Полный текст (977 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
عكرمة ﵁ يسلم عام الفتح، وشعر بما فاته من سابقة مع رسول الله ﷺ ، فكان يقول: والذي نجاني يوم بدر يا رسول الله لا أدع نفقة أنفقتها في الصد عن سبيل الله إلا أنفقت أضعافها في سبيل الله ولا قتالا قاتلته في الصد عن سبيل الله إلا قاتلت ضعفه في سبيل الله، ويبر بقسمه فما خاض المسلمون معركة بعد إسلامه إلا خاضها معهم، ولا خرجوا إلا كان معهم، وفي يوم اليرموك وما يوم اليرموك؟! (أقبل عركمة على القتال إقبال الظامئ على الماء البارد في في اليوم القائظ، اشتد الكرب بالمسلمين نزل عن جواده، وكسر غمد سيفه، واغل في صفوف الروم، فبادر خالد بن الوليد قائلا: لا تفعل يا عكرمة، إن قتلك على المسلمين سيكون شديدا، قال: إليك عني ياخالد لقد كان لك مع رسول الله ﷺ سابقة أما أنا وأبي أبو جهل فقد كنا أشد الناس على رسول ﷺ دعني اكفر عما سلف مني، أأقاتل رسول الله ﷺ ثم أفر اليوم من الروم، والله لا يكون أبدا.
لو بان عضدي لما تأسف منكبي ... لو مات زندي ما بكته الأنامل
ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه أربعمائة من المجاهدين في سبيل الله، فقاتلوا حتى نصر الله المسلمين نصرا مؤزرا، ولقى الله عكرمة مثخنا بجراحه)، ولسان حاله (قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) (طه:٨٤). فرضى الله عنه وأرضاه.
بذل النفس فداء ورضى ... وقضى العمر وأقصى السفرا
همة أخرجت حظ الدنيا من نفوسهم فتاقوا إلى تعويض ما فات من ساعات في خدمة دينهم فاقتحموا المكاره بغية المكارم، وعقدوا لله عقدا مع أنفسهم فما نكثوا وما نقضوا.
فبادر أخي قبل العوائق، واستدرك ما فات فلعلك بالأخيار لا حق، إن كنت على طريقهم فما أسرع اللحاق بهم.
إذا استدرك الإنسان ما فات من علا ... فللحزم يعزى لا إلى الجهل ينسب
стр. 597
ومكلف الأشياء ضد طباعها ............متطلب في الماء جذوة نار
* * * * *
الإشارة الحادية عشرة: العدل - فبه قامت السموات والأرض
* إعطاء كل ذي حق حقه عين العدل.
* مدح من يستحق المدح في عير ما خشبة الفتنة عليه عدل.
* تأنيب من يستحق التأنيب عدل.
* الإعتراف بالجهود الأخرين عدل.
* الإعتراف بالخطأ والرجوع عنه عدل.
* قبول النصح عدل.
* إسداء النصح عدل
* التربية على العدل عدل.
*والله تعالى يامر بالعدل: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة:٨).
يذكر الطبري في رواية مرفوعة إلى إياس بن سلمة عن أبيه أنه قال: مر عