← Джавами‘

Джавами‘ · id 7710

دروس للشيخ علي القرني

علي القرني

Полный текст (977 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

العدل والإنصاف الحادية عشرة والأخيرة: العدل العدل! فبه قامت السماوات والأرض، القلوب جُبلت على حب من يعدل فيها، ويحنو عليها، وتمنح ودَّها لكل من يعدل فيها، ويحسن إليها، ومن يحيف عليها، ثم يحاول إجبارها على حبه إنما يكلفها ضد طباعها. ومكلف الأشياء ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار إعطاء كل ذي حق حقه عين العدل، مدح من يستحق المدح في غير ما خشية الفتنة عليه عدل، تأنيب من يستحق التأنيب عدل، الاعتراف بجهود الآخرين عدل، الاعتراف بالخطأ والرجوع عنه عدل، قبول النصح عدل، إسداء النصح عدل، التربية على العدل عدل، والله -تعالى وتقدس وتبارك- يأمر بالعدل: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨].

стр. 527

إنصاف عمر بن الخطاب يذكر الطبري في رواية مرفوعة إلى إياس بن سلمة عن أبيه أنه قال: مرَّ عمر ﵁ بالسوق، ومعه الدرة، فخفقني بها خفقة لم تُصب إلا طرف ثوبي، وقال: أَمِطْ عن الطريق؛ أي: لا تزحم الطريق، قال: فلما كان العام القادم لقيني عمر، فقال: يا سلمة! أتريد الحج؟ قلت: نعم، قال: فأخذ بيدي، وانطلق بي إلى منزله، ثم أعطاني من ماله ستمائة درهم، وقال: استعن بها على حجك، واعلم أنها بالخفقة التي خفقتكها بالعام الماضي، قلت: يا أمير المؤمنين! والله ما ذكرتها، قال: وأنا -والله- ما نسيتها. للمعالي فليعلُ من قد تعالى هكذا هكذا وإلا فلا لا من أراد العدل والإنصاف فليضع نفسه مكان أخيه، وليفعل ما يرضاه لنفسه. ارض للناس جميعًا مثلما ترضى لنفسك إنما الناس جميعًا كلهم أبناء جنسك فلهم نفس كنفسك ولهم حس كحسِّك

стр. 528

بين علي وعمر في مجلس القضاء شكا رجل علياً ﵁ إلى عمر ﵁، فلما جلس عمر لينظر في الدعوى، قال لـ علي: ساوِ خصمك يا أبا الحسن، فتغير وجه علي ﵁، ثم قضى عمر في الدعوى، وذهب الخصم، فالْتفت عمر إلى علي، وقال له: أأغضبتك -يا أبا الحسن - إذ سويت بينك وبين خصمك؟ قال علي: كلا. قد غضبت لأنك لم تسوِّ بيني وبينه يا أمير المؤمنين، لقد أكرمتني، ودعوتني بكنيتي -يا أبا الحسن - ولم تنادِ خصمي بكنيته؛ فذلك الذي أغضبني، فقبَّل عمر رأس علي، وقال: [[لا أبقاني الله بأرض ليس فيها أبو الحسن]]. حكموا فكان العدل شرعة حكمهم ما الحكم ما السلطان إن لم يعدل سارت مبادئهم وسارت خلفها أفعالهم في موكب مُتمثَّلِ شادوا من التقوى أصح مواقف وبنوا من الحسنات خير قلاع ونتجاوز بعض الإشارات وأحسب أني بذلت وسعي أن أخرج من هذا اللقاء بفائدة تنفع المسافر أو بإشارة توقظه، وقد تكاثرت الإشارات ولم نأتِ إلا على بعضها، وذا يؤكد أن الموضوع لا زال واسعاً قابلا للزيادة؛ يسَّرها الله بمنِّه وكرمه. هذه كلمتي لقد قاسمتني بعض نفسي وفكرتي وشبابي ما على العاجزين مثلي سوى القو ل فذي عدتي وهذا جرابي أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن ينفع بهذه الكلمات المسلمين والمسلمات، وأن يسلك بنا وبكم سبيل المؤمنين، اللهم كن للمسلمين أجمعين، اللهم كن للمسلمين أجمعين، اللهم كن للمستضعفين والمضطهدين والمظلومين، اللهم فرِّج همَّهم، اللهم نفِّس كربهم، اللهم ارفع درجتهم، اللهم أنزل عليهم من الصبر أضعاف ما نزل بهم من البلاء، يا سميع الدعاء! يا أرحم الراحمين! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 529

الإكثار من ذكر الله وفضائل ذلك الحمد لله الملك القهار، العزيز الجبار، الرحيم الغفار، مقلب القلوب والأبصار، مقدر الأمور كما يشاء ويختار، مُكَوِّر الليل على النهار، خلق الشَّمس والقمر بحسبان ومقدار، وجعلهما مواقيت في هذه الدار، حكمة بالغة من عليم ذي اقتدار، أحمده وأشكره، وفضله على من شكره مِدرار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مُقَدِّرُ الأقدار، شهادة تبوئ قائلها دار القرار. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، البدر جبينه إذا سُرَّ استنار, واليمُّ يمينه إذا سئل أعطى عطاء من لا يخشى الإقتار، الحَنِيفيَّة دينه الدين القَيِّم المختار، رفع الله ببعثته عن أمته الأغلال والآصار، وكشف بدعوته أذى البصائر وقذى الأبصار، وفرق بشرعته بين المتقين والفجار، حتى امتاز أهل اليمين عن أهل اليسار، فتح الله به القلوب فانشرحت بالعلم والوقار، والآذان فزال عنها ثقل الأوقار، ﷺ وعلى آله وأصحابه وأتباعه الأخيار ما ناض برق وما هب النسيم وما مس الحجيج لبيت الله أركانا أو قهقه الرعد في هدباء مدجنة أو ناح طير على الأغصان أزمانا والآل والصحب ثم التابعين لهم على المحجة إيماناً وإحسانا ما هبَّ نشر صباً واهتز نبت ربىً وفاح طيب شذاً في نسمة السحر معشر المؤمنين: أحييكم بأسمى وأجلِّ وأجمل تحية، تحية هذا الدين؛ الذي نظم الله به عقد أمتنا بعد انفراط، ووحدها بعد فرقة، وجمعها بعد شتات، صقل به نفوسها، وهذَّب طباعها، وشحذ عزائمها، وشذَّب أخلاقها، حتى جعلها خير أمة أخرجت للناس، مُتآلفة القلوب، مُتآخية الأرواح: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٣]. فسلام عليكم ورحمة الله وبركاته من أهل وصحب وإخوان. أنى التقينا التقى في كل مجتمع أهل بأهل وإخوان بإخوان حسبت نفسي نزيلاً بينكم فإذا أهلي وصحبي وأحبابي وإخواني من كل أبلج سامي الطرف مضطلع بالخطب مبتهج بالذكر جذلان يمشي إلى الذكر بساماً ومنشرحاً كأنه حين يبدو عود مران يا أهل ينبع قد طوقتم عنقي بمنةٍ خرجت عن طوق تبيان قد قلتها غبطة لله دركم ليس الفلاح لوان غير يقظان لي موطنٌ في رحاب البيت أعظمه ولي هنا في حماكم موطن ثانِ لا أوحش الله ربعا من زيارتكم يا من أثاروا بقلبي جل أشجاني إنَّ من سوابغ نعم الله عليَّ أن ألتقي بمثل هذه الوجوه التي لا أحسبها إلا بالإيمان مشرقة، والبصائر التي لا أظنُّها إلا باليقين متفتحة، والقلوب التي لا أحجوها إلا بالصدق عامرة، والآذان التي لا أُراها إلا للخير سامعة واعية، فلله الحمد في الأولى والآخرة. كل من تلقاه أو يحدِّثُك يأخذ منك ويعطيك، ويترك في نفسك أثراً حسناً أو سيئاً مؤقتاً أو باقياً، ومن تلتقي بهم في دروب الحياة على أصناف ثلاثة -كما يقول الحكيم- فمنهم من يمر مرور السَّيل العَرَمْرَم الدَّفَّاع يدمر العمران، ويقتل الحيوان، ويؤذي الإنسان، ومنهم من يمر مرور ماء النهر على الصخر لا يترك أثراً، فلا يُنبت زهراً، ولا يُخرج ثمراً، ومنهم من يمر مرور الماء على الأرض البِكر تكون قبله قاحلات مُمْحلات، وتصير بعده جنات وبساتين مُمْرعات، مبارك أينما كان. درة كيفما أديرت أضاءت ومشم من حيثما شم فاحا أينما وَقَع نَفَع: كالغيث من كبد السحاب هطوله يغشى البلاد مشارقاً ومغاربا كالبدر من حيث التفتَّ رأيته يُهدي إلى عينيكَ نوراً ثاقبا فأرجو الله بمَنِّه وكرمه أن نكون من هذا الصنف المبارك. مثل فرع بدوحة العز تأوي تحت أفنانه عفاة الديار يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: الناس في هذه الدار على جناح سفر، وكلٌ مسافر ظَاعِن إلى مقصده، ونازلٌ على من يسر بالنزول عليه، وطالب الله والدار الآخرة إنما هو ظاعن إلى الله في حال سفره، ونازل عليه عند القدوم عليه. وللمسافر غايات يؤمِّلها لا شيء يشغله عنها فيحصيها معاشر الإخوة! لا زلنا على الطريق، نغري ونحذر، نرغب ونرهب، نشير ونصرح، نوري ونلمح. إن تردد العقل بين حق وباطل كانت دعوتنا على الطريق إلى الحق، إن تردد الطبع بين فضيلة ورذيلة كانت دعوتنا على الطريق إلى الفضيلة، إن ترددت النفس بين الشهوة والواجب كانت دعوتنا على الطريق إلى الواجب، إنه طريق شاق ولا شك؛ لِمَ؟ لأن الانحدار مع الهوى سهل، والصعود إلى المثل الأعلى صعب وحزن، الماء ينزل وحده حتى يستقر في قرارة الوادي، لكنه لا يصعد إلى الأعلى إلا بالمضخات والجهد العاتي. من الناس من شغلتهم على الطريق توافه الحياة عن مقصد الحياة، وألهتهم مناظر الطريق عن غاية السفر، يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، يعملون ليومهم وحده كالسوائم، لا يرون إلا ما بين أقدامهم، صفوف معوجة منشقة، وقلوب خاوية حائرة، سجدة خامدة لا حرارة ولا شوق فيها جامدة، انطفأت من القلب شعلته، وخمدت في الفؤاد جمرته؛ لذا كان لابد على الطريق من إشارات تحدو من سلك، وتغري من قعد وتسمو به، تدعو إلى مد البصر إلى الأمام، والنظر إلى البعيد والعمل لليوم والغد ولليوم الآخر، في صفوف موحدة وقلوب عامرة. وقد سبق عرض إحدى عشرة إشارة في محاضرة سابقة، واليوم نعرض للجزء الثاني منها، والذي ما هو إلا حصيلة جهد مقل؛ لك غنمه أيها المستمع وعلى القائل غرمه، لك ثمرته وعليه عائده، فإن عدم منك حمداً وشكراً فلا يعدم منك عذراً، فإن أبيت إلا الملام فبابه مفتوح، والله المسئول أن يجعلها لوجهه خالصة وأن ينفع بها قائلها وسامعها ومستمعها في الدنيا والآخرة، هو حسبنا ونعم الوكيل. فسهل يا إلهي كل صعب فمن غير الرءوف لنا يسهل وأهلا بالدليل إلى المعالي ألا سر يا دليل ونحن نسري الإشارة الثانية عشرة: لا تكن بيتاً بلا سقف. بمعنى: لا يزال لسانك رطباً على الطريق بذِكر رب العالمين، فلا تكن من الغافلين، إن بيتاً بلا سقف حَرِيٌّ أن يكون مَرتعاً للغُبَار والقاذورات، ومأوى للهوَامِّ والحشرات، كذلك إن بيتاً لا يُذْكر الله فيه لا سَقْف له، خراب بَلْقَع لا داعي به ولا مجيب، و ﴿مَثَلُ البيت الذي يُذْكر الله فيه والبيت الذي لا يُذْكر الله فيه مثل الحي والميت﴾ كما في صحيح مسلم ﵀، إن إنسانا لا يَذكر الله لا سقف له، حَيٌ بعَظْم مَيْت. إذا ما الحي عاش بعظم ميت فذاك العظم حي وهو ميت و ﴿مَثَل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحيِّ والمَيْت﴾ كما ثبت عند البخاري ﵀. والناس صنفان موتى في حياتهم وآخرون ببطن الأرض أحياء فأكثر ذكره في الأرض دأباً لتذكر في السماء إذا ذكرتا فلم أَر غير حكم الله حكماً ولم أر دون ذكر الله بابا خذ ما يسر ودع شيئاً تضر به في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل إنَّ جَمعًا لا يُذكر الله فيه لا سقف له، مضطرِب أَرِق قَلِق. كريشة في مهب الريح ساقطة لا تستقر على حال من القلق ﴿والدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذِكر الله وما وَالاه، وعالِماً أو متعلِّماً﴾. في الزهد لـ ابن المبارك ﵀: أنَّ أبا مسلم الخولاني ﵀ دخل مسجداً، فرأى فيه حلقة، ظنَّهم في ذِكر، فجلس إليهم، فإذا هم يتحدثون في الدنيا، فقال: سبحان الله! هل تدرون -يا هؤلاء- ما مثلي ومثلكم؟ مثلي ومثلكم كمثل رجل أصابه مطر غزير، فالتفَت فإذا هو بمِصرَاعين عظيمين، فقال: لو دخلتُ هذا البيت حتى يذهب عني المطر، فدخل فإذا هو ببيت بلا سقف، جلست إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على خير وذِكر، فإذا أنتم أصحاب دنيا. كم حديث يظنه المرء نفعا وبه لو درى يطول البلاء

стр. 530

انتفاع القلوب بذكر الله إنَّه ليس أنفع في جلاء القلوب واطمئنانها من ذكر الله ومناجاته، وليس هناك مَن هو أولى بملازمة ذِكر الله من الداعية إلى الله، وكلنا ذاك الرجل؛ الذي جعل مِحوَر حياته خدمة لدين الله، فهو أحرى بأن يذكر الله قائماً، وقاعداً، وعلى جَنب، وفي كل حين وآن، فذكر الله يُرَقّق المشاعر، ويُوقظ القلوب والضمائر، ويُرهِف الإحساس، ويشرح الصدور، ويسمو بالنفوس ويزكيها، ويترفع بها عن شهواتها، ويملك جِمَاحها، ويرفع الدرجات، ويكفِّر السيئات -ومع ذا- خفيف على اللسان، ثقيل في الميزان، حبيب إلى الرحمن. فمن الخطورة العظيمة- أيها الأحبة- أن نتحول إلى مُنظِّرِين مُخطِّطِين، ثم لا نكون الربانيِّين العابدين الأوَّابين المُفردين، الذاكرين الله كثيراً، المخبتين، فنصبح محرومين، أعوذ بالله رب العالمين. المحروم من نعمة ملازمة ذِكر الله محروم من الإحساس المرهَف، والضمير اليقظ الحي، حياته جمود وعَطالة وبطالة وانحطاط، أنَّى له أن يصل إلى وجهته؟!

