Полный текст (977 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
الجنة ما الجنة ؟
الجنة ما الجنة؟!
والفردوس ما الفردوس؟!
لا خطر لها، لا مثيل لها، ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مضطرد، وثمرة نضيجة، وحلل كثيرة، وزوجة حسناء جميلة، وفاكهة وخضرة، وحبرة ونعمة، في محلة عالية بهية، في جنة عدن عند مليك مقتدر.
بناها الله تعالى لعباده المتقين أحسن بناء، وملأها من كرامته ورحمته ورضوانه؛ فبناؤها أحسن وأجمل وأتم وأكمل بناء، وكيف لا يكون ذلك وهي لبنة من ذهب ولبنة من فضة، بلاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت والجوهر، وترابها الزعفران، وسقفها عرش الرحمن؛ لا إله إلا هو! غرفها مبنية يُرى ظاهرها من باطنها، ويرى باطنها من ظاهرها، من دخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه.
أما أشجارها، فما أشجارها؟
ما من شجرة إلا ولها ساق من ذهب، ولها ساق من فضة.
أما ثمارها فألين من الزبد، وأحلى من العسل.
وأما ورقها فلا إله إلا الله! أحسن وأرق من رقائق الحلل.
أما تصفيق الرياح لذوائب أغصان أشجار الجنة، فيستفز من لا يطرب بالطرب.
ظل الشجرة يسير الراكب فيه مائة عام لا يقطعه؛ فأسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستظل بظلال أشجارها، إنه غفور رحيم.
أما أنهارها فما أنهارها؟
أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى.
وفوق ذلك ظلُّها ممدودٌ، وطلحُها منضود، تعلمون -يا عباد الله- أن الطلح له شوك، يقول أحد الأعراب للنبي ﷺ : ﴿ذُكر في الجنة شجرة ما نعرف منها إلا الأذى -يقصد شوكها- قال: ألم تسمع لقول الله تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة:٢٩]﴾ نضد هذا الشوك، فأنبت مكان كل شوكة ثمرة ألْيَن من الزبد، وأحلى من العسل، فضلا من الله ومِنَّة.
أما ماؤها -يا عباد الله- فمسكوب، حدائق وأعناب وكواعب أتراب.
أما طعام أهلها فلا إله إلا الله! فاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون، شرابهم التسنيم والزنجبيل والكافور.
أما آنيتهم فالذهب والفضة في صفاء القوارير، وأَجْمِلْ بتلك الآنية!
فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذُّ الأعين، وفوق ذلك: مَن دخلها يخلد فيها أبداً.
فيها روح وريحان ورب راضٍ غير غضبان.
قد ذُلِّلت قطوفُها تذليلاً، يتكئ أهلها على الأرائك لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً، ولا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً إلا قيلاً سلاماً سلاماً.
فيها مائة درجة، والناس في الجنة على درجات؛ منهم من يبلغ أعلى الجنة، ومنهم من هو في وسط الجنة، ومنهم من هو في ربض الجنة، لو أن العالمين اجتمعوا في درجة واحدة لوسعتهم.
سعة أبوابها: ما بين المصراعين مسيرة أربعين عاماً، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام.
فأسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يزاحم على تلك المصاريع.
أما ما للمؤمن فيها: فللمؤمن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوَّفة طولها في السماء ستون ميلاً، له أهلون يطوف على بعضهم فلا يرى بعضهم بعضاً، فضلاً من الله ونعمة.
أما لباس أهلها فلا تَسَل عن لباسهم؛ حرَّم عليهم الحرير والذهب في هذه الحياة وجعل لباسهم هناك من الحرير والذهب، وأنعم بذاك اللباس!
وأما صورتهم فأهلها جميعاً على صورة القمر ليلة البدر؛ فلا إله إلا الله، أي جمال يكون ذاك الجمال!!! حليهم وأساورهم من ذهب وفضة ولؤلؤ وزبرجد وياقوت، من لذة إلى لذة إلى لذة، لا يجوعون ولا يظمئون، ولا ينصبون، ولا يشبعون، ولا يتعبون، وإنما لذَّات فوق لذّات: ﴿فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧١].
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ من معِينٍ﴾ [الواقعة:١٧ - ١٨].
﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ [الإنسان:١٩ - ٢٠].
أما أسنان أهل الجنة: فأبناء ثلاث وثلاثين في سن الشباب، وما أجمل هذا السن يا عباد الله!
أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ [هود:١٠٨] في سعادة أبدية.
أما أمشاطهم فالذهب، وأما رشحهم فالمسك، وأما مجامرهم فالألوَّة، وهو أفضل الطيب وأفضل العود.
وأما أزواجهم فالحور العين، ولنا وقفة مع الحور العين يا عباد الله!
стр. 387
أدنى أهل الجنة منزلة وأعلاهم
أما أدنى أهلها فيسير في ملكه وقصوره مسيرة ألفي عام؛ فما بالكم بأعلى أهل الجنة، إذا كان أدناهم كذلك؟ واسمعوا كما في صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿سأل موسى ﵇ ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ فقال الحكيم : رجل يأتي بعد ما أُدخل أهل الجنةِ الجنةَ، فيخيل إليه أنها ملأى، فيقول الله له: ادخل الجنة.
فيقول: يا رب! كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟! فيقول الله : ادخل الجنة.
فيقول: كيف وقد أخذوا منازلهم، وأخذوا أخذاتهم، وأخذوا نعيمهم -يخيل إليه أنها ملأى- فيقول الله له: ألا ترضى أن يكون لك مثل مُلْك مَلِكٍ من ملوك الدنيا؟ قال: بلى يا رب، وكيف لا أرضى بذلك؟! قال: فإن لك ذلك ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، حتى بلغ الخامسة، فقال هذا العبد: يا رب رضيت رضيت، قال فإن لك ذلك، ولك عشرة أمثاله، ولك ما اشتهت عينك، ولذَّت نفسك، وأنت فيها خالد: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم من قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]﴾.
وفي الحديث الآخر الذي روي في الصحيحين: ﴿أن الله بعد أن يقضي بين العباد، يبقى رجل مقبل بوجهه على النار، قد نجا منها، ولكنه لم يدخل الجنة، ولم يقدم إلى باب الجنة، فيقف، فيقول: يا رب! برحمتك اصرف وجهي عن النار، فقد قشبني ريحها، وآذاني وسمَّني، وأحرقني ذكاؤها ولهبها، فيدعو ما شاء الله أن يدعو، فيقول الله له: هل عسيت إن صرفت وجهك عن النار ألا تسألني غير ذلك؟ قال: وعزتك وجلالك! لا أسألك غير ذلك، فاصرف وجهي عن النار.
فيصرف الله الرحيم الحليم الغفور وجهه عن النار.
فيبقى ما شاء الله أن يبقى ساكتاً ثم يسأل الله مرة أخرى، فيقول: يا رب! برحمتك قدِّمني إلى باب الجنة، فيقول الله: ويلك يا بن آدم ما أغدرك، وما أظلمك! ألم تُعطِ العهود والمواثيق ألا تسألني غير ذلك؟ قال: يا رب! برحمتك قدمني إلى باب الجنة.
قال: هل عسيت إن أعطيتك ما سألت ألا تسألني غير ذلك؟ قال: وعزتك وجلالك! لا أسألك غير ذلك.
فيقدمه الله إلى باب الجنة.
فيبقى هناك، ويسكت ما شاء الله أن يسكت، ثم تنفتح له الجنة، فيرى حورها، ويرى قصورها، ويرى رياضها، ويرى نعيمها، فيقول: يا رب! برحمتك أدخلني الجنة.
فيقول الله: ويلك يا بن آدم، ما أغدرك! ما أظلمك! ألم تعط العهود والمواثيق ألا تسألني غير ذلك.
قال: يا رب! برحمتك أدخلني الجنة.
قال: هل عسيت إن أدخلتك ألا تسألني غير ذلك؟ قال: وعزتك وجلالك! لا أسأل غير ذلك، قال الله ادخل الجنة -برحمته وكرمه ومَنِّه- فيدخل الجنة فيكفيه هذا.
فيقول الله له: تمنَّ يا عبدي فيتمنى، ثم يتمنى، ثم يتمنى، ويذكره الله رحمة منه وفضلاً بالأماني التي يتمناها حتى تنقطع به الأماني، ثم يقول له: تَمنَّ، قال: لا أريد شيئاً يا رب! قال: فإن لك ما أخذت، ولك عشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولذَّت عينك، وأنت فيها خالد: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]﴾
﴿يقول موسى -في الحديث الأول-: فما أعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]﴾ فلا إله إلا الله! ما أرحم الله! وما ألطف الله! وما أحلم الله! نسأله برحمته التي وسعت كل شيء أن يرحمنا برحمته، سبحانه وبحمده!
سُبحَانَ مَنْ يَعفُو وَنَهْفُو دَائِماً ولا يزَل مهما هفا العبد عَفَا
يعطي الذي يخطى ولا يمنعه جلاله عن العطا لذي الخطا
خلق الله الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، ثم أنزل إلى الأرض أو جزءاً واحداً من هذه الرحمة؛ فبه يتراحم الخلق كلهم، إنسهم وجِنُّهم وعجماواتهم ودوابهم وبهائمهم؛ فإذا كان يوم القيامة رفع الله هذه الرحمة إلى التسع والتسعين عنده ﷻ ، فيتطاول إبليس -وهو في الموقف- بعنقه يظن أن رحمة الله سَتَسَعه في ذلك اليوم، فيا من رحمته وسعت كل شيء؛ ارحمنا برحمتك.
والله! لو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة لم ييْئسْ من الجنة، ولَعمِلَ للجنة.
ووالله! لو يعلم المؤمن ما أعد الله من العذاب للكافرين لم يأمن النار أبداً حتى يضع أول قدم من أقدامه في الجنة.
إخوتي في الله: هذا أدنى أهل الجنة وأعلاهم.
стр. 388
أزواج أهل الجنة
كأني بكم تقولون: ما أزواجهم؟
وأقول لكم: لا إله إلا الله! ماذا يصف الواصفون في أزواج أهل الجنة، إنهن الحور، وما الحور يا عباد الله؟
كواعب أتراب، لهن خدود كالورد والتفاح، ونهود كالرمان، وثغور كاللؤلؤ المنظوم، فيا له من نعيم، وأي نعيم لمن فاز بحوريات أهل الجنة! قدْ رقَّ خصر الواحدة منهن، وحاجبها وأنفها، وطال قوامها وعنقها وشعرها، تجري الشمس من محاسن وجهها إذا برزت، ويضيء البرق من بين ثناياها إذا ابتسمت، إذا قابلت زوجها، فقل ما تشاء في تقابل الشمس والقمر! إن حادثت فما ظنك بمحادثة المحبين! وإن ضمها فما ظنك بتعانق الغصنين!
يرى وجهه في صحن خدِّها، ويرى مخ ساقها من وراء لحمها وعظمها وجلدها وعصبها وحُللها، لو طلعت على أهل الدنيا لملأت ما بين السماوات والأرض ريحاً، ولاستنطقت أفواه الخلائق تسبيحاً وتهليلاً وتكبيراً.
لو طلعت لقالوا: لا إله إلا الله! وسبحان الله والحمد لله والله أكبر!
لو طلعت لتزخرف لها ما بين السماوات والأرض، ولأغمضت عن غيرها كل عين، ولطمست ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم، ولآمن مَن على ظهر الأرض بالله الحي القيوم.
نصيفها -أي: خمارها- على رأسها خير من الدنيا وما فيها، لا تزداد على طول الدهور والأحقاب إلا حسناً وجمالاً، مبرأة من الحمل والولادة والحيض والنفاس، مطهرة من المخاط والبصاق والبول والغائط وسائر الأدناس، لا يفنى شبابها، ولا تبلى ثيابها، لا يُمل طيب وصالها، قد قصرت طرفها على زوجها؛ فهن قاصرات الطرف، لا تطمح لأحد سوى زوجها، إن نظر إليها سرَّته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب حفظته؛ فهي معه وهو معها في غاية الأمان، لم يطمثها قبله إنس ولا جان.
كلما نظرت إليه ملأت قلبه سروراً، وكلما حدثته ملأت أذنه لؤلؤاً منظوماً، وإذا برزت ملأت القصر والغرفة نوراً.
هن الخيرات الحسان، هن العُرُب المتحببات إلى الأزواج.
ما ظنُّكم -يا أيها الإخوة في الله- بامرأة إذا ضحكت أضاءت الجنة كلها من ضحكها، إذا حاضرت زوجها فيا لذة المحاضرة! ويا لذة الكلام! وإن خاطرتْه فيا لذة المخاطرة والمعانقة! وإن كلمته فيا لذة الأسماع! فحديثها السحر الحلال.
إن طال لم يملل وإن هي حدثت ودَّ المُحَدِّثُ أَنَّهَا لَمْ تُوجِزِ
سبحان من صورها! سبحان من عدلها! سبحان من أنشأها! سبحان من جعلها للمؤمنين الصادقين! سبحان من جمعني وإياكم في روضة من رياض الجنة، وأسأل الله أن يجمعنا وإياكم في روضة من رياض الجنة عنده.
стр. 389
غناء الجنة
إن غنَّت هذه الحورية فيا لذة الأسماع! ليس كغنائنا؛ فُحش وخنا ومجون وتحلل، وبعضنا -يوم انتكست بصيرته- يأخذ هذا الغناء ليدخله إلى بيته، ليفسد بيته، ولينشر الفحش في بيته، وليخرج ملائكة الرحمن من بيته، وليدعو إلى الرذيلة في بيته، وينسى أن هناك غناء قد يحرمه إن لم يتُب إلى الله جل وعلا.
إن غنَّت الحورية فيا لذة الأسماع والأبصار! وإن قبَّلت فلا شيء أشهى من التقبيل، وإن آنست فيا لذة الأُنس بسماع الغناء والكلام والمحاضرة، هؤلاء حوريات أهل الجنة الذين أنشأهم الله في الجنة إنشاءً.
لكن هناك حوراً من نساء أهل الدنيا صمن، وصلَّين، ووحدن وتصدقن، وقمن بالتكاليف كلها يكنَّ في الجنة أفضل من حوريات أهل الجنة، فضلاً من الله ونعمة لنساء أهل الدنيا، فطوبى لامرأة غضت بصرها عن محارم الله، وطوبى لامرأة اتجهت إلى الله لتكون أفضل من حوريات أهل الجنة الذين أنشأهم الله في الجنة إنشاء.
وأقف معكم ومع ابن الجوزي عليه رحمة الله في - رياض السامعين - وهو يصف مشهداً من مشاهد نعيم أهل الجنة، حتى إنه ليتخايل ذلك النعيم، ويقول: والله إني لأتخيل دخول أهل الجنةِ الجنةَ وخلودهم فيها بلا تنكيد ولا تعب ولا نصب ولا صخب، يقول: فأكاد أطيش ويكاد طبعي يضيق عن تصديق ذلك لولا أن الله ورسوله ﷺ ضمِنه لنا.
انظروا إليه وهو يصف هذا المشهد، يقول: يا أيها الإخوة! بينما رجل من أهل الجنة يتنعم فيما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وإذا ببرق يضيء في الجنة، وهو مع حورية من حوريات أهل الجنة يتنعم معها، قال: فيرفع رأسه فإذا هو بحورية أجمل من التي بين يديه، وإذا بها تقول: يا ولي الله! أما لنا فيك دولة؟ أما لنا فيك نصيب؟
تعرض خدماتها عليه، تعرض نفسها عليه، فيقول: بالله من أنت؟
قالت: أنا ممن قال الله فيهن: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] وكل ما في الجنة مُذلل لأهل الجنة، فيطير بسريره إليها، فيأتي وإذا هي تضْعُفُ بسبعين ألف جزء من النور عن التي كانت بين يديه هناك، فيتعجب ويقول: لم؟!
قالت: لأنني صليت وصمت وعبدت الله، أنا من نساء أهل الدنيا، لم أتزوج في الدنيا؛ فأنا أعرض نفسي عليك.
قال: أو أنت لي؟!
قالت: نعم.
جزاء من الله لك، وجزاء من الله لي.
قال: فيعتنقها أربعين عاماً لا تمله ولا يملها، تقف بين يديْه، وفي رجليْها خلاخل من ياقوت، إذا مشت سمع من خلاخلها صفير صوت كل طير في الجنة.
فلا إله إلا الله! أي نعيم هذا النعيم؟!
وهو يعتنقها ينظر ليدها اليمنى فإذا هو مكتوب عليها: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر:٧٤].
يقول: مكتوب بالنور على اليمنى ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر:٧٤] وعلى اليسرى: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر:٣٤] أما كفُّها فألْيَن من المخ، يُشم من رائحة كفها رائحة كل طيب في الجنة، وهي تمشي بين يديه، ثم يتمنى أن يمشين مشيات ومشيات؛ لأن كل مشية للحورية لها لذة ونعيم من نوع خاص، قال: فيتمنى أن تمشي، فيقول لها: اشتقت إلى مشيتك، فيكون معها سبعون ألف وصيفة -كما يقول ابن الجوزي في رياض السامعين - قال: فيمشون معها بسبعين ألف مشية فيضع الله لهم روضة من الكافور وروضة أخرى من الزعفران، فيمشين بسبعين ألف مشية في هذه الروضة ويرجعن بسبعين ألف مشية في الروضة الأخرى، لو قضى الله الموت عليه طرباً من مشيتهن لمات، ولكن خلود في الجنة ولا موت، لو تَفَلَتْ في بحار الدنيا لأصبحت بحار الدنيا كلها عذبة من تفال هذه الحورية.
ثم يشتاق بعد ذلك إلى البخور، وكل ما في الجنة رائحة طيبة، قال: فيأتين بمجامر من در فيها بخور من غير نار، فيمشين به تمشي رائحته في الجنة مسيرة مائة عام.
ثم يشتهي الغناء يا من صان سمعه عن الغناء! يا من نزَّه بيته وأهله وأذنه التي أنعم الله به عليه عن الغناء! يشتهي إلى الغناء فماذا يكون الأمر؟ كيف يكون الأمر يوم يشتهي الغناء يا أيها الإخوة؟ يقول: فيجتمعن قسمين من النساء المؤمنات اللائي كن في الدنيا قسم، وقسم آخر من نساء وحوريات أهل الجنة اللائي أنشأهن الله في الجنة إنشاء.
فاسمع إلى كلمات هؤلاء واسمع إلى كلمات هؤلاء، أما أهل الجنة اللائي أُنشئن في الجنة فيقلن:
نحنُ الخَالِداتُ فَلا يَمُتْنَ نحنُ الرَّاضِياتُ فَلا يسخطن
نحن المقيماتُ فلا يظعنَّ نحنُ النَّاعماتُ فلا يبأسنَ
نحنُ الحورُ الحِسَان، أزواجُ قومٍ كِرَامٍ طوبى لمن كان لنا وكنا له
فيرد نساء أهل الدنيا وحوريات أهل الجنة منهن:
نحنُ المُصَلِّياتُ وما صّلَّيْتُنَّ نحنُ الصَّائِماتُ وَمَا صُمْتُنَّ
نحنُ المُتصدقاتُ ومَا تَصَدَقْتنَّ نحنُ العَابِدَاتُ ومَا عَبَدْتُّنَّ
تقول عائشة ﵂: فغلبنهن.
يا من سمع هذه الكلمات! لا فحش ولا خنا، لا فجور ولا تحلل، وليس كهذا الغناء، وإنما خلود بلا موت، إقامة بلا ظعن، نعيم بلا بأس، صلاة وصدقة وصيام، وكل يفخر بهذا النعيم.
أما موسيقاهن يا من نزَّه نفسه عن الموسيقى في هذه الحياة! يرسل الله ريحه فتهز ذوائب أغصان أشجار الجنة فتحدث صوتاً يشبه صفير كل صوت طير في الجنة؛ فلا تسل عن ذاك النعيم، وهن يغنين بأصواتهن الرخيمات اللذيذات، لو قضى الله الموت على أهل الجنة طرباً بهذا الغناء لماتوا، ولكن خلود بلا موت.
قال ابن عباس ويرسل ربنا ريحاً تهز ذوائب الأغصان
فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الإنسان كالنغمات بالأوزان
يا لذة الأسماع لا تتعوضي بلذاذة الأوتار والعيدان
خابت أذن تركت ذاك النعيم، وتلذَّذت بالأوتار والعيدان المحرمة: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٦١] هذا مشهد من مشاهد أهل الجنة، جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة.
стр. 390
رجال تنافسوا علىالحور
لهذا كله بادر المبادرون، وتنافس المتنافسون يوم سمعوا بما سمعوا من هذا الوصف، ماذا كان منهم يا عباد الله؟
أحدهم قال: لأشترين حورية من الحور العين بثلاثين ختمة للقرآن لا أنام حتى أختم هذه الثلاثين ختمة، ويختم تسعاً وعشرين فيغلبه النوم، فينام فيرى حورية من حوريات أهل الجنة تأتي فتركله برجلها، وتقول:
أتخطُبُ مثْلِي وعنِّي تَنَامُ ونومُ المُحبِّينَ عنِّي حَرَام
لأنا خُلِقْنَا لكلِّ امرئٍ كَثيرِ الصلاةِ كثيرِ القِيام
فقام بعدها، وأكمل ذلك واجتهد، وقال: برحمة الله لأجتهدن إلى أن أنال هذه الحورية.
وأبو سليمان الداراني -عليه رحمة الله- ينام ليلة من الليالي، وهو عابد زاهد عبَد الله، وأخلص لله، وصدق مع الله، يمني نفسه بما في الجنة من نعيم، فيقول في ليلة من الليالي نائماً -والنفس أحياناً تحدث بما ترغب وبما تريد وبما تحب- قال: فرأيت -فيما يرى النائم- كأن حورية جاءتني، وقالت: ما هكذا يفعل الصالحون يا أبا سليمان؟! أتنام وأنا أربى لك في الخدور من خمسمائة عام؟!
لا إله إلا الله! فما نام بعدها إلا قليلاً؛ جد وطلب ليلحق بها.
وأبو سليمان كانت له رحلة الحج المعروفة، والتي ذكرها صاحب حادي الأرواح -عليه رحمة الله- يقول: رافقه شاب عراقي في طريقه إلى الحج، قال: فما رأيت هذا الشاب إلا باكياً أو تالياً أو مصلياً؛ نركب فيتلو القرآن، ننزل فنصلي فيصلي، ويذكر الله، لا يتكلم بكلام إلا بذكر الله أو بالصلاة والقيام، قال: فقلت: لا أسأله ولا أشغله، وعندما رجعنا من رحلة الحج، ووصلنا إلى بلاد العراق.
