Полный текст (977 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
ثم أمر السلطان صلاح الدين جيوشه أن تستريح لتتقدم إلى فتح بيت المقدس، ففي هذه الإستراحة كيف كانت النفوس المؤمنة التي لا تيأس؟: الرؤوس لم ترفع من سجودها، والدموع لم تمسح من خدودها، يوم عادت البيع مساجداً، والمكان الذي قال فيه: إن الله ثالث ثلاثة صار يشهد فيه: أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم سار نحو بيت المقدس ليفتح من الجهة الشرقية ويخرجهم منه فكان له ذلك على أن يبذل كل رجل منهم –ويخرج ذليلا- عن نفسه عشرة دنانير وعن المرأة خمسة وعن الطفل دينارين ومن عجز كان أسيرا للمؤمنين، فعجز منهم ستة عشر ألفاً كانوا أسراء للمسلمين.
ودخل المسلمون بيت المقدس، وطهروه من الصليب وطهروه من الخنزير، ونادى المسلمون بالآذان ووحدوا الرحمن وجاء الحق وبطلت الأباطيل وكثرت السجدات وتنوعت العبادات وارتفعت الدعوات وتنزلت البركات وتجلت الكربات وأقيمت الصلوات وأذن المؤذنون وخرس القسيسيون وأحضر منبر نورالدين الشهيد عليه رحمة الله الجليل الذي كان يأمل أن يكون الفتح على يديه فكان على يدي تلميذه صلاح الدين، ورقى الخطيب المنبر في أول جمعة بعد تعطل للجمعة والجماعة في المسجد الأقصى دام واحد وتسعين عاما، فكان مما بدأ به الخطيب خطبته بعد أن حمد الله أن قال: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:٤٥)، (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) (الروم:٤).
معاشر المسلمين: إن الأقصى لم تعطل فيه الجمعة ولم تعطل فيه الجماعة ومع ذا:
يئست أنفس ونامت عيون ... فجراح تغدو وتأتي جراح
فأين النجم من شمس وبدر ... وأين الثعلبان من الهزبر
стр. 632
المؤمن لا يعر ف اليأس ولا يفقد الرجاء إذ هو واثق بربه ثم هو واثق بحق نفسه ثم هو واثق بوعد الله، إن مرت به محنة اعتبرها دليل حياة وحركة فإن الميت الهامد لا يضرب ولا يؤذى وإنما يضرب ويؤذى المتحرك الحي المقاوم- كما قيل – كالذهب والحديد يدخل النار فيستفيد إذ يذهب خبثه ويبقى بهاؤه.
يؤلف إيلام الحوادث بيننا ... ويجمعنا في الله دين ومذهب
إن علينا –معشر المسلمين- أن نكون بحجم التحديات بصبر وثبات ولسان حال كل واحد منا:
فيقصر دون باعي كل باع ... ويحصر دون خطبتي الخطيب
إني أبيٌَ أبيُ ذو مغالبة ... وابن أبيّ أبيّ من أبيين
إن الوصول إلى القمة ليس الأهم لكن الأهم البقاء فيها، إن الإنحدار إلى القاع ليس هو الكارثة لكن الكارثة هو الاعتقاد أنه لا سبيل إلى الخروج من القاع، ليس والله الدواء في بكاء الأطلال وندب الحظوظ إنه في الترفع عن الواقع بلا تجاهل له، فالاستعلاء النفسي عليه في تحرر للفكر من إرهاقه ويأسه وخباله، بإرادة قوية حرة أبية يمكن تحويل عوامل الضعف إلى القوة باذن رب البرية (إن الرسول ﷺ حين حصل في أحد ما حصل شج وجهه وكسرت رباعيته وانخذل عنه من انخذل وإذا به يزيل الآثار النفسية من قلوب المؤمنين بنقلهم إلى مواجهة جديدة في حمراء الأسد لملاحقة المشركين الذين لو كانوا حقا منتصرين لما ولوا الأدبار قافلين ولقضوا على البقية الباقية من المسلمين وهذا يدل على حكمة الرسول الأمين عليه صلوات الله رب العالمين، وأبو بكر ﵁ يأتي من بعده وقد تربى على سنته بعد أن كادت نواة الإسلام تضيع في طوفان الردة، فإذا به ينقل الأمة نقلة من واقع إلى واقع بتأب عن اليأس وترفع على الهزيمة وحاله:
فليس يجلي الكرب رأي مسدد ... إذا هو لم يؤنس برمح مسدد
стр. 633
إن المستقبل لهذا الدين بدون منازع ولكنه لا يتحقق بالمعجزات السحرية ولكنه بالعمل والبذل والدعوة إلى الله من منطلقات صحيحة على منهج أهل السنة والجماعة (ووعد الله لن يتخلف لكنه لن يتحقق أبدا على يد أقوام لا يستحقونه ولا يفهمون سننه ولا يضحون من أجله).
فإذا حاولت في الأفق منىً ... فاركب البرق ولا ترضى الغماما
وما السيف إلا زبرة لو تركته ... على الخلقة الأولى لما كان يقطع
ألا أنني لا أركب اليأس مركبا ... ولا أكبر البأساء حين تغير
نفسي برغم الحادثات فتية ... عودي على رغم الحوادث مورق
أيها اليائس مت قبل الممات ... فإذا شئت حياة فالرجا
لا يذيق ذرعك عند الأزمات ... إن هي اشتدت فأمل فرجا
البيض تصدأ في الجفون إذا ثوت ... والماء يأسن إن أقام طويلاً
صانع السيف كمن يشهره ... في سبيل الله بين الجحفل
حقق الله لنا آمالنا ... وعلى الله بلوغ الأمل
الإشارة الثانية والعشرون: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث
أو (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا) (الأنعام:١٥٢). ما أحوجنا إلى العدل على الطريق وحاجتنا أشد له في النقد ومعالجة الخطأ.
ويجدر بنا أن نذكر هنا المنهج العادل والطريقة المثالية لمعالجة الخطأ، وذلك حسبما رسمه لنا من أمرنا الله بأن تكون لنا أسوة حسنة فيه ﷺ ، وما أكثر المواقف العادلة في سيرته ﷺ ، بل أن سيرته ﷺ كلها عدل، ونكتفي هنا بمثال واحد ألا وهو موقفه ﷺ من صنيع حاطب بن أبي بلتعة ﵁ في فتح مكة، ويحسن أن نذكر القصة بتمامها؛ ليتضح لنا ذلك القسطاس المستقيم الذي انتهجه الرسول ﷺ في معالجة هذا الخطأ، رغم شناعته وخطورته.
стр. 634
روي الإمام البخاري ﵀ في صحيحه، عن علي ﵁، قال: بعثني رسول الله ﷺ وأبا مرثد والزبير- وكلنا فارس- قال: انطرقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها إمراة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين، فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله ﷺ ، فقلنا: الكتاب، فقالت ما معي من كتاب فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتاباً، فقلنا: ما كذب رسول الله ﷺ لتخرجن الكتاب وإلا لنجردنك، فلما رأت الجد أهوت إلى حجرتها –وهي محتجزة بكساء – فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله ﷺ ، فقال عمر: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه.
فقال النبي ﷺ : ما حملك على ما صنعت؟ قال حاطب: والله ما بي ألا أكون مؤمنا بالله ورسوله ﷺ ، أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا وهناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله، فقال ﷺ : صدق ولا تقولوا إلا خيرا. فقال عمر إنه قد خان الله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه، فقال أليس من أهل بدر؟ لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة – أو فقد غفرت لكم-، فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم.
من هذه الحادثة نستطيع ان نحدد ثلاثة مراحل للمعالجة العادلة للخطأ، مهما كانت ضخامته:
المرحلة الأولى: مرحلة التثبت من وقوع الخطأ:
في هذه الحادثة قد تم التثبت عن طريق أوثق المصادر ألا وهو الوحي، حيث أوحى الله إلى رسوله ﷺ بخبر الكتاب الذي أرسله حاطب مع المرأة، وأين هي المرأة.
المرحلة الثانية: مرحلة التثبت من الأسباب التي دفعت إلى ارتكاب الخطأ:
стр. 635
وهذا الأمر متمثل في قوله ﷺ لحاطب: ما حملك على ما صنعت؟ وهذه المرحلة مهمة؛ لأنه قد يتبين بعد طرح هذا السؤال أن هناك عذرا شرعيا في ارتكاب الخطأ، وتنتهي القضية عند هذا الحد، فإذا لم تنته عند هذا الحد مثل ما ظهر في قضية حاطب، وأن العذر الذي أبداه لرسول الله ﷺ لم يكن مقنعا لكنه طمأن رسول الله ﷺ على صدق حاطب، وأنه لا زال مسلما، نقول: إذ لم يكن العذر مقنعا من الناحية الشرعية، فإنه يصار إلى:
المرحلة الثالثة: وفيها يتم جمع الحسنات والأعمال الخيرة لمرتكب الخطا وحشدها إلى جانب خطأه، فقد ينغمز هذا الخطأ أو هذه السيئة في بحر حسناته: وهذا هو الذي سلكه رسول الله ﷺ ، مع حاطب ﵁؛ حيث قال ﷺ لعمر عندما استأذن في مقتل حاطب: أليس من أهل بدر؟ فقال: لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة – أو فقد غفرت لكم-.
وقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀ كلاما جيدا حول هذا الموضوع؛ حيث قال في رده على من قال: إن الله يعافي الجهال ما لا يعافي العلماء:
فالواجب: أن هذا الذي ذكرتموه حق لا ريب فيه، ولكن من قواعد الشرع والحكمة أيضا من كثرة حسناته، وعظمت وكان له في الإسلام تأثير ظاهر، فإنه يحتمل له ما لا يحتمل من غيره، ويعفى منه ما لا يعفى عن غيره؛ فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث؛ بخلاف الماء القليل فإنه يحمل أدنى الخبث.
ومن هذا قول النبي ﷺ لعمر: وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: أعملوا ما شئتهم فقد غفرت لكم.وقد ارتكب مثل هذا الذنب العظيم، فأخبر النبي ﷺ أنه شهد بدرا، فدل على أن مقتضى عقوبته قائم لكن منع من ترتيب أثره عليه ما له من المشهد العظيم؛ فقوعت تلك السقطة العظيمة مغتفرة في جنب ما له من الحسنات.
стр. 636
ولما حض النبي ﷺ على الصدقة فأخرج عثمان ﵁ تلك الصدقة العظيمة، قال: ما ضر عثمان ما عمل بعدها، وقال لطلحة لما تطأطا للنبي ﷺ حتى صعد على ظهره إلى الصخرة: (أوجب طلحة).
هذا موسى كليم الرحمن ألقى الألواح التي فيها كلام الله الذي كتبه له، ألقاها على الأرض حتى تكسرت، ولطم عين ملك الموت ففقأها، وعاتب ربه ليلة الإسراء في النبي ﷺ ، وقال شاب بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي، وأخذ بلحية هارون وجره إليه وهو نبي الله، وكل هذا لم ينقص من قدره شيئا عند ربه، وربه تعالى يكرمه ويحبه، فإن الأمر الذي قام به موسى، والعدو الذي برز له، والصبر الذي صبره والأذى الذي أوذي به في الله أمر لا تؤثر فيه أمثال هذه الأمور، ولا تغير في وجهه ولا تخفى منزلته.
وهذا أمر معلوم عند الناس مستقر في فطرهم أنه من له ألوف من الحسنات؛ فإنه يسامح بالسيئة والسيئتين ونحوهما، حتى أنه ليختلج داعي عقوبته على إساءته وداعي شكره على إحسانه؛ فيغلب داعي الشكر داعي العقوبة، كما قيل:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع
وقال آخر:
فإن يكن الفعل الذي ساء واحداً ... فأفعاله اللآئي سررن كثير
والله سبحانه يوازن يوم القيامة بين حسنات العبد وسيئاته، فأيهما غلب كان التأثير له، فيفعل بأهل الحسنات - الذين آثروا محابه ومراضيه، وغلبتهم دواعي طبعهم أحياناً - من العفو والمسامحة ما لا يفعله مع غيرهم.
* * * * *
стр. 637
الإشارة الثالثة والعشرون: رفقاً بهم
إن عند الناس من الهموم ما يكفيهم، وهم بحاجة إلى من يواسيهم لا من يعنفهم، وعلينا ألا ننسى أن البشر مخلوقات عاطفية تجذبهم الكلمة الطيبة وينفرهم التوبيخ والتقريع، وعند كل واحد منهم من الاعتداد بنفسه ومواهبه وإمكاناته ما يجعله يرى في الكلمة القاسية عدواناً على كرامته ومجاله الخاص.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ساق ما يحتاجه الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر: فلا بد من هذه الثلاثة: العلم والرفق والصبر، العلم قبل الأمر والنهي والرفق ومعه الصبر بعده .. وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف، ورووه مرفوعا: (لا يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر إلا من كان فقيها فيما يأمر به فقيها فيما ينهي عنه؛ رفيقا فيما يأمر به؛ رفيقا فيما ينهي عنه؛ حليما فيما يأمر به؛ حليما فيما ينهي عنه).
والداعية إلى جانب إيثار الكلمة الرقيقة والأسلوب العذب يؤثر أيضا التشبيهات الجميلة، ويبتعد عن الأمثال والتشبيهات القبيحة أو المنفرة؛ وقد سمعت آخر يشبه لا قطات (التلفاز) على أسطح المنازل بالرايات التي كانت تنصبها المومسات على بيوتهم في الجاهلية!! - قلت كيف لو رأى الأطباق اليوم - وهذا كلام الصمت خير منه بكثير!
إن قولنا: هذا خلاف الواقع يؤدي عين المعنى الذي يؤديه قولنا: هذا كذب، لكنه أرفق وألطف. وإن قولنا: ما رأيكم لو علمنا كذا ألطف من قولنا اعملوا كذا، وكفوا عن كذا ...
إن صيغة الأمر والنهي لم تعد مقبولة في كل موضوع؛ فالحضارة الحديثة وسعت دائرة الخصوصيات والحرية الشخصية إلى أبعد حد ممكن، وإن من واجبنا أن نشعر المخاطب أننا لا نتعدى على أي منهما.
