Полный текст (977 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر
الصفحة التاسعة:
لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر
جاء في إنباء الرواة في ترجمة أبي نصر القرطبي قال: كنا نختلف إلى أبي علي القالي ﵀ وقت إملائه النوادر في جامع الزهراء بـ قرطبة ونحن في فصل الربيع، قال: فبينما أنا ذات يوم في بعض الطريق إذ أخذتني سحابة، فما وصلت إلى مجلس أبي علي إلا وقد ابتلت ثيابي كلها، وحوالي أبي علي أعلام أهل قرطبة، فلما رآني مبتلاً بالماء أمرني بالدنو منه، وقال لي: مهلاً يا أبا نصر! لا تأسف، ولا تأس، ولا تحزن على ما عرض لك؛ فهذا شيء يضمحل عنك بسرعة، بثياب تبدِّلها بغير ثيابك، لكن اسمع -يريد أن يعزيه وأن يسليه على ما أصابه- قد عرض لي -يقول أبو علي عن نفسه- ما أبقى في جسمي ندوباً وجروحاً تدخل معي القبر، لقد كنت أختلف في الطلب؛ يعني في طلب العلم إلى ابن مجاهد رحمة الله عليه فذهبت إليه آخر الليل قبل طلوع الفجر؛ لأقترب منه لأستفيد، فلما انتهيت إلى الطريق الذي كنت أخرج منه إلى مجلسه ألفيته مغلقاً، قال وعسر عليَّ فتحه، فقلت: سبحان الله! أبكِّر هذا البكور ثم أغلب على القرب منه، والله لا يكون ذلك، فنظرت إلى سَرَبٍ بجانب الدار ضيق فاقتحمته، فلما توسطته ضاق بي ذلك السرب وذلك النفق، فلم أقدر على الخروج منه، ولم أستطع النهوض، قال: فاقتحمته بشدة حتى خرجت بعد أن تخرقت ثيابي، وأثَّر السرب في لحمي حتى انكشف العظم، ومنَّ الله علي بالخروج فوافيت مجلس الشيخ على حالتي هذه، فأين أنت مما عرض لي؟ ثم أنشد يقول:
دببتُ للمجدِ والسَّاعينَ قدْ بَلَغُوا جُهدَ النُّفوسِ وألقَوا دُونَهُ الأزرَا
وكابدوا المجدَ حتَّى ملَّ أكثرُهُم وعانَقَ المجدَ مَنْ أوْفَى ومَنْ صبرَا
لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
قال أبو نصر: فسلاني ما حكاه، وهان عندي ما عرض لي من بلل للثياب بجانب ما أصابه، فلازمته حتى مات، فرحمة الله على الجميع.
هم أسلافنا، وندعي الصلة بهم، فهل مجالسنا مجالسهم، وهممنا هممهم؟
لمَّا تَبَدَّلَتِ المَجالسُ أوجُهاً غيرَ الذينَ عَهِدتُ مِنْ عُلمائِهَا
ورأيتُها محفوفةً بِسِوَى الأُلَى كَانُوا وُلاةَ صُدُورِهَا وفَنَائِها
أنشدتُ بيتاً ثائراً متقدماً والعينُ قدْ شرَقَت بجَارِي مائِها
أما الخيامُ فإنَّها كخيامهِم وأَرَى نِساءَ الحَيِّ غيرَ نِسَائِها
يا حسرةً من لي بصفقةِ رابح فِي مَتْجَرٍ والعِلْمُ رأسُ المالِ
يا ويح أهل العلمِ كيفَ تأخَّرُوا والسَّبْقُ كُلُّ السَّبْقِ للجُهَّالِ
فإِلَى إلهِي المُشْتَكَى وبفضلِهِ دونَ الأنامِ منوطة آمَالِي
لله هذه المواقف ما أبلغها! وما أعلى على هام الثُّريَّا مواضعها! وهكذا فليكن الطلب وإلا فلا.
إن هذه الصفحة - أعني الماضية- لتذكِّر بموقف آخر لـ ابن برهان؛ كما جاء في طبقات الشافعية يوم تزاحم الطلاب على بابه حتى صار جميع نهاره، وقطعة من ليله مستوعباً في التدريس، يجلس من وقت السحر إلى وقت العشاء الآخرة، ويتأخر أحياناً بعدها إذا دعت الحاجة لذلك.
ذكر أن مجموعة من طلبة العلم سألوه أن يدرس لهم كتاباً فقال: لا أجد لكم وقتاً، فذكروا أوقاتاً معينة فلم يجد إلا في نصف الليل فوافقوا.
وانظر يا أخي كيف نظم أوقاته للعبادة والطاعة والمنام والمطالعة والحفظ والتدريس والقراءة وهذا شيء مهم جداً يتمكن به العالم وطالب العلم من بلوغ مرغوباته العلمية جميعاً، فلا يطغى مرغوب على مرغوب.
ثم انظر أخي طالب العلم -رعاك الله- إلى هذا الصبر العجيب من هذا الشيخ الجليل على بث العلم ونشره، والاحتساب في أدائه ونقله، ثم انظر أخرى إلى هذا الشوق والحرص المحرق من أولئك الطلبة المحترقين بالعلم الذين لم يجدوا وقتاً ليقرءوا عليه إلا نصف الليل، فأتوا مسرورين وظنوا أنهم محظوظون مكرمون.
ثم انظر لذلك الذي نسي بدنه واقتحم السرب وخرج اللحم عن العظم ليحظى بالقرب من العالم ليستفيد فلله در أولئك المشائخ! ولله در أولئك الآباء والطلبة الأبناء! ما أشد حب أولئك للطلب! وما أصبر أولئك على إشاعة العلم وإيصاله للمتعلمين! أداءً للأمانة ووفاءً بالعهد، وإنا لله من طلبة هذا العصر الذين يستعجلون دق الجرس ليخرجوا من الدرس المؤقت بخمس وأربعين دقيقة، في ألين الأوقات راحة، وأفضلها نشاطاً، وأجمعها ذهناً، من قاعات مبردة صيفاً مدفأة شتاءً، يخرجون يزحم بعضهم بعضاً كأنما يفرون من حريق، أو ينطلقون من سجن ظالم عنيد واهً لهم.
إذا مَا علا المرء رَامَ العُلى ويقنَعُ بالدُّونِ مَنْ كَانَ دُونَا
إذَا رأيْتَ شبابَ الحيِّ قَدْ نشئوا لا ينقلونَ مِدَادَ الحِبْرِ والوَرَقِا
وَلا تَرَاهُم لَدَى الأشْيَاخِ في حِلَق يَعُونَ مِنْ صَالحِ الأخبارِ مَا اتَّسَقَا
فذَرْهُم عنكَ واعْلَم أنَّهُم هَمَجٌ قد بَدَّلُوا بِعُلُوِّ الهِمَّةِ الخَرَقَا
أنتم كأسلافكم ومنْ يشابِه أبَهُ فمَا ظَلَمْ
على المرءِ أنْ يَسعَى إلَى الخيرِ جاهداً وليسَ علَيْهِ أن تَتِمَّ المَقاصِدُ
فانْفُضُوا النومَ وهُبُّوا للعُلى فالعلى وقْفٌ علَى منْ لَمْ يَنَم
أفيقوا لا مجال لخامل ولا سبْقَ إلا للذي يتَقَحَمُ
стр. 422
استراحة
الصفحة العاشرة: استراحة:
في السير للذهبي أن همام بن منبه قعد في مجلس ابن الزبير، وكان هناك رجل من نجران يعظمونه اسمه حنش، كبير السن، وليس له لحية، فقال رجل قرشي في مجلس لـ ابن الزبير لـ همام: من أين أنت؟ قال همام: من أهل اليمن.
قال: ما فعلت عجوزكم؟ يعني كبير السن حنش؟ قال -واسمعوا إلى القول-: عجوزنا أسلمت مع سليمان لله رب العالمين، وعجوزكم يا قريش حمَّالة الحطب، فبهت القرشي، وقال ابن الزبير: أتدري من كلَّمت؟ إنه همام، وله من اسمه نصيب.
وروي أن أبا حنيفة ﵀ كان عند الخليفة العباسي أبي جعفر ومعه الربيع حاجبه، وكان بين الربيع وبين أبي حنيفة بعض سوء فهم، فقال الربيع محاولاً الإيقاع بين أبي حنيفة وأبي جعفر: يا أمير المؤمنين! إن هذا يخالف جدك ابن عباس فلا يجيز الاستثناء في اليمين إلا متصلاً باليمين، فلو استثنى بعد يوم لم يجز له ذلك، فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين! إن الربيع يزعم أن ليس لك في رقاب الناس بيعة، فقال المنصور: كيف؟
قال أبو حنيفة: إنهم يحلفون لك على البيعة، ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل أيمانهم.
فضحك المنصور، وقال للربيع: لا تعرض لأبي حنيفة، وانقلب السحر -كما يقال- على الساحر.
وفي السير للذهبي: أرسل الأمير عيسى بن موسى إلى الإمام الأعمش بألف درهم وصحيفة ليكتب له فيها الحديث، فكتب فيها الأعمش: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، ثم أرسل بها إليه، فلما وصلت إلى عيسى رفعها ونظر فيها وقال: يابن الفاعلة؛ ظننت أني لا أحسن كتاب الله؟! فرد عليه الأعمش قال: وظننت أني أبيع الحديث؟!
وفي السير للذهبي -أيضاً- أنه أتي بـ عبد الرحمن بن عائذ إلى الحجاج، فقال له الحجاج: كيف أصبحت؟ قال: لا كما يريد الله، ولا كما يريد الشيطان، ولا كما أريد، قال: ويحك ما تقول؟
قال: نعم.
يريد الله أن أكون عابداً زاهداً، وأنا أعلم أني لست كذلك، ويريد الشيطان أن أكون فاسقاً مارقاً، وما أنا بذاك، وأريد أن أكون مخلىً في بيتي، آمنا في أهلي، ولم تتركني يا حجاج، فقال الحجاج: أدبٌ عراقي، ومولدٌ شامي، وجيراننا إذ كنا بـ الطائف، خلُّوا عنه.
فخلوا عنه.
وفي السير للذهبي -أيضاً- أن سليمان بن عبد الملك استصغر أبا العلاء؛ مولى من موالي الحجاج؛ وكان مشوهاً ودميماً.
فقال هذا المولى: إنك رأيتني والأمور مدبرة عني، ولو رأيتني وهي مقبلة لاستعظمت ما احتقرت، فقال سليمان: قاتلك الله، ما أسدَّ عقلك! أَتُرى الحجاج يهوي بعد في جهنم أم بلغ قعرها؟ قال: لا تقل ذاك، فإنه يحشر مع من ولاَّه، والذي ولاَّه أبو سليمان، فقال: مثل هذا فليُصْطَنَع.
ودخل أعرابي على سليمان بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين! إني مكلِّمك بكلام فاحتمله وإن كرهته؛ فإن وراءه ما تحب إن قبلته.
فقال: يا أعرابي -وكان عاقلاً- إنا لنجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه، ولا نأمن غشه، فكيف بمن نأمن غشه، ونرجو نصحه؟
فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين! لقد تكنَّفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياهم بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله ولم يخافوا الله فيك، حرب للآخرة وسلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله؛ فإنهم لم يألوا في الأمانة تضييعاً، وفي الأمة خَسْفاً وعَسْفاً، وأنت مسئول عما اجترحوا، وليسوا بمسئولين عما اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك؛ فإن أعظم الناس غبْناً من باع آخرته بدنيا غيره.
فقال سليمان: يا أعرابي! أما إنك سللت لسانك وهو أقطع من سيفك،
قال: أجل يا أمير المؤمنين! ولكن لك لا عليك.
والدين النصيحة، والمؤمنون نصحة، والمنافقون غششه، والنصيحة لك لا عليك.
стр. 423
من أورق بوعد فليثمر بفعل
الصفحة الحادية عشرة: من أورق بوعد فليثمر بفعل:
يروي أهل السير أن عبد الله بن عمر ﵁ أعطى رجلاً من قريش شبه وعد أن يزوجه ابنته، فلما حضرته الوفاة أرسل إليه فزوَّجه إياها، وقال: كرهت أن ألقى الله بثلث نفاق.
إذا قالَ تمَّ عَلَى قولِهِ ومات العناءُ بلا أو نَعَمْ
وبعضُ الرجالِ بمَوعودِه قريبٌ وبالفِعْلِ تحتَ الرَّجَم
كجَارِي السرابِ تَرَى لمعَهُ ولستَ بواجِدِهِ عِنْدَكَم
هذه الصفحة رسالة لي، ولإخوتي معشر طلاب العلم، وللناس عامة؛ أن نتق الله فيما نعد به؛ فكم من أوقات تهدر ومصالح للأمة تتعطل بناءً على مواعيد عرقوب، يعدك الواحد في السابعة ويأتيك إن أتى في العاشرة، أو لا يأتيك ولا يعتذر إليك عن مجيئه، وما هكذا تكون أخلاق المسلم أبداً.
إن عرقوباً المضروب به المثل أصبح واقع كثير منا هذه الأيام.
وما قصة عرقوب؟
يأتيه أخ محتاج سائل فيسأله شيئاً، فيقول: عرقوب: إذا أطلع النخل أعطيتك، فلما أطلع أتاه فقال: إذا صار بلحاً أعطيتك، فلما صار بلحاً أتاه، فقال: إذا أزهى بحمرة وصفرة، فلما أزهى أتاه، فقال: إذا صار رطباً، فلما صار رطبا أتاه، فقال: إذا صار تمراً، فلما صار تمراً خرج إليه في الليل، وقطعه في الليل ولم يعط أخاه شيئاً، فقال ذلك الرجل:
وعدتني ثم لم تُوف بموعدتي فكنت كالمُزْن لم يمطرْ وقدْ رعَدَا
كانت مواعيد عرقوبٍ لنا مثلاً وما مواعيدُهُ إلاَّ الأبَاطِيلُ
فيا أيها المؤمنون عامة! ويا طلبة العلم خاصة! إن وعد الكريم نقد، ووعد اللئيم تسويف، فإن وعدت بخير فأوف، وإن أوعدت بشر فاعف، وإياك أن تلقى الله بخصلة نفاق؛ فإن من آية المنافق أنه إذا حدَّث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا وعد أخلف، والنسيان جائز ومغفور: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
стр. 424
الحق يدفع الباطل
الصفحة الأخيرة: الحق يدفع الباطل:
أورد ابن كثير في البداية والنهاية: أنه في القرن الخامس الهجري زور يهود خيبر إحدى الوثائق -وكثيراً ما يزورون ويغشون ويكذبون ويفترون ويمكرون، وتاريخهم لا يخفى على ذي عين- زعموا في وثيقتهم أن النبي ﷺ أسقط عنهم الجزية، وأقرهم على خيبر، يمكثون فيها ما شاءوا، وكما هو معلوم فقد أخرجهم عمر ﵁ وما أخرجهم عبثاً، فإن النبي ﷺ قال: ﴿أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب﴾.
