؛ ليجاهد في سبيل الله. وأما عمر ﵁ فيقول: [[أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة برجال مثل أبي عبيدة؛ أستعملهم في طاعة الله]] رجال أمناء كأمين الأمة، يستعملهم في طاعة الله. يا أيها الأحبة: يتمنى عمر هذه الأمنية في أي وقت، في وقت امتلأت فيه الساحة الإسلامية برجال عز نظيرهم، وقل مثيلهم، وجل شبيههم؛ فما أعظم حاجتنا اليوم إلى مثل هذه الأمنية، وقد افتقرت البلاد وأجدبت، وعجزت النساء أن يلدن أمثال أولئك الرجال! كم هي حاجة الأمة ماسة إلى أمين كـ أبي عبيدة بعد أن استشرت الخيانة. كم هي حاجتنا ماسة إلى رجل كـ أبي عبيدة يرفع لواء الجهاد بعد أن استنوق الجمل، وعاثت في الأرض الغربان، واستنسر في سماء الأمة بغاث الطير. كم هي حاجة الأمة لأمين كـ أبي عبيدة في غيبة الأمناء، حتى صارت الأمة أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام. تداعت علينا الأمم كتداعى الأكلة على قصعتها، لا من قلة والله، ولكن لأننا غثاء كغثاء السيل، أحببنا الدنيا، وكرهنا الموت، فكان ما كان. كأني -والله- بقدوة من أولئك الصادقين يقول بلسان حاله وهو مرابط في قبره: وا أسفاه! وا أسفاه! أأنتم أحفادنا؟ أأنتم من قرأتم القرآن؟! أأنتم من درستم سيرة المختار؟! وا أسفاه! نقشتم وصايا المختار على الجدران والأحجار، وكان الأحرى أن تنقشوها على الجنان! وا أسفاه! أما قلت لكم: أقيموا الصلاة؟! فما بالكم تركتم الصلاة، وغادرتم المساجد لتعمروا المسارح والملاعب والملاهي؟! وا أسفاه! أما قلت لكم: صوموا رمضان، وقوموه إيماناً واحتساباً؟! فما بالكم تجعلونه شهر الطعام والفوازير والسهر على الحرام مع ضياع الأوقات؟! وا أسفاه! ألم أقل لكم: تصدقوا؟! فما بالكم بخلتم فما تنفقون درهماً! إلا على أقدام راقصة أو لاعب أو صاحب مزمار أو آلة دمار وعار وأي عار؟! وا أسفاه! ألم أقل لكم: حجوا واعتمروا؟! فما بالكم جُبْتُم أقطار الدنيا، وبيت الله منكم على مرمى حجر يهجر؟! أأنتم بشر؟ وا أسفاه! تغرقون في أزقة الغرب ومواخيرها، ولا تعرفون الخندق ولا بدراً ولا أحداً ولا الحديبية! لا تعرفون المقام ولا الحطيم ولا زمزم، وتعرفون أزقة باريس وما أشبهها! ألم أقل لكم: انصحوا والدين النصيحة؟ فما بالكم أتقنتم صفة النفاق تَغُشُّون وتُغَشُّون، والمؤمنون نصحة، والمنافقون غششة! وا أسفاه يا رجال الحق! يا رجال الحق قد جلَّ الأسى أرجال منْ أرى أمْ لا أَرَى؟ ضاعت الأمةُ فِي غفلتكم وتحيرنا لأمرٍ حيَّرا الجوى ينخر في أحشائِكم والهوَى بَينَ خوافِيكُم سَرَى اسألوا عن كلِّ نصرٍ خالداً واسألوا عن كلِّ عدلٍ عمرا يا رجالَ الحق قدْ طالَ الجوَى وبلغَ السيلُ الزبا وانحدرا أنتم القدوة والناسُ بكم تقَتدي فَخراً وتَزْهُو مَفخَرَا وحِّدُوا أشتاتكم واتحدوا واربطُوا أحلامَكم ربطَ العُرَى واصبروا إن عَظُمَ الخطبُ فما يدرك النصرَ سِوى مَنْ صبرا وانصروا الله يَهبْكُم نَصرَهُ واشكروه يُعط من قد شَكَرَا صدقوا ما عاهدوا: فكانوا قليلاً من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون، إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً، أشداء على الكفار رحماء بينهم، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين؛ ﵃ أجمعين. أحبتي في الله: هذه بعض الصفات للصادقين الغر الميامين؛ نوجه الجميع للنظر فيها: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] والاقتداء المطلق كما تعلمون بنبي الله ﷺ الذي هو قدوتهم؛ لأنه لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤] ثم يكون الاقتداء بالصالحين الصادقين في الجانب الذي تميز كل واحد فيه بما ينطبق مع أحكام الشرع ومقاصده، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله ﷺ .