فالرفق الرفق ((من يحرم الرفق يُحرم الخير كله)) صحيح مسلم.
ويقول الله تعالى: ( ... وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران:١٥٩).
(قال السيد قطب ﵀ حول ظلال هذه الآية)
стр. 638
(فالناس في حاجة إلى كنف رحيم، وإلى رعاية فائقة، وإلى بشاشة سمحة، وإلى ود يسعهم، وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم ... في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم، ولا يحتاج منهم إلى العطاء، ويحمل همومهم، ولا يعنيهم بهمه، ويجدون عنده دائما الإهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضا ...
وهكذا كان قلب رسول الله ﷺ ، وهكذا كانت حياته مع الناس؛ ما غضب لنفسه قط ولا ضاق صدره بضعفهم البشري، ولا احتجز لنفسه شيئاً من أعراض هذه الحياة، بل أعطاهم كل ما ملكت يداه في سماحة ندية، ووسعهم حلمه وبره وعطفه ووده الكريم، وما من واحد منهم عاشره أو رآه إلا امتلأ قلبه بحبه، نتيجة لما أفاض عليه ﷺ من نفسه الكبيرة الرحيبة.
هذه هي صفات نبينا محمد ﷺ الذي أمرنا الله بالتأسي به، واقتفاء أثر، وهي نموذج لكل داعية يريد دعوة الناس إلى الخير، ويحببهم فيه، ولكن مع ذلك بعضنا يفرط في هذه الصفات، ويصدر منه من المواقف والتصرفات ما ينم عن الغلظة، والفظاظة، وعدم الحلم، وسعة الصدر، متمثلا في تقطيب الوجه، وانقباض النفس، على الأخطاء، وفقدان الرفق والأناة، ومعلوم ما ينتج عن ذلك من نفرة الناس وكرههم لمن هذه أخلاقه، فوق ما في ذلك من الإثم وحرمان الأجر.
قال الرسول ﷺ : ((لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق)).
وثمة شيء آخر يتعلق بهذا الموضوع ألا وهو ما درج عليه بعض المربين والموجهين من الدعاة في القسوة على من معهم، وتربيتهم على التقليد الأعمى، وعدم السماح لهم بإبداء آرائهم، ومعارضتهم، وقفل باب التشاور معهم.
وهذه الطريقة الخاطئة من التربية، تفرز لنا دعاة مقلدين متعصبين منفذين لما يقال لهم بدون بصيرة، وهذه هي الحقيقة تربية عبيد لا تربية قادة، وهذا يخالف قوله تعالى:
стр. 639
(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف:١٠٨).
* * * * *
الإشارة الرابعة والعشرون: لا تضخم قضية على حساب أخرى
بمعنى أحذر الحَوَل على الطريق فعلى المستوى الجماعي ترى من يقول:
* أهم شيء أن نعرف واقع المسلمين وواقع أعدائهم يعني أهم شيء القضايا السياسية لأننا نعيش الآن زمانا، ما هو بزمن الدراويش!
وهكذا تجد أصحاب هذا التيار يحفظون كل شيء عن الشيوعية والعلمانية والماسونية، والبهائية، والقديانية .. ثم تسأل عن الإسلام .. فلا يعرف منهم عن الإسلام شيئاً!!
* وعلى العكس من ذلك فقد تضخم جماعة قضية العبادات فيقولون: أهم شيء صلتك بالله أهم شيء النية الطيبة، أهم شيء الصلاة، أن تكون زاهداً، تقياً، والخطأ هنا ليس في الإهتمام بها لكن أن تُلغى القضايا الأخرى كلها على حساب هذا الجانب فهذا هو الخطأ.
* وقد يأتي آخرون - وهذا موجود في الساحة الإسلامية- يقولون: أهم شيء وحدة الصف، يقول تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) (آل عمران:١٠٣). فيجعلون هذه أهم قضية ولو كانت على حساب العقائد! يتحدون مع اناس تختلف عقائدهم عن عقائدنا، مدعين أن أهم شيء أن نلتقي، نحن الآن في زمان تكالب فيه أعداؤنا علينا! والصحيح ... أن نلتقي على أسس، نلتقي على دين، لا أن نلتقي على فوضى وعلى خلاف في العقائد.
* فلا بد إذا من التوازن في هذه القضايا وغيرها. فمدخل الشيطان عموماً هو أن يضخم جانبا على حساب جانب آخر!!
* * * * *
الإشارة الخامسة والعشرون: ما دام الأجل باقيا كان الرزق آتيا
(فرع خاطرك للهم بما أمرت به ولا تشغله بما ضمن لك، فإن الرزق والأجل قرنينان مضمونان، فما دام الأجل باقيا كان الرزق آتيا. وإذا سد عليك بحكمته طريقا من طرقه فتح لك برحمته طريقا لك منه.
стр. 640
فتأمل حال الجنين يأتيه غذاؤه، وهو الدم، من طريق واحد وهو السرة، فلما خرج من بطن الأم انقطعت تلك الطريق وفتح له طريقين إثنين وأجري له فيهما رزقا أطيب وألذ من الأول لبنا خالصا سائغاً، فإذا تمت مدة الرضاع وانقطعت الطريقان بالفطام فتح طرقاً أربعة أكمل منها: طعامان وشرابان. فالطعامان من الحيوان والنبات، والشرابان من المياه والألبان وما يضاف إليهما من المنافع والملاذ.
فإذا ما انقطعت عنه هذه الطرق الأربعة، لكنه سبحانه فتح له - إن كان سعيداً - طرقا ثمانية وهي أبواب الجنة يدخل من أيها شاء. فهكذا الرب سبحانه لا يمنع عبده المؤمن شيئا من الدنيا إلا ويؤتيه أفضل منه وأنفع له. وليس ذلك لغير المؤمن. فإن يمنعه الحظ الأدنى الخسيس ولا يرضى له به ليعطيه الحظ العلى النفيس، والعبد لجهله بمصالح نفسه وجهله بكرم ربه وحكمته ولطفه لا يعرف التفاوت بين ما منع منه وما ذخر له.
بل هو مولع بحب العاجل وإن كان دنيئا. وبقلة الرغبة في الآجل وإن كان علياً. ولو أنصف العبد ربه وأنى له بذلك، لعلم أن فضله عليه فيما منعه من الدنيا ولذاتها ونعيمها أعظم من فضله عليه فيما آتاه من ذلك، فما منعه إلا ليعطيه. ولا ابتلاه إلا ليعافيه، ولا امتحنه إلا ليصافيه، ولا أماته إلا ليحييه، ولا أخرجه إلى هذه الدار إلا ليتأهب منها للقدوم عليه وليسلك الطريق الموصلة إليه فـ (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً) (الفرقان:٦٢) ... والله المستعان.
* * * * *
стр. 641
الإشارة السادسة والعشرون: تحيز إلى الله ورسوله ولو كنت وحدك
(إذا كان الله ورسوله في جانب فأحذر أن تكون في الجانب الآخر، فإن ذلك يقضى إلى المشاقة والمحادة، وهذا أصلها ومنه اشتقاقها، فإن المشاقة أن يكون في شق ومن يخالفه في شق، والمحادة أن يكون في حد وهو في حد، ولا تستسهل هذا فإن مبادئه تجر إلى غايته، وقليله يدعوا إلى كثيره.
وكن في الجانب الذي يكون فيه الله ورسوله وإن كان الناس كلهم في الجانب الآخر، فإن لذلك عوقب هي أحمد العواقب وأفضلها، وليس للعبد أنفع من ذلك في دنياه قبل آخرته، وأكثر الخلق إنما يكونون في الجانب الآخر، ولا سيما إذا قويت الرغبة والرهبة، فهناك لا تكاد تجد أحد في الجانب الذي فيه الله ورسوله، بل يعده الناس ناقص العقل سيء الاختيار لنفسه، وربما نسبوه إلى الجنون، وذلك من مواريث أعداء الرسل فإنهم نسبوهم إلى الجنون لما كانوا في شق وجانب والناس في شق وجانب آخر.
ولكن من وطن نفسه على ذلك فإنه يحتاج إلى علم راسخ بما جاء به الرسول يكون يقينا له لا ريب عنده فيه، وإلى صبر تام على معاداة من عاداه ولومة من لامه، ولا يتم له ذلك إلا برغبة قوية في الله والدار الآخرة، بحيث تكون الآخرة أحب إليه من الدنيا وآثر عنده منها، ويكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وليس شيء أصعب على الإنسان من ذلك في مبادئ الأمر، فإن نفسه وهواه وطبعه وشيطانه وإخوانه ومعاشريه من ذلك الجانب يدعونه إلى العاجل، فإذا خالفهم تصدوا لحربه، فإن صبر وثبت جاءه العون من الله وصار ذلك الصعب سهلا، وذلك الألم لذة، فإن الرب شكور، فلا بد أن يذيقه لذة تحيزه إلى الله وإلى رسوله ويريه كرامة ذلك فيشتد به سرورا وغبطة ويبتهج ويبقى من كان محارب له - على ذلك- بين هائب له ومسالم ومساعد وتارك، ويقوى جنده ويضعف جند العدو.
стр. 642
ولا تستصعب مخالفة الناس والتحيز إلى الله ورسوله ولو كنت وحدك فإن الله معك وأنت بعينه وكلاءته وحفظه لك، وإنما امتحن يقينك وصبرك. وأعظم الأعوان على هذا بعد عون الله التجرد من الطمع والفزع، فمتى تجردت منهما هان عليك التحيز لله ورسوله، وكنت دائما في الجانب الذي فيه الله ورسوله، ومتى قام الطمع والفزع فلا تطمع في هذا الأمر ولا تحث نفسك به، فإن قلت: فبأي شيء أستعين على التجرد من الطمع والفزع؟
قلت: بالتوحيد والتوكل والثقة بالله وعلمك بأنه لا ياتي بالحسنات إلا هو، وأن الأمر كله لله ليس لأحد مع الله شيء.
(مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (هود:٥٦). ما أخطاك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك، لو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف.
فليكن حالك على الطريق إلهي:
إليك وإلا لآ تشد الركائب ... ومنك وإلا فالمؤمل خائب
وفيك وإلا فالكلام مضيع ... وعنك وإلا فالمحدث كاذب
أخيرا خذها من ابن القيم:
стр. 643
إذا استغنى الناس بالدنيا فاستغن انت بالله، وإذا فرحوا بالدنيا فأفرح انت بالله، وإذا أنسوا بأحبابهم فاجعل أنسك بالله، وإذا تعرفوا إلى ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم لينالوا بهم العزة والرفعة فتعرف أنت إلى الله وتودد إليه تنل بذلك غاية العز والرفعة، قال بعض الزهاد ما علمت أحداً سمع بالجنة والنار تأتي عليه ساعة لا يطيع الله فيها بذكر أو صلاة أو قراءة أو إحسان فقال له رجل إني أكثر البكاء فقال إنك وإن تضحك وأنت مقر بخطيئتك خير من أن تبكي وأنت مدل بعملك وأن المدل لا يصعد عمله فوق رأسه فقال أوصني فقال: دع الدنيا لأهلها كما تركوا هم الآخرة لأهلها، وكن في الدنيا كالنحلة إن أكلت أكلت طيبا وإن أطعمت أطعمت طيبا وإن سقطت على شيء لم تكسره ولم تخدشه.
وخذها أخرى من ابن القيم ﵀ يوم يقول:
أنفع الناس لك رجل مكنك من نفسه حتى تزرع فيه خيرا أو تصنع إليه معروفا فإنه نعم العون لك على منفعتك وكمالك فانتفاعك به في الحقيقة مثل انتفاعه بك أو أكثر.
وأضر الناس عليك من مكن نفسه منك حتى تعصي الله فيه فإنه عون لك على مضرتك ونقصك.
الخاتمة
هذا مجمل ما أردت قوله وأرجو الله ألا أكون ممن تخدعه الشمس بطول ظله أو تغره النفس بكثره وقله، إن هي إلا إشارات من إشارات بعضها متمنى فات وبعضها لا يزال في بطون المؤلفات لم آت فيها على آخر الإرادة ولا أزعم أني أوفيت على الغاية في الإفادة.
قد قلت بمقدار ما اجتهدت وما شهدت إلا بما علمت ومن جعل أنفه في قفاه فالسوأة ان يفتح فاه.
علىأنني كنت قد عجزت ووعدت بالكلام أكثر فيما أنجزت لكن لا ضير أن أصف النجم في سراه وإن لم أستقر في ذراه.
إن هي إلا لبنة على الطريق وأرجوا أن تكون بقدر الياقوت والعقيق وما أراني بعد قد شفيت غلة النفس فإنها تنظر إلى كثير وكثير.
стр. 644
وأنا أشد فقرا إلى عون من الله وتثبيت وتوفيق أسأل الله أن يجعل هذه الإشارات من الباقيات الصالحات ويصلح السريرة ويحسن الطوية.
ويا أيها القارئ (ما وجدت فيه من صواب وحق فاقبله ولا تلتفت إلى قائلة، بل أنظر إلى ما قال لا إلى من قال ... وما وجدت فيه من خطأ فإن قائله لم يأل جهد الإصابة ويأبى الله ألا يتفرد بالكمال.
والنقص من أصل الطبيعة كامن
وكيف يعصم من الخطأ من خلق ظلوما جهولا ولكن من عدت غلطاته أقرب إلى الصواب ممن عدت إصاباته)
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على خاتم المرسلين محمد وآله أجمعين.
فرغ منه يوم الأحد ٢٣/ ٣/١٤٢١هـ مكة حرسها الله.
علي بن عبد الخالق القرني
стр. 645
هكذا علمتني الحياة [١]
كل الناس يحيا ويعيش في الدنيا ليتعلم، ولكن ليس كلهم يتعلم ما ينفعه، فمنهم من يتعلم ما يودي به إلى النار، ومنهم من يتعلم ما يؤدي به إلى الجنة، وهذا الأخير هو الفائز ليس في الدنيا فحسب بل وفي الآخرة أيضاً.
وقد عقد الشيخ هذا الدرس ليظهر أن الحياة الحقيقية هي التي تحت ظل الإسلام، لأنها هي التي تعلم وتربي.
стр. 646
الحياة في ظل العقيدة الإسلامية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته، ومن لا غنى به طرفة عين عن رحمته.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
وأسأل الله أن يجمعنا وإياكم في هذه الحياة تحت ظل لا إله إلا الله، وأن يجعل آخر كلامنا فيها لا إله إلا الله، ثم يجمعنا أخرى سرمدية أبدية في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
أشهد الله الذي لا إله إلا هو على حبكم فيه، ولعلكم تلحظون ذلك فالوجه يعبر عما في النفس:
والنفس تعرف في عيني محدثها إن كان من حزبها أو من أعاديها
عيناك قد دلتا عيني منك على أشياء لولاهما ما كنت أدريها
اللهم لا تعذب جمعاً التقى فيك ولك.
اللهم لا تعذب ألسنة تخبر عنك.
اللهم لا تعذب قلوباً تشتاق إلى لقاك.
اللهم لا تعذب أعينا ترجو لذة النظر إلى وجهك برحمتك يا أرحم الراحمين.
أحسن الظن إخوتي بي إذ دعوني؛ فأجبت الدعوة وما حالي وحالكم هذه الليلة إلا كبائع زمزم على أهل مكة أو كبائع التمر على أهل المدينة أوكبائع السمك على أهل جدة؛ لكني أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلني خيراً مما تظنون، وأن يغفر لي ما لا تعلمون، وألا يأخذني بما تقولون.
يا منزل الآيات والقرآن بيني وبينك حرمة الفرقان
اشرح به صدري لمعرفة الهدى واعصم به قلبي من الشيطان
يسر به أمري واقض مآربي وأجر به جسدي من النيران
واحطط به وزرى وأخلص نيتى واشدد به أزري وأصلح شانى
واقطع به طمعي وشرَّف همتي كثر به ورعي وأحي جناني
أنت الذي صورتني وخلقتني وهديتني لشرائع الإيمان
أنت الذي أطعمتني وسقيتني من غير كسب يد ولا دكان
أنت الذي آويتني وحبوتني وهديتني من حيرة الخذلان
وزرعت لي بين القلوب مودة والعطف منك برحمة وحنان
ونشرت لي في العالمين محاسناً وسترت عن أبصارهم عصياني
والله لو علموا قبيح سريرتي لأبى السلام علي من يلقاني
ولأعرضوا عني وملوا صحبتي ولبؤت بعد كرامة بهوان
لكن سترت معايبي ومثالبي وحلمت عن سقطي وعن طغياني
فلك المحامد والمدائح كلها بخواطري وجوانحي ولساني
هكذا علمتني الحياة.
أي حياة تعلم؟ وأي حياة تدرس؟ وأي حياة تربي أيها الأحبة؟
أهي حياة اللهو واللعب؟ أهي حياة العبث واللعب؟ أهي حياة الضياع والتيه؟
لا والذي رفع السماء بلا عمد!
إنها الحياة في ظل العقيدة الإسلامية.
إنها الحياة التي تجعلك متفاعلاً مع هذا الكون، تتدبر فيه وتتفكر:
حياة على الحق نعم الحياة وبئس الحياة إذا لم نحق
إنها الحياة الحقيقية؛ حياة تحت ظل الإسلام، تعلم وتربي وتدرس.
حياة على الهدى والنور، حياة الحبور والنعيم والسرور، من عاش تحت ظلها عاش في نور وعلى نور، ومات على نور، ولقي الله بنور، وعبر الصراط ومعه النور: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥].
إذا جاء يوم القيامة وقسمت الأنوار بين المؤمنين والمنافقين عندما توضع الأقدام على الصراط يتبين من بكى ممن تباكى، سرعان ما تنطفئ أنوار المنافقين فهم في ظلمات لا يبصرون، ينادون: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد:١٣ - ١٥].
في تلك اللحظات وفي هذه الساعات يكون المؤمنون قد عبروا بنورهم: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد:١٢] فلا يرضى المؤمنون إلا بجوار الرحمن في جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين: أو من كان ميتا ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢] هل يستويان مثلاً؟ كلا وألف كلا ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر:١٩ - ٢٢].
لا يستوي عاقل كلا وذو سفه لا والذي علم الإنسان بالقلم
هل يستوي من على حق تصرفه ومن مشى تائهاً في حالك الظلم
لا يستوون أبدا.
أحبتي في الله: الحياة في ظل العقيدة مدرسة وأي مدرسة! عظات وعبر لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فإليكم هذه الليلة أزف بعض دروس علمتنيها الحياة تحت ذلك الظل، وهي تعلم كل شخص كان من هذه الأمة إن كان له قلب.
أسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح والنظر الثاقب والبصيرة النافذة والعظة والاعتبار، وأن يظلنا تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله.
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن سهلاً إذا شئت.
стр. 647
توحيد الله هو محور الرسالات
علمتني الحياة في ظل العقيدة الإسلامية: أن توحيد الله هو محور الرسالات السماوية، ومحور حياة الإنسان الحق.
فقيمة الإنسان تظهر عندما يجعل ربه محور حياته فيستعبد كل ذرة من ذرات جسده وكل حركة من حركاته وكل سكنة من سكناته ونفسه؛ لله رب العالمين.
فصلاته لله ونسكه لله وحياته لله وموته لله، شعاره: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].
وبذلك تتفق وجهة الإنسان مع هذا الكون الذي يعيش فيه، فالكون -يا أيها الأحبة- كله مطيع لله جل وعلا، خاضع لسلطان الله، مسبح بحمد الله.
فإذا تمرد هذا العبد أصبح شاذا في هذا الكون الهائل المتجه إلى الله وحده بالطاعة والخشوع والخضوع، فالكون كله في اتجاه وهو في اتجاه مضاد: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [الروم:٤٤].
خلق الله سوانا كثير وكثير لا يعلمهم إلا خالقهم سبحانه وبحمده، وطاعتك -أيها العبد- لك ومعصيتك -أيها العبد- عليك ولن تضر الله شيئاً.
في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: ﴿قال الله تعالى: يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً.
يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً.
يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر.
يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه﴾.
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفيه عنه يغيب
стр. 648
التوحيد نقطة البداية
علمتني الحياة في ظل العقيدة: أن توحيد الله هو نقطة البداية في حياة المسلم والأمة، وأن التوحيد هو كذلك نقطة النهاية في حياة المسلم والأمة.
من ضل عنه خسر الدنيا والآخرة، فهو أضل من حمار أهله، قلبه لا يفقه، وعينه لا تبصر، وأذنه لا تسمع، بهيمة في مسلاخ بشر، حياته ضنك، وسعيه مردود، وذنبه غير مغفور: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٨] ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة:٧٢] نعوذ بالله من النار.
وفي المقابل من ظفر بتوحيد الله جل وعلا فقد ربح الدنيا والآخرة وسعد في الدنيا والآخرة.
فسعيه مشكور، وذنبه مغفور، وتجارته لن تبور، يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ [الكهف:١٠٧].
العز في كنف العزيز ومن عبد العبيد أذله الله
стр. 649
بلسم الجراحات هو الإيمان بالقضاء والقدر
علمتني الحياة في ظل العقيدة: أن بلسم الجراحات هو الإيمان بالقضاء والقدر، وعجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، قد علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وعلم أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه؛ علم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، ولو اجتمعت على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه.
رضي فرضي الله عنه وسعد في حياته وأخراه واطمأن قلبه وسكنت روحه، فهو في نعيم وأي نعيم.
في الموقف العظيم يوم يقول الله -والناس في عرصات القيامة- لأناس من بين الخلائق جميعهم: ادخلوا الجنة بلا حساب، فيقولون: ياربنا ويامولانا! قد حاسبت الناس وتركتنا؟ فيقول: قد حاسبتكم في الدنيا، وعزتي وجلالي لا أجمع عليكم مصيبتين، ادخلوا الجنة.
فيتمنى أهل الموقف أن لو قرضوا بالمقاريض لينالوا ما نال هؤلاء من النعيم.
وفي الصحيح أن الله يقول كما في الحديث القدسي: ﴿ما لعبدي المؤمن عندي من جزاء إذا قبضت صفيه وخليله من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة﴾ ويا له من جزاء! ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وفي الصحيح أن الله -كما في الحديث القدسي- يقول لملائكته: ﴿قبضتم ابن عبدي المؤمن قبضتم ثمرة فؤاده؟ -وهو أعلم سبحانه وبحمده- فتقول الملائكة: نعم.
فيقول: وماذا قال؟ -وهو أعلم جل وعلا- قالوا: حمدك واسترجع.
فيقول الله جل وعلا: ابنوا له بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد﴾ ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧].
دع الأيام تفعل ما تشاء وطب نفساً إذا حكم القضاء
ولا تجزع لحادثة الليالي فما لحوادث الدنيا بقاء
ومن نزلت بساحته المنايا فلا أرض تقيه ولا سماء
مروا بـ يزيد بن هارون عليه رحمة الله وقد عمي، وكانت له عينان جميلتان قل أن توجد عند أحد في عصره مثل تلك العينين، فقالوا له وقد عمي: ما فعلت العينان الجميلتان يا بن هارون؟ فقال: ذهب بهما بكاء الأسحار، وإني لأحتسبهما عند الله الواحد الغفار.
فالإيمان بالقضاء والقدر نعمة على البشر، وبلسم وظل وارف من الطمأنينة وفيض من الأمن والسكينة ووقاية من الشرور وحافز على العمل وباعث على الصبر والرضا، والصبر مر مذاقه لذيذة عاقبته:
صبرت ومن يصبر يجد غب صبره ألذ وأحلى من جنى النحل في الفم
﴿فاحرص على ما ينفعك -وارض بما قسم الله لك- واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل﴾.
ولست بمدرك ما فات مني بلهف ولا بليت ولا لو أني
علمتني الحياة في ظل العقيدة: أنه كما تدين تدان، وكما تزرع تحصد، والجزاء من جنس العمل، ولا يظلم ربك أحداً:
حصادك يوما ما زرعت وإنما يدان الفتى يوماً كما هو دائن
إن زرعت خيراً حصدت خيراً وإن زرعت شراً حصدت مثله
وإن لم تزرع وأبصرت حاصداً ندمت على التفريط في زمن البذر
ها هو رجل كان له عبد يعمل في مزرعته، فيقول هذا السيد لهذا العبد: ازرع هذه القطعة براً، وذهب وتركه وكان هذا العبد لبيباً عاقلاً، فما كان منه إلا أن زرع القطعة شعيراً بدل البر، ولم يأت ذلك الرجل إلا بعد أن استوى وحان وقت حصاده، فجاء فإذا هي قد زرعت شعيراً، فما كان منه إلا أن قال: أنا قلت لك ازرعها براً لم زرعتها شعيراً؟! قال: رجوت من الشعير أن ينتج براً.
قال: يا أحمق! أو ترجو من الشعير أن ينتج براً؟! قال: يا سيدي! أفتعصي الله وترجو رحمته؟! أفتعصي الله وترجو جنته؟! فذعر وخاف واندهش وتذكر أنه إلى الله قادم، فقال: تبت إلى الله وأبت إلى الله، أنت حر لوجه الله.
كما تدين تدان والجزاء من جنس العمل ولا يظلم ربك أحداً: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧].
ها هو رجل كان له أب قد بلغ من الكبر عتياً وقد قام على خدمته زمناً طويلاً ثم مله وسئمه، فما كان منه إلا أن أخذه في يوم من الأيام على ظهر دابة وخرج به إلى الصحراء، ويوم وصل إلى الصحراء قال الأب لابنه: يا بني! ماذا تريد مني هنا.
قال: أريد أن أذبحك.
لا إله إلا الله! ابن يذبح أباه! قال: أهكذا جزاء الإحسان يا بني؟! قال: لابد من ذبحك فقد أسأمتني وأمللتني، قال: إن كان ولابد يا بني فاذبحني عند تلك الصخرة.
قال: أبتاه! ما ضرك أن أذبحك هنا أو أذبحك هناك؟! قال: إن كان الجزاء من جنس العمل فاذبحني عند تلك الصخرة فلقد ذبحت أبي هناك، ولك يا بني مثلها والجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان ولا يظلم ربك أحداً.
стр. 650
العقيدة قوة عظمى
علمتني الحياة في ظل العقيدة: أن العقيدة قوة عظمى، لا تعدلها قوة مادية بشرية أرضية أياً كانت هذه القوة.
والأمثلة على ذلك كثيرة وبالمثال يتضح المقال.
ها هي جموع المسلمين وعددها ثلاثة آلاف في مؤتة تقابل مائتي ألف بقلوب ملؤها العقيدة، يقول قائل المسلمين: والله! ما نقاتلهم بعدد ولا عدة وإنما نقاتلهم بهذا الدين، فسل خالداً كم سيف اندق في يمينه؟ يجبك خالد: اندق في يميني تسعة أسياف.
وسل خالداً: ما الذي ثبت في يده وهو يضرب الكافرين؟ يجبك: إنها صحيفة يمانية ثبتت في يده.
انظر إليه يوم يقبل مائتا ألف مقاتل إلى ثلاثة آلاف ليهجموا عليهم هجمة واحدة، يوم يأتي بعض المسلمين ويرى هذه الحشود فيقول لـ خالد: يا خالد! إلى أين الملجأ؟ أإلى سلمى وأجا؟ فتذرف عيناه الدموع وينتخي ويقول: لا إلى سلمى ولا إلى أجا ولكن إلى الله الملتجى؛ فينصره الله الذي التجأ إليه سبحانه وبحمده.
بربك هل هذه قوة جسدية في خالد بن الوليد؟ لا والذي رفع السماء بلا عمد! إنها العقيدة وكفى:
إن العقيدة في قلوب رجالها من ذرة أقوى وألف مهند
وها هو صلاح الدين في عصر آخر غير ذلك العصر -عليه رحمة الله- تأتيه رسالة على لسان المسجد الأقصى وقد كان أسيراً في يد الصليبيين يوم ذاك، تقول الرسالة:
يا أيها الملك الذي لمعالم الصلبان نكس
جاءت إليك ظلامة تسعى من البيت المقدس
كل المساجد طهرت وأنا على شرفي أنجس
فينتخي صلاح الدين ويقودها حملة لا تبقي ولا تذر، ويشحذ الهمم قبل ذلك، فيمنع المزاح في جيشه، ويمنع الضحك في جيشه، ويهيء الأمة لاسترداد المسجد الأقصى الذي هو أسير في يد الصليبيين يوم ذاك، ثم يقودها حملة لا تبقي ولا تذر، فيكسر شوكتهم ويعيد الأقصى بإذن الله إلى حظيرة المسلمين.
ثم ماذا بعد صلاح الدين يا أيها الأحبة؟
عادوا بعد صلاح الدين بفترة يوم تخلى مَنْ تخلى عن مبادئ صلاح الدين، عادوا فاحتلوه وذهبوا إلى قبر صلاح الدين ورفسوه بأرجلهم وقالوا: ها قد عدنا يا صلاح الدين! ها قد عدنا يا صلاح الدين! وهم ينشدون: محمد مات.
خلف بنات.
فما الحال الآن يا أيها الأحبة؟
إن ما يجري هناك لتتفطر له الأكباد، إن المسجد الأقصى -بلسان حاله- ليصيح بالأمة المسلمة: هل من صلاح؟ هل من عمر؟ هل من صلاح؟ هل من عمر؟ فلا أذن تسمع، ولا قلوب تجيب:
إني تذكرت والذكرى مؤرقة مجداً تليداً بأيدينا أضعناه
أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد تجده كالطير مقصوصاً جناحاه
كم صرفتنا يد كنا نصرفها وبات يملكنا شعب ملكناه
استرشد الغرب بالماضي فأرشده ونحن كان لنا ماض نسيناه
إنا مشينا وراء الغرب نقبس من ضيائه فأصابتنا شظاياه
بالله سل خلف بحر الروم عن عرب بالأمس كانوا هنا واليوم قد تاهوا
وانزل دمشق وسائل صخر مسجدها عمن بناه لعل الصخر ينعاه
هذي معالم خرس كل واحدة منهن قامت خطيباً فاغراً فاه
الله يعلم ما قلبت سيرتهم يوماً وأخطأ دمع العين مجراه
لا در امرئ يطري أوائله فخراً ويطرق إن ساءلته ماه
يا من يرى عمراً تكسوه بردته والزيت أدم له والكوخ مأواه
يهتز كسرى على كرسيه فرقا من خوفه وملوك الروم تخشاه
يا رب فابعث لنا من مثلهم نفراً يشيدون لنا مجداً أضعناه
وها هو ألب أرسلان ذلكم الفتى المسلم الشجاع المؤمن بالله، كان عائداً من إحدى معاركه متجها ببقية جيشه إلى عاصمته خراسان، فسمع به إمبراطور القسطنطينية رومانوس فجهز جيشاً قوامه ستمائة ألف مقاتل، والله! ما جمعوا هذه الجموع إلا بقلوب ملؤها الخور والضعف والهون.
جاء الخبر لـ أرسلان ومعه خمسة عشر ألف مقاتل في سبيل لا إله إلا الله، وانظروا ووازنوا بين الجيشين: ستمائة ألف تقابل خمسة عشر ألف مقاتل، بمعنى أن الواحد يقابل أربعين.
هل هذه قوى جسدية؟
إنها قوى العقيدة وكفى يا أيها الأحبة.
نظر هذا الرجل في جيشه، جيش منهك من القتال، ما بين مصاب وجريح، قد أنهكه السير الطويل، فكر وقدر ونظر في جيشه، أيترك هذا الجيش القادم ليدخل بلاده ويعيث فيها الفساد أم يجازف بهذا الجيش؟ خمسة عشر ألف مقابل ستمائة ألف.
فكر قليلاً ثم هزه الإيمان وخرجت العقيدة لتبرز في مواقفها الحرجة، فدخل خيمته وخلع ملابسه وحنط جسده ثم تكفن وخرج إلى الجيش وخطبهم قائلاً: إن الإسلام اليوم في خطر وإن المسلمين كذلك، وإني لأخشى أن يقضى على لا إله إلا الله من الوجود، ثم صاح: وا إسلاماه! وا إسلاماه! هأنذا قد تحنطت وتكفنت فمن أراد الجنة فليلبس كما لبست ولنقاتل دون لا إله إلا الله حتى نهلك أو ترفع لا إله إلا الله:
فما هو إلا الوحي أوحد مرهف تقيم ظباه أخدعي كل مائل
فهذا دواء الداء من كل عاقل وهذا دواء الداء من كل جاهل
وما هي إلا ساعة، ويتكفن الجيش الإسلامي كله، وتفوح رائحة الحنوط وتهب رياح الجنة وتدوي السماء بصيحات: الله أكبر! يا خيل الله! اثبتي، يا خيل الله! اركبي.
لا إله إلا الله! هل سمعتم بجيش مكفن؟
هل سمعتم بجيش لبس ثياب حشره قبل أن يدخل المعركة؟
هل شممتم رائحة حنوط خمسة عشر ألف مسلم في آن واحد؟
هل تخيلتم صورة جيش كامل يسير إلى معركة يثق أنه من على أرضها يكون بعثه يوم ينفخ في الصور؟
التقى الجمعان واصطدمت الفئتان: فئة تؤمن بالله وتشتاق إلى لقاء الله، وفئة تكفر بالله ولا تحب لقاء الله، ودوَّت صيحات: الله أكبر، واندفع كل مؤمن ولسان حاله: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤] تطايرت رءوس، وسقطت جماجم، وسالت دماء، وفي خضم المعركة إذ بالمنادي ينادي مبشراً: انهزم الرومان وأسر قائدهم رومانوس.
الله أكبر! لا إله إلا الله! صدق وعده ونصر جنده: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩].
ذهب من جند الله كثير وكثير -نحسبهم شهداء- وبقي الباقون يبكون، فهل يبكون على ما فاتهم من غنائم؟ لا والذي رفع السماء بلا عمد! لكنهم يبكون لأنهم مضطرون إلى خلع أكفانهم وقد باعوا أنفسهم من الله.
أما القائد المسلم فبكى طويلاً وحمد الله حمداً كثيراً وبقي يجاهد حتى لقي الله بعقيدة لا يقف في وجهها أي قوة، ويوم حلت به سكرات الموت كان يقول: آه آه! آمال لم تنل، وحوائج لم تقض، وأنفس تموت بحسراتها.
كان يتمنى أن يموت تحت ظلال السيوف، ولكن شاء الله له أن يموت على الفراش:
إن العقيدة في قلوب رجالها من ذرة أقوى وألف مهند
فاعرف يا بن أمي في العقيدة يا أخا الإسلام في الأرض المديدة
ما حياة المرء من غير عقيدة وجهاد وصراعات عنيدة
فهي طوبى واختبارات مجيدة
فانطلق وامض بإيمان وثيق
وإذا ما مسك الضر صديقي فلأنَّا قد مشينا في الطريق
стр. 651
من حفظ الله حفظه الله
علمتني الحياة في ظل العقيدة: أن من حفظ الله حفظه الله، ومن وقف عند أوامر الله بالامتثال، ونواهيه بالاجتناب، وحدوده بعدم التجاوز؛ حفظه الله.
من حفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى حفظه الله.
من حفظ ما بين فكيه وما بين فخذيه حفظه الله.
من حفظ الله في وقت الرخاء حفظه الله في وقت الشدة.
من حفظ الله في صباه حفظه الله عند ضعفه وقوته: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤].
ها هو الإمام الأوزاعي ذلكم الإمام العابد المحدث الورع الفقيه عندما يدخل عبد الله بن علي ذلكم الحاكم العباسي دمشق في يوم من الأيام فيقتل فيها ثمانية وثلاثين ألف مسلم، ثم يُدخل الخيول مسجد بني أمية، ثم يتبجح ويقول: من ينكر علي فيما أفعل؟ قالوا: لا نعلم أحداً غير الإمام الأوزاعي.
فيستدعيه، فيذهب من يذهب ليستدعيه؛ فعلم أنه الامتحان؛ وعلم أنه الابتلاء؛ وعلم أنه إماأن ينجح ونجاح ما بعده رسوب، وإما أن يرسب ورسوب ما بعده نجاح.
فماذا كان من هذا الرجل؟ قام واغتسل وتحنط وتكفن ولبس ثيابه من على كفنه ثم أخذ عصاه في يده واتجه إلى من حفظه في وقت الرخاء فقال: يا ذا العزة التي لا تضام! والركن الذي لا يرام! يا من لا يهزم جنده! ولا يغلب أولياؤه! أنت حسبي ومن كنت حسبه فقد كفيته، حسبي الله ونعم الوكيل.
ثم ينطلق وقد اتصل بالله انطلاقة الأسد إلى ذاك، وذاك قد صف وزراءه وصف سماطين من الجلود يريد أن يقتله وأن يرهبه بها، قال: فدخلت -ويوم دخلت- وإذا السيوف مسلطة، وإذا السماط معد، وإذا الأمور غير ما كنت أتوقع، قال: فدخلت، ووالله! ما تصورت في تلك اللحظة إلا عرش الرحمن بارزاً، والمنادي ينادي: فريق في الجنة وفريق في السعير.
فوالله! ما رأيته أمامي إلا كالذباب، والله! ما دخلت بلاطه حتى بعت نفسي من الله جل وعلا.
قال: فانعقد جبين هذا الرجل من الغضب ثم قال: أأنت الأوزاعي؟ قال: يقول الناس: أني الأوزاعي.
قال: ما ترى في هذه الدماء التي سفكنا؟ قال: حدثنا فلان عن فلان عن فلان عن جدك ابن عباس وعن ابن مسعود وعن أنس وعن أبي هريرة وعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: ﴿لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة﴾.
قال: فتلمظ كما تتلمظ الحية، قال: وقام الناس يتحفزون ويرفعون ثيابهم لئلا يصيبهم دمي، قال: ورفعت عمامتي ليقع السيف على رقبتي مباشرة، قال: وإذا به يقول وما ترى في هذه الدور التي اغتصبنا والأموال التي أخذنا، قال: سوف يجردك الله عرياناً كما خلقك، ثم يسألك عن الصغير والكبير والنقير والقطمير؛ فإن كانت حلالاً فحساب وإن كانت حراماً فعقاب.
قال: فانعقد جبينه مرة أخرى من الغضب، قال: وقام الوزراء يرفعون ثيابهم، قال: وقمت لأرفع عمامتي ليقع السيف على رقبتي مباشرة، قال: وإذ به تنتفخ أوداجه ثم يقول: اخرج.
قال: فخرجت، فوالله! ما زادني ربي إلا عزة.
ذهب وما كان منه إلا أن سار في طريقه إلى الله حتى لقي الله جل وعلا بحفظه .
ثم جاء هذا الحاكم ومر على قبره بعد أن توفي، فوقف عليه وقال: والله! ما كنت أخاف أحداً على وجه الأرض كخوفي من هذا المدفون في هذا القبر، والله! إني كنت إذا رأيته رأيت الأسد بارزاً.
اعتصم بالله، وحفظ الله في الرخاء فحفظه الله في الشدة: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤].
ويا أيها الأحبة: ما ندري أنحن مقبلون على مرحلة عزة وتمكين أم نحن مقبلون على مرحلة ابتلاء، يجب أن نحفظ أنفسنا ونحفظ الله وحدوده وأوامره ونواهيه في الرخاء ليحفظنا سبحانه وبحمده في وقت الشدة ولابد من الابتلاء: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢].
ها هو الأسود العنسي ذلكم الساحر القبيح الظالم، الذي ادعى النبوة بـ اليمن، يجتمع حوله اللصوص وقطاع الطرق ليكونوا فرقة تسمى فرقة الصد عن سبيل الله جل وعلا؛ ليذبح الدعاة في سبيل الله، ذبح من المسلمين من ذبح، وأحرق منهم من أحرق، وطرد منهم من طرد، وهتك أعراض بعضهم وفر الناس بدينهم، عذب من الدعاة من عذب وكان من هؤلاء أبو مسلم الخولاني -عليه رحمة الله ورضوانه- عذبه فثبت كثبات سحرة فرعون، حاول أن يثنيه عن دعوته قال: كلا والذي فطرني! لن أقف: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢].
فما كان منه إلا أن جمع الجموع كلها، وقال لهم: إن كان داعيتكم على حق فسينجيه الحق، وإن كان على غير ذلك فسترون.
ثم أمر بنار عظيمة فأضرمت، ثم جاء بـ أبي مسلم الخولاني -عليه رحمة الله- فربط يديه وربط رجليه ووضعوه في مقلاع ثم رموه في لهيب النار ولظاها.
إن هذه النار -كما يقولون- كان يمر الطير من فوقها فتسقط الطيور في وسطها من عظم ألسنة لهبها، وهو بين السماء والأرض لم يذكر إلا الله جل وعلا، فكان يقول: حسبي الله ونعم الوكيل؛ ليسقط فى وسط النار وكادت قلوب الموحدين أن تنخلع وكادت أن تنفطر وانتظروا والنار تخبو شيئاً فشيئاً وإذا بـ أبي مسلم قد فكت النار وثاقه، ثيابه لم تحترق، رجلاه حافيتان يمشي بهما على الجمر ويتبسم، ذهل الطاغية وخاف أن يسلم من بقي من الناس فقام يتهددهم ويتوعدهم، أما هذا الرجل فانطلق إلى المدينة النبوية إلى أصحاب رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر ويصل إلى المسجد ويصلي ركعتين، ويسمع عمر ﵁ وأرضاه بهذا الرجل، فينطلق ويأتي إليه، ويقول: أأنت أبو مسلم؟ قال: نعم.
قال: أأنت الذي قذفت في النار وأنقذك الله منها؟ قال: نعم.
فيعتنقه ويبكي ويقول: الحمد لله الذي أراني في أمة محمد ﷺ من فعل به كما فعل بإبراهيم ﵇، من حفظ أبا مسلم؟ إنه الله الذي لا إله إلا هو، حفظ الله فحفظه الله: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤].
وها هو ابن طولون وال من ولاة مصر -وما زالت مصر ترزأ بظالم وراء ظالم، ونسأل الله أن يفرج عن إخواننا في كل مكان.
هذا الوالي يا أيها الأحبة- ما كان منه إلا أن قتل ثمانية عشر ألف مسلم في تلك الأرض، وقد قتلهم بقتلة هي من أبشع أنواع القتل، حبس عنهم الطعام والشراب حتى ماتوا جوعاً وعطشاً، فسمع أبو الحسن الزاهد -عليه رحمة الله- فأقض مضجعه أن يسمع بإخوته يعذبون ثم لا يذهب، وقد سمع قبل ذلك رسول الله ﷺ وهو يقول: ﴿أفضل الجهاد كلمة حق تقال عند سلطان جائر﴾ فذهب إليه وقال له: اتق الله في دماء المسلمين.
وخوفه بالله، فأرغى وأزبد وأمر بأن يسجن فى سجن، وأمر بأسد أن يجوع لمدة ثلاثة أيام، ثم جاء فجمع الناس جميعهم، ثم ما كان منه إلا أن جاء بهذا الرجل وجاء بذلك الأسد المجوع ثلاثة أيام، فقام هذا الرجل متصلاً بالله الذي لا إله إلا هو، وقام يصلي.
أما الأسد فقد أطلقوه عليه فانطلق الأسد حتى قرب منه ثم توقف وقام ينظر إليه ويشمشمه ويسيل اللعاب على يديه وفيها من الجراح ما فيها، فما كان من الناس إلا أن ذهلوا، وما كان من الطاغية إلا أن ذهل، وما كان من الأسد إلا أن رجع وهو جائع ثلاثة أيام.
من الذي حفظه إلا الله الذي يحفظ من يحفظه في وقت الرخاء، فما كان من طلاب الشيخ إلا أن اجتمعوا بشيخهم وإمامهم بعد ذلك وقالوا: يا أبا الحسن! فيم كنت تفكر يوم قدم عليك الأسد؟ قال: والله! ما فكرت فيما فيه تفكرون ولا خفت مما منه تخافون، ولكني كنت أقول في نفسي: ألعاب الأسد نجس أم طاهر لكيلا يفسد وضوئي وأنا متصل بالله الذي لا إله إلا هو.
حفظوا الله فحفظهم الله، وما اعتصم عبد بالله فكادته السماوات والأرض إلا جعل الله له منها فرجاً ومخرجاً.
اللهم احفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا ونعوذ بك اللهم أن نغتال من تحتنا.
стр. 652
الظلم مرتعه وخيم
علمتني الحياة في ظل العقيدة الإسلاميه: أن الظلم مرتعه وخيم، وأن الظلم يفضي إلى الندم، وأنه ظلمات يوم القيامة، وأن الله لا يغفل عما يعمل الظالمون؛ لكن يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار.
في الحديث القدسي يقول النبي ﷺ : ﴿قال الله: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا﴾.
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند
ها هم أهل قرية من القرى قبل وقت من الزمن نقص عددهم نتيجة الحروب التي كانت تقام بين القبائل لأتفه الأسباب، فما كان منهم إلا أن فكروا في أن يزيدوا عددهم فاجتمعوا وعقدواً مؤتمراً لهم، وكان قائدهم في ذلك المؤتمر إبليس عليه غضب الله جل وعلا ونعوذ بالله منه، فاتفقوا على أن يرجع كل واحد من أهل هذه القرية فيقع على محارمه؛ يقع على أخته وعلى بنته ليكثر العدد، والحادثة معروفة ومشهورة والقرية معروفة ومشهورة، وهي عبرة وعظة لكل من يعتبر.
ما كان منهم إلا أن رجعوا من اجتماعهم فمنهم من رجع إلى أهله ونفذ ما اجتمعوا عليه، ومنهم من رضي بذلك ولم يفعل، والراضي كالفاعل، فما كانت النتيجة؟ أي ظلم -يا أيها الأحبة- وأي ظلمات أن يقع الأب على ابنته، أو يقع الأخ على أخته، أو يقع المحرم على محارمه؟ إنه -والله- الظلم والظلمات.
فيرسل الله جندياً من جنوده: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] فيخرج عليهم النمل، تقوم النملة فتلدغ الواحد منهم فيذبل ثم يذبل ثم يذبل ثم يموت، وهكذا واحدا وراء الآخر، فما كان من أحدهم إلا أن أراد أن يفلت، فسرق من أموالهم ما سرق، وجمع من الذهب والفضة ما جمع، ثم أخذه في وعاء معين، ثم حفر له تحت صخرة من الصخرات، ثم ما كان منه إلا أن علمه بهذه الصخرة، وذهب هارباً إلى مكة، وبقي في مكة ردحاً من الزمن، قيل: إنها عشرون سنة أو أكثر من ذلك، ثم تذكر ذلك الذي حصل ولم يبق في تلك القرية إلا النساء، فماذا كان يا أيها الأحبة؟
ما كان من هذا الرجل بعد عشرين سنة إلا أن أرسل واحداً من أهل مكة -وما استطاع هو بنفسه أن يرجع إلى هناك- وقال: اذهب إلى ذاك المكان وستجد في المكان الفلاني تحت الصخرة الفلانية وعاء فيه كذا وكذا، خذه وائتنا به ولك كذا وكذا، فذهب الرجل على وصفه وسأل عن المكان واستخرج ذلك الكنز وجاء به إليه في مكة، ويوم وصل به إلى مكة جاء الرجل ليفتحه، وكان ذلك الرجل أميناً لم يغير فيه ولم يبدل، أخذه كما هو، وعندما فتحه وإذا بنملة على ظهره إذ بها تأتي فتقفز إلى أنفه فتلدغه فيذبل ثم يذبل ثم يموت: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢].
وها هو المعتمد حاكم بعض ولايات الأندلس ذلكم الشجاع القوي المترف، يستعين به حاكم ولاية مجاورة، غزاها أحد أعدائه فيسرع المعتمد لنجدة ذلك الرجل ويرجع ذلك الغازي مدحوراً لما رأى جيوش المعتمد.
وهنا انتهت مهمة المعتمد، لكنه في ظلام الليل يقوم ليبث جنوده في المدينة وحول قصر من استنجد به ويحتل المدينة ويا له من مجير:
والمستجير بعمر عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار
أصيب ذلك الحاكم -لأنه دعاه- بصدمة عنيفة شُلَّ منها، قبض عليه وعلى والده وأخذت أمواله وأودع السجن، وسبيت زوجاته وبناته ثم أخرج من ولايته مهاناً ذليلاً، يقول أبوه: والله! إن هذا بسبب دعوة مظلوم ظلمناه بالأمس.
ثم يرفع يديه إلى من لا يغفل عما يعمل الظالمون، قائلا: اللهم كما انتقمت للمظلومين منا فانتقم لنا من الظالمين.
وتصعد الدعوة إلى من ينصر المظلوم، ويظل المعتمد في ملكه فترة، ينام والمظلوم يدعو عليه وعين الله لم تنم، وتجتاحه دولة المرابطين في ليلة من الليالي وتأسره في آخر الليل:
يا راقد الليل مسرورا بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
ويقضي حياته في أغمات في بلاد المغرب أسيراً حسيراً كسيراً، وأصبحن بناته المترفات اللائي كن يخلط لهن التراب بالمسك ليمشين عليه؛ حسيرات يغزلن للناس الصوف ما عندهن ما يسترن به سوآتهن، ويأتين أباهن يوم العيد في السجن يزرنه، فيتأوه ويبكي وينشد وكان شاعراً:
فيما مضى كنت بالأعياد مسروراً فساءك العيد في أغمات مأسوراً
ترى بناتك في الأطمار جائعة يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
برزن نحوك للتسليم خاشعة أبصارهن حسيرات مكاسيرا
يطأن في الطين والأقدام حافية كأنها لم تطأ مسكا وكافورا
من بات بعدك في ملك يسر به فإنما بات بالأحلام مغرورا
كم من دعوة مظلوم قصمت ظهر طاغية، والعدل أساس الملك: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩].
ها هو حمزة البسيوني الجبار الطاغية الظالم، كان يقول للمؤمنين وهو يعذبهم وهم يستغيثون الله جل وعلا -وما نقموا منهم إلا أن آمنوا بالله- يقول لهم متبجحاً: أين إلهكم الذي تستغيثون؛ لأضعنه معكم في الحديد.
جل الله وتبارك سبحانه وبحمده.
ويخرج ويركب سيارته وظن أنه بعيد عن قبضة الله جل وعلا، وإذ به يرتطم بشاحنة ليدخل الحديد في جسده فما يخرجونه منه إلا قطعة قطعة.
﴿إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته﴾ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢].
ولما أهين الإمام أحمد بن حنبل من قبل ابن أبي دؤاد رفع يديه إلى من ينصر المظلوم وقال: اللهم إنه ظلمني وما لي من ناصر إلا أنت؛ اللهم احبسه في جلده وعذبه، فما مات هذا حتى أصابه الفالج فيبس نصف جسمه وبقي نصفه حياً، دخلوا عليه وإذا به يخور كما يخور الثور، ويقول: أصابتني دعوة الإمام أحمد ما لي وللإمام أحمد؟! ما لي وللإمام أحمد؟!
ثم يقول: والله لو وقع ذباب على نصف جسمي لكأن جبال الدنيا وقعت علي، أما النصف الآخر فلو قرض بالمقاريض ما أحسست به.
فإياك والظلم مهما استطعت فظلم العباد شديد الوخم
وفي الأثر أن الله يقول: ﴿وعزتي وجلالي لا تنصرفون اليوم ولأحد عند أحد مظلمة، وعزتي وجلالي لا يجاوز هذا الجسر اليوم ظالم﴾.
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً فالظلم آخره يفضي إلى الندم
تنام عينك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم
стр. 653
البناء صعب والهدم سهل
علمتني الحياة في ظل العقيدة: أن البناء صعب جد صعب، والهدم سهل جد سهل؛ فما يبنى في مئات الأعوام من المدن والقرى والقصور والدور يمكن هدمه في لحظات.
وما يبنى من الأخلاق والقيم والمثل في قرون يمكن هدمه في أيام وليال.
ما رأيكم -يا أيها الأحبة- إن كان هناك ألف بان ووراءهم هادم واحد هل يقوم البناء؟ كلا لا يمكن أن يقوم.
فما رأيكم إن كان الباني واحداً والهادم ألفاً.
أرى ألف بان لا يقوموا لهادم فكيف ببان خلفه ألف هادم
وسائل في غالبها تهدم، ومجتمع في بعض أفراده يهدم، ومدارس في بعض أفرادها تهدم، وشوارع تهدم، وأندية تهدم، وبناة قلة إذا قيسوا بهؤلاء الهادمين؛ لكن الحق يعلو والباطل يسفل، فهل يستقيم الظل والعود أعوج:
أعمى يقود بصيراً لا أبا لكم قد ضل من كانت العميان تهديه
стр. 654
عدم اليأس
علمتني الحياة في ظل العقيدة: ألا أيئس وألا أقنط وأن أعمل وأدعو إلى الله ولا أستعجل النتائج، وأن أبذر الحب قطفت جنيه أم لم أقطف جنيه: فلا ييئس ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦].
لو تأملت -أخي الحبيب- قصة نوح ﵇، الذي طالما دعا بالليل والنهار، بالسر والإعلان، لم يزدهم دعاؤه إلا فراراً: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً﴾ [نوح:٧] والدعوة لمدة تسعمائة وخمسين عاماً، ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل، قيل: اثني عشر، وغاية ما قيل أنهم ثمانون، بمعنى أنه في كل خمس وثمانين سنة يؤمن واحداً أو في كل اثنتي عشرة سنة يؤمن واحداً، ولم ييئس صلوات الله وسلامه عليه وما كان له أن ييئس.
ها هو ﷺ كما في الصحيح يقول: ﴿يأتي النبي ومعه الرجل، ويأتي النبي ومعه الرجلان، ويأتي النبي ومعه الرهط، ويأتي النبي وليس معه شيء﴾ ولم ييئسوا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وها هم أصحاب القرية -قرية أنطاكية - يرسل الله إليهم رسولين فكذبوهما فعزز بثالث فكذبوه، ثلاثة رسل إلى قرية واحدة، ثم يقوم داعية من بينهم قد آمن بالله الذي لا إله إلا هو، فما كان منهم إلا أن قتلوه، فما النتيجة؟ ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧].
يا أيها الأحبة: النملة تلكم الحشرة الصغيرة تعمل وتجمع الحب في الصيف لتأكله في الشتاء، ينزل المطر فتخرجه من جحورها ومن مخازنها لتعرضه للشمس، ثم تعيده مرة أخرى، تحاول صعود الجدار فتسقط، ثم تحاول أخرى وتسقط، ثم تحاول مرتين وثلاثاً وأربعاً حتى تصعد الجدار، أفيعجز أحدنا أن يكون ولو كهذه الحشرة يا أيها الأحبة؟
بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.
إن الله جل وعلا يقول: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٨ - ٢٠] ثم ماذا قال بعدها: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:٢١] كأن الله يريد من الذين يدعون إلى الله أن يأخذوا: صبر الإبل، وسمو السماء، وثبات الجبال، وذلة الأرض للمؤمنين، ثم بعد ذلك: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:٢١] ليس لليأس مكان عند المؤمن، وليس للقنوط مكان عند المؤمن.
ها هو رجل يركب البحر وتنكسر به سفينته فيسبح إلى جزيرة في وسط البحر ويمكث ثلاثة أيام لم يذق طعاماً ولا شراباً، ويئس من الحياة فقام ينشد ويقول:
إذا شاب الغراب أتيت أهلي وصار القار كاللبن الحليب
لا يمكن أن يكون القار كاللبن ولا يمكن أن يشيب الغراب، معنى ذلك أنه يئس وأيقن بالموت، وإذا بهاتف يهتف ويقول:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب
وبينما هو يسمع هذا النداء وإذا بسفينة تمر فَيُلوح لها، فتأتي فتحمله وإذ على ظهر السفينة أحدهم يردد منشدا.
عسى فرج يأتي به الله إنه له كل يوم في خليقته أمر
إذا لاح عسر فارج يسرا فإنه قضى الله أن العسر يتبعه اليسر
ولن يغلب عسر يسرين، فاعمل أخي! لا تيئس وابذر الحب.
فعليك بذر الحب لا قطف الجنى والله للساعين خير معين
ستسير فلك الحق تحمل جنده وستنتهي للشاطئ المأمون
بالله مجراها ومرساها فهل تخشى الردى والله خير ضمين
ولنا بيوسف أسوة في صبره وقد ارتمى في السجن بضع سنين
لا يأس يسكننا فإن كبر الأسى وطغى فإن يقين قلبي أكبر
في منهج الرحمن أمن مخاوفي وإليه في ليل الشدائد نجأر
стр. 655
النظر في أمور الدنيا لمن هو أدنى وفي أمور الدين لمن هو أعلى
علمتني الحياة في ظل العقيدة: أن أنظر في أمور دنياي إلى من هو تحتي، فذلك جدير ألا أزدري نعمة الله علي.
وأن أنظر في أمور آخرتي إلى من هو فوقي فأجتهد اجتهاده لعلي ألحق به وبالصالحين، فلا أحقد على أحد ما استطعت ولا أحسد أحداً ما استطعت.
يقول أحدهم عن ابن تيمية -عليه رحمة الله- وددت -والله- أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه.
ويقول: والله! ما رأيته يدعو على أحد من خصومه بل كان يدعو لهم، جئته يوماً مبشراً له بموت أكبر أعدائه، قال: فنهرني واسترجع وحوقل وذهب إلى بيت الميت فعزاهم وقال: إني لكم مكان أبيكم فسلوا ما شئتم.
فسروا به كثيراً ودعواً له كثيراً وعظموا حاله ولسان حالهم: والله! ما رأينا مثلك:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم لطالما ملك الإنسان إحسان
لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب ولا ينال العلى من طبعه الغضب
ماذا استفاد الحاقدون؟ ماذا استفاد الحاسدون؟ ما استفادوا إلا النصب، وما استفادوا إلا التعب، وما استفادوا إلا السيئات، ووالله! لن يردوا نعمة أنعمها الله على عبد أياً كان، ولله در الحسد ما أعدله! بدأ بصاحبه فقتله:
اصبر على مضض الحسود فإن صبرك قاتله
كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله
стр. 656
من عرف الحق هانت عنده التضحيات
علمتني الحياة في ظل العقيدة: أن من عرف الحق هانت عنده التضحيات، فيتعالى على متع الحياة وعلى زخارفها؛ لأنه ينتظر متعة أبدية سرمدية في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر: فيقدم مراد الله على شهواته ولذائذه، ويقدم مراد الله على كل ما يلذ لعينه وما يلذ لقلبه، فيسعد في دنياه ويسعد في أخراه، وفي الأثر أن الله جل وعلا يقول: ﴿وعزتي وجلالي ما من عبد آثر هواي على هواه -أي قدم مراد الله على لذائذ نفسه- إلا أقللت همومه، وجمعت له ضيعته، ونزعت الفقر من قلبه، وجعلت الغنى بين عينيه، واتجرت له من وراء كل تاجر﴾.
هاهو أحد صحابة رسول الله ﷺ ؛ دميم الخلقة لكنه رجل أعطاه الله من الإيمان ما أعطاه، وما ضره أنه دميم الخلقة، تقدم ليتزوج من أحد البيوت، فكان كلما تقدم إلى بنت رفضته؛ لأنه دميم الخلقة ولأنه قصير لا ترغب فيه النساء.
فجاء إلى النبي ﷺ يشكو أصحابه ويقول: ﴿يا رسول الله! أليس من آمن بالله وصدق بك يدخل الجنة ويزوج من الحور العين؟ -أو كما قال- قال: بلى.
قال: فما بال أصحابك لا يزوجونني؟! قال: اذهب إلى بيت فلان وقل لهم: رسول الله يطلب ابنتكم.
فذهب إلى بيت رجل من الأنصار وطرق الباب عليه فخرج صاحب البيت فسلم عليه وقال: رسول الله يطلب ابنتكم.
قالوا: نعم ونعمة عين! من لنا بغير رسول الله ﷺ ؟! -أي نسب نريد غير هذا النسب- قال: لكنه يطلبها لي أنا.
قال: الله المستعان! -أو كما قال- ثم ذهب ليستشير زوجه فأخبرها بذلك فقالت: رسول الله يطلب ابنتنا؟! نعم ونعمة عين! قال: ولكنه يطلبها لفلان -وسماه باسمه- فما كان منها إلا أن ترددت وقالت: أما كان أبو بكر أو عمر أو عثمان؟ ألم يجد رسول الله غير هذا؟ وكانت البنت -التقية العابدة الزاهدة التي تقدم مراد الله على لذائذ وشهوات النفس- تسمع ذلك، فخرجت إليهم وقالت: ما بكم؟ قالوا: إن رسول الله يطلبك لفلان.
قالت: وما تقولان؟ قالوا: نستشير ونرى.
قالت: أتردان أمر رسول الله ﷺ ؟! أين تذهبان من قول الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦] ادفعوني إليه، فإن الله لا يضيعني﴾ ويسمع الرجل وينتقل إلى النبي ﷺ ويخبره الخبر، فتبرق أسارير وجهه ﷺ ويفرح بها ويدعو لهذه المرأة، ففازت بدعوته ﷺ .
قيل: إن المال كان يأتيها لا تعلم من أين يأتيها.
وفي ليلة الزفاف -ليلة الدخول- إذ بمنادي الجهاد ينادي: يا خيل الله! اركبي.
وهنا يقف موقفاً أيدخل على زوجته في أول ليلة في كامل زينتها أم يجيب داعي الله جل وعلا؟ فما كان منه إلا أن ترك هذه البنت وانطلق يطلب الحور العين، وذهب وانتهت المعركة وقام النبي يتفقد أصحابه فيقول: ﴿هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلاناً وفلاناً وما فقدوا هذا الرجل -خفي تقي- فما كان منه ﷺ إلا أن قال: لكني أفقد أخي جليبيباً قوموا معي لنطلبه في القتلى، ذهب يبحث عنه ﷺ ، ووجده قد قتل سبعة من المشركين وقتلوه، فأخذه النبي ﷺ على ذراعيه ومسح التراب عن وجهه، وقال: قتل سبعة من المشركين وقتلوه، هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه﴾.
ماذا قدم هذا الرجل؟ قدم قليلاً وأخذ كثيراً وكثيراً وكثيراً.
وهاهو الشيخ الحامد أحد مشايخ الشام عليه رحمة الله، ذلك الورع التقي كما نحسبه، يتوفى أخوه الأكبر فيثني على علمه ودينه في يوم من الأيام، فيقولون له: كيف أولاده وزوجته؟ قال: لقد تحولت زوجته وأولاده إلى منزل آخر، والله! ما رأيتها خلال اثني عشر عاماً وهم يسكنون معي في المنزل إلا يوم خرجت وكانت مولية ظهرها لنا وألقت علينا السلام.
تعيش معه ولم ينظر إليها ولم يجلس معها وهم في بيت واحد؛ لأنه يعلم أن النبي ﷺ قال: ﴿الحمو الموت﴾ ولقد آثر أن يكون خطيب جامع على أن يكون رئيساً للقضاة في عهده فرحمه الله.
وهاهو صحابي اسمه أبو لبابة يختلف مع يتيم على نخلة كانت بين بستانين لهما، يدّعي اليتيم الصغير أن هذه النخلة له، فيخرج النبي ﷺ ليعاين المكان، فإذا النخلة في بستان الصحابي أبي لبابة، فيحكم بها لهذا الصحابي، فتذرف دموع اليتيم.
ما كان لرسول الله ﷺ أن يغير حكمه أبداً؛ لأنه العدل الحق، لكنه أعلن عن مسابقة، قال لـ أبي لبابة: ﴿أتعطيه النخلة ولك بها عذق في الجنة﴾ لكنه كان مغضباً، إذ كيف يشكوه والحق له، وكان في المجلس رجل يبحث عن مثل هذه الأمنية، وهو أبو الدحداح عليه رضوان الله، قال: ﴿يا رسول الله! ألي العذق في الجنة إن اشتريت نخلته بحديقتي وأعطيتها هذا اليتيم؟ قال: لك العذق﴾ فما كان من أبي الدحداح إلا أن لحق بـ أبي لبابة ﵁ فقال: أتبيعني نخلتك ببستاني كله؟ قال: بعتكها لا خير في نخلة شُكيت فيها لرسول الله ﷺ .
فباعه إياها، فذهب أبو الدحداح إلى بستانه ودخل ونادى أم الدحداح وأولاد أبي الدحداح: أن اخرجوا فقد بعناها من الله بعذق في الجنة.
حتى قيل: إن بعض أطفاله كان في أيديهم بعض الرطب فكان يقول: قد بعناه من الله ويرميه في البستان.
فخرج ولم يكتف بذلك ولم يرض ثمناً للجنة إلا أن يقدم دمه وروحه لتزهق في سبيل الله ، وتأتي موقعة أحد ويشارك الجيش ويكون النبي ﷺ في حالة تعلمونها في آخر المعركة، قد شج وجهه وكسرت رباعيته -بأبي هو وأمي ﷺ ولم ينس أصحابه في تلك اللحظة الحرجة، يمر بهم فإذا هو بـ أبي الدحداح فيمسح التراب عن وجهه ويقول: ﴿يرحمك الله! كم من عذق مذلل الآن لـ أبي الدحداح في الجنة﴾ ماذا خسر أبو الدحداح؛ خسر تراباً وشجيرات ونخيلات؛ لكنه فاز بجنة عرضها الأرض والسماوات، وذلك هو الفوز العظيم.
ومن عرف الحق هانت عنده التضحيات.
стр. 657
عدم احتقار الأشياء
علمتني الحياة في ظل العقيدة: ألا أحقر شيئاً مهما قل، بل أتعلم وأعمل وأدأب وأداوم ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وأحب العمل أدومه وإن قل، والقليل إلى القليل كثير، وإنما السيل اجتماع النقط:
اليوم شيء وغداً مثله من نخب العلم التي تلتقط
يحصل المرء بها حكمة وإنما السيل اجتماع النقط
стр. 658
حسن الظن بالمؤمنين
علمتني الحياة في ظل العقيدة: أن أحسن الظن بالمؤمنين وأن أحملهم على خير المحامل ما استطعت إلى ذلك سبيلاً؛ ذلك الخلق الذي لا يتصف به حقاً إلا المؤمنون: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥].
هاهو أبو أيوب بعد حادثة الإفك التي عاش فيها نبينا ﷺ شهراً كاملاً من المحنة والابتلاء، يوم رمي في عرضه وفي صميم دعوته وفي قواعد رسالته، يأتي أبو أيوب قبل أن تنزل البراءة من فوق سبع سماوات إلى أم أيوب ويقول: يا أم أيوب! أرأيت لو كنت مكان عائشة أيمكن أن تفعلي ما رميت به عائشة ﵂؟ قالت: لا والله! قال: فوالله! لـ عائشة خير منك وخير من نساء العالمين.
فقالت هي: يا أبا أيوب! أرأيت لو كنت مكان صفوان أيمكن أن تفعل ما رمي به صفوان؟ قال: لا والله! قالت: فـ صفوان والله خير منك.
إحسان ظن بالمؤمنين، وهذا هو الخلق الذي لا يتصف به إلا المؤمنون، بل إن عائشة ﵂ صاحبة المعاناة في حديث الإفك والتي بقيت وقتاً من الزمن لا يرقأ لها دمع، وقلبها يتفطر تسمع رجلاً يسب حسان؛ لأن حسان كان ممن وقع وتكلم في حديث الإفك، فتقول: دعوه أليس هو القائل:
فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء
وهكذا علمتني الحياة.
стр. 659
أعدى الأعداء من يغدر بك
علمتني الحياة في ظل العقيدة: أن أعدى الأعداء من لا يواجهك وإنما يغدر بك ويقتلك ويتقمص شخصك ويتقمص عملك أحياناً لينقض عليك وهو يتبسم، هذا هو أشرس الأعداء وهو أقوى الأعداء ظاهرياً وإلا ففي باطنه هو على شفا جرف هار:
إذا رأيت نيوب الضبع بارزة فلا تظنن أن الضبع يبتسم
إنه النفاق والمنافقون:
إن النفاق لآفة فتاكة إن أهملت أدت إلى الأسقام
وقضت على آمالنا في أمة راياتها في البحر كالأعلام
المنافقون: ذلكم السوس الذي ينخر في جسد الأمة المسلمة منذ عهد النبوة إلى اليوم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لا يريدون أن يتكلم داعية، لا يريدون أن يؤمر بمعروف ولا ينهى عن فاحشة فقبحهم الله وأرداهم في الحافرة: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥].
لهم ألف وجه بعدما ضاع وجههم فلم تدر فيها أي وجه تصدق
﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ [الأحزاب:٦١] فهم في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً.
إن المنافقين جراثيم تسمم، وبكتيريا عفونة يتربصون بالمؤمنين الدوائر، خذلوا المؤمنين في أحد وتبوك وما زالوا يخذلونهم إلى اليوم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لسان حالهم:
لن تستريح قلوبنا إلا إذا لم يبق في الأرض الفسيحة مسلم
يريدون غير ما يظهرون، ويسرون غير ما يبدون، قائدهم وكبيرهم ومنظرهم الذي علمهم الخبث ابن سبأ، الذي ظهر في عهد عثمان ﵁ وأرضاه، واندس في الصفوف على أنه مسلم وكم من مندس في الصفوف على أنه مسلم:
ولو كان سهماً واحداً لاتقيته ولكنه سهم وثان وثالث
يدير رحاها ألف كسرى وقيصر وألف مدير للمدير مدير
قد تقولون: من هم؟ فنقول: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠] ظهر هذا الرجل في عهد عثمان وقام يجوب البلدان ليجمع قطاع الطرق والمفسدين ليكون عصابة من المنافقين وبعض المغفلين؛ ليفسد نفوسهم على عثمان وقد نجح إلى حد ما؛ ونجاحهم دائما مؤقت، وهو خسارة وإنما تسميته بالنجاح من باب تسمية اللديغ بالسليم؛ حتى إنه ليأتي في يوم من الأيام مع عصابته ليدفعهم ليحاصروا عثمان ﵁ وأرضاه في بيته، لينفردوا به ليضربه الغافقي بحديدة معه ثم يضرب المصحف برجله وهو يقرأ منه ﵁، ليستدير المصحف ويستقر أخرى بين يدي عثمان ويتخضب بالدماء ويغشى عليه ويُجر برجله ﵁ وأرضاه.
ويأتي أحدهم بسيفه يريد وضعه في بطنه فتقيه إحدى النساء بيدها فيقطع يدها قطع الله دابره، ثم يتكأ بالسيف على صدر عثمان وبينما هو كذلك إذ وثب شقي آخر على صدره وبه رمق ﵁ فطعنه تسع طعنات قائلاً: أما ثلاث منها فلله وأما ست فلشيء كان في صدري عليه، ثم يثب آخر عليه فيكسر ضلعاً من أضلاعه.
فلا إله إلا الله! إنها مجزرة دموية يدبرها السبئيون في كل مكان وفي كل زمان يريدون قطع رأس هذا الدين وكسر أضلاع معتنقيه والمبرر أنها لله، ولو صدقوا لقالوا: ست منها لما في الصدور: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة:٣٠] وبصيحة (لله) الصادرة من المنافقين في كل زمان ضاع كثير من شباب المسلمين وثبط شباب آخرون وكشفت أسرار وملئت سجون، وكلها لله كما يزعمون ولو صدقوا وأنصفوا لقالوا: ست منها لما في الصدور.
ووالله! إنها لكلها لما في الصدور حتى وعثمان يذهب به ليدفن يرجم سريره ويحاول أن يمنع من الدفن في البقيع ويقتل معه عبدان كانا يدافعان عنه ويرمى بهما لتأكلهما الكلاب ولما تدفن جثثهما بعد.
فانظر -أخي الكريم- كيف وصلت الأمور بالمنافقين إلى أن يقدموا جثثاً أعزها الله طعاماً للكلاب، لهم أشد على المؤمنين من اليهود والنصارى: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون:٤].
ولا إله إلا الله! يقول الحسن: [[لو كان للمنافقين أذناب لما استطعنا أن نمشي في الطرقات]] وهو يقول هذا على عهده ﵁ وأرضاه، فما نقول نحن الآن؟! لكن نقول: كل سيلقى الله بسريرته وعلانيته وعندها يتبين من بكى ممن تباكى.
ويذكر أئمتنا أن رجلاً تاب من عمل كان يقوم به، وهو من أرذل الأعمال، كان يأتي على قبر الميت في أول ليلة من لياليه فيفتح القبر ويسرق الكفن ويذهب ليبيعه، هذه حالته لفترة طويلة ثم ترك هذا العمل، فلما قيل له: لم تركت هذا العمل؟ قال: والله! لقد فتحت ألف قبر من قبور أهل القبلة فما وجدت واحداً منهم موجهاً إلى القبلة، وأنا أفتحه في أول ليلة من ليالي الدفن، فما الذي حوله عن القبلة؟! الذي حوله عن ذلك ما كان يظهر هنا ويسر، ما كان يخادع به هنا ظهر هناك.
بيننا وبينهم يوم تبلى فيه السرائر، بيننا وبينهم يوم يبعثر من في القبور ويحصل ما في الصدور وأقول مع ذلك:
فتنبهوا يا معشر الإسلام من أحلامكم فالضعف في الأحلام
لا تغفلوا عن حاقد يقظان يرقب نومكم كالوحش في الآجام
حرب المعاصي والنفاق صراحة ليست سوى حرب على الإسلام
لا تقل زال عصر النفاق فلكل عصر رجاله:
ما زال فينا ألوف من بني سبأ يؤذون أهل التقى بغياً وعدوانا
ما زال لـ ابن سلول شيعة كثروا أضحى النفاق لهم وسماً وعنوانا
لكن أخي لا تبتئس فالكون يملكه رب إذا قال كن في أمره كانا
﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠].
والمؤمنون على عناية ربهم يتوكلون، لا خوف يرهبهم ولا هم في الحوادث يحزنون.
لو مر واحدهم على فرعون يجتز الرءوس لأراك في الإفصاح هارون وفي الإقدام موسى.
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨].
стр. 660
لن تنجح الدعوة بفضول الأوقات
علمتني الحياة في ظل العقيدة: أنه لا نجاح للدعوة ولا ثمرة لها إن نحن أعطيناها فضول أوقاتنا، إذا لم ننس معها طعامنا وشرابنا وراحتنا، إذا لم نجند كل طاقتنا فلن نفلح في إيصال الأمانة التي كلفنا الله بها.
يقول ﷺ : ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ لم يدع فرصة لكسول ولا لخامل ولا لتنبل ولا لبطال: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ ألا فليكن الوجود للإسلام، والرسالة الإسلام، والهوية الإسلام، له نحيا وبه نحيا وعليه نموت، حزننا لله وغضبنا لله ورضانا لله حياتنا لله ومماتنا لله، لسان حال الواحد منا:
قد اختارنا الله في دعوته وإنا سنمضي على سنته
فمنا الذين قضوا نحبهم ومنا الحفيظ على ذمته
ها هو نوح يدعو ويسعى -كما سمعتم قبل قليل- لا يفتر ولا ييئس بالليل والنهار لمدة تسعمائة وخمسين عاماً، ماذا بقي في حياة نوح لم يسخر للدعوة إلى الله جل وعلا؟ وما النتيجة؟ لم يؤمن معه كما سمعتم إلا قليل.
وهاهو ﷺ يحمل هم هذا الدين ويثقل الهم به حتى يواسيه ربه بقوله: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨].
يريد حياتهم ويريدون موته.
يريد نجاتهم ويريدون غرقه.
يأخذ بحجزهم وهم يتهافتون كالفراش على النار.
ثم انظر من بعده إلى صحابته رضوان الله عليهم تجد حياتهم قد أوقفت لله رب العالمين، في اليقظة يعملون لهذا الدين، وفي الليل يعملون لهذا الدين، أمانيهم حتى لخدمة هذا الدين، لم تكن حول قضايا شخصية ولا هموم أرضية، يجمع عمر أصحابه يوماً من الأيام ويقول: تمنوا.
فيقول أحدهم: أتمنى أن يكون معي ملء هذا البيت جواهر فأنفقها في سبيل الله.
فيقول الآخر: أتمنى أن يكون معي ملء هذا البيت ذهباً أنفقه في سبيل الله.
فيقول عمر: لكني أتمنى أن يكون معي ملء هذا البيت رجالاً أستعملهم في طاعة الله.
حملوا هم هذا الدين:
لا تعرضن بذكرنا مع ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
فهل أعجبتك خصالهم:
إذا أعجبتك خصال امرئ فكنه يكن منك ما يعجبك
فليس على الجود والمكرمات إذا جئتها حاجب يحجبك
ليسأل كل واحد منا نفسه: كم جعل من وقته للدعوة إلى الله؟ ماذا قدم لدين الله ؟ ماذا قدم لنفسه؟ كم اهتدى على يديه؟
إن الإجابات واضحة ومخجلة، لم نعط للدعوة سوى فضول أوقاتنا وسوى فضول جهودنا إلا عند من رحم الله، لكن الفرصة لا زالت قائمة، فجد واجتهد عبد الله وسارع فستبقى طائفة على الحق منصورة، فجند نفسك أن تكون في ركاب هذه الطائفة.
فإن عرف التاريخ أوساً وخزرجاً فلله أوس قادمون وخزرج
وإنا لندعو الله حتى كأنما نرى بجميل الظن ما الله صانع
стр. 661
صوت الحق لا يخمد أبداً
علمتني الحياة في ظل العقيدة: أن صوت الحق لا يخمد أبداً إذ هو أبلج، والباطل زبد لجج.
الباطل ساعة والحق إلى قيام الساعة:
والحق يعلو والأباطل تسفل والحق عن أحكامه لا يسأل
وإذا استحالت حالة وتبدلت فالله لا يتبدل
هاهو رسول الله ﷺ يقف في صف لوحده في بداية دعوته والبشرية كلها ضده، تريد إطفاء النور الذي جاء به، ومع ذلك خسئوا: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٢٥] ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢] ولو كره المنافقون ولو كره الفاسقون.
ويأتي صحابته من بعده ﷺ فيصدعون بالحق لا يخشون في الله لومة لائم، ومن بعدهم وإلى اليوم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لا تزال هناك طائفة فيها خير عظيم قد أخبر بها النبي ﷺ .
ولئلا نيئس ولئلا نقنط؛ نأت بهذه الحادثة: ها هو الشيخ عبد الحميد الجزائري ﵀ كما ورد في تاريخ الجزائر: ورد أن المندوب الفرنسي أيام الاستعمار كان يقول بكل صراحة: جئنا لطمس معالم الإسلام، واستدعى الشيخ عبد الحميد وقال له: إما أن تقلع عن تلقين تلاميذك هذه الأفكار وإلا أرسلت الجنود لقفل المسجد وإخماد أصواتكم المنكرة.
فقال الشيخ بثبات المؤمن: إنك لن تستطيع.
فاستشاط غضباً وأرغى وأزبد.
وقال: كيف؟ قال: إن كنت في حفل عرس علمت المحتفلين، وإن كنت في اجتماع علمت المجتمعين، وإن ركبت سيارة علمت الراكبين، وإن ركبت قطاراً علمت المسافرين، وإن دخلت السجن أرشدت المسجونين، وإن قتلتموني ألهبتم مشاعر المسلمين، وخير لكم ثم خير لكم ثم خير لكم ألا تتعرضوا للأمة في دينها، فوالله! ما نقاتلكم إلا بهذا الدين، ووالله! ما نقاتلكم إلا لهذا الدين:
إذا الله أحيا أمة لن يردها إلى الموت جبار ولا متكبر
ديننا الحق والكفر ذا دينهم كل دين سوى ديننا باطل
стр. 662
الأذى لا يهزم دعوة أبداً
علمتني الحياة في ظل العقيدة: أن الأذى لا يهزم دعوة أبداً، ولن يصل الطغاة إلى قلب مؤمن مهما فعلوا: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١].
هاهو أبو بكر النابلسي -عليه رحمة الله- ذلك الزاهد الورع العالم يوم ملك الفاطميون الروافض بلاد مصر، فعطلوا الصلوات وحاربوا أهل السنة وذبحوا من علماء السنة الكثير، واستدعى المعز أبا بكر النابلسي -عليه رحمة الله- فقال له: بلغني عنك أنك قلت: لو أن معي عشرة أسهم لرميت الروم بتسعة ورميت الفاطميين بسهم.
قال: لا.
فظن أنه رجع عن قوله، قال: كيف؟ قال: قلت: ينبغي رميكم -أيها الفاطميون- بتسعة ورمي الروم بالعاشر.
فأرغى وأزبد وأمر بضربه في اليوم الأول، ثم أمر بإشهاره في اليوم التالي، ثم أمر في اليوم الثالث بسلخه حياً، فجيء بيهودي فجعل يسلخه وهو يقرأ القرآن حتى أشفق عليه اليهودي، فلما وصل في سلخه إلى قلبه طعنه بالسكين ليلقى ربه فكان يسمى بالشهيد:
علو في الحياة وفي الممات
فهل انتهت دعوة أبي بكر بقتل أبي بكر؟ هل خلف أبو بكر أحداً؟ نعم.
خلف أبو بكر ألف أبي بكر من أهل السنة وأهل السنة يقوم بذمتهم أدناهم:
إذا سيد منا مضى قام سيد قئول بما قال الكرام فعول
وهكذا فكم عالم سقط على الطريق وعاشت كلمة الحق! وكم عالم عذب وأهين من أجل أن تبقى كلمة الحق عالية وبقيت كلمة الحق! وكم من عالم حرم جميع حقوقه من أجل أن يحفظ حق الله وبقيت كلمة الحق: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨].
تا لله ما الدعوات تهزم بالأذى أبداً وفي التاريخ بر يميني
ضع في يدي القيد ألهب أضلعي بالسوط ضع عنقي على السكين
لن تستطيع حصار فكري ساعة أو كبح إيماني ورد يقيني
فالنور في قلبي وقلبي في يدي ربي وربي حافظي ومعيني
стр. 663
سهام الليل لا تخطئ
علمتني الحياة في ظل العقيدة: أن سهام الليل لا تخطئ، ولكن لها أمد وللأمد انقضاء، فإذا ادلهمت الخطوب وضاقت عليك الأرض وعز الصديق وقل الناصر وزمجر الباطل وأهله، ودعم الفساد وأهله، وكبت الحق وأهله، ونطق الرويبضة، وغدا القرد ليثاً، وأفلتت الغنم؛ فارفع يديك إلى من يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠].
يا من أجبت دعاء نوح فانتصر وحملته في فلكك المشحون
يا من أحال النار حول خليله روحاً وريحاناً بقولك كوني
يا من أمرت الحوت يلفظ يونساً وسترته بشجيرة اليقطين
يا رب إنا مثله في كربة فارحم عباداً كلهم ذو النون
تم الكلام وربنا محمود وله المكارم والعلى والجود
وعلى النبي محمد صلواته ما ناح قمري وأورق عود
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وأشهد أن لا إله إلا هو سبحانه وبحمده.
стр. 664
هكذا علمتني الحياة [٢]
العقيدة مدرسة تخرج منها أجيال، ترعرعوا في رياضها، وتربوا في محاضنها.
وهناك أناس عاشوا تحت رايتها لكنهم لم يقتبسوا من نورها، ولم ينهلوا من معينها.
وفي المقابل هناك رجال أفذاذ علموا بحقيقتها، فتنافسوا في الاستفادة من عظاتها.
فهاك نبذ من فوائدها، ووقفات مع بعض دروسها.
стр. 665
منزلة الكلمة الطيبة
الحمد لله الواحد الأحد، تعالى عن الشريك والصاحبة والولد، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صُمّاً، وقلوباً غُلفاً.
اللهم اجزِه عنا أفضل ما جزيت نبياً عن أمته، وأَعْلِ على جميع الدرجات درجته، واحشرنا تحت لوائه وزمرته، وأوردنا حوضه في الآخرة.
اللهم لا تجعل لقلوبنا -الآن- حوضاً تَرِدُه إلا كتابك وسُنة نبيك ﷺ أفضل صلاة وأتم سلام وأكمله وأعلاه.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.