стр. 531

إنما يذكِّر الناس ويؤثر فيهم الذاكرون إنَّ المسلم بصفة عامة، وطالب العلم بصفة خاصة، جدير بأن يُذكِّر الناس بالله، حتى إذا ما رُئِي ذكر الله تعالى، فكيف به إن كان غافلاً؟! أيكون جديراً بالتذكير؟! كلا والله! إنَّ فاقد الشيء لا يعطيه. هل يطلب الماء ممن يشتكي عطشاً هل يطلب الثوب ممن جسمه عَاري يا بانياً بالماء حائط بيته فوق العباب أَرى البناء مهيلا أرأيت قبلك عارياً يبغي نزال الدارعين كلا. إنَّ بحر الحياة الدعوية ليست السباحة فيه بالخَطْب اليسير، فخير للإنسان أن يأوي إلى سفينة مأمونة الغرق، ألا وهي سفينة الإيمان والاطمئنان بذكر الرحمن، كثير ممن يحسنون السباحة غرقوا في هذا البحر، وما رأينا سفينة الإيمان وذكر الرحمن تغرق فيه أبداً. وعلى الطريق سبق المفرِّدون، إنَّ القلب بذِكر الرحمن بلد عامر مأمون، وحصن مُحكَم محصون، وروضة مباركة لا يكاد ينفد نعيمها، ولا ينضب معينها، تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها، الذِكر مِسك، والغَفلة رماد، الذكر جواد، والغَفلة حمار، فليكن لسان الحال على الطريق: ما كنتُ لأتخطى المسك إلى الرماد، ولا أمتطي الحمار بعد الجواد. وإنما يتيمَّم من لم يجد الماء، ويرعى الهشيم من عَدِم الجَمِيم، ويركب الصعب من لا ذَلول له، أمَّا لسان المقال: فالعزِّ داري وظهر العزم راحلتي والذكر أنسي ومن والاه إخواني فيا قدمي لا سرت بي لمذلة ولم ترتقي إلا إلى العزِّ سلما

стр. 532

من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه الثالثة عشرة: من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه: قل خيراً تغنم، أو اسكتْ عن سوء تَسْلم، إنَّ من شأن الساعي إلى الكمال على الطريق أن يُقبِل على كل أمر ينفعه، وأن يسلك السُّبُل المُفضية إلى ما رامه وأمّله، ويجتنب كل أمر يعوقه ويقطع سيره، ويتأبَّى بنفسه عن كل ما مِن شأنه أن يُنزِل قدره، ويقضي على وقته وحياته ورأس ماله، فتراه مترفِّعاً عن اللهو واللغو، قد شغل نفسه بما يفيدها في آخرتها ودنياها، في حدود ما أذن الله له به. فإذا عَرَض له في حياته أمر من اللغو أعرض عنه، وأكرم نفسه عنه؛ إذ زمنه عنده ثمين، فلا متسع عنده للغو أو لهو مَهين.

стр. 533

من آثار السلف في الاشتغال بما يعني وإليك أخي المسافر العاقل على الطريق هذه اللفتة من ابن القيم ﵀ يقول فيها: اشغل نفسك فيما يعنيك دون ما لا يعنيك؛ فالفكر فيما لا يعني باب كل شر، ومن فكر فيما لا يعنيه فاتَه ما يعنيه؛ فإيَّاك ثم إيَّاك أن تُمكِّن الشيطان من بيت أفكارك؛ فإنه يُفْسِدها عليك فساداً يصعب تداركه، ويُلقي إليك الوساوس، ويحول بينك وبين الفكر فيما ينفعك، وأنت تعينه على نفسك بتمكينه من قلبك، فمِثَالُك معه كَمِثَال صاحب رحى يطحن فيها الحبوب، فأتاه شخص معه حمل تراب وبَعْر وفحم وغثاء؛ ليطحنه في طاحونه، فإن طردته ولم تُمَكِّنه من إلقاء ما معه في الطاحون، فقد واصلت على طحن ما ينفعك، وإن مكنته من إلقاء ما معه في الطاحون، أفسد عليك ما في الطاحون من الحَب، فخرج الطحين كلُّه فاسداً. فيُتْرك ماؤكم من غير وِرد وذاك لكثرةِ الأخلاط فيه فاللبيب يُفِكر فيما يعنيه، بل فوق ذلك قد علم أن كلامه من عَمَلِه، فَقل كلامه إلا فيما يعنيه وينفعه. فإنَّ لسان المرء ما لم تَكن له حصاةٌ على عَوراته لَدَليلُ لا خير في حشو الكلا م إذا اهتديت إلى عيونه والصمت أجمل بالفتى من منطق في غير حينه يقول ابن عباس ﵄: [[لا تتكلم فيما لا يَعنيك فإنه فضل، ولا آمن عليك الزور، ولا تتكلم فيما يَعنيك حتى تجدَ له موضعاً، فَرُبَ مُتَكلم في أمر يَعنيه قد وضعه في غير موضعه فأعنته]]. ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى والأدبُ النافعُ حسنُ السمتِ وفي كثير القَولِ بعضُ المَقتِ يقول عطاء بن رباح ﵀: "أما يستحي أحدكم لو نُشَرت صحيفته التي أَمْلَى في صدر نهاره، وليس فيها شيءٌ من أمر آخرته ينفعه". واهاً ثم واهاً. إن الشجاعة في القلوب كثيرةٌ وَوَجدتُ شُجعان العقولِ قليلا دخلوا على أبي دجانة ﵁ وهو مريض، فكان وجهه يتهلَّل، فقِيل له: ما لوجهك يتهلل يرحمك الله؟ فقال: [[ما من عمل شيء أَوْثق عندي من اثنتين: كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وكان قلبي للمسلمين سليماً]] ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥]. ودخل رجل فضولي على داود الطائي ﵀ زائراً، فقام يتفقد البيت، ثم قال: يا إمام! إن في سقف بيتك جِذعاً مكسوراً. قال: يا بن أخي! إنَّ لي في البيت عشرين سنة ما تأملت سقفه، مالك وله رحمك الله؟! ﴿من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه﴾. فأولى لكم ثم أولى لكم مزيد من الصَّحْو واليقظة

стр. 534

مقارنة بين حالنا وحال السلف في الكلام فيما لا ينفع إن واقعنا حديثٌ بلا فائدة، وأسئلةٌ بلا نهاية، وتفصيل لا يفيد متحدثاً، ولا ينفع مستمعاً، ولا يُزَكِّي نَفْساً؛ تضيع الطاقات والأعمار سُدَى، وتلك داهيةٌ والله، وأدهى من ذلك من لا يكتفي بتضييع وقته في اللغو واللهو، حتى يشتريه بماله ويُضِل به ويَضِل، إنَّها الفاقرة، ونسأل الله العافية! لقد خلق الله هذه النفس شبيهة بالرحى الدائرة التي لا تقف أبداً ولا تسكن، فلابد لها من شيء تطحنه -كما يقول ابن القيم ﵀ فإِنْ وُضِعَ فيها حب طحنته، وإن وُضِع فيها تراب أو حصى طحنته، ولن تَبقى الرحى معطلة أبداً، بل لابد لها من شيء يُوضَع فيها، فمن الناس من تطحن رحاه حباً يخرج دقيقاً ينفع به نفسه وغيره، وأكثرهم يطحن رملاً وحصى وتِبْناً، فإذا جاء وقت العجين والخبز تبين له حقيقة طحنه. وكلُ ما يزرع الإنسان يَحصده فأَحْسِن الزرع يحسن حين يُحتصد ورحم الله ابن بشار يوم قال -متحدثًا بنعمة الله عليه-: منذ ثلاثين سنة ما تكلمتُ بكلمة أحتاج أن أَعْتَذر عنها. واسمع أخي لأحد السلف ﵀ يوم أراد أن يطلق زوجته لأمر ما، فقيل له: ما يسوءك منها؟ قال: أنا لا أهتك ستر زوجتي، ثم طلقها بعد ذلك، فقيل له: لِمَ طلَّقتها؟ قال: ما لي وللكلام عن امرأة صارت أجنبية عني: ﴿من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه﴾. مجالسهم مثل الرياض أنيقة لقد طاب منها اللون والريح والطعم كيف لو خطر ببال أحدنا أن يسجل ما يتحدث به في مجلس واحد؟! إنه لا شك سيرى كمّاً هائلاً من الأوراق، ولو حاسب نفسه مُنْصفاً لوجد كثيراً من الزَّلات والسقطات، فنسأل الله الثبات والعفو والصفح عن الزلات. إن نسيت فلا أنسى أن أنبه على أن مما يعنيك -بل يجب عليك- الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله على بصيرة، ولو كَرِه ذلك الفُسَّاق والمجرمون، وقالوا: ﴿من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه﴾ فإن المقياس ليس هواهم، بل شرع ربنا ومولاهم. وما على العنبر الفواح من حرج إن مات من شمه الزبال والجعل دع أخي ما لا يعنيك ولو كان مباحاً؛ فإنه تضييع لزمانك، واستبدال للذي هو أدنى بالذي هو خير، وكم من كلمةٍ بُنِيَ بها قصر في الجنة، بل هي كنز من كنوز الجنة، وكم من أخرى باعدت بينك وبين السبل المفضية إلى الجنة، رزقنا الله وإياك الجنة بمنِّه. لا يضع يومك في التيه كما ضيعت أمسك

стр. 535

الحكمة في التربية الدعوية الرابعة عشر: كُن طبيبًا رفيقًا يضع دواه حيث ينفع؛ بمعنى: لا تضع العلم عند غير أهله فتُجهَّل، ولا تمنع العلم أهله فتَأْثم؛ من الناس من يطلب العلم لشرٍ كامن، ومكرٍ باطن، فيستعمله في شُبَهٍ دينية، وتَلْبِيس دنيء، وحيلٍ فِقهية، فلا يعان على إمضاء مكره، وإكمال شره، بل مُهان غيْرُ مُكَرم يُحْرم، ومنهم من هو بليد الذهن، بعيد الفِطنة، فلا يُحمل عليه بكثير العلم فيُظْلَم، ولا يُمنع من اليسير فيُحرم، وإنما يَنفع سَمعُ الآذان إذا قَوِيَ فهم القلوب في الأبدان، وقد صَدَق القائلُ ونصح يوم قال: لا تؤتين العلم إلا امرأ يعين باللب على درسه ويُمنع من كثيره -أيضاً- السُّفهاء، الذين إنْ سكتَّ لم يسألوك، وإنْ تكلمت لم يَعُوا عنك، وإنْ رأوا حَسَناً دفنُوه، وإنْ رأوا سيِّئاً أذاعوه. إنْ يعلموا الخير أخفوه وإنْ علموا شرّاً أذاعوا وإنْ لم يعلموا كذبوا وإنْ حاورتهم شتموا، جاهلون كحمار السوق، إنْ أشبعته رَمَحَ الناس، وإنْ جاع نهَق. فإذا حَمَلتَ إلى سفيه حِكمةً فلقد حَمَلتَ بضاعة لا تنفق وهذا كله يحتاج إلى فِراسة ومُمارسة ومِران واختبار، من خلاله يُتوسَّم المتعلم حقاً من غيره، كفِراسة ابن عباس ﵄ يوم قال: [[ما سألني سائل إلا عرفت أفَقِيهٌ هو أم غير فَقِيه]]. أو كفراسة الأعمش ﵀ يوم رأى شعبة ﵀ يحدِّث قوماً يرى أنهم غير أهل للحديث، فقال: ويْحك يا شعبة! تُعَلِّقُ اللؤلؤ على الخنازير! فإن عناء أن تفهم جاهلاً يظن اقتئاتاً أنَه منك أفهم متى يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم فلا تحدِّث بالحكمة عند السُّفهاء فيكذبوك، ولا تحدِّث بالباطل عند الحكماء فيَمقتوك، إنَّ واضع العلم في غير أهله كمقلِّد الخنازير اللؤلؤ والجوهر، فلِكلِّ تربة غَرْس، ولِكلِّ بناء أُس. فجرد السيف في وقتٍ يفيد به فإن للسيف يوماً ثم ينصرم