فحاولوا بهذه الوثيقة الرجوع إلى خيبر، كما يحاولون في كل زمان وبكل الوسائل المتاحة لإطفاء النور، ولن يرضوا حتى تتبع ملتهم، والله متم نوره ولو كرهوا وخططوا ودبروا ومكروا والله خير الماكرين، والعاقبة للمتقين.
زوروا الوثيقة وجاءوا بها إلى الوزير العباسي أبي القاسم بن مسلمة، جاءوا إليه وقالوا: معنا كتاب نبوي بإسقاط الجزية وإقرارنا على خيبر، بكتابة صحابي، وشهادة الصحابة، فنظر الوزير في الوثيقة وفكَّر وقدَّر وتأمل وتملَّى، ثم لم يفصل في المسألة، بل رد الأمر إلى أهله الذين يستنبطونه.
دفع الكتاب -وحسناً فعل- إلى الحافظ الخطيب البغدادي؛ شيخ علماء بغداد ومؤرخها ومحدثها في عصره، فنظر فيها ثم قال: هذا كذب والذي لا إله إلا هو! قال الوزير: كيف ذلك؟ ما دليل كذبها؟ أريد دليلاً.
قال: لأنها بكتابة وشهادة معاوية بن أبي سفيان ﵁ ولم يكن أسلم إلا عام فتح مكة، فكيف يكتب للنبي ﷺ أو يشهد قبل إسلامه بعام، هذه واحدة.
أما الثانية: فإنها بشهادة سعد بن معاذ ﵁، وسعد بن معاذ قد مات بعد الأحزاب وقبل خيبر، فكيف يشهد بعد وفاته بأكثر من عام؟
فبهت الذين كفروا، والله لا يهدي القوم الظالمين، وخابوا وخسروا، أولئك في الأذلين.
وبذلك نقضت الوثيقة، وظهر زيفها وباطلها، ولو جيء بها إلى غير أهلها -العلماء- لوقعت الأمة في شباك أعدائها ولكنه العلم.
العلم يجلو العمى عن قلب صاحبه كما يجلي سوادَ الظلمة القمرُ
وقبل ذلك بعدة قرون يجيء رجل من الخوارج إلى أبي حنيفة ﵀ فيقول له: تب وعد إلى الله، قال أبو حنيفة: مِمَّ؟ قال الخارجي: من قولك بتجويز الحكمين في الخلاف بين علي ومعاوية، والله يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ﴾ [الأنعام:٥٧] ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤].
فقال أبو حنيفة: ألا تقبل أن تناظرني في هذا الموضوع؟ قال الخارجي: قد قبلت.
فقال أبو حنيفة: فإن اختلفنا فمن يحكم بيني وبينك؟
قال الخارجي: من شئت.
قال -وكان مع الخارجي صاحب له آخر- فالتفت أبو حنيفة إلى صاحبه وقال: اقعد فاحكم بيننا فيما اختلفنا فيه إن اختلفنا، فسر الخارجي بكون صاحبه هو الحكم، عندها فاجأه أبو حنيفة قائلاً: أترضى بهذا حكماً بيني وبينك؟ قال: نعم.
فقال أبو حنيفة: إذاً أنت جوَّزت التحكيم، فبهت الخارجي ولم يحر جواباً، وبهت الذين كفروا، والله لا يهدي القوم الظالمين.
العلم فيه حياة للقلوب كما تحيا البلاد إذا ما مسها المطر
وإن نسيت فلا أنسى بالأمس القريب يوم يزور أحد علماء المسلمين مدرسة نصرانية، ويُجري حديثا طويلاً بينه وبين مديرها، فكان مما قاله هذا العالم لمديرها: لماذا تحملون على الإسلام وعلى نبي الله محمد ﷺ في كتبكم المدرسية، وفي اجتماعاتكم بما لا يصح أن يقال في عصر تعارفت فيه الشعوب، والتقت فيه الثقافات كما تدعون؟
فأجاب قائلاً: نحن الغربيين لا نستطيع أن نحترم رجلاً تزوج من تسع نساء؛ يعني رسول الله ﷺ قال: ومن تحترمون من أنبياء الله؟ هل تحترمون نبي الله داود عليه صلوات الله وسلامه؟ قال: نعم.
إنه من أنبياء التوراة، قال: ونبي الله سليمان؟ قال: نعم.
إنه من أنبياء التوراة أيضاً.
فقال العالم المستضيء بنور العلم الساطع، بحجة الحق: إن نبي الله داود كان له تسع وتسعون زوجة، وأكملهن مائة من أجمل فتيات زمانهن، ونبي الله سليمان كما جاء في التوراة له سبعمائة زوجة وثلاثمائة ألف جارية، وكن من أجمل أهل زمانهن، فلم يستحق احترامكم من يتزوج ألف امرأة، ولا يستحق احترامكم من يتزوج تسعاً؛ ثمان منهن ثيِّبات وأمهات، والتاسعة هي الفتاة البكر الوحيدة التي تزوجها طيلة العمر، فسكت الرجل، وألقم الحجر، ولم يُحِر جواباً، والحق يعلو والأباطل تسفل.
أرأيتم إلى العلماء -يا أيها الأحبة- كيف يدفعون الشبه عن الأمة، ويلجمون من يقع في الأنبياء؟ لأنهم ورثة الأنبياء، بل إنهم صمام أمان الأمة ولا شك، إليهم يُرْجع في النوازل والمدلهمات، فضلهم عظيم، وخيرهم جزيل، الحيتان والنمل لهم في البحر والجحور تستغفر، والملائكة بأجنحتها لهم تخضع، والعلماء في القيامة تشفع، حياتهم غنيمة، وموتهم مصيبة، يذكِّرون الغافل، ويعلِّمون الجاهل، لا يتوقع منهم بائقة، ولا يخاف منهم غائلة، بجميل موعظتهم يرجع المقصرون.
الطاعة لهم في غير معصية الله واجبة، والمعصية لهم محرمة، من أطاعهم رشد، ومن عصاهم عند، ما ورد على إمام المسلمين من أمر اشتبه عليه فبقول العلماء يعمل، وعن رأيهم يصدر، وما ورد على ولاة المسلمين من حكم لا علم لهم به فبقولهم يعملون، وعن رأيهم يصدرون، وما أشكل على قضاة المسلمين من حكم، فبقول العلماء يحكمون وبعلمهم وعلى علمهم يعولون.
حجة الله على العباد، ولن تخلو الأرض من قائم لله بحجة: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ﴾ [النساء:١٦٥] هم سراج البلاد، ومنار العباد، وقوام الأمة، وينابيع الحكمة.
هم غيظ الشيطان، بهم تحيا قلوب أهل الحق، وتموت قلوب أهل الزيف، مَثَلهم في الأرض كالنجوم في السماء يُهْتَدى بها في ظلمات البر والبحر، إذا طمست النجوم تحيروا، وإذا أسفر الظلام أبصروا.
فليس ذو العلم بالفتوى كجاهلها ولا البصير كأعمى ما له بصر
لحومهم مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، ومن وقع في العلماء بالسلب، بلاه الله قبل موته بموت القلب.
أحبتي في الله: هذا ما تيسر جمعه من مطوي الصفحات من تاريخ مشرف احتوى على أحداث ووقائع قامت على أكتاف رجال كالنجوم تضيء لمن يسري، وتبدد الظلام، رجال أسسوا حضارة نابعة من عقيدة ليست مسخاً مشوَّهاً من حضارات مشوهة، لم يقيموا حضارتنا على فكر بشري، أو رؤية شخصية، بل أدركوا دورهم وفق ما شرعه الله، فقدموا الإسلام في صورة بناء حقيقي متماسك، في صورة مجتمع ملموس محسوس، في صورة أمَّة واقعية، فلم يتخلوا عن حياتهم، ويقبعوا في زوايا مساجدهم، بل انتشروا في الأرض يدعون بدعوة المرسلين: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٣٢] فكانت حضارة الإسلام التي نعم بها العالم أجمع، حضارة تجمع الدين والدنيا، تحققت بها مطالب البشرية من غير اعتبارات جاهلية لعنصر أو لون أو قومية، أكرمكم أتقاكم.
صفحات مطوية مضيئة وضعتها بين أيديكم مشعلاً ومناراً ومَعْلَماً ومقتدىً مع اشتغال البال، وكثرة الأوزار، فلعل سامعاً ينتفع بها.
جعل الله الجهد نافعاً، وجعلني للحق طالباً، ومن الشر محذراً، وإلى الخير منادياً.
فلئن أُفِدْ أو قد أَجَدتُّ فإنها مطوية من ربنا الباري فَتَح
فالله يجزيكم بأجر وافر ويثيبكم ويزيدكم مِمَّا صَلَح
ويبارك الرحمن في أوقاتكم حتى نرى منكم سواها قد نجح
ثم الصلاة مع السلام لأحمد والآل والأصحاب ما نُور وَضَح
اللهم إنا نسألك بأنَّا نشهد أن لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، نسألك بكل اسم هو لك، ونسألك باسمك الأعظم الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام أن تعز الإسلام والمسلمين، وأن تدمر أعداء الدين، وأن تصلح من في صلاحه صلاح للإسلام والمسلمين، وأن تهلك من في هلاكه صلاح للإسلام والمسلمين.
اللهم ثبِّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، واخلفنا بركنك الذي لا يرام، ولا تهلكنا وأنت رجاؤنا.
يا رب كم من نعمة أنعمت بها علينا قلَّ لك عندها شكرنا، وكم من بليَّة ابتليتنا بها قل لها عندك صبرنا.
يا من قل عند نعمته شكرنا فلم يحرمنا! ويا من قل عند بليته صبرنا فلم يخذلنا! يا من رآنا على المعاصي فلم يفضحنا! يا ذا النعم التي لا تحصى! يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً! هب لنا فرجاً قريباً، وصبراً جميلاً، وأعنَّا على ديننا بدنيانا، وعلى آخرتنا بتقوى، وكن لنا في الآخرة والأولى، وامكر لنا ولا تمكر بنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وتول أمرنا، أنت حسبنا ومن كنت حسبه فقد كفيته، حسبنا الله ونعم الوكيل.
وآخر دعوانا أَنِ الحمد لله رب العالمين.
وصلِّ اللهم على نبينا محمد.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 425
جلسة تكريم
إن أفضل عمل في هذه الحياة يقدمه الإنسان لنفسه هو طلب العلم، وعلى طالب العلم أن يعرف كيف يطلب العلم، وما هي الواجبات التي تلزمه، وقد بين الشيخ في هذا الدرس ما يلزم طالب العلم، ثم أتبع ذلك ببيان أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ممارسته من قبل طالب العلم، وأن يكون ذلك بلين وحكمة مع اعتزاز بهذا الدين واستعلاء بمبادئه.
стр. 426
أهمية طلب العلم والعمل به
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها الأحبة في الله! يسرنا ويسعدنا أن نعيش مع طلبة العلم دقائق وإن كنا مشغولين، لكن من باب قول القائل:
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي ولو كنا سواءً في البضاعة
يأيها الأحبة! تعلمون أن هذه الحياة عبارة عن سفينة يركبها المجتمع كله، وهي تمخر عباب البحر -وأنتم أهل البحر يا أهل جدة - لا تكاد تهدأ حتى تضطرب، تتقاذفها الأمواج من ناحية إلى ناحية، ولن يكتب الله السلامة لمن هم على ظهرها حتى يكون كل واحدٍ منهم على يقظةٍ مما يفعل وحذرٍ مما يريد.
السفينة -كما قلت- يركبها المجتمع كله، بره وفاجره، طائعه وعاصيه، المصلح والفاسد، الذي يخرق في السفينة والذي يصلح في السفينة، والذي يطارد أفراداً على ظهر السفينة، والذي يرقب الجميع ولا يحرك ساكناً.
هاهم أفراد السفينة، هم هذا المجتمع، هناك من يخرق، وهناك وراءه من يحاول إصلاح هذه الخروق، وهناك من يمنعه لئلا يحدث شيئاً في السفينة؛ لأنه بسقوط السفينة يهلك الكل.
فأقول لك يأيها الحبيب: أي فردٍ أنت على هذه السفينة؟ ماذا تفعل على ظهر السفينة؟
هذا يخرق والماء يدخل إلى داخل السفينة، وذاك يحاول الإصلاح وقد لا يصلح.
يأيها الحبيب: لا بد أن تكون ممن يحاول إنقاذ السفينة؛ لأنها إن هلكت هلك الجميع، وإن سقطت سقط الجميع.
فأقول لكم يا أيها الأحبة: إن الذي يريد أن يصلح في السفينة لا بد له من عدة يقوم بها، الذي يريد إصلاح خرق معين في جدارٍ معين، لا بد له من مؤونة معينة، لا بد له من قطعة مناسبة، يسد بها هذا الخرق، لا بد له من خياطة معينة، لا بد من هذه الأشياء كلها.
أقول لك يا طالب العلم: أنت على ظهر السفينة انتبه وجد واجتهد، ثم اجعل العلم هو أول هذه الأشياء بعد الإيمان بالله ، بل إن الإيمان بالله لا يكون إلا بعد علم، وأنتم طلبة علم، كل إنسانٍ منا ما لم يكن لديه العلم سيحاول إصلاح خرق من الخروق هذه فيزيد في اتساعه؛ لأنه يفسد من حيث يريد الإصلاح، لا بد أن تكون إيجابياً، وأن تجاهد في الإصلاح، وليكن من سلاحك العلم كما قلت لك أيها الحبيب!
يقول حافظ الحكمي عليه رحمة الله:
يا طالب العلم لا ترض به بدلاً فقد ظفرت ورب اللوح والقلمِ
عندما تأخذ العلم في يدك فاعلم أنك بحاجة إلى أمرٍ آخر مع هذا العلم، وهو أن تعمل.
أنا عندي علم بأن أصلح هذا الخرق في هذه السفينة، لكني ما عملت شيئاً، ستغرق السفينة مهما كان، إذاً لا بد أن تقوم وتعمل شيئاً:
وعالم بعلمه لم يعملن معذب من قبل عباد الوثن
الحسن البصري عليه رحمة الله يحاول إنقاذ السفينة في عهدٍ من العهود، ويتكلم ويصدع بكلمة الحق، فيقولون: نخشى عليك من فلان قال: لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليبيننه للناس ولا يكتمونه: ﴿من كتم علماً ألجمه الله بلجام من نار﴾.
إذا جاهدت وحاولت بالإصلاح ثم سقطت السفينة، ما الفرق بينك وبين غيرك؟
شتان ما بين غريقٍ وغريق!
غريق قد جاهد فإلى جناتٍ ونهر شهيداً بإذن الله ، وغريق آخر بقي ينظر للسفينة حتى هلكت أو ساهم في إغراق السفينة فهذا إلى جهنم وبئس القرار.
نسأل الله أن تكون من الجاهدين الذين يجاهدون أنفسهم أولاً، ثم يجاهدون في إصلاح سفينة الأمة لتمخر عباب البحر، فلا تقف إلا في الموقف الذي يجب أن تقف فيه على شاطئ الأمان، لا تقف إلا في جناتٍ ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
стр. 427
مزايا طالب العلم
وأقول لك وأنت تأخذ هذا العلم وتعمل به: اعلم أن الله خصك بأربع مزايا:
الأولى: الخيرية: ﴿خيركم من تعلم القرآن وعلمه﴾.
كل واحد منا يريد أن يكون خير الناس.
تعلم القرآن وعلمه تفز بهذه الخيرية.
أما الثانية: فهي النضارة والوضاءة في الدنيا والآخرة.
إنك لتجد على وجوه المؤمنين العاملين بعلمهم آثار الإيمان، ووضاءته في الدنيا، حتى وإن كان الواحد أسمر، فإنك تجد عليه وضاءة الإيمان والعمل بالعلم.
يقول النبي ﷺ : ﴿نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها؛ فرب مبلغٍ أوعى من سامع﴾.
أما الثالثة: فإن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى الحيتان في قاع البحر ليصلون على معلم الناس الخير -يدعون لمعلم الناس الخير- وهذه مرتبة عظيمة تجعل الإنسان يتفانى في أخذ العلم والعمل به.
أما المرتبة الأخيرة: فهي لا تقل عن الأولى، وهي أنك تكون معدلاً، والذي يعدلك هو رسول الله ﷺ ، فإن رسول الله ﷺ يقول: ﴿يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين﴾.
أربع خصال، يحتاج الإنسان أن يفني وقته وجهده فيها.
стр. 428
حال السلف في طلب العلم
أيها الحبيب: وأنت تطلب العلم أقول لك: ارجع إلى سلفك فإن لكل إنسان سلفاً، وسلفنا بإذن الله هم خير القرون، قرن النبي ﷺ ثم القرن الذي يليه، ثم القرن الذي يليه، وارجع إليهم كيف كان حالهم.
الإمام الشافعي عليه رحمة الله يجتمع به بعض طلبة العلم فيقولون: يا إمام ما شهوتك في طلب العلم؟ قال: إني لأسمع بالكلمة مما لم أسمع، فتود أعضائي أن يكون لها آذان، فتستمع لما استمعت له أذني -أي أن كل عضو يتمنى أن له أذنين ليستمع إلى هذه الفائدة- قالوا: فما حرصك عليه؟ قال: حرص الجموع المنوع على ماله -حرص البخيل على ماله- قالوا: فما طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلة لولدها ليس لها ولدٌ غيره -امرأة ما معها إلا واحد وضاع منها فهي تطلبه في كل مكان بكل ما أوتيت من قوة- ثم يقول بعد ذلك:
ولست بمدركٍ ما فات مني بلهف ولا بليت ولا لو اني
يقول أحمد فارس اللغوي:
إذا كان يؤذيك حر المصيف ويبس الخريف وبرد الشتا
ويلهيك حسن زمان الربيع فأخذك للعلم قل لي متى
إذا كان كلما جاء وقت قلت: نؤجله للوقت الثاني، يأتي الخريف بيبوسته فتقول: نؤجله للشتاء، يأتي الشتاء ببرده فتقول: نؤجله إلى الصيف، يأتي الصيف فتقول: نؤجله إلى الربيع، يأتي الربيع فتقول: نطلع ونتمشى ونذهب ونأتي.
كيف إذاً تطلب العلم؟! متى تأخذ العلم إن لم تأخذه في كل وقت، وتجند من وقتك جزءاً عظيماً للعلم؟!
إن الدعوة بلا علم توقع الإنسان في البدع.
إن المبتدعة عندما وقعوا في بدعتهم دعوا إلى الله بلا علم، والسلاح الأول لكم -أيها الدعاة- هو طلب العلم، ولذلك خذوا أمثلة على ذلك أيضاً، لأن الإنسان إذا نظر إلى قدوة حية أمامه -أو قدوة ميتة أيضاً- قد يحاول أن يقلدها لأنه تعجبه خصالها.
الإمام النووي عليه رحمة الله: ما كان يأكل إلا أكلة واحدة في اليوم، ويشرب شربة واحدة وقت السحر، ولا يأكل الفاكهة يقول: ترطب جسمي فتجلب لي النوم، ووالله إن أحب ما إلي أن أطالع في الكتب، ثم يلقي في اليوم الواحد أحد عشر درساً، ومنكم من هو يدرس الخمس الحصص ويراها تقض المضاجع، فما بالك بأحد عشر درساً في اليوم الواحد؟!
الإمام المنذري عليه رحمة الله: يقول أحد تلاميذه: جاورته اثنتي عشر سنة، والله ما قمت في ليلة من الليالي في أول الليل أو في آخره إلا وهو مضيء سراجه وهو يقلب كتب العلم.
شهوتهم في العلم، اشتهوا العلم، فعملوا لهذا العلم، فأنتجوا ما أنتجوا.
الإمام أحمد عليه رحمة الله: يقول عن أمه: كانت توقظني قبل صلاة الفجر، فأصلي الفجر في المسجد، وتذهب معي وعمره عشر سنوات قد حفظ القرآن، ثم بعد أن بلغت السادسة عشرة -انظروا إلى الأم، يا ليت الأمهات يسمعن مثلما نسمع من أم أحمد، ويا ليتهم يعرفون سيرة أم أحمد ليربوا الشباب على طلب العلم وعلى الدعوة إلى الله يقول: عندما بلغت السادسة عشرة قالت لي: يا بني هاجر في طلب الحديث؛ فإن طلب الحديث هجرةٌ في سبيل الله، ثم زودته ببعض أرغفة من الشعير، وقالت له: اذهب إلى المدينة وإلى مكة وإلى صنعاء واطلب العلم، وعندما أراد أن يذهب قالت: إن الله إذا استودع شيئاً حفظه، وأستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه، ويذهب إلى مكة وإلى المدينة وإلى صنعاء ليعود الإمام أحمد، وهو الآن بعد هذه السنين كلها حيٌ بين أيدينا بعلمه، ما تدخل مكتبة من المكتبات إلا وتجد الإمام أحمد أمامك
يا رُبَّ حَيٍّ رُغامُ القبر مسكنه ورُبَّ مَيْتٍ على أقدامه انتصبا
стр. 429
وصايا لطلاب العلم
стр. 430
أهمية جمع الفوائد لطالب العلم
إن الإنسان يوم يتكلم عن هؤلاء يرى بأنه لم يقدم شيئاً، لكني أقول لك: أيها الحبيب! اطلب العلم، ولا تحقرن فائدة من الفوائد؛ فإن القليل إلى القليل كثير، إن فائدةً اليوم وفائدةً غداً وفائدةً بعد غد قد تصبح بعد شهر ثلاثين فائدة، وبعد سنة كم ستصبح؟ فوائد جمة وعظيمة، لكن هل فكرت ونويت، وعلمت أن هذا العلم عبادة أفضل من بعض العبادات.
إن الصلاة عبادة لك لا تتعداك إلى غيرك، أما العلم فعبادة متعدية إلى الغير، يجب أن نعي هذه الأشياء يأيها الأحبة.
اليوم شيءٌ وغداً مثله من نخب العلم التي تلتقط
يحصل المرء بها حكمةً وإنما السيل اجتماع النقط
اجمع ولا تحقر شيئاً من العلم، وجد في طلبه ثم بلغه، فوالله لن يثبت هذا العلم إلا بتبليغه، رجل يقول: سأحفظ كل شيء ويبقى بين جنبيه ولا يبلغه لا يبقى بين جنبيه، وإنما سيضيع من بين جنبيه بين آونة وأخرى وكأنه لم يكن، هذا هو الأمر الأول.
стр. 431
ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ممارسته
إن الله قد جعلنا خير أمةٍ أخرجت للناس، لكن اشترط فينا شروطاً لنأخذ هذه الخيرية: أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونؤمن بالله.
ليسألْ كل واحدٍ منا نَفْسَه عن هذه الثلاثة، هل فعلاً هو من أهلها؟ إن كان كذلك فقد حاز الخيرية التي وعده الله بها، فهو من خير أمة، وإن قصر في ذلك فعليه أن يجتهد فيه، فلا يزال في مهلة.
ثم أقول لك يأيها الحبيب: إن الله ليحيي بكلمة تحتقرها أنت أمماً وأمماً، إن الإنسان ليرمي الكلمة أحياناً لا يعلم كيف وقعت في الناس وماذا أثرت.
يقول أحد زملائي سابقاً في مدرسة من المدارس من أهل القصيم، يقول: في وقتٍ من الأوقات ذهبت من القصيم قبل حوالي عشر سنوات متجهاً إلى مكة، وجئت في ليالي العشر الأواخر في رمضان، وإذا بمجموعة من شباب مكة في وسط جبل الهدى، وإذا هم بعودهم، وبأوراقهم، وإذا هم بعبثهم وبلهوهم، قال: فتوقفت وقلت: والله إن النزول إلى هؤلاء لواجب من الواجبات، لكني أخشى أن يكونوا سكارى، فأنزل إليهم فيضربوني أو يؤذوني أو يفعلوا بي شيئاً، والشيطان يخذله فقط، والشيطان يأتي إلى الإنسان حين يريد أن ينكر منكراً من المنكرات فيقف عنده ويقول: قد تفتتن بهذا، انتبه قد تقع في شيء، حتى يترك الخير.
يقول: أنزل إلى الأرض فما تحملني رجلاي، ترتعش خوفاً، فأرجع، فبقيت بين هذا وذاك، ثم انطلقت مرةً أخرى، فجئت أركض إليهم وقلت لهم: يأيها الشباب! اتقوا الله! اتقوا الله! الناس يأتون من كل مكان إلى حرم الله، وأنتم تخرجون من حرم الله لتعصوا في هذا المكان؟ اتقوا الله! قال: ثم هربت خوفاً أن يقوم أحدهم ويفعل معي شيئاً من الأشياء، قال: وركبت سيارتي ومضيت، ثم جئت في رمضان الذي بعده، ودخلت الحرم وإذا برجل عليه سيما الخير وقد أطلق لحيته، وإذا به يتأمل في تأملاً عجيباً، قال: فوقفت وقلت: ما بك؟ قال: هل مررت العام الماضي في العشر الأواخر من رمضان على الجبل في المكان الفلاني؟ قلت: نعم، قال: إذاً أنت الذي قال: اتقوا الله ثم هرب؟ قلت: نعم، فقال لي: أنا ثمرة من ثمرات (اتقوا الله) في تلك الليلة ومعي أخوان من الإخوة.
كلمة على ضعف وعلى خوف لكنها صادقة بإذن الله ، وخرجت من قلبٍ صادق، فصادفت قلباً خالياً فتمكنت منه.
فلا تحقرن شيئاً -يأيها الحبيب- وأنت تسلك هذه الطريق، وأنت على ظهر سفينتك، فالعلم لا بد منه، والعمل لا بد منه.
وأذكركم بحادثة أخرى يذكرها صاحب قصص السعداء والأشقياء، يقول: رجل من الرجال كان لا يتذكر ولا يتعظ أبداً، ويعمل سائق إسعاف، لا يأتي إلى حادث من الحوادث الشنيعة إلا ويأخذ الجمجمة في يد، ويأخذ قطعاً من اللحم في اليد الأخرى، وكأنه يحمل قطع لحمٍ لبهائم لا لبشر، ولا يتأثر، يقول: وفي ليلة من الليالي يشاء الله ، وفي وسط الليل في الساعة الواحدة ليلاً كنت أنا المستلم للسواقة في ذاك الليل، قال: وإذا بخبر يخبر بحادث في مدخل من مداخل الرياض الساعة الواحدة، وزميلي كان في خارج المكان ذلك الوقت، فخرجت أنا، ولم أكن أصلي، وكنت أشرب الدخان، وكنت صاداً وناداً عن الله ، قال: وخرجت وجئت إلى مدخل الرياض، وإذا بهذه السيارة قد ارتطمت بعمود من أعمدة الإنارة، وإذا المنطقة مظلمة قد انقطعت عنها الكهرباء، ووالله إني لأرى نوراً خافتاً يخرج من وسط هذه السيارة، فتقدمت ونزلت وولعت سيجارتي، وتقدمت إلى هذا الرجل، فوجدته رجلاً كث اللحية، مستنير الوجه، وجهه كأنه قراطيسٍ بيضاء، وإذا المقود مقود السيارة -الدركسون- قد ضربه على أسفل بطنه، وهو ممسك به على المقعد، قال: فجئت والسيجارة في فمي، قال: أتريد أن تنقذني؟ قلت: نعم، قال: لو سمحت! اتق الله وأطفئ هذه السيجارة، وهو في وضع من الأوضاع لا يفكر فيه الإنسان إلا فيمن ينقذه، وهو لم ينس مهمته في ذلك الوقت.
يقول: فأطفأت السيجارة ورجعت مرة أخرى أحاول أن أخرجه ما استطعت، قال: وإذا به في سكرات الموت يقول: إن رسول ﷺ يقول: ﴿من صنع إليكم معروفاً فكافئوه﴾.
ولا أملك لك يا بني في هذه اللحظة إلا النصيحة، فهل تقبلها؟ قلت: تفضل، قال: اتق الله! اتق الله! وإياك ورفقة السوء! أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم لقي الله، وانطوى على مقود السيارة.
يقول: أنا لم تحملني رجلاي بعد ذلك، وكلماته ترن في أذني وكأنها تزلزلني زلزالاً، ليس في ذاك المكان إلا أنا وهذا الرجل قال: فما كان مني إلا أن أخذته بالقوة وكسرت مقعد السيارة ووضعته في السيارة وأمشي في الطريق، وما زالت المطرقة تطرق في ذهني: اتق الله! اتق الله! ثم سلمته إلى قسم الحوادث في الساعة الثالثة ليلاً، ورجعت إلى بيتي وذهبت إلى أهلي، واغتسلت وتوضأت، وإذا بالمنادي ينادي لصلاة الفجر، قال: فانطلقت إلى المسجد وصليت، وذهبت إلى الإمام وأخبرته، قلت: حدث الليلة كذا وكذا وكذا قال: احمد الله الذي أحياك بموت ذلك الرجل، ولم يرسل إليك ملك الموت ليقبضك على ما أنت عليه.