قال: قلت له: أيها الشاب أسألك بالله؛ ما الذي هيَّجك على العبادة لا تفتر عنها؟
قال: يا أبا سليمان! أما إن سألتني؛ فإني رأيت -فيما يرى النائم- حورية في قصر من ذهب، وقصر من فضة، له شرفتان من زبرجد وياقوت، وبينهما هذه الحورية مرخية شعرها لم أرَ جمالاً كذاك الجمال، وهي تقول لي: جِدّ إلى الله في طلبي؛ فإني أربى لك في الخدور من خمسمائة عام، فوالله برحمة الله! وأقسم على الله برحمته! لأجتهدنَّ حتى أصلها أو أهلك دونها.
والله! لا أرتاح حتى أبلغ تلك المنزلة.
هيَّجهم ذكر الجنة إلى الجنة، طيَّرت الجنة نوم العابدين من جفونهم، فتركوا الفراش، واتجهوا إلى الله في أسحارهم وفي لياليهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] يبيتون لربهم سجداً وقياماً.
يأتي أحدهم، فيفرش فراشه، ثم يضع يده عليه، ويقول: والله! إنك لَلَيِّنٌ، لكن فراش الجنة ألْيَن، فيقوم ليله كله لا ينام.
هكذا -يا عباد الله- جَدُّوا إلى الله؛ لأنهم علموا ما عند الله.
стр. 391
سوق أهل الجنة
وكأني بكم تقولون: هل في الجنة سوق؟
ولا إله إلا الله -أيها الإخوة- كيف حال أسواقنا هذه الأيام؟
أسواقنا أشغلت المصلين عن صلاتهم، وأشغلتهم عن ذكر الله حتى يوم يُذكر الله يهربون من المساجد إلى الأسواق، إلى مجتمع الشياطين، أسواقنا فيها ما لا يعلمه إلا الله، ونسأل الله أن يعدل حال هذه الأسواق، وأن يرد الأمة إليه رداً جميلاً؛ فما حالها في أسواقها بل حالها سيء في كثير وكثير، لكن نسأله برحمته أن يردنا إليه رداً جميلاً.
وأهل الجنة لهم سوق لكن أي سوق يا عباد الله؟
سوقهم يوم الجمعة، فيوم الجمعة من شرفه أنه سوق -أيضاً- لأهل الجنة؛ فيأتون كل جمعة، فيركبون نجائبهم، ودوابهم من ذهب وفضة ولؤلؤ إلى كثبان المسك، فيجلسون عليها، ثم يأتيهم الريح، فتأخذ من كثبان المسك، فترمي في وجوههم، وفي نواصي خيلهم ونواصي دوابهم، فيرجعون إلى أهلهم، وقد ازدادوا حسناً وجمالاً، فيقول أهلهم وزوجاتهم من الحوريات: والله لقد ازددتم حسناً وجمالاً، فيقولون: وأنتم -والله- بعدنا لقد ازددتم حسناً وجمالاً.
هذا هو سوق أهل الجنة، سوق أهل الجنة يا من أشغله سوق الدنيا عن طلب سوق الجنة! اتق الله، وتاجر مع الله، وإياك إياك أن تقصر رجلك عن مثل هذه المجتمعات، ومثل هذه الروضات، كم من إنسان قصر رجله عن مثل هذا المسجد، فقصرت به قدمه وزلَّت به من على الصراط إلى كلاليب النار.
نسأل الله العافية والسلامة.
يُعد الله للذين يأتون إلى المساجد نزلاً في الجنة كلما غدوا وكلما راحوا فضلاً منه ونعمة.
نعيم الجنة لا ينفد، نعيم الجنة لا يبيد، نعيم الجنة لا يوصف، وإن من أعظم نعيم أهل الجنة -يا أيها الإخوة- حلول رضوان الله جل وعلا على عباده في الجنة، هذا من أعظم النعيم الذي ينالونه، وأعظم من ذلك التلذذ بالنظر إلى وجه الله الكريم ﷻ وتقدست أسماؤه.
ذلك اليوم يسمى يوم المزيد، يوم زيارة العزيز الحميد، تصور نفسك والله يستزيرك ويزورك، لا إله إلا الله!
استمع ومَثَّل نفسك في روضات الجنة يوم يأتيك المنادي ينادي أنت وأهل الجنة: يا أهل الجنة! إن ربكم يستزيركم، فحي على زيارته.
لا إله إلا الله! من الزائر ﷻ ، وتقدست أسماؤه، سبحانه لا إله إلا هو! يقولون: سمعاً وطاعة.
وينهضون إلى الزيارة مبادرين، وإذ بالنجائب أعدت لهم، فيستوون على ظهورها، وينهضون، فيستوون إلى الوادي الأفيح المبارك على كثبان المسك الذي جُعل لهم موعداً، ثم يأمر الرب ﵎ بكرسيه فيُنصب، ثم يأمر بمنابر لأهل الجنة منابر منوعة على قدر الأعمال من ذهب، من فضة، من لؤلؤ، من نور، من ياقوت، من زبرجد، وأدناهم -وما فيهم دنيء- على كثبان المسك؛ فلا إله إلا الله! ما أعظم نعيم الله في الجنة!
حتى إذا استقروا في مجالسهم، واطمأنت بهم أماكنهم، نادى المنادي مرة: يا أهل الجنة! إن لكم موعداً عند الله يريد أن يُنجزكموه، فيقولون -وقد رضوا بما أتاهم من النعيم-: ألم يثقل موازيننا سبحانه وبحمده؟ ألم يزحزحنا عن النار؟ ألم يدخلنا الجنة؟ ألم يبيض وجوهنا؟ فبينا هم كذلك إذ سطع لهم نور أشرقت له الجنة، فرفعوا رءوسهم؛ فإذا الجبارجل جلاله وتقدست أسماؤه قد أشرف عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل الجنة! سلام عليكم، فيردون بصوت واحد: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام.
ثم يضحك الله لهم -يقول أحد الأعراب: لا نعدَم خيراً من رب يضحك- ثم يقول: يا أهل الجنة! يا من أطاعوني بالغيب ولم يروني هذا يوم المزيد؛ فسلوني.
فيقولون: ربنا قد رضينا فارض عنا.
قال: لو لم أرضَ عنكم لم أسكنكم جنتي، أحللت عليكم رضواني، لا أسخط عليكم أبداً، هذا يوم المزيد فسلوني.
لا إله إلا الله ما أكرم الله لا إله إلا الله ما أرحم الله!
يا أيها الإخوة: يعرض عليهم عرضاً، فيقولون: أرِنا وجهك نتلذذ بالنظر إليه، فيكشف لهم الرب ﷻ الحجب، ويتجلى لهم، ويغشاهم من النور، ما لولا أن الله قضى ألا يحترقوا لاحترقوا من نوره: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [النور:٣٥] لا يبقى أحد في ذلك المجلس إلا حاضره ربه محاضرة، وكلمه ربه كفاحاً بلا ترجمان.
يقول الله: ألم تعمل كذا في يوم كذا ألم تعمل كذا ألم تعمل كذا فيذكره ببعض غدراته وزلاته فيقول: يارب ألم تغفر لي، قال: بمغفرتي بلغت ما بلغت.
فيا لذة الأسماع بتلك المحاضرة! ويا قرة عيون الأبرار بالنظر إلى وجه الكريم الغفار ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
فكيف تعلم؟
فإن كنت لا تدرى فتلك مصيبة وإن كنت تدرى فالمصيبة أعظم
هذا بعض ما أعده الله لنا من النعيم في الجنة، يجمع هذا كله قول المصطفى ﷺ كما في الصحيحين: ﴿قال الله : أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر وإن شئتم فاقرءوا: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]﴾ إنها الجنة وكفى، إنها الفردوس وكفى، إنها طوبى وكفى.
فللَّه ما فِي حشْوِهَا من مَسرةٍ وأصناف لذَّاتٍ بها يَتَنَعَّمُ
وللهِ برد العَيشِ بيْنَ خِيامِها وَرَوْضَاتهَا والثَّغْرُ فِي الرَّوض يبسِمُ
وللهِ واديهَا الَّذِي هُوَ موعد المزيد لوفد الحب لو كنتَ منهُمُ
ولله أفْرَاحُ المحبِّينَ عندمَا يُخاطِبُهُم مَولاهُمُ ويُسلِّمُ
ولله كمْ حوريةٍ إنْ تبسمتْ أضاء لها نور من الفَجْرِ أعظمُ
فيَا لذَّةَ الأبصارِ إنْ هِيَ أقْبَلتْ ويا لذة الأسماع حين تكلم
فيا خاطِبَ الحسناءِ إنْ كنْتَ بَاغِياً فهذا زمانُ المَهرِ فَهْوَ المُقدَّمُ
فأقْدِمْ ولا تقنعْ بعيشٍ مُنغصٍ فَمَا فاز باللّذاتُ مَن ليس يَقْدُمُ
وإن ضاقتْ الدنيَا عليكَ بأسرِها ولَمْ يكن فيها مَنزِلٌ لك يُعْلَمُ
فحيَّ على جناتِ عدنٍ فإنَّها منازلُنَا الأُولَى وفيها المخيمُ
стр. 392
رجال عملوا للجنة
يا أيها الإخوة في الله: لما علم الصالحون هذا النعيم، ورأوا أن الفرصة قائمة، وأن السوق رائجة، وأن الثمن الجنة؛ رفعوا رءوسهم فنظروا إلى الأعلام فإذا هي أعلام الجنة قد نصبت، فشمروا إليها، فماذا عملوا؟
قدموا أموالهم ودماءهم وأوقاتهم وكل ذرة ونفس من حياتهم ثمناً للجنة ففازوا وأفلحوا، يحدوهم في ذلك ترغيب المصطفى ﷺ إلى الجنة ونعيمها، يوم كان ﷺ لا يضع جائزة إلا الجنة على أي عمل من الأعمال.
يقول النبي ﷺ على سبيل الأمثلة في الجوائز: ﴿من يجهز جيش العسرة وله الجنة﴾ ﴿من يشتري بئر رومة وله الجنة﴾ من يعمل كذا وله الجنة ﴿من أقبل هذا اليوم ولم يدبر صادقاً محتسباً فله الجنة﴾ فتجده يرفعهم إلى الجنة دائماً، لا يضع شيئاً مادياً عندنا دنيوياً -وإنما يرفعهم على زخرف الدنيا إلى الجنة ونعيمها.
أرأيتم إليه يوم يرسل خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه إليه قميصاً مخوصاً بالذهب، والقميص هذا للأكيدر ملك دومة الجندل، يوم ذهب إليه خالد فأخضعه واستأسره وأخذ قميصه الذي عليه وكان مخوصاً بالذهب -موشى بالذهب- فأرسله للمصطفى ﷺ ، يوم كنا نغزو ولا نغزى، يوم كنا نفرض شروطنا ولا تفرض علينا الشروط:
كم صرفتنا يد كنا نصرفها وبات يملكنا شعب ملكناه
رباه! ارفع ما بالأمة.
رباه! ارفع ما بالأمة فإنها قد ذلت وأي ذل! ولا رافع لهذا الذل إلا أنت سبحانك وبحمدك!
يا أيها الإخوة: يوم جاء النبي ﷺ هذا القميص نظر الصحابة وتجمعوا وقالوا: قميص من ذهب، والواحد منهم ما يجد ما يستر به سوءته، فأعجبوا بهذا، فقام النبي ﷺ ليرفعهم عن هذا الزخرف فقال -كما في البخاري -: ﴿أتعجبون من هذا! لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منه﴾ والله! لبعض ذاك المنديل خير من هذا عند الله جل وعلا، فكان يرفعهم فارتفعوا.
стр. 393
أبو بكر من أهل الجنة
هاهو أولهم -وهو خير من دب على الثرى بعد الأنبياء والمرسلين- أبو بكر ﵁ وأرضاه الذي كان سنداً للمصطفى ﷺ قدم ماله وأهله وكل شيء في سبيل الله يريد ما عند الله، فماذا قدم الله له من جائزة؟
اسمعوا إليه يوم يأتيه محمد ﷺ يدعوه ويدعوني ويدعوك ويدعو كل إنسان إلى قيام الساعة فيقول: ﴿قولوا لا إله إلا الله تفلحوا﴾.
يريد أن ينقذهم من النار، لكن بعض الناس كالفراش لا يزال يرى النور فيتركه ويرمي بنفسه في النار.
فيقول أبو بكر -ماذا قال؟ أنفكر أو ننظر في هذا الأمر-: ما جربت عليك كذباً، أشهد أنك رسول الله وأشهد أن لا إله إلا الله، قبل ذلك مُدَّ يدك أبايعك.
فكانت أول يد امتدت إلى المصطفى ﷺ هي يد أبي بكر ﵁ الذي هضم حقه ولعنه بعض الذين أخذ الله سمعهم وأبصارهم، فرضي الله عنه وأرضاه ولعن من أبغضه وعاداه.
يا أيها الإخوة: هل وقف أبو بكر بعد أن قال لا إله إلا الله؟
لا والله! بل قام بعد ذلك كلما سمع أمراً للمصطفى ﷺ بلغه، وجاءه الصادون عن سبيل الله -يوم أُسري بالنبي- يقول رسولك -كما تزعم- أنه ذهب وعاد في ليلة، ونحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس شهراً، كانوا يظنون أن أبا بكر سيقول: أما هذه فلا، قال: إن كان قال فقد صدق.
يا ليت ذلك عنوان لنا في كل لحظة من لحظاتنا؛ يوم نسمع أوامر المصطفى؛ يوم نسمع أحاديث المصطفى نقول: إن كان قال فقد صدق، سمعنا وأطعنا.
فهل اكتفى بالتصديق فقط؟ لا.
بل خرج من عند المصطفى ﷺ وهو لم يحفظ سوى بعض آيات من القرآن -لكنه رأى أن المسئولية عظيمة، وأن الخطب جسيم، وأن المؤمن له دور في بيته وفي مجتمعه، له دور سيسأله الله يوم يقف بين يديه: ماذا قدم لهذا الدين؟ وماذا عمل لهذا الدين؟ وعاد وقد أدخل ستة من العشرة المبشرين بالجنة في دين الله.
فلا إله إلا الله! يأتي يوم القيامة وقد أدخل في دين الله ستة من العشرة المبشرين بالجنة.
يأتي وهم في ميزانه يوم يلقى الله جل وعلا، وهل اكتفى بذلك؟
لا.
بل صَفَّى تجارته وأمواله -أربعين ألفاً- ثم أخذها، فإلى أين يذهب؟ رأى المستضعفين من المسلمين ورأى الموالي الذين شهدوا أن لا إله إلا الله يوم رفض الشرفاء -كما يزعمون- والكبراء، رآهم يستضعفون ويذلون، خشي عليهم أن يفتنوا في دينهم، فقال: أتاجر مع الله.
ونعمت التجارة في شراء هؤلاء وإعتاقهم لوجه الله تعالى.
يمر على بلال في بطاح - مكة - وأهل مكة! أعلم بشدة الحر في هذه البطاح- يمر عليه في الرمضاء وهو يضرب ويوضع فيها وتوضع الحجارة على صدره ﵁ وأرضاه، وإذ به يقول: أحد أحد.
يتعلق بالله فيقول له: أحد ينجيك أحد ينجيك.
يعني الله الأحد سينجيك يا بلال! ويذهب وهو يحترق لما يرى، فهل جلس في بيته وبقي يتكلم ويقول: إنا لله ولا حول ولا قوة إلا بالله؟
لا.
بل ذهب وأخذ خمسة أواق من ذهب من حر ماله وذهب بها إلى أمية بن خلف، إلى سيد هذا -مع أن بلالاً سيد له، وما كان سيداً الكافر أبداً- وقال: هذه خمس أواق من ذهب، أتبيعني بلالاً؟ قال: أبيعكه لا خير فيه؛ لأنه استعصى عليه ورفض أن ينساق معه إلى النار، فأخذ منه الخمس الأواقي، وقال: والله! لو أبيت إلا أوقية واحدة لأعطيتك بلالاً، فهو زاهد فيه، قال: والله! لو أبيت إلا مائة أوقية من ذهب لأعطيتك إياها؛ لأن لـ أبي بكر معايير ومقاييس ليست لذاك ولأمثال ذاك من الذين أخذ الله سمعهم وأبصارهم.
فهل وقف عند ذلك؟
قام المستهزئون وقام الساخرون يقولون: ما أنفق أبو بكر هذا المال وأعتق بلالاً إلا ليد كانت لـ بلال عنده أي: لنعمة ولمعروف قدمه بلال يريد أن يكافئه أبو بكر، لكن الرد جاء ممن يدافع عن الذين آمنوا، من الله جل وعلا يأتي فوراً الرد وينزل به جبريل على المصطفى ﷺ : ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ [الليل:١٩] ما لأحد عند أبي بكر من نعمة تجزى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل:٢٠] ما جزاؤك يا أبا بكر: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:٢١].
من الذي وعده بالرضا؟ الذي خلقه والذي أمره والذي أعد له ما أعد، والذي جعل إعتاق الأرقاء من أعظم الأعمال.
فهل توقف أبو بكر عند هذا؟
لا والله! ما توقف وما كان له أن يتوقف.
ووالله! لو استرسلنا في كلامنا عن أبي بكر لما كفانا هذا المجلس ولا مجالس أخر ولكن حسبنا منه هذه المواقف.
ماذا أعد الله له؟
يدعى أما أبو بكر يوم القيامة من أبواب الجنة الثمانية، كل من باب، كما أخبر بذلك المصطفى ﷺ .
هل أبو بكر فقط؟
ننتقل لغيره لنرى ونعلم أن هناك رجالاً قد قدموا وأننا إذا مشينا على ما مشوا عليه واقتدينا بما اقتدوا به وصلنا إليهم بإذن الله جل وعلا.
стр. 394
أبو الدحداح يشتري نخلة في الجنة
جاءت المصطفى ﷺ خصومة -كما روى البخاري عليه رحمة الله- بين يتيم وصحابي على نخلة، والناس على الدنيا تجد النزاع بينهم عظيماً، ولم يخل منه حتى عهد المصطفى ﷺ ، وكان هناك بستان لهذا الصحابي بجانب بستان آخر لهذا اليتيم وبينهما نخلة، وهذا اليتيم لا زال لم يدرك حق الإدراك، فقال هذا الصحابي: هذه النخلة لي.
وقال هذا اليتيم الصغير: هذه النخلة لي.
تشاجرا فذهب اليتيم فاشتكي هذا الصحابي إلى المصطفى ﷺ ، فأحضر هذا الصحابي وقال: هذا اليتيم يشكوك -أو كما قال ﷺ في نخلة أخذتها له.
قال: والله ما كان ذلك لي يا رسول الله! وما كنت لآخذ نخلته، قال النبي ﷺ : إذاً نخرج ونعاين.
خرج النبي ﷺ ولم يعتمد على كلام هذا ولا هذا وإنما خرج ليعاين البستانين ويعاين النخلة، تواضعاً منه ﷺ وحكماً بالعدل؛ لأنه يأخذ عن العدل .
وعندما وصل إلى ذاك المكان؛ فإذا بالنخلة في بستان الصحابي واضحة جلية، فهل يعطف على هذا اليتيم فيحكم بغير حكم الله؟ لا.
ما كان ذلك لرسول الله ﷺ .
فحكم بالنخلة للصحابي فذرفت دموع اليتيم على خديه؛ فأراد النبي ﷺ أن يجبر كسر قلب هذا اليتيم؛ لأنه لم يدرك الحق.
فقال لهذا الصحابي: أتعطيه هذه النخلة ولك بها عذق نخل في الجنة؟
لكن الصحابي كان في وقت غضب إذ كيف يشكوه إلى المصطفى ﷺ والحق له! وكان في الجلسة رجل يتمنى مثل هذه الفرصة اسمه أبو الدحداح ﵁ وأرضاه، قال: يا رسول الله! لئن اشتريت هذه النخلة وأعطيتها هذا اليتيم ألي العذق في الجنة؟ قال: لك ذلك.
فيلحق بهذا الصحابي ويقول: أتبيعني هذه النخلة ببستاني كله.
قال: أبيعكها.
لا خير في نخلة شكيت فيها إلى رسول الله ﷺ .
فباعه النخلة بالبستان كله، وذهب إلى أهله ونادى فيهم: يا أم الدحداح! ويا أبناء أبي الدحداح! قد بعناها من الله فاخرجوا منها، فخرج ومع أطفاله بعض الرطب فقام يأخذه ويرميه فيها ويقول: قد بعناها من الله جل وعلا بعذق في الجنة، لا نخرج منها بشيء، خرج هو وأهله وقد باع كل شيء واشترى عذقاً من نخلة عند الله جل وعلا.
فهل قال: انتهينا.
لنا في الجنة عذقاً ويكفي، لا نصلي ولا نصوم ولا نعمل أي شيء.
لا.
فإن الذي بذل هذه سيبذل أعظم منها، بذل المال وبذل الأولاد وبذل كل نعيم في هذه الحياة ثم في الأخير يقدم نفسه لله جل وعلا.
يخرج في معركة أحد؛ والتي ابتلي فيها المؤمنون ابتلاء شديداً، وربي فيها المؤمنون تربية عظيمة، وكسرت فيها رباعية المصطفى ﷺ وشج وجهه، يوم انتهت المعركة ذهب يفتش ﷺ وهو في تلك الحالة عن أصحابه يتفقدهم، ويأتي إلى صاحب العذق إلى أبي الدحداح، وإذ به مضرج بدمائه، فيرفعه ويمسح الدم عن وجهه ويقول: ﴿رحمك الله يا أبا الدحداح! كم من عذق مذلل الآن لـ أبي الدحداح في الجنة﴾.
لا إله إلا الله! ماذا خسر أبو الدحداح؟! خسر تراباً؟! خسر شجيرات؟! خسر نخيلات؟! لكنه فاز بجنة عرضها الأرض والسماوات: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥].
هل هذا فقط في عهد المصطفى ﷺ ؟ والله! إن الأمثلة لكثيرة وإن النماذج لعظيمة، ولكني أنتقل بكم إلى نموذج آخر قصير.
стр. 395
حنظلة تغسله الملائكة
حنظلة وما حنظلة يا أيها الإخوة؟!
ذلك العبد الذي يؤمن في يوم ويتزوج وفي ليلته التي يدخل فيها على زوجته وبعد ما يقضي وطره من زوجته، وإذ بمنادي الجهاد ينادي: يا خيل الله! اركبي.
يا خيل الله! اركبي.
أيجلس مع هذه في كامل زينتها في أول ليلة من زواجه، خرج وهو جنب ليقدم نفسه إلى الله لتنتهي المعركة ويجدوه مضرجاً بدمائه، والمياه لا زالت تقطر من على رأسه وجسده، من أين جاءته المياه ولا مطر؟
فيقول المصطفى ﷺ : لقد رأيته بين السماء والأرض تغسله الملائكة في صحاف من ذهب وفضة؛ فسلوا زوجه.
ذهبوا لزوجته ليسألوها قالت: خرج وهو جنب.
خرج وهو جنب فغسل في صحاف من ذهب، بشرى له الآن وله عند الله ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ ذاك غسيل الملائكة والله! لن نبلغ مراتبهم حتى نتبع الطريق الذي اتبعوا، نتبع ذلك النور الذي أخذوا منه، والذي اقتبسوا منه، وإن لم نقتبس ونأخذ من ذلك النور فوالله! إنها الخيبة والندامة.
نسأل الله ألا نكون من أهل الخيبة والندامة.
لا نقول ذلك فقط، بل سننتقل بكم إلى نموذج آخر في عصر متأخر.
стр. 396
قصة طفل يرويها أبو قدامة الشامي
ويذكر هذا ابن الجوزي في صفة الصفوة في الجزء الرابع، رجل اسمه أبو قدامة الشامي - وهو غير ابن قدامة - يقول أبو قدامة الشامي: أغارت جيوش النصارى على بلدة من بلاد الشام.
يوم كانوا إذا أغاروا وجدوا الليوث أمامهم، يوم كانوا إذا أغاروا نيل منهم ما نيل ورجعوا ليدفعوا الجزية صاغرين، فماذا يعمل؟
ذهب إلى المسجد الذي تعقد فيه مؤتمرات المسلمين، والذي تعقد فيه كل مشاكل المسلمين لحلولها، والذي تطرح فيه الآراء ومنه تنطلق الجيوش والكتائب، والذي ما كان ﷺ يعمل عملاً إلا وانطلق من هذا المسجد يذهب أبو قدامة إلى المسجد، ويقف على منبر المصطفى ﷺ وينادي في الناس على المنبر في خطبة الجمعة -حضر النساء والرجال- نداء عظيماً ويقول: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الصف:١٠ - ١١] ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ [التوبة:٤١] لم يترك آية من آيات الجهاد، ولا حديثاً من أحاديث المصطفى ﷺ ؛ فاشرأبت الأعناق إلى الجنة وأرادت ما عند الله، منهم من يريد اثنتين وسبعين حورية من الحور العين، ومنهم من يريد ما هو أعظم من ذلك كالنظر إلى وجه الله الكريم.
فخطب أبو قدامة خطبته وصلى الناس، وكل في نفسه أن يدَّخر له عند الله منزلة بمشاركته في هذا الجهاد حتى النساء والأطفال، وخرج ذاهباً إلى بيته وبينا هو في الطريق في أحد الأزقة، وإذ بامرأة تقول: السلام عليك يا أبا قدامة! قال: فقلت في نفسي: لعلها تريد أن تفتنني؛ لأنه يعلم أن النساء في الغالب فتنة، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء.
قال: فلم أرد عليها.
فقالت: السلام عليك يا أبا قدامة! قال: فلم أرد عليها.
قالت: السلام عليك يا أبا قدامة! ما هكذا يفعل الصالحون.
قال: فتوقفت.
قال: فجاءت وقالت: يا أبا قدامة! سمعت منك ما قلت على المنبر، سمعت آيات الله وأحاديث المصطفى ﷺ ، وهذا ظرف أقدمه علَّني أن أكتب عند الله من المجاهدات في سبيله فقال: ماذا فيه؟ قالت: فيه ضفيرتان من شعري، والله! لم أجد ما أقدمه أغلى من هاتين الضفيرتين، اجعلهما لجاماً لفرسك في سبيل الله، علّ الله أن يكتبني في عداد المجاهدات في سبيله، فأجهش أبو قدامة بالبكاء، وقال: والله! هذا هو أول النصر.
هذه بشارة النصر؛ أن تقدم امرأة شعرها يوم لم تجد ما تقدمه إلا هذا، جادت بما لديها يوم لم تجد إلا شعرها وهو أعز ما لديها، فأخذه وذهب لبيته وبقي يجمع في الصفوف.
وفي اليوم الثاني ينطلق بكتائب الإيمان يريد أن يقابل الروم في موقعة من المواقع، وإذ بذاك الطفل يقابله، طفل صغير أمثاله عندنا لا زالوا يلعبون في الشوارع لا هدف لهم ولم يغرس فيهم أي هدف.
يقول يا أبا قدامة! أسألك بالله إلا جعلتني في عداد المجاهدين في سبيل الله.
قال: يا بني! أخشى عليك أن تطأك الخيل والإبل بأخفافها.
قال: أسألك بالله لا تحرمني الشهادة في سبيل الله.
أطفال -يا أيها الإخوة- بهذه الهمم؛ أسأل الله يجعل في الأمة رجالاً كهؤلاء الأطفال.
ويتقدم أبو قدامة مندهشاً فيقول: أقبلك بشرط واحد: إن استُشهدت في هذه المعركة أن أكون من شفعائك عند الله لأنك ستشفع في سبعين.
قال: قبلت الشرط.
فركب معه، وأبو قدامة يحار في تلك المرأة ويحار في هذا الصبي.
ويقول: والله! جيش لجام الفرس فيه ضفائر امرأة وفيه مثل هذا الطفل يريد أن يموت في سبيل الله؛ جيش لا يهزم بإذن الله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج:٤٠].
أخذه رديفاً له على دابته، وبينما هم مقبلون على الروم، قال: يا أبا قدامة! وكان يحمل معه خرجاً لا يعلمون ما فيه- فقال: يا أبا قدامة! أسألك بالله ثلاثة أسهم أرمي بها في سبيل الله.
قال: يا بني! ستضيعها ولا نستفيد منها دعها لمجاهد يوغل بها في الروم.
قال: أسألك بالله ثلاثة أسهم.
قال: لا تنس الشرط.
قال: لا أنساه.
قال: فأعطاه ثلاثة.
وعندما قابلوا الجيش أخذ الأول وقال: السلام عليك يا أبا قدامة! وأطلقه فقتل رومياً، ثم أخذ الثاني وقال: السلام عليك يا أبا قدامة! فقتل رومياً آخر، ثم أخذ الثالث فقال: السلام عليك يا أبا قدامة! سلام مودع ثم رمى به فقتل رومياً وجاءه سهم طائش فضربه في لُبته فسقط من على الفرس.
يقول أبو قدامة: فسقطت وراءه، وأقول له: يا بني! لا تنس الوصية، أي: لا ينسى أن يشفع له عند الله جل وعلا، قال: يا أبا قدامة! خذ هذا الخرج وأعطه أمي، قال: ومن أمك؟ فقال: أمي صاحبة الضفيرتين.
الله أكبر! أُسَر يخرج منها أمثال هؤلاء هي أُسَر المؤمنين، هذه هي الأسر التي نرجو من الله أن يكثر من هذه الأسر في أسر المؤمنين.
فيندهش مكانه ويجهش بالبكاء ويجلس، ويقول: الله أكبر! جيش فيه مثل هؤلاء وفيه مثل هذه الأُسَر لا يهزم أبداً، أبشروا بالنصر أبشروا بالنصر.
ويأتوا ليدفنوه فيفتحوا له القبر ويضعوه وبينما هم يدفنونه إذ لفظته الأرض فتعجبوا وخافوا واندهشوا.
يقول ابن الجوزي: والموقف يستحق ذلك -أن يدهشوا- قال: فأخذتني سنة من نوم -والناس يدوكون ويقولون: لعله لم يستأذن أبويه، لعله مراء، لعله كذا مع أنه لم يبلغ الحلم، ولم يكلف بهذا كله- وإذ بمناد يناديني ويقول: يا أبا قدامة! اترك ولي الله.
يا أبا قدامة! اترك ولي الله.
هؤلاء هم أولياء الله الذين أخذوا طريق الله وأخذوا طريق رسول الله؛ لا أولياء الشر والبدعة والخرافة، إن هؤلاء هم الأولياء.
أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين يتبعون الرسول ﷺ الذي يأخذ عن الوحي والذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي.
وإذ بطير تنزل من السماء فتلقط لحمه من على عظمه حتى لا يبقى على عظمه شيء، وتأخذه إلى السماء.
قال: فزادت الدهشة.
قال: ثم دفنا عظامه وذهبنا، وكان أن نصرنا في هذه الموقعة، ورجعنا بالخرج هذا لنذهب به إلى صاحبة الضفيرتين أم الولد لنعزيها في ابنها.
قال: فجئت إلى البيت وطرقت الباب فخرجت أخته وقالت: أمهنئ أم معز؟ قال: بل مهنئ.
قالت: إذاً استشهد أخي.
قال: إي والله لقد استشهد.
قالت: إذاً فهنئنا، لقد روزئنا بأبينا فاحتسبناه عند الله، وروزئنا بأخينا الأكبر فاحتسبناه عند الله، والآن روزئنا بأخينا الأصغر فنحتسبه عند الله، فلنا ما لهم في الجنة عند الله.
فتخرج أمه فيقول: أحسن الله عزاءك في ابنك.
قالت: أمعز.
أم مهنئ قال: بل مهنئ.
قالت: وما أدراك؟ قال: أنه شهيد.
قال: لذلك علامة ذكرها لي.
فما كان منه إلا أن قام ليذكر هذه العلامة.
وقال: يوم أن دفناه لفظته الأرض وجاء الطير من السماء فالتقطت هذا اللحم فلم يبق إلا عظمه، قالت: إذا فهنئني الآن، إنه شهيد بإذن ربه ﵎.
قال: فما هذا الخرج الذي أوصاني أن أعطيك إياه؟ قالت: أتدري ماذا فيه؟ ثم أخرجت ما فيه فإذا هو قيد وإذا هو لباس من صوف خشن.
قال: ما هذا يا أمة الله؟
قالت: كان إذا جنه الليل أخذ هذا القيد فقيد نفسه، ثم أخذ هذا اللباس فلبسه، ثم بقي طول ليله يذكر الله قائماً وقاعداً وعلى جنبه يبكي ويضرع إلى الله، فإذا جاء وقت السحر -وقت نزول الرب ﵎: ﴿هل من داع فأستجيب له﴾ يوم يأتي ذاك الوقت- يرفع يديه ويقول: اللهم لا تحشرني إلا من حواصل الطير شهيداً في سبيلك، اللهم لا تحشرني إلا من حواصل الطير شهيداً في سبيلك.
طفل صدق الله فأعطاه الله ما سأل فله في الجنة ما لا عين، رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
والنماذج -والله- كثيرة، ولن نتوقف عند ذلك، وإنما نأخذ بعض الأعمال التي توصلنا إلى ما وصلوا إليه يا أيها الإخوة.
стр. 397
صفات أهل الجنة
يا أيها الإخوة: هذه سلعة الله، وهذا بعض نعيمها: وما راءٍ كمن سمع، وما مخبر كمعاين.
سلعة الله غالية! سلعة الله الجنة! خلقها الله يوم خلقها وخلق فيها ما لا عين رأت ثم قال لجبريل: اذهب فانظر إليها -كما في صحيح مسلم - فذهب إليها ونظر، فإذا فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت فرجع وقال: يا رب! وعزتك وجلالك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فحفها الله بالمكاره -حفها الله بالتكاليف وبما يجب أن نعمله- ثم قال: ارجع ثم انظر إليها يا جبريل.
فنظر فإذا هي حفت بالمكاره فعاد فقال: يا رب! وعزتك وجلالك قد خشيت ألا يدخلها أحد.
يخشى ألا يدخلها أحد لما حفت به من المكاره.
يا أيها الإخوة: خلقها الله وجعلها دار رحمته وكرامته ورضوانه ثم قال لها.
تكلمي.
قالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١].
فمن هم أهلها إذاً؟
أهلها المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون، واقرءوا أول سورة المؤمنون.
أهلها من أطاع الله ورسوله فحققوا التوحيد، وأصلحوا العمل، واتبعوا المصطفى ﷺ : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الفتح:١٧] وقال ﷺ مبيناً أهلها: ﴿كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى! قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟﴾ لا يتصورون أن هناك إنسان يأبى ذلك: ﴿قالوا ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى﴾.
أهلها من حاربوا البدع وأحيوا السنن وعلموا أن البدع مردودة ليس لها قبول، قبيحة ليس فيها حسن، ضلالة ليس فيها هدى، باطل ليس فيها حق، وزر ليس فيها أجر؛ لأنها شرع لم يأذن الله به، ولم تكن على أمر المصطفى ﷺ ولا على أمر أصحابه، والنبي ﷺ يقول: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو عليه رد﴾ وهو القائل ﷺ : ﴿كل بدعة ضلالة﴾.
أهلها من أقام الصلاة وآتى الزكاة وصام وحج وصدق مع الله واتبع سنة المصطفى ﷺ : ﴿من رغب عن سنتي فليس مني﴾ كما أخبر ﷺ .
أهلها من تركوا المراء: ﴿أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً﴾.
أهلها من ترك الكذب: ﴿أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً﴾.
من أهلها؟
أهلها من حسنت أخلاقهم: ﴿أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه﴾ يقول أحد السلف: ذهب حسن الخلق بخيري الدنيا والآخرة.
أهلها أهل قيام الليل: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ [السجدة:١٦].
أهلها ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤].
أهلها من بذلوا أنفسهم ليأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ولما كان الأمر والنهي يجد الإنسان في طريقه المتاعب ويجد المشاق، جعل الله له في الجنة جزاء عظيماً، اسمع لـ أبي هريرة ﵁ يوم يذكرك بهذا الجزاء، فيقول: [[إن في الجنة حوراء يقال لها العيناء، إذا مشت مشى حولها سبعون ألف وصيف، كلهن مثل جمالها، تقول هذه العيناء: أين الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر؟]] عوضاً لهم عما لقوه في الدنيا من أذى، عوضاً عما لاقوه من مشقة، واستهزاء وسخرية.
من أهلها؟
أهلها من باتوا لا يحملون على أحد حسداً.
أهلها أهل العفو.
أهلها من ضمن ما بين لحييه وما بين فخذيه.
أهلها من أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، ووصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام.
أهلها من راقبوا الله جل وعلا في كل حركة من حركاتهم وسكناتهم وعلموا كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ : ﴿أن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وسمك كل سماء خمسمائة عام، وما بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، ومن فوق ذلك خمسمائة عام ومن فوق ذلك عرش الرحمن﴾ الله مستو عليه عال عليه بائن من خلقه: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة:٧] يجب أن نستشعر هذا.
الله معنا بعلمه، ومعنا بقدرته، لا يمكن أن نذهب عن نظر الله طرفة.
إن بعض الناس يوم يعصي الله يستتر بالجدران ويستتر بالحيطان ونسي الواحد الديان.
لا تنظر إلى المعصية ولكن انظر إلى عظمة من عصيت.
ألا أن سلعة الله غالية! ألا إن سلعة الله الجنة! هبت رياح الجنة فاغتنموها لتفوزوا بنعيمها: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥] ألا فالسباق السباق! ألا فالبدار البدار! جددوا السفن فإن البحر عميق، وأكثروا الزاد فإن السفر طويل، وخففوا الحمل فإن العقبة كئود: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١].
﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١].
يا مذنباً! أذنب وأساء وكلنا ذاك المذنب، يا مخطأً أخطأ وزل وكلنا ذلك المخطأ والزال؛ عودة إلى الله: ﴿خير الخطائين التوابون﴾ يقول الحق ﵎: ﴿يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا بن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً؛ لأتيتك بقرابها مغفرة﴾ ما أرحم الله! ما ألطف الله! ما أحلم الله! نسأله برحمته التي وسعت كل شيء أن يتقبل منا أعمالنا، وأن يتوب علينا.
من لنا إلا أنت يا ربنا إن لم تتب علينا.
﴿يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم﴾.
فلنستغفر الله، ولنعد إلى الله.
والله! نحن بحاجة إلى التوبة -ملتزمنا ومنحرفنا وضالنا- أحوج من الماء والطعام واللباس؛ لقد كان المصطفى ﷺ يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم سبعين مرة، وقيل: مائة مرة ﷺ وهو من غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
ثم اعلموا: أن المولود إذا ولد نؤذن في أذنه اليمنى، فإذا مات نصلي عليه، فكأن الحياة ما بين الأذان والصلاة.
ولا إله إلا الله! ما أقصرها من حياة! أتقصر بالمعاصي؟! أتقصر بالشهوات والجري وراء الغرائز والنزوات؟! ما قصَّرها بهذا إلا شقي.
ونسأل الله ألا يكون بيننا شقي.
فإياكم و (سوف) وإنما عزمة إلى الله وانتبهوا من (سوف) فإن (سوف) جندي من جنود إبليس: سوف أعمل، سوف أعمل:
أعماركم تمضي بسوف ورُبما لا تجتنون سوى عسى ولعلما
هم المسوف كالتعلق بالسما
أعماركم تمضي عجالى إنما أنتم على سفر من الأسفار
كأنكم بالجنة وقد فتحت أبوابها، وتقسمها أصحابها، وغنت ألسن الأماني قريباً من قبابها.
بشرها دليلها وقال غداً ترين الطلح والجبالا
فحي على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيم
وحي على روضاتها وخيامها وحي على عيش بها ليس يسأم
أيا ساهياً في غمرة الجهل والهوى صريع الأماني عما قليل ستندم
أفق قد دنا الوقت الذي ليس بعده سوى جنة أو حر نار تضرم
وتشهد أعضاء المسيء بما جنى كذاك علا فِيِه المهيمن يختم
أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يرحمنا.
اللهم إنا نحن عبادك الفقراء إلى رحمتك فارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء.
اللهم جازنا بالإحسان إحساناً وبالسيئات عفواً وغفراناً.
اللهم اجعل هذا الجمع جمعاً مباركاً.
اللهم اجعلنا منصرفين منه وقد كتبت لنا أن نسكن رياض جنانك.
اللهم لا تحرمنا نعيم الجنان.
اللهم ويسر لنا الطريق إليك إنك على كل شيء قدير.
اللهم بيض وجوهنا يوم تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدعة إنك غفور رحيم، وبالإجابة جدير.
اللهم إنا نسألك من فضلك الكريم، اللهم اجعل هذا الجمع جمعاً مغفوراً له، وإذا مشى كنت معه بسمعك وبصرك وأنت الله لا إله إلا أنت.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 398
صراع الدعاة مع المنافقين
هناك فئة من الناس تكره الإسلام وأهله، خرجت حين عز الإسلام وقوي، فلم تستطع إظهار بغضها وكرهها له؛ فاتخذت النفاق طريقاً، وياله من طريق! إنه مرض عضال، ومقت ووبال، من تلبس به فقد أغضب الواحد القهار، وأسكن نفسه الدرك الأسفل من النار.
وقد ظهر هذا المرض في عهد المصطفى ﷺ ، وكان على رأس هذه الضلالة دعامة الجهالة، عبد الله بن أبي -عليه الغضب واللعنة-.
وهنا حادثة الإفك وموقف الرسول والصحابة منها، ودروس مأخوذة من هذه الحادثة.
стр. 399
تلذذ المنافقين بلمز المؤمنين
يقول الحق ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً * وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٥٧ - ٥٨]
ها هو ﷺ يقارب الأربعين من عمره ذاهب إلى الغار، ما يمر بشجر ولا حجر إلا سلم عليه ﷺ ، ويأتيه جبريل بالوحي فيعود فزعاً خائفاً إلى زوجه خديجة ﵂ وأرضاها يقول: ﴿زملوني زملوني﴾ فزملوه حتى ذهب عنه الروع، وأخبر خديجة بالأمر، وقال: ﴿قد خشيت والله على نفسي﴾ قالت: [[كلا والله لا يخزيك الله أبداً إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة]].
ذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وقد قرأ الكتب السابقة فأخبرته الخبر فقال: [[هذا هو الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعاً، يا ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك]] قال: ﴿أَوَمُخرِجِيَّ هم﴾ قال: [[نعم.
ما أتى أحد بمثل ما جئت به إلا عودي]] والآن.
أرى خلل الرماد وميض جمر وأخشى أن يكون لها ضرام
أقول هذا في وقت لا نزال نسمع عن كثير ممن قل حظهم من مراقبة الله وخشيته والخوف منه، ونسوا حظاً مما ذكروا به، لا تحلوا لهم مجالسهم، ولا يطربون في حديثهم، ولا ينبسطون في جلساتهم حتى يتناولوا أعراض عباد الله القائمين بأمر الله من علماء الأمة، ودعاة الملة، ورجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من الذين جردوا سواعدهم لرفع راية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذين بذلوا أوقاتهم وأنفسهم لله في وقت خرست فيه الألسن، قالوا وقد سكت الناس، ونطقوا وقد خرست الألسن، وجاهدوا في وقت ركن فيه كثير من الناس إلى الدعة والسكون، وأخلدوا إلى الحياة الدنيا وملذاتها، وتسابقوا إلى الوظائف والمناصب، ومع ذلك فقد قام هؤلاء المخلصون بأمر الله؛ لا يبتغون إلا رفعة وإعلاء كلمة الله، ودحر الباطل وأهله من أعداء الله.
تجد هؤلاء الفسقة بل كثير منهم يسارع إلى تناول أعراض الدعاة وتتبع عوراتهم، والتلذذ بالحديث عنهم في المجالس، يلمز هذا، ويتكلم في عرض هذا، ويردد ما أشيع عن هذا، لم تتورع ألسنة بعض هؤلاء من اختلاق الأكاذيب وإلصاق التهم بهم، وترديد بعض الأباطيل التي تلصق بهم، والتي هي -والله- من اختلاق أعداء الإسلام وخصومه الذين تتقطع قلوبهم غيظاً وهم يرون راية الدعوة إلى الله ترفع في هذه البلاد؛ لأن هؤلاء المحتسبين من الدعاة والعلماء يُقِضُّون مضاجعهم، ويفسدون عليهم ملذاتهم وسكرهم وعربدتهم وفجورهم، ودعوتهم إلى منكرهم؛ ولهذا فإن كثيراً من هؤلاء يلفق التهم والأكاذيب ليرميهم بها، فيتلقفها خفاف الأحلام والسذج من الناس، ويطيرون بها فرحاً يبلغون بها الآفاق
أقلوا عليهم لا أباً لأبيكم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
لكن لا ضير ولا ريب، هذه هي سمة الدعوة إلى الله ، أوذي ﷺ ؛ وقيل عنه بأنه ساحر، وقيل عنه بأنه كاهن، وقيل عنه بأنه مجنون، ورمي في عرضه ﷺ ، ومع ذلك أتم الله النور وأكمل الدين رغم أنف الكفار والمشركين والمنافقين، خرجت فئة المنافقين يوم عز الإسلام تدعي الإسلام وهي منه براء، تريد ضرب الإسلام ودعاته؛ فاتخذت النفاق طريقاً وياله من طريق موحش مظلم مبتور، إنه مرض عضال، ومقت ووبال، من تلبس به فقد أغضب الله الواحد القهار، وأسكن نفسه الدرك الأسفل من النار.