стр. 536

تواصي العلماء بحرمان السفهاء من العلم عرف ذلك العلماء حقاً، حتى قال قائلهم وهو عكرمة: [[إنَّ لهذا العلم ثمن، فاقدروه قدره، قيل: وما ثمنه؟ قال: أنْ تضعه عند من يحفظه ولا يضيِّعه]]. ورحم الله ابن حزم في حَزْمِه في ذلك، يوم قال: نَشْر العلم عند مَن ليس مِن أهله مُفسِد لهم، كإطعامك الحلوى مَن به احتراق وحُمَّى، أو كتشميمك المِسك والعنبر مَن به صُداع من احتدام الصَّفراء. قالوا نراك طويل الصمت قلت لهم ما طول صمتي من عي ولا خرس أأنشر البز فيمن ليس يعرفه أم أنثر الدر بين العمي في الغلس فمن حوى العلم ثم أودعه بجهله غير أهله ظلمه وكان كالمبتني البناء إذا تم له ما أراده هدمه وقد قالها الشافعي ﵀ في مصر مدوية، عندما كلمه من لا يرى فقهه قال: أأنثر درا بين راعية الغنم وأنشر منظوما لراغية النعم لئن كنت قد ضيعت في شر بلدة فلست مضيعاً بينهم غرر الكلم فإن فرج الله الكريم بلطفه وأدركت أهلا للعلوم وللحكم بثثت مفيدا واستفدت ودادهم وإلا فمخزون لدي ومكتتم ومن منح الجهَّال علما أضاعه ومن منع المستوجبين فقد ظلم وقد أحسن -أيضا- وحلق كما قال في الطبقات: العلم جهل عند أهل الجهل كما الجهل جهل عند أهل العلم ومنزلة الفقيه من السفيه كمنزلة السفيه من الفقيه فهذا زاهد في قرب هذا وهذا فيه أزهد منه فيه

стр. 537

التعليم بحسب استعداد المتعلم فعلى الطريق أخي: ضعْ العلم في أهله على تفاوت، فالذكي يحتاج إلى الزيادة، والبليد يكتفي بالقليل، والسفِيه يُمنع ويُزجر، وذو الشر يُذل ويُحرم، ولا يُعانُ ولا يُكرَّم، والجميع يُذكَّر ويُوعَظ، كِلْ على الطريق لكل سالك بمعيار عقله، وزِن له بميزان فهمه؛ حتى تَسلم منه وينتفع بك؛ وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار، ولكل ثوب لابس، ولكل علم قابس. فلا تكونوا كمن ألقى رِحَالته على الحمار وَخَلَّىصهوة الفرس وقفة جانبيه على الطريق: عَرِّضْ ولا تُصرِّحْ، فالحال ناطقة: أقول وستر الدجى مسبل كما قال حين شكا الضفدع كلامي إن قلته ضائع وفي الصمت حتفي فما أصنع

стр. 538

الحرص على الحكمة فهي ضالة المؤمن الخامسة عشرة: كُلِ البَقْل، ولا تسَل عن المِبقَلة، بمعنى: خُذها مِن أي وعاء خرج: ﴿الحكمة ضالَّة المؤمن، أنَّى وجدها فهو أحق بها﴾ فلا تَحقِر على الطريق أحداً أن تأخذ منه الحكمة؛ فقد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر. . والدر در ثمين أينما كانا ورسول الله ﷺ وهو الأُسوة والقُدوة قد أقرَّ أبا هريرة ﵁ على أن يأخذ ما فيه نفعه من أخبث مخلوق؛ ألا وهو إبليس، الذي كان يسرق من التمر الموكل بحفظه أبو هريرة، ثم افتدى نفسه من أبي هريرة بتعليمه آية الكرسي كحافظ له من الشيطان حتى يصبح، فلما أَخبرَ أبو هريرة رسول الله ﷺ بذلك، قال: ﴿صَدَقَكَ وهو كَذُوب﴾ فالحكمة قد يتلقاها الفاجر فلا يَنتفِعُ بها، وتُؤخذ عنه ويُنتفع بها، والكذَّاب قد يَصدُق، فَاعلمْ وَحَقِّقْ. لا تحقرن الرأي وهو موافقٌ حكم الصواب إذا أتى من ناقص فالدر وهو أعز شيء يقتنى ما حط قيمته هوان الغائص

стр. 539

احترام الحقيقة وتجنب المبالغة السادسة عشرة: احترِم الحقيقة، وتجنَّب الإغراق في المبالغة؛ فهي قبيحة تشوِّه الحقيقة، تَقرِّب البعيد، وتُبعِد القريب، وتُظهِر غبشاً في الرؤية على الطريق، إنها سماجة واستخفاف بعقل السامع، وسخرية من وجدانه -كما يقول صاحب زغل الدعاة - تهويل وتزييف للواقع، شَطَطٌ وتفخيم وتضخيم ضد الحقيقة، بل عجز عن رؤية الواقع على ما هو عليه، وضَعف في النفس مشين؛ حتَّى يُرَى سيئاً مَا لَيس بالسوء ويرى حَسَناً مَا لَيس بِالحَسَنِ. الإغراق في المبالغة سلبية في حياة عامة الناس، وهي ظاهرة في سلوك المجتمع والأسرة والفرد، وقد تُعالَج بمثلها؛ داءٌ بداء فأين الدواء؟! في كتاب: السلوك المثالي للطفل المسلم ما فحواه: يقول: جاء طفل مسرعاً نحو أمه قائلاً: لقد وجدت في الحمام فأراً يا أمَّاه مثل الفيل، فردَّت عليه الأم مؤنِّبة له: قلت لك مليون مرة: لا تُبالغ. فقل لي بالله: أيُّهم أكثر مبالغة؟ ألَيْس الطفل معذوراً فيما أخبر به أُمَّه؟! بلى، وحاله: محضتني النصح لكن لست تعمله فأنت أولى بذا مني على خجل هذا على مستوى الأسرة والعامة، وتلك -والله- فاقرة، وقبيحة، وقاصمة، لكنها في حق طلاب العلم والأخيار ثَغرة كبيرة في جدران بنيانهم التربوي لا تكاد تُسدُّ. فكل كسوف في الدراري شنيعة ولكنه في الشمس والبدر أشنع إنها تظهر جليَّة مَشينة بالحكم على الآخرين؛ قَدحاً ومدحاً، فهذا يمدح ممدوحه حتى يوصِلَهُ ذرى الجبال، فلا تزال تَسمعُ ما يلي: فلان ابن تيمية عصره، وابن حَجَر زمانه، وبُخارِي أوانه، ليس له مثال، عَلاَّمة فَهَّامَة، حتى إذا ما حصل أمر أيُّ أمرٍ تغيَّر، وتبدَّل، وصار الأنف ذَنَبَاً، نُصِبت له المجانيق، وأُرسِلت الصواعق، وسُلَّت السيوف، ورُفِعت المَعَاول، ومن قمم الجبال إلى حضيض الإهمال، فإذا هو مارِد خرج من قُمقُمِه، فإيَّاك وإيَّاك! لا تتَّبِع أقواله؛ إنه غَاوٍ، مُضِل، مَارِق، مُعانِد، خَائِن، فاسِد العقيدة، أشر على الإسلام من اليهود والنصارى. حَيْفٌ، وظلم، وشَطَط، وجور، وعدم اتِّزَان، وتدمير جَنَان. يا عين سحي يا قلوب تفطري يا نفس رقي يا مروءة نادي إن دام هذا ولم يحدث له غير لم يبك ميت ولم يفرح بمولود يا معشر القراء يا ملح البلد ما يصلح الملح إذا الملح فسد رحم الله القائل-يوم قال-: والله إنَّ الأُمَّة لن تأخذ مَوضعها بين الأمم؛ حتى تضع الكلمة في موضعها. كيف تحيا أمة قد ودعت كلمة العدل ولم تدكِرِ

стр. 540

خطر المبالغة فهيا أخي: أقبل بقلبك وقالَبك، واسمع إلى صاحب كيف تحاور وهو يخاطبك قائلاً: لتبتعد عن تهوين ما لا يعجبك، وتهويل ما يعجبك؛ فإنَّك إن اشتهرت بذلك، فسيضطر صاحبك لتفحُّص عينيك عند سماع جديد الأخبار منك. إنَّ الحقيقة غالية عند أصحاب النفوس القويمة، والعقول المستقيمة، ولو كانت في غير صالحهم، فهي على مرارتها ثمينة، أمَّا غيرهم فيخدع نفسه، ويخدع غيره. فلا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفَي قصد الأمور ذميم بالملح نصلح ما نخشى تغيره فكيف بالملح إن حلت به الغير صور العمى شتى وأقبحها إذا نظرت بغير عيونهن الهام دواؤك منك ولا تشعر وداؤك فيك ولا تبصر

стр. 541

الأصل في المسلم السلامة السابعة عشرة: الأصل في المسلم السلامة: من المبادئ المهمة في التعامل على الطريق بين المسلمين: إحسان الظن بهم، وخَلع المنظار الأسود عند النظر إلى مواقفهم وأعمالهم، فكيف بنيَّاتهم، والحكم على سرائرهم، التي علمها عند من لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه سر وعلانية؟ الأصل في المسلم الستر والصيانة حتى تظهر منه الخيانة، لكن من الناس من مِنظاره أسود، أفهام الناس عنده سقيمة، ومقاصدهم سيئة، كلما سمع من إنسان خيراً كذَّبه، وكلما ذُكر عنده أحد بخير طَعَنَ فيه وجَرحه. هم الشوك والورد أقرانهم وليس لدى الشوك غير الإبر فكنت كذئب السوء لما رأى دما بصاحبه يوما أحال على الدم يقولون لي أهلا وسهلا ومرحبا ولو ظفروا بي ساعة قتلوني مُبدع، لكنه إبداع سلبي، مُبدع في تحطيم ما بيْنه وبين الناس من جسور الثقة، والذي يريد هداية الناس يبني جسور الثقة بينه وبين الناس؛ ليكسَب القلوب، فيزرع فيها خوف وحب علاَّم الغيوب.

стр. 542

العز بن عبد السلام وسلامة صدره هاهو الشيخ العز بن عبد السلام ﵀ لقي من صنوف الأذَى على يدي الأشرف موسى ما لقي، ثم رجع الأشرف إلى الحق بعد ما تبيَّن له، وأحبَّ الشيخ حُباً جَمّاً، وقدَّمه على غيره، وعمل بفتاواه، ولمَّا مرض الأشرف قال: يا عز؛ اجعلني في حِلٍّ، وَادْعُ لي، فقال الشيخ: أما مُحَالَلَتُك، فإنِّي كل ليلة أُحَالِلُ الخلق، وأَبِيتُ وليس عندي لأحد مَظلمة، وأرى أن يكون أجري على الله، لا على عباد الله؛ عملاً بقول الله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠]. صفوحٍ عن الإجرام حتى كأنه من العفو لم يعرف من الناس مجرما وليس يبالي أن يكون به الأذى إذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما ثم أوصاه الشيخ بالصلح مع أخيه فتمَّ له ذلك، ثم ذَكَّره بمنع المنكرات، وإبطال ما يمارس العُمَّال من المُوبِقات مِن إباحة الفُروج وإدمان الخمور وارتكاب الفُجور، وقال له: إنَّ أفضل ما تَلقى الله به أن تُبطل ذلك في مملكتك، فأَمَر بإبطال ذلك كله، وقال للشيخ: جزاك الله خيراً، وجمع بيني وبينك في الجنة بمَنِّه وكرمه، ولَقي الله، فرحمه الله! هكذا أخي يجب أن نكون من حسن الظن بالمسلمين، حتى نَصِل بدعوتنا إلى سُوَيْدَاء قلوب المدعوين. فمن وجد الإحسان قيدا تقيدا وعلنا أنْ نَطَّرِحَ سوء الظن واتباع الهوى، فاتباع الهوى يُفرِّق ويشتت ويمزق؛ لأن الحق واحد، والأهواء بعدد رءوس الخلق، ومن أضلُّ ممن اتبع هواه بغير هُدى من الله؟! تراه كدود القز ينسج دائماً ويهلك غماً وسط ما هو ناسجُ فخير لك -إن أردت النجاة على الطريق- أنْ تسيء الظن بنفسك لا بالمسلمين؛ لأنَّ حُسن الظن بالنفس يمنع كمال التفتيش عن عيوبها، ويُلبِّس عليك مثالبها، فترى المساوِئ محاسن، والعيوب كمالاً. وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا فلا يسيء الظن بنفسه إلا من عرفها، ومن أحسن ظنه بنفسه فهو أجهل الناس بنفسه. ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى إلى بعض ما فيه عليك مقال إذا رأيت الهوى في أمة حكماً فاحكم هنالك أن العقل قد ذهبا

стр. 543

البشر عرضة للخطأ الثامنة عشرة: من ذا الذي تُرضى سجاياه كلها؟ ما مِنَّا أحد إلا وَلهُ زلَّة وخطأ وسَقطة، ورأي قد يكون فيه كَبوة، وزلَّة المسلم إمَّا أنْ تُعرف، وُتشاع، وتُذاع، فيستمرئها صاحبها وينسلخ عنه الحياء ويصعب عليه الرجوع -كما يقول صاحب ضوابط العمل - وإمَّا أنْ تكون زلته حبيسة في صدره، لا يعلمها إلا الله وحده، فهذا رجوعه أسرع بإذن الله وأقرب، فلا يكن أحدنا عوناً للشيطان على أخيه، فَلَيسَ الذِّئبُ يَأكُلُ لَحمَ ذِئب. ولا يجُوز الباب إلا عاقل مؤمن، يختار رضوان الله العلي الكبير، إنَّ العامل يتعرض لعَثرات، وقد يحصل منه هَفَوات، ثم ينبري له مَن سِلْمُه حَرْب، وذَلُولُه صعب، يشيع ويذيع، لا يَقرُّ له قرار، ولا ينعَم له بال، كأنما يتقلب على حَسَك السَّعْدَان، أو يَتَلَوَّى على جمر الغضا، ينحب وينبح ويلهث، يَنكَأ جروحاً، ويُثير أشجاناً، يرفع عقِيرته، لا يعجبه أحد، ولا يرتاح لبُرُوز أحد، إرضاؤه لا يُدرَك، أَطْيَش من ذُباب لو وُزِنت أحلامه الخِفافا على الميزان ما وزنت ذبابا جليد، بليد. وما على الكلب أن يعتاده السعر ومن العجا ئب أن مثل لسانه لم يبتر فمطالب بإعادة، ومطالب بزيادة، ومهلل، ومصفق كالكلب إن جاع لم يمنعك بصبصة وإن ينل شبعا ينبحك من أشر . فيا عجبا من زائر وهو ثعلبُ يخال سكوت الليث وهنا فيعتدي غرورا وينسى بأسه حين يغضب فالتعامل معه كالآتي: لا يُلتفت إلى ما في كلامه من طعن، ويُؤخذ ما فيه من حق -إنْ وُجد-فإنَّ الحق هو الحق، وللداعية خيرُه، وعلى الطَّاعِن شَرُّه. فما الأسد الضرغام يوماً بعاكس صريمته إن أَن أو بصبص الكلب

стр. 544

التغاضي عن هفوات الكرام يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: بعض الناس لا تراه إلا مُنتَقداً، ينسى حسنات الطوائف والأجناس، ويذكر مَثَالبهم، فهو مثل الذباب؛ يترك موضع البُرْء والسلامة، ويقع على الجرح والأَذَى، وهذا من رَداءة النفوس، وفساد المِزاج؛ فَارْبَأ بنفسك أن تكون كصغار الكلب أو شر الطَّبْل على حد قول القائل: صغار الكلب أكثرها عواءً وشر الطبل أكثرها دويا صغير العقل بالأعراض يلهو وذو اللب الرجيح يراه غيا ومن نظر الأمور بعين عقل جرى في هذه الدنيا أبيا إنَّ الوقيعة -كاسمها- شر، وفساد، وفُرقة، وتمكين للعدو، وبهتان، نهايتها خصومة وتَدابُر، وقطيعة، وقعود، وقَرَارٌ لعين العدو، وهلاك على الطريق، وهكذا الذباب على الطعام يطير، والفراش على الشهاب يسّاقط. كلام من كان مثل ذا ومنظره مما يشق على الآذان والحدق فلا تُعره اهتماماً على الطريق، ولا تنتصر لنفسك، فإذا انتصرت لها فأنت كمن بغى طَفي الحريق بموقد النيران.

стр. 545

لا ينبغي الطعن في الآخرين بمجرد الاختلاف معهم واعجباً لمسلم قبل أن يتعلم مسألة من مسائل الدين، يتعلم كيف يقع في إخوانه المسلمين، ثم يريد أن ينجح ويفلح، متى يفلح؟ متى يفلح مَن يطعن في أقوام لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة من سنين؟ متى يفلح من يشفي صدور قوم كافرين بالوقوع في إخوانه المسلمين؟! تعشى عيون في النهار فلا ترى وترى عيون في الظلام وترقب ويسير ذو جهلٍ بحكمة غيره ويتيه ذو العقل السديد ويسلب فيا معاشِر الموحدين! إنَّ أي إنسان يستطيع أن يرمي غيره بكل نقيصة، لكنه لا يستطيع أن يُثبت دعواه إلا إذا كان صادقاً! وكم على الأرض أشجار مورقة وليس يرجم إلا من به ثمر كل يصيد الليث وهو مقيد ويعز صيد الضيغم المفكوك واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، ولو أنه كلما اختلف اثنان تهاجرا وتقاطعا ما بقي بين المسلمين أُخوَّة؛ فَلْيتَّقِ الله امرؤٌ في إخوانه، وليتسع صدره لوِجهات نظرهم، فلا تذهب معه المروءة والمحبة، والمؤمن يستر وينصح، لا يهتك ولا يفضح. أمنا التقوى وقد أرضعتنا من هواها ونحن نأبى الفطاما فاشرب من الماء القراح منعماً فلكم وردت الماء غير قراح وهات حديثاً كقطر الندى يجدد في النفس ما بددا فيضحي لآمالنا منعشاً ويمسي لآلامنا مرقدا وقفة جانبية أخرى على الطريق: تقول: لا تسل لئيماً؛ فأذل من اللئيم سائله. من كان يأمل أن يرى من ساقط نيلاً سنيا فلقد رجا أن يجتني من عوسج رطباً جنيا

стр. 546

الاعتناء بالحقائق وعدم الاغترار بالمظاهر التاسعة عشرة: ما كل عُود ناضر بنُضار: ما كل مَن حَسُن منظره حسن مَخبَره، فلا تُغَلب المظاهر على الحقائق على الطريق: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] وابلُه تَقْلِه أو تحببه. فما الحسن في وجه الفتى شرف له إذا لم يكن في فعله والخلائق إنَّ من عباد الله على الطريق من تشرئب إليه الأعناق، ويسترعي الانتباه، لكنه خائر بائر لا خير فيه، فلا يُغتَرُّ به. لهم منظرٌ في العين أبيض ناصع ولكنه في القلب أسود أسفع فمردودٌ بهاؤهم عليهم كما رد النكاح بلا ولي ومِن عباد الله على الطريق من لا تشرئب إليه الأعناق، ولا يسترعي الانتباه، لكنْ يجري الله على يديه الخير الكثير. متبذل في القوم وهو مبجل متواضع في الحي وهو مكرم ثبت أنه مر رجل على رسول الله ﷺ فقال لرجل عنده جالس: ﴿ما رأيك في هذا؟ قال: رجل من أشراف الناس، حَرِيٌّ -والله- إن خَطَبَ أنْ يُنكح، وإنْ شَفَعَ أن يُشَفَّع، فسكت رسول الله ﷺ ، ثم مر رجل آخر، فقال ﷺ للرجل: ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله! هذا رجل من فقراء المسلمين، حَرِي إنْ خَطَبَ ألا يُنكَح، وإنْ شَفَعَ ألا يُشَفَّع، وإنْ قال ألا يُسمَع لقوله، فقال ﷺ : هذا خير من ملء الأرض مثل هذا﴾. وبعض الناس ماء رباب مزنٍ وبعض الناس من سبخ الملاح والسيف ما لم يلف فيه صيقلٌ من طبعه لم ينتفع بصقال والسيف ليس بضائرٍ إذا صح نصل السيف ما لقي الغمد ولا ينفع الأصل من هاشمٍ إذا كانت النفس من باهلة دخل أعرابي رث الهيئة في عباءة خَلِقَة على معاوية ﵁ وأرضاه فاقتحمته عينه، وغدا ينظر إلى عباءته الخَلِقَة، فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين! إن العباءة لا تكلمك، وإنما يكلمك من فيها. وما ضر نصل السيف إخلاق غمده إذا كان عضباً حيث أنفذته يبري فإن تكن الأيام أزرت ببزتي فكم من حسامٍ في غلافٍ مكسر فأدناه وقربه، وعلم أن في العباءة ما فيها. عجبت لمن ثوبه لامع ولكنما القلب كالفحمة مظاهر براقة تحتها بحار من الزيف والظلمة وتكلم آخر مُحتقر، عند عبد الملك بكلام ذهب فيه كل مذهب، حتى خُلِب به لب عبد الملك وأُعجب به، فقال له: ابن من أنت؟ فقال: أنا ابن نفسي يا أمير المؤمنين التي توصلتُ بها إليك، وأهلتني لأن أتكلم بين يديك فأَخْلِب لُبَّك، أبى الله أن أسمو بجد ولا أب. فما أنا إلا السيفُ يأكل جفنه له حليةٌ من نفسه وهْو عاطلُ وليست رغوتي من فوق مذق ولا جمري كَمِين في الرمادِ قال: صدقت فما الفخر بالعظم الرميم وإنما فخار الذي يبغي الفخار بنفسه

стр. 547

التجمل أمر مشروع لكنه ليس مقياساً للتفاضل إنَّ من أحوال المسلم أن يَحْتفي ويَنْتعل، ويمتشط ويدع ذلك، ويلبس اللباس الجميل والحذاء الحسن، ومع هذا لا تتحكم هذه المظهرية فيه، ولا يوزن بها، ولا تأسر شخصيته، فهو يحكمها ويأسرها، خلافاً لموازين معكوسة جعلت المظهرية هي الميزان. قيمةُ المرءِ عندهم بين ثوبٍ باهرٍ لونُه وبين حذاءِ ماذا لو خرج العالم حافيًا بين الناس؟ أينقص علمه وقدره؟ ماذا لو انتعل الغبي الجاهل أحسن النعال، أيصبح عالماً فقيهاً؟ ماذا لو لبس المعتوه أحسن الثياب وأجملها، أيغْدُو ذا لبٍ؟ إن كان في لبس الفتى شرف له فما السيف إلا غِمْده والحمائلُ إنَّ الاكتفاء في المقاييس بارتداء الملابس والامتشاطات الساحرة والعطور المنعشة مع عدم النظر إلى التقوى والعلم، والرأي حَيف ونكسة. رب ذي مظهرٍ جميلٍ توارى خلف أثوابه فؤاد خئون إن اللباس الحسن والترجل والتطيب من الأمور المشروعة ومن زينة الحياة، لكن ليست هي الأصل، وليست هي المقياس في الحكم على الناس، إن التراب مكمن الذهب، فلا يغرنَّك حسن المظهر وحسن الهيئة وجمال الهندام والبزة، فكم ممَّن ارتداها وهو يحمل بينها نخاعاً ضامراً، وفكراً بائراً، وقلباً حائراً، فهل يقدم مثل هذا؟ كلا. وهل تروق دفيناً جودة الكفن ﴿رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبرَّه﴾ كما ثبت في صحيح مسلم ﵀. لا يغرنك البهاء والصور تسعة أعشار من تراهم بقر ولكن أكثر الناس لا يعقلون، فالعبرة كل العبرة بصلاح القلوب والأعمال لا بالصور والأموال، ولا بالمظاهر والأشكال، وإنما تُنْصر الأمة بضعيفها، بصلاته ودعائه، فلا تَغرنَّك المظاهر؛ وابْلُ الرجال تحبهم أو تُبغضهم، ومن ثمارهم تعرفونهم. وعلى الفتى لطباعه سِمة تَلُوح على جبينه لقد عظم البعير بغير لب فلم يستغن بالعظم البعير يُصرفه الصغير بكل وجه ويحبسه على الخسف الجرير وتضربه الوليدة بالهراوى فلا غير لديه ولا نكير فإن كنت في شك من السيف فابله فإما تنفيه وإما تعده

стр. 548

التحذير من العجب العشرون: بقدر الصُعود يكون الهبوط؛ بمعنى: احذر العُجْب والتَّعالي والغرور؛ فهو دليل السَّفه، ونقص العقل، ودُنُوِّ النفس، لا يزال الشيطان بالإنسان إلى أن ينظر إلى نفسه وعمله نظرة إعجاب وغرور وإكبار، فيقول له: أنت فعلت وفعلت، حتى يُلْقِي في روْعه أنَّه لا مثيل له ولا نظير، فيعجب بنفسه ويغتر، فيهلك وهو لا يشعر، ثم يتوقف عن العمل فيشقى؛ لأنَّ السعادة إنَّما تُدرك بالسعي والطلب، والمُعْجَب يرى أنه وصل فلا حاجة للسعي، فيقضي العمر كله وهو يراوح مكانه، لا يتقدم لِمَكْرُمةٍ، ولا يرْتَقِي لمنزلةٍ، ولولا السعي لم تكن المساعي. فما خير برق لاح في غير وقته وواد غدا ملآن قبل أَوانه عند ذلك يرفض الحق، ويحتقر الخَلْق، ويُدَاوم تَزْكية النَّفس أمام الخلق، ويفرح بعيوب أقرانه من الخلق، ثم يَسْتعصي على النصح، ولا يعترف بجهود الآخرين، يُداوم الحديث عما ينجزه من أعمال، ويرفض الرجوع عن الخطأ، بل يُحاول تبرير الخطأ، يَسْتَبِد بِرأْيه؛ فرأيه صواب لا خطأ فيه، لا يستشير أهل التجارب العقلاء، ولا يستنير بآراء الأكياس الفُطَناء، يَهْتَم بشواذِّ المسائل وغريبها، ويُهمل العمل بأصول المسائل، ثم يرفض الجلوس للتَّعلم في حلقات العلم. ألج لجاجاً من الخنفساء وأزهى إذا ما مشى من غراب هو الغريق فما يخشى من البلل جذ السنام له وجذ الغارب فحاله يا له من حال! كالصخرة الصماء الضخمة على القمة والسفح، تغادرها خيرات السماء حتى تجتمع في الأرض المنخفضة، أو كالبرغوث يحيا ما دام جائعاً، فإذا شبع مات، أو كراكب أراق ماءه لرؤية السَّراب، ثم ندم حيث لا ينفع ندم ولا حسرة، أو كرجل في قمة جبل يرى الناس في السَّهل كالنمل، ويراه الناس في القمة كالذر وهو لا يشعر. مثل المعجب في إعجابه مثل الواقف في رأس الجبل يبصر الناس صغاراً وهو في أعين الناس صغيراً لم يزل أو كالسُّنْبلة الفارغة من الحب بين السنابل المملوءة بالحب، تجدها رافعة رأسها تتعالى على صديقاتها وصُوَيْحباتها، مع أنها لا تصلح إلا علفاً للحيوان، والمملوءة حباً مثقلة بالخير، قد انحنت برأسها ككريم الأصل كلما ازداد من خير تواضع وانحنى العجب باختصار كلبٌ ينبح في قلب صاحبه، والملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة أو كلب. فتنةٌ تضحك أَرْباب النُّهى من مخازيها وتُبْكي البشرا