الشاهد من هذا -يأيها الأحبة- أنه إنسان في أحلك اللحظات يلفظ روحه، ومع ذلك لم ينس واجبه في الدعوة إلى الله جل وعلا.
ثم أقول لكم: أيها الأحبة! عليكم بالصبر! عليكم بالصبر! فقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠].
بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين:
ما صبر إنسان وتحمل وجالد في هذه الحياة في سبيل إبلاغ دين الله إلا وذلل الله له كل صعب، وهذا مشاهد ومعروف، والواقع يشهد بذلك ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤].
صبروا وأيقنوا بآيات الله، فمكنهم الله وجعلهم أئمة يقتدى بهم، فالصبر هو الشيء الثاني أيها الأحبة.
стр. 432
الاعتزاز بهذا الدين
الأمر الثالث يا أيها الأحبة: أن نرفع رءوسنا بهذا الدين، لأن منا من يحمل هذا الدين لكن وهو مطأطئ الرأس، هذا لا ينفع الله به أبداً، لأن هذا الدين من حمله فهو يطاول السحابة في السماء، لأنه دين الله، دين الله لا يعلو عليه شيء، يجب عليك أن تبلغه وأنت مرفوع الهامة والقامة، لتكن مثل ربعي بن عامر في إيوان كسرى وهو يصدح: [[جئنا نخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]].
ينبغي أن تكون كـ ربعي لكن في الوقت المناسب.
ينبغي أن تكون كأحد علماء الشام وهو الشيخ سعيد الحلبي في يوم من الأيام وكان يلقي دروساً في مسجداً من المساجد، وجاء إبراهيم بن محمد علي باشا والي مصر ودخل المسجد، فقام الناس كلهم له إلا هذا الرجل، فتأثر في نفسه، فهو يريد أن يقوم له، وعندما تأثر من نفسه قال: لآتينه من باب لطالما أتي طلبة العلم من هذا الباب، باب الدنيا، ذهب إلى بيته وأعطى أحد جنوده مبلغاً من المال، وقال: اذهب وأعطه فلاناً، وكان المبلغ ألف ليرة ذهبية، فجاء به إليه.
وكان الشيخ في جلسته يلقي الدرس وهو مادٌ رجله، ولم يتغير عن ذلك عندما دخل ذلك الطاغية، فجاء إليه رسول الطاغية وقال: إن إبراهيم باشا يقول: هذه لك -وهي ألف ليرة ذهبية- فتبسم، وقال: ردها له وقل له: إن الذي يمد رجله لا يمد يده.
ينبغي -كما قلت لكم أيها الأحبة- أن نحمل هذا الدين بعز، وإلا فوالله لن ينفع الله بنا ما دمنا نحمله على استخذاء وعلى حياء ونطأطئ رءوسنا.
стр. 433
الحذر من الانجرار إلى معارك وهمية
ثم أقول لكم أيها الأحبة: بعد ذلك ينبغي ألا نستجر إلى معارك وهمية خاسرة ولا شك.
وأضرب لكم مثالاً في هذا الوقت الحاضر:
جريدة الندوة -على سبيل المثال- في مكة المكرمة مع الأسف، وما قامت تكتب فيه من أشياء.
سبحان الله! اتجه الشباب عموماً -حتى إن الإنسان ليحزن ويأسى على ما يرى- اتجهوا كلهم ليشتروا هذه الجريدة الكاسدة التي كنت تراها معلقة الليل والنهار ولا أحد يأخذها.
أيها الإخوة! لا ينبغي أن نغضب لأنفسنا، علينا أن نسمو فوق ذلك، وهؤلاء لا ننظر إليهم:
لو كل كلبٍ عوى ألقمته حجراً لأصبح الصخر مثقالاً بدينارِ
لا ينبغي أن نستجر من غيرنا، لا ينبغي أن يحركنا غيرنا، بل يكون تحركنا ذاتياً، نحن الذي نحرك أنفسنا متى شئنا، ومتى رأينا أن الوقت مناسب نتحرك، هذا مثل من الأمثلة يدل على أن هناك خلل أيها الأحبة.
في وقعة أحد وقد أصاب النبي ﷺ ما أصابه، وأبو سفيان ﵁ ينادي قبل أن يكون مسلماً ويقول: أفيكم محمد؟ أفيكم أبو بكر؟ أفيكم عمر؟ فلم يأمرهم بالرد، مع أن الجواب قد يكون أغيظ له في ذلك الوقت، لكن من باب قول القائل:
والصمت عن جاهلٍ أو أحمقٍ شرفٌ وفيه أيضاً لصون العرض إصلاحُ
أما ترى الأسد تُخشى وهي صامتةٌ والكلب يخزى لعمر الله نباحُ
إذا نطق السفيه فلا تجبه فخير من إجابته السكوتُ
فإن كلمته فرجت عنه وإن خليته كمداً يموتُ
كذلك -أيها الأحبة- اللين اللين، والرفق الرفق، نحن لا ندعو يهوداً ولا نصارى، نحن ندعو إخواننا، وعليهم من المعاصي ما عليهم، وعليهم من الأخطاء ما عليهم، فلنلن لهم.
بعضنا يشتد على إخوانه الذين يرتكبون معصية من المعاصي أكثر مما يشتد على المجوسي والشيعي والرافضي واليهودي والنصراني، وهذا خلل يأيها الأحبة.
إن إبراهيم بن أدهم عليه رحمة الله يمر في يومٍ من الأيام على يهودي معه كلب، فيقول اليهودي وهو يسخر ويستهزئ -وهم لا يزالون يسخرون ويستهزئون ويتهكمون بالأمة إلى قيام الساعة، أمرٌ معروف عنهم وسنة متبعة- فيقول له: ألحيتك أطهر أم ذنب هذا الكلب؟ فلم يستفز بهذا الموضوع، وإنما قال له: إن كانت في الجنة فهي أطهر من ذنب كلبك، وإن كانت في النار فذنب كلبك أطهر، فقال هذا اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والله ما هذه إلا أخلاق الأنبياء.
وهذا أثر الكلمة اللينة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
يجب علينا ونحن نسلك هذا الطريق أن نسلكه برفق، وأن نمشي بخطىً ثابتة؛ لأننا نحمل ديناً ثابتاً باقياً ما بقيت السماوات والأرض، فيدخله الله كل بيت بعز عزيزٍ أو بذل ذليل، فتبقى طائفة على الحق منصورة، إنما جند نفسك لتمشي في ركاب هذه الطائفة.
هذه كلمات أستطيع أن أقول: إنها متفرقات، وأنا -وكما قلت في بداية المحاضرة- كمثل من يبيع زمزم على أهل مكة.
مشكلة من المشاكل ليست في الدعوة فقط، وإنما في الدين كله، هناك من يمشي ويمشي ثم يسقط، وإن لكل عملٍ شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنة، فهذا هو الذي نريد، لكن المشكلة من كانت فترته إلى أخرى.
أقول أيها الأحبة: إن الإنسان يسمو أحياناً ويرتفع فأقول له:
إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقةٍ سكون
إذا وجدت الإقبال على الدعوة إلى الله فلا تتأخر، واستغل هذا الإقبال؛ فإن الحياة فرص، متى ما ضيعت فرصة فقد لا تتعوض، وقد تعض عليها أصابع الندم، فإذا جاءك الإقبال ووجدت الإقبال من نفسك، فضع لنفسك حداً معيناً، فإن استطعت أن تزيد عليه فزد، فهذه فرصة، لأنك قد لا تجد هذه الفرصة في يوم من الأيام، لكن إذا جاء العكس -أيها الأحبة- سواء كان في دعوة أو في أمرٍ آخر، فاجعل لك حداً معيناً لا تنزل عنه، على سبيل المثال إذا كنت تخصص في اليوم الواحد للدعوة مثلاً أربع ساعات فليكن الحد الأدنى لك في حالة الفترة ساعتين مثلاً، هذه الساعتان لا تنزل عنها أبداً حتى ولو تخطفت.
على سبيل المثال: قيام الليل، أحياناً يأتي للإنسان رغبة في قيام الليل أقول: قم ما استطعت، لكن بعض الناس يقوم ما استطاع اليوم وغداً وبعد غدٍ والذي وراءه، ثم يأتي فيترك القيام بعد ذلك: ﴿أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل﴾.
فأقول: اجعل لك حداً أدنى، وليكن ركعتين في الليلة، ركعتين مع الوتر وانتهى الموضوع، هذه لا تنزل عنها ولو تخطفت تخطفاً، أما ما فوقها فيتفاوت الأمر إلى ما لا نهاية، فعلى الإنسان أن يجعل لنفسه حداً معيناً، ففي وقت الفترة يقف على هذا الحد، وفي وقت الإقبال يستغل كل ما لديه من قوه، ثم عليك برفقة الصالحين، الداعية إذا انعزل لوحده جاءه إبليس فخذله، وقال له: دع هذا اليوم، اليوم أهلك أحق بك، وغداً فلان أحق بك، ولنفسك عليك حق، وإن من حق النفس عليك أن تبلغ ما أمرها الله به، يوم تأتي كل نفسٍ تجادل عن نفسها، بم تجادل إذا لم تقم هنا بما أوجب الله عليها؟
فعليك برفقة الصالحين، وعليك بالاجتماع بإخوانك، فإن المرء قليلٌ بنفسه كثيرٌ بإخوانه، وأحياناً يأتي الإنسان وبه خيبة أمل عظيمة مما يرى، لكنه يأتي إلى أحد إخوانه، فيعطيه عزيمة، تفل الحديد، فعليك بإخوانك، فإن المرء -كما قلت- كثيرٌ بإخوانه قليلٌ بنفسه.
وفقنا الله وإياكم إلى استغلال كل خير! وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 434
صفحة صدق
إن المحن تطهير ليس معه زيف ولا دخل، وتصحيح لا يبقى معه غبش وخلل، إنها لتفتح في القلب منافذ ما كان ليعلمها المؤمن من نفسه لولا المحن، وقد تعرض الكثير من الصحابة رضوان الله عليهم للمحن والشدائد، ومن هؤلاء كعب بن مالك ﵁ الذي تعرض لمحنة التخلف عن الغزو، وكان أكبر سبب لهذا التخلف هو التسويف، وقد كان لمقاطعة الرسول ﷺ وأصحابه لكعب أثر كبير، وقد استمرت ما يقارب الخمسين يوماً حتى منّ الله عليه بالتوبة، فأصبح قدوة للمسلمين في الصدق والشجاعة.
стр. 435
المحن وفوائدها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليماً كثيراً.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
أما بعد: عباد الله! اتقوا الله واعلموا أن المحن محك لايخطئ، وميزان لا يظلم؛ يكشف عما في القلوب؛ ويظهر مكنونات الصدور؛ ينتفي معه الزيف والرياء؛ وتنكشف معه حقيقة الصدق بجلاء.
إن المحن تطهير ليس معه زيف ولا دخل، وتصحيح لا يبقى معه غبش ولا خلل؛ إنها لتفتح في القلب منافذ ما كان ليعلمها المؤمن من نفسه لولا المحن.
قد يظن الإنسان في نفسه قبل المحن التجرد والنزاهة؛ فإذا وقعت الواقعة تبين من بكى ممن تباكى، تميز الغبش من الصفاء، والهلع من الصبر، والصدق من الكذب، والثقة من القنوط، عندها يدرك المرء أنه بحاجة إلى تمحيص ومراجعة، فمن الخير له أن يستدرك نفسه قبل أن يكون عبرة ويقع ضحية: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٤].
بالمحن تستيقظ الضمائر، وترق القلوب، وتتوجه إلى بارئها؛ تضرع إليه وتطلب رحمته وعفوه معلنةً تمام العبودية والتسليم الكامل له، لا حول ولا قوة إلا به، لا مهرب منه إلا إليه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا معقب لحكمه، لا إله إلا هو
باقٍ فلا يفنى ولا يبيد ولا يكون غير ما يريد
منفرد بالخلق والإرادة وحاكم جل بما أراد
سبحانه وبحمده!
عباد الله: وصور المحن والمنح في السيرة كثيرة وجليلة، وجديرة بالتملي والتأمل، والحديث كما تعلمون بل كما تشعرون عن سيرة المصطفى ﷺ وصحبه، حديث تحبه وتجله النفوس المؤمنة، تأنس به قلوب بالإيمان هانئة مطمئنة، حبه في شغاف القلوب والأفئدة، وتوقيره قد أُشْرِبَتْ به الأنفس، بأبي هو وأمي ﷺ .
стр. 436
كعب بن مالك وتخلفه عن رسول الله ﷺ
فَهَلُمَّ هَلُمَّ عباد الله! لنتصفح ونتفحص صفحة صدق بيضاء ونقية لنرى من خلالها المحنة بكل صورها -وبالصدق تتخطى- لنعلم عبرها وعظاتها؛ فقد مُلِئَتْ عِبَرَاً وعَبَرَات، وفكراً ونظرات، دموعاً حَارة وحسرات، هجر الأقربين فيها شديد المظاظة، ومع ذلك بارز وظاهر، وتزلف المناوئين والمنافقين فيها مشرئبٌ زاخر.
صفحة مُلِئَت بأحداثٍ تذرف منها الدموع، وتخشع لها القلوب.
صفحة جسدت الصدق والإخلاص والقدوة في الصبر على الضراء والشكر على السراء تطبيقاً عملياً ماثلاً.
إنها صفحة بُدِئَت باستنفار رسول الله ﷺ أصحابه لملاقاة من؟
لملاقاة الروم يوم تحركوا بعسكرهم وفكرهم ودسائسهم ليطفئوا نور الله بأفواههم: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨].
إنه استنفار وأي استنفار! في أيام قائظة، وظروف قاسية، في جهد مضنٍ ونفقات باهظة، طابت الثمار، واستوى الظلال، وعندها بدأ الامتحان؛ ليسطر في آيات الكتاب بإفاضة واستيعاب.
أفاضت آيات الله في أنباء الطائعين والمثبطين، واستوعبت أنباء المخلصين والقاعدين، فيالها من مشاهد وأحداثٍ في تنوع مثير!
يجيء المعذرون لِيؤذن لهم، ويقعد الذين كذبوا الله ورسوله، ويتولى الذين لم يجدوا ما يحملون عليه بفيض دموعهم حزناً ألا يجدوا ما ينفقون، ويرجف المرجفون: لا تنفروا في الحر ونار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون، والساقط في الفتنة يقول: ائذن لي ولا تَفْتِنِّي وفي الفتنة وقع، (فر من الموت وفي الموت وقع).