стр. 335

دروس مستفادة من حياة الصحابة وأخيراً وبعد هذه الجولة في رياضهم: فإني أدعو الجميع من خلال ما سمعتم إلى أمور، وأسأل الله ألا نكون من الذين إذا نزلوا بقوم خرجوا من عندهم حتى يدعوا الله أن يفرج عنهم. هذه أمور من خلال ما ذكر أريد أن أنبه إليها ولعلها خلاصة.

стр. 336

لا تحقرن من المعروف شيئاً أولاً: لا تستقلوا قليلاً، ولا تستكثروا كثيراً، وأحسنوا النية؛ فربَّ صغير تعظِّمه النية، ورب عظيم صغرته النية. والقليل أولى من القعود، حتى لو كان حديثاً لأهل، أو كلاماً لطفل، أو مسحاً لرأس يتيم، أو تبسماً لجار، أو نصحاً لرفيق في عمل، أو استماعاً لكلمة أو محاضرة أو قراءة قرآن، حتى لو كان ذلك في السيارة، وداوم فأحب العمل أدومه وإن قل، وكل ذلك يكسب الأجر، ويلحق بالركب. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].

стр. 337

ألحق الطاعة بالطاعة ثانياً: إذا فرغت فانصب: إذا فرغت من طاعة فانصب في طاعة أخرى، ألحق العمل بالعمل، والتعب بالنَصَب، ولا تغتر بالرأي؛ فالحكمة ضالة المؤمن، وهو أولى بها. ما ضرك أيها المؤمن بدلاً من صرف الوقت فيما لا ينفع أن تتناول كتاباً لتقرأه وتلخصه، أو تستمع لمحاضرة، أو تطالع في سير الصحابة؟! وما أكثر الأعمال! بل والله أين الأوقات؟ زيارة تكسب فيها صديقاً، أمراً بمعروف، أو نهياً عن منكر، تعرفاً على تاجر يعين أنشطة الدعوة الإسلامية بماله، بحثاً عن شيخ يؤثر في مستمعيه، درساً للزوجة والأطفال ولو بالقراءة من كتاب، زيارة للمقابر، ذكراً وتذكراً للآخرة، حضور الجنائز، كثرة السنن، قيام الليل، صيام التطوع، صدقة السر، كل ذلك يكون في غير توان ولا بطالة؛ فإن التواني والبطالة -والله- لا يولدان إلا الخزي والندامة، على حد قول القائل: تزوجت البطالة بالتوانِي فأولَدَهَا غُلاماً مع غُلامَة فأمَّا الابن سموه بفقرٍ وأما البنت سموها ندامة إن تيار الحياة محدود، وفرصة العيش بها قصيرة، فسددوا وقاربوا ولا تجهدوا أنفسكم فتملوا وتتركوا عملكم، وكونوا كما قيل: يمشي الهوينا ويجي في الأول

стр. 338

الاستعجال من الشيطان ثالثاً: لا تستعجلوا؛ فإن الاستعجال يقود إلى الفشل، فتضطر إلى تكرار العمل، فلو جمعت الوقت الأول مع وقت الإعادة لكان أطول من وقت واحد. أقول هذا لبعض المتعجلين الذين يتهمون أهل الأناة بالتباطؤ؛ لأنهم هم يستعجلون، وليتهم يفلحون ويعملون، لكن لا حاجة يدركون، ولا أرضاً يقطعون، ولا ظهراً يبقون، ولا لساناً يكفون، وفي ذلك يستعجلون: منا الأناةُ وبعضُ القومِ يحسبُنَا أنا بطاءٌ وفي إبطائِنَا سرع

стр. 339

اترك الفراغ رابعا: إياكم والفراغ! فإن من مقت الإنسان أن يكون فارغًا ليس في عمل دنيا ولا آخرة، والوقت هو الحياة فلا يضيع، وما هذا المخيم إلا مساهمة في استغلال الوقت: دقات قلب المرء قائلة له إنَّ الحياةَ دقائقٌ وثواني