стр. 549

مآل العجب والنتيجة مخزية، فنعوذ بالله من الخزي والبوار، يُحْرم المُعْجَب من توفيق الله، فالخذلان موافق له ومصاحب له: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [الأعراف:١٤٦] وتبعاً لذلك: ينال غضب الله ومقته، إن لم يتب. ثبت عنه ﷺ أنَّه قال: ﴿لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر﴾. وثبت أيضاً: ﴿من تعظم في نفسه، واختال في مشيته، لقي الله وهو عليه غضبان﴾. ثم ينهار المُعْجَب وقت الشدة والمحنة؛ لأنه لم يحفظ الله في الرخاء، فجدير بأن يُخْذَل وقت المحنة: ﴿تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة﴾ كما ثبت عنه ﷺ . ثم إن المُعْجَب يخلق بينه وبين مَدْعُوِّيه جفوةً وفجوةً لا تكاد تُردم، فالقلوب جُبِلَت على بغض من يتعالى عليها، ومن ثَمَّ لا تُقبل دعوته، والمُعْجَب عُرْضَة لانتقام الله العاجل والآجل: ﴿بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه، مرجِّل جُمَّتَه، يختال في مشيته، إذ خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة﴾ كما روى البخاري ﵀. أتت النوى دون الهوى فأتى الأسى دون الأُسى بحرارةٍ لم تبرد خدعتهم الأحلام في سنة الكرى ما أكذب الأحلام والتأويلا

стр. 550

أسباب العجب وبواعثه له أسباب وبواعث، لعل منها ما يلي باختصار: انحراف المُرَبّي في هذا الجانب إذ يلمس منه حب المحمدة، ودوام تزكية النفس بالحق أو الباطل، فيتأثر به من تحت يده. ثم المدح من غير ضوابط شرعية؛ بأن يكون بالحق وغير مجاوز للحد، ومع من لم تخش عليه الفتنة. ثُمَّ صُحبة المُعْجَبين، والمرء على دين خليله، والصاحب ساحب كما قيل. ثم الصدارة قبل النُضُوج والتربية، فالتفقه في دين الله ضرورة قبل الصدارة: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢]. وقد يكون السبب عراقة الأصل والنسب لبعض العاملين، تحمله على استحسان ما يعمله؛ مع أن النسب لا يُقَدم ولا يُؤَخر: ﴿كلكم لآدم وآدم من تراب، لينتهين أقوام عن الفخر بآبائهم أو ليكونُنَّ أهون على الله من الجُعْلان﴾.

стр. 551

علاج العجب علاج العجب: وبعد هذا كله فإني أعرض عليك نقاطاً عدة لعل فيها العلاج لمن أُصِيب بهذا الداء، عافاني الله وإياكم منه. أولاً: العلم واليقين بأن المِنَة لله فيما أُعْطِيت من مواهب وقدرات، والله قادر على أن يَسْلبها ما بين غَمْضَة عين وانْتِبَاهتها: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]. ثانياً: دوام حضور مجالس العلم تلميذاً؛ فإن في ذلك تطهيراً للنفس من ذلك الداء وتعريفاً لها بقدرها؛ وذلك هو الدواء. ثالثاً: خدمة من هم دونك مرتبةً وعلماً وقدراً، ومجالستهم ومؤاكلتهم، وشعارك: مسكين بين ظهراني مساكين، فمن وضع نفسه دون قدره رفعه الناس فوق قدره. رابعاً: النظر إلى من هم فوقك علماً ومنزلةً وعملاً ورأياً وتفكيراً، إن أعجبت بعقلك، ففكر في كل فكرة سوء تحل بخاطرك، فإنك تعلم نقص عقلك حينئذ، وإن أُعْجِبت برأيك، فتفكر في سقطاتك فاحفظها، ثم انظر إلى من هو أعلى منك رأياً، إن أعجبت بعلمك فاعلم أنه موهبة من الله، وانظر إلى من هو أعلم منك: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]. خامساً: تأمل عيوب النفس، ثم جد في محاسبتها أولاً بأول، وأنت أعرف بنفسك، كلٌ منا يصف أواني بيته ومحتوياته، ورَبُّ البيت أدرى بما فيه، وأهل مكة أدرى بِشِعَابها، والصيرفي أعرف بنقد الدينار، فإن خفيت على المرء عيوبه حتى ظن أن لا عيب فيه؛ فليعلم أن مصيبته إلى الأبد وأنه أتم الناس نقصاً، وأعظمهم عيوباً، وأضعفهم تمييزاً، كما يقول ابن حزم: فالعاقل مَنْ ميَّز عيوب نفسه فجَاهَدَهَا، وَسَعى في قمعها، والأحمق من جهل عيوب نفسه، وأحمق منه من يرى عيوبه خصالاً يعجب بها. من أنت إلا عبد مُكَلف موعود بالعذاب إن قَصَّر، مَرْجو بالثواب إن ائتمر، مُؤَلَّف من أقدار، مشحون بأوضار، سائر إلى جنة إن أطاع وإلا إلى نار، أجارك الله من سامع من النار. كيف يزهو من رجيعه أبد الدهر ضجيعه وهو منه وإليه وأخوه ورضيعه وهو يدعوه إلى الحش بصغر فيطيعه لو فكر الناس فيما في بطونهم ما استشعر العجب شبان ولا شيب هل في ابن آدم غير الرأس مكرمة وهو ببضع من الآفات مضروب أنف يسيل وأذن ريحها سهك والعين مرمصة والثغر ملعوب يا بن التراب ومأكول التراب غداً أقصر فإنك مأكول ومشروب وأتم الناس أعرفهم بنقصه كما قيل. سادساً: اجلس حيث ينتهي بك المجلس، فذلك أدعى لكسر نخوة النفس وعجبها، واتباع للسنة، وأَنْعِم بها من خُلَّة. إذا لم يكن صَدرُ المجالس سيداً فلا خير في مَنْ صَدَّرته المجالس سابعاً: إنَّ التعويل على رحمة الله لا على العمل فحسب، يقول ﷺ كما في البخاري: ﴿لن ينجي أحداً منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته﴾. ثامناً: تعويد النفس على حب الفرار من الشرف حتى تعتاد، فمن فرَّ منه وهب له، ومن تواضع لله رفعه، ومن تكبر وضعه. يقول المدائني: رأيت رجلاً من باهلة يطوف بين الصفا والمروة على بغلة في تيه وعجب، ثم رأيته سافراً راجلاً متعباً مُنْهكاً يحمل متاعه على ظهره، فقلت له: أراجل في هذا الموضع، وأنت من يطوف بالبغلة بين الصفا والمروة؟ قال: نعم، ركبت حيث يمشي الناس، فكان حقاً على الله أن أمشي حيث يركب الناس، ومن تواضع لله رفعه. تاسعاً: الاستعانة بالله، واللجوء إلى الله أن يطهرك من هذه الآفات، ومن استعان بالله أعانه الله. فسل العياذ من التكبر والهوى فهما لكل الشر جامعتان وهما يصدان الفتى عن كل طر ق الخير إذ في قلبه يلجان والله لو جردت نفسك منهما لأتت إليك وفود كل تهاني عاشراً: المُجَاهدة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]. حادي عشر: إذا أُعْجِبت بمدح إخوانك، فَفَكِّر في ذَم أعدائك إيَّاك، فإن لم يكن لك عدو، فوالله لا خير فيك، فلا منزلة أسقط من منزلة من لا عدو له، فليست إلا منزلة من ليس لله عنده نعمة يُحسد عليها، عافانا الله وإياكم كما يقول ابن حزم ﵀. ثاني عشر: التدبُّر والنظر في سيرة الرسول ﷺ والصحابة ومن بعدهم، ففيهما لمن تدبر عظة وذكرى، ثَبَتَ عنه ﷺ -وهو سيد ولد آدم، وخير من دبَّ على الثرى، وهو الأسوة- أنَّه كان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويَعْتَقِل الشَّاة، ويُجِيب دعوة المملوك، ويركب الحمار، ويقول: ﴿إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد﴾ ويقف بين يديه رجل يرعد كما تَرْعَد السَّعفة فيقول: ﴿هوِّن عليك؛ فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد﴾ يمر بالصبيان فيسلم عليهم. قُسِمَ التَّواضع في الأنام جميعهم فذهبت أنت فَقُدتَه بِزِمَامه صلوات ربي وسلامه عليه، يقول أنس: ﴿إن كانت الأَمَة من إِماء المدينة لتأخذ بيد النبي ﷺ فتنطلق به حيثُ شاءت﴾. ﴿كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة﴾. ﴿كان يَخِيطُ ثوبه، ويَخْصِفُ نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم﴾. ﴿إذا صافح الرجل لم ينزع يده من يده حتى يكون هو الذي ينزع يده﴾. لا يأنف ﷺ أن يمشي مع الأرملة والمسكين، فيقضى له الحاجة. وكان يزور الأنصار، ويسلم على صبيانهم، ويمسح رءوسهم ويعود مرضاهم، يشهد جنائزهم، يدعونه إلى خبز الشعير فما يردهم. فكلُّ فعلٍ كريم كان فاعله يحيي القُلوب ويحيي ميِّت الهِمَمِ صلوات الله وسلامه عليه. يلين لكل ذي ضعفٍ وعجز وكم لان لذي جهل فَلانا رسول يحمل الأطفال لطفاً ويجعل عاتقيه لهم حصانا ويختصر القراءة حين يبكي صبيٌّ والموفق من ألانا يلاطف أهله أَكْرِم بزوجٍ يعفُّ الأهل يغمرهم حنانا يقاسمهم متاعبهم معيناً. فكم خصف النِّعال وخاط ثوباً وكم من شاته ملأ الجفانا زعيم القوم خادمهم فطوبى لمن خدم الرعية أو أعانا تشبه بالرسول تفز بدنيا وأخرى والشقي من استهانا فأخلاق الرسول لنا كتاب وجدنا فيه أقصى مبتغانا وعزتنا بغير الدين ذل وقدوتنا شمائل مصطفانا صلوات الله وسلامه عليه. ويأتي من بعده كوكبةٌ من أتباعه الذين رباهم ﷺ ، ليَنْهَجوا نهجه، ويَسْتَنُّوا بسنته، فإذا أنت بخير من دب على الثرى بعد الأنبياء والمرسلين؛ أبو بكر ﵁ وأرضاه يبعث وينفذ جيش أسامة ضارباً بكل مثبط عرض الحائط، ليخرج في وداعه ماشياً وأسامة راكباً، يقول أسامة: [[يا خليفة رسول الله؛ لتركبن أو لأنزلن. فيقول: والله لا ركبتُ ولا نزلتَ، وما عليَّ أن أُغَبِّر قدميَّ في سبيل الله ساعة، وإن شئت أن تُعينني بـ ابن الخطاب فافعل]]. ثم يقولها أخرى: [[لو يعلم الناس ما أنا فيه لأهالوا عليَّ التراب]]. عَضْبُ العزيمة في المكارم لم يدع في يومه شرفاً يطالبه غدا ورُوِى عن الفاروق: أنه لقيه أحد الصحابة وهو يحمل قربة على عاتقه، فقال له: [[يا أمير المؤمنين! أغناك الله وأرضاك، وخَوَّلَك الله وأعطاك، فما يَحْمِلُك على ما أنت فيه؟ قال: إن ما تقوله حق، لكن لما جاءت الوفود سامعة مطيعة، دخلتني نخوة، فأردتُ أن أَكْسِر تلك النخوة في قلبي، ثم مال بالقربة إلى حجرة أرملة من الأنصار، فأفرغها في جرارها]]. فمن يباري أبا حفص وسيرته ومن يُحاول للفاروق تشبيها ثم ينادي عمر يوماً: الصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس وكثروا، وقالوا: الأمر خطب وعظيم، صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على نبيه ﷺ ثم قال: [[أيُّها الناس؛ لقد رأيتني وأنا أرعى غنيمات لخالات لي من بني مخزوم على قبضة من تمر، أو قبضة من زبيب، فأظل يومي وأي يوم، وأستغفر الله لي ولكم ثم نزل من على المنبر. فقال ابن عوف ﵁: وَيْحَك يا أمير المؤمنين، ما زدت على أن قمئت نفسك وعبتها أمام الرعية، فقال: ويحك يـ ابن عوف! لقد خلوت بنفسي فحدثتني فقالت: أنت أمير المؤمنين، من ذا أفضل منك، فأردت أن أُذِلَّها وأُعَرِّفَها قدرها]]. كذلك أخلاقه كانت وما عُهِدَت بعد أبي بكر أخلاقٌ تُحاكيها لعل في أمة الإسلام نابتة تجلو لحاضرها مرآة ماضيها وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الحسن قال: [[رأيت عثمان ﵁ نائماً في المسجد في ملحفةٍ له، ليس حوله أحد، وهو أمير المؤمنين]]. ظهر الحيا وانهل ذاك البارق ونداك فياح ومجدك سابق وتقسم الناس الحياء مجزءاً فذهبت أنت برأسه وسنامه رضي الله عن عثمان، وعن صحابة رسول الله ﷺ . ويُخْرِج ابن عساكر عن زادان أنَّ علياً ﵁ كان يمشي في الأسواق وحده وهو خليفة، يرشد الضَّال، وينشد الضال، ويعين الضعيف، ويمر بالبيَّاع والبقَّال، فيفتح عليه القرآن. ويرد في صفوة الأخبار: أنه اشترى لحماً بدرهم فحمله في ملحفة، فقال له رجلٌ: أحمل عنك يا أمير المؤمنين. قال: [[لا. أبو العيال أحق أن يحمله]] ما تواضع أحد لله إلا رفعه. فَرع سَما في سماء العز مُتخذاً أصلاً ثوى في قرار المجد مغروسا وخالد ما خالد؟ أعني ابن الوليد ﵁ وأرضاه ما هُزم في جاهلية ولا إسلام، وهو في أوج انتصاراته، يأتيه خبر عزله من قبل أمير المؤمنين عمر عن قيادة الجيش لمصلحة يراها أمير المؤمنين، فيقول خالد: [[والله لو وَلَّى علىَّ أمير المؤمنين عبداً أسود اللون لسمعت له وأطعت، ما دام يقودني بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ]]. لانت مَهزَّته فعز وإنما يشتد بأس الرمح حين يلين وقيل لـ عمر بن عبد العزيز ﵀: لو أوصيت بدفنك بجوار عمر ﵁ في حجرة رسول الله ﷺ فقال: "والله لأَن أَلْقى الله بكل ذنبٍ غير الشرك أحبُ إليَّ من أن أراني أهلاً لتلك المنزلة، اللهم إن عمر ليس أهلاً لأن يَنال رحمتك، لكن رحمتك أهلٌ أن تنال عمر ". ينسى صنائعه والله يظهرها إن الكريم إذا أخفيته ظهرا ويأتيك الإمام مالك يَبْرق في ثوب التواضع يَرْفُل عزاً، فيقول: ما رأيت مسلماً إلا وظننت أنه خير مني. وكذا السحائب قلما تدعو إلى معروفها الرواد إن لم تبرق واسمع إلى ابن القيم وهو يُحَدِّث عن شيخه ابن تيمية ﵀ فيقول: كان كثيراً ما يردد: ما لي شيء، ما منى شيء ولا فِيَّ شيء. أنا المُكَدِّي وابن المُكَدِّي وهكذا كان أبي وجدي ويكتب بخط يده: أنا الفقير إلى رب البَرِيَّات أنا المسيكين في مجموع حالاتي أنا الظَلُوم لنفسي وهي ظالمتي والخير إن يأتنا من عنده ياتي لا أستطيع لنفسي جلب منفعةٍ ولا عن النفس لي دفع المَضَرَّات والفقر لي وصفُ ذات لازمٌ أبداً كما الغنى أبداً وصف له ذاتي وهذه الحال حال الخلق أجمعِهم وكلهم عنده عبداً له آتي يُثْنى عليه في وجهه فيقول: والله إني لإلى الآن أجدد إسلامي في كلِّ وقت، وما أسلمت بعد إسلاماً جيداً. ﵀! كأن القائل يعنيه يوم قال: فَصَعَدت في دَرج العُلا حتى إذا جِئْت النُّجوم نزلت فوق الفَرْقَد على هذا سار صحابة رسول الله ﷺ والصالحون من بعدهم، لم يتسلل العُجْب إلى نفوسهم، ولم يدخل الغرور إلى قلوبهم، تواضعوا لله فرفعهم الله، وفي الدنيا والآخرة يكرمهم بإذنه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠]. بتنا نعيش على كرام فعالهم هيهات ليس الحر كالمستعبدِ أين الجبال من التلال أو الربى ين القوي من الضعيف القعددِ لا القوم منا لا ولا أنا منهم إن لم أفقهم في العلا والسؤددِ إن عد أهل التقى كانوا أئِمتهم أو قِيل من خير أهل الأرض قِيل هم لا يستطيع جواد بعد غايتهم ولا يدانيهم قوم وإن كرموا هم الغيوث إذا ما أزمة أزِمت والأسد أسد الشرى والبأس محتدم إلى من عَمِي في شمس نهاره، وعَثُر في ذيل اغتراره، وسقط سقوط الذُبَاب على الشَّراب، وتَهَافت تهافُت الفَراش على الشِّهاب، إن العُجْب أَكْذب، ومعرفة النفس أَصْوب، ولا شيء -والله- أنفع لها من الافتقار إلى بارئها. بقدر الصُعود يكون الهُبُوط فإيَّاك والَّنفخة العاتية وكن في مكان إذا ما وقعت تقوم ورجلاك في عافية