وآخرون يلمزون ويسخرون من المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله.
ومنهم رجال تخلفوا عن ركب المؤمنين لا عن شكٍ ولا عن نفاق، لكن غلبتهم أنفسهم، وأدركهم ضعفهم البشري، مع سلامة إيمانهم ومعتقدهم ﵃ وأرضاهم على رأس هؤلاء صحابي جليل، مجاهد نحرير، لن يبلغ ألف رجل منا بالقول ما بلغه مرة واحدة بالفعل، لكنه بشر -تبقى له بشريته- غير معصوم.
لنقف مع صفحة من صفحات حياته، صفحة تتضمن قصة الخطيئة، وحقيقة التوبة؛ أهي قول باللسان، أم هي الندم الدافع لعمل الجوارح والأركان، والتأثر البالغ في النفس والجنان؟
صفحتنا مثبتة في الصحيحين، راويها صاحب المعاناة فيها، فاسمع إليه عبد الله، تجد كلامه يدخل الأذن بلا إذن، أصغ إليه وهو يتحدث عن نفسه ويخبرنا عن (سوف) كيف صنعت به، فيقول وقد تخلف عن تبوك: وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما اجتمعت راحلتان عندي قبلها قط، ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا وَرَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزاة في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً وعدواً كثيراً، فجلىَّ للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد.
والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثيرٌ؛ لا يكاد يجمعهم كتاب، فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أنه سيخفى ما لم ينزل وحي الله فيه، وغزا رسول الله ﷺ والمسلمون معه.
стр. 437
التسويف هو سبب تخلف كعب بن مالك
يقول: فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئاً، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، وأصبح رسول الله ﷺ والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئاً، فقلت: سوف أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئاً.
قال: فلم يزل بي ذلك حتى أسرعوا وتدارك الغزو وفات، وهممت أن أرتحل فأدركهم -ويا ليتني فعلت- فلم يقدر لي ذلك ويأخذ ذلك من كعب مأخذه، ويبلغ الحزن مبلغه، وتبلغ المحاسبة مبلغها.
ولسان حاله يقول:
ندمت ندامةً لو أن نفسي تُطاوِعني إذًا لقطعت خمسي
عباد الله: إن كعباً ﵁ يعيش كل يوم مع (سوف)، وهذه والله ليست مشكلة كعب فحسب؛ إنها مشكلة كبيرة في أمة الإسلام: مشكلة التسويف؛ استطاع الشيطان أن يلج إلينا من هذا الباب الواسع ونحن لا نشعر، حال به بيننا وبين كثير من الأعمال قد عزمنا على فعلها وقلنا: سوف نعملها ولم نعمل، كم من مذنب قال: سوف أتوب وداهمه الموت وما تاب! كم من باغ للخير عازم عليه وأدركه الموت ولم يستطع ذلك؛ حال بينه وبينه الموت!
كم من عازم على الخير سوفه، كم ساع إلى فضيلة (سوف) ثبتطه وقيدته، فالحزم الحزم في تدارك الأمور وترك التسويف! فإن (سوف) جندي من جنود إبليس
فاطرح سوف وحتى فإنهما داء دخيل
يقول كعب: فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ أحزنني ألا أرى أسوة لي إلا رجلاً مغموصاً عليه النفاق، أو رجلاً ممن عذره الله من الضعفاء والذين لا يجدون ما ينفقون، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك فقال -وهو جالس بين أصحابه-: ﴿ما فعل كعب؟ فقال رجل من بني سلمة -من عشيرة كعب -: يا رسول الله! حبسه برداه، ونظرُه في عِطفيْه- يعني: إعجابه بنفسه -فقال معاذ وقد استنكر الأمر وهو يعلم من أخيه ما يعلم: بئس ما قلت! -والله يا رسول الله- ما علمنا عليه إلا خيراً، فسكت ﷺ ﴾.
يا أيها المسلمون: إن معاذاً ﵁ لم يسعه السكوت وهو يرى من ينال من عرض أخيه المسلم فبادر بالإنكار، لم تغلبه المجاملة فيسكت كما يفعل البعض، كيف يسكت وهو يعلم قول رسول الله ﷺ : ﴿كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه﴾، ﴿من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة﴾ ويعلم أيضاً أن الساكت كالراضي والراضي كالفاعل؟!
стр. 438
كعب بن مالك بين يدي رسول الله ﷺ بعد رجوعه من تبوك
يقول كعب: فلما بلغني أنه قد توجه قافلاً -يعني رسول الله ﷺ حضرني همي -حضره بثه وحزنه- قال: فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بِمَاذا أخرج من سخط رسول الله ﷺ غداً؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي؛ فلما قيل: إن رسول الله ﷺ قد أظل قادماً زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبداً بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه.
ويا له من رأي! وقدم ﷺ ، ثم جلس للناس، وجاءه المُخلَّفون يعتذرون إليه ويحلفون له، فقبل منهم ﷺ علانيتهم، ووكَل سرائرهم إلى الله -وهذا هو منهجنا- وجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسُّم المغضب، ثم قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال: ﴿ما خلَّفك يا كعب؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ فقلت: يا رسول الله! والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، والله لقد أُعْطيتُ جدلاً، ولكني والله لقد علمت لَئِن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكنَّ الله أن يُسخطَك عليَّ، ولئن حدثتك حديث صدق تَجِد عليَّ فيه، إني لأرجو فيه عفو الله.
والله -يا رسول الله- ما كان لي من عذر، والله ما كنت أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلفت عنك، فقال ﷺ : أما هذا فقد صدق، قم حتى يقضي الله فيك﴾.
صِدْقٌ ووضوحٌ وصراحةٌ، لا التواء ولا مراوغة.
علم كعب أن نجاته في الدنيا والآخرة إنما هي بالصدق، وقد هدي ووفق إلى الرشد والصواب، والموفق من وفقه الله.
يقول كعب: فقمت وسار رجال من بني سلمة، فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك -يا كعب - قد أذنبت ذنباً مثل هذا، أوقد عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله بما اعتذر له المخلفون؟ قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك: يقول: فو الله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع، فأُكذِّب نفسي.
عباد الله: ما أشد خطر صديق السوء! كاد يهلك كعب بسبب بني عمومته الذين يظهرون بمظهر الناصح المشفق وهم يدفعون به إلى وادٍ سحيق من الهلاك، هلك فيه جمع كبير من المنافقين.
إنها مقالة ويا لها من مقالة! كثيراً ما تتكرر في مجالسنا! يتهمون الصادق بأنه طيب القلب غِرٌ لا يحسن المراوغة ولا المخارج، ويصفون الكاذب بالذكي الألمعي العبقري، وكبرت كلمة تخرج من أفواههم! أرأيت هؤلاء عندما وصفوا الأمر لـ كعب بأنها أول كذبة ولا ضير فيها، وسيعوضها استغفار رسول الله ﷺ بعد ذلك، وكل ذلك وسائل لتزيين الباطل؛ يبهرجها قرين السوء من حيث شعر أو لم يشعر.
فمن العداوة ما ينالك نفعه ومن الصداقة ما يضر ويؤلم
стр. 439
مقاطعة المسلمين لكعب بن مالك وأثرها عليه
وأُعلِنَت المقاطعة لهذا ولصحبه؛ بل التربية النبوية العميقة، يقول كعب: ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا -نحن الثلاثةَ- من بين كل من تخلَّف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا حتى تنكرت لي الأرض؛ فما هي بالأرض التي أعرف، ولبثنا على ذلك خمسين ليلة، وكنت أَشبَّ القوم وأجلدَهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف الأسواق، فلا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلِّم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرَّكَ شفتيْه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه ﷺ فأسارقُه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي أقبل إليَّ، وإذا الْتفتُّ نحوه أعرض عني.
стр. 440
بكاء كعب بن مالك من شدة المقاطعة
حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إليَّ؛ قال: فسلمت عليه، فوالله ما رد عليّ السلام.
قال: فقلت: نشدُتك الله! هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فنشدته فسكت، فأعدت عليه؛ فقال: الله ورسوله أعلم! ففاضت عيناي، وتولَّيت حتى تسورْتُ الجدار، أهيم على وجهي.
وانظر أخي في الله كيف تكاتف المجتمع المسلم بكامله وامتثل الأمر الموجه إليه، فلا أحد يكلمه حتى ولو كان ذلك في غيبة أعين الرقباء، نعم.
إن الرقابة لله! حتى ولو كان ابن عمه، نعم.
إن المراقبة لله! إن أضر شيء على المجتمع أن يجد أهل الفسق والفجور صدوراً رحبة تحتضنهم وترضى عنهم وتبجلهم وتقدرهم، ولو أن العصاة والمنحرفين وجدوا مقاطعة وازدراءً عاماً لكان دافعاً إلى أن يرشد الغاوي ويستقيم المعوج ويصلح الطالح.
انظر لذلك الأسلوب التربوي العميق المتمثل في تلك المقاطعة النفسية والاجتماعية التي شملت مختلف مجالات الحياة الاجتماعية في الأسواق وفي المساجد ومع الأصدقاء بل حتى مع بني العمومة بل مع الزوجة، فلم تترك منفذاً يمكن أن يخل بهذه المقاطعة أو يحول دون تحريك الغاية التربوية منها، كان لذلك تأثير عميق على النفوس الخيرة التي تعودت أن تألف وتؤلف، وذلك عين الحكمة من رسول الله ﷺ الذي يقضي باللين في مكانه والشدة في مكانها، وهذا ما يحتاجه الناس في دعوتهم وتعاملهم وتربيتهم لمن تحت أيديهم.
стр. 441
ملك غسان يحاول استمالة كعب أيام محنته
عباد الله: وهل تخفى أخبار المجتمع الإسلامي على الأعداء؟ إن هناك صَفَّاً يعمل داخل الصف الإسلامي دائماً، ولذلك يجب أخذ الحيطة والحذر وألا تكون أسرار وخفايا المجتمع المسلم معلنة للجميع لتنقل للعدو فينفذ من داخلها للمسلمين.
يقول كعب: فبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا نَبَطي من أنباط أهل الشام يسأل أهل السوق: من يدل على كعب؟ فطفق الناس يشيرون له إليَّ حتى جاءني فدفع إليَّ كتاباً؛ ممن؟ من مَلِك غسَّان؛ فإذا فيه: أما بعد: قد بلغني أن صاحبك -يعني: رسول الله ﷺ قد جَفَاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ومضيعة؛ فَالْحَقْ بنا نُواسِك.
قال: فلما قرأتُها قلت أيضاً: هذا من البلاء -هذا من الامتحان- ثم تيممت بها التَّنور، فسجرته بها -أحرقها يا عباد الله- هذا هو ديدن أعداء الله يتحسسون الأنباء ويترصدون الفرص والأخبار، وكم من أقدام في مثل هذا زلَّت وانزلقت.
إن المسلم قد يخطئ لكنه لا يعالج الخطأ بخطأ آخر؛ قد يخطئ فيتخلف عن الغزو في سبيل الله، لكنه لا يتبع هذا بخيانة الأمة وموالاة أعداء الله ومظاهرتهم على المؤمنين.
إن أداة المعصية حين تكون قريبة فإنها تذكر بالمعصية، وتفتح للشيطان باب الوسوسة والمراودة الكرةَ بعد الكرةَ، أما كعب فقد تخلص من هذه الأداة، فأحرقها حتى يغلق مثل هذا الباب ﵁ وأرضاه، وهذا هو الحل.
إن آلة المعصية التي توجد في المنازل وفي المكاتب وفي غيرهما حين تترك -بعد العلم بضررها والتوبة منها- مدعاة لأن يضعف أمامها يوماً ما، ويعاود القرب منها والممارسة لها إلا من عصم الله، فلينتبه وليتخلص منها كما فعل كعب بالرسالة، يمم بها التنور فسجرها، ولا يزال البلاء والتمحيص بـ كعب؛ حتى أمر باعتزال زوجته، فامتثل الأمر واعتزلها وطلب منها اللحاق بأهلها حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
стр. 442
توبة الله على كعب وأصحابه
يقول كعب: فتمت لنا خمسون ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس في الحال التي ذكرها الله -فيما بعد- قد ضاقت علي نفسي، وضاقت عليّ الأرض بما رَحُبَتْ، سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته: يا كعب بن مالك! أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك.
قال: فخررت ساجداً شاكراً لله ، وعرفت أن قد جاء الفرج.
وجاء الفرج وانبلج الفجر بعد أن بلغ الليل كماله في السواد، وأدرك كعب عظم نعمة الله عليه بسبب صدقه، فقال بعد ذلك: والله ما أنعم الله علي بنعمة بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ ، وتأتي البشرى، وأيُّ بشرى يا عباد الله! بحسن العقبى، بشرى بالعودة إلى صفِّ المسلمين، بشرى يركض بها الفارس، ويهتف بها الراكب، على مثلها تكون التهاني، ولمثلها تكون البشائر والجوائز.
يقول كعب: فلما جاءني الذي بشرني نزعت له ثوبَيَّ فكَسَوْتُه إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما، واستعرت ثوبيْن فلبستهما.
стр. 443
الصحابة يهنئون كعباً بتوبة الله عليه
وانطلقت إلى رسول الله ﷺ ودخلت عليه في المسجد، فإذا هو جالس والناس حوله جلوس، فقام إليَّ طلحة فرحاً مغتبطاً يهرول حتى صافحني وهنَّاني، والله ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره، والله ما أنساها لـ طلحة ﵃.
الله أكبر! ما أعظمه من تعامل للصحابة مع أخيهم! بالأمس القريب لا يتحدثون معه ولا يردون ﵇، واليوم يتنافسون فيمن يصل إليه أولاً ليبلغه نبأ التوبة.
إنه حب الخير لأخيهم كما يحبونه لأنفسهم، ولكن تحت ضوابط الشرع وأوامر الشارع.
قال كعب: فسلمت على رسول الله ﷺ فقال وهو يبرق سروراً وجهه كأنه فلقة قمر: ﴿أبشرْ يا كعب بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمُّك.
فقلت: أمن عندك يا رسول الله، أم من عند الله؟ قال: بل من عند الله﴾ فحمد الله وأثنى عليه.
﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٨].
وفاز الصادقون بصدقهم، وحبط عمل الكاذبين، واللهُ لا يهدي القوم الفاسقين.