стр. 340

المسارعة في التوبة وطلب الخيرات خامساً: إذا فتح لأحدكم باب خير فليسرع إليه؛ فإنه لا يدري متى يغلق عنه ذلك الباب إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكون إن حياة بعض الأخيار لا تخلو من ذنوب تضخم أحياناً لحاجة في نفس، ولكني أقول للأخيار -ووالله ما أظن من حضر إلا أخياراً-: إن التوبة تعدل ذلك كله ولا ضير، فصاحب التوبة على كل حال في خير، وكل منصف يعلم أن الكثير من أبناء الأمة غثاء، غفلات وشهوات، شطط وفساد، وعدوان وعداوات، فيهم كل منخنقة وموقوذة ومتردية ونطيحة وما أكل السبع، فيهم من لوَّثه الربا، وأذهله الخمر. والأخيار -وما أنتم إلا جزء من الأخيار- رغم كل شيء هم أهل المناقب والصدق والعفة، ولا ننزِّه أحداً، ولا نزكِّي أحداً؛ فكلنا ذوو خطأ. من لم يلحظ هذا فهو عن ميزان العدل ناكب! يليق بكم -يا أيها الأخيار- أن تثقوا بأنفسكم أنكم أمثل من على الساحة، وأنكم أهل للإصلاح، وأهل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أهل لأن تأخذوا الزمام، فلا تلتفتوا إلى وسوسة شيطان أو أكاذيب ملا، أو تخذيل مخذِّل، ولكن اعملوا، ومن أخطأ فليتب. ووالله! ثم والله! ثم والله! لا يسعكم القعود، إبرأوا ممن إذا أقدمتم أحْجَم، وإذا أعربتم أعجم، ألحقوا العمل بالعمل؛ فالعمل يدفع إلى العمل، والحسنة تقود إلى الحسنة، والحركة تولِّد الحركة، والطاعة تجلب الطاعة، وليكن لسان حال الواحد منا: أغارُ عَلَى أمَّتِي أنْ تَتِيهَ بِهَوْجِ العَوَاصِفِ فِي العيلَمِ وتقْعُدُ صَمَّاءَ مَضْرُورَةً وتطربُها لغةُ الأَبكَمِ وتَشْغَلُهَا سَفْسفَاتُِ الأمورِ عن الفَرض والواجبِ الأقدَمِ وتدْفِنَ آمَالَهَا بالضُّحَى وتُمسِي وتُصْبِحُ فِي مَأْتَمِ تُناشِدُ أبْنَاءَهَا عروةً مِنَ الدِّينِ والحَقِّ لَمْ تُفْصَمِ وتَرْجُو لِعِلاتِها مَرْهَماً وَلَيْسَ سِوَى الدِّينِ مِنْ مَرْهَمِ أخِي لا تَلِنْ فالأُلى قُدوة لِمِثْلِي ومِثْلِكَ في المَأزَمِ لهم قدرهم باعتبارِ الرِّجالِ وسُمْعَتُهُم فِي ذُرَا الأْنجُمِ تقَدَّمْ فَأنْتَ الأَبِيُّ الشُّجَاعُ ولا تتهَيَّبْ وَلا تُحْجمِ علَيْكَ بِهَدْي الرَّسُولِ الكَرِيمِ ومنهاجِ قرآنك المُحْكَمِ تحرَّكْ فَأَنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ ولو أثَّرَ القيدُ فِي المِعْصِمِ فلا تَتَنَازَلْ ولا تَنْحَرِفْ ولا تتشاءَمْ ولا تَسْأَمِ ولا تكُ مِنْ معشرٍ تافهٍ يَقِيسُ السَّعَادَةَ بالدِّرْهَمِ يعيشُ وليسَ لهُ غايةٌ سِوَى مشرب وسوى مطعم

стр. 341

لتكن لك خبيئة عند الله أخيراً: ليكن لكل واحد منا خبيئة من عمل، لا يعلم بها إلا علام الغيوب؛ فلعلها الباقية النافعة. أحبتي في الله: عليكم بمدارسة القرآن، ومدارسة السنة، ومدارسة السيرة، واقتدوا بجيل الصحابة، واتقوا الله وكونوا مع الصادقين، وما أقوله للرجال أقوله للنساء، ما يقال لهم يقال لهن، ولا أريد أن أزيد على ذلك فقد أطلت. أسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، أن يجمعنا وإياكم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. اللهم يا ذا العزة التي لا ترام، والملك الذي لا يضام، يا من لا يهزم جنده، ولا يغلب أولياؤه، أنت حسبنا، ومن كنت حسبه فقد كفيته، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل. اللهم كن للمسلمين ولا تكن عليهم، اللهم كن للمسلمين ولا تكن عليهم، اللهم كن للمسلمين ولا تكن عليهم، وامكر لهم ولا تمكر بهم، وامكر لهم ولا تمكر بهم، وامكر لهم ولا تمكر بهم. وانصرهم على من بغى عليهم، وانصرهم على من بغى عليهم. اللهم فكَّ أسرهم، اللهم فكَّ أسرهم، اللهم فكَّ أسرهم. اللهم قوِّ شوكتهم، واجعل الدائرة على عدوهم. يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام. وآخر دعوانا أن الحمد له رب العالمين. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 342

عوامل بناء النفس النفس بطبيعتها ذات طموح إلى الشهوات، ونكوص عن الطاعات، لكن قمعها عن رغباتها إلى رغبات الدين فيه عزها وتمكينها. والناس في بناء النفس مختلفون، يظهر ذلك من خلال استقبال المحن والمنح والإغراء والتحذير، فمن أسس بنيانه على رضوان الله فلا تضره فتنة، وأما من أسس بنيانه على شفا جرف هار فهو كالريشة، تتلاعب به رياح الفتن.

стр. 343

الصنف الأول: بنوا أنفسهم على الحق إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، شهادة عبده وابن عبده وابن أَمَتِه، ومن لا غنى له طرفة عين عن رحمته. وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صُمّاً، وقلوباً غلفاً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلِّم تسليماً كثيراً. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم من نفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]، ﴿يا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله أن يجعل هذا الجمع في ميزان الحسنات في يوم تعز فيه الحسنات. أما بعد: أحبتي في الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله جل وعلا، وأن نقدم لأنفسنا أعمالاً تبيِّض وجوهنا يوم نلقى الله ﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦] ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ محْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٣٠] ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان:٢٥] ﴿يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان:٢٧] ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] يوم الحاقة، يوم الطامة، يوم القارعة، يوم الصَّاخة ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ منْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٢٤ - ٣٧].

стр. 344

التباين في بناء النفس اعلموا أن النفس بطبيعتها -يا أيها الأحبة- طموحة إلى الشهوات واللَّذَّات، كسولة عن الطاعات وفعل الخيرات، لكن في قَمْعِها عن رغبتها عزُّها، وفي تمكينها مما تشتهي ذلها وهوانها؛ فمن وُفِّق لقمْعِها نال المُنَى، ونفسَه بنى. ومن أرخى لها العنان ألْقَتْ به إلى سُبُل الهلاك والردى، ونفسَه هدم وما بنى. فمن هجر اللذات نال المنى ومن أكبَّ على اللذات عض على اليد ففي قمع أهواء النفوس اعتزازها وفي نيلها ما تشتهي ذلُّ سرمدِ فلا تشتغل إلا بما يُكسب العلى ولا ترضَ للنفس النفيسة بالرَّدِي وعلى هذا فالناس مختلفون في بناء أنفسهم وتأسيسها وتربيتها اختلافاً بيِّناً جليّاً واضحاً، يظهر ذلك في استقبال المِحَن والمِنَح، والإغراء والتحذير، والنعم والنِقَم، والترغيب والترهيب، والفقر والغنى؛ فمنهم من أسَّس بنيانه على تقوى من الله ورضوان؛ فلا تضره فتنة، ولا تُزَعْزعُه شبهة، ولا تغلبه شهوة، صامد كالطود الشامخ، فهم الحياة نعمة ونقمة، ومحنة ومنحة، ويسراً وعسراً، ثم عمل موازنة، فوجد أن الدهر يومان ذا أمن وذا خطر والعيش عيشان ذا صفو وذا كدر فضبط نفسه في الحاليْن؛ فلم يأسَ على ما فات، ولم يفرح بما هو آتٍ؛ فلا خُيَلاء عند غنى، ولا حزن عند افتقار، لا يبطر إن رَأَس، ولا يتكدر إن رُئِس، يقلق من الدنيا، ولا يقلق على الدنيا أبداً، يستعجل الباقية على الفانية؛ فتجده راضي النفس، مطمئن الفؤاد، إن هذا الصنف من الناس صنف قيِّم كريم، لكنه قليل قليل، وما ضره أنه قليل وهو عزيز؛ فمثله كالشجرة الطيبة، عميقة الجذور، ثابتة الأصول، مفيدة الفروع، لا تزعزعها الأعاصير، ولا تنال منها العواصف، والسر إنه الإيمان، الذي إذا خالطت بشاشته القلوب ثبت صاحبه، واطمأن وضرب بجذوره فلا تزعزعه المِحَن، ولا تؤثر فيه الفتن؛ بل يُكِنُّ الخير ويجني الفوائد، شجر بثمر، لسان، حال هذا الصنف: أنا الحسام بريق الشمس في طرفٍ مني وشفرة سيف الهند في طرف فلا أبالي بأشواك ولا مِحَنٍ على طريقي ولي عزمي ولي شغفي ماض فلو كنت وحدي والدُّنَا صرخت بي قف لسرت فلم أُبطئ ولم أقفِ وهذه نماذج من هذا الصنف العزيز الشامخ القليل، جديرة بالتأمل، أضعها بين أيديكم، وهي قليل من كثير.

стр. 345

سعد بن الربيع بناء ثابت هاهو مجاهد، جريح من جرحى أحد به سبعون ضربة؛ ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم، لم يبقَ له في هذه الدنيا وما فيها من أهل ومال ومتاع إلا لحظات. فيمَ كان يفكر هذا الشخص؟ وما الذي كان يشغل باله؟ اسمع ما رواه الحاكم عن زيد بن ثابت ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ يوم أحد لطلب سعد بن الربيع ﵁ وأرضاه في القتلى، وقال لي: ﴿إن رأيته فأقرِئْه مني السلام، وقل له: يقول رسول الله ﷺ : أخبرني كيف تجدك؟﴾ قال زيد: فجعلت أبحث عنه في القتلى، فأصبته وهو في آخر رمق، به سبعون ضربة؛ ما بين طعنة رمح، وضربة سيف، ورمية سهم، فقلت له: يا سعد! إن رسول الله يقرؤك السلام، ويقول: أخبرني كيف تجدك؟ قال: وعلى رسول الله ﷺ السلام وعليك السلام، قل له: إني -والله- لأجد رائحة الجنة -ليس هذا موضع الشاهد، ولكن اسمع ماذا قال؟ - وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله أن يُخلص إلى رسول الله ﷺ وفيكم عين تطرف، ثم فاضت روحه ﵀. ثبت سعد وعلَّم غيره دروس الثبات وهو يودِّع الدنيا، فما أوصى بأهل، وما أوصى بمال، كان همُّه أعلى وأغلى وأحلى، همُّه الرسالة والرسول ﷺ ؛ فرَضِيَ الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة مأوانا ومأواه. ولئن انتقلت بعيداً عن هذا لوجدت الخير في الأمة لا يزال وسيبقى بإذن الله .

стр. 346

الزهري لا تغيره محنة أو منحة ها هو الزهري عليه رحمة الله ذلكم المحدث الكبير الذي يدخل على هشام بن عبد الملك، فيقول هشام للعلماء -وكانوا حوله-: من الذي تولى كِبر الإفك في حادثة الإفك؟ -وكان هشام يدعي أن الذي تولى كبره هو علي ﵁ وأرضاه، فقال هشام لـ سليمان بن يسار: من الذي تولى كبره؟ قال: ابن أُبيّ، فقال هشام: كذبت، هو علي بن أبي طالب، فقال سليمان: الأمير أعلم بما يقول، ثم قال للآخر: من الذي تولى كبره؟ فأجابه وكذَّبه. ثم وصل الدور إلى الإمام الزهري عليه رحمة الله ذلكم الرجل الذي نحسب أنه أسَّس بنيانه على تقوى من الله ورضوان، فقال له هشام: من تولى كبره؟ قال: ابن أُبيّ -عليه من الله ما يستحق- قال: كذبت، فانتفض الإمام الزهري، وقال: أنا أكذب لا أبا لك! والذي لا إله إلا هو لو نادى منادٍ من السماء: أن الكذب حلال ما كذبت، والذي لا إله إلاَّ هو لقد حدثني سعيد وعروة وعبيدة وعلقمة عن عائشة بأن الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي، فارتعد هشام وانتفض، وقال: هيَّجناك يا إمام سامِحْنا، سامِحْنا. إنه الثبات! وإنه بناء النفس الذي لا يضره أي موقف يتعرض إليه من محنة أو منحة! وقبل هذا وذاك أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم.

стр. 347

يوسف ﵇ الثبات بكل معانيه هاهو يوسف ﵇ في عنفوان شبابه، وفي قمة نضجه؛ تخرج وتبرز إليه امرأة العزيز الجميلة، بأبهى حُلَّة، متعطرة، متبهرجة، مبدية لمفاتنها، قد غلَّقت الأبواب، ودَعَتْهُ بصريح العبارة ولم تُكنِّ، فقالت: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣] أقبل ﴿قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣]. ولم تقتصر الفتنة عند ذلك؛ بل ازدادت سعيراً حين شملت نساء عِلْيَة القوم؛ حين أُعجِبْنَ بيوسف ﵇ وفُتِنَّ برجولته وجماله؛ فأخذن يطاردْنَه يُردْنه أن يعمل بهن الفاحشة، وتبلغ الأمور ذروتها يوم تأتي امرأة العزيز تهدده، وتقول: ﴿وَلَئِن لمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونن من الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف:٣٢] فماذا رد؟ ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن منَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣]. إنه ثبات أنبياء الله أمام الشهوات وأمام التهديدات، عليهم صلوات الله وسلامه، وهم الأسوة والقدوة. إنه الثبات بكل معانيه، والثبات بكل مبانيه أمام الشهوات وأمام الشبهات، والذي لا يوفَّق له إلا مَنْ علم صدقَه ربُّ الأرض والسماوات.

стр. 348

الإمام أحمد ذهب أحمر لا يَخْفَاكُم إن خَفَاكُم شيء ما لقيه الإمام أحمد في سبيل عقيدته من أذى وتعذيب، تُخلَع يداه، ويُجلد السياطَ الكثيرة، يختار الظالمون له عدداً من قساة القلوب، وغلاظ الأفئدة ليجلده كل واحدٍ منهم سوطيْن بكل ما أوتي من قوة، وهم يتعاقبون عليه، وهو ثابت كالطَّوْد الأشمِّ، لا يتراجع أبداً، يغمى عليه من شدة التعذيب ثم يفيق، فيعرض عليه الأمر فلا يتراجع، حتى انتصر بإيمانه وبناء نفسه، وبتوفيق الله قبل هذا وذاك، وكان انتصاره دليلاً على الإخلاص والعزم والقوة. لقد خرج الإمام من المحنة خروج السيف من الجلاء، والبدر من الظلماء، أُدخل في الكِير فخرج ذهباً أحمر، وتواطأت القلوب على محبته، حتى أصبح حبه شعاراً لـ أهل السنة. فأين الذين عارضوه؟ وأين الذين عذَّبوه؟ وأين الذين نالوا منه؟ ذهبوا إلى ما قدموا. وبقي حيّاً بذكره، والذكر للإنسان عمر ثانٍ، والبغي مهما طال عدوانه، فالله من عدوانه أكبر.

стр. 349

العز بن عبد السلام الإباء والاستعلاء وتتعاقب النماذج الثابتة المبنية في هذه الأمة، والخير فيها ولو خلت لانقلبت -كما قيل-. ويتحالف الصالح إسماعيل مع الصليبيين، والثمن تسليم ديار المسلمين، فشهد ذلك الأمر العز بن عبد السلام، وشقَّ عليه الأمر، شقَّ على سلطان العلماء، فأنكر ذلك أيَّما إنكار، وترك الدعاء لـ إسماعيل، وعندئذٍ كتب جواسيس السلطان الذين بثَّهم لاستراق السمع بذلك، ورفعوا التقارير الظالمة، وحرَّفوا القول وزخرفوه، فجاء كتاب السلطان باعتقال العز بن عبد السلام عليه رحمة الله. فسجن وضُيِّق عليه، ثم أطلق ومُنع من الخطابة والتدريس، ومُنع من الاجتماع إليه، وخرج مهاجراً إلى أرض مصر، فأرسل له السلطان رسولاً وطلب منه التلطف مع العز، وعرض عليه بعض الأمور علَّه أن يلين أو يَهِن أو يضعف. وقال: إن وافق فذلك، وإن خالف فاعتقله في خيْمة بجانب خيْمتي. فذهب رسول السلطان إلى سلطان العلماء، وقال له: يا إمام! بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وما كنت عليه وزيادة أن تنكسر للسلطان، وتقبل يده لا غير، فأبى سلطان العلماء إلا الثبوت على محض الحق، وقال قولاً خرَّ من هوله ذلك الرسول صعقاً. قال: يا مسكين! والله الذي لا إله إلا هو ما أرضى أن يقبل السلطان يدي فضلاً عن أن أقبل يده، يا قوم أنتم في وادٍ وأنا في وادٍ، الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به. فأرغى رسول السلطان وأَزْبَدَ وهدده، وأعلن اعتقال الشيخ على الملا، فقال الشيخ: افعلوا ما بدا لكم، فاعتقلوه في خيمة بجانب خيمة السلطان، فأخذ الشيخ يرتل آيات الله البينات، يتصل بالله عن طريق التعبد بكلام الله. وكان بعض ملوك الصليبيين عند ذلك السلطان، فقال هذا السلطان: أتسمعون هذا الذي يقرأ القرآن؟ قالوا: نعم. قال: هذا أكبر رجل دين في المسلمين، وقد حبسته وعزلته عن الخطابة والتدريس من أجلكم، فلما سمع ملوك الفرنجة هذه الميوعة الرخيصة من ذلك السلطان أرادوا أن يهينوه ويُذلُّوه؛ لأنه هان واستمرأ الهوان فقالوا: والله لو كان هذا قسيسنا لغسَّلنا رجليْه وشربنا مرقتها. ثم انتصر المسلمون بعد ذلك على الصليبيين، ونجَّى الله الشيخ من كيد الشيطان وحزبه، فدخل مصر آمناً لم يقدم تنازلاً، وازداد في الحق صلابة، فرحمه الله. إنه بناء النفوس، إنه الإباء والاستعلاء، إنها ليست كبرياء إنما هي عزة العقيدة وعلو الراية ولاشك، ولقد تعرض البناة لأنفسهم في كل العصور لمواقف فنجحوا فيها بفضل الله.