стр. 552

الإيمان بأن المستقبل لهذا الدين الحادية والعشرون: لا تكن يائساً. فالمستقبل لدين الله، والعزة لأولياء الله، منا من رأى تَفَشِّي الشر والمُنْكر وانْتِشاره واستفحاله، رأى العدو تَبَجَّح وتَقَوَّى؛ وتحت ظِل هذه الرؤية رأى أنه مهما عملنا فلن نغير من الواقع شيئاً، ولن نَجْنِي سوى التعب والمشقة، فليس إذاً في السعي فائدة، فإذا بك تنظر إليه مُتَجَهِّم الوجه، عاقد الحاجبين، مُقَطِّب الجبين، رافعاً راية: لو أسلم حمار آل الخطاب ما أسلم عمر. يحسب يوم الجمعة الخميس، مُردداً حين يُطْلب منه خدمة دينه ولو بكلمة: (أنت تُؤَذِّن في خرابة، لا أحد حولك، وتنفخ في قرب مقطوعة) وغيرها من العبارات. تصدا بها الأفهام بعد صقالها وترد ذكران العقول إناثا هَلَك النَّاس في نظره، وقد هلك. وصف النبي ﷺ هذه النفسية وصفاً دقيقاً في قوله ما ثبت عند مسلم: ﴿إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم﴾.

стр. 553

مبشرات بانتصار الدين معاشر المؤمنين: ممَّا لا شك فيه أن حقائق اليوم هي أحلام الأمس، وأحلام اليوم هي حقائق الغد، والضعيف لا يظل ضعيفاً أبد الآبدين، والقوي لا يظل قوياً أبد الآبدين: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:٥ - ٦]. إننا نملك إيماناً بنصر الله لنا، وثقةً بتأييده لنا، ويقيناً بِسُنة الله في إحقاق الحق وإبطال الباطل، ولو كره المجرمون، واطمئناناً إلى وعده الذي وعد به المؤمنين: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥]. إنه وعد يَشْحَذُ الهِمَم، ويستثير العزائم، ويملأ الصدور ثقةً وإيماناً بأنَّ الدور لنا لا علينا، والتاريخ معنا لا علينا ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٢ - ١٧٣] سُنَّة الله رب العالمين: ﴿لا تزال طائفة من أمتي -أي: أمة محمد ﷺ على الحق منصورة لا يضرها من خالفها﴾، ﴿وليَبْلُغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بِعِزِّ عزيزٍ أو بِذُلِّ ذليل﴾ كما ثبت عنه ﷺ . فأنت -أيها المؤمن- أَجِير عند الله، كيفما أراد أن تعمل عملت، وقبضت الأجر، لكن ليس لك ولا عليك أن تتجه الدعوة إلى أي مصير، ذاك شأن صاحب الأمر لا شأن الأَجِير، وحسبك أن من الأنبياء من يأتي يوم القيامة ومعه الرجل، ومعه الرجلان، والثلاثة، ويأتي من ليس معه أحد: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٧٢] ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨]. وآية الآيات في هذا الدين أنَّه أشد ما يكون قوة، وأَصْلَب ما يكونُ عُوداً، وأعظم ما يكون رسوخاً وشموخاً، حين تنزل بساحته الأزمات، وتُحْدِق به الأَخْطار، ويَشْتَد على أهله الكُرَب، وتضيق بهم المَسَالك، وتُوْصَد عليهم المنافذ؛ حينئذٍ يحقق الإسلام مُعْجزته، يَنْبَعِث الجُثْمان الهامد، يتدفق الدم في عروق أبنائه ينطلق، ينتفض، يقول فَيُسْمِع، ويمشي فَيُسْرِع، ويضرب في ذات الإله فَيُوْجِع، فإذا النائم يصحو، وإذا الغافل يفيق، وإذا الجبان يَتَشجَّع، وإذا الضعيفُ يَتقوى، وإذا الشَّتِيت يتجمع، وإذا بهذه القطرات المتتابعة والمتلاحقة من هنا وهناك من جهود القلة تكون سيلاً عارماً، لا يقف دونه حاجز ولا سدّ. لا يزخر الوادي بغير شعاب وهل شمس تكون بلا شعاع

стр. 554

الأمة بين الانتصارات والهزائم إن هذه الأمة تَمْرض لكنها لا تموت، وتغفو لكنها لا تنام، وتخبو لكنها لا تطفأ أبداً. حين غزا التتار ديار المسلمين ودخلوها كالريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرَّمِيم، دَمَّروا المُدن، وخَربَّوا العُمْران، وأسالوا الدِماء، وأسقطوا الخلافة، وعطَّلُوا الصلوات، وألقوا أسفار المكتبات في نهر دجلة حتى اسودَّ ماؤه من كثرة ما سال من مداد الكتب، حتى أصْبَحت حضارة الإسلام والبشرية مهددة بهذا الغزو الوحشي، الذي لا يبقي ولا يذر، والذي يُذَكِّر بما جاء في وصف يأجوج ومأجوج، حتى أحجم بعض المعاصرين للحَدَث عن الكتابة فيه، ومنهم ابن الأثير يرحمه الله الذي يقول: ليت أمي لم تلدني، ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً؛ مما رأى ومن هول الفاجعة التي حلت بالمسلمين، ظن اليائسون حينها أن راية الإسلام نُكِّسَت ولن ترتفع بعد ذلك اليوم أبداً، وأن أمة الفتح والنصر قد حقَّت عليها الهزيمة، فهيهات أن تعود إلى الميدان من جديد. ولم يمضِ سوى سنوات حتى تحققت معجزة الإسلام، فإذا بهؤلاء الجبابرة الغازين للإسلام يغزوهم الإسلام، فتسقط سيوفهم في صف المؤمنين، تحت تأثير العقيدة الإسلامية، فإذا بهم يدخلون في دين المغلوبين، على خِلاف ما هو معروف من أن المغلوب مولع دائماً بتقليد الغالب المنصور و ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم:٤] ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٧] ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر:٤٤]. لا تيئسوا أن تستردوا عزكم فلرب مغلوبٍ هوى ثم ارتقى وتجشموا للعز كل عظيمةٍ إني رأيت العز صعبٍ المرتقى إنَّ قراءة متأنية في تاريخ الصليبيين وبيت المقدس تعطي الأمل بأن الواقع سيتغير، فاسمع إلى ابن كثير، وغيره من أهل السير وهم يسردون لك ذلك الحدث. في ضحى يوم الجمعة، لسبع بقين من شعبان، سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة للهجرة دخل ألف ألف مقاتل بيت المقدس، وصنعوا فيه ما لا تصنعه وحوش الغاب، وارتكبوا فيه ما لا ترتكب أكثر منه الشياطين، لبثوا فيه أسبوعاً يقتلون المسلمين، حتى بلغ عدد القتلى أكثر من ستين ألفاً، منهم الأئمة والعلماء والمُتَعبدون والمُجَاورون، وكانوا يُجْبِرون المسلمين على إلقاء أنفسهم من أعالي البيوت؛ لأنهم يُشعلون النار عليهم وهم فيها، فلا يجدون مخرجاً إلا بإلقاء أنفسهم من على السطوح، جاسوا فيها خلال الديار، وتبَّروا ما علوا تتبيراً، وأخذوا أطنان الذهب والفضة والدراهم والدنانير، ثم وُضِعت الصُلبان على بيت المقدس، وأدخلت فيه الخنازير، ونودي من على مآذن لطالما أطلق التوحيد من عليها أن الله ثالث ثلاثة -جل الله وتبارك- فذهب الناس على وجوههم مستغيثين إلى العراق، وتباكى المسلمون في كل مكان لهذا الحدث، وظنَّ اليائسون أن لا عودة لـ بيت المقدس أبداً إلى حظيرة المسلمين. كم طوى اليأسُ نفوساً لو رَعَت مَنْبِتاً خصباً لكانت جوهرا ويمضي الزمن، ويُعَدُّ الرجال، وفي سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة للهجرة أعد صلاح الدين جيشاً لاسترداد بيت المقدس وتأديب الصليبيين على مبدئهم هم: إن القوي بكل أرض يُتَّقى وفي وقت الإعداد تأتيه رسالة على لسان المسجد الأقصى تُعَجِّل له هذا الأمر، وهذه المَكْرُمة، فإذا بالرسالة على لسان المسجد الأقصى: يا أيها الملك الذي لمعالم الصُلبان نَكَّس جاءت إليك ظلامة تسعى من البيت المقدس كل المساجد طُهِّرت وأنا على شرفي أُنَجِّس فانتخى وصاح: وا إسلاماه، وامتنع عن الضحك، وسارع في الإعداد، ولم يُقارف بعدها ما يُوجب الغُسل. من ذا يُغِير على الأُسود بِغَابها أو مَنْ يَعُوم بِمسْبَحِ التِّمساح وعندها علم الصليبيون أن هذا من جنود محمد ﷺ ؛ فتصالح ملوك النصارى، وجاءوا بِحَدِّهم وحديدهم، وكانوا ثلاثة وستين ألفاً، فتَقَدَّم صلاح الدين إلى طبرية، ففتحها بـ لا إله إلا الله، فصارت البحيرة إلى حوزته، ثم استدرجهم إلى الموضع الذي يريده هو، ثم لم يصل إلى الكفار بعدها قطرة ماء، إذ صارت البحيرة في حوزته فصاروا في عطش عظيم. وعندها تقابل الجيشان، وتواجه الفريقان، وأَسْفر وجه الإيمان، واغْبَرَّ وجه الظلم والطغيان، ودارت دائرة السوء على عبدة الصُّلبان عشية يوم الجمعة، واستمرت إلى السبت، الذي كان عسيراً على أهل الأحد، إذ طْلعت عليهم الشمس، واشْتَدَّ الحر، وقوي العطش، وأُضْرِمت النار من قبل صلاح الدين في الحشيش التي كان تحت سنابك خيل الكفار؛ فاجتمع عليهم حر الشمس، وحر العطش، وحر النار، وحر السلاح، وحر رشق النبال، وحر مقابلة أهل الإيمان. وقام الخطباء يستثيرون أهل الإيمان، ثم صاح المسلمون وكبروا تكبيرة اهتز لها السهل والجبل، ثم هجموا كالسيل الدَّفَّاع لِيَنْهَزِم الكفار، ويؤسر ملوكهم، ويُقْتَل منهم ثلاثون ألفاً، حتى قِيْل: لم يَبْقَ أحد، ويؤسر منهم ثلاثون ألفاً، حتى قيل: لم يُقْتل أحد. فلم يُسْمع بمثل هذا اليوم في عِزِ الإسلام وأهله إلا في عهد الصحابة، حتى ذُكِر أن بعض الفلاحين رئي وهو يقود نيفاً وثلاثين أسيراً يربطهم في طُنب خيمته، وباع بعضهم أسيراً بنعل يلبسها، وباع بعضهم أسيراً بكلب يحرس له غنمه. ثم أمر السلطان صلاح الدين جيوشه أن تستريح لتتقدم إلى فتح بيت المقدس، ففي هذه الاستراحة كيف كانت النفوس المؤمنة التي لا تيئس؟ الرءوس لم تُرفع من سجودها، والدموع لم تُمْسح من خدودها، يوم عادت البِيَعُ مساجد، والمكان الذي يُقال فيه: إن الله ثالث ثلاثة، صار يُشهد فيه أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. ثم سار نحو بيت المقدس ليفتحه من جهته الشرقية ويخرجهم منه، فكان له ذلك على أن يبذل كل رجل منهم عن نفسه عشرة دنانير ويخرج ذليلاً، وعن المرأة خمسة، وعن الطفل دينارين، ومن عجز كان أسيراً للمؤمنين، فعجز منهم ستة عشر ألفاً كانوا أسرى للمسلمين. ودخل المسلمون بيت المقدس، وطَهَّروه من الصليب، وطَهروه من الخنزير، ونادى المسلمون بالأذان، وَوَحدوا الرحمن، وجاء الحق وبَطلت الأباطيل، وكَثُرت السجدات، وتنوعت العبادات، وارتفعت الدعوات، وتَنَزَّلت البركات، وتَجَلَّت الكربات، وأُقِيمت الصلوات، وأَذَّن المُؤَذِنون، وخَرِسَ القسيسون، وأُحْضِر منبر نور الدين الشهيد عليه رحمة الله الجليل الذي كان يأمل أن يكون الفتح على يديه، فكان على يدي تلميذه صلاح الدين. ورقي الخطيب المنبر في أول جمعة بعد تعطل للجمعة والجماعة في المسجد الأقصى دام واحداً وتسعين عاماً، فكان مما بدأ به الخطيب خطبته بعد أن حمد الله أن قال: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥] ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم:٤] ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٧]. معاشر المؤمنين: إن الأقصى لم تعطل فيه الجُمَع، ولم تعطل فيه الجماعة، ومع ذلك: يَئِسَت أَنْفُس ونامت عيون فجراح تغدو وتأتي جراح فأين النَّجم من شمسِ وبدرٍ وأين الثعلبان من الهزبر

стр. 555

المؤمن واطمئنانه إلى نصر الله المؤمن لا يعرف اليأس، ولا يفقد الرجاء؛ إذ هو واثق بربه، ثم هو واثق بحق نفسه، ثم واثق بوعد الله له، إن مرت به مِحْنة اعتبرها دليل حياة وحركة، فإن الميت الهامد لا يُضرب ولا يُؤذى، وإنَّما يُضْرب ويُؤْذى المتحرك الحي، المُقَاوم كالحديد، يدخل النار فيستفيد، إذ يذهب خبثه، ويبقى طيبه. يؤلف إيلام الحوادث بيننا ويجمعنا في الله دين ومذهب إن علينا معشر المسلمين أن نكون بحجم التحديات في صبر وثبات، ولسان حال كل واحد منا: فيقصر دون باعي كل باع ويحصر دون خطبتي الخطيب إني أبي أبي ذو مغالبة وابن أبي أبي من أبيينا إن الوصول إلى القمة ليس الأهم، لكن الأهم البقاء فيها، إن الانحدار إلى القاع ليس هو الكارثة، لكن الكارثة هي الاعتقاد أنه لا سبيل إلى الخروج من القاع، ليس -والله- الدواء في بكاء الأطلال، وندب الحظوظ، إنه في الترفع على الواقع بلا تجاهل له، الاستعلاء النفسي عليه في تحرير الفكر من أوهاقه ويأسه وخباله، بالإرادة الحرة القوية الأبية يمكن تحويل عوامل الضعف إلى قوة بإذن رب البرية. إنَّ رسول الله ﷺ حين حصل في أحد ما حصل؛ شُجَّ وجهه، وكُسِرت رباعيته، وانْخَذل عنه من انخذل، وإذا به يزيل الآثار النفسية من قلوب المؤمنين بنقلهم إلى مواجهة جديدة في حمراء الأسد لملاحقة المشركين الذين لو كانوا حقاً منتصرين لما ولوا الأدبار قافلين، ولقضوا على البقية الباقية من المسلمين، وهذا يدل على حكمة الرسول ﷺ . وأبو بكر ﵁ يأتي من بعده وقد تربى على سنته، بعد أن كادت نواة الإسلام تضيع في طوفان الردة، فإذا به ينقل الأمة نقلة فذة من واقع إلى واقع، في تأبٍّ على اليأس، وترفعٍ على الهزيمة، وحاله: فليس يجلي الكرب رأيُ مسددٍ إذا هو لم يؤنس برمحٍ مسددِ

стр. 556

إنما يأتي النصر لمن يستحقه إن المستقبل لهذا الدين بلا منازع، لكنه لا يتحقق بالمعجزات السحرية، وإنما هو بالعمل والبذل والدعوة إلى الله من مُنْطَلقات صحيحة على منهج أهل السنة والجماعة، ووعد الله لن يتخلف، ولكنه لن يتحقق أبداً على أيدي أقوام لا يستحقونه، ولا يفهمون سننه، ولا يضحون من أجله. فإذا حاولت في الأفق منى فاركب البرق ولا ترض الغمام وما السيف إلا زبرة لو تركته على الخِلقة الأولى لما كان يقطع ألا إنني لا أركب اليأس مركبا ولا أكبِر البأساء حين تغير نفسي برغم الحادثات فتية عودِي على رغمِ الكوارثِ مورِق أيها اليائس مت قبل الممات أو إذا شِئت حياة فالرجا لا يضِق ذرعك عند الأزمات إن هي اشتدت وأمل فرجا البيض تصدأ في الجفون إذا ثوت والماء يأسن إن أقام طويلا صانع السيف كمن يشهره في سبيل الله بين الجحفل حقق الله لنا آمالنا وعلى الله بلوغ الأمل هذا مجمل ما أردت قوله، وأرجو الله ألا أكون ممن تخدعه الشمس بطول ظله، أو تغره النفس بكثرة وقله، إن هي إلا إشارات؛ بعضها متمنى فات، وبعضها لا يزال في بطون المؤلفات، لم آت فيها على آخر فرادة، ولا أزعم أني أوفيت على الغاية في الإفادة، قد قلت بمقدار ما اجتهدت، وما شهدت إلا بما علمت، ومن جعل أنفه في قفاه؛ فإنما السوءة أن يفتح فاه، على أنني كنت قد عجزت، ووعدت بالكلام أكثر فما أنجزت، لكن لا ضير أن أصف النجم في سراه، وإن لم أستقر في ذراه، إن هي إلا لبنة على الطريق، وأرجو أن تكون بقدر الياقوت والعقيق، وما أُراني بعد قد شفيت غُلة النفس، وبلغت بها أمنيتها؛ فإنها تنظر إلى كثير وكثير، وأما أنا فإني أشد فقراً إلى عون الله وتثبيت وتوفيق. أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن ينفع بهذه الإشارات القليلة، وأن يتقبل منا ومنكم ويصلح السريرة، ويحسن الطوية؛ هو ولي ذلك والقادر عليه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 557

كتاب (*) إشارات على الطريق فضيلة الشيخ: علي عبد الخالق القرني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إشارات على الطريق مقدمة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد .. فإن العمل الدعوي ميدان رحب ومجال الحركة فيه بحر إطاره الأرض مطلق الأرض وميدانه الإنسان من غير حد للون أو الجنس أو اللغة وعمل بهذه الساعة يحتاج إلى تضافر الجهود وبذل المجهود لأقاض العقول الهاجعة ونفخ الروح بوحي الله في الجثث الهامدة وحداء هذه اليقظة الإسلامية الأصلية لتنطلق في وضوح لغايتها فتعرف ما لها وما عليها تتلمس الدواء لأدوائها وتطرح اليأس في خضم آمالها ببعث آمالها. لتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. ومن هذا المنطلق كانت هذه الخواطر المتواضعة المألوفة من شاردة هنا وواردة هناك. عنونتها بـ (إشارات على الطريق) للدعاة وطلبة العلم. معتذرا فيها عن التقصير والخطأ ابتداءً. جمعتها من أقوال أهل العلم محيلا إلى كتبهم وغير محيل أحيانا لبعد العهد ليس لي فيها سوى الجمع والتأليف، والصياغة، والفضل لله ثم لأهلها. ألقيتها في محاضرتين بالعلا وينبع قبل بضع سنين ولم يزل بعض اخوتي يلح عليّ في جمعها في ورقات لينتفع بها من يغلب القراءة على الاستماع. ثم قام أحد الاخوة محتسبا -وفقه الله لما يرضيه- بنسخها وترتيبها وترقيم آياتها وتقديمها لي. فلم يكن عند ذاك بد من النظر العاجل فيها على خاطر كليل وقلم غير بليل وكان. راجيا أن أكون أحسنت فيما استحسنت مما جمعت، وألا يكون ورما ما استسمنت على أنه لكل كاسد سوق ولكل ساقط لاقط - كما قيل - والحال: لا خيل عنك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم يسعد الحال

стр. 558

وما بقيت من اللذات إلا ... مخاطبة الرجال ذوي العقول وإن كانوا إذا عدوا قليلا ... فقد أضحوا أقل من القليل أرجو الله أن تأتي أكلها وأن يخلصها لكاتبها وقارئها وأن يسوقها لأهلها الذين إن وجدوا خيرا عملوا به وبالأجر للقائل دعوا وإن وجدوا خللاً أصلحوا ونصحوا ودفنوا، كما أسأله أن يصلح بها المتربصين الذين إن رأوا هفوة صرخوا وهتفوا كشيطان العقبة وطاروا بها وفرحوا وجاشوا واستجاشوا. وهو ولي اللذين آمنوا... .. على الله وحده اعتمادي وإليه وجهتي واستنادي، الصواب منه والخطأ من نفسي وتقصيري والخير أردت وإلى الله أنبت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإله أنيب. والحمد لله رب العالمين. علي بن عبد الخالق القرني ٢٣/ ٣/١٤٢١هـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شاء ربنا من شيء بعد على أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لله عبد. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عبده وابن عبده وابن أمته ومن لا غنى به طرفة عين عن رحمته ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته، وأشهد أن محمد عبد الله ورسوله خيرته من خلقه وأمينه على وحيه جعل الله الذل والصغار على من خالف أمره وسد إلى الجنة كل الطرق فلم بفتحها لأحد إلا من طريقه صلوات الله وسلامه على خاتم رسله وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره واستمسك بهديه وسنته. اللهم إني أسألك الثبات والهداية وأعوذ بك من الخذلان والغواية. اللهم إني أعوذ بك أن أقول زورا أو أغشى فجورا أو أن أكون بك مغروراً. إلهي ما أضيق الطريق على من لم تكن دليله وما أوضح الحق عند من هديته سبيله إليك وجهت يا مولاي آمالي ... فاسمع دعائي وارحم ضعف أحوالي ولا تكلني إلى من ليس يَكْلَؤُني ... وكن كفيلي فأنت الكافل الكالي .

стр. 559

إلهي ارحم عبدك الذليل ذا اللسان الكليل والعمل القليل وامنن عليه في عمله بالتأثير والقبول واكنفه تحت ظلك الظليل يا كريم يا جليل.... فالطريق شاق طويل والزاد قليل والأمل والرجاء فيك يا جليل.... المقيم على سفر قيل لأحد الحكماء: مالك تدمن إمساك العصا ولست بكبير ولا مريض فقال: لأذكر أني مسافر. حملت العصا لا الضعف أوجب حملها ... عليّ ولا أني تحنيت من كبر ولكنني ألزمت نفسي حملها ... لأعملها أن المقيم على سفر الطرق كثيرة متشعبة أمام المسافر. وفي وسطها طريق واحد هو الموصل للغاية المنشودة لا غيره معلن عليه: أن المقيم على سفر فلا يركن وهذا هو الطريق الحق فلا يُتَنكَّبْ. الحاجة فيه ماسة للزاد والعدة فمن أراد الخروج أعد العدة وحدا حادية عندها: أوانا في بيوت البدو رحلي ... وآونة على قتد البعير .لا تأذن الحكمة على هذا الطريق بالقفز وتجاوز التدرج بل جوهر تخطيطه مرحلة. مرحلة. منا الأناة وبعض القوم يحسبنا ... أنا بطاءُ وفي إبطائنا سِرَعُ (إنه طريق تعبيد النفس والناس لله رب العالمين وإخراجهم من الظلمات إلى النور) ولا شك انه طريق شاق طويل ولكنه مضمون ثابت مأمون إن كنا نريد أن نصبح أمة مسافرة على هذا الطريق في قوة وعزة ورسوخ فلا بد أن نخلق في أنفسنا غاية إرضاء الله في منهج يؤدي إلى هذه الغاية وهو الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة مع عزيمة على مخطط طويل الأمد لا ننتظر فيه الوصول إلى الهدف النهائي بمجرد بدء الجهد ولكن لا نزال ماضين ومن سار وصل. وعلى الله قصد السبيل. * * * * *

стр. 560

مسافرون يقول ابن القيم ﵀: (لم يزل الناس مذ خلقوا مسافرين، وليس لهم حط لرحالهم إلا في الجنة دار النعيم أو في النار دار الجحيم، والعاقل يعلم أن السفر بطبعه مبنيٌ على المشقة والأخطار بل هو قطعة من العذاب واللاواء، ومن المحال أن يطلب في السفر عادة النعيم والراحة واللذة والهناء، فكل وطأة قدم أو أنة من أناة المسافر بحساب، وكل لحظة ووقت من أوقات السفر غير واقفة والمسافر غير واقف. فإذا ما نزل المسافر أو نام أو استراح فهو على قدم الاستعداد للسير في قطع المفاوز والقفار. وقد انعقد المضمار وخفي السابق، والناس في هذا المضمار بين فارس وبين راجل وبين أصحاب حمر معقرة. سوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرس تحتك أم حمار وفاز بالسبق من قد جد وانقشعت ... عن أفقه ظلمات الليل والسحب إن السلاح جميع الناس تحمله ... وليس كل ذوات المخلب السبع هلكى هذا السفر كثير وكثير، والناجون فيه قليل، الناجي فيه واحد من ألف وكفى، لا تعجب لهالك كيف هلك ولكن أعجب لناج كيف نجا، الرواحل قليلة والبعض في هذا السفر كإبل سائبة لا تكاد تجد فيها راحلة، والبعض الآخر كإبل نجيبة صابرة نادرة وأنعم بها من راحلة، النجائب في المقدمة وحاملات الزاد في المؤخرة. رفعت لنا في السير أعلام ... السعادة والهدى يا ذلة الحيران فتسابق الأبطال وابتدروا لها ... كتسابق الفرسان يوم رهان وأخو الهوينى في الديار مخلف ... مع شكله يا خيبة الكسلان إلى كم ذا التخلف والتواني ... وكم هذا التمادي في التمادي وشغل النفس عن طلب المعالي ... ببيع الشعر في سوق الكساد ولا سبيل إلى ركوب هذا الطريق إلا بأمرين: أحدهما: ألا يصبوا في الحق إلى لوم لائم فإن اللوم يصيب الفارس فيصرعه عن فرسه. والثاني: أن تهون عليه نفسه في الله فيقدم حينئذ ولا يخاف الأهوال فمتى خافت النفس تأخرت وأحجمت وإلى الأرض أخلدت.

стр. 561

ما لابد منه: لا بد من المسافر من رفقة، ومن عدة وعتاد، ودليل ومنهاج واستعداد بزاد، وهدف ووجهة، ومحطات استراحة، ووسائل مثبتة، وإشارات مرشدة. ومركب. فمركبه: صدق اللجأ إلى الله والانقطاع إليه بكليته وتحقيق الافتقار إليه بكل وجه والضراعة وصدق التوكل والاستعانة به والانطراح بين يديه انطراح المكلوم المكسور الفارغ الذي لا شيء عنده فهو يطلع إلى قيِّمه ووليّه أن يجده ويلم شعثه ويمده من فضله ويستره. فهذا الذي يرجى له أن يتولى الله هدايته ويكشف له ما خفي على غيره من الطريق. دليله ومنهاجه: أما دليله ومنهاجه فكتاب الله وسنة رسوله ﷺ القائل -كما ثبت عنه- ((تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي)). ومن سلك طريقا بغير دليل ضل، ومن تمسك بغير أصل ذل. كن في أمورك كلها متمسكاً ... بالوحي لا بزخارف الهذيان وتدبر القرآن إن رمت الهدى ... ...فالعلم تحت تدبير القرآن عدة المسافر وزاده: أما عدة المسافر وزاده: فإيمان وعمل صالح: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً) (الكهف:٣٠) (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً) (الكهف:١٠٧) (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً) (مريم:٩٦) أين النفوس ترامى غير هائبة ... أين العزائم تمضي ما بها خور العلم بالحق والإيمان يصحبه ... أساس دينك فابن الدين مكتملا لا تبن إلا إذا أسست راسخة ... من القواعد واستكملتها عملا لا يرفع السقف ما لم يبين حامله ... ولا بناء لمن لم يرس ما حملا ومن الزاد: إخلاص لله وقصد بالعمل وجه الله لا سواه: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (البينة: من الآية٥).

стр. 562

(إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ) (الزمر:٢). (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ... ) (الزمر: من الآية٣) فالفضل عند الله ليس بصورة ... الأعمال بل بحقائق الإيمان والله لا يرضي بكثرة فعلنا ... لكن بأحسنه مع الإيمان (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (الملك: من الآية٢) وحسب نفسك إخلاصا يزكيها. ومن الزاد: متابعة رسول الهدى ﷺ فقد ثبت عنه قول ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قيل: ومن يأبى يا رسول الله، قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)) ويقول الله جل وعلا: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر: من الآية٧). (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور: من لآية٦٣). فيا أيها المسافر: من عمدة عدتك اتباعه. فتدور مع قول الرسول وفعله ... نفيا وإثباتا بلا روغان ورحم الله الحكمي يوم قال: شرط قبول السعي أن يجتمعا ... فيه إصابة وإخلاص معا لله رب العرش لاسواه ... موافق الشرع الذي ارتضاه وكل ما خالف للوحيين ... فإنه رد بغير مين جماع الزاد وجماع الزاد هذا كله: تقوى الله جل وعلا: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (البقرة: من الآية١٩٧)، إنها العز والنسب، والسبب والفخر والكرم. إلا إنما التقوى هي العز والكرم ... فلا تترك التقوى اتكالا على النسب فقد رفع الإسلام سلمان فارس ... وقد وضع الشرك النسيب أبا لهب فـ (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) (المسد:١). فالزاد إذا إيمان وعمل صالح في إخلاص ومتابعة في تقوى. فإذا هي اجتمعت لنفس حرة ... بلغت من العلياء كل مكان

стр. 563

ولا بد للمسافر من رفقة وصحبة، فالراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب - كما ثبت عنه ﷺ . والمسافر مهما تكن مواهبه، ومهما يكن عطائه ومهما تكن قدراته، فإنه يبقى محدود الطاقة والقدرة ما لم يكن له أعوان يشدون أزره، ويقوون أمره، يذكرونه حين ينسى، يعلمونه حين يجهل، فالمرء قليل بنفسه، كثير بإخوانه، ضعيف بنفسه، قوي بأخوانه. وما المرء إلا باخوانه ... كما تقبض الكف بالمعصم ولا خير في الكف مقطوعة ... ولا خير في الساعد الأجذم موسى - صلوات الله وسلامه عليه - وهو الملقب بالقوي الأمين في كتاب الله، يوم كلفه الله بالرسالة احتاج إلى المعين والوزير فقال - كما أخبر اله في كتابه-: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً) (طه:٢٩ - ٣٥) ماذا قال الله؟ قال:) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) (طه:٣٦) وفي القصص يقول الله: (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآياتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ). فالصاحب ضرورة ولا بد، لكن له صفات تحدده وتميزه، لعلنا نقف عندها باختصار، منها: *أن يكون مؤمنا: ((فلا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي)) كما ثبت عنه ﷺ ، ولا يكفي أن يكون مؤمنا، فلا بد: *أن يكون عاقلا: لأن الأحمق قد يثور عليك فيغضب فيجني عليك وعلى نفسه ويقعد بك عن الهدف المرسوم الذي رسمته لنفسك، وصدق ونصح من قال: أحذر الأحمق أن تصحبه ... إنما الأحمق كالثوب الخلق كلما رقعته من جانب ... زعزنه الريح يوما فانخرق أو كصدع في زجاج فاحش ... هل ترى صدع زجاج يرتتق ... كلا *أن يكون عدلا غير فاسق:

стр. 564

أقول ذلك لئلا يجرك فسقه، ود صاحب الفسق والمعصية لو فسق الناس جميعا، لئلا يكون نشازا بينهم *أن يكون غير مبتدع: لئلا يلقى عليك الشبه فيتشربها قلبك والقلوب ضعيفة والشبه خطافة كما يقول العلماء. *أن يكون حسن الخلق غير حريص على الدنيا: وصدق من قال: شبيه الشيء منجذب إليه، وخير الكلام كلام الله يوم قال: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) (النور:٣٧). وإن لم يكن رفقتك بهذه الأوصاف فإني أخشى أن لا تبلغ وجهتك في سفرك، وأن تكون - أجارك الله - ممن يقول حين لا نفع: (يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً) (الفرقان:٢٨). قد تفسد المرعى على أخواتها ... شاة تند عن القطيع وتمرق * محطات الاستراحة: أما محطات الاستراحة: فإن المسافر بطبعه يكل، وينصب، ويتعب، ويمل، وراحته وأمنه وسكينته (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) (النور:٣٦) ومن لا يعرفها فحاله كقول القائل: إن مات مات بلا فقد ولا أسف ... أو عاش عاش بلا خلق ولا خُلق هدف المسافر ووجهته: أما هدف المساغر ووجهته: فللمسافر وجهة، ومسافر لا يحدد وجهته كالثور يدور في السياقة ويدور ويدور ثم ينتهي من حيث بدأ. أو كالسفينة التي تسير في البحر بلا مقصد تتلاعب بها الأمواج، وتقذف بها الأثباج، ثم تهلك هي وأصحابها. فما وجهتنا - عباد الله -؟ إنها (َجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: من الآية١٣٣). من رام وصل الشمس حاك خيوطها ... سببا إلى آماله وتعلقا

стр. 565

حفت الجنة بالمكاره، فمن أرادها حقا اقتحم المكاره، فمن خلقه الله للجنة لم تزل هداياها تأتيه من المكاره، والمكارم منوطة بالمكاره، ومن تأمل نيل الدر من البحر وجده بعد معاناة المكاره، ومن تأمل دوام البقاء في نعيم الجنة علم أنه لا يحصل إلا بنقد هذا العمر ثمنا له، وما مقدار عمر غايته مائة سنة منها خمس عشرة صبوة وجهل، ومنها ثلاثون بعد السبعين إن حصلت عجز وضعف، والتوسط نوم ونصف زمانك أكل وشرب وكسب وللعبادات منه زمن يسير. عمرك محدود فأدرك به ... بعض الأماني وانتهز واعقل أفلا يشترى ذلك الدائم بهذا القليل؟! خاب والله وغبن وتعس وانتكس من باع الجنة وما فيها بشهوة ساعة، غبن، فاحش، خلل، وهوان، تالله ما العيش إلا عيش الجنة، حيث اليقين والرضا والمعاشرة لمن لا يوؤذي ولا يخون، مع تنوع أصناف النعيم. والذل في دعة النفوس ولا أرى ... عز المعيشة دون أن يشقى لها من جد وجد، ومن سهر ليس كمن رقد، والفضائل تحتاج لوثبة أسد. (تالله ما هزلت فيستامها المفلسون، ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون، لقد أقيمت للعرض في سوق من يزيد فلم يرضى لها بثمن دون بذل النفوس، تأخر البطالون، وقام المحبون ينظرون أيهم يصلح أن يكون لها ثمنا، فدارت السلعة بينهم، ووقفت في يد قوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين. عرفوا عظمة المشتري، وقدر السلعة، وفضل الثمن، وجلالة من جرى على يديه عقد التبايع فرأوا من الغبن أن يبيعوها لغيره بثمن بخس، فعقدوا معه بيعة الراضون أو التراضي، فربح البيع لا إقالة ولا إستقالة). سعوا للمعالي وهم صبية ... وسادوا وجادوا ومهم في المهود إنها سلعة الله وكفى؛ سلعة الله غالية جد غالية، تحتاج إلى مثابرة، وجهد وصبر ومصابرة وتضحية ومغالبة. ومن هجر اللذات نال المنى ومن ... أكب على اللذات عض على اليد يا سلعة الرحمن ليست رخيصة ... بل أنت غالية على الكسلان
следующие страницы →