وظهر الاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية، هؤلاء هم رجال الصدق، رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه، تخرجوا من مدرسة النبوَّة، صِدْق في الإيمان، قوة في اليقين، صدق في الحديث، صدق في المواقف، صٌبر عند اللقاء، اعتراف بالخطيئة، كلمة الحق في الرضا والغضب من غير تنميق عبارات أو تلفيق اعتذارات: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩].
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تخرج من أصلاب هذه الأمة رجالاً صادقين مخلصين يقولون الحق وبه يعدلون.
اللهم انصر دينك وكتابك وعبادك الصالحين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 444
قصة كعب درس من دروس الصدق
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد:
عباد الله: اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، وعودوا معي -والعود أحمد- إلى كعب بن مالك صاحب القصة ﵁ وأرضاه، فإن الأمر لم يقف عند بشارته بالتوبة وتهنئته بالقبول، إنما جلس كعب بين يدَيْ رسول الله ﷺ معلناً التأكيد لهذه التوبة والتمسك بها، قائماً مقام الذاكرين الشاكرين التائبين المخبتين، قائلاً: ﴿يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله ورسوله.
فقال ﵊: أمسك عليك بعض مالك؛ فهو خير لك﴾.
ثم يعلن أخرى ﵁ التمسك بالصدق سلوكاً ثابتاً في مستقبل حياته إذ بالصدق نجا، فيقول: ﴿يا رسول الله! إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدِّث إلا صدقاً ما بقيت﴾ حاله كحال الآخر الذي يقول: والله لو نادى منادٍ من السماء أن الكذب حلال ما كذبت.
يقول: فو الله ما علمت أحداً من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني الله به، والله ما تعمَّدْتُ كذبة مذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي، والله ما أنعم الله عليَّ نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ .
لم يا كعب؟
قال: ألا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا شرَّ ما قاله لأحد، يوم قال سبحانه: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٩٥ - ٩٦].
عباد الله: الصدق فضيلة وطمأنينة وصفة من صفات المؤمنين فعليكم به، وليكن قدوتكم كعباً وصحبه ومن اقتدى به؛ فليس بينكم وبينهم حاجب.
إذا أعجبتك خصال امرئ فكنه يكن منك ما يعجبك
فليس على الجود والمكرمات إذا جئتها حاجب يحجبك
تحرَّوْا الصدق، وإن رأيتم الهلكة فيه؛ فإن النجاة فيه، وإياكم والكذب، وإن رأيتم النجاة فيه؛ فإن الهلكة فيه وعظيم الفتنة به، وكم تركت الفتن من قلب مقلب وهوى مغلب، وكم سار في طريقها من كادح، فكثر الهاجي وقل المادح.
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى فكن الحر وخذها بزمام
واصدق حديثك إن المرء يتبعه ما كان يبني إذا ما نعشه حملا
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم اجعلنا من الصادقين، اللهم اجعلنا من الصادقين، اللهم اجعلنا من الصادقين الصابرين الشاكرين.
стр. 445
الاختلاط وأثره
إن الإسلام أكد وشدد على حفظ الأعراض والأنساب، وحرم كل طريق يؤدي إلى اختلاطها، وحذر أيما تحذير من مخالطة النساء، والخلوة بهن، أو الدخول عليهن، وعندما تناست الأمة هذا التحذير وقعت فيما وقعت فيه، فكل يوم نسمع عن فعلة قبيحة وفاحشة خبيثة سببها الاختلاط والخلوة.
هذا ما تعرض له الشيخ حفظه الله، مبيناً أثر الاختلاط والخلوة في حياة الأمة.
стр. 446
آثار الاختلاط على الأمم والمجتمعات
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسانٍ وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
عباد الله: يقول الحق ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً * لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ [الأحزاب:٥٩ - ٦١].
وقعنا في الخطايا والبلايا وفي زمن انتقاض المحدثات
فهان الخير والصلحاء ذلوا وعثَّ بذلهم أهل السفاءِ
وباء الآمرون بكل عرسٍ فما عن منكرٍ للناس نائي
فصار الحر للمملوك عبداً فما للحر من قدرٍ وجاه
فهذا شغله طمعٌ وجمعٌ وهذا غافلٌ سكران لاهي
стр. 447
اهتمام الإسلام بحفظ الأعراض والأنساب
عباد الله: اتقوا الله تعالى؛ فتقوى الله خير زادٍ نتزود به في رحلتنا إلى الله الواحد القهار، ثم إن الإسلام أكد وشدد على حفظ الأعراض والأنساب وحرم كل طريقٍ ممكنٍ إلى اختلاط الأنساب، فأوجب على المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، وأوجب على المؤمنات أن يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن، وشدد الإسلام في الحيلولة دون اختلاط النساء بالرجال، وحذر الإسلام أيما تحذير من الخلوة بالنساء أو الدخول عليهن من غير المحارم، وبين أن هذا العمل مذموم عند الله وعند رسول الهدى ﷺ ، فقال ﷺ : ﴿إياكم والدخول على النساء، إياكم والدخول على النساء، قالوا: يا رسول الله! أفرأيت الحمو -يعنون قريب الزوج، من أخٍ، وابن عمٍ، وابن خالٍ، وغيرهم ممن يحق لهم دخول بيته- قال ﷺ : الحمو الموت﴾ نعم إنه الموت؛ لأن الناس لا يحسبون دخوله وخروجه من عندك، فلا يرى بأساً أن يدخل البيت وصاحبه خارج، فيقع في المؤمنين ما لا تحمد عقباه، وتقشعر منه القلوب، وتتفطر منه الجفون.
ومن الفواحش التي تدمي القلوب: ﴿ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما﴾ وما ظنكم باثنين الشيطان ثالثهما؟ أينتج عن ذلك خير؟ أينتج عن ذلك براءة؟ الشيطان يجمل ويزين، ويقرب ويؤنس، ويدني، فوالله لا فلاح ولا نجاح.
стр. 448
تهاون الناس في أمر الخلوة والاختلاط
عباد الله: ومع تحذير الرسول ﷺ من الخلوة التي بسببها نسمع كل يومٍ حادثة قبيحة وفعلة شنيعة، ومع ذلك ما زلنا نرى ونسمع ألواناً من الخلوة والاختلاط، بل صار الناس لا يرون بها بأساً، ولا يرفعون بها رأساً، وصارت أمراً طبيعياً مألوفاً، بل لوناً من ألوان التقدم والرقي، فصارت الخلوة عادية في مجال الاستطباب، حتى صار كثيرٌ من الأطباء يبيح لنفسه الخلوة بالمرأة الأجنبية، ويرى فضلاً عن وجهها شيئاً من جسمها، بل يرى فخذيها وعورتها المغلظة، مستبيحاً ذلك بحجة أنه طبيب، ناسياً بل متناسياً أنه رجلٌ أجنبي لا يجوز له أن ينظر إلى ما حرم الله؛ إلا في مجالٍ ضيقٍ شديد، ألا وهو مجال الضرورة العظمى التي تتطلب التدخل لإنقاذ حياة المرأة في حالة عدم وجود المرأة الطبيبة.
إن ذلك لا حرج فيه لكن بضوابط، مع وجود المحرم قدر الاستطاعة، فإن لم يوجد المحرم، فليوجد رجلٌ أو امرأة ثالثة، أو رابعة، حتى تنتهي الخلوة التي تحدث بين الطبيب والمريضة.
ونحن عندما نقول هذا الكلام، قد يستنكره بعض الذين في قلوبهم مرض، فيمدون شفاههم في وجوه الدعاة، زاعمين أن هذا تشددٌ وتخلفٌ رجعي، بل سوء ظنٍ من الدعاة بالمدعويين، ناسيين أو متناسيين أنه ما ديست كرامة المرأة إلا بعد أن وجدت هذه الأفكار، وما من بلية ولا رزية إلا وكان للخلوة والاختلاط فيها نصيب الأسد.
إن كثيراً من أطباء النساء يتعمدون الكشف على سوءة المرأة الحامل مدعين أنهم بذلك يطمئنون على صحة الجنين، يا له من قبحٍ وسوء فعلٍ وقلة حياء وأدب!! وبالإمكان وضع سماعة الطبيب على بطن المرأة فوق الثياب وسمع النبضات، لكن الدنية الخبيثة تأبى عليه ذلك، بل يتجرأ بعضهم ويمد يده ليتحسس وضع الرحم كما يقول، وإن جئت لطبيبة تريد الستر حولتك إلى طبيب، ما دور تلك الطبيبة؟! قبح الله تلك الأخلاق والشيم.
إن الرجل صاحب المروءة ولو لم يكن ذا دين؛ تأبى عليه مروءته أن يطلع على عورات النساء.
ولا إله إلا الله مع كثرة اللمس تبلد الإحساس، وصار الأمر متستطاباً ومستحسناً عند بعض النساء من اللاتي قل حياؤهن، وغاب عنهن وليهن فلم يتربين التربية الإسلامية الحقة.
стр. 449
الخلوة والاختلاط صور وعواقب
يذكر بعض العاملين في بعض المستشفيات: أن بعض النساء تأتي لطبيب النساء متجملة غاية الجمال، لابسة عارية، تلبس ما يثير الشهوة عند من لا يشتهي: كاسيات عاريات، فإذا جاءت ولم تجد الطبيب غضبت ورجعت ولم تذهب للطبيبة؛ لأنها تدربت وألفت لمسة الرجل الأجنبي، وتلذذت بتحسيسه على بطنها وفخذيها فصارت لا تأتي للعلاج ولكن لمرضٍ في القلب والنفس نسأل الله غفرانه وعفوه.
وصار بعض الأطباء يرى أن الخلوة حقاً من حقوقه، فيتجرأ ويخرج الرجل الذي يأتي مع زوجته -إن صح أن نسميه رجلاً- قائلاً له: لو سمحت لا يجوز أن تحضر الكشف، وبعض الرجال -بل أشباه الرجال- يطأطئ رأسه وينزع مروءته فيترك زوجته ليخلو بها الطبيب!
لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ إن كان في القلب إخلاصٌ وإيمانُ
يذكر أحد الإخوة: أنه دخل إحدى العيادات وإذا به يرى الطبيب قد أغلق على نفسه مع امرأة، فظن أن المرأة مع زوجها أو أخيها، فأخره فدخل لوحده، وإذا به يرى الطبيب يتلون وجهه عندما دخل عليه وهو في حالة مرثية لا تدعو إلى الاطمئنان، ماذا كان يفعل مع تلك المرأة أيها المسلمون؟!
أواه! أفهذا يرضي الرجال الكرام؟! أهذا يقبله شرعٌ أو خلق؟! أين الغيرة يا أبناء وأحفاد محمد ﷺ ؟! أين الشهامة؟! ألا تغارون؟! ألا تستحون؟! ألا تخجلون؟! ألا تخافون من الله؟!
إن الخلوة محرمةٍ بكل أنواعها، لا يجوز للرجل أن ينظر إلى امرأة لا تحل له مهما كانت الأسباب والدواعي، فضلاً عن الخلوة بها.
وأصبحت المصافحة للأجانب أمراً مألوفاً، والرسول ﷺ يقول: ﴿لئن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خيرٌ له من أن يمس امرأة لا تحل له﴾ فبأي حقٍ يستبيح بعض الرجال الخلوة بالنساء؟ وبأي حقٍ يبيح بعض الأولياء لنسائهم أن يخلو بهن الأطباء أو غير الأطباء من غير المحارم، من سائقين، وعمال، متجاهلين قول المصطفى ﷺ : ﴿ما خلا رجلٌ بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما﴾.
стр. 450
السائقون والخدم من أسباب الفاحشة
لا إله إلا الله كم نسمع من الوقائع والمآسي التي حصلت نتيجة الخلوة من السائق أو العامل بربة البيت أو بابنتها!! وكم من امرأة استدرجت سائقها لفعل الفاحشة بها! كم من سائقٍ ذكيٍ لبقٍ استغل فرصة غياب رجل البيت -إن صح أن نسميه رجلاً- ليستدرج صاحبته إلى الفاحشة؟! فإذا سقطا فيها مرة صعب بعد ذلك الانتهاء عنها، وكثير من الرجال اكتشفوا ذلك بعد وقوع الفأس بالرأس كما يقولون، فوجود السائق والخادم في البيت خطر عظيم.
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد
يقول بعض أشباه الرجال لما أراد أن يستبدل السائق؛ لخصومة وقعت بينه وبينه، يقول: انطلقت زوجتي لتدافع عنه بقوة، وهي تصيح هو حبيبٌ لنا ولطيفٌ يخدمنا ويقضي لوازمنا وأنت مسئول عنا.
لا يلام الذئب في عدوانه إن يك الراعي عدو الغنمِ
ما دخل امرأته في حكم الرجال؟! رجلٌ يريد أن يستبدل سائقاً أو يغير شيئاً ثم تتدخل المرأة في الدفاع عنه، إن في الأمر ما فيه!!
ولا إله إلا الله! يغطي بعض الناس رأسه يوم يسمع مثل هذا الكلام، وقد يقول البعض: إن الخطيب يفتري على الناس شيئاً لم يقع، لكن يا عباد الله يجب مواجهة الحقائق ووضع النقاط على الحروف، فإن المقدمات الخاطئة تولد نتائج خاطئة، والسكوت عن الذنب الصغير يفضي إلى الكبير.
كل الحوادث مبدؤها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر
ويأتي بعض السذج ويقول: لمَ لم تفعل الدولة كذا؟ لماذا تسمح بدخول الخدم والسائقين؟ نقول: نعم على الدولة مسئولية، لكن أتريد من الدولة أن تضع حارساً على نسائك؟ أتريد أن تضع رقابة على بيتك؟ إن الرجل المسلم حريصٌ على بيته وعرضه، حريصٌ على محارمه.
إن خطر السائق عظيم، فإذا اضطررت إليه فليكن في حدود الشرع يا عبد الله، يسكن في مكانٍ بعيدٍ، لا يحق له دخول بيتك، ولا تسمح لنسائك بكلامه أو مخالطته، لا يخرج بهن إلا وأنت معه أو ابنك، أو ثالث أو أخوك معه، هذا إن اضطررت إليه، ولكن المؤسف الذي يدمي القلب أن بعض الناس يعتبر السائق شكلاً تكنيكياً من لوازم الحضارة والتقدم! وما علموا أنه من بوادر الحقارة والدعارة، والتفاهة والتدهور:
سوف ترى إذا انجلى الغبارُ أفرسٌ تحتك أم حمارُ
عباد الله: إنا نرى ويا ليتنا لم نر، إنا لنرى الإنسان يسوق سيارته سائق وعنده خمسٌ من البنين كلهم يقودون سياراتهم، ولا يكلف الواحد منهم نفسه أن ينقل عرضه إلى المدرسة، ويأتون برجلٍ غريبٍ كافرٍ جاء من بلدٍ مختلف، الزنا فيه أمرٌ طبيعي لا يستنكر ولا يستغرب، يأتون به لينقل أعراضهم، ويؤتمن على نسائهم، أهؤلاء رجال؟!
إن كنت لا تدري فتلك مصيبةٌ وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُ
يؤتى برجلٍ شاب يتجمل ويتهندم ويعتني بشعره أكثر مما يعتني صاحب المرأة بنفسه، فيضع السلاسل الذهبية في عنقه، وتسلم له سيارة أنيقة، ويسلم له فتياتٍ قد بلغن الكمال في الأنوثة والصحة والجمال، وقد حيل بينهن وبين الزواج غالباً، فيقولوا لهذا السائق: خذهن لقمة سائغة، اذهب بهن إلى الأسواق والمدارس والحدائق فأنت الصادق الأمين.
إن كنتم تشكون في كلامي فاذهبوا إلى الأسواق، وانظروا في طوابير السيارات الواقفة ستجدون هذا كافراً، وذاك جندياً هندوسياً يحمل في سيارته امرأة من نساء المسلمين ويؤتمنون عليها.
يا أمة الحق والآلام مقبلةٌ متى تعين ونار الشر تستعرُ
متى الفواق وقد تمت مصيبتنا متى الخلاص وقد لمَّ بنا الخطر
نتائج الأمة عظيمة، إذا قلبت النظر وجدت ظلاماً وليلاً حالكاً، ومن هذا الظلام خلوة صاحب البيت أو ابنه بالخادمة وتلك والله مصيبة، وكثيرٌ من الآباء سمح للخادمات بلبس القصير، والخلوة بابنه المراهق، وما علم أنه فتح باباً من الشر على بيته وابنه يوم جلب الخادمة، فإذا هي أجمل وأحسن شكلاً من صاحبة البيت، وقولوا لي بالله كم سيغض صاحب البيت طرفه عنها، إنه شيءٌ يضحك ألماً، وشر البلية ما يضحك.
стр. 451
الشيطان يورد المهالك
حذار حذار يا عباد الله! من الخلوة والاختلاط، كم من رجلٍ تعلق قلبه بامرأة أجنبية حتى صار يعزف عن زوجته التي أحلها الله له، لا يجد لذة ولا راحة في معاشرتها ولا في الجلوس معها ولا في حديثها؛ لأن الشيطان قد علق قلبه بامرأة غيرها، فأصبح حاله كحال الشاعر الفرزدق مع زوجته يوم كان يتركها ويذهب ليعمل الفاحشة بغيرها، وهو رجلٌ أعمى البصر والبصيرة، فتسللت زوجته إلى إحدى النساء اللواتي يعمل معهن الفاحشة، فطلبت من هذه العاهرة أن تحل محلها في مقابل أن تسترها ولا تفضحها، وجاء الأعمى يظن أن هذه عشيقته وما علم أنها زوجته؛ فأخذت بيده إلى المكان الذي تعود به عمل الفاحشة، وواقعها وعندما انتهى قالت له: قبحك الله! فعرف أنها زوجته فقال لها: أنت فلانة؟ قالت: نعم قبحك الله، قال: ما أبغضك حلالاً وما ألذك وأهنأك حراماً!!
ومن يك ذا فم مر مريض يجد مراً به الماء الزلال
انظروا إلى الشيطان، فإياكم منه، إنه مدبر الحرام، يبين ويرغم فيه، فلو كان الرجل يملك زوجةً من أجمل نساء الدنيا حسناً وخلقاً، فإنه يراها غير جيدة أمام النساء الأجنبيات؛ لأن الشيطان يصور ويزين، ولقد حُدثنا وسمعنا أن رجالاً لديهم من الغيد الحسان ما يتمناه كل إنسان، ثم يتركونه وهو الحلال، ليتعقبوا أذيال نساءٍ مومسات، قبيحات الأشكال، خبيثات الأجسام، منتنات الروائح، وما ذلك إلا لأن الشيطان سول لهم وأملى لهم فاستبدلوا الحلال بالحرام فأولى لهم.
لم نر من الاختلاط خيراً أبداً، فحوادث الاختلاط نسمعها تقض المضاجع كل آن، فهاهو حدثٌ تقشعر منه الأبدان، الراوي يروي ما حدث منه، ويطلب التوبة والرجوع إلى الله جل وعلا بعد أن آلمته مرارة المعصية، يقول: إنه كان يخلو بزوجة خاله وهي في مثل سنه، يتحدث معها، والشيطان ثالثهما، فخيل لهما الشيطان أنهما حبيبان لا يقدر أحدهما على فراق الآخر، فكانت إذا خرج زوجها استدعته للجلوس معها، ويوم بعد يوم وتقع الفاحشة ونعوذ بالله من الفواحش، ثم بعد ذلك يسعى ليطلقها من خاله بحجة أنه سيتزوجها، وفي سبيل هذا وقع عليها أكثر من أربعين مرة كلها برضاها ورضاه، لا إله إلا الله ما أعظم جرم الزنا! ولم يكتف بالزنا بل خان عرض خاله وهو كعرضه وعرض أمه، سمع موعظة فتذكر فاحشته، فأبغض زوجة خاله وأراد قتل نفسه، وذهب يستفتي أحد العلماء هل يجوز قتل هذه المرأة؟! سبحان الله، ولا إله إلا الله!
يا إخوتي: عندما يكثر التساهل والتسامح يحدث ما نسمع، ويحدث ما نرى، فيا من اشتغل بماله وتجاراته عن أهله:
أصون عرضي بمالي لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض بالمالِ
يا من ادعى طهر القلب: إن محمداً ﷺ وبناته وزوجاته هم أطهر الناس قلوباً، يا من يدعو إلى انحلال هذه الأمة بانحلال نسائها، لتخسأ، ما زالت في الأمة بقية تحمل حقاً، والحق يزهق الباطل: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١]
عباد الله: اتقوا الله، ولنحفظ ديننا ولنحفظ أعراضنا وسلوكنا بالمحافظة على أمتنا وعلى استقامتها وسلامتها، وعلى حفظ نسائنا، وبناتنا، وأخواتنا، اللهم من أراد بنا وبهن سوءاً فاقصم ظهره، وأرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم لا ترفع له راية، واجعله لمن خلفه آية، إنك على كل شيء قدير.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 452
المرأة هي الهدف
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٢١].
стр. 453
محاربة الحجاب والعفاف
عباد الله: الحجاب والعفاف، لو لم يكونا فريضة شرعية لكانا ضرورة عقلية يوليها الواجب والمروءة، في عصر التبذل وقلة الحياء، في عصر ذاق فيه الذين لم يعرفوا الحجاب اللومات والحسرات، رأوا اللافتة أمام أعينهم وعلى طرقاتهم، فاندلعت إلى بيوتهم.
يا إخوة الإيمان كل صغيرةٍ إن أمهلتها الحادثات ستكبرُ
فإلى المرأة اليتيمة المسكينة، إلى المحاربة في جلبابها وحجابها، إلى من حاربتها الصحف والمجلات والمسلسلات والأغنيات، إلى المرأة التي آمنت بالله، وسجدت لله، واستترت بستر الله، أقول:
حذار حذار يا فتاة الإسلام! حذار يا بنت عائشة وفاطمة وزينب وأسماء، حذار من الاختلاط والتبرج، واسمعي وتدبري وتفكري، ولا يغرنك زيف الحضارة الغربية واسمعي إلى ما نشرته إحدى الصحف الأمريكية وقد نشرت استقراءً خطيراً في جامعةٍ من جامعاتها قالت: في سنة واحدة ثبت أن عشرين ألف فتاةٍ حملت من الزنا في هذه الجامعة، وأن أمريكا تستقبل مليون طفلٍ من الزنا والسفاح سنوياً، هل يفكر أحدٌ في معنى الاختلاط والتبرج؟ إنه الفاحشة والدمار، إنها التي تربتها المرأة في الغرب، تركت زوجها وشاركت الرجل، وسارت على أمانيها.
وفي بريطانيا يوجد ثمانية ملايين من النساء لم يتزوجن، وعشرون ألف حالة إجهاضٍ في عامٍ واحد، كل هذا ثمرة من ثمرات الاختلاط.
ودعاة السفور من الغرب والشرق يقولون: إن الحجاب بدعة حجازية خرجت من مكة والمدينة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف:٥] إن الأمر أمر الله وهو أدرى بمصالح عباده .
نبئوني بعلمٍ إن كنتم صادقين: آمرأة متعطرة متطيبة متحلية، تخرج من بيتها بلا محرم فتكلم الخياط، وتبايع، وتجوب الأسواق، وتقف مع بائع الأغنيات والمجلات، أهذه مسلمة؟! أهي مؤمنة؟! إنها ملعونةٌ مغضوبٌ عليها من الله.
أين الدين؟
أين العفاف والحياء؟
ثم من يريدها زوجة له يا عباد الله! بالطبع لا أحد، حتى الفسقة لا يريدونها زوجة.
إذا سقط الذباب على طعامٍ رفعت يدي ونفسي تشتهيه
وتجتنب الأسود ورود ماءٍ إذا كن الكلاب ولغن فيه
стр. 454
دور دعاة تحرير المرأة
عباد الله: دعا الغربيون إلى مشاركة المرأة للرجل في غير ما خلقت له، فدخلت المرأة المعمل، ودخلت المصنع، وخالطت الأجانب، فصارت عملة رخيصة في الطائرات، والقطارات، والمستشفيات، فضيعت أنوثتها، وأوقعت شباب الإسلام في حبائلها، واكتوت بلاد الإسلام بنار الاختلاط؛ نتيجة لترك تعاليم الإسلام، والانقضاض على جيف الغرب واتباعهم وتقليدهم.
إن وضع العالم الإسلامي وضعٌ غير صحيح، وديننا الإسلامي -وكذلك ديار المسلمين- مستهدف، وفي بيتٍ من البيوت يُضبط ألف شريطٍ جنسي يستحي إبليس أن ينظر إليه، لا إله إلا الله! كل شريط كفيل بأن يدمر مدينة بأكملها، كيف وصل؟! من أين أتى؟! آه إن كان الباني واحداً والهادم ألفاً، كيف يكون البناء ويتم؟!
أرى ألف بانٍ لا يقوموا لهادم فكيف ببانٍ خلفه ألف هادم
كيف تصلح الأمة الإسلامية ووسائل إعلامها تبث سماً زعافاً؟! تبث المجون والضياع والانحطاط، كيف تصلح الأمة وقد ضعفت التربية في البيوت بل انعدمت؟! كيف تصلح امرأة لا تسمع القرآن، ولا تعرف السنة، ولم تحضر في حياتها محاضرة، ثم يكب على رأسها آلاف المسرحيات والمسلسلات والأغنيات والمجلات؟ كيف ستكون امرأة مسلمة في خضم هذا؟ بل كيف ستربي أبناءها؟ بل كيف سيكون بيتاً مسلماً؟
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
إن رسول الله ﷺ وهو قدوتنا جعل من أكبر اهتمامته المرأة، خاطبها، ووعظها، وبالله ذكرها وأبكاها، كان يصلي العيد ثم ينتقل إلى النساء فيعظهن ويذكرهن، بل خصص لهن وقتاً يربيهن ويعلمهن؛ لأنه ﷺ يعلم أنه بصلاح المرأة تصلح البيوت، وبفسادها تفسد المجتمعات.
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراقِ
وكثير من كتاب عالمنا الإسلامي يحارب المرأة المسلمة، يستهزئون بحجابها، يريدون أن تكون غربية ساقطة، يقولون عن الحجاب: خيمة، ويقولون: على المرأة المتحجبة أن تبحث عن قائد يقودها إلى مدرستها، ويقولون: آن للمرأة أن تمزق حجابها.
معنى ذلك أن تمزق عرضها وحياءها، وعفتها ودينها، يعيرونها بحجابها لكن نقول:
إذا عير الطائي بالبخل مادر وعير قساً بالفهاهة باقل
وقال الدجى للشمس أنت كسيفة وقال السهى للبدر وجهك حائلُ
فيا موت زر إن الحياة ذميمةٌ ويا نفس جدي إن دهرك هازلُ
تتعرض المرأة المسلمة في العالم الإسلامي لحملات شرسة، ودعواتٍ جاهلية، لها مظاهر متعددة، من أهمها: إلغاء الحجاب.
ومن أوائل الداعيات إلى تحرير المرأة في العالم الإسلامي وإلغاء حجابها، تلك الشقية المجرمة هدى شعراوي عليها من الله ما تستحق، أول امرأة تسافر من غير محرمٍ إلى أوروبا وتحضر أول مؤتمرٍ دوليٍ نسائي، وبعد عودتها طالبت برفع الحجاب عن المرأة، وبلغت بها التفاهة والسفاهة أن ألقت بحجابها وداسته بأقدامها.
وها هي الجمعيات اليسارية في العالم الإسلامي تتبنى هذه الدعوة الجاهلية، وتسعى جاهدة لإلغاء الحجاب الإسلامي؛ بحجة الحضارة لكن ذلك بعيداً عن منهج رب البرية:
أثّر الجهال فيها وأمطر الزور عليها
يا لها من ببغاء عقلها في أذنيها
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩].
стр. 455
ظاهرة الاختلاط وتفشي الخادمات والمربيات الكافرات
ومن مظاهر التحديات الاجتماعية: الدعوة إلى الاختلاط في العالم الإسلامي بهدف إلغاء القيم والمبادئ، ونجحت الدعوة في كل بلدٍ، في المدارس والجامعات والمؤسسات، وبقي هذا البلد الذي أسأل الله ألا يحل به ما حل بغيره.
ومن مظاهر التحدي: ظاهرة تفشي الخادمات والمربيات الكافرات كما هو الحال في بعض دول الخليج بل في كلها، ولا يكاد يخلو منزلٌ من خادمة أو مربية أو سائقٍ غير مسلم، وفي هذا تهديدٌ للقيم الإسلامية في تلك المجتمعات.
فيا عباد الله: اتقوا الله، هذه مسئوليتكم تجاه دينكم، قبل أن تصبحوا لقمة سائغة لكل جائع، وسلعة رخيصة لكل مشتري، وعندها تندموا ولات ساعة مندم.
ها هو رجل تضبط ابنته تمارس الفاحشة مع شابٍ -نعوذ بالله من الفواحش- فيستدعى أبوها الذي فرط فيها، ويخبر الخبر ويغمى عليه، ثم يصيح ويرفع يديه إلى السماء قائلاً: رباه ليتك لم تخلقني، رباه ليتك لم تخلقني، لسان حاله حال مريم يوم تقول: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٣] وفي ذلك عبرة وعظة.