لا إله إلا الله! ماذا فعل المنافقون والمغرضون والحاقدون بالإسلام ودعاته في الماضي والآن! لا إله إلا الله كم كادوا لرسول الأنام ﵊؛ هم في كل عصر يعيشون، يعشعشون ويبيضون ويفرخون، همهم إطفاء كل نور يدعي له المسلمون.
تهاونوا بنظر الله تعالى، وعملوا من المنكر أعمالاً.
في المنكرات والصد عن سبيل الله ينشطون، وعن الصالحات والدعوة إلى سبيل الله يتباعدون: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:١٠] ﴿يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] يستهزئون بأهل الاستقامة والصلاح، ومن الدعاة إلى الله يضحكون، وإذا مروا بهم يتغامزون، فالله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون.
لا يريدون أن يتكلم داعية، لا يريدون أن يأمر بمعروف ولا ينهى بناهية، لا يريدون علماً ولا دعوة ولا أن تقام ولو محاضرة.
لا إله إلا الله ما أخس وأنذل حالهم! إن سألتهم عن آيات الله البيانات ما عرفوا إلا المغنيين والممثلين والراقصات أحياءهم وأمواتهم، يدّعون الإيمان وما هم بمؤمنين، هم في كل عصر يعيشون يرمون بالتهم وبالأكاذيب دعاة الإسلام، رموا نبي الله موسى قبل نبينا عليهما الصلاة والسلام بالزنا فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهاً، ورموا رسول الله ﷺ في عرضه، وهم أصحاب الإفك في عهد المصطفى ﷺ ، وهم هم في كل زمان ومكان بهذا الدور يقومون، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها سيوجدون، فقاتلهم الله أنى يؤفكون.
стр. 400
حادثة الإفك وموقف المنافقين فيها
لنقف قليلاً مع حديث الإفك لنأخذ منه الدروس والعبر، إن في ذلك لذكرى لمن له قلب، فاسمعوا لـ عائشة المبرأة من فوق سبع سماوات ﵂ وأرضاها، صاحبة المعاناة في حديث الإفك يوم تقول: رجع رسول الله ﷺ من غزوة بني المصطلق، ولما دنونا من المدينة نزلنا منزلاً فبتنا فيه بعض الليل، ثم أذن مؤذن رسول الله ﷺ بالرحيل.
قالت: فقمت فمشيت حتى جاوزت الجيش لأقضي حاجتي، وفى عنقي عقد لي، فلما قضيت شأني انسَلَّ من عنقي ولا أدري، ثم أقبلت إلى رحلي وتلمست صدري فلم أجد العقد، وقد أخذ الناس في الرحيل، قالت: فرجعت أتلمس عقدي فحبسني طلبه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافاً؛ فلم يستنكروا خفة الهودج.
قالت: فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، جئت منازلهم فإذا هي بلقع ليس بها داعٍ ولا مجيب، جلست في مكاني متلففة بحجابي أسبح الله وأستغفر الله، قالت: فأخذني النوم، وإذا برجل من أهل بدر من الذين اطلع الله عليهم فقال: ﴿اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم﴾ هو صفوان بن المعطل ﵁ -هذا المجاهد الذي يقول عن نفسه بعد أن رمي بالفاحشة: [[والذي نفسي بيده، ما كشفت خمار أنثى لا تحل لي في جاهلية ولا إسلام]]- أتى إلى مكان عائشة فرآها وعرف أنها زوج المصطفى ﷺ لأنه يعرفها قبل الحجاب، قالت عائشة: والذي نفسي بيده ما كلمني كلمة ولا سلم عليّ حتى السلام، وإنما سمعته يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون! زوج المصطفى ﷺ ، ثم أناخ بعيره فقمت وركبت بعيره، فأخذ زمام البعير يمشي به ولا يلتفت ولا يتكلم.
стр. 401
إطلاق المنافقين للشائعات
وإنما تقول عائشة: كنت أسمعه يسبح الله، وأتى بها في الظهيرة وهي على بعيره.
فأما الذين في قلوبهم إيمان فاطمأنوا إلى موعود الله، وهم في كل زمان يطمئنون لذلك، وأما الذين في قلوبهم زغل وحقد وغشش على الإسلام وعلى رسول الإسلام، وعلى دعاة الإسلام، فأخذوها فرصة لا تتعوض، قام كبيرهم الذي علمهم الخبث - ابن أبي - بين المنافقين يقول لهم: لماذا تأخرت؟ لماذا أتت مع هذا الأجنبي؟ لم ركبت على بعيره؟ لم تركها رسول الهدى ﷺ ؟ ورسول الله ﷺ لم يسمع بهذا الكلام، هو واثق من زوجه أنها أطهر من حمام الحرم، وأنقى من ماء الغمام، قريشية من القرشيات:
حور حرائر ما هممن بريبة كظباء مكة صيدهن حرام
متحجبات في الخدور أوانس ويصدهن عن الخنا الإسلام
انطلق الجيش إلى المدينة، ولا زال المنافقون يُشَّهرون ويلصقون هذه التهمة برسول الله ﷺ ، وبفراشه الطاهر.
لما وصل ﷺ إلى المدينة سمع الخبر، وأتاه النبأ العظيم، ضُرب في صميم قلبه، ضرب في قواعد دعوته، ضرب في صميم رسالته الخالدة، أُصيب في شرفه وفى بيته ومروءته، فلما أتاه الخبر عن طريق رجل من المسلمين، أتاه وقال: يا رسول الله! إن المنافقين يقولون كذا وكذا، فدمعت عيناه ﷺ وقال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] تحمل ﷺ هذه اللطمة التي لم يصب بمثلها.
ذهب إلى بيته وسلَّم على زوجه وهي مريضة في فراشها، بعد السفر أصابتها حمى ولم تدرِ أنها متهمة، وأن المنافقين قد ألصقوا بها أعظم فرية، هي مريضة على الفراش، فسلَّم عليها ﷺ .
قالت عائشة: ولم أر منه ذاك الحنان والعطف الذي كنت أراه منه كلما مرضت، قالت: فاستأذنته لأمرض -في بيت أبي في بيت خليفة الإسلام، في بيت المجاهد الأول، في بيت الرجل الأول بعد رسول الهدى ﷺ فأذن لها ﷺ .
قالت: فأخذني النساء إلى بيت أبي، وإذا بأبيها الآخر يعلم بالنبأ وينزل عليه كالصاعقة، ويأتيه الخبر فيصاب ويبكي ويقول: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] ويأتي الخبر أمها فتصاب في قلبها، وتنتشر الفرية في المدينة وتسري سريان النار في الهشيم، ويشارك كثير من الصحابة رسول الله في هذا المصاب فيحزنوا لحزنه ويتأثروا لتأثره:
إن أولى الموالي من تواليه عند السرور كما والاك في الحزن
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا من كان يألفهم في الموطن الخشن
قالت عائشة: ولم أعلم الخبر، ولم أدر ما السر، قالت: فلما شفيت من مرضي خرجت مع نساء في ضاحية من ضواحي المدينة وكان معنا امرأة اسمها أم مسطح صالحة من الصالحات، وولدها صالح من الصالحين من أهل بدر، لكنه وقع في هذه الريبة ونشر الخبر، وساعد في نشر التهمة كما يفعل بعض الناس الآن، فلما أصبحنا في الصحراء عثرت هذه المرأة الصالحة فقالت: تعس مسطح -والعرب تدعو على عدوها بالتعاسة إذا أصيبت- قالت عائشة: فقلت لها: كيف تدعين على ابنك وهو من الصالحين من أهل بدر؟ قالت: إنك ما علمت ماذا قال وماذا فعل.
قالت عائشة: وماذا قال؟ قالت: اتهمك هو وأمثاله في عرضك، وقالوا: إنك ارتكبت الفاحشة مع صفوان.
لا إله إلا الله! قالت عائشة: فسقطت على وجهي مغشياً عليّ من البكاء، رفعها النساء إلى فراشها في بيت أبيها، وأما رسول الله فبقي شهراً كاملاً لا ينزل عليه الوحي، يتلمس متى يسمع النداء العلوي ليشفي غليله في هذه المشكلة، ما عنده دلائل ولا براهين، لا يعلم الغيب، اضطربت عنده الأمور ﷺ ، يثق في زوجه لكنه بشر.
стр. 402
استشارة النبي لبعض أصحابه
دخل ﷺ يستشير بعض أقاربه، استشار علياً ﵁ قاضي قضاة الدنيا وهو منه بمنزلة هارون من موسى، فقال علي: [[يا رسول الله! لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسلها تصدقك فو الله ما عهدناها كاذبة]].
قد قيل ما قيل إن صدقاً وإن كذباً فما اعتذارك من قول إذا قيل
ذهب ﷺ بعده إلى أسامة، حبه وابن حبه، إلى المولى الذي رفعه الإسلام، فيعرض النبي ﷺ الأمر وعُمْر أسامة أربع عشرة سنة، فيقول أسامة -وهو يعرف من هي عائشة ﵂: [[يا رسول الله! أهلك أهلك، والله ما نعلم عنهم إلا خيراً، والله إنها صوامة قوامة بارة رشيدة، فاسأل جاريتها يا رسول الله!]]
فيذهب ﷺ إلى الجارية التي معها في البيت واسمها بريرة، فتقول: [[والله يا رسول الله ما علمت عن عائشة إلا خيراً، أحمي سمعي وبصري، إنها صوامة قوامة، والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمراً أعيبه أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله]] والداجن هي الشاة التي تربى في البيت.
قام ﷺ على المنبر، وشكى إلى الناس ما لقيه من المنافقين في عرضه، ما لقيه من اتهامات جريئة في دعوته، شكي من عبد الله بن أبي رأس الضلالة، وعمود الجهالة، المريد التدمير لهذا الدين، فكان مما قاله ﷺ : ﴿ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون عليهم غير الحق، والله ما علمت منهم إلا خيراً﴾ فقام الأوس والخزرج فكادوا يقتتلون على اختلاف بينهم في المسجد دفاعاً عن الرسول الله ﷺ .
هدأ ﷺ الأوضاع، وعاد إلى عائشة في بيت أبيها ليجلس معها مجلس التحقيق والمحاكمة، إما أن تعترف وتتوب إلى الله، وإما أن تتبرأ من هذا، وإما أن يعلن الله توبتها من فوق سبع سماوات.
جلس ﷺ قالت عائشة: وما جلس بعدها إلا ذاك المجلس، وجاء الفرج من مفرج الكروب ومنفس الهموم، قالت: ومعي أبي وأمي ونساء يبكين معي يشاركنني مصيبتي.
فلابد من شكوى إلى ذي قرابة يواسيك أو يسليك أو يتوجع
стр. 403
نزول الوحي ببراءة أم المؤمنين
قالت: فجلس ﷺ ، ثم شهد أن لا إله إلا الله، ثم حمد الله الذي بنوره تقوم السماوات والأرض، ثم قال: ﴿يا عائشة! إن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه﴾.
تلعثمت من البكاء لا تستطيع الكلام، تقول لأبيها: أجب عني رسول الله فيما قال، فيبكي أبو بكر ويقول: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ .
وماذا يقول أبو بكر في اتهام كهذا، ماذا يقول في فرية المغرضين من أعداء الإسلام؟!
قالت: فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله فتبكي أمها، وتقول: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، قالت: فاستجمعت قواي وجف الدمع من عيني، وقلت: إني والله قد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر لم أعمله لتصدقنني، فوالله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨].
قالت: فاندفع أبي وأمي باكيين، أما رسول الله فلم يتحرك، مهموم به من الهم ما به، قالت: فوالله ما غادر مكانه ﷺ حتى أتاه الوحي، وكان إذا أتاه الوحي من السماء ثقل جسمه، فاضطجع على فراشه، وأخذ عرقه يتصبب من جبينه الطاهر، فعرفنا أنه الوحي، قالت: فوالله ما فزعت، أما أبي فكادت نفسه أن تخرج خوفاً أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس.
تحدر العرق بعد ما استفاق ﷺ كالجمان من على وجهه، فجعل يمسح العرق وهو يبتسم ويقول: ﴿يا عائشة! أبشري إن الله قد برأك من فوق سبع سماوات﴾ براءة من الله، ولطف من الله، ورحمة من الله، يوم أن توصد الأبواب فلا يوجد إلا باب الله، يوم أن تسدل الحجب فلا يأتي إلا عطف الله وحنان الله.
فلرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج
تهلل وجهها ﵂، قال لها أبوها أبو بكر ﵁: يا عائشة! قومي إلى رسول الله ﷺ فسلمي عليه واحمديه، قالت: لا والله لا أقوم ولا أحمده ولا أحمدك ولا أحمد أمي، وإنما أحمد الذي أنزل براءتي من فوق سبع سماوات، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه.
يدخل ﷺ بعدها المسجد منتصراً على أعداء الرسالة الذين ألصقوا به التهمة في عرضه وشرفه، يجمع الناس ويقف على المنبر يتلو آيات الله البينات، تنزل من على المنبر كأنها القذائف، يسمعها المؤمن والمنافق والذكر والأنثى، وتقرؤها الأمة إلى قيام الساعة؛ لأن التهمة كانت فيه ﷺ .
اسمعوا إلى الآيات التي نزلت قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْأِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور:١١ - ١٢] إلى أن قال تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٤ - ١٥].
وليست التهمة له ﷺ ؛ بل تتجدد يوماً بعد يوم في صور ومخططات رهيبة مفزعة، لكن العاقبة مع ذلك للمتقين والإسلام منتصر في كل مكان: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧].
ألا فليخسأ الذين يريدون هدم هذا الدين من الذين يلصقون التهم بدعاته وعلمائه العاملين، وإن نجحوا فالنجاح مؤقت والعاقبة للمتقين، نسأل الذي بيده مقاليد الأمور أن يفضح من أراد علماء الإسلام من اليهود والمنافقين وأذنابهم على رءوس الأشهاد، اللهم افضحهم على رءوس الأشهاد، اللهم افضحهم على رءوس الأشهاد.
اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك.
اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم أرنا فيهم يوماً أسود تقر به أعين الموحدين الآمرين والناهين.
اللهم احفظ علماء الأمة بحفظك، اللهم احفظ علماء الأمة بحفظك، اللهم احفظ علماء الأمة بحفظك، واكلأهم برعايتك، وسدد رميهم، واجعل كلماتهم فوارق على كل من أراد بهم الخذلان، وافضح أعداءهم على رءوس الأشهاد، اللهم واهدنا إلى الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 404
دروس وعبر من حادثة الإفك
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
قال الله : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
عباد الله: في حادثة الإفك دروس وعبر أيما عبر ذاك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
стр. 405
طريق الدعوة محفوف بالمكاره والمخاطر
من هذه الدروس: أن طريق الدعوة والجهاد طريق محفوف بالمكاره، كله عراقيل، كله عقبات، وقد لاقى الدعاة في سبيل الله في هذا الطريق مكاره عظيمة فما صدتهم ولا ردتهم عن دعوتهم.
هاهو ﷺ يَخرج من مكة من بين الأهل والجيران والإخوة والخلان حسيراً حزيناً كئيباً طريداً في تلك الفيافي والقفار، ما معه من مظلة إلا (لا إله إلا الله)، يصعد إلى أهل الطائف لأنه ما وجد هناك بيئة تتقبل لا إله إلا الله، ويذهب إليهم فيسخروا منه ويستهزئوا به، فهذا هو طريق الدعوة.
وهذا هو المصطفى ﷺ لقي ما لقي من أذىً في سبيل الدعوة إلى الله، فطريق الدعوة هذا هو.
وإلى عهد قريب ليس في ذاك العهد، وإنما إلى عهد قريب نرى سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عبد الوهاب حفيد إمام الدعوة ﵀ يصدح بدعوة الحق، فيجعله أعداء الإسلام في فوهة المدفع، ثم يطلقون به المدفع لتتطاير أشلاؤه لتقول لكل الدعاة: قدموا أنفسكم في سبيل الدعوة إلى الله، فما نقموا منه إلا أن آمن بالله العزيز الحميد.
طريق الدعوة إلى الإسلام طريق تضحيات، ومن يفزع من هذا الطريق فليس بداعية حق الدعوة، إن الحافظ الله، إن الولي هو الله، إن المسدد هو الله.
هاهو موسى ذلك الغلام الذي رآه فرعون في منامه، ورأى هلاك ملكه على يديه، قتل من قتل من أولاد بني إسرائيل، ويربى هذا الطفل في بيت فرعون، ويترعرع أمام عينيه؛ لأن الله حفظه ومن حفظه الله فلا خوف عليه.
وهذا والله درس عظيم للدعاة إلى الله؛ إذ مهما علا الباطل وزمجر، وارتفع هديره؛ فإن الله سيجعله زبداً ويبقى ما ينفع الناس، لا خوف فالله ناصر دينه شاء من شاء وأبى من أبى، أما كيد البشر فكيد ضعيف مهما عظم، ووالله لا تستطيع أي قوة في الأرض أن تصل لقلب مؤمن صادق في إيمانه ويقينه، ما أجمل وأصدق ما قاله أحد الدعاة حين أوذي في ذات الله!
تالله ما الدعوات تهزم بالأذى أبداً وفى التاريخ بر يميني
ضع في يدي القيد ألهب أضلعي بالسوط ضع عنقي على السكين
لن تستطيع حصار فكري ساعة أو رد إيماني وصد يقيني
فالنور في قلبي وقلبي في يدي ربي وربي حافظي ومعيني
стр. 406
الدعاة إلى الله معرضون للتهم
ومن دروس هذه الحادثة: أن المنتمين لهذا الدين بإخلاص وصدق معرضون للاتهام، ولإشاعة الشائعات، وإلصاق التهم بهم.
سمعتم كيف اتهم ﷺ في عرضه، وهذا أمر معرض له كل من ترسم خطاه، ومضى على منهجه ﷺ .
تجد كل تهمة تلصق بأهل هذا الدين، وبعلماء هذا الدين، وبدعاة هذا الدين، تشاع عنهم الشائعات، وتلصق بعلماء الأمة وشبابها الملتزم، وبكل صالح في الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات:٥٣]، وصف الدعاة بالرجعية والتأخر، وصفوا بعدم مسايرة العصر، وصفوا بالسذاجة والبساطة؛ لكن هذه الألفاظ لم تجدِ، فبدءوا الآن برمي الدعاة بالشذوذ الخلقي لتحطيم وتضليل قدوة الأمة في نظر أبنائها، وهذه كلمات وأفعال -والله- ما جاءتنا إلا من اليهودية الحاقدة، صدرتها إلى بلاد الإسلام، فأخذها الذين أخذ الله سمعهم وأبصارهم وختم على قلوبهم وزادوا عليها، وزعوها في مجالس الناس، صار الصالحون في أوساط الناس مصدر شبهة وأهل ريبة، وبالتالي سيفقد علماء الإسلام ثقة الناس فيهم، فيضل الناس وعند ذاك يعمنا الله بعقاب من عنده وذاك مطلبهم: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة:٣٠].
يأتي كل من في قلبه زغل ونفاق يتشفى بالصالحين وبالدعاة المخلصين ويقول: الشاذون، كانوا يقولون المتشددين والآن أصبحوا يقولون: الشاذين، ونسأل أصحاب هذه الكلمات ما الشذوذ في نظرهم؟
هل هو التمسك بحبل الله يوم أن انقطعت حبال الذين من دونه؟
هل الشذوذ هو الحرص على تطبيق السنة بالمسلك والآداب والتعامل يوم ضاعت تعاليم السنة بأشخاص كثير من الناس؟
هل الشذوذ في إحياء القلوب بكتاب الله وسنة محمد ﷺ يوم أن أصبحت مجالس الناس لنشر الشائعات، وللسذاجة واللهو واللعب؟
هل الشذوذ أن يتروض الشباب في بساتين آيات الله يوم تروض غيره في مزابل الأغاني وفي مزابل البغايا والعاهرات؟
هل الشذوذ أن تدرس كتب السلف الصالح يوم شغل الكثير عن المصحف بالمجلة الخليعة، وعن المسجد بالمقهى، وعن السواك بالسيجارة، وعن زيارة بيت الله الحرام بزيارة بلاد الكفار كـ بانكوك وأمثالها وما أدراكم ما تلك البلاد؟
لا إله إلا الله! سبحانك هذا بهتان عظيم! الشذوذ والانحراف في البعد عن منهج الله، في الانسلاخ عن الإسلام والقيم والآداب والأخلاق، الشذوذ والانحراف في البعد عن كتاب الله الذي أنزله الله ، وما خرجت -والله- مثل هذه التهم إلا يوم أن ابتعدنا عن الإسلام، يوم أن تركنا الأمر والنهي أصبح البعض يمشي خجلاً أنه مطبق للسنة، فتجرأ الرعديد، وتجرأ الملحد، وتجرأ المنافق ليطلق الشائعات عن أنصار الدين وعلمائه، عن حاملين راية محمد صلي الله عليه وسلم ولكن نقول:
إذا عير الطائي بالبخل مادر وعير قساً بالفهامة باقل
وقال السهى للشمس أنت خفية وقال الدجى للبدر وجهك حائل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ويا نفس جدي إن دهرك هازل
стр. 407
دعاة الإسلام مستهدفون
ومن هذه الحادثة نستفيد: أن دعاة الإسلام مستهدفون، وعلى رأسهم قائدهم محمد ﷺ ، أشيعت عنه الشائعات، وإشاعة الشائعات أمر عظيم ومرض خطير لكنها كثيرة وموجودة.
كثير من الناس لا يسمع كلمة -صدقاً كانت أو كذباً- إلا وأخبر بها فرية كانت أو حقيقة، تمس أخاً أم غير أخ، ما كأنه سمع قول المصطفى ﷺ ، ما كأنه تربى بالمصطفى ﷺ ﴿كفى المرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع﴾ كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع، رب كلمة توجب لصاحبها النار ﴿إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يهوي بها في النار سبعين خريفاً﴾ ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦].
стр. 408
قذف المحصنات من الكبائر
ومن الدروس أيضاً: أن قذف المحصنات المؤمنات الغافلات كبيرة من الكبائر، وموبقة من الموبقات استوجب صاحبها اللعنة من رب الأرض والسماوات، وكذلك قذف المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٣ - ٢٤].
ومن دروس حادثة الإفك: ألا تشاع الفواحش، فلا يتحدث بالجرائم التي تحدث في المجتمع في المجالس حتى ولو حدثت؛ لأن التحدث بها يقلل من خطرها في قلوب الناس، أوما سمعتم قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩].
стр. 409
اتقوا مواطن الشبه
ومن الدروس: ألا يقف المسلم في مواقف الريبة أو في مواقف التهمة حتى ولو كان أطهر من ماء الغمام، إن النفوس يشرع إليها الشك والقلوب تنتابها الأوهام.
وها هو ﷺ يصلي العشاء في مسجده، وتأتيه صفية زوجه تعوده وهو معتكف، فلما قام يودعها مر به أنصاريان فقال لهما: ﴿على رسلكما، هذه صفية بنت حيي﴾ يخبرهم ﷺ لئلا يجري الشيطان في دمائهم فيظنوا به سوء، فدع مواطن الشبهة والريبة يا عبد الله؛ فذلك أصلح وأسلم وأتقى وأنقى.
стр. 410
المؤمن مبتلى
ومن الدروس: ﴿أن المؤمن مبتلى وأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل﴾ أوذي صحابة رسول الله أذى عظيماً فصبروا واحتسبوا، وأوذي من قبلهم فصبروا، كان يؤتى بالرجل فيوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق نصفين، ثم يمشط بأمشاط الحديد ما بين جلده وعظمه ما يصرفه ذلك عن دينه: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:١ - ٢].
عباد الله: علماؤنا زهرة الدنيا ونورها، وهم حاملو ميراث الأنبياء، والداعون إلى صراط الله العزيز الحميد، عرف أعداء الإسلام ذلك؛ فألصقوا بهم التهم، ونشروا عنهم الشائعات، وبعض السذج وخفاف الأحلام -عن قصد وغير قصد- يروج لهذه الشائعات.
لا إله إلا الله! والله ما يريدون بتشويه العلماء سوى ضرب ميراث الأنبياء، يريدون إطفاء نور الله، فلتكن على وعي وإدراك أخي المسلم، المسلم كَيّس فطن المسلم لا يغتر، المسلم بنور الله يمشي، المسلم لا تنطلي عليه الشائعات، المسلم يفرق بين السم والدسم.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك، اللهم انصر علماء أمة محمد صلي الله عليه وسلم والصالحين من عبادك وأوليائك.
اللهم انصر علماء أمة محمد، اللهم انصر من نصر الدين، اللهم اخذل من خذل الدين، اللهم من أرادنا والإسلام بسوء فأشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميره، ومزقه كل ممزق يا أكرم الأكرمين!
اللهم اكشف أستاره، اللهم افضح أسراره، اللهم ابد عواره، اللهم أخرس لسانه، اللهم أذهب عقله، اللهم دمر جنانه، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك يا أكرم الأكرمين!
اللهم انتقم لأوليائك، اللهم انتقم لعلماء المسلمين، اللهم انتقم لأحبابك ودعاتك وصالح عبادك، اللهم ثبتنا على الحق.
اللهم من نصر الدين فمكنه في الأرض واجعله هادياً مهدياً، اللهم من خذل الدين فأرنا فيه يوماً كيوم فرعون وهامان وقارون.
نسألك يا رب أن تحفظنا، نسألك يا رب أن تحمينا، نسألك يا رب أن تهدينا سواء السبيل، نسألك أن تمنعنا من كل ما يدبر للمسلمين من كيد وسوء.
اللهم لا تدبير لدينا إلا تدبيرك، ولا حيل لدينا ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الحياة شراً لنا، اللهم نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك لذة النظر إلى وجهك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.
اللهم من أراد بعلمائنا سوء فعليك به، اللهم اهلكهم بدداً، واحصهم عدداً، ولا تغادر منهم أحداً.
اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا أرحم الراحمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 411
صفحات مطوية
السلف الصالح هم القدوة، ولنا في أقوالهم وأعمالهم عبرة، فإنما هم طلاب مدرسة النبوة، فهاك -أخي الكريم- بعض مواقفهم مع ما فيها من العظة، علنا أن نتأسى بهم، فهم -والله- خير قدوة.
стр. 412
مواقف من سيرة السلف الصالح
الحمد لله قَدَّم من شاء بفضله، وأخر من شاء بعدله، لا يعترض عليه ذو عقل بعقله، ولا يسأله مخلوق عن علة فعله.
هو الكريم الوهاب، هازم الأحزاب، ومنشئ السحاب، ومنزل الكتاب، ومسبب الأسباب، وخالق الناس من تراب.
الواحد الأحد العزيز الماجد، المتفرد بالتوحيد والتمجيد، ليس له مثل ولا نديد، هو المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، جل عن اتخاذ الصاحبة والولد، ولم يكن له كفواً أحد.
لم يزل حكيماً قديراً، عليماً خبيراً، سبق الأشياءَ علمُه، ونفذت فيها إرادته، ولا يعزب عنه مثقال ذرة سبحانه وبحمده.
لم يلحقه في خلق شيء مما خلق كلال ولا تعب، وما مسه لغوب ولا نصب، خلق الأشياء بقدرته، ودبرها بمشيئته، وقهرها بجبروته، وذللها بعزته، فذلت له الرقاب، وحارت في ملكوته فطن ذوي الألباب، وقامت بكلمته السماوات السبع والأرض المهاد، وثبتت الجبال الرواسي، وجرت الرياح اللواقح، وسار في جو السماء السحاب، وقامت البحار، وهو الله الواحد القهار، مغشي الليل النهار، خضع لعظمته المتعززون المتكبرون، وخشع له المترفعون، واستكان لربوبيته المتعظمون، ودان طوعاً وكرًها له الخلق أجمعون.
نحمده على حَزن الأمر وسهله، ونحمده كما حمد نفسه، وكما حمده الحامدون من جميع خلقه.
ونستعينه استعانة من فوَّض أمره إليه، وأقر أنه لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه.
ونستغفره استغفار مقرٍّ بذنبه، معترف بخطيئته.
ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
شهادة عبده، وابن عبده وابن أَمَته ومن لا غنى به طرفة عين عن رحمته؛ إقراراً بوحدانيته، وإخلاصاً لربوبيته، فهو العالم بما تبطنه الضمائر، وما تنطوي عليه السرائر، وما تغيض الأرحام وما تزداد، وكل شئ عنده بمقدار، لا يوارى عنه كلمة، ولا يغيب عنه غائبة.
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] ونشهد أن محمداً عبده ونبيه ورسوله إلى خلقه، وأمينه على وحيه، أشرف من وطئ الحصى بنعله، بلغ عن الله رسالاته، ونصح له في برياته، وجاهد في الله حق الجهاد، وقاتل أهل البغي والزيغ والعناد والفساد؛ حتى تمت كلمة الله، وقطع دابر الفساد، صلوات الله عليه وسلامه -من قائد إلى الهدى- وعلى آل بيته الطاهرين، وعلى أصحابه المنتخبين، وعلى أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، ومن سار على نهجهم واقتدى بهديهم من الفقهاء والزهاد والدعاة العاملين المشمرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
آمين آمين لا أرضى بواحدة حتى أبلغها مليون آمينا
أما بعد:
أحبتي في الله: لقاؤنا الليلة معكم يتجدد بعد زمن في هذه الكلمات القلائل المُعَنْوَنِ لها كما رأيتم وسمعتم: (بصفحات مطوية) أودعتها طرفاً من حياة بعض العلماء الأفذاذ، ونتفاً من حرص طلاب العلم على العلم، ونادراً من ثبات أكثر أهل الملة، ونبذاً من نصح الأمة لدينها، وشذراً من زهد العلية الأجِلَّة، وطيفاً من قوة البرهان والحجة مع السير على المحجة.
هي باقة من مكارم الآباء تهدى إلى الأبناء، وطاقات علمية نادرة، وعبقريات فذة مدهشة، هي لأهل العلم تذكرة، وللعامة والخاصة تبصرة، نرجو أن ينعش بها العليل، ويشحذ بها الكليل، ويُبعث الوسنان، ويُوقظ الهاجع، ويُنشر المطوي، ويُفتح المغلق، وينهض المقعد، ويمشي الكسيح.
أضعها بين أيديكم كالمائدة تختلف عليها أصناف الأطعمة لاختلاف شهوات الآكلين، وأنا لا أدعي -معاذ الله- أني أتيت فيها بجديد، ولا أدعي أني أتيت بخفي أو دقيق، فهي أشهر من أن تذكر، ما أظن أحداً منكم إلا وقد سمعها.
جمعتها من كتب السير والتراجم، مجتهداً -فقط- باختيار اللفظ المناسب للموقف؛ فجاءت مشكلة المباني، مختلفة المعاني، راجياً أن تنبع من بين الجوانح لتصل إلى الجوانح وتظهر على الجوارح، فإذا مر بك -يا أخي- ما لا يعجبك فلا تصعِّر خدك، ولا تعرض بوجهك، ولا تسُلّ لسَانَكَ، ولا تجلب بخيلك وَرَجِلَك، وخذ من المائدة ما يعجبك واتهم فهمك.
فكَمْ مِنْ عائبٍ قوْلا صَحِيحاً وآفَتُهُ منَ الفَهْمِ السَّقِيمِ
ولا يصدنك عن الحكمة قائلها؛ فقد يقول الحكمة غير الحكيم، وتكون الرمية من غير الرامي، وربَّ حامل فقه إلى من هو أفْقَهُ.
اعْمَلْ بعلمِي وغُضِّ الطَّرْفَ عَنْ زَلَلَي يَنفَعْكَ قَوْلِي ولا يَضْرُرْكَ تَقْصِيرِي
لقد خففت وإن كنت أكثرت، واختصرت وإن كنت أطلت، وتوقيت ما يتوقاه من رضي من الغنيمة فيها بالسلامة، ومن بعد الشقة بالإياب، لكني لم أجد بداً من الوقوف على ما أودعته هذه الصفحات؛ إذ لا يسع الصمت؛ ففي الصمت عِيٌ كعي الكَلِم، فأسأل الله بعزته وقدرته أن يمحو ببعض بعضاً، ويغفر بخير شراً، وبجد هزلاً، ثم يعود علينا بفضله، ويتغمدنا بعفوه، ويعيذنا بعد طول الأمل فيه، وحسن الظن به من الخيبة والحرمان.
اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول والعمل، ونعوذ بك من التكلف لما لا نحسن، ونعوذ بك من العُجْب لما نحسن، ونعوذ بك من السلاطة والهذر، ونعوذ بك من العي والحصر.
فالقولُ ذُو خَطَل إذَا مَا لَمْ يَكُنْ ربِّي مُعِينِي
أعذني ربِّ مِنْ حَصَرٍ وَعِيٍّ ومن نفسٍ أُعَالِجُهَا عِلَاجاً
اللهم إنا نستعينك ونتوكل عليك، ونفر من حولنا وقوتنا إلى حولك وقوتك، لا إله إلا أنت، لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحَزْن إذا شئت سهلاً.
стр. 413
فيم يختصمون ؟
الصفحة الأولى: فِيمَ يختصمون؟ روي أن أبا بكر ﵁ وأرضاه عيَّن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه قاضياً على المدينة، فمكث عمر سنة كاملة لم يختصم إليه اثنان، لم يعقد جلسة قضاء واحدة، وعندها طلب من أبي بكر ﵁ وأرضاه إعفاءه من القضاء، فقال أبو بكر: أمن مشقة القضاء تطلب الإعفاء يا عمر!
قال عمر: لا يا خليفة رسول الله ﷺ ولكن لا حاجة بي عند قوم مؤمنين، عرف كل منهم ما له من حق، فلم يطلب أكثر منه، وما عليه من واجب فلم يقصر في أدائه، أحب كل منهم لأخيه ما يحب لنفسه، إذا غاب أحدهم تفقدوه، وإذا مرض عادوه، وإذا افتقر أعانوه، وإذا احتاج ساعدوه، وإذا أصيب عزوه وواسوه، دينهم النصيحة، وخلقهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففيمَ يختصمون؟ ففيمَ يختصمون؟ هنيئاً، ثم هنيئاً، ثم هنيئاً لمن اكتحلت عيناه برؤية ذلك الجمع.
اللهم كما حرمناه في هذه الحياة فأقر أعيننا برؤيتهم في جنات النعيم، إخواناً على سرر متقابلين.
أولئك النَّاسُ إنْ عُدُّوا وإنْ ذُكِرُوا وما سِوَاهُم فَلَغْوٌ غَيْرُ مَعْدُودِ
واحرَّ شَوقِي إليهِم كُلَّمَا هَجَست نفسِي فنفسي بهمْ مجنونة الكَلَفِ
إنِّي سَئِمْتُ هَوَى الدُّنْيَا وزَهْرَتَهَا وملَّ قَلبِي ذُرَا رَوْضَاتِها الأُنَفِ
وقد بلوتُ لياليهَا وأَنهُرَها فَتَىً وحُزْت لآليها منَ الصَّدَفِ
فلم أجدْ غيرَ دربِ اللهِ دربَ هُدَى وغيرَ ينبوعِهِم نبعاً لمُغترِفِ
كَرِّرْ عَليَّ حدِيثَهُم يَا حادِي فحدِيثُهُم يَجْلُو الفؤادَ الصَّادِي
стр. 414
شامة في جبين التاريخ
الصفحة الثانية: شامة في جبين التاريخ، وغرة في ثبات المؤمنين.
روى أهل السير: كـ الذهبي وابن حجر وغيرهم: أن عمر ﵁ وجه في السنة التاسعة عشرة للهجرة جيشاً لحرب الروم، وفتح بلادهم للإسلام، وقد علم قيصر الروم من أخبار جند المسلمين، وما يتحلون به من صدق إيمان، ورسوخ عقيدة، واسترخاص للنفوس في سبيل الله، وصبر وبذل للمُهَج والأرواح في سبيل الله ما علم.
علم ما أذهله وما أدهشه وما أشدهَهُ! فأمر رجالاته أن إذا ظفروا بأسير من المسلمين أن يبقوا عليه حياً ويأتوه به، وشاء الله جل وعلا أن يقع في الأسر عدد من المسلمين من بينهم صحابي جليل قد أدرك معنى العبودية لله فتخلص من رقِّ المخلوقين، فلا تراه إلا وهو يصوم النهار، ويتلو القرآن، يقوم في جنح الليل، ويستغفر بالأسحار، فقليلاً ما يهجع، راقبوه، فرأوا من تقاه وصلاحه وصلابته ورجولته وعقله ورزانته ما أدهشهم، ورأوا إن كسبوه لدينهم أنهم حققوا نصراً عظيماً، وكسباً عظيما، فذكروه لقيصرهم.
فقال: ائتوني به، فجاءوا به فكان الخُبْر أعظم من الخَبَر، وجاوزت المعاينة الخبر، (وما راءٍ كمن سمع) كما قيل.
نظر إليه قيصرهم فرأى فيه عزة واستعلاء المؤمن، ونجابة الأبطال، فبادره قائلا: إني أعرض عليك أمراً، قال: ما هو؟ قال: أن تَتَنَصَّر، فإن فعلت خلَّيت سبيلك وأكرمت مثواك، فقال الأسير في أنفة وحزم: هيهات هيهات! إن الموت لأحب إليَّ ألف مرة مما تدعوني إليه.
هيهات! أنَّى لقلوب خالطتها بشاشة الإيمان أن تعود إلى ظلمات الكفر والضلال مهما كانت الإغراءات، أنَّى لقلوب عرفت النور بحق أن تتدثر بالظلام مرة أخرى مهما كانت المغريات، يفشل العرض الأول من هذا القيصر ويتحطم على صخرة الإيمان؛ لأن هذا الرجل امتلأ قلبه بعبودية الله، فلم يبقَ في قلبه متسعٌ لغير تلك العبودية.
بدأ بالإغراءات، فقال قيصرهم: لو تنصرت شاطرتك ملكي، وقاسمتك سلطاني.
يريدون أن يبيع دينه بعرض من الدنيا، يريدون أن يُصرف عن عبودية الله إلى رق المركز الذي طالما سال له لعاب كثير من الناس، فضيعوا حقوق الله في سبيل نيله، وباعوا دينهم بعرض من الدنيا.
هربوا من الرقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ فَبُلُوا بِرِقِّ النَّفسِ والشَّيطانِ
فقال ﵁ مبتسما في قيده: اخسأ عدو الله، والذي لا إله إلا هو! لو أعطيتني جميع ما تملك وما تملكه العرب والعجم على أن أرجع عن دين محمد طرفة عين ما قبلت.
الله أكبر! يتحطم الإغراء بالمركز على صخور الإيمان الشُّمِّ في نفس ذلك الصحابي، لماذا؟ لأنه طالب جنة، ولا يمكن أن يغرى بما هو دون الجنة، وليس بأيديهم ما هو أعلى من الجنة ليغروه به، فأنى لهم أن يصلوا إليه، إنها سلعة الله، غالية جد غالية، مهرها بذل النفس والنفيس لمالكها الذي اشتراها من المؤمنين، وايم الله! ما هزلت حتى يستامها المفلسون المعرضون الجبناء، وايم الله! ما كسدت حتى يبتاعها نسيئة وتأجيلاً المعسرون المفلسون، لقد أقيمت للعرض في السوق لمن يريد، وقيل: هل من مزيد؟ فلم يرضَ لها بثمن دون حبل الوريد.
عندها قال قيصرهم: ردوه إلى الأسْرِ، فردوه، وطلب من حاشيته وبطانته الاجتماع فوراً لتداول الرأي في طريق يكسب به هذا الفتى ليكون من جند النصارى -وحقاً إنه كسب-
وبعد المداولة استقر الرأي على أن الشهوة طريق مجرب ناجح صُرِفَ به الكثير عن دينه ومبادئه وثوابته، فلكم رأوا ولكم رأينا ولكم نرى من أناس يعبدون الشهوة، فينفقون أموالهم في الشهوة المحرَّمة؛ لتكون عليهم حسرة وبئس الإنفاق.
يسافرون وراء الشهوة المحرمة وبئس السفر والركب، يبيعون دينهم في سبيل الشهوة المحرمة وخسر البيع، والنار حفت بالشهوات وهم يتهافتون إليها وساء التهافت، عبَّاد شهوة وبئس العبيد.
قال قيصرهم: ائتوني بأجمل فتاة في بلادي، فجيء بملكة جمال البلاد -كما يقولون- وأغراها بالأموال العظيمة إن استطاعت أن توقعه في الفاحشة؛ لأن الفاحشة طريق إلى ترك دينه، ولك أن تتصور -أخي الحبيب- ما حال هذا الرجل، شاب في كامل فتوته ورجولته وشبابه وقوته وفوق ذلك غائب عن أهله منذ شهور، وهذا عامل يجعلهم يتفاءلون، فأدخلوها عليه، فتجردت من ملابسها بعد تجردها من الحياء المترتب على التجرد من الإيمان، ولا ذنب بعد كفر، فقامت تعرض نفسها أمامه، ثم ترتمي في أحضانه، فيهرب منها قائلا: معاذ الله، معاذ الله، فتطارده ويتجنبها، ويغمض عينيه؛ خشية أن يُفتن بها، ويقرأ القرآن ويستعيذ بالرحمن ولسان حاله ومقاله: رب القتل أحب إليَّ مما تدعوني إليه، وإلا تصرف عني كيدها أصْبُ إليها وأكن من الجاهلين.
تتابعه من جهة إلى جهة، وهو يستعيذ بالله الذي ما امتلأ قلبه إلا بعبوديته حتى يئست منه، نَقَلَة الأخبار على الباب من شياطين الإنس ينتظرون خبر فتنة ذلك الصحابي ووقوعه في الفاحشة لينقلوه إلى الآفاق شماتة في الإسلام وأهله، وإعلاناً لانتصارهم في صرفه عن دينه، ولعل غيره يتبعه في ذلك: ﴿حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُم إِنْ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧] وإذا بها تصيح: أخرجوني أخرجوني، فأخرجوها قد تغير لونها، إذ قد فشلت مهمتها، كرتها خاسرة عاهرة فاجرة، سألها مَن عند الباب من نقلة الأخبار: ما الذي حدث؟ هاتِ البشرى، يريدون أن يطيروا بالخبر.
قالت: والله ما يدري أأنثى أنا أم ذكر، ووالله ما أدري أأدخلتموني على بشر أم على حجر.
الله أكبر! الإغراء بالشهوة يفشل أمام عبودية الله التي ما تركت متسعاً لغيرها في قلبه.
كيف يرضى طالب الحور العين بعاهرة فاجرة، ولذة قد يعقبها الهاوية؟!
كيف يرضى وقد وُعِدَ بمن لو اطلعت إحداهن إلى أهل الأرض لملأت ما بين السماء والأرض ريحاً ولأضاءت ما بينهما؟!
كيف ونصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها؟!
كيف وقد وعد بمن ينظر إلى وجهه في خدها أصفى من المرآة؟!
كيف وقد وعد بمن أدنى لؤلؤة عليها تضيء ما بين المشرق والمغرب؟!
كيف وقد وعد بمن يكون عليها سبعون ثوباً ينفذ البصر حتى يرى مخَّ ساقها من وراء اللحم والدم والعصب والعظم؟!
كيف وقد وعد بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؟!
خاب من باع باقياً بفانٍ، خاب من باع الجنة بما فيها بشهوة ساعة.
هنا يقول قيصرهم: إذاً أقتلك.
انتقل الأمر إلى التهديد وأنى لمؤمن امتلأ قلبه بعبودية الله أن يخشى تهديداً دون نار جهنم؟! إنه هارب من النار وما هناك تهديد بما هو أعظم من النار؛ فكل تهديد دونها ولا شك.
قال ﵁: أنت وما تريد.
افعل ما بدا لك، فأمر بصلبه، ثم أمر برميه بالسهام قرب يديه ورجليه وهو يعرض عليه أثناء ذلك أن يرتد عن دينه فيأبى.
فيطلب منهم قيصرهم أن ينزلوه عن خشبة الصلب لينوع التهديد عليه؛ علّه أن يلين، فيدعو بقِدْرٍ عظيم ويصب فيه الزيت، ويوقد تحته النار حتى أصبح الزيت يغلي، ثم يأتي بأسيرين من أسرى المسلمين فيلقيهما في القدر أمام عينيه، فإذا بلحمهما يتفتت وعظامهما تبدو عارية، منظر فظيع بشع وحشي، ظنوا أنهم به وصلوا إلى قلب هذا الصحابي وإلى بغيتهم منه.