стр. 350

بناء النفس يظهر في الفتن أحدهم يصدع بكلمة الحق فيشْرَق بها المنافقون والظالمون، ويذيقونه في سبيلها ألواناً شتى من التعذيب في السجن لا تضاهيها إلاَّ ألوان التعذيب في محاكم التفتيش في القرون الوسطى، كانوا يسلطون عليه الكلاب بعد تجويعها، فتطارده الساعات، ثم تنقض على لحمه، تنهشه نهشاً إذا توقف عن الجري وهو صابر ثابت، معتصم بالله، لم يرده ذلك عن هدفه، ولم يصده عن بغيته وغايته، فأغاظهم ذلك فماذا يفعلون؟ حكموا عليه بالقتل، وتلك -والله- فتنة أيما فتنة، ثم جاءه الإغراء أن استرحِمْ ذلك الظالم ليخفف عنك الحكم، فقال في إباء واستعلاء: لئن كنت حوكمت بحقٍ فأنا أرتضي الحق، وإن كنت حوكمت بباطل؛ فأنا أعلى من أن أسترحم الباطل، إن إصبعي التي تشهد لله بالوحدانية كل يوم مرات لترفض أن تقر حكم ظالم أيّاً كان ذلك الظالم ثم يقاد إلى حتفِه، ولسان حاله: الله أسعدني بظل عقيدتي أفيستطيع الخلق أن يشقوني ويأتي أحد علماء السوء الذين باعوا دينهم بعرَضٍ من الدنيا، وما بنَوْا أنفسهم ليلقنه كلمة التوحيد التي يُقاد إلى الموت من أجلها، فيقول له: قل: لا إله إلا الله فيتبسم تبسم المغضب، ويقول: يا مسكين! أنا أقاد إلى الموت من أجل لا إله إلا الله، وترجع أنت لتأكل فتات الموائد بلا إله إلا الله، لا نامت أعين الجبناء. إنه البناء الحقيقي للأنفس، إنها الثقة بأنهم على الحق، إنها الثقة بغلبة دين الهدى على دين الهوى وبقوة الله على كل القوى. لا تظنوا -يا أيها الأحبة- أن البناء في الرجال فقط، إنه كذلك في النساء والأطفال.

стр. 351

محمد بن عاصم وبذله من أجل العقيدة هاهو أحد المحدثين بـ خراسان، واسمه محمد بن عاصم عليه رحمة الله له بُنيات صغار، لا ولد ذكر يقوم عليهن، انتقل إلى بغداد يوم سمع بمحنة الإمام أحمد ليحدث الناس، ويسد ثغرة قد فُتِحَت في ذلك البلد، ترك بنياته بـ خراسان، وسمع في بغداد بتلك المحنة، فانطلق إلى الإمام أحمد، وقد علم أنه سُجن وعُذِّب وأوذي في الله ، فقال لأصحابه - وهو يحدث يوماً من الأيام في حلقته-: ألا نقوم فنقول كلمة الحق؟ وقام ليقولها، وتذكر بنياته اللاتي تركهن في خراسان، وعلم أن رجلاً يقوم ليقول كلمة في ذلك المقام ما عاقبته إلا الموت. وهو في هذا الصراع مع نفسه يأتيه كتاب من بنيَّاته يقلن له: يا أبانا! إنا قد سمعنا أن الرجل قد دعا الناس إلى القول بخلق القرآن، وإنا نأمرك بألا تجيب؛ فوالذي لا إله إلا هو -يا أبانا- لأن يأتينا نعْيُك أحبُّ إلينا من أن نسمع أنك قلت بخلق القرآن. الله أكبر! إنه البناء في أوساط النساء، وفي أوساط البنات، وفي أوساط الرجال، أُسَرٌ لم تعرف إلا ربها فهان في سبيله كل شيء، واستعذب في سبيله كل صعب. كل بذل إذا العقيدة ريعَتْ دون بذل النفوس بذل زهيد مسلم يا صعاب لن تقهريني في فؤادي زمازم ورعود لا أبالي ولو أُقيمت بدربي وطريقي حواجز وسدود من دمائي في مقفرات البراري يطلع الزهر والحيا والورود هذه سمة المؤمنين، الاطمئنان إلى الله يملأ نفوسهم فيبنيها، يحرك جوارحهم فيقوِّيها، لا يستمدون تصوراتهم وقِيَمَهم وموازينهم من الناس، وإنما يستمدونها من رب الناس؛ فأنى يجدوا في أنفسهم وهناً عند محنة أو عند منحة أو عند شهوة، أو يجدوا في قلوبهم حزناً على فائت من الدنيا؟ إنهم على الحق؛ فماذا بعد الحق إلاّ الضلال، وليكن للباطل سلطانه، وليكن له هيله وهيلمانه، وليكن معه جمعه وجنوده، إن هذا لا يغير من الخطب شيئاً. هذا هو الصنف الأول من الناس، ممن أسَّسَ بنيانه على تقوى من الله ورضوان؛ هامات لا تنحني، وقامات لا تنثني، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل هذا الصنف.