فعودة إلى الإسلام أيها المسلمون: ففي الإسلام سعادتكم لبناتكم؟! وعودة إلى الإسلام أيها المؤمنون، ففي الإسلام عزكم ونجاتكم وسعادتكم.
وستذكرون ما أقول: أعداء الله يريدون من عالمنا أن يكون مفككاً، دنيئاً، مدمراً، فاحشاً، متفحشاً: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧] ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠] فلننتبه ولنقم من سباتنا.
يا راقد الليل مسروراً بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلى، أن تسترنا، وأن تستر نساءنا، وبناتنا وأخواتنا، اللهم لا ترنا فيهم فضيحة، اللهم لا ترنا فيهم مكشوفة، اللهم لا ترنا فيهم سخطك.
اللهم أرنا في دعاة السفور والاختلاط يوماً أسوداً كيوم فرعون وهامان وقارون، اللهم اشف قلوب المسلمين من المنافقين والذين في قلوبهم مرض، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام بشرٍ فأشغله بنفسه، واجعل تدبيره في تدميره يا حي يا قيوم!
اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وأصلح من في صلاحه صلاح للإسلام والمسلمين، وأهلك من في هلاكه صلاحٌ للإسلام والمسلمين برحمتك يا أرحم الرحمين!
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 456
عقوق الوالدين
الوالدان لهم فضل عظيم في الإسلام، وهناك آيات كثيرة توجب بر الوالدين، وقد قرن الله حقهما بحقه جل وعلا، وفي هذه الخطبة تجد قصصاً في عقوق الوالدين تدمى لها القلوب، ويندى لها الجبين.
стр. 457
انتشار العقوق في الأمة
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له شهادة أدخرها لي ولكم إلى يوم المصير، يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، صلى عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
عباد الله: كان من المفروض في هذا اليوم أن نتكلم عن فضائل العشر الأولى من ذي الحجة، لكن مشاكل المسلمين كثيرة وأمراضهم خطيرة، وحلولها يجب أن تكون قبل أن يذهب الحاج إلى تلك المشاعر.
ومن تلك المشاكل مشكلة خطيرة انتشرت وفشت وأصبحنا نلاحظها صباح مساء، تسري الأكباد وتقطع نياط القلوب ألا وهي مشكلة العقوق.
إذا ظهرت في أمة محمد ﷺ أربع عشرة خصلة؛ فانتظروا ريحاً حمراء وزلزلة وخسفاً ومسخاً وقذفاً وآيات تتابع في نظام قطع سلكه، ومن هذه الخصال: إذا أطاع الرجل زوجته، وعق أمه، وأدنى صديقه، وأبعد أباه، ولا إله إلا الله ما أكثر هذا في هذا العصر! يأتي رجل وزوجته، وأمه تحمل ولده؛ ليشتروا ذهباً من بائع ذهب في هذه المنطقة، وبائع الذهب هو الذي يروي هذه الحادثة، تدخل زوجة هذا الرجل وتأخذ ذهباً بما يساوي عشرين ألف ريال، وتقف الأم واجمة هناك تحمل ولده ثم تتقدم لتأخذ خاتماً يساوي ثمانين ريالاً، فيقوم الابن بتسديد قيمة ذهب زوجته فيقول البائع: بقي ثمانون ريالاً، قال: لماذا؟ قال: قيمة الذهب الذي أخذته أمك، فانفجر غاضباً وقال: كبار السن لا يحتاجون للذهب، أخذت الأم الخاتم وأعادته للبائع ولسان حالها يقول: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] خرجت تحمل ولده تريد السيارة وكأن زوجته أنبته على هذا الفعل وقالت: من يمسك لنا ابننا، أعطيها الخاتم.
فأعطاها إياه فرمته وانفجرت تبكي قائلة: والله لا ألبس ذهباً في حياتي أبداً، حسبي الله ونعم الوكيل!
لا إله إلا الله آباء يئنون وأمهات يشتكين! ولا إله إلا الله يحز في النفس ويدمي القلب ويندي الجبين يوم نسمع بل نرى بعض الأبناء يعق والديه! يؤذيهما ويجاهرهما بالسوء وفاحش القول! يقهرهما وينهرهما! يرفع صوته عليهما، يتأفف منهما! يقول بعضهم: أراحنا الله منك وعجل بزوالك يا شيبة النحس ويا عجوز الشؤم، لا إله إلا الله قول يستحي إبليس أن يقوله وبعض شبابنا يردده ناسياً أو متناسياً قول الله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [النساء:٣٦] لا إله إلا الله!
стр. 458
الإسلام ينهى عن عقوق الوالدين
توعد الله بالعذاب الأليم واللقاء الشديد من عصى والديه؛ لأن تلك معصية عظيمة فظيعة، وجريمة قبيحة شنيعة، يقشعر جلد المؤمن يوم يرى الابن كلما شب وترعرع تغمط حق والديه يوم أذهبا زهرة العمر والشباب في تربيته، سهرا لينام، وجاعا ليشبع، وتعبا ليرتاح، فلما كبرا وضعفا ودنيا من القبر واحدودب ظهراهما، وقلَّت حيلتهما أنكر جميلهما، وقابلهما بالغلظة والجفاء، وجحد حقيهما، وجعلهما في مكان من الذلة والصغار لا يعلمه إلا رب الأرض والسماء.
لقد جعل الله عقوبة العاق عظيمة شديدة، وقد قرن الله حقه بحقهما، وجعل من لوازم العبودية بر الوالدين وصلة الأرحام، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣] قضاؤه وأمره ألا يعبد إلا هو ومع عبادته لا بد من بر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إليهم، وأوصى الله وصية خاصة بالوالدين فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان:١٤] ضعفاً على ضعف، ومشقة على مشقة، في الحمل وعند الولادة، وفي حضنه في حجرها، ثم إرضاعه ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤].
لقد جعل المصطفى ﷺ بر الوالدين مقدماً على الجهاد في سبيل الله، ففي حديث إسناده جيد أن رجلاً قال: ﴿يا رسول الله! إنني أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه، فقال ﷺ : هل بقي من والديك أحد حي؟ قال: نعم.
أمي.
قال ﷺ : قابل الله ببرها فإن فعلت فأنت حاج ومعتمر ومجاهد﴾.
يا أيها المسلمون: لا يجدر بعاقل مؤمن يعلم فضل بر الوالدين، ويعلم آثاره الحميدة في الدنيا والآخرة، ثم يعرض عنه ولا يقوم به ويقابله بالعقوق والقطيعة، وهو يسمع نهي الله تعالى عن عقوق الوالدين في أعظم حال يشق على الولد برهما فيه قال تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] أنتم تعلمون أن الإنسان إذا كبر ضاقت نفسه، وكثرت مطالبه، وقل صبره، وربما صار ثقيلاً على من هو عنده، ومع ذلك فالله يقول: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤] في حال بلوغ الوالدين الكبر يكون الضعف قد تمكن منهما في البدن، وقد يكون -أيضاً- في العقل، وربما وصلا إلى أرذل العمر الذي هو سبب للضجر والملل منهما، في حال كهذه الحال ينهى الله الولد أن يتضجر أقل تضجر، وأمره أن يقول لهما قولاً كريماً، وأن يخفض لهما جناح الذل من الرحمة، فيخاطبهما خطاباً يستصغر نفسه أمامهما، ويعاملهما معاملة الخادم الذي ذل أمام سيده رحمة بهما وإحساناً إليهما، ويدعو الله لهما بالرحمة كما رحماه في حالة صغره ووقت حاجته فربياه صغيرا.
يا أيها الإنسان: اذكر حال أمك وأنت حملاً في بطنها وما تلقى من المشقة والتعب في جميع أحوالها ليلاً ونهارا، وتفكر في أمرها حال ولادتها، ثم بعد أن ولدتك لا تنام الليل، تسهر لسهرك وتتألم لتألمك، تجوع لتشبع، وتتعب لترتاح، وأنت لا تملك لنفسك ضراً ولا نفعا، أبعد هذا يكون جزاؤهم العقوق والقطيعة والشتم، أي قلوب هذه التي استمرأت العقوق؟! وأي أرواح هذه الأرواح التي ألفت القطيعة؟!
стр. 459
أبناء عقوا آباءهم
لقد بكت العرب والله في جاهليتها قبل إسلامها العقوق، وتوجعت له، وتظلمت، وتبرمت، واشتكت إلى بارئها منه.
في السير أن أعرابياً وفد على بعض الخلفاء وهو يبكي، فقال الخليفة: ما بك؟ قال: أصبت في ولدي بأعظم من كل مصيبة.
قال: وما ذاك؟ قال: ربيت ولدي، سهرت لينام، وأشبعته وجعت، وتعبت وارتاح، فلما كبر وأصابني الدهر واحدودب الظهر تغمط حقي، ثم بكى بكاء مراً وقال:
وربيته حتى إذا ما تركته أخ القوم واستغنى عن المسح شاربه
تغمط حقي ظالماً ولوى يدي لوى يده الله الذي هو غالبه
فبكى كل من في مجلس الخليفة، وحق لكل عين بكاها.
وفي السير في أسانيد فيها نظر ما معناه: ﴿أن رجلاً وفد على رسول الله ﷺ وهو يبكي فقال: ما بك؟ قال: مظلوم يا رسول الله، قال: من الذي ظلمك وأنت شيخ كبير فقير؟ قال: ابني ظلمني، قال: كيف ظلمك؟ قال: ربيته فلما كبر وضعف بصري ورق عظمي ودنا أجلي تغمط حقي وظلمني وقابلني بالغلظة والجفاء وأخذ كل مالي، فدمعت عيناه ﷺ ﴾ وحق للقلوب اللينة وللعيون الرقراقة أن تدمع لهذه المآسي التي وجدت في بلاد الإسلام، والتي شكت قلوب الوالدين إلى بارئها هذا الظلم الفظيع، وهذا الجرم الشنيع، هل أظلم وأكبر وأشنع من أن تربي ابنك، فإذا قوي واشتد ساعده، صائلٌ أصبح في مصاف الرجال، عندما أعطيته شبابك وزهرة عمرك ولذة روحك وشجى نفسك رد عليك الجميل منكراً، وأتى فإذا صوته صائلٌ في البيت لا يجيب لك دعوة، ولا ينفذ لك أمراً، ولا يخفض لك جناحاً، يطيع زوجه ويعصيك، ويدني صديقه ويبعدك، إنها -والله- مأساة ما بعدها مأساة.
стр. 460
منزلة بر الوالدين في الإسلام
لقد عد الإسلام بر الوالدين من أعظم الحقوق، يقول ﷺ وهو يسأل عن الأعمال الصالحة أيها أزكى وأعظم، فقال: ﴿الصلاة على وقتها، قال: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله﴾ فلا إله إلا الله ما أعظم حقوق الوالدين!
العقوق مأساة انتشرت في البيوت وأصبحت وبالاً على الآباء والأمهات، في بعض الآثار: أنه في آخر الزمان يود المؤمن أن يربي كلباً ولا يربي ولداً.
وأرجو الله ألا يكون هذا الزمان، وجد هذا ورأينا عيون الآباء الذين طعنوا في السن وأصابتهم الشيخوخة وهم يتباكون ويتضرعون ويتوجعون من هذه الذرية الظالمة العاصية، فهل من عودة يا شباب الإسلام إلى الله؟! هل من لطف وحنان وخفض جناح؟! وهل من بر للآباء والأمهات؟! يأتي رجل إلى رسول الله ﷺ فيقول: ﴿يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك﴾.
الأم -يا عباد الله- لها ثلاثة أرباع الحق فهي التي تعبت وحملت وأرضعت وغسلت وألحفت وأدفأت:
فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي لها من جواها أنة وزفير
وفي الوضع لو تدري عليها مشقة فمن غضض منها الفؤاد يطير
وكم غسلت عنك الأذى بيمينها وما حجرها إلا لديك سرير
وتفديك مما تشتكيه بنفسها ومن ثديها شرب لديك تمير
وكم مرة جاعت وأعطتك قوتها حناناً وإشفاقاً وأنت صغير
فضيعتها لما أسنت جهالة وطال عليك الأمر وهو قصير
فآه لذي عقل ويتبع الهوى وآه لأعمى القلب وهو بصير
فدونك فارغب في عميم دعائها فأنت لما تدعو إليه فقير
ذكر أن أبا الأسود الدؤلي تخاصم مع امرأته إلى قاضٍ في غلامهما أيهما أحق بحضانته؟ فقالت المرأة: أنا أحق به، حملته مشقة، وحملته تسعة أشهر، ثم وضعته، ثم أرضعته إلى أن ترعرع بين أحضاني وعلى حجري كما ترى أيها القاضي، فقال أبو الأسود: أيها القاضي! حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، فإن كان لها بعض الحق فيه فلي الحق كله أو جله، فقال القاضي: أجيبي أيتها المرأة، قالت: لئن حمله خفة فقد حملته ثقلاً، ولئن وضعه شهوة فقد وضعته كرها، فنظر القاضي إلى أبي الأسود وقال له: ادفع إلى المرأة غلامها ودعنا من سجعك.
وهاهو رجل كان في بيت الله الحرام يطوف بالكعبة المشرفة وأمه على كتفيه، قد أركبها على ظهره من بلده حتى وصل مكة وهو يطوف بها، فشاهد ابن عمر فقال له: يـ ابن عمر! أتراني أوفيتها حقها؟ قال ابن عمر: [[والله ما أوفيتها طلقة من طلقات ولادتها]] إن هذا لا يساوي طلقة من طلقات الولادة التي كانت تعاني منها في تلك اللحظات العصيبة، لا إله إلا الله كيف يعق الوالدان؟ حق الوالد عظيم أيما عظم!
في الصحيح عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: أتى رجل أبا الدرداء ﵁ فقال له: إني تزوجت ابنة عمي وهي أحب الناس إليَّ، أنا أحبها وأمي تكرهها وأمرتني بفراقها وطلاقها، فقال له أبو الدرداء ﵁ وأرضاه: لا آمرك بفراقها ولا آمرك بإمساكها، إنما أخبرك ما سمعته من النبي ﷺ ، لقد سمعته يقول: ﴿الوالد أوسط أبواب الجنة فإن شئت فضيع ذلك الباب وإن شئت فاحفظه عليك﴾ فلا إله إلا الله كم من شاب ضيع أوسط أبواب الجنة بعقوقه! فمن ضيعه فليعد وليبادر قبل غلق الباب وقبل قول: رب ارجعون.
следующие страницы →