التفت القيصر إلى الصحابي وعرض عليه النصرانية؛ فكان أشد إباء من ذي قبل، فلما يئس منه أمر به أن يلقى في القدر مع صاحبيه، فلما ذهب به دمعت عيناه، فظنوا أنه قد جزع وسيرتد عن دينه، فعرضوا عليه النصرانية مرة أخرى فأبى، قال: ويحك فما أبكاك؟ قال: أبكاني أن قلت في نفسي إنما هي نفس تلقى الآن في هذا القدر فتذهب،
وقد كنت أشتهي أن يكون لي بعدد ما في جسدي من شعر أنفس تلقى كلها في هذا القدر في سبيل الله.
لا إله إلا الله! والله أكبر! ويا لها من قلوب امتلأت بخشية الله! وعبودية الله! لم يترك فيها فراغاً لوعد أو وعيد دون الجنة أو الجحيم.
عندها ردوه إلى الأسر ووضعوا معه خمراً ولحم خنزير، ومنعوا عنه الطعام والشراب، وبقي ثلاثة أيام يُراقَب علَّه أن يأكل لحم الخنزير، أو يشرب من الخمر فلم يفعل، وانثنت عنقه ﵁ وأرضاه -مالت عنقه- من شدة الجوع والعطش وأشرف على الهلاك، فأخرجوه وقالوا له: ما منعك أن تأكل أو تشرب؟ فقال: أما إن الضرورة قد أحلت لي ذلك، ولكن -والذي لا إله إلا هو- لقد كرهت أن يشمت أمثالكم بالإسلام وأهله.
لسان حاله:
فَيَا أيُّها الكونُ منِّي اسْتَمِعْ ويا أُذُنَ الدَّهرِ عنِّي افهمِي
فَإِنِّي صريحٌ كَمَا تَعْلَمِين حريصٌ عَلَى مَبدأ قِيِّم
ومَهْما تعدَدَتِ الواجهاتُ فَلَستُ إلَى وِجْهَةٍ أنْتَمِي
سِوَى قِبلة المُصطَفَى والمَقامِ لأَرْوِى الحُشَاشَةَ مِنْ زَمْزَمِ
وأُشهدُ مَنْ دبَّ فوقَ الثَرَى وتحتَ السَّمَا عزةَ المُسْلِمِ
يا لها من كلمة! كرهت أن يشمت أمثالكم بالإسلام وأهله.
هذه الكلمة أهديها إلى أحبتنا الذين يخجلون من مواجهة الناس بالتزامهم، تجده يوم تلاحقه أعين السفهاء بالهمز والغمز واللمز يمشي على خجل وعلى استحياء، يتوارى من القوم ليشمت غيره به، إن حامل الحق يجبر غيره على أن يخجل منه أو يموت بغيظه، فلينتبه لذلك وليكن لسان الحال:
أنَا مُسْلمٌ وأقولُها مِلءَ الوَرَى وعقيدَتِي نورُ الحيَاةِ وَسُؤْدُدِي
كرهت أن يشمت أمثالكم بالإسلام وأهله.
فقال له القيصر معجباً بثباته ورشده وقوة عقله ولبِّه: هل لك أن تقبل رأسي فأخلي عنك -وكانوا لا يعيشون لأنفسهم- فقال: وعن جميع أسرى المسلمين؟ قال: وعن جميعهم.
فقال يُسائل نفسه: عدو من أعداء الله أقبل رأسه ليخلي عن أسرى المسلمين لئلا يقتلوا، لا ضير في ذلك، فقبله فأطلق له الأسرى وأجازه بثلاثين ألف دينار وثلاثين وصيفاً وثلاثين وصيفة كما روى ابن عائذ في السير للذهبي، وقدم على عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه بأسرى المسلمين ثابتاً كالطود الشامخ، يطأ بأخمصه الثرى، وهامه توازي الثريَّا، وأخبر عمر الخبر، فسُرَّ أعظم سرور، ثم قام فقبَّل رأسه وقال: [[حق على كل مسلم أن يقبل رأسك]]، رأس مَنْ؟ لا أظن أحداً يجهل مثل هذا الرجل إنه عبد الله بن حذافة السهمي ﵁ وأرضاه، شامة في جبين التاريخ، وغرة في جبين الزمن.
أحبتي في الله: لا يملك الإنسان أمام هذه المواقف التي تقف لها الهام إلا أن يقول: إنها النفوس المؤمنة يوم تجاهد في سبيل الله، لا في سبيل قول، ولا في سبيل نفس، ولا في سبيل وطن، بل في سبيل الله؛ لتحقيق منهج الله في أرض الله في سبيل الله؛ لتنفيذ شرع الله على عباد الله، ليس لها لنفسها حظ، بل كلها لله الواحد القهار، لا يخافون لومة لائم، وفيم الخوف من لوم الناس وقد ضمنوا حب وعبودية رب الناس؟ إنما يخشى الناس ولومهم من يستمد حركاته وسكناته ومقاييسه من أهواء الناس، فهو أرضيٌّ طينيٌّ دونيٌّ.
أما من يعود إلى موازين الله ليجعلها فوق كل الموازين فما يبالي بأهواء البشر وشهواتهم وقيمهم، ولا يبالي بما يقولون، ولا بما يفعلون، ولا بما يتوعدون، إنها سمة المؤمنين المحبين لله ورسوله، الاطمئنان إلى الله يملأ قلوبهم، فهلا أعددت نفسك لتكون من أمثال هؤلاء؟!
فإن الينبوع واحد، وإن المورد واحد، وإن النهر واحد، ما أخذوا منه أنت تأخذ منه، ثبات على المبادئ، وصدق مع الباري، وإخلاص في الظاهر والخافي، سماويون لا أرضيون، لا دونيون، لا طينيون، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
فيا ضعيف العزم! ويا دنيء الهمَّة! أين أنت؟ لا تستطل الطريق، الطريق طريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورمي في النار الخليل، وأفجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضر أيوب، وزاد بكاء داود، وعالج الأذى محمد ﷺ ، ولكنكم تستعجلون.
إنما يقطع الطريق ويصل المسافر بلزوم الجادة وسير الليل، فإذا حاد السائر عن الطريق أو استطاله ونام الليل فمتى يصل إلى المقصود؟ متى؟ أفيقوا استيقظوا.
وخُذُوا منَ الأَسْلافِ مِمَنْ قبلكُم عظةٌ تُنِيرُ قلوبكم وتبصروا
رُومانَ في جَبروتِها وغُرورِهَا رضخت لمنْ حَمَلوا الضياءَ وحرَّرُوا
دُحر البغاةَ بظلمِهِم وشُرُورِهِم فخذوا دروساً منهم واستعبروا
стр. 415
إنما هي نفس واحدة
الصفحة الثالثة: إنما هي نفس واحدة: روى حميد بن هلال كما في السير للذهبي قال: أتى بعض مخالفي أهل السنة مطرف بن عبد الله عليه رحمة الله يدعونه إلى رأيهم المخالف لـ أهل السنة، فقال -واسمعوا لما قال- قال: يا هؤلاء لو كان لي نفسان بايعتكم بإحداهما وأمسكت الأخرى، فإن تبين أن الذي تقولونه هدى أتبعتها الأخرى، وإن كان ضلالة هلكت نفس وبقيت لي نفس، ولكن إنما هي نفس واحدة، والله لا أغرِّر بها، والله لا أغرر بها.
إجابة حازمة وجازمة للدعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها: (إنما هي نفس لا يغرر بها).
إجابة لمن لا يملك تقوى أهل الإسلام، ولا عقول أهل الجاهلية: (إنما هي نفس لا أغرر بها).
إجابة حاسمة جازمة لمن يريد أن تجعل دينك دونه: (إنما هي نفس واحدة لا أغرر بها).
يا من باع كل شيء بلا شيء! واشترى لا شيء بكل شيء: (إنما هي نفس واحدة).
إلى عباد الأهواء والشهوات: (إنما هي نفس واحدة) إلى المتاجرين ببث الشبهات: (إنما هي نفس واحدة).
مَنْ كانَ حينَ تصيبُ الشمسُ جبهتَهُ أو الغبارُ يخافُ الشَينَ والشَّعثَا
ويَأْلفُ الظِّلَ كيْ تبقَى بَشَاشَتُهُ فسوفَ يسكنُ يَوماً راغماً جَدَثَا
في قعْرِ مظلمةٍ غبراءَ موحشةٍ يُطيلُ فِي قَعْرِهَا تحتَ الثَّرَى اللَّبثا
تَجَهزِي بجهازٍ تَبْلُغِينَ بِهِ يَا نَفْسُ قَبْلَ الرَّدَى لَمْ تُخْلَقِي عَبَثاً
إنما هي نفس يا عبد الله! فلا تغرر بها، اشترها اليوم فإن السوق قائمة، والثمن موجود وخطير، والبضائع رخيصة وفي ذات الوقت نفيسة، وسيأتي على السوق والبضائع يوم لا تصل فيه إلى قليل ولا كثير: ﴿ذَلِكَ يَومُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٩] ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا﴾ [الفرقان:٢٧] يوم الحساب.
إنَّ يومَ الحسابِ يومٌ عَسِيرٌ ليسَ فيه للظاَّلمينَ نَصِيرُ
стр. 416
من استطاع منكم أن يؤثر الله في كل مقام فليفعل
الصفحة الرابعة: من استطاع منكم أن يؤثر الله في كل مقام فليفعل.
في تهذيب الكمال، وفي صور من حياة التابعين أن ابن هبيرة كان والياً على العراقين؛ والمقصود بـ العراقين البصرة والكوفة في عهد الخليفة يزيد بن عبد الملك، وكان يزيد يرسل إليه بالكتاب تلو الكتاب ويأمره بإنفاذ ما في تلك الكتب ولو كان مجافياً للحق أحيانا، فدعا ابن هبيرة عالميْن؛ هما الحسن البصري، وعامر الشعبي يستفتيهما في ذلك، هل له مخرج في دين الله أن ينفذ تلك الكتب؟
فأجاب الشعبي جواباً فيه ملاطفة ومسايرة والحسن ساكت، فالتفت ابن هبيرة إلى الحسن وقال: ما تقول يا أبا سعيد؟ فقال: يـ ابن هبيرة! خَف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، واعلم أن الله يمنعك من يزيد، وأن يزيد لا يمنعك من الله.
يـ ابن هبيرة! إنه يوشك أن ينزل بك ملك غليظ شديد لا يعصي الله ما أمره، فيزيلك عن سريرك، وينقلك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك حيث لا تجد هناك يزيد، وإنما تجد عملك الذي خالفت فيه رب يزيد.
يـ ابن هبيرة! إنك إن تكن مع الله وفي طاعته يكفك بائقة يزيد، وإن تكن مع يزيد في معصية الله فإن الله يكلك إلى يزيد.
فبكى ابن هبيرة حتى بللت دموعه لحيته، ومال عن الشعبي إلى الحسن وبالغ في إعظامه وإكرامه.
فلما خرجا من عنده توجها إلى المسجد فاجتمع عليهما الناس وجعلوا يسألونهما عن خبرهما مع ابن هبيرة، فالتفت الشعبي إليهم وقال: أيها الناس! من استطاع منكم أن يؤثر الله على خلقه في كل مقام فليفعل؛ فوالذي نفسي بيده! ما قال الحسن لـ ابن هبيرة قولاً أجهله، ولكني أردت فيما قلته وجه ابن هبيرة، وأراد الحسن وجه الله فأقصاني الله منه، وأدنى الحسن وحببه إليه.
أيها الأحبة: إن القلب هو محل التأثر من الإنسان، والقلوب بيد الرحمن يقلبها كيف يشاء، ومن راءى بعلمه ونصحه فقد قطع ما بينه وبين الله، وأنى له أن يمنحه الله إقبالاً من الناس أو تأثيراً فيهم! لذا تراه إن تكلم لم يُسْمع، وإن عمل لم يحرك ويظن أنه قد أحسن، ولكن كم من مسيء يرى أنه محسن، وجاهل يرى أنه عالم، وبخيل يرى أنه كريم، وأحمق يرى أنه عاقل، وظالم يرى أنه مظلوم، وآكل للحرام يرى أنه متورع، وفاسق يعتقد أنه عدل، وطالب علم للدنيا يرى أنه لله، والأجل قصير، والأمل طويل، والمرد إلى الله، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، من آثر الله دله الله على الطريق، وإنا لله من بُعْدٍ عن الطريق.
وفي السير -أيضاً- أن الحسن قد خرج من عند ابن هبيرة فإذا هو بالقراء على الباب، فقال: [[ما يجلسكم هنا؟! تريدون الدخول؟! أتجالسونه مجالسة الأبرار؟ تفرقوا فرَّق الله بين أرواحكم وأجسادكم، قد فَرْطَحْتُم نعالكم، وشمرتم ثيابكم، فضحتم القراء فضحكم الله، والله! لو زهدتم لرغبوا فيما عندكم من العلم، ولكنكم رغبتم فيما عندهم فزهدوا فيكم.
أبعد الله من أبعد، أبعد الله من أبعد، أبعد الله من أبعد.
أهينوا الدنيا؛ فوالله لأهنأ ما تكونون إذا أهنتموها]]، ثم كان مما قال: [[السكين تُحدُّ، والكبش يُعْلف، والتنور يُسْجَر، ومن سمع سمّع الله به، وما أحد أعز الدرهم إلا أذله الله.
تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار]].
أيها الأحبة: إننا نفوس لا ألفاظ، والكلمة من قائلها بمعناها في نفسه، لا بمعناها في نفسها، فما يحسن بحامل الشريعة أن ينطق بكلام يرده عليه الشرع، ولو نافق طالب العلم لكان كل منافق أشرف منه، ولطخة في الثوب الأبيض ليست كلطخة في الثوب الأسود.
والدينار إذا كان صحيحاً في أحد وجهيه دون الآخر، أو في بعضه دون بعض فهو زائف كله، فمن ترك واجباً مخافة أحد نزعت منه هيبة الله حتى لو أمر بعض ولده أو مواليه لاستخف به.
يقول الفضيل: إنما يهابك الخلق على قدر هيبتك لله .
فاجعلْ رِضَا اللهِ كلَّ القَصدِ تنْجُ فَمَا يُغني رِضَا الخَلْق والخَلاقُ قد سخطا
هل يبسطون لِمَا القهارُ قابضهُ أوْ يَقْبضونَ إذا الرّحمنُ قد بَسَطَا
لا والله.
стр. 417
من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه
الصفحة الخامسة: من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.
في ذيل طبقات الحنابلة ذكر ابن رجب في ترجمة القاضي أبي بكر الأنصاري البزاز أنه قال: كنت مجاوراً في مكة -حرسها الله- فأصابني يوماً من الأيام جوع شديد، ولم أجد شيئاً أدفع به عني ذلك الجوع، وخرجت أبحث عن طعام فلم أجد، فوجدت كيساً من حرير مشدوداً برباط من حرير أيضاً، قال: فأخذته وجئت به إلى بيتي، وحللته فوجدت فيه عقداً من لؤلؤ لم أرَ مثله قط، قال: فربطته وأعدته كما كان، ثم خرجت أبحث عن طعام فوجدت شيخاً ينادي ويقول: من وجد لنا كيساً صفته كذا وكذا فله خمسمائة دينار من الذهب.
قال: فقلت في نفسي إني محتاج وجائع أفآخذ هذه الدنانير لأنتفع بها وأرد عليه كيسه؟ لا ضير، فقلت له: تعال إليَّ فأخذته، وذهبت به إلى بيتي، وسألته عن علامة الكيس، وعلامة اللؤلؤ، وعدد اللؤلؤ، والخيط المشدود به، فإذا هو كما قال، قال: فأخرجته ودفعته إليه، فسلم إليَّ خمسمائة دينار -الجائزة التي ذكرها- قال: فقلت له: يجب علي أن أعيده لك ولا آخذ له جزاءً، قال: لابد أن تأخذ، وألحَّ عليَّ كثيراً، وأنا أحوج ما أكون، قال: فقلت: والذي لا إله إلا هو! ما آخذ عليه جزاءً من أحد سوى الله، فلم يقبل الدنانير، قال: فتركني ومضى.
ورجع الشيخ بعد موسم الحج إلى بلده، وأما أنا -الإمام البزاز الكلام له- فإني خرجت من مكة وركبت البحر في وسط أمواجه المتلاطمة وأهواله، فانكسر المركب، وغرق الناس، وهلكت الأموال.
قال: وسلمني الله إذ بقيت على قطعة من المركب تذهب بي يمنة ويسرة لا أدري إلى أين تذهب بي، وبقيت مدة في البحر تتقاذفني الأمواج من مكان إلى مكان حتى لفظتني إلى جزيرة فيها قوم أميون لا يقرءون ولا يكتبون.
قال: فجلست في مسجدهم، وكنت أقرأ، قال: فما أن رآني أهل المسجد حتى اجتمعوا عليَّ، فلم يبقَ في الجزيرة أحد إلا قال: علمني القرآن.
قال: فعلمتهم القرآن، وحصل لي خير كثير من جراء ذلك، قال: ثم إني رأيت في ذلك المسجد مصحفاً ممزقاً، فأخذت أوراقه لأقرأ فيها، فقالوا: أتحسن الكتابة؟ قلت: نعم، قالوا: علمنا الخط، قال: قلت: لا بأس، فجاءوا بصبيانهم وشبابهم فكنت أعلمهم، وحصل لي من ذلك خير عظيم.
ثم رغبوا فيه فقالوا له بعد ذلك وهم يريدون أن يبقى معهم: عندنا صبية يتيمة ومعها شيء من الدنيا، ونريد أن نزوجك بها، وتبقى معنا في هذه الجزيرة.
قال: فامتنعت، فألحوا عليَّ وألزموني، فلم أملك أمام إلحاحهم وإصرارهم إلا أن أجبت لطلبهم، فجهَّزوها لي، وزفُّوها إليَّ -زفها محارمها- وجلست معهم، وإذا بي أنظر إليها وإذا ذلك العقد الذي رأيته بـ مكة بعينه معلق في عنقها فدهشت، وما كان لي حينئذ من شغل إلا النظر لهذا العقد، فقال محارمها: يا شيخ! كسرت قلب هذه اليتيمة، لم تنظر إليها، وإنما تنظر إلى العقد، قلت لهم: إن لهذا العقد قصة، قالوا: وما هي؟ فقصصتها عليهم فصاحوا وضجوا بالتهليل والتكبير، وصرخوا بالتسبيح حتى بلغ صوتهم أنحاء الجزيرة.
فقلت: سبحان الله! ما بكم؟ قالوا: إن الشيخ الذي أخذ منك العقد في مكة هو أبو هذه الصبية، وكان يقول عند عودته من الحج ويردد دائماً: والله! ما وجدت على وجه الأرض مسلماً كهذا الذي ردَّ عليَّ العقد في مكة، اللهم اجمع بيني وبينه حتى أزوجه ابنتي، وتوفى ذلك الرجل، وحقق الله دعوته وزوَّجك بابنته.
فيقول: فبقيت معها مدة من الزمن فكانت خير امرأة، رزقت منها بولدين، ثم توفيت فعليها رحمة الله، فورثت العقد المعهود أنا وولدي، قال: ثم توفي الولدان واحداً تلو الآخر، فورثت العقد منهما، فبعته بمائة ألف دينار.
ويحدث بعد مدة ويقول: هذا من بقايا ثمن ذلك العقد، فرحمة الله على الجميع.
من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، وصنائع المعروف تقي مصارع السوء: ﴿وَمَن يَتَّقِِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]
﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٤].
стр. 418
زد من الضرب وزد من الحديث
الصفحة السادسة: زد من الضرب وزد من الحديث.
ذكر أهل السير أن هشام بن عمار عليه رحمة الله كان شغوفاً بطلب علم النبوة وهو صغير، وكان معاصراً للإمام مالك عليه رحمة الله فجاءه في رحلة شاقة طويلة -فاسمع لها يا طالب العلم وعِهَا فلعل لك فيها عظة وعبرة- عن محمد بن الفيض الغساني قال: سمعت هشام بن عمار يقول: باع أبي بيته بعشرين ديناراً وجهزني للحج وطلب العلم، قال: فتوجهت من دمشق تاركاً أهلي ووطني رغبة في الحج إلى بيت الله ولقاء الأئمة أمثال مالك ﵀ قال: فلما صرت إلى المدينة أتيت مجلس الإمام مالك ومعي مسائل -أعدَّ مسائل يريد أن يسائل الإمام فيها- قال: وأريد مع ذلك أن يحدثني، قال: فأتيته وهو جالس في هيئة الملوك، وغلمانه قيام حوله، والناس يسألونه ويجيبهم، يتدفق كالبحر، قال: فلما انقضى المجلس قمت لأسأله وأطلب أن يحدثني، فاستصغرني ورآني لست أهلا للرواية.
فقال: حصَّلنا على الصبيان -يعني أنه لم يبقَ إلا الصبيان- يا غلام -لأحد غلمانه الذين حواليه- احمله، قال: فحملني كما يُحْمل الصبي، وأنا يومئذ غلام مدرك، فأخرجني.
يقول ابن جزرة: ودخل هشام ذات يوم على الإمام مالك بغير إذن وقال له: حدثني، فرفض الإمام مالك، يقول هشام: فكررت عليه وراددته فقال لغلامه: خذ هذا واضربه خمسة عشر سوطاً، قال: فأخذه وذهب به وضربه خمسة عشر سوطاً.
فوقف يبكي على الباب حتى خرج الإمام مالك فإذا به يبكي، فقال له: ما يبكيك يا هشام! أو أوجعتك؟ قال هشام: إن أبي باع منزله بعشرين ديناراً، ووجه بي إليك لأتشرف بالسماع منك، فضربتني وظلمتني بغير جرم فعلته سوى أني أطلب حديث رسول الله ﷺ والله لا جعلتك في حلٍّ، لأسائلنك بين يدي الله.
فتأثر الإمام مالك، وعلم أنه طالب حديث وجامع سنة بحق، فقال: يا بني! ما يرضيك؟ ما كفارة ذلك؟
فقال هشام: أن تحدثني بكل سوط ضربتنيه حديثاً عن رسول الله ﷺ ، قال: فجلس الإمام وقال: حدثنا فلان عن فلان عن فلان، فسرد له خمسة عشر حديثاً، فقال بعدها: يا إمام! زد في الضرب، وزد من الحديث.
فضحك الإمام مالك وقال: اذهب.
فانظر يا طالب العلم! كيف عرفوا العلم وقدره، واستعذبوا العذاب في سبيل الحصول عليه، باعوا بيوتهم، وقطعوا الفيافي والقفار حتى وصلوا؛ لأنهم يعرفون أنه بواسطة العلم يُعْبد الله في الأرض على بصيرة.