стр. 352

الصنف الثاني: بنوا أنفسهم على شفا جرف هار أما الصنف الثاني: فأسَّس بنيانه على شفا جُرُف هارٍ، يعبد الله على حرف، إن أصابه خير اطمأنَّ به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، يذوب أمام المحنة فلا يتماسك، يلعب بعواطفه الخبر البسيط فلا يثبت، يطير فؤاده للنبأ الخفيف فلا يسكن، فؤاده هواه، يعيش موزعاً بين همِّ حياة حاضر ومفاجآت تنتظر، لا تطمئن لقوله، ولا تثق في تصرفاته، بصره زائغ، عقله فارغ، أفكاره تائهة، مغلوب على أمره، لا ينفع في ريادة ولا يُعتمَد عليه في ساقة، جبان مفتون فرَّار غرَّار. يوماً يمانٍ إذا لاقاه ذو يمنٍ وإن تلقى معديّاً فعدناني مثل هذا كالشجرة لا جذور لها ولا ثمرة، لا تثبت أمام الريح، ولا تقوى على مقاومة الآفات، أو كالبناء بلا أساس، سرعان ما يخر سقفه على من فيه، فهو قلق بائس متردد، تعصف به الفتن، وتدمره المِحَن، إن عذلته لم يرعوِ، إن خاطبته لم يفهم. ومن البلية عدل من لا يرعوي عن غيِّه وخطاب من لا يفهم إن المؤمن ليقف شامخاً وهو يرى مثل هذا الصنف البائس، وقد غرق في شهواته الهابطة، وفي نزواته الخليعة السافلة يَعُبُّ منها، لكنها حكمة الله البالغة، التي أرادت أن يقف الإيمان مُجرَّداً من الزينة والطلاء، عاطلاً عن عوامل الإغراء، لا هتاف لذة، ولا دغدغة شهوة، وإنما هو الجهد ليقبل عليه من يقبل وهو على يقين أنه يريد الله والدار الآخرة، ولينصرف عنه من يبتغي المطامع والمنافع الدنيوية، ومن يشتهي الزينة ويطلب المتاع؛ ليحيا من حيَّ عن بينه ويهلك من هلك عن بينة.

стр. 353

ملك غسان وبناؤه المنهار هاهو أحد الساقطين الذين بنوا أنفسهم على شفا جرف هار فانهار بهم، إنه جبلة ملك غسان، أسلم وجاء المدينة في موكب عظيم بحاشيته وجنده، ففرح المسلمون بإسلامه كثيراً، فخرجوا للنظر فيه وفي موكبه، فإذا الخيول معقودة أذنابها، وسلاسل الذهب في أعناقها، وعلى رأسه التاج المُرَصَّع بالجوهر، وذهب إلى مكة وجعل يطوف بالبيت، وبينما هو يطوف إذ وطئ رجل فزاري إزاره، فلطم جبلة الفزاري فهشم أنفه، فشكاه الفزاريُ إلى عمر ﵁ وأرضاه. فبعث عمر إلى جبلة فأتاه، فقال له عمر: ما هذا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، إنه تعمد وطأ إزاري فلطمته، ولولا حرمتك لضربت ما بين عينيه بالسيف، فقال عمر: قد أقررت على نفسك بما فعلت؛ فإما أن تُرضي الرجل، وإلا أقتص له منك بهشم أنفك كما فعلت به. قال: وكيف ذلك وهو سوقة، وأنا ملك؟ قال عمر ﵁: الإسلام سوَّى بينكما. فلم يرَ جبلة مخرجاً إلا بإعطائه مهلة، فطلب مهلة إلى الغد ليلوذ بالفرار ليلاً؛ ويرتدَّ عن دينه، ولو علم الله فيه خيراً لأسمعه، سقط عند أول امتحان؛ لأن البناء لم يؤسَّس على تقوى، وإنما أُسِّس على شفا جُرُفٍ هارٍ. كيف يقوى على العواصف غرس جذره في ترابه موءود

стр. 354

أسباب بناء النفس أحبتي في الله: بعد الذي سمعتم لعلكم أدركتم أن الحاجة العظيمة ماسَّة إلى بناء أنفسنا، وتأسيسها على تقوى من الله ورضوان، أشد من الحاجة إلى الطعام والشراب والكساء. ذلك لعدة أسباب لعلنا أن نقف عليها: أولاً: لكثرة الفتن والمغريات وأصناف الشهوات والشبهات؛ فحاجة المسلم الآن -لا ريب- إلى البناء أعظم من حالة أخيه أيام السلف، والجهد -بالطبع- لابد أن يكون أكبر؛ لفساد الزمان والإخوان، وضعف المعين، وقلة الناصر. ثانياً: لكثرة حوادث النكوص على الأعقاب، والانتكاس، والارتكاس حتى بين بعض العاملين للإسلام، مما يحملنا على الخوف من أمثال تلك المصائر. ثالثاً: لأن المسئولية ذاتية، ولأن التبعة فردية: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نفْسِهَا﴾ [النحل:١١١]. رابعاً: عدم العلم بما نحن مقبلون عليه؛ أهو الابتلاء أم التمكين؟ وفي كلا الحاليْن نحن في أَمَسِّ الحاجة إلى بناء أنفسنا لتثبت في الحالين. خامساً: لأننا نريد أن نبني غيرنا، ومن عجز عن بناء نفسه فهو أعجز وأقل من أن يبني غيره، وفاقد الشيء لا يعطيه كما قيل.

стр. 355

من عوامل بناء النفس لذلك كله كان لابد من الوقوف على بعض العوامل المهمة في بناء النفس بناءً مؤسَّساً على تقوى من الله ورضوان؛ فها هي بين أيديكم -الآن- بعض العوامل غير مرتبة، فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً.
следующие страницы →