اللهم وبغض إلى قلوبنا البدعة والمبتدعين، وأرنا الحق حقاً، والباطل باطلاً، ووفقنا لاتباع الحق والعمل به، والدعوة إليه والصبر على الأذى فيه، ابتغاء وجهك وطلباً لمرضاتك: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [آل عمران:١٩٣ - ١٩٤].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته:
وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم! أن يجمعنا وإياكم على الإيمان والذكر والقرآن، وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله ثم يجمعنا أخرى سرمدية أبدية في دار:
قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها
أحبتي في الله: لقاؤنا الليلة يتجدد مع الجزء الثاني من محاضرة: هكذا علمتني الحياة.
لكم غُنْم هذه المحاضرة، وعليَّ غُرْمها، لكم صفْوُها، وعلي كدرُها، هذه بضاعتي -وإن كنت قليل البضاعة- تُعرض عليكم، وهذه بنات أفكاري تُزفُّ إليكم؛ فإن صادفت قبولاً فإمساك بمعروف، وإن لم يكن فتسريح بإحسان، والله المستعان.
ما كان من صواب فمن الله الواحد المنَّان، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، والله بريء منه ورسوله -والله المستعان- وأنا العبد الفقير القليل الضعيف المهوان.
نُبَذٌ مما سنح لي من المعارف تحت ظل العقيدة، أسأل الله أن يجعلها لي ولكم ذخراً في يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار، وأسأله أن يجعلها من صالحات الأعمال وخالصات الآثار، وباقيات الحسنات إلى آخر الأعمار.
رباه رباه!
يظنُّ النَّاسُ بي خيراً وإنِّي لشرُّ النَّاسِ إنْ لم تعفُ عني
ومالي حيلةٌ إلا رجائي وعفوك إن عفوتَ وحُسْن ظَنِي
اللهم اجعلني خيراً مما يظنون، واغفر لي مالا يعلمون.
وهكذا علمتني الحياة.
علمتني الحياة في ظل العقيدة: أنه لا خير ولا أفضل ولا أجمل ولا أحسن من كلمة طيبة: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم:٢٤ - ٢٥].
أُخيَّ إنَّ البرَ شيءٌ هينُ وجهٌ طليقٌ وكلامٌ لينُ
стр. 666
أمثلة توضح أهمية الكلمة الطيبة
هاهو أعرابي -كما يُروى- يدخل على رسول الله ﷺ وهو بين أصحابه فيمسكه بتلابيبه، ويهزُّه ويقول: ﴿أعطني من مال الله الذي أعطاك، لا من مال أبيك ولا من مال أمك، فيقوم صحابة رسول الله ﷺ يريدون أن يؤدبوا من يعتدي على شخص محمد ﷺ ، فيقول: على رِسلكم، المال مال الله﴾.
أو كما قال ﷺ ، ثم يأخذ هذا الأعرابي ويداعبه، ويلاطفه، ويذهب به إلى بيته ﷺ ، فيقول: ﴿خذ ما شئت ودع ما شئت﴾ لكن ماذا يأخذ من بيت محمد ﷺ ، بيت لا توقد فيه النار شهرين ولا ثلاثة أشهر، بيت لم يشبع أهله من خبز الشعير، ولم يشبعوا من دَقَل التمر ورديء التمر، بيت يأتي السائل يسأل فلا يوجد -يوماً من الأيام- فيه سوى عنبة، وفي يوم من الأيام لا يوجد في بيته ﷺ سوى تمرة واحدة، لكنه خير بيت وجد على وجه الأرض، بأبي وأمي صاحب ذاك البيت ﷺ ، ما ملك الأعرابي إلا أن قال: ﴿أحسنت وجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً.
قال: إن أصحابي قد وجدوا عليك -أو كما قال ﷺ فاخرج إليهم، وقل لهم ما قلت لي الآن، فخرج، وجاء إليهم، فقال ﷺ : هل أحسنت إليك يا أعرابي؟ قال: نعم وجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشد أنك لرسول الله ﷺ فقال ﷺ : إنما مثلي ومثلكم ومثل هذا الأعرابي كرجل كانت له دابة فنفرت منه، فذهب يُطاردها، فجاء الناس كلهم وراءه يطاردون؛ فما ازدادت الدابة إلا نفاراً وشراداً، فقال: دعوني أنا ودابتي، أنا أعلم بدابتي، فأخذ من خشاش الأرض ولوَّح به لهذه الدابة؛ فما كان منها إلا أن انساقت إليه، وجاءت إليه، فأمسك بها.
أما إني لو تركتكم على هذا الأعرابي لضربتموه، فأوجعتموه؛ فذهب من عندكم على كفره، فمات، فدخل النار﴾.
أرأيتم الكلمة الطيبة يا أيها الأحبة؟
فلا إله إلا الله! لا أفضل من دفع السيئة بالحسنة، إنها آسرة القلوب والأرواح، إنها مُسْتلة الأضغان والأحقاد والسخائم من القلوب: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥].
المؤمن الحق -يا أيها الأحبة- كالشجرة المثمرة، كلما رُجمت بالحجارة أسقطت ثمراً طيباً؛ فيا له من قمة! ويا لها من مُثل!
هاهو يهودي معه كلب -واليهود لطالما استفزوا المسلمين يريدون أن يوقعوهم في شَرَكِهم- يمر على إبراهيم بن أدهم عليه رحمة الله ذلكم المؤمن، فيقول له: ألحيتك -يا إبراهيم - أطهر من ذنب هذا الكلب، أم ذنب الكلب أطهر من لحيتك؟
فما كان منه إلا أن قال -بهدوء المؤمن الواثق بموعود الله : إن كانت في الجنة فهي أطهر من ذنب كلبك، وإن كانت في النار لذنب كلبك أطهر منها.
فما ملك هذا اليهودي إلا إن قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، والله ما هذه إلا أخلاق الأنبياء: ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٥].
أقول هذا لعموم الناس، أما نحن -الدعاة وطلبة العلم والمفترض في الحاضرين أن يكونوا طلبة علم- ليس لنا أن ننزل عن مستوى دعوتنا إلى التراشق برديء الكلام، ليس لنا أن ننزل إلى سفاسف الأمور، ولو حاول غيرنا جرَّنا إلى هذه الأمور، ليكن تحركنا ذاتياً، فلا يحركنا غيرنا؛ لئلا نُجرَّ إلى معارك وهمية خاسرة -ولا شك- ثم علينا ألا نغضب لأنفسنا، بل علينا أن نسمو بأنفسنا، عن كل بذيء، وعن كل ساقط.
لَو كلُ كلبٍ عَوى أَلقَمته حجراً لأَصبحَ الصخرُ مثقالاً بِدِينار
ومنْ عاتبَ الجُهَال أتعب نفسه ومنْ لام مَنْ لا يعرف اللوم أفسدَا
стр. 667
توضيح لحقيقة الكلمة الطيبة
وليس معنى ذلك أن نستسلم فلا ندافع، لكن المدافعة أحياناً -يا أيها الأحبة- تكون بالسكوت، والمدافعة أحياناً تكون بالاختفاء، والمدافعة أحياناً تكون بالإعراض عن الجاهلين.
في يوم أحد -وما أدراكم ما يوم أحد - يوم أصاب المسلمين ما أصابهم، نادى أبو سفيان -وكان لا زال مشركاً- ﵁ وأرضاه: هل فيكم محمد؟ فلم يرد ﷺ ، ولم يأمر أحداً بالرد.
هل فيكم أبو بكر؟ هل فيكم عمر؟ فلم يُجبه أحد.
مع أن الجواب قد كان أغيظَ له، لكن الموقف كان يستلزم السكوت من باب قول القائل:
إذا نطقَ السَّفيه فلا تُجْبهُ فَخَير من إجابته السكوتُ
فإنْ كلمْتَه فرَّجت عنهُ وإنْ خَلَّيته كمداً يموتُ
ومن باب قول الآخر:
والصَّمتُ عنْ جاهلٍ أو أحمق شرفٌ وفيه أيضاً لصونِ العِرضِ إصلاحُ
أما تَرى الأُسْد تُخْشى وهي صامتةٌ والكَلْبُ يُخْزى لعَمر الله نبَّاحُ
هاهو الإمام أحمد عليه رحمة الله في مجلسه وبين تلاميذه، ويأتي سفيه من السفهاء فيسبُّه ويشتمه ويقرعه بالسب والشتم، فيقول طلابه وتلاميذه: يا أبا عبد الله! رُدّ على هذا السفيه.
قال: لا والله! فأين القرآن إذاً؟ (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَماً) [الفرقان:٦٣]
إذا سبني نَذلٌ تزايدتُ رفعةً وما العيبُ إلا أن أكونَ مُساببه
ولو لم تكن نَفْسِي عليَّ عزيزةً لمكنْتُها من كلِ نذل تُحاربه
стр. 668
استخدام الكلمة الطيبة في الدعوة إلى الله
هاهو مصعب بن عمير -سفير الدعوة الأول إلى المدينة النبوية - يأتيه أسيد بن حضير بحربته -وهو ما زال مشركاً- فيقول لـ مصعب: ما الذي جاء بك إلينا؟ تسفه أحلامنا، وتشتم آلهتنا، وتُضيع ضعفاءنا، اعتزلنا إن كنت في حاجة إلى نفسك، وإلا فاعتبر نفسك مقتولاً.
فما كان من مصعب -بهدوء المؤمن الواثق بموعود الله وبنصر الله لهذه الدعوة- إلا أن قال له -في كلمات هادئة-: أو تجلس فتسمع؛ فإن رضيت أمرنا قبلته، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره؟ قال: لقد أنصفت -وكان عاقلا لبيباً- فكلمه مصعب ﵁ عن الإسلام، وقرأ عليه القرآن؛ فتهلَّل وجهه، وبرقت أسارير وجهه، واستهل وجهه، وقال: كيف تصنعون إذا أردتم الدخول في هذا الدين؟ -جاء ليقتله، والآن يريد أن ينهل مما نهل منه مصعب! - قال: اغتسل وتطهر، واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ .
أسلم الرجل وفي نفس الوقت أصبح داعية.
يقول: إن وراءي رجلاً إن اتبعكم لم يتخلف عنه أحد من قومه -هو سعد بن معاذ - وذهب إلى هذا الرجل، واستفزه بكلمات معينة، فجاء هذا يركض إلى مصعب، ويقول: إما أن تكف عنا وإما أن نقتلك، قال: أو تجلس فتسمع؛ فإن رضيت أمرنا قبلته، وإن لم ترضَه كففنا عنك ما تكره؟ فجلس، فقام يخبره عن الإسلام ويبين له هذا الدين، فما كان منه إلا أن استهل وجهه، وبرقت أسارير وجهه، وقال: كيف يفعل من يريد الدخول في هذا الدين؟ قال: اغتسل وتطهر، واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ ففعل، ثم خرج من توِّه داعية إلى قومه، فذهب إلى بني عبد الأشهل، وقال: يا بني عبد الأشهل -وهم قومه-! كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا، وأفضلنا رأياً، وخيرنا، وأيمننا.
قال: فإن كلامكم عليَّ حرام رجالكم والنساء حتى تؤمنوا بالله الذي لا إله إلا هو وتُصدقوا برسالة محمد ﷺ ، يقول: فلم يبق رجل ولا امرأة في تلك الليلة إلا مسلم أو مسلمة.
فلا إله إلا الله! الكلمة الطيبة الكلمة الطيبة! الإحسان الإحسان، والله يحب المحسنين.
أَحسنْ إلى النَّاسٍ تَستعبدْ قلوبَهمُ لطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ
стр. 669
ضرورة الاجتماع والألفة بين المؤمنين
علمتني الحياة في ظل العقيدة: أن الاجتماع والألفة بين المؤمنين قوة، وأن التفرق والتشتت ضعف؛ فإن الإنسان قليل بنفسه، كثير بإخوانه.
وما المرءُ إلا بإخوانه كما تقبضُ الكفُ بالمِعْصمِ
ولا خيرَ في الكفِّ مقطوعةً ولا خيرَ في السَّاعد الأَجذمِ
يقول عمر ﵁ وأرضاه: [[ما أُعطي عبد بعد الإسلام خيراً من أخ صالح يذكره بالله؛ فإذا رأى أحدكم من أخيه ودّاً فليتمسك به]].
تمسَّك به مَسْكَ البخيلِ بماله وعضَّ عليه بالنواجذِ تَغْنم
ويقول الحسن عليه رحمة الله: [[إخواننا أحب إلينا من أهلنا وأولادنا؛ لأن أهلنا يذكروننا بالدنيا، وإخواننا يذكروننا بالآخرة، ويُعينوننا على الشدائد في العاجلة]].
إنْ يختلفْ نسبٌ يؤلفْ بيننا دينٌ أقمناه مقامَ الوالدِ
أو يختلفْ ماءُ الوِصَالِ فماؤنا عذبٌ تحدَّر منْ غمامٍ واحدِ
يقول عمر رضى الله عنه: [[والله! لولا أن أجالس إخوة لي ينتقون أطايب القول كما يُلتقط أطايب الثمر، لأحببت أن ألْحق بالله الآن]].
وهاهي جماعة من النمل تصادف بعيراً، فيقول بعضها: تفرقن عنه لا يحطمكنَّ بخفه، فقالت حكيمة منهن: اجتمعن عليه تقتلنه.
تأبى الرماحُ إذا اجتمعن تكسراً وإذا انفردت تكسرت آحادا
بنيان واحد جسد واحد أمة واحدة:
لو كبَّرت في جموع الصينِ مِئذنةٌ سمعت في الغربِ تهليلَ المصلينَ
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا﴾ [آل عمرن:١٠٣].
стр. 670
أهمية اغتنام الفرص في الطاعات
علمتني الحياة في ظل العقيدة: ألا تضيع فرصة في طاعة، فإن لكل متحرك سكوناً، ولكل إقبال إدباراً، ورحم الله أبا بكر ورضي الله عنه وأرضاه يوم يقول ﷺ ، كما في صحيح مسلم: ﴿من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا.
من تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا.
من عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا.
من تصدق اليوم على مسكين؟ قال أبو بكر: أنا.
قال ﷺ : ما اجتمعن في امرئٍ إلا دخل الجنة﴾.
من لي بمثلِ مشيك المعتدلِ تمشى الهُوينا وتجي في الأولِ
следующие страницы →