هاهو الحافظ ابن عساكر عليه رحمة الله لاقى في تحصيل العلم ما لاقى من الشدائد مما تنقله كتب السير والتراجم وهاجر من دمشق إلى نيسابور وكانت ذات ثلج شديد، وبرد زمهرير لم يألفه في موطنه دمشق، وفي ذات ليلة تحت وطأة الغربة، وفراق الأحبة، وفراق الأبناء، وشدة برد البلدة -في نيسابور - قال يصور معاناته، ويذكر لأهله أنه لا زال على عهده أن يطلب العلم ثم يعود إليهم، فكان مما قال:
لولا الجحيم الذي في القلبِ من حُرَقي لفُرقة الأهلِ والأحبابِ والوطنِ
لمِتُّ من شِدةِ البَردِ الذي ظهرتْ آثارُ شدَّتِهِ في ظَاهرِ البَدَنِ
يا قومِ دُوموا على عهدِ الهُدى وثِقوا أنّي على العهدِ لم أغدِرْ ولَم أَخُنِ
ثم ذكر ما كان له من أسفار متواصلة، ورحلات في الأرض متباعدة في سبيل طلب العلم الشرعي، فقال ﵀:
وأنا الذي سافرتُ في طلبِ الهُدى سفرَيْنِ بينَ فدافدٍ وتنائفِ
وأنا الذي طوَّفت غيرَ مدينةٍ منْ أصبهان إلى حدودِ الطائف
الشرق قد عاينت أكثر مدْنِه بعدَ العراق وشامِنا المُتَعارفِ
وجمعت في الأسفار كل نفيسةٍ ولقيت كل مخالِفٍ ومآلف
وسمعتُ سنةَ أحمد منْ بَعد ما أنفقت فيها تالدي مع طَارفِي
صلى الله على نبينا محمد.
لله درهم! ما أمضى عزائمهم! وما أشد جلدهم وشوقهم لطلب العلم لوجه الله! وما أقواهم على الدخول فيما يريدون حين يريدون! طافوا الدنيا لتحصيل العلم، زرعوها بالأقدام زرعاً يوم لم يكن قطار ولا سيارة ولا باخرة ولا طيارة، طواف للبلدان، ونَصَب للأبدان، وكسب للزمان، لا راحة ولا استرخاء، لا صعوبة تمنعهم من لقاء العلماء، أمانيهم في تحصيل العلم، وخدمة هذا الدين تحدوهم إلى المزيد، وتنسيهم ما يلقون من تعب وعناء شديد، لسان حال بعضهم:
كَنَفِي بَعِيرِي إنْ ظعَنتُ ومَفْرشي كُمِّي وجُنحُ الليلِ مطرح هَوْدجِي
ماتوا وغُيِّبَ في الترابِ شُخُوصُهم فالنَّشرُ مسكٌ والعظامُ رميمُ
هل من مقتد بهم -يا طلبة العلم- في هذا الزمان؟
إن مرحلة تحصيل العلم شاقة تنقطع دون بلوغها حيازيم الصبر، وتنحسر أمامها عزمات الرجال، ولا يصبر على اجتيازها إلا الأفذاذ الأبطال، من لم يستسلموا للكسل والتواني، ولو لاقوا الألاقي.
من لم يطيعوا التواني ولم يضيعوا الحقوق.
فيا طلبة العلم: اعلموا أن علوم الإسلام لم تدون في ظلال الأشجار والثمار، وعلى ضفاف الأنهار، إنما دوِّنت باللحم والدم والعصب، وظمأ الهواجر، وسهر الليالي، على السراج الذي لا يكاد يضيء نفسه أحياناً، في ظل الجوع والعري، وانقطاع النفقة في بلاد الغربة، والصبر على أهوال الأسفار، وملاقاة الخطوب والأخطار، والتيه في الفيافي والقفار، والغرق في البحار، مع البعد عن الأهل والزوجة والدار.
لسان حال الكثير منهم من علماء الإسلام:
في الشام أهلِي وبغداد الهَوَى وأنَا بـ الرقمتين وبـ الفسطاط خِلاَّنِي
بالصبرِ بلَغُوا ما أرادُوا:
والصبرُ يُوجدُ إنْ باءٌ له كُسِرَت لكنَّهُ بِسُكُونِ الباءِ مفقودُ
﵏، تحمَّلوا ما تحملوا لتدوين العلم، فلم يبقَ لك إلا أن تطلبه في مظانه بهمة الرجال التي تتصاغر وتتضاءل أمامها المشاق والمتاعب والأخطار، ولن يخيب الله مسعى من سعى، ولن يتخلف الصادق عن النبوغ؛ فالنبوغ صبر طويل كما قيل.
وإنَّ سِيادةَ الأقوامِ فاعلمْ لَهَا صُعَدَاءُ مَطلعُهَا طَوِيلُ
وأنت لها أهل.
خلَقَ اللهُ للخُطُوبِ رجالاً ورجالاً لقَصْعَةٍ وثَرِيدِ
فكن من رجال الخطوب لا من رجال القصعة والثريد، فمن ساير الأماني، وصاحب التواني، واستلذَّ المطاعم، واستحبَّ النوم، وشغلته تقلبات الفصول عن التحصيل فما أبعده عن العلم! وما أبعد العلم عنه! وما أنفره عن العلم! وما أنفر العلم عنه!
إذا كان يؤذيك حر المصيف ويبس الخريف وبرد الشتا
ويلهيك حسن زمان الربيع فأخذك للعلم قل لي متى
فكُنْ رَجُلا عَلَى العَلْياءِ جَلْداً وشيمتُك التَّصَبُّرُ للعَنَاءِ
فقلْ منْ جدَّ في أمرٍ يحاوِلُهُ واستَصْحَب الصَّبْرَ إلا فَازَ بالظَّفرِ
كَمْ حاجةٍ بِمكانِ النَّجْمِ قرَّبها طولُ التَّرَدُدِ فِي الرَّوْحَاتِ والبكرِ
стр. 419
تكليف لا تشريف
الصفحة السابعة: تكليف لا تشريف.
حدَّث الفضيل بن الربيع قال: حج أمير المؤمنين هارون الرشيد عليه رحمة الله قال: ثم أتاني وخرجت مسرعاً، أقول له: لو أرسلت إليَّ لأتيتك، قال: ويحك قد حاك في نفسي شيء فانظر لي رجلاً أسأله، فقلت له: هاهنا سفيان بن عيينة، فقال: امض بنا إليه.
قال: فأتينا فقرعنا الباب، فقال: من؟ قلت: أمير المؤمنين، فخرج وقال: لو أرسلت إليَّ أتيتك، فحادثه ساعة، ثم قال له: أعليك دين؟ قال: نعم.
قال: اقض دينه.
فلما خرجنا قال: ما أغنى عني صاحبك شيئاً، انظر لي رجلا آخر أسأله، قلت: هاهنا عبد الرزاق بن همام قال: امض بنا إليه، فأتيناه، فقرعنا الباب وخرج إلينا، فإذا هو بأمير المؤمنين، فقال: لو أرسلت إليَّ لأتيتك، فحادثه ساعة، ثم قال: أعليك دين؟ قال: نعم.
قال: يا أبا عباس اقضِ دينه،
قال: فلما خرجنا قال: ما أغنى عنا صاحبك شيئاً، انظر لي رجلاً أسأله، قلت: هاهنا الفضيل بن عياض قال: امض بنا إليه، قال: فأتينا، فإذا هو قائم يتلو آية من القرآن يرددها.
قال: فقرعت الباب فلم يرد، فقلت: أجب أمير المؤمنين، قال: فاستمر في قراءته، فقلت: أما عليك طاعة، قال: بلى.
لكن ليس للمؤمن أن يذل نفسه، ثم نزل ففتح باب الدار، ثم ارتقى إلى غرفة من الغرف، وأطفأ السراج، والتجأ إلى زاوية في بيته، قال: فدخلنا فجعلنا نجول بأيدينا علَّنا نجده، فسبقت كف هارون إليه، فقال: يا لها من كف ما ألينها إن نجت غداً من عذاب الله !
فقلت في نفسي: ليكلمنه الليلة بكلام قوي من قلب تقي، قال: خذ -رحمك الله- لمجيئنا إليك، وأعطاه مالا، فقال: إن عمر بن عبد العزيز لما وليَ الخلافة دعا سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب، ورجاء بن حيوة فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء، فأشيروا عليَّ.
فعدَّ الخلافة بلاء، وعددتها أنت نعمة، خذ مالك لا أريده.
ثم واصل فقال: قال له سالم: يعني قال سالم لـ عمر: إن أردت النجاة من عذاب الله فصم عن الدنيا، وليكن إفطارك منها الموت.
وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المؤمنين لك أباً، وأوسطهم أخاً، وأصغرهم ابناً، ووقِّر أباك، وأكرم أخاك، واحنُ على ولدك.
وقال له رجاء: إن أردت النجاة غداً من عذاب الله، فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت إن شئت، وإني أقول لك -يا أمير المؤمنين- إني أخاف عليك أشدَّ الخوف من يوم تزل فيه الأقدام، فهل معك -رحمك الله- من يشير عليك بمثل ذلك.
فبكى هارون بكاءً شديداً حتى غشي عليه، فقلت له: ارفق بأمير المؤمنين، فقال: يـ ابن الربيع؛ تقتله أنت وأصحابك وأرفق به أنا، النصح رفق، النصح رفق.
ثم أفاق الرشيد وقال: زدني رحمك الله.
فقال: يا أمير المؤمنين! بلغني أن عاملاً لـ عمر بن عبد العزيز شُكي إليه، فكتب عمر إليه قائلاً: يا أخي! أذكرك طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد.
فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر فقال له عمر: ما أقدمك؟
قال: خلعت قلبي بكتابك، والله لا أعود إلى ولاية حتى ألقى الله فبكى الرشيد بكاءً شديداً، ثم قال: زدني رحمك الله.
فقال: يا حسن الوجه! أنت الذي سيسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقيَ هذا الوجه النار فافعل، وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك؛ فإن نبينا ﷺ قال: ﴿من أصبح لهم غاشاً لم يرح رائحة الجنة﴾.
فبكى هارون بكاءً شديداً، ثم أفاق وقال له: أعليك دين؟ قال: نعم، دين لربي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم أُلْهَم حُجَّتي، ثم انفجر باكياً مضطرباً كما يضطرب العصفور المبلل بالماء، ثم هدأ.
فقال له هارون: أما عليك دين لعباد الله نقضيه عنك؟ قال: إن ربي أمرني أن أصدق وعده وأطيع أمره، فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم من رزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨].
توكلت في رزقي على الله خالقي وأيقنتُ أنَّ اللهَ لا شكَّ رَازِقِي
وما يك منْ رزقٍ فليسَ يَفوتني ولَوْ كانَ في قاعِ البِحارِ العَوَامِقِ
قال: هذه ألف دينار تقوَّ بها على عبادتك، وأنفقها على عيالك، وسد بها حاجاتهم، قال: سبحان الله! أدلك على طريق النجاة، وتكافئني بمثل هذا سلمك الله.
ثم صمت فلم يتكلم بعدها، قال: فخرجنا من عنده، فلما صرنا إلى الباب قال هارون لحاجبه: إذا سألتك أن تدلني على أحد فدلني على مثل هذا، فلما انصرفنا قال: دخلت عليه امرأته فقالت: يا هذا قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو قبلت المال لتسد به حاجتنا.
فقال لها: إنما مَثَلِي ومثلكم كمَثَل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كبر نحروه فأكلوا لحمه، فلما سمع هارون كلامه وهو على الباب قال: نرجع إليه فعسى أن يقبل الدراهم، فلما علم الفضيل بعودتهم خرج فجلس على سطح الغرفة، فجاء هارون وجلس إلى جنبه، فجعل يكلمه فلا يجيبه، فبينما هم كذلك إذ خرجت جارية فقالت: يا هذا! قد آذيتموه هذه الليلة، دعوه مع كتاب الله وانصرفوا رحمكم الله.
فانصرفوا رحم الله الجميع.
أحبتي في الله: يمكننا أن نأخذ من هذه الحادثة عبرتين:
أولاً: أن طلب النصيحة من صاحب المنزلة والسعي للبحث عنها في مظانها، وطرق الأبواب لها، وتلمس الوسائل للحصول عليها، عقل ورشد وأي رشد! لأن إتيان النصيحة إلى صاحب المكانة يجعلها في مركز الضعف، والعكس بالعكس؛ إتيانه للنصيحة يجعلها في مركز القوة.
ثانياً: أن المؤمنين إخوة لا تظالم، ولا تخاذل، ولا تحاقر بينهم، الصغير ابن، والوسط أخ، والكبير أب، جسد واحد، وأمة واحدة.
قد قالها عمر بن الخطاب ﵁ لإخوة له خرجوا يريدون نشر دين الله في الأرض بأمره خلف السهوب والبحار والفيافي والقفار، فقال لهم: سيروا على بركة الله، وأنا أبو العيال حتى تعودوا.
قالها حتى لا يترك في قلوبهم شغلاً بهؤلاء الصغار.
فهل تستطيع أمة الإسلام أن تربي مثل هذه النماذج؟ نعم والله!
إنها لأمة خير يتعاقبه جيل بعد جيل، ولن تعدم الأمة وسائل لتربية مثل هذه النماذج، وأعلى وسيلة علم كل فرد وهو على ثغرة من ثغور الإسلام أن المسئولية تكليف لا تشريف، وأن له شيئاً وعليه شيء، فليأخذ ما له من حق وليقم بما عليه من واجب، وليكن مع ذلك أصم سميعاً، أعمى بصيراً، سكوتاً نطوقاً.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
стр. 420
حكمها رحمة ونعمة
الصفحة الثامنة: حكمها رحمة ونعمة.
كان قتيبة بن مسلم الباهلي عليه رحمة الله في شرق الكرة الأرضية يفتح المدن والقرى، ينشر دين الله في الأرض، ويفتح الله على يديه مدينة سمرقند، افتتحها بدون أن يدعو أهلها للإسلام أو الجزية، ثم يمهلهم ثلاثاً؛ كعادة المسلمين، ثم يبدأ القتال.
فلما علم أهل سمرقند بأن هذا الأمر في دين الإسلام كتب كهنتها رسالة إلى سلطان المسلمين في ذلك الوقت؛ وهو عمر بن عبد العزيز عليه رحمة الله وأرسلوا بهذه الرسالة أحد أهل سمرقند، فاسمع إلى هذا الرسول.
يقول: أخذت أتنقل من بلد إلى بلد شهراً حتى وصلت إلى دمشق دار الخلافة، فلما وصلت أخذت أتنقل في أحيائها، وأحدث نفسي بأن أسأل عن دار السلطان، ثم أخشى على نفسي إن نطقت باسم السلطان أن أؤخذ أخذاً، فلما رأيت أعظم بناء في المدينة دخلت إليه، وإذا بالناس يدخلون ويخرجون ويدوكون، وإذا بحلقات في هذا البناء، وأناس يركعون ويسجدون، يقول: فقلت لأحدهم: أهذه دار الوالي؟ قال: لا.
بل هذا هو المسجد.
قال: هل صليت؟ قلت: وما صليت؟ قال: فما دينك؟ قلت: على دين أهل سمرقند، فجعل يحدثني عن الإسلام حتى اعتنقته، وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ ثم قلت له: أنا رجل غريب، أريد السلطان، دلني عليه -يرحمك الله- قال: تعني أمير المؤمنين، قلت: نعم، قال: اسلك هذا الطريق حتى تصل إلى تلك الدار، وأشار إلى دار من طين، فقلت: أتهزأ بي؟ قال: لا.
ولكن اسلك هذا الطريق، فتلك دار أمير المؤمنين إن كنت تريده، قال: فذهبت واقتربت، وإذا برجل يأخذ طيناً، ويسد به ثلمة في الدار، وامرأة تناوله الطين.
قال: فرجعت إلى الذي دلَّني وقلت: أسألك عن دار أمير المؤمنين فتدلني على دار رجل طيَّان؟! قال: هو ذاك أمير المؤمنين.
قال: فطرقت الباب، وذهبت المرأة، ونزل الرجل، ورحب بي، وغسل يديه وخرج وقال: ما تريد؟
قلت: هذه رسالة من كهنة سمرقند، فقرأها، ثم قلبها فكتب على ظهرها، من عبد الله عمر بن عبد العزيز إلى عامله بـ سمرقند: أن نصِّب قاضياً ينظر فيما ذكروا، ثم ختمها، وناولني، وانطلقت يقول: فلولا أني خشيت أن يكذبني أهل سمرقند لألقيتها في الطريق، ماذا تفعل هذه الورقة وهذه الكلمات في إخراج الجيوش الجرارة، وذلك القائد الذي دوَّخ شرق الكرة الأرضية برمتها؛ يعني قتيبة بن مسلم؟
قال: وعدت بفضل الله مسلماً، كلما دخلت بلداً صليت في مسجده واجتمعت بإخوتي وأنست بهم، فأكرموني وأنسوا بي، فلما وصلت إلى سمرقند وقرأ الكهنة الرسالة أظلمت عليهم الأرض، وضاقت بما رحبت وقالوا: ما تنفع هذه الرسالة وماذا تغني عنا؟!
ذهبوا بها إلى عامل عمر على سمرقند، فنصَّب لهم الوالي جميع بن حاضر الباجي قاضياً لهم لينظر في شكواهم.
وحدد القاضي لهم يوماً اجتمعوا فيه، ثم قال القاضي: ما دعواك يا سمرقندي؟ قال: اجتاحنا قتيبة ولم يدعُنَا إلى الإسلام، ويمهلنا لينظر في أمرنا، فقال القاضي لخليفة قتيبة، وقد مات قتيبة عليه رحمة الله قال: أنت ما تقول؟
قال: لقد كانت أرضهم خصبة، وأرضهم واسعة، وخشي قتيبة إن هو آذنهم وأمهلهم أن يتحصنوا عليه، والحرب خدعة.
قال واسمعوا إلى ما قال: لقد خرجنا مجاهدين في سبيل الله، وما خرجنا فاتحين للأرض أشراً وبطراً، ثم قضى القاضي بإخراج المسلمين على أن ينذرهم قائد الجيش الإسلامي بعد ذلك وينابذهم وفقاً للمبادئ الإسلامية.
ما ظن أهل سمرقند أن تلك الكلمات ستفعل فعلها، وما غربت شمس ذلك اليوم ورجل من الجيش الإسلامي في أرض سمرقند، فخرج الجيش كله، وبدأ لينذرهم ويدعوهم إلى الإسلام أو الجزية أو القتال، فلما رأى أهل سمرقند ما لا مثيل له في تاريخ البشرية؛ من عدالة تنفذها الدولة على جيشها وقائدها قالوا: هذه أمة حكمها رحمة ونعمة، فدخل أغلبهم في دين الله، وفرضت الجزية على الباقين.
فيا لله! أرأيتم جيشاً يفتح مدينة ويدخلها ويشتكي أهل المدينة للدولة المنتصرة، فيحكم قضاؤها على الجيش الظافر بالخروج، بل هل رأيتم في التاريخ قديماً وحديثاً حرباً يتقيد أصحابها بمبادئ الأخلاق والحق كما تقيد به الجيش الإسلامي؟ والله لا نعلم في الدنيا كلها موقفاً مثل هذا لأمة من أمم الأرض.
والليلُ يشهدُ والكواكبُ والثَّرى وكفى بهم شهداء يومَ الدِّينِ
جمال ذي الأرض كانُوا فِي الحياةِ وهم بعد الممات جمال الكُتْب والسير
стр. 421
لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر
الصفحة التاسعة:
لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر
جاء في إنباء الرواة في ترجمة أبي نصر القرطبي قال: كنا نختلف إلى أبي علي القالي ﵀ وقت إملائه النوادر في جامع الزهراء بـ قرطبة ونحن في فصل الربيع، قال: فبينما أنا ذات يوم في بعض الطريق إذ أخذتني سحابة، فما وصلت إلى مجلس أبي علي إلا وقد ابتلت ثيابي كلها، وحوالي أبي علي أعلام أهل قرطبة، فلما رآني مبتلاً بالماء أمرني بالدنو منه، وقال لي: مهلاً يا أبا نصر! لا تأسف، ولا تأس، ولا تحزن على ما عرض لك؛ فهذا شيء يضمحل عنك بسرعة، بثياب تبدِّلها بغير ثيابك، لكن اسمع -يريد أن يعزيه وأن يسليه على ما أصابه- قد عرض لي -يقول أبو علي عن نفسه- ما أبقى في جسمي ندوباً وجروحاً تدخل معي القبر، لقد كنت أختلف في الطلب؛ يعني في طلب العلم إلى ابن مجاهد رحمة الله عليه فذهبت إليه آخر الليل قبل طلوع الفجر؛ لأقترب منه لأستفيد، فلما انتهيت إلى الطريق الذي كنت أخرج منه إلى مجلسه ألفيته مغلقاً، قال وعسر عليَّ فتحه، فقلت: سبحان الله! أبكِّر هذا البكور ثم أغلب على القرب منه، والله لا يكون ذلك، فنظرت إلى سَرَبٍ بجانب الدار ضيق فاقتحمته، فلما توسطته ضاق بي ذلك السرب وذلك النفق، فلم أقدر على الخروج منه، ولم أستطع النهوض، قال: فاقتحمته بشدة حتى خرجت بعد أن تخرقت ثيابي، وأثَّر السرب في لحمي حتى انكشف العظم، ومنَّ الله علي بالخروج فوافيت مجلس الشيخ على حالتي هذه، فأين أنت مما عرض لي؟ ثم أنشد يقول:
دببتُ للمجدِ والسَّاعينَ قدْ بَلَغُوا جُهدَ النُّفوسِ وألقَوا دُونَهُ الأزرَا
وكابدوا المجدَ حتَّى ملَّ أكثرُهُم وعانَقَ المجدَ مَنْ أوْفَى ومَنْ صبرَا
لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
قال أبو نصر: فسلاني ما حكاه، وهان عندي ما عرض لي من بلل للثياب بجانب ما أصابه، فلازمته حتى مات، فرحمة الله على الجميع.
هم أسلافنا، وندعي الصلة بهم، فهل مجالسنا مجالسهم، وهممنا هممهم؟
لمَّا تَبَدَّلَتِ المَجالسُ أوجُهاً غيرَ الذينَ عَهِدتُ مِنْ عُلمائِهَا
ورأيتُها محفوفةً بِسِوَى الأُلَى كَانُوا وُلاةَ صُدُورِهَا وفَنَائِها
أنشدتُ بيتاً ثائراً متقدماً والعينُ قدْ شرَقَت بجَارِي مائِها
أما الخيامُ فإنَّها كخيامهِم وأَرَى نِساءَ الحَيِّ غيرَ نِسَائِها
يا حسرةً من لي بصفقةِ رابح فِي مَتْجَرٍ والعِلْمُ رأسُ المالِ
يا ويح أهل العلمِ كيفَ تأخَّرُوا والسَّبْقُ كُلُّ السَّبْقِ للجُهَّالِ
فإِلَى إلهِي المُشْتَكَى وبفضلِهِ دونَ الأنامِ منوطة آمَالِي
لله هذه المواقف ما أبلغها! وما أعلى على هام الثُّريَّا مواضعها! وهكذا فليكن الطلب وإلا فلا.
إن هذه الصفحة - أعني الماضية- لتذكِّر بموقف آخر لـ ابن برهان؛ كما جاء في طبقات الشافعية يوم تزاحم الطلاب على بابه حتى صار جميع نهاره، وقطعة من ليله مستوعباً في التدريس، يجلس من وقت السحر إلى وقت العشاء الآخرة، ويتأخر أحياناً بعدها إذا دعت الحاجة لذلك.
ذكر أن مجموعة من طلبة العلم سألوه أن يدرس لهم كتاباً فقال: لا أجد لكم وقتاً، فذكروا أوقاتاً معينة فلم يجد إلا في نصف الليل فوافقوا.
وانظر يا أخي كيف نظم أوقاته للعبادة والطاعة والمنام والمطالعة والحفظ والتدريس والقراءة وهذا شيء مهم جداً يتمكن به العالم وطالب العلم من بلوغ مرغوباته العلمية جميعاً، فلا يطغى مرغوب على مرغوب.
ثم انظر أخي طالب العلم -رعاك الله- إلى هذا الصبر العجيب من هذا الشيخ الجليل على بث العلم ونشره، والاحتساب في أدائه ونقله، ثم انظر أخرى إلى هذا الشوق والحرص المحرق من أولئك الطلبة المحترقين بالعلم الذين لم يجدوا وقتاً ليقرءوا عليه إلا نصف الليل، فأتوا مسرورين وظنوا أنهم محظوظون مكرمون.
ثم انظر لذلك الذي نسي بدنه واقتحم السرب وخرج اللحم عن العظم ليحظى بالقرب من العالم ليستفيد فلله در أولئك المشائخ! ولله در أولئك الآباء والطلبة الأبناء! ما أشد حب أولئك للطلب! وما أصبر أولئك على إشاعة العلم وإيصاله للمتعلمين! أداءً للأمانة ووفاءً بالعهد، وإنا لله من طلبة هذا العصر الذين يستعجلون دق الجرس ليخرجوا من الدرس المؤقت بخمس وأربعين دقيقة، في ألين الأوقات راحة، وأفضلها نشاطاً، وأجمعها ذهناً، من قاعات مبردة صيفاً مدفأة شتاءً، يخرجون يزحم بعضهم بعضاً كأنما يفرون من حريق، أو ينطلقون من سجن ظالم عنيد واهً لهم.
إذا مَا علا المرء رَامَ العُلى ويقنَعُ بالدُّونِ مَنْ كَانَ دُونَا
إذَا رأيْتَ شبابَ الحيِّ قَدْ نشئوا لا ينقلونَ مِدَادَ الحِبْرِ والوَرَقِا
وَلا تَرَاهُم لَدَى الأشْيَاخِ في حِلَق يَعُونَ مِنْ صَالحِ الأخبارِ مَا اتَّسَقَا
فذَرْهُم عنكَ واعْلَم أنَّهُم هَمَجٌ قد بَدَّلُوا بِعُلُوِّ الهِمَّةِ الخَرَقَا
أنتم كأسلافكم ومنْ يشابِه أبَهُ فمَا ظَلَمْ
على المرءِ أنْ يَسعَى إلَى الخيرِ جاهداً وليسَ علَيْهِ أن تَتِمَّ المَقاصِدُ
فانْفُضُوا النومَ وهُبُّوا للعُلى فالعلى وقْفٌ علَى منْ لَمْ يَنَم
أفيقوا لا مجال لخامل ولا سبْقَ إلا للذي يتَقَحَمُ
стр. 422
استراحة
الصفحة العاشرة: استراحة:
في السير للذهبي أن همام بن منبه قعد في مجلس ابن الزبير، وكان هناك رجل من نجران يعظمونه اسمه حنش، كبير السن، وليس له لحية، فقال رجل قرشي في مجلس لـ ابن الزبير لـ همام: من أين أنت؟ قال همام: من أهل اليمن.
قال: ما فعلت عجوزكم؟ يعني كبير السن حنش؟ قال -واسمعوا إلى القول-: عجوزنا أسلمت مع سليمان لله رب العالمين، وعجوزكم يا قريش حمَّالة الحطب، فبهت القرشي، وقال ابن الزبير: أتدري من كلَّمت؟ إنه همام، وله من اسمه نصيب.
وروي أن أبا حنيفة ﵀ كان عند الخليفة العباسي أبي جعفر ومعه الربيع حاجبه، وكان بين الربيع وبين أبي حنيفة بعض سوء فهم، فقال الربيع محاولاً الإيقاع بين أبي حنيفة وأبي جعفر: يا أمير المؤمنين! إن هذا يخالف جدك ابن عباس فلا يجيز الاستثناء في اليمين إلا متصلاً باليمين، فلو استثنى بعد يوم لم يجز له ذلك، فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين! إن الربيع يزعم أن ليس لك في رقاب الناس بيعة، فقال المنصور: كيف؟
قال أبو حنيفة: إنهم يحلفون لك على البيعة، ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل أيمانهم.
فضحك المنصور، وقال للربيع: لا تعرض لأبي حنيفة، وانقلب السحر -كما يقال- على الساحر.
وفي السير للذهبي: أرسل الأمير عيسى بن موسى إلى الإمام الأعمش بألف درهم وصحيفة ليكتب له فيها الحديث، فكتب فيها الأعمش: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، ثم أرسل بها إليه، فلما وصلت إلى عيسى رفعها ونظر فيها وقال: يابن الفاعلة؛ ظننت أني لا أحسن كتاب الله؟! فرد عليه الأعمش قال: وظننت أني أبيع الحديث؟!
وفي السير للذهبي -أيضاً- أنه أتي بـ عبد الرحمن بن عائذ إلى الحجاج، فقال له الحجاج: كيف أصبحت؟ قال: لا كما يريد الله، ولا كما يريد الشيطان، ولا كما أريد، قال: ويحك ما تقول؟
قال: نعم.
يريد الله أن أكون عابداً زاهداً، وأنا أعلم أني لست كذلك، ويريد الشيطان أن أكون فاسقاً مارقاً، وما أنا بذاك، وأريد أن أكون مخلىً في بيتي، آمنا في أهلي، ولم تتركني يا حجاج، فقال الحجاج: أدبٌ عراقي، ومولدٌ شامي، وجيراننا إذ كنا بـ الطائف، خلُّوا عنه.
فخلوا عنه.
وفي السير للذهبي -أيضاً- أن سليمان بن عبد الملك استصغر أبا العلاء؛ مولى من موالي الحجاج؛ وكان مشوهاً ودميماً.
فقال هذا المولى: إنك رأيتني والأمور مدبرة عني، ولو رأيتني وهي مقبلة لاستعظمت ما احتقرت، فقال سليمان: قاتلك الله، ما أسدَّ عقلك! أَتُرى الحجاج يهوي بعد في جهنم أم بلغ قعرها؟ قال: لا تقل ذاك، فإنه يحشر مع من ولاَّه، والذي ولاَّه أبو سليمان، فقال: مثل هذا فليُصْطَنَع.
ودخل أعرابي على سليمان بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين! إني مكلِّمك بكلام فاحتمله وإن كرهته؛ فإن وراءه ما تحب إن قبلته.
فقال: يا أعرابي -وكان عاقلاً- إنا لنجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه، ولا نأمن غشه، فكيف بمن نأمن غشه، ونرجو نصحه؟
فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين! لقد تكنَّفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياهم بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله ولم يخافوا الله فيك، حرب للآخرة وسلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله؛ فإنهم لم يألوا في الأمانة تضييعاً، وفي الأمة خَسْفاً وعَسْفاً، وأنت مسئول عما اجترحوا، وليسوا بمسئولين عما اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك؛ فإن أعظم الناس غبْناً من باع آخرته بدنيا غيره.
فقال سليمان: يا أعرابي! أما إنك سللت لسانك وهو أقطع من سيفك،
قال: أجل يا أمير المؤمنين! ولكن لك لا عليك.
والدين النصيحة، والمؤمنون نصحة، والمنافقون غششه، والنصيحة لك لا عليك.
стр. 423
من أورق بوعد فليثمر بفعل
الصفحة الحادية عشرة: من أورق بوعد فليثمر بفعل:
يروي أهل السير أن عبد الله بن عمر ﵁ أعطى رجلاً من قريش شبه وعد أن يزوجه ابنته، فلما حضرته الوفاة أرسل إليه فزوَّجه إياها، وقال: كرهت أن ألقى الله بثلث نفاق.
إذا قالَ تمَّ عَلَى قولِهِ ومات العناءُ بلا أو نَعَمْ
وبعضُ الرجالِ بمَوعودِه قريبٌ وبالفِعْلِ تحتَ الرَّجَم
كجَارِي السرابِ تَرَى لمعَهُ ولستَ بواجِدِهِ عِنْدَكَم
هذه الصفحة رسالة لي، ولإخوتي معشر طلاب العلم، وللناس عامة؛ أن نتق الله فيما نعد به؛ فكم من أوقات تهدر ومصالح للأمة تتعطل بناءً على مواعيد عرقوب، يعدك الواحد في السابعة ويأتيك إن أتى في العاشرة، أو لا يأتيك ولا يعتذر إليك عن مجيئه، وما هكذا تكون أخلاق المسلم أبداً.
إن عرقوباً المضروب به المثل أصبح واقع كثير منا هذه الأيام.
وما قصة عرقوب؟
يأتيه أخ محتاج سائل فيسأله شيئاً، فيقول: عرقوب: إذا أطلع النخل أعطيتك، فلما أطلع أتاه فقال: إذا صار بلحاً أعطيتك، فلما صار بلحاً أتاه، فقال: إذا أزهى بحمرة وصفرة، فلما أزهى أتاه، فقال: إذا صار رطباً، فلما صار رطبا أتاه، فقال: إذا صار تمراً، فلما صار تمراً خرج إليه في الليل، وقطعه في الليل ولم يعط أخاه شيئاً، فقال ذلك الرجل:
وعدتني ثم لم تُوف بموعدتي فكنت كالمُزْن لم يمطرْ وقدْ رعَدَا
كانت مواعيد عرقوبٍ لنا مثلاً وما مواعيدُهُ إلاَّ الأبَاطِيلُ
فيا أيها المؤمنون عامة! ويا طلبة العلم خاصة! إن وعد الكريم نقد، ووعد اللئيم تسويف، فإن وعدت بخير فأوف، وإن أوعدت بشر فاعف، وإياك أن تلقى الله بخصلة نفاق؛ فإن من آية المنافق أنه إذا حدَّث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا وعد أخلف، والنسيان جائز ومغفور: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
стр. 424
الحق يدفع الباطل
الصفحة الأخيرة: الحق يدفع الباطل:
أورد ابن كثير في البداية والنهاية: أنه في القرن الخامس الهجري زور يهود خيبر إحدى الوثائق -وكثيراً ما يزورون ويغشون ويكذبون ويفترون ويمكرون، وتاريخهم لا يخفى على ذي عين- زعموا في وثيقتهم أن النبي ﷺ أسقط عنهم الجزية، وأقرهم على خيبر، يمكثون فيها ما شاءوا، وكما هو معلوم فقد أخرجهم عمر ﵁ وما أخرجهم عبثاً، فإن النبي ﷺ قال: ﴿أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب﴾.
فحاولوا بهذه الوثيقة الرجوع إلى خيبر، كما يحاولون في كل زمان وبكل الوسائل المتاحة لإطفاء النور، ولن يرضوا حتى تتبع ملتهم، والله متم نوره ولو كرهوا وخططوا ودبروا ومكروا والله خير الماكرين، والعاقبة للمتقين.
زوروا الوثيقة وجاءوا بها إلى الوزير العباسي أبي القاسم بن مسلمة، جاءوا إليه وقالوا: معنا كتاب نبوي بإسقاط الجزية وإقرارنا على خيبر، بكتابة صحابي، وشهادة الصحابة، فنظر الوزير في الوثيقة وفكَّر وقدَّر وتأمل وتملَّى، ثم لم يفصل في المسألة، بل رد الأمر إلى أهله الذين يستنبطونه.
دفع الكتاب -وحسناً فعل- إلى الحافظ الخطيب البغدادي؛ شيخ علماء بغداد ومؤرخها ومحدثها في عصره، فنظر فيها ثم قال: هذا كذب والذي لا إله إلا هو! قال الوزير: كيف ذلك؟ ما دليل كذبها؟ أريد دليلاً.
قال: لأنها بكتابة وشهادة معاوية بن أبي سفيان ﵁ ولم يكن أسلم إلا عام فتح مكة، فكيف يكتب للنبي ﷺ أو يشهد قبل إسلامه بعام، هذه واحدة.
أما الثانية: فإنها بشهادة سعد بن معاذ ﵁، وسعد بن معاذ قد مات بعد الأحزاب وقبل خيبر، فكيف يشهد بعد وفاته بأكثر من عام؟
فبهت الذين كفروا، والله لا يهدي القوم الظالمين، وخابوا وخسروا، أولئك في الأذلين.
وبذلك نقضت الوثيقة، وظهر زيفها وباطلها، ولو جيء بها إلى غير أهلها -العلماء- لوقعت الأمة في شباك أعدائها ولكنه العلم.
العلم يجلو العمى عن قلب صاحبه كما يجلي سوادَ الظلمة القمرُ
وقبل ذلك بعدة قرون يجيء رجل من الخوارج إلى أبي حنيفة ﵀ فيقول له: تب وعد إلى الله، قال أبو حنيفة: مِمَّ؟ قال الخارجي: من قولك بتجويز الحكمين في الخلاف بين علي ومعاوية، والله يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ﴾ [الأنعام:٥٧] ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤].
فقال أبو حنيفة: ألا تقبل أن تناظرني في هذا الموضوع؟ قال الخارجي: قد قبلت.
فقال أبو حنيفة: فإن اختلفنا فمن يحكم بيني وبينك؟
قال الخارجي: من شئت.
قال -وكان مع الخارجي صاحب له آخر- فالتفت أبو حنيفة إلى صاحبه وقال: اقعد فاحكم بيننا فيما اختلفنا فيه إن اختلفنا، فسر الخارجي بكون صاحبه هو الحكم، عندها فاجأه أبو حنيفة قائلاً: أترضى بهذا حكماً بيني وبينك؟ قال: نعم.
فقال أبو حنيفة: إذاً أنت جوَّزت التحكيم، فبهت الخارجي ولم يحر جواباً، وبهت الذين كفروا، والله لا يهدي القوم الظالمين.
العلم فيه حياة للقلوب كما تحيا البلاد إذا ما مسها المطر
وإن نسيت فلا أنسى بالأمس القريب يوم يزور أحد علماء المسلمين مدرسة نصرانية، ويُجري حديثا طويلاً بينه وبين مديرها، فكان مما قاله هذا العالم لمديرها: لماذا تحملون على الإسلام وعلى نبي الله محمد ﷺ في كتبكم المدرسية، وفي اجتماعاتكم بما لا يصح أن يقال في عصر تعارفت فيه الشعوب، والتقت فيه الثقافات كما تدعون؟
فأجاب قائلاً: نحن الغربيين لا نستطيع أن نحترم رجلاً تزوج من تسع نساء؛ يعني رسول الله ﷺ قال: ومن تحترمون من أنبياء الله؟ هل تحترمون نبي الله داود عليه صلوات الله وسلامه؟ قال: نعم.
إنه من أنبياء التوراة، قال: ونبي الله سليمان؟ قال: نعم.
إنه من أنبياء التوراة أيضاً.
فقال العالم المستضيء بنور العلم الساطع، بحجة الحق: إن نبي الله داود كان له تسع وتسعون زوجة، وأكملهن مائة من أجمل فتيات زمانهن، ونبي الله سليمان كما جاء في التوراة له سبعمائة زوجة وثلاثمائة ألف جارية، وكن من أجمل أهل زمانهن، فلم يستحق احترامكم من يتزوج ألف امرأة، ولا يستحق احترامكم من يتزوج تسعاً؛ ثمان منهن ثيِّبات وأمهات، والتاسعة هي الفتاة البكر الوحيدة التي تزوجها طيلة العمر، فسكت الرجل، وألقم الحجر، ولم يُحِر جواباً، والحق يعلو والأباطل تسفل.
أرأيتم إلى العلماء -يا أيها الأحبة- كيف يدفعون الشبه عن الأمة، ويلجمون من يقع في الأنبياء؟ لأنهم ورثة الأنبياء، بل إنهم صمام أمان الأمة ولا شك، إليهم يُرْجع في النوازل والمدلهمات، فضلهم عظيم، وخيرهم جزيل، الحيتان والنمل لهم في البحر والجحور تستغفر، والملائكة بأجنحتها لهم تخضع، والعلماء في القيامة تشفع، حياتهم غنيمة، وموتهم مصيبة، يذكِّرون الغافل، ويعلِّمون الجاهل، لا يتوقع منهم بائقة، ولا يخاف منهم غائلة، بجميل موعظتهم يرجع المقصرون.
الطاعة لهم في غير معصية الله واجبة، والمعصية لهم محرمة، من أطاعهم رشد، ومن عصاهم عند، ما ورد على إمام المسلمين من أمر اشتبه عليه فبقول العلماء يعمل، وعن رأيهم يصدر، وما ورد على ولاة المسلمين من حكم لا علم لهم به فبقولهم يعملون، وعن رأيهم يصدرون، وما أشكل على قضاة المسلمين من حكم، فبقول العلماء يحكمون وبعلمهم وعلى علمهم يعولون.
حجة الله على العباد، ولن تخلو الأرض من قائم لله بحجة: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ﴾ [النساء:١٦٥] هم سراج البلاد، ومنار العباد، وقوام الأمة، وينابيع الحكمة.
هم غيظ الشيطان، بهم تحيا قلوب أهل الحق، وتموت قلوب أهل الزيف، مَثَلهم في الأرض كالنجوم في السماء يُهْتَدى بها في ظلمات البر والبحر، إذا طمست النجوم تحيروا، وإذا أسفر الظلام أبصروا.
فليس ذو العلم بالفتوى كجاهلها ولا البصير كأعمى ما له بصر
لحومهم مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، ومن وقع في العلماء بالسلب، بلاه الله قبل موته بموت القلب.
أحبتي في الله: هذا ما تيسر جمعه من مطوي الصفحات من تاريخ مشرف احتوى على أحداث ووقائع قامت على أكتاف رجال كالنجوم تضيء لمن يسري، وتبدد الظلام، رجال أسسوا حضارة نابعة من عقيدة ليست مسخاً مشوَّهاً من حضارات مشوهة، لم يقيموا حضارتنا على فكر بشري، أو رؤية شخصية، بل أدركوا دورهم وفق ما شرعه الله، فقدموا الإسلام في صورة بناء حقيقي متماسك، في صورة مجتمع ملموس محسوس، في صورة أمَّة واقعية، فلم يتخلوا عن حياتهم، ويقبعوا في زوايا مساجدهم، بل انتشروا في الأرض يدعون بدعوة المرسلين: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٣٢] فكانت حضارة الإسلام التي نعم بها العالم أجمع، حضارة تجمع الدين والدنيا، تحققت بها مطالب البشرية من غير اعتبارات جاهلية لعنصر أو لون أو قومية، أكرمكم أتقاكم.
صفحات مطوية مضيئة وضعتها بين أيديكم مشعلاً ومناراً ومَعْلَماً ومقتدىً مع اشتغال البال، وكثرة الأوزار، فلعل سامعاً ينتفع بها.
جعل الله الجهد نافعاً، وجعلني للحق طالباً، ومن الشر محذراً، وإلى الخير منادياً.
فلئن أُفِدْ أو قد أَجَدتُّ فإنها مطوية من ربنا الباري فَتَح
فالله يجزيكم بأجر وافر ويثيبكم ويزيدكم مِمَّا صَلَح
ويبارك الرحمن في أوقاتكم حتى نرى منكم سواها قد نجح
ثم الصلاة مع السلام لأحمد والآل والأصحاب ما نُور وَضَح
اللهم إنا نسألك بأنَّا نشهد أن لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، نسألك بكل اسم هو لك، ونسألك باسمك الأعظم الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام أن تعز الإسلام والمسلمين، وأن تدمر أعداء الدين، وأن تصلح من في صلاحه صلاح للإسلام والمسلمين، وأن تهلك من في هلاكه صلاح للإسلام والمسلمين.
اللهم ثبِّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، واخلفنا بركنك الذي لا يرام، ولا تهلكنا وأنت رجاؤنا.
يا رب كم من نعمة أنعمت بها علينا قلَّ لك عندها شكرنا، وكم من بليَّة ابتليتنا بها قل لها عندك صبرنا.
يا من قل عند نعمته شكرنا فلم يحرمنا! ويا من قل عند بليته صبرنا فلم يخذلنا! يا من رآنا على المعاصي فلم يفضحنا! يا ذا النعم التي لا تحصى! يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً! هب لنا فرجاً قريباً، وصبراً جميلاً، وأعنَّا على ديننا بدنيانا، وعلى آخرتنا بتقوى، وكن لنا في الآخرة والأولى، وامكر لنا ولا تمكر بنا، وكن لنا ولا تكن علينا، وتول أمرنا، أنت حسبنا ومن كنت حسبه فقد كفيته، حسبنا الله ونعم الوكيل.
وآخر دعوانا أَنِ الحمد لله رب العالمين.
وصلِّ اللهم على نبينا محمد.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 425
جلسة تكريم
إن أفضل عمل في هذه الحياة يقدمه الإنسان لنفسه هو طلب العلم، وعلى طالب العلم أن يعرف كيف يطلب العلم، وما هي الواجبات التي تلزمه، وقد بين الشيخ في هذا الدرس ما يلزم طالب العلم، ثم أتبع ذلك ببيان أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ممارسته من قبل طالب العلم، وأن يكون ذلك بلين وحكمة مع اعتزاز بهذا الدين واستعلاء بمبادئه.
следующие страницы →