Полный текст (977 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
رفيق المسافر لابد أن يكون مؤمناً عاقلاً
أن يكون مؤمنًا: ﴿فلا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي﴾ كما ثبت عنه ﷺ .
ولا يكفي أن يكون مؤمنًا؛ فلابد أن يكون عاقلاً؛ لأن الأحمق قد يثور عليك، فيغضب؛ فيَجْنِي عليك وعليه، ويقعد بك عن الهدف المرسوم، الذي رسمته لك، وصَدَق ونَصَح من قال:
احذر الأحمق أن تصحبه إنَّما الأحمق كالثوب الخلق
كلما رقعته من جانب زعزعته الريح يوماً فانخرق
أو كصدع في زجاج فاحش هل ترى صدع زجاج يرتتق؟
كلا.
стр. 492
رفيق المسافر لابد أن يكون عدلاً حسن الخلق
وأن يكون عدلاً غير فاسقٍ، أقول ذلك لئلا يَجُرَّك إلى فِسْقه، ودَّ صاحبُ الفسق والمعصية لو فسق الناس جميعًا؛ لئلا يصبح نشازًا بينهم.
وأن يكون غير مبتدعٍ، لئلا يلقي عليك الشُّبه فيتشربها قلبك، والقلوب ضعيفة، والشُّبه خَطَّافة كما يقول العلماء.
وأن يكون حسن الخلق غير حريص على الدنيا، وصدق من قال:
شَبِيهُ الشَّيءِ مُنْجَذب إليه
وخير الكلام كلام الله تعالى: ﴿رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ﴾ [النور:٣٧].
إن لم يكن رِفْقَتك بهذه الأوصاف فإنِّي لأخشى ألا تبلغ وِجْهَتَك في سفرك، وأن تكون-أجارك الله- ممن يقول حين لا ينفع ذلك القول: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلا﴾ [الفرقان:٢٨]
قد تفسد المرعى على أَخواتها شاةٌ تند عن القطيع وتمرق
стр. 493
محطات المسافر وهدفه ووجهته
أما محطات الاستراحة: فإن المسافر بطبعه يَكل ويَنْصَب ويَتْعَبُ ويَمل، وراحته وأمنه وسكينته في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه.
من لا يعرفها فحاله كقول القائل:
إن مات مات بلا فقدٍ ولا أسف أو عاش عاش بلا خلقٍ ولا خُلقِ
стр. 494
هدف المسافر ووجهته
أما هدف المسافر وَوِجْهته: فللمسافر وِجْهَة، ومسافر لا يحدد وجهته كالثور -أكرمكم الله- يدور في الساقية ويدور ويدور ويلف، ثم ينتهي من حيث بدأ، أو كالسَّفينة التي تسير في البحر بلا مقصد، تتلاعب بها الأمواج، وتقذف بها الأثباج، ثم تهلك هي وأصحابها.
فما وجهتنا عباد الله؟ إنها جنةٌ عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.
من رام وصل الشمس حاك خيوطها سببا إلى آماله وتعلقا
حُفَّت الجنة بالمكاره، فمن أرادها حقًّا اقتحم المكاره، فمن خلقه الله للجنة لم تزل هداياها تأتيه من المكاره، والمكارم منُوطة بالمكاره، ومن تأمَّل نَيل الدر من البحر، وجده بعد معاناة المكاره، ومن تأمَّل دوام البقاء في نعيم الجنة، علم أنه لا يحصل إلا بنقد هذا العمر ثمنًا له، وما مقدار عمر غايته مائة سنة، منها خمس عشرة سنة صَبوة وجهل، ومنها ثلاثون بعد السبعين -إن حصلت-عجز وضعف، والتوسط نوم، ونصف زمانك أكل وشرب وكَسب، وللعبادات منه زمن يسير.
عمرك محدود فأدرك به بعض الأماني وانتهز واعقل
أفلا يُشترى ذلك الدائم بهذا القليل؟!
خاب -والله- وغُبِن وتَعِس وانتَكَس من باع الجنة بما فيها بشهوة ساعة؛ غَبْن فاحش وخلل، وهوان، تالله ما العَيش إلا عَيش الجنة، حيث اليقين والرضا والمعاشرة لمن لا يُؤذِي ولا يخون، مع تنوع أصناف النعيم.
والذل في دعة النفوس ولا أرى عز المعيشة دون أن يشقى لها
مَن جدَّ وَجَد، ومن سهر ليس كمن رقد، والفضائل تحتاج لوَثْبة أسد، تالله ما هَزُلت فيَستَامها المفلسون، ولا كَسَدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون.
لقد أقيمت للعرض في سوق (مَن يزيد؟) فلم يُرض لها بثمن دون بذل النفوس.
تأخر البطَّالون، وقام المحبون ينظرون أيهم يصلح أن يكون لها ثمنًا، فدارت السلعة بينهم، ووقفت في يد قوم يحبهم ويحبونه، أذلَّةٍ على المؤمنين، أعزَّةٍ على الكافرين.
عرفوا عظمة المُشترَى، وقدر السلعة، وفضل الثمن، وجلالة من جرى على يديه عقد التبايع، فرأوا من الغَبن أن يبيعوها لغيره بثمن بخس، فعقدوا معه بَيعة الرضوان والتراضي، فربح البيع! لا إقالة ولا استقالة:
سعوا للمعالي وهم صبية وسادوا وجادوا وهم في المهود
إنها سلعة الله وكفى، سلعة الله غالية جِدُّ غالية، تحتاج إلى مثابرة، إلى جهد وصبر ومصابرة وتضحية ومغالبة.
ومن هجر اللذات نال المنى ومن أكب على اللذات عض على اليد
يا سلعة الرحمن لست رخيصة بل أنت غالية على الكسلان
يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحد لا اثنان
يا سلعة الرحمن أين المشتري فلقد عرضت بأيسر الأثمان
يا سلعة الرحمن هل من خاطب؟ فالمهر قبل الموت ذو إمكان
يا سلعة الرحمن لولا أنها حجبت بكل مكاره الإنسان
ما كان عنها قط من متخلف وتعطلت دار الجزاء الثاني
لكنها حجبت بكل كريهة ليصد عنها المبطل المتواني
وتنالها الهمم التي تسمو إلى رب العلى بمشيئة الرحمن
فاتعب ليوم معادك الأدنى تجد راحاته يوم المعاد الثاني
فحي على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيم
وحي على روضاتها وخيامها وحي على عيش بها ليس يسأم
стр. 495
الدعوة إلى الله وسيلة تثبيت واتزان
وعلى الطريق وسيلة تثبيت واتزان؛ إنها الدعوة إلى الكبير المتعال، على علم وبصيرة، لأنك في هذا السفر ستجد دعاة على الطريق يريدون أن يجتالوك عن الطريق بالباطل، فإنْ لم تدعُهم إلى الحق الذي تحمله، دعوك إلى الباطل، إنْ لم تَغزُهم بالحق، غزوك بالباطل، إن لم تَعرض عليهم الحق، عَرضُوا عليك الباطل في صورة الحق، فارفع على الطريق: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ﴾ [يوسف:١٠٨].
لا لدنيا أو هوى أو عصبة دون خزي أو نفاق أو خطل
إنها صدق وإخلاص لمن هو يجزي وحده
فارفع على الطريق هذا الشعار، واعلم أن العمل الدَّعويَّ -كما هو معلوم- ميدان واسع، ومجال التحرك فيه بحر لا نهاية له، إطاره الأرض -مُطلق الأرض- وميدانه الإنسان، من غير حد للون ولا لجنس ولا للغة، إنَّها جمع وتأليف على ساحة الإسلام من غير دخل.
والعمل لهذه السعة يحتاج إلى رسم خطط دقيقة إلى دراسات متأنية إلى نَبذٍ للفَوضَوية ولو بحسن نية؛ فالارتجال والفوضى خلل ووهن وجهل واضطراب في التصور؛ لأن الأمة في حاجة ماسة إلى جيل مصلح منقذ، يمارس خدمة الإسلام بأرقى أساليب الإدارة والتوجيه، جيل يتجاوز العشوائية، ويكفر بالغوغائية، ويحتكم إلى حقائق الكتاب والسُّنّة، لا إلى الوهم، ولا ينسى وهو يتطلع إلى السماء أنَّه واقف على الأرض؛ فلا يجري وراء الخيال والأحلام والأماني، ولا يسبح في غير ماء، ولا يطير بغير جناح، جيل واقعي لا يسبح في البَر، ولا يحرُث في البحر، ولا يبذُر في الصخر، كما يقول صاحب: جيل النصر لا ينسج خيوطًا من الخيال، ولا يبني قصورًا في الرمال، ولا ييئس من رَوح الله، ولا يقنَط من رحمة الله، لكنه يعرف حدود قدراته وإمكاناته، فيأخذ بالأسباب، ويدرس مشروعية الوسائل قبل أن يُقدِم على الأحداث.
ولسنا بِدعًا في ذلك يوم ندعو إلى ذلك، فإن رسول الله ﷺ -وهو الأسوة والقدوة- لما هاجر إلى المدينة، خرج بطريقة مدروسة، منظمة، عجيبة، اتخذ فيها كل الأسباب متوكِّلا على ربه.
ويظهر ذلك من خلال ما يلي:
أولاً: الاتصال بالأنصار الذي تمت من خلاله بيعة العقبة الأولى.
ثانيًا: َبعْث النبي ﷺ لـ مصعب بن عمير إلى الأنصار، ليقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في دين الله.
ثالثًا: بيعة العقبة الثانية، التي هي شدٌّ للوثاق والعهد على النصرة في المَنشَط والمَكرَه والعُسر واليُسر، بعد أن استوعب النبي ﷺ درس الطائف قبل ذلك.
رابعًا: أمر النبي ﷺ المؤمنين بالهجرة، حتى لم يبق بـ مكة إلا محبوس أو مفتون.
خامسًا: استبقاء عليٍّ ﵁ في مكة؛ لحاجته إليه في تأدية الودائع عن النبي ﷺ ولمهمَّة تأتي فيما بعد.
سادسًا: اتخاذ الصاحب وهو أبو بكر ﵁ وأرضاه.
سابعًا: انتظار الإذن بالهجرة منه صلوات الله وسلامه عليه.
ثامنًا: إعداد الرواحل ودفعها إلى خريت من قِبل أبي بكر ومُواعدته الغَار بعد ثلاث ليال.
تاسعًا: ذهابه ﷺ إلى بيت أبي بكر في وقت غير معهود منه، وطلبه من أبي بكر إخراج من عنده، ليخبره بإذن الخروج؛ حتى قال أبو بكر ﵁ وأرضاه: إنما هم أهلك يا رسول الله، فأخبره ﷺ بأنه قد أُذِن له بالهجرة.
عاشرًا: تكليف علي ﵁ بالمبيت في فراشه ﷺ يوم أحاط به المشركون ليقتلوه تَعْمِية عليهم.
حادي عشر: اتجاهه إلى الجنوب المعاكس لطريق المدينة، وذلك لتضليل المشركين، مع مكوثهم في الغار ثلاثًا.
ثاني عشر: تكليف صاحبه أبي بكر لـ أسماء ابنته ذات النطاقين ﵂ بنقل الزاد إلى الغار للنبي ﷺ ولأبيها.
ثالث عشر: تكليف أخيها عبد الله بنقل المعلومات إلى النبي ﷺ في الغار أولاً بأول.
رابع عشر: تكليف عامر بن فهيرة مولى أبي بكر ﵁ بالمرور بغنمه مساءً على الغار ليسقي النبي ﷺ من لبن الغنم، وليطمس آثار الأقدام التي تتردد إلى الغار، حتى لا يكتشف المشركون بواسطة القافة من يتردد إلى الغار.
إنَّ الهجرة -أيها الأحبة- أشبه بعملية احتشاد، ومرحلة استنفار، وقاعدة حماية، أخذ فيها المصطفىصلى الله عليه وسلم بكل الأسباب، متوكلاً على ربه، قبل أن يُعلن النفير، وتدق ساعة الصفر كما يقال، ولا غرو، فهو القائل ﷺ كما روى أبو داود بإسناد حسن: ﴿إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم﴾.
كل هذا تعليم منه ﷺ للانضباط في جميع شئون الحياة؛ من سفر وإقامة، مع نبذٍ للفوضوية والارتجال والتخبط ولو حسنت معه النية، والله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١].
بهداه أيها الداعي اقتده وابتغ الأخرى وأخلص في العمل
فأحزم الناس من لو مات من ظمأ لا يقرب الوِرد حتى يعرف الصدرا
стр. 496
إرادة الخير
كأني بك بعد هذا كله، قد حددت وِجهتك، وعرفت طريقك، وأخذت عدَّتك وأُهبتك، واخترت رفقتك، وأخذت بكل أسباب نجاتك في سفرك؛ فدونك هذه الإشارات التي لابد منها، لعلها تغريك بالمسير في الطريق، وتحذرك العقبات التي تصد عن بلوغ الغاية في المسير.
انوِ الخير، واعمل بمقتضى هذه النية؛ فبالنية يتحدد السفر، وتتضح الوجهة، وعلى أساسها يخطط منهج الرحلة، فهي أساس الأمر ورأسه وعموده وأصله، بل هي روح العمل وقائده وسائقه، يصح بصحتها ويفسد بفسادها، يُستجلب التوفيق بها، ويحصَّل الخذلان بعدمها، وبحسب النية تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة، وكل المناهل غير الصدق آسنة.
وسنة الله اقتضت أن من نوى الخير وعمل بمقتضى تلك النية، يوفق ويسدد ويؤيد، ويبلغ من الخير ما يريد، وفوق ما يريد بإذن ربه، يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللهِ﴾ [النساء:١٠٠] ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى:٢٠] ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٩].
ومن نوى الشر وعمل بمقتضى تلك النية، حُرِم التوفيق، وحالفه الخذلان والهوان، وإنْ بدا غير ذلك فإنما هو سراب أو أحلام، لا تلبث أن تنقشع فيظهر المستور، يقول الله جل وعلا: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء:٢٠] ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآَخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦] ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٥].
فانْوِ الخير واعمل بمقتضى تلك النية، فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير: ﴿إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى﴾.
والقصد وجه الله بالأقوال والـ أعمال والطاعات والشكران
وبذاك ينجو العبد من إشراكه ويصير حقا عابد الرحمن
стр. 497
الإخلاص
الثانية: وهي تابعة (خليج صاف أنفع من بحر كَدِر)؛ بمعنى آخر: النوع الثمين لا الكم المهين؛ بمعنى ثالث: من لا يخلص فلا يتعب؛ فهو كالذي يحشو جراب العمل رملاً يثقله ولا ينفعه.
إن من سلك الطريق بلا إخلاص، كالذي يريد كسر الجَوز بالعِهن، أو كمن يحدو وما له بعير، يمد القوس وما لها وتر، يتجشأ من غير شِبع، كالوحشيِّ بلا جبل، لا شك أنه لهدفه لن يصل.
العمل صورة والإخلاص روح، عمل المُرائي بصلة كلها قشور، لباس المرائي نظيف لكن قلبه نجس، الإخلاص مسك والرياء جِيفة.
فاحذر كمائن نفسك اللاتي متى خرجت عليك كسرت كسر مهان
لما أخذ دود القزِّ ينسج الحرير، أقبلت العنكبوت تتشبه وتنسج، ثم نسجت وقالت: يا دودة القز! لي نسج ولك نسج، فلا فرق بين النسيجين، قالت دودة القز: نسجي أردية الملوك، ونسجك شبكة الذباب، وعند مس النسيجين يتبين الفرق.
لَيسَ التَّكحُّلُ في العَينينِ كالكَحَلِ، ومَا كُلُّ دَامٍ جَبِينُهُ عَابِدُ، وفِي عُنُقِ الحسناء يُستَحسَنُ العِقْدُ، والنَّفيسُ نَفِيسٌ أينَما كَان.
ورب كئيب ليس تندى جفونه ورب كثير الدمع غير كئيب
إِذا اشتبهت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى
فأما من بكى فيذوب شوقا وينطق بالهوى من قد تباكى
جماع هذه الإشارة: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠].
стр. 498
طلب العلم والعمل به
الثالثة: العلم الشرعي والعمل به ضرورة للمسافر، به يعرف السهل من الطريق والوعر، به يميز إشارات الطريق وعوائقه، به يعرف الله ويعبد ويذكر ويوحد ويحمد ويمجد، به يعرف الحلال من الحرام، به توصل الأرحام؛ فهو أساس السفر ولابد، بل هو أشرف مطلوب، وأفضل مرغوب، وأنفع زاد يقتنى لمسافر مكدود: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعْلَمُونَ وَالذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] كلا!
لا يكونُ العَليُّ مثل الدَّنيِّ لا ولا ذو الذكاءِ مثل الغَبِيِّ
من تدرع بالعلم حفظ ومنع، وحاز قصب السبق، وارتفع وبرع، ولما كان المجاهد لا يَنْكأُ عدوًا إلا بسلاح وعُدة، فكذلك المعلم والمتعلم والعالم لا يصنع أمة، ولا يكشف غمة، ولا يزيل ظلمة إلا بعلم وعمل، من أثر أو سنة، لقد كان لكم في رسول الله ﷺ أسوة.
ومن لا يربيه الرسول ويسقه لبانا له قد در من ثدي وحيه
فذاك لقيط ما له أي نسبة ولا يتعدى طور أبناء جنسه
العلم وسيلة، والعمل ثمرة، العلم أساس البناء، والعمل ثمرة الغراس، والبناء من غير أسس لا يبنى، والثمر من غير غرس لا يجنى، فاعلم أخي ولا تنس:
فلا تنفع الخيل الكرام ولا القنا إذا لم يكن فوق الكرام كرام
стр. 499
العمل أبلغ من القول
العمل أبلغ من القول: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] والناس أبناء ما يُحسنون، وفعل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل، ومهما كان العالم وطالب العلم والداعية فصيحًا بليغًا مؤثرًا بارعًا؛ فإن كلامه وعلمه لا يتجاوز الآذان، ما لم يعمل به، حتى إذا ما عمل به دبت فيه الحياة، دبت في كل كلمةٍ ينطق بها، واتجهت كل جملةٍ كأنها قذيفة؛ ترهف آذان الغافلين، وتوقظ ضمائر المتغافلين، وتصبح دروسه وخطبه ومواعظه برنامجًا عمليًا يتقبله الناس راضين به، عاملين مذعنين، فلا يغني العلم شيئاً لوحده؛ لأن العلم لا يعْلِّم وحده، إنما هو بمن يحمله ويعلمه.
وعادة السيف أن يزهى بجوهره وليس يعمل إلا في يدي بطل
والذين يعلمون ثم لا يعملون، أو يعملون بخلاف ما يقولون ويعلمون، بئس ما يصنعون، إنما هم أوعيةٌ للعلم، يسيرون ثم لا ينفعون، بل قد يضرون.
جلسوا على باب الجنة -كما يقول ابن القيم - يدعون الناس إليها بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، كلما قالت أقوالهم: هلموا اسمعوا، قالت أفعالهم: افْرَنْقعوا لا تسمعوا، لو كان حقًا ما يدعون إليه لكانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة هُداة مُرشدون أدلاء، لكنهم في الحقيقة قطاع طرق، أذلاء وما هم بأجلاء، بئس ما يصنعون: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمْ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ﴾ [الجمعة:٥].
ما يغني عن الأعمى نور الشمس لا يُبْصرها، وما يُغني عن العالم كثرة العلم لا يعمل به، إنَّما هو كالسراج يُضيءُ البيت ويحرق نفسه، عليه بُوره، ولغيره نوره، يَحق عليه قول القائل:
فأَسعدت الكثير وأنت تشقى وأضحكت الأنام وأنت تبكي
خير من القول فاعله، وخير من الصواب قائله:
ومن العجائب والعجائب جمة قرب الوصول وما إليه سبيل
كالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ [النساء:٦٦] أي: عملوا بمقتضى ما علموا: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لآَتَيْنَاهُم من لدُنا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مسْتَقِيمًا﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨]
وكم من قدوات ظاهرًا لم تعمل بمقتضى ما علمت فسقطت، وتكشفت على الطريق، فيما بين غَمْضَة عينٍ وانْتِبَاهتها، لعل ابن عيينة ﵀ كان يعنيها بخطابه يوم يقول: لا تكونوا كالمُنْخل يخرج الدقيق الطيب، ويُمسك النُخَالة؛ تخرجون الحكمة من أفواهكم ويبقى الغل في صدوركم، إن من يَخُوض النهر لابد أن يصيب ثوبه، وإن اجتهد ألا يصيبه؛ فويْحَكم ثم ويْحَكم ثم ويحكم.
أيها العالم إياك الزلل واحذر الهفوة فالخطب جلل
هفوة العالم مستعظمة إن هفا أصبح في الخلق مثل
إن تكن عندك مستحقرة فهي عند الله والناس جبل
أنت ملح الأرض ما يصلحه إن بدا فيه فساد وخلل
стр. 500
الاهتمام بأجل العلوم
أيها المسافر على علم: لا تشغل نفسك بأدنى العلوم دون أسماها وأعلاها، وأنت قادر عليها، فإنِّي لأَرْبَأُ بك أن تكون كزارع الذُّرة في الأرض التي يجود فيها البُر، أو كغارس الشَعْراء حيث يَزُكو النخل والزيتون، فتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ثم أَصِخْ سمعك للشوكاني ﵀ وهو يخاطبك فيقول: اسْتَكثِر من العلم الشرعي زادًا لك ما شئت، وتبحَّر في الدقائق مخلصًا ما استطعت، وأجب من عَذلك أو خالفك بقول من صدقك.
أَتانا أن سهلا ذم -جهلا- علوما ليس يعرفهن سهل
علوما لو دراها ما قلاها ولكن الرضا بالجهل سهل
стр. 501
الدعوة قرينة العلم والعمل
أما إذ قد عَلِمْت وعملت؛ فإنَّ من مُقْتضى العمل أن تدعو غيرك إلى الحق الذي عرفته بالحُجَة والبرهان وعلى بصيرة، وهدفك إخراج نفسك ومن تدعوهم من الظلمات إلى النور، من الانحراف إلى الاستقامة التي تنال رضا الله بها في الدنيا والآخرة.
إن الحاجة إلى الدعوة ماسة؛ لأن العقول لا تستطيع وحدها إدراك مصالحها التي تَكْفل لها السعادة في الدنيا والآخرة؛ لأنها لا تُهْدى وحدها إلى تمييز الخير من الشر، فكثيرًا ما يبدو لها الشر في لباس الخير فتقع فيه، وكثيرًا ما يظهر لها الخير في صورة الشر فتعرض عنه: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦].
فمهما توسعت آفاق الإنسان ومداركه ومعارفه؛ فإنه يبقى قاصرًا محدودًا، ومن ثَمَّ كان لابد من الدعوة على أيدي الرسل وأتباعهم، فإذا اتَّضح الهدف، سِرتَ في هذه الحياة على هُدًى، وعندها بادِر بعمل دءوب في طموح وجدية، وأقدم بقوة تستشعر قول الله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢].
وقوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٩٣].
إذا كان ما تنويه فعلاً مضارعاً ألا فاجعلنه ماضياً بالجوازم
في ثباتٍ ومسارعةٍ: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه:٤٢] ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠].
في تدرجٍ واعْتِدَال وأَنَاة ومُداومة: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٦ - ٧]
في شجاعة وعدم تَهَيُّبٍ وتردُّد.
ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر
في بصيرة وفرقان بإتقان: ﴿أدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨].
في استشارة حازم: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩].
في عزيمةٍ وتصميمٍ مع تَوَكُلٍ دون تسفيه رأي أو إنقاص قدر: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [آل عمران:١٥٩].
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمةٍ فإن فساد الرأيِ أَن تترددا
إذا كنت ذا عزم فأَنفذه عاجلا فإن فساد العزم أن يتقيدا
إذا هَمَمْت فبادر، وإذا عزمت فثَابِر، واعلم أنه لا يُدرِك المفاخر من رضي بالصف الآخر.
ما كل من طلب المعالِي نافذا فيها ولا كل الرجال فحولا
وعلى الطريق نضع لك حادييْن مرغبيْن حافزيْن: أحدهما قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣].
وثانيها: قول رسول الله ﷺ -كما في صحيح مسلم -: ﴿من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا﴾.
إن هدى الرحمن شخصاً واحداً بِك خير لك من حُمْر الذرى
وهو خير لك عندَ الله مما بدا للشمس أوقد نورا
﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْرِ النِّعم﴾
فإن لم ينفع الحاديان، فعلى الطريق وَعِيدان مُرَهِّبان مُحَذِّران علهما أن يثيرا في نَفْسك الإحساس بخطر الفُتُور والتهاون والكتمان؛ أحدهما: ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: [[لولا آيتان في كتاب الله ما حدثتكم شيئًا: ﴿إِنَّ الذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠]]].
وثانيهما: ما ثبت أن النبي ﷺ قال: ﴿من كتم علمًا يُنتفع به جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار﴾.
فهل يجوز سكوت أو يستساغ نمير
والخطب خطب عظيم والأمر أمر خطير
فإن لم يحرك فيك الوَعد ولا الوعيد، ولا التَّرغيبُ ولا التَّرهيب -إذ تبلد الإحساس- فلا مساس، فقف على أخبار أصحاب الأهداف علَّك أن تتشبه بهم، فيثور فيك الحماس على أساس.
стр. 502
نماذج من الصحابة في علو الهمة تشحذ العزائم على العلم والعمل والدعوة
في مؤتة خرج جيش رسول الله ﷺ وعليه زيد وجعفر وابن رواحة رضي الله عن الجميع؛ هدفهم إنْ هي إلا إحدى الحسنييْن؛ إما النصر أو الشهادة في سبيل الله؛ فلما ودعهم المسلمون قالوا: صحبكم الله بالسلامة، ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين، فقام عبد الله بن رواحة وقال:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذاتَ فرغ تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي يا أرشد الله من غاز وقد رشدا
ولما رأى المسلمون جموع الروم جموعًا كبيرة نظروا في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ نخبره بعدد عدونا، فقام ابن رواحة فقال: يا قوم! والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون، وما نقاتل الناس بعدد ولا عدة، إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلِقوا؛ إنْ هي إلا إحدى الحسنيين.
تلذ له المروءة وهي تؤذي ومن يعشق يلَذُّ له الغرام
فقاتل القوم وعليهم زيد، فلم يزل يقاتل، حتى شاط في رماح القوم، وخرَّ صريعًا ﵁ وأرضاه.
أخذ الراية جعفر فقاتل بها، حتى إذا أرهقه القتال، اقتحم عن فرسه فعقرها لئلا ينتفع بها العدو، ثم قاتل، وهو يقول:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أَنسابها
علي إذ لاقيتها ضرابها
فقُطعت يمينه، فأخذ الراية بيساره، فقطعت، فاحتضن الراية، حتى قتل كالأسد؛ رحمة الله على ذاك الجسد.
ثم أخذها ابن رواحة كالليث، ونالته الجراح، وأي جراح؛ فحاله:
هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت
يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حياض الموت قد صليت
وما تمنيت فقد لقيت إن تفعلي فعلهما هديت
وإن تأخرت فقد شقيت
ثم قام ثابتًا ﵁ وأرضاه حتى قتل، فأخذ الراية سيف الله خالد ففتح الله على يديْه.
أخرجوا الدنيا من قلوبهم، وقطعوا أسباب التعلق بها عن أنفسهم، فكان الاقتحام، وكانت الشهادة، وكان الفوز بالجنة، وهكذا أمر العاقل اللبيب، لا يبيع الياقوت بالحصى، ولا يرى لنفسه ثمنًا إلا الجنة.
الطريق شاق وتكاليفه عوائق، فمن لم يجمع همته، ويعلي إرادته، ويقوي عزيمته، ويتخفف من دنياه؛ فلن يستطيع بلوغ أهدافه وغايته:
ومنْ تكن العلياءُ همَّة نفسهِ فكل الذي يلقاهُ فيها محبَّبُ
ولم يتأخرْ من أراد تقدُّمًا ولم يتقدم من أراد تأخُّرا
ويذكر الذهبي في سيره أن نور الدين الشهيد، لما نزل الصليبيون دمياط، بقي عشرين يوماً صائمًا لا يفطر إلا على الماء، فضعف وكاد يتلف، ولما الْتقى العدو، وخاف على الإسلام، انفرد في ناحية من الجيش، ومرَّغ وجهه في التراب، وقال: يا رب! من نور الدين؟! الدين دينك، والجند جندك، وافعل يا رب ما يليق بكرمك، فنصره الله نصرًا مؤزرًا.
كان ذا همة عالية، كان هدفه وهاجسه فتح بيت المقدس وتطهيره من الصليب، قام في حلب بعمل منبر عظيم، لينصبه في بيت المقدس حينما يفتحه، وكان الناس يسخرون منه يوم يمرون عليه وهو يفعل ذلك، فلم يلتفت إليهم، وحاله كحال نبي الله نوح يوم يصنع الفلك، وكلما مر عليه ملأ سخروا منه، كان يريد بذلك المنبر بث الروح وبعث الهمم وتبديد اليأس المخيم على القلوب، ولقد حقق الله له أمنيته، وفُتح بيت المقدس ونُصب فيها منبره بعد وفاته، نصب على يديْ تلميذه صلاح الدين، وكان بين عمل المنبر وحمله ما يزيد على عشرين سنة.
والسيف يبلغُ ما لا تبلغ الكلمُ
هذي العزائم لا ما تدَّعي الخطب هذي المكارم لا ما قالت الكتب
وهذه الهمم اللاتي متى خطَبَتْ تعثرت خلفها الأشعار والخُطبُ
والصارم العضب الذي فتح الورى ما زال في يد أهله مسلولا
стр. 503
خذ العبرة من همم أهل الدنيا
إن لم يحرك فيك الوقوف على سير أصحاب الأهداف السامية ساكناً -إذ صرت جلمودًا عمودًا صخرًا- فانظر إلى أهل الدنيا في دنياهم، وخذ منهم حافزًا لذلك، كيف يكدحون ليلهم ونهارهم في تعاملهم مع الدرهم والدينار؟
أفلا حياء من الله أن يكون هؤلاء أعظم تجلدًا منك، وأنت تتعامل مع الله الكبير المتعال، ثم تتقاعس؟!
إذا فقد الإنسان صدق انتمائه وأضحى بلا قلبٍ فليس بإنسان
أعمى أصمُّ عن الحقيقة أبكم بالنوم في الفرش الوثيرة تغرم
والصمت كهفك والظلام مخيِّم
تدعى ولكن الذي يدعى سها أمسى على ماء التخاذل يهرم
من أنت يا هذا أما لك في الورى عقل يفكر في الأمور فيحسم؟
إني لأرجو أن أراك مزمجرا أنا مؤمن بمبادئي أنا مسلم
قد قمت أرقى في مدارج عزتي علمي دليلي والعزيمة سلم
ذهب الرقاد فحدثي يا همتي أن العقيدة قوة لا تهزم
لغة البطولة من خصائص أمتي عنا رواها الآخرون وترجموا
من ذلك الوقت الذي انتفضت به بطحاء مكة والحطيم وزمزم
منذ التقى جبريل فوق ربوعها بمحمد يتلو له ويعلم
صلى الله وسلم على نبينا محمد.
فلا تستشرْ غير العزيمةِ في العُلى فليس سواها ناصح ومشيع
стр. 504
انظر إلى جد الكافرين واجتهادهم وهم على باطل
فإن لم يحرك فيك أهل الدنيا وكدحهم في دنياهم شيئًا، فانظر إلى الكفار، إلى حطب جهنم، كيف يلهثون وراء أهدافهم المؤقتة، ويتفانون لها مع أنه لا عقبى لها!
هاهو مخترع الكهرباء يترك المدرسة بعد أن وصفه معلمه بأنه ليس مؤهلاً للاستمرار في المدرسة، وتذهب أمه إلى المدرسة متألمة لمواجهة معلمه، لتقول له: إنك لا تعرف معنى ما تقول، وكل المشكلة أن ابني أذكى منك.
ثم أخذته وعلمته في بيتها، حتى أعطته من علوم الدنيا وعلوم المادة ما يستطيع أن يستمر به؛ فلم يُفَلَّ عزمه مع طرده من المدرسة؛ بل تراه يثابر ويكافح ويبدأ في تجاربه، ليخترع المصباح الكهربائي بعد تسعة آلاف تجربة، بعمل يتراوح ما بين ثمان عشرة ساعة وعشرين ساعة في اليوم، في جَلَد عجيب، ثم لم يتوقف بعدها؛ فالنجاح -دائماً- يجر إلى النجاح، فينطلق في عشر سنوات أخرى من البحث والجهد في تجارب بلغت خمسين ألف تجربة، بتكلفة ثلاثة ملايين دولار، ليخترع بطارية السيارات وأجهزة الإشارة في السكك الحديد والإضاءة في الغواصات، ويُسأل: متى الإجازة يا أديسون؟
قال: في اليوم الذي يسبق جنازتي.
فهل استفاد أديسون من إضاءة المصباح واختراع البطارية؟
هل استفاد فائدة؟
نعم.
إنه استفاد شهرة ومالاً، لكنها مؤقتة تزول وتنتهي، لا تنفعه عند الله؛ لأنه لم يقل يومًا من الأيام: (رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] أفلا حياء من الله أن يكون كافر مثل هذا أشد تجلُّدًا لأهدافه المؤقتة الوضيعة من مؤمن يؤمن بالله والدار الآخرة؟! خيبة وخسارة وخذلان!
فأدنى الفوارس من يُغِيرُ لمغنمٍ فاجعل مغارك للمكارم تكرم
أيها المؤمنون لا تتوانوا فالتواني وسيلة للتباب
وإذا المصلحون في القوم ناموا نهضت بينهم جيوش الخراب
فإن كنت مع هذا كله لم تتحرك -إذ أنك زمن الهمة، مقعد العزيمة، بليد الذهن- فيحق عليك قول القائل:
يخبرني البواب أنك نائم وأنت إذا استيقظت أيضا فنائم
стр. 505
لا تبرر قعودك
فإن لم يحرك فيك ما مضى ساكنًا، فلا تبرر قعودك، ولا تبرر ضعفك، ولا تبرر خَوَرَك؛ فإن ذلك أقبح من ضعفك، وأشنع من خورك وقعودك، لكن سلِ الله أن يرفع ما بك؛ فهو خير لك.
يجلس بعض المتخاذلين عن تبليغ دين الله ونَشْرِه شبعان ريان، متكئًا على أريكته، حتى إذا ما طلب منه نصرة دينه -ولو بكلمة- أو كُلِّف بأبسط مهمة لخدمة دينه، انبرى يتهرب من المسئولية، ويورد لك الأدلة الصحيحة التي تدل على أن واقع المسلمين سيكون ضعيفًا وسيئًا في المستقبل ولابد من العزلة، فيوقعها على حاله، فإذا به ينبري ويقول: في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال: ﴿يوشك أن يكون خير مال المرء المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن﴾، ويقول ﷺ -كما ثبت في صحيح البخاري -: ﴿ما من عام إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم﴾، وهكذا دواليك، يبرر قعوده ولا يعمل بمقتضى الحديث الذي لا ينطبق على زمانه حقًا، ولم يفهمه في ضوء النصوص الأخرى؛ فأول ما يجني عليه اجتهاده، تعود نقض العزائم فحيل بينه وبين الغنائم.
ويجلس الآخر شبعان ريان، متكئًا على أريكته، حتى إذا ما عاتبته في التخاذل عن تبليغ دين الله واستغراقه في اللهو والترف، انطلق كالقذيفة مرددًا: ﴿يا حنظلة! ساعة وساعة﴾ وكأنه لا يعرف من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ غير هذا:
ما لم تقم بالعبء أنت فمن يقوم به إذن
إن الذين لا تغلي دماؤهم، ولا تلتهب نفوسهم، ولا تهتز مشاعرهم لخدمة هذا الدين، لا يُعقد عليهم أمل، ولا يُناط بهم رجاء: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل:٢١]، والميت لا يحس بالأوجاع: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل:٢١].
إن النائم يوقظ، والغافل يُذكَّر، ومن لم يُجْدِ فيه التذكير ولا التنبيه فهو ميْت، إنما تنفع الموعظة من أقبل عليها بقلبه: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلا مَن يُنِيبُ﴾ [غافر:١٣].
стр. 506
بذل الجهد واستفراغ الوسع
الرابعة: إنما عليك الجهد، افعل وسعك وطاقتك وما تستطيع الدوام عليه؛ لئلا تنقطع في الطريق: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وإذا صلحت المقاصد لم يخب القاصد.
على المرء أن يسعى إلى الخير جاهدا وليسَ عليه أن تتم المقاصد
стр. 507
التعاون على الخير والاستفادة من الطاقات
الخامسة: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقَوَى﴾ [المائدة:٢] المؤمنون جماعة واحدة، ويد واحدة، وجسم واحد، وبنيان واحد، والجميع مسئولون عن تبليغ دين الله على سبيل التعاون والتآزر والتضامن، مع السعي الجاد إلى تغيير واقع الأمة، ونقلها من مجرد الإحساس إلى الوعي بأسباب الواقع والطريق إلى إخراجها من ذلك الواقع.
التعاون من أجل تمكين منهج الله في الأرض قاطبة مطلب وضرورة، تجعل كل فرد يضاف إلى الآخر، ثم تُستثمر كافة العقول والسواعد والدقائق: ﴿والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا﴾ وكل يستفيد من الآخر، وإذا عنَّ بحر لا يجوز التيمم، والخيط الواهي إذا انضم إليه مثله، أضحى حبلا متينًا يجر الأثقال.
стр. 508
تعاون فريد بين أعمى ومشلول
ذكر صاحب مواقف إيمانية أنه في حج سنة خمسة وتسعين وثلاث مائة وألف للهجرة رأى آلاف الحجاج منظرًا يثير المشاعر، ويستجيش المدامع، شاهدوا حاجَّيْن؛ أحدهما أعمى قادر على المشي، والآخر مشلول بصير العين، أراد الأعمى أن يستفيد من بصر المشلول، وأراد المشلول أن يستفيد من حركة الأعمى، فاتفق الحاجَّان على أن يحمل الأعمى المشلول؛ فالحركة من الأعمى، والتوجيه من المشلول، وقاما بتأدية المناسك على مشقة وجهد يعلمه الله؛ فالأمر ليس هيِّنًا، وكلكم يعلم، عند الطواف زحام، وعند السعي زحام، وعند رمي الجمار زحام، وفي كل مكان زحام، لكن العزيمة الصادقة والثقة بالله العظيم ورجاء ما عنده ينسي المتاعب والمكاره والمشقة.
أدَّوا فريضتهم ضاربين أروع الأمثلة في التعاون والاستفادة من الطاقات، هذا كله في تعاون اثنين؛ فكيف لو تضافرت جهود أمة بطاقاتها ومواهبها وإمكاناتها في خدمة دينها؟! كيف يكون الأمر؟ لا شك أنه سيكون:
كالبحر يقذف للقريب جواهراً جوداً ويبعث للبعيد سحائبا
стр. 509
التعاون سنة من سنن الله في خلقه
إن التعاون طريق إلى البناء والنجاح، ونظرة يلقيها المرء على خلق الله تؤكد هذا الأمر.
أمة النحل أمة عجيبة، طائفة من أمة النحل تبني البيوت، وطائفة تنظفها، وطائفة تحرسها وتحميها، وطائفة تدل على مواضع الأزهار، وطائفة تمتص الرحيق لتأتي به، وتخرج العسل اللذيذ: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وِلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام:٣٨].
والنمل تبني قُراها من تماسكها والنحلُ يجني رحيقَ الشهدِ أعوانَا
إن يدًا واحدة لا تصفق -كما قيل- حتى إذا لم يبقَ إلا تلك اليد، أدَّت ما عليها غير ملومة، وحالها:
إذا عزَّ في قومي المسعفون فإنك يا خالقي مُسعفِي
فما أنا بالمستسيغ القعودَ ولا أنا بالشارد المسبحِ
стр. 510
تعاون الجم الغفير في صنع رغيف الخبز
يقول صاحب: " شخصية المسلم ": رغيف الخبز على الرغم من صغر حجمه، لا يصل إلى الإنسان إلا بعد عمل عشرات بل مئات من البشر، تعاونت على تجهيزه وإعداده وتقديمه، ومن كان في شك من ذلك، فليسأل نفسه: من حرث الأرض؟ ومن بذر الحَب؟ ومن سقاه بالماء؟ ومن نظف الحشائش عنه؟ ومن حرثه؟ ومن حصده؟ ومن نقله إلى الجرن؟ ومن طحنه؟ ومن خبزه؟ ومن بالنار سواه؟ ومن إلينا حمله؟ ومن قدمه؟ ومن ومن أسئلة كثيرة، هذا الجهد في أمر رغيف خبز؛ فكيف بالأمر في خدمة دين الله، والتمكين له في بناء النفوس، وفي صنع الرجال، في كشف الظلم، في إنارة البصائر؟
إنه يحتاج إلى تضافر طاقات وقدرات، مع صبر ومصابرة وثبات: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ﴾ [التوبة:٧١] فهيا إلى التلاحم، وهيا إلى التعاون، وهيا إلى التآزر.
فالنصر لم ينزل على متخاذل والرزق لم يُبعث إلى متواكل
ولنترك اللوم والتوبيخ؛ فاللوم لا يحرك ولا يجمع، والتفتيش عن الثغرات التي يدخل منها الداء أولى، وعند كلٍ من الهموم ما يكفيه، وليس بحاجة إلى مُعكرٍ إضافي، فليحوِّل كل منا أخاه إلى داعية معه، يحمل هَمَّ الدعوة ويتبنى أفكارها، وحاله يهتف ويقول:
أمتي في كل أرضٍ أنتم خير الأمم
فاجمعوا أشتات أنها ركم في غمر يم
تنشروا الخير الأعم تبلغوا العمر الأشم
وتكونوا سادة الدنيا وفرسان القمم
وما ذلك على الله بعزيز.
стр. 511
المداومة والاستمرار في العطاء
السادسة: إنما السيل اجتماع النقط؛ بمعنى داوِم ولو على القليل "قليل دائم خير من كثير منقطع"، والديمومة والاستمرار في العطاء تجعل العمل -وإن كان ضئيلاً- أصيلاً مستطاعًا مذللاً، يُقام به في غير ما عَنَتٍ، ليس المهم قدر العمل بقدر الاستمرار في أدائه؛ فالقطرة الدائمة تصبح سيلاً عظيماً.
стр. 512
ثمرات المداومة على الأعمال
أما ترى الحبل بطولِ المدى على صليب الصخر قَد أثرا
والشيء بثمرته يقدر ثمنه ويعرف ثمنه، ومن ثمرات المداومة ما يلي:
١ - نيل محبة الله التي هي غاية منى المؤمنين، الذين هم أشد حبّاً لله.
من أين أخذت هذا؟
من الحديث القدسي الذي رواه البخاري: ﴿وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه﴾، وإذا ما حصلت محبة الله فالنتيجة: ﴿فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه﴾ وفوق هذا ما رواه الشيخان: ﴿إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحبه؛ فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض﴾.
أهيب بقومي إلى المكرمات ألا هل ملب ألا هل مجيب
٢ - ترويض النفس على مكابدة الهوى، حتى تعتاد الخير؛ فالنفس من طبعها حب التفلت والانطلاق، لكنها إذا رُوِّضَت ذلَّتْ، واستجابت إلى ما تكره، فتمزق حُجب البَطالة، وتقفز على أسوار المكاره، وتستمر على ما رُوِّضَت عليه، وتداوم دون كلل ولا ملل حتى وإن استغرقت هذه المداومة العمر كله.
يقول أحد أهل السلف: عالجت لساني عشرين سنة قبل أن يستقيم لي، ويقول: عالجت الصمت عما لا يعنيني عشرين سنة قبل أن أَقْدِر منه على ما أريد، وجاء عن التابعي الجليل ابن المنكدر ﵀: كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت لي.
وما يردع النفس اللَّجوج عن الهوى من الناس إلا حازمُ الرَّأي كامِله
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى فإن أُطمعت تاقت وإلا تسلَّتِ
٣ - الأمن من الحسرة عند المرض أو العجز أو الفتنة؛ فالمُداوم حين يُحال بينه وبين العمل يجري له ما كان يعمل، يعرف هذا مما ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال: ﴿إذا مرض العبد أو سافر كُتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا﴾ فلا حسرة ولا ندم.
٤ - تربية النفس على أخذ معالي الأمور، وعدم الرضا بالدُّون، ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال: ﴿أحب الأعمال إلى الله أدومُها وإن قلَّ﴾.
٥ - إملال الشيطان وإضعافه، وقطع الطرق عليه، يقول الحسن ﵀ -كما في الزهد لـ ابن المبارك: إذا نظر إليك الشيطان، فرآك مداومًا على طاعة الله، فبغاك وبغاك، فرآك مداومًا ملَّكَ ورفضك، وإن كنت مرة هكذا، ومرة هكذا، تتقدم خطوة، وتتأخر خطوتيْن -كما يفعل البعض- طمع فيك.
هذه بعض ثمرات المداومة على العمل، ومن عرف للثمرة قدرها؛ بادر إلى الشجرة لقطفها.
стр. 513
نماذج من السلف في المثابرة على الخير
يقال لـ ابن المبارك: إلى متى تطلب العلم؟
قال: حتى الممات إن شاء الله.
وقال له آخر: إلى متى تكتب العلم؟
قال: لعل الكلمة التي تنفعني لم تكتب بعد.
والأعمش يروي عنه وكيع أنه لم تفُتْه تكبيرة الإحرام مع الإمام سبعين سنة، ويقول: اختلفت إليه أكثر من ستين سنة، فما رأيته يقضي ركعة.
من منا يلقى الله، وقد أدرك التكبيرة الأولى مع الإمام أربعين يومًا، مع أن له براءتين؛ براءة من النفاق، وبراءة من النار؟! فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون!
روى الجماعة عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلة أو ليلتيْن إلا ووصيته مكتوبة عنده، يقول ابن عمر: والله ما مرت عليَّ ليلة مذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك إلا ووصيتي عندي﴾.
إذا فعلوا فخير الناس فعلاً وإن قالوا فأكرمهم مقالا
ترى جداً ولست ترى عليهم ولوعًا بالصغائر واشتغالا
ويُروى أن حمدون بن حماد بن مجاهد الكلبي ﵀ كان يقول: كتبت بيدي هذه ثلاثة آلاف وخمسمائة كتاب، ولعل الكتاب الذي أدخل به الجنة لم يُكتب بعد.
لعل هذا مما يعين على المداومة على العمل، كلما عملت عملاً قلت: لعل هذا لا يبلغني الجنة؛ فإلى آخر وإلى آخر، حتى تلقى الله على ذلك، فربك أغفر وأرحم سبحانه! فجاهد نفسك وداوم على العمل: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩].
стр. 514
الصبر واليقين
السابعة:
إنما الأخطار أثمان المعالي ربما الأجسام صحت بالهزال
بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤].
والعبقرية حرمان وتضحية وليس ينبغ إلا كل صبار
إن حمل الدعوة إلى الناس وجعلهم يؤمنون بها ويثقون ويتأثرون عملية صعبة شاقة تحتاج إلى صبر وثبات، وإن المضي في طريق الدعوة ليس بأمر هيِّن، ولا طريق ميسور؛ بل لابد من عزم وقوة وصبر وثبات، لا يُؤْتَاه إلا من نذر نفسه لله غير مبالٍ بما سواه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَم الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢].
والصبر يوجد إن باء له كُسِرت لكنه بسكون الباء موضوع
والله قد وجَّه نبيه ﷺ في المرحلة المكية إلى الصبر والجلد وقوة التحمل، فقال: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا﴾ [المزمل:١٠] وقال: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُؤْقِنُونَ﴾ [الروم:٦٠].
الصبر تفاؤل دائم، حتى لو ضربت الجاهلية أطناب الأرض؛ فلا يسوغ بحال الانسحاب من الميدان؛ إذ يخلو الجو للشيطان، يَكِر الجراد على الحَرث فيلتَهمه، وقد تُغِير اللصوص عليه فينتهبونه؛ فلابد من صبر وصمود وثبات حتى ينبت ويثمر العود.
ولست بخالعٍ درعي وسيفي إلى أن يخلع الليل النهارا
كل لذة منقطعة عند أول غمسة في جهنم، وكل بؤس وشقاء ينقطع عند أول غمسة في الجنة، وللباطل جولة ثم يذهب هباءً، والحق له صولة وهو أنفع، وله البقاء.
فإذا ادلهم الخطب، واشتد الظلام، فارتقب بزوغ الفجر، وتبين الخيط الأبيض من الأسود من الفجر، ثم اصبر وصابر؛ فإن العاقبة للمتقين، وخاب المُبْطِلون، وبشِّر الصابرين، واصبر على ما يقولون.
لا يفزعنك هول خطب دامس فلعل في طياته ما يسعد
لو لم يمد الليل جنح ظلامه في الخافقين لما أضاء الفرقد
стр. 515
التمهل وعدم العجلة
الثامنة: تمهَّل ولا تعجل في دعوةٍ أو حكم يوشك أن تصل، إن من سنن الله في النفس أنها لا تضحي ولا تبذل، إلا إذَا عُولِجت من داخلها، وتجردت من حظوظها، وأدركت فائدة التضحية والبذل، وذلك لا يتم إلا في وقت طويل وجهد
وتكاليف وكدح دائب في أناة ليس يعروها ملل
فليعلم.
стр. 516
إغفال المرحلية مصادمة للسنن الإلهية
ومن سنن الله مع العصاة والمكذبين والمجرمين والكافرين الإمهال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٥] ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف:٥٨].
إذا أغفل الداعية هذه السنن تعجل، ولربما فشل في دعوته وكبا.
إن من يريد تغيير الواقع في أقل من طرفة عين دون النظر إلى العواقب والسنن كمن يريد أن يزرع اليوم، ويحصد غدًا، بل يريد أن يغرس في الصباح ليجني الثمرة في المساء، وهذا محال؛ لابد من صبر وتروٍّ على البذرة حتى تنبت، وعلى النبتة حتى تورق، وعلى الورقة حتى تزهر، وعلى الزهرة حتى تثمر، وعلى الثمرة حتى تنضج، ثم يبادر إلى قطفها قبل أن تفسد، ومسافة الميل تبدأ بخطوة واحدة، ومن سار على الطريق وصل.
إن شيوع المنكرات وإحاطتها بالمؤمن من كل جانب؛ مع العجز -أحيانًا- عن تحمل أعباء الطريق ومشاقِّه، مع واقع أعداء الله بالصد عن سبيل الله، مع الطاقة الضخمة التي يولدها الإيمان في النفس؛ قد يدفع هذا كله إلى العجلة، إذا لم تُضبط الأمور بضابط الشرع.
يرد يدي عن بطشها خوف ربها ويمنع نفسي أن تخادع دينها
стр. 517
المرحلية والتدرج في دعوة الرسول ﷺ
إن رسول الله ﷺ وهو الأسوة قد بُعث والأصنام من حول الكعبة تحيط بها وتعلوها، ثم لم يقبل على إزالتها إلا يوم فتح مكة في السنة الثامنة؛ أي بعد بعثته بواحد وعشرين عامًا؛ لتقديره ﷺ أنه لو قام بتحطيمها في أول يوم قبل أن تُحطَّم في داخل النفوس لأقبلوا على تشييدها وزخرفتها بصورة أعظم وأشنع، وعندها يتفاقم الأمر، ويعظم الضرر، ولذا تركها ﷺ وأقبل يعد الرجال، ويزكي النفوس، ويطهر القلوب، حتى إذا ما تم له ذلك أقبل بتلك القلوب ليفتح بها مكة، ويزيل الأصنام، فكان ما أراد: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١].
لكل شيء في الحياة وقته وغاية المستعجلين فوته
وقد أخبر ﷺ بما ترويه عائشة أنه لولا أن قومها حديثو عهد بكفر لنقض الكعبة، وأعادها على قواعد إبراهيم، وهذا هو الثِّقب حقًّا؛ أعني: رفض المنكر بالقلب، ومقاطعته خوفًا من أن يؤدي إلى منكر أكبر، مع البحث عن سبل التغيير، والعزم على أنه حين تتاح الفرصة لتغييره، فلن يكون هناك تباطؤ أو توانٍ.
فكن أسداً في جسمه روح ضيغم وكم أسد أرواحهن كلاب
يمنع الليث حماه أن يرى فيه كلبًا عاديًا إن زأرا
ليعد الواحد منا نفسه ما دامت الظروف غير ملائمة، والفرص غير مواتية، والعواقب غير محمودة، والمقدمات قاصرة، حتى إذا ما لاءم الظرف كان حاله كحال القائل يوم قال:
أنا أبو طلحة واسمي زيد وكل يوم في سلاحي صيد
стр. 518
تعلم المرحلية من شجرة الصنوبر
ثم انظر وتأمل واعتبر، هاهي شجرة الصنوبر تثمر بعد ثلاثين سنة، وشجرة الدباء -القرع- تثمر في أسبوعين؛ تسخر الدباء من الصنوبر، وتقول: إن الطريق التي تقطعينها في ثلاثين سنة أقطعها في أسبوعين، ويقال لك: شجرة، ولي: شجرة، فتقول شجرة الصنوبر: مهلاً إلى أن تهب رياح الخريف، وعندها يعرف المضمار، ويعرف السابق والخوار.
فَتَصَبَّر لتصبر، وتحلَّم لتحلُم، ولا تعجل؛ فقد تُكفى بغيرك، ويُكتب لك بصدق نيتك ما لغيرك.
ورب عجلة أورثت ريثاً:
قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل
стр. 519
كن متمهلاً كالأحنف
ليكن حالك -أحياناً- حال الأحنف بن قيس ﵀ يوم جاءه رجل، فلطم وجهه، فقال: باسم الله يا بن أخي ما دعاك إلى هذا؟
قال: آليت أن ألطم سيد العرب من بني تميم.
قال: فبِرّ بيمينك؛ فما أنا بسيدها، سيدها حارثة بن قدامة.
ليست الأحلام في حال الرضا إنما الأحلام في حال الغضب
فذهب الرجل إلى حارثة، فلطمه، فقام إليه، واخترط السيف، وقطع يمينه، ولسان حاله:
وسيفي كان في الهيجا طبيبًا يداوي رأس من يشكو الصداعا
فلما بلغ الأحنف ما حصل لهذا الأحمق قال: أنا -والله- قطعتها.
ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي
العاقل لا يفعل أمرًا إلا إذا نظر في عواقبه، وتبصَّر أبعاده ومراميه، لا يتعجل الخطى، ولا يستبق الأحداث، ولا يتسرع بالحكم على الأمور؛ بل يزن الأشياء بميزان دقيق، ويقدر المواقف، وينظر إلى ما هو أبعد من اللحظة الراهنة والساعة الحاضرة، بنظرة ثاقبة فاحصة، وخطوة متأنية تحسب كل حساب؛ فكن أفضل من أن تَخدع، وأعقل من أن تُخدع.
لا خب ولا الخب يخدعك:
ولترقَ شيئًا فشيئًا صاعدًا درجًا من البناء رصينًا واحذر العجلا
فكم عجول كبا من ضعف رؤيته وذي أناة أصاب الرشد والأملا
стр. 520
كن أحزم من قرلى
التاسعة: كن أحزم من قرلى؛ والقرلى: طائر مائي ذو حزم لا يُرى إلا حذراً على وجه الماء؛ عين في الماء طمعًا، وعين في السماء حذرًا، ولذلك تقول العرب في المثل: كن أحزم من قرلى؛ إن رأى خيرًا تدلى، وإن رأى شرًا تولى.
ومن الحزم ترويض النفس على الخير حتى تعتاده وتألفه، ومن الحزم منع النفس هواها وعدم الرضا بالدون دون علاها وما يزكيها؛ فإن في النفس -كما يقول ابن القيم - من أخلاق البهائم حرص الغراب، وشَرَه الكلب، ورعونة الطاوس، ودناءة الجعل، وعقوق الضب، وحقد الجمل، وصولة الأسد، وفسق الفأرة، وخبث الحية، وعبث القرد، وجمع النملة، ومكر الثعلب، وخفة الفراش، ونوم الضبع، ووثوب الفهد، غير أن الحازم بالمجاهدة يُذهب ذلك كله بإذن ربه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١] ليس من الحزم بيع الوعد بالنقد، وليس من الحزم جزع من صبر ساعة مع احتمال ذل الأبد.
إن من يشتري الخسيس بالنفيس، ويبيع العظيم بالحقير، إنما هو سفيه لا يعرف الحزم، ولا الحزم يعرفه، عينه عين هوى، وعين الهوى عين عمياء.
إذا المرء أعطى نفسه كل ما اشتهت ولم ينهَها تاقت إلى كل مطلب
بعضنا أكبر همه ومبلغ علمه لقمة وشربة ولباس ومركب؛ مطعم شهي، وملبس دفي، ومركب وطي، قد رفع راية:
إنما العيش سماع وندامى ومدام
فإذا فاتك هذا فعلى الدنيا السلام
هوان لا يعرف الحزم، وذلة لا تعرف العز، عار ينكره الحر والأسد، ويألفه الحمار والوتد.
إن الهوان حمار البيت يألفه والحر ينكره والفيل والأسد
ولا يقيم بدار الذل يألفها إلا الذليلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته وذا يُشج فما يأوي له أحد
стр. 521
الحزم على قدر الاهتمامات
الحزم بقدر الاهتمامات والهموم، والهموم بقدر الهمم، والتجلد والحزم خير من التفلت والتبلد، والصلاة خير من النوم، والمنية خير من الدنية، ومن عزَّ بزَّ:
فثِبْ وثبة فيها المنايا أو المنى فكل محب للحياة ذليل
ومن أراد المنزلة القصوى في الجنة، فعليه أن يكون في المنزلة القصوى في هذه الحياة؛ واحدة بواحدة، ولكل سلعة ثمن.
стр. 522
أبو مسلم الخولاني والحزم مع النفس
كان أبو مسلم الخولاني ﵀ حازمًا مع نفسه، قد علق سوطًا في بيته يخوف به نفسه، وكان يقول لنفسه: قومي فوالله لأزحفن بك زحفًا إلى الله حتى يكون الكَلَل منك لا مني؛ فإذا فتر وكَلَّ وتعب تناول سوطه وضرب ساقه، ثم قال: أيظن أصحاب محمد ﷺ أن يستأثروا به دوننا؟! كلا! والله لنزاحمنَّهم عليه زحامًا حتى يعلموا أنهم خلفوا وراءهم رجالاً.
هم الرجال وعيب أن يقال لمن لم يكن في زيهم رجل
حالهم:
عباس عباس إذا احتدم الوغى والفضل فضل والربيع ربيع
стр. 523
ترك التحسر على الماضي والاستفادة من المستقبل
العاشرة: عَوِّض ما فاتك، من الناس من يتحسر على ما مضى من تقصيره، ويسرف في ذلك حتى يضيع حاضره، ويقطع عليه مستقبله؛ فيأتي عليه زمان يتحسر فيه على الزمن الذي ضيَّعه في الحزن والتحسر.
إن تعويض ما فات لا يكون بالندم على ما فات فحسب، ولا باجترار أحزان الماضي؛ إنما يكون بالجد والعمل واغتنام كل فرصة قادمة ليتقدم بها خطوة، وهذا دليل الكيس، وآية علو الهمة.
ابن عقيل الحنبلي ﵀، وهو في الثمانين يقول:
ما شاب عزمي ولا حزمي ولا خلقي ولا ولائي ولاديني ولا كرمي
وإنما اعتاد شعري غير صبغته والشيب في الشعر غير الشيب في الهمم
فإن كنت ترجو معالي الأمور فأعدد لها همة أكبرا
تلك النفوس الغالبات على العلا والحق يغلبها على شهواتها
ألا فليحمد الله من ضيع وقصر على إمهاله له، وليعوض؛ فأيام العافية غنيمة باردة، وأوقات الإمهال فائدة؛ فتناول وعوض ما دامت عندك المائدة، فليست الساعات بعائدة:
فإن تك بالأمس اقترفت إساءةً فبادر بإحسان وأنت حميد
ولا تُبقِ فعل الصالحات إلى غدٍ لعل غدًا يأتي وأنت فقيد
стр. 524
أنس بن النضر وموقفه في يوم أحد
غاب أنس بن النضر ﵁ عن وقعة بدر، فأحس بألم غنيمة ضيعها، فقال -كما روى البخاري ومسلم: ﴿يا رسول الله! غبت عن أول قتال قاتلت المشركين؛ لئن أشهدني الله مشهدًا آخر في قتال المشركين ليرين الله مني ما أصنع﴾ فلما كان يوم أحد، وانكشف المسلمون، أقبل أنس يعتذر إلى الله مما صنع أصحاب رسول الله ﷺ ، ويبرأ إلى الله مما صنع المشركون، ثم يتقدم ويكسر غمد سيفه، ويستقبله سعد بن معاذ، فيقول: الجنة ورب النضر! إني لأجد ريحها من دون أحد، يقول سعد: فما استطعت -يا رسول الله- ما صنع، ولما انتهى من المعركة وجدوه قد قُتل ومثَّل به المشركون، به بضع وثمانون ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم؛ فما عرفه إلا أخته ببنانه:
إما فتى نال المنى فاشتفى أو بطل ذاق الردى فاستراح
إما إلى العز أو تقضي بساحته ذل الحياة وطعم الموت سيان
من تذكر في تفريطه أَنَّ، ولتعويض ما مضى حَنَّ.
стр. 525
عكرمة وتعويض ما سلف
عكرمة ﵁ أسلم عام الفتح، وشعر بما قد فاته من سابقة مع رسول الله ﷺ ، فكان يقول: ﴿والذي نجَّاني يوم بدر -يا رسول الله- لا أدع نفقة أنفقتها بالصد عن سبيل الله إلا أنفقت أضعافها في سبيل الله، ولا قتال قاتلته في الصد عن سبيل الله إلا قاتلت ضعفه في سبيل الله﴾ ويبر بقسمه؛ فما خاض المسلمون معركة بعد إسلامه إلا خاضها معهم، ولا خرجوا إلا كان في طليعتهم، وفي يوم اليرموك، وما يوم اليرموك؟ أقبل عكرمة على القتال إقبال الظامئ على الماء البارد في اليوم القائظ، لما اشتد الكرب بالمسلمين نزل عن جواده، وكسر غمد سيفه، وأوغل في صفوف الروم، فبادره خالد بن الوليد قائلاً: لا تفعل يا عكرمة! إن قتلك على المسلمين سيكون شديدًا، قال: إليك عني يا خالد لقد كان لك مع رسول الله ﷺ سابقة، أما أنا وأبي أبو جهل، فقد كنا أشد الناس عداوة على رسول الله، دعني أُكَفِّر عما سلف مني، أأقاتل رسول الله ﷺ ثم أفر اليوم من الروم؟! والله لا يكون أبدًا.
فلو بان عضدي ما تأسف منكبي ولو مات زندي ما بكته الأنامل
ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه أربعمائة من المجاهدين في سبيل الله، فقاتلوا حتى نصر الله المسلمين نصرًا مؤزرًا، ولقي الله عكرمة مُثخنًا بجراحه، ولسان حاله: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤] فرضي الله عنه وأرضاه:
بذل النفس فداءً ورضا وقضى العمر وأقصى السفرا
همة أخرجت حظ الدنيا من نفوسهم؛ فتاقوا إلى تعويض ما فات من ساعات في خدمة دينهم، فاقتحموا المكاره بغية المكارم، وعقدوا لله على أنفسهم عقدًا؛ فما نكثوا، وما نقضوا؛ فبادر -أخي- قبل العوائق، واستدرك ما فات؛ فلعلك بالأخيار لاحق؛ إن كنت على طريقهم، فما أسرع اللحاق بهم!
إذا استدرك الإنسان ما فات من علا إلى الحزم يعزى لا إلى الجهل ينسب
стр. 526
العدل والإنصاف
الحادية عشرة والأخيرة: العدل العدل! فبه قامت السماوات والأرض، القلوب جُبلت على حب من يعدل فيها، ويحنو عليها، وتمنح ودَّها لكل من يعدل فيها، ويحسن إليها، ومن يحيف عليها، ثم يحاول إجبارها على حبه إنما يكلفها ضد طباعها.
ومكلف الأشياء ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار
إعطاء كل ذي حق حقه عين العدل، مدح من يستحق المدح في غير ما خشية الفتنة عليه عدل، تأنيب من يستحق التأنيب عدل، الاعتراف بجهود الآخرين عدل، الاعتراف بالخطأ والرجوع عنه عدل، قبول النصح عدل، إسداء النصح عدل، التربية على العدل عدل، والله -تعالى وتقدس وتبارك- يأمر بالعدل: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨].
стр. 527
إنصاف عمر بن الخطاب
يذكر الطبري في رواية مرفوعة إلى إياس بن سلمة عن أبيه أنه قال: مرَّ عمر ﵁ بالسوق، ومعه الدرة، فخفقني بها خفقة لم تُصب إلا طرف ثوبي، وقال: أَمِطْ عن الطريق؛ أي: لا تزحم الطريق، قال: فلما كان العام القادم لقيني عمر، فقال: يا سلمة! أتريد الحج؟ قلت: نعم، قال: فأخذ بيدي، وانطلق بي إلى منزله، ثم أعطاني من ماله ستمائة درهم، وقال: استعن بها على حجك، واعلم أنها بالخفقة التي خفقتكها بالعام الماضي، قلت: يا أمير المؤمنين! والله ما ذكرتها، قال: وأنا -والله- ما نسيتها.
للمعالي فليعلُ من قد تعالى هكذا هكذا وإلا فلا لا
من أراد العدل والإنصاف فليضع نفسه مكان أخيه، وليفعل ما يرضاه لنفسه.
ارض للناس جميعًا مثلما ترضى لنفسك
إنما الناس جميعًا كلهم أبناء جنسك
فلهم نفس كنفسك ولهم حس كحسِّك
стр. 528
بين علي وعمر في مجلس القضاء
شكا رجل علياً ﵁ إلى عمر ﵁، فلما جلس عمر لينظر في الدعوى، قال لـ علي: ساوِ خصمك يا أبا الحسن، فتغير وجه علي ﵁، ثم قضى عمر في الدعوى، وذهب الخصم، فالْتفت عمر إلى علي، وقال له: أأغضبتك -يا أبا الحسن - إذ سويت بينك وبين خصمك؟
قال علي: كلا.
قد غضبت لأنك لم تسوِّ بيني وبينه يا أمير المؤمنين، لقد أكرمتني، ودعوتني بكنيتي -يا أبا الحسن - ولم تنادِ خصمي بكنيته؛ فذلك الذي أغضبني، فقبَّل عمر رأس علي، وقال: [[لا أبقاني الله بأرض ليس فيها أبو الحسن]].
حكموا فكان العدل شرعة حكمهم ما الحكم ما السلطان إن لم يعدل
سارت مبادئهم وسارت خلفها أفعالهم في موكب مُتمثَّلِ
شادوا من التقوى أصح مواقف وبنوا من الحسنات خير قلاع
ونتجاوز بعض الإشارات وأحسب أني بذلت وسعي أن أخرج من هذا اللقاء بفائدة تنفع المسافر أو بإشارة توقظه، وقد تكاثرت الإشارات ولم نأتِ إلا على بعضها، وذا يؤكد أن الموضوع لا زال واسعاً قابلا للزيادة؛ يسَّرها الله بمنِّه وكرمه.
هذه كلمتي لقد قاسمتني بعض نفسي وفكرتي وشبابي
ما على العاجزين مثلي سوى القو ل فذي عدتي وهذا جرابي
أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن ينفع بهذه الكلمات المسلمين والمسلمات، وأن يسلك بنا وبكم سبيل المؤمنين، اللهم كن للمسلمين أجمعين، اللهم كن للمسلمين أجمعين، اللهم كن للمستضعفين والمضطهدين والمظلومين، اللهم فرِّج همَّهم، اللهم نفِّس كربهم، اللهم ارفع درجتهم، اللهم أنزل عليهم من الصبر أضعاف ما نزل بهم من البلاء، يا سميع الدعاء! يا أرحم الراحمين! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 529
الإكثار من ذكر الله وفضائل ذلك
الحمد لله الملك القهار، العزيز الجبار، الرحيم الغفار، مقلب القلوب والأبصار، مقدر الأمور كما يشاء ويختار، مُكَوِّر الليل على النهار، خلق الشَّمس والقمر بحسبان ومقدار، وجعلهما مواقيت في هذه الدار، حكمة بالغة من عليم ذي اقتدار، أحمده وأشكره، وفضله على من شكره مِدرار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مُقَدِّرُ الأقدار، شهادة تبوئ قائلها دار القرار.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، البدر جبينه إذا سُرَّ استنار, واليمُّ يمينه إذا سئل أعطى عطاء من لا يخشى الإقتار، الحَنِيفيَّة دينه الدين القَيِّم المختار، رفع الله ببعثته عن أمته الأغلال والآصار، وكشف بدعوته أذى البصائر وقذى الأبصار، وفرق بشرعته بين المتقين والفجار، حتى امتاز أهل اليمين عن أهل اليسار، فتح الله به القلوب فانشرحت بالعلم والوقار، والآذان فزال عنها ثقل الأوقار، ﷺ وعلى آله وأصحابه وأتباعه الأخيار
ما ناض برق وما هب النسيم وما مس الحجيج لبيت الله أركانا
أو قهقه الرعد في هدباء مدجنة أو ناح طير على الأغصان أزمانا
والآل والصحب ثم التابعين لهم على المحجة إيماناً وإحسانا
ما هبَّ نشر صباً واهتز نبت ربىً وفاح طيب شذاً في نسمة السحر
معشر المؤمنين: أحييكم بأسمى وأجلِّ وأجمل تحية، تحية هذا الدين؛ الذي نظم الله به عقد أمتنا بعد انفراط، ووحدها بعد فرقة، وجمعها بعد شتات، صقل به نفوسها، وهذَّب طباعها، وشحذ عزائمها، وشذَّب أخلاقها، حتى جعلها خير أمة أخرجت للناس، مُتآلفة القلوب، مُتآخية الأرواح: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٣].
فسلام عليكم ورحمة الله وبركاته من أهل وصحب وإخوان.
أنى التقينا التقى في كل مجتمع أهل بأهل وإخوان بإخوان
حسبت نفسي نزيلاً بينكم فإذا أهلي وصحبي وأحبابي وإخواني
من كل أبلج سامي الطرف مضطلع بالخطب مبتهج بالذكر جذلان
يمشي إلى الذكر بساماً ومنشرحاً كأنه حين يبدو عود مران
يا أهل ينبع قد طوقتم عنقي بمنةٍ خرجت عن طوق تبيان
قد قلتها غبطة لله دركم ليس الفلاح لوان غير يقظان
لي موطنٌ في رحاب البيت أعظمه ولي هنا في حماكم موطن ثانِ
لا أوحش الله ربعا من زيارتكم يا من أثاروا بقلبي جل أشجاني
إنَّ من سوابغ نعم الله عليَّ أن ألتقي بمثل هذه الوجوه التي لا أحسبها إلا بالإيمان مشرقة، والبصائر التي لا أظنُّها إلا باليقين متفتحة، والقلوب التي لا أحجوها إلا بالصدق عامرة، والآذان التي لا أُراها إلا للخير سامعة واعية، فلله الحمد في الأولى والآخرة.
كل من تلقاه أو يحدِّثُك يأخذ منك ويعطيك، ويترك في نفسك أثراً حسناً أو سيئاً مؤقتاً أو باقياً، ومن تلتقي بهم في دروب الحياة على أصناف ثلاثة -كما يقول الحكيم- فمنهم من يمر مرور السَّيل العَرَمْرَم الدَّفَّاع يدمر العمران، ويقتل الحيوان، ويؤذي الإنسان، ومنهم من يمر مرور ماء النهر على الصخر لا يترك أثراً، فلا يُنبت زهراً، ولا يُخرج ثمراً، ومنهم من يمر مرور الماء على الأرض البِكر تكون قبله قاحلات مُمْحلات، وتصير بعده جنات وبساتين مُمْرعات، مبارك أينما كان.
درة كيفما أديرت أضاءت ومشم من حيثما شم فاحا
أينما وَقَع نَفَع:
كالغيث من كبد السحاب هطوله يغشى البلاد مشارقاً ومغاربا
كالبدر من حيث التفتَّ رأيته يُهدي إلى عينيكَ نوراً ثاقبا
فأرجو الله بمَنِّه وكرمه أن نكون من هذا الصنف المبارك.
مثل فرع بدوحة العز تأوي تحت أفنانه عفاة الديار
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: الناس في هذه الدار على جناح سفر، وكلٌ مسافر ظَاعِن إلى مقصده، ونازلٌ على من يسر بالنزول عليه، وطالب الله والدار الآخرة إنما هو ظاعن إلى الله في حال سفره، ونازل عليه عند القدوم عليه.
وللمسافر غايات يؤمِّلها لا شيء يشغله عنها فيحصيها
معاشر الإخوة! لا زلنا على الطريق، نغري ونحذر، نرغب ونرهب، نشير ونصرح، نوري ونلمح.
إن تردد العقل بين حق وباطل كانت دعوتنا على الطريق إلى الحق، إن تردد الطبع بين فضيلة ورذيلة كانت دعوتنا على الطريق إلى الفضيلة، إن ترددت النفس بين الشهوة والواجب كانت دعوتنا على الطريق إلى الواجب، إنه طريق شاق ولا شك؛ لِمَ؟
لأن الانحدار مع الهوى سهل، والصعود إلى المثل الأعلى صعب وحزن، الماء ينزل وحده حتى يستقر في قرارة الوادي، لكنه لا يصعد إلى الأعلى إلا بالمضخات والجهد العاتي.
من الناس من شغلتهم على الطريق توافه الحياة عن مقصد الحياة، وألهتهم مناظر الطريق عن غاية السفر، يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، يعملون ليومهم وحده كالسوائم، لا يرون إلا ما بين أقدامهم، صفوف معوجة منشقة، وقلوب خاوية حائرة، سجدة خامدة لا حرارة ولا شوق فيها جامدة، انطفأت من القلب شعلته، وخمدت في الفؤاد جمرته؛ لذا كان لابد على الطريق من إشارات تحدو من سلك، وتغري من قعد وتسمو به، تدعو إلى مد البصر إلى الأمام، والنظر إلى البعيد والعمل لليوم والغد ولليوم الآخر، في صفوف موحدة وقلوب عامرة.
وقد سبق عرض إحدى عشرة إشارة في محاضرة سابقة، واليوم نعرض للجزء الثاني منها، والذي ما هو إلا حصيلة جهد مقل؛ لك غنمه أيها المستمع وعلى القائل غرمه، لك ثمرته وعليه عائده، فإن عدم منك حمداً وشكراً فلا يعدم منك عذراً، فإن أبيت إلا الملام فبابه مفتوح، والله المسئول أن يجعلها لوجهه خالصة وأن ينفع بها قائلها وسامعها ومستمعها في الدنيا والآخرة، هو حسبنا ونعم الوكيل.
فسهل يا إلهي كل صعب فمن غير الرءوف لنا يسهل
وأهلا بالدليل إلى المعالي ألا سر يا دليل ونحن نسري
الإشارة الثانية عشرة: لا تكن بيتاً بلا سقف.
بمعنى: لا يزال لسانك رطباً على الطريق بذِكر رب العالمين، فلا تكن من الغافلين، إن بيتاً بلا سقف حَرِيٌّ أن يكون مَرتعاً للغُبَار والقاذورات، ومأوى للهوَامِّ والحشرات، كذلك إن بيتاً لا يُذْكر الله فيه لا سَقْف له، خراب بَلْقَع لا داعي به ولا مجيب، و ﴿مَثَلُ البيت الذي يُذْكر الله فيه والبيت الذي لا يُذْكر الله فيه مثل الحي والميت﴾ كما في صحيح مسلم ﵀، إن إنسانا لا يَذكر الله لا سقف له، حَيٌ بعَظْم مَيْت.
إذا ما الحي عاش بعظم ميت فذاك العظم حي وهو ميت
و ﴿مَثَل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحيِّ والمَيْت﴾ كما ثبت عند البخاري ﵀.
والناس صنفان موتى في حياتهم وآخرون ببطن الأرض أحياء
فأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا
فلم أَر غير حكم الله حكماً ولم أر دون ذكر الله بابا
خذ ما يسر ودع شيئاً تضر به في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
إنَّ جَمعًا لا يُذكر الله فيه لا سقف له، مضطرِب أَرِق قَلِق.
كريشة في مهب الريح ساقطة لا تستقر على حال من القلق
﴿والدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذِكر الله وما وَالاه، وعالِماً أو متعلِّماً﴾.
في الزهد لـ ابن المبارك ﵀: أنَّ أبا مسلم الخولاني ﵀ دخل مسجداً، فرأى فيه حلقة، ظنَّهم في ذِكر، فجلس إليهم، فإذا هم يتحدثون في الدنيا، فقال: سبحان الله! هل تدرون -يا هؤلاء- ما مثلي ومثلكم؟ مثلي ومثلكم كمثل رجل أصابه مطر غزير، فالتفَت فإذا هو بمِصرَاعين عظيمين، فقال: لو دخلتُ هذا البيت حتى يذهب عني المطر، فدخل فإذا هو ببيت بلا سقف، جلست إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على خير وذِكر، فإذا أنتم أصحاب دنيا.
كم حديث يظنه المرء نفعا وبه لو درى يطول البلاء
стр. 530
انتفاع القلوب بذكر الله
إنَّه ليس أنفع في جلاء القلوب واطمئنانها من ذكر الله ومناجاته، وليس هناك مَن هو أولى بملازمة ذِكر الله من الداعية إلى الله، وكلنا ذاك الرجل؛ الذي جعل مِحوَر حياته خدمة لدين الله، فهو أحرى بأن يذكر الله قائماً، وقاعداً، وعلى جَنب، وفي كل حين وآن، فذكر الله يُرَقّق المشاعر، ويُوقظ القلوب والضمائر، ويُرهِف الإحساس، ويشرح الصدور، ويسمو بالنفوس ويزكيها، ويترفع بها عن شهواتها، ويملك جِمَاحها، ويرفع الدرجات، ويكفِّر السيئات -ومع ذا- خفيف على اللسان، ثقيل في الميزان، حبيب إلى الرحمن.
فمن الخطورة العظيمة- أيها الأحبة- أن نتحول إلى مُنظِّرِين مُخطِّطِين، ثم لا نكون الربانيِّين العابدين الأوَّابين المُفردين، الذاكرين الله كثيراً، المخبتين، فنصبح محرومين، أعوذ بالله رب العالمين.
المحروم من نعمة ملازمة ذِكر الله محروم من الإحساس المرهَف، والضمير اليقظ الحي، حياته جمود وعَطالة وبطالة وانحطاط، أنَّى له أن يصل إلى وجهته؟!
следующие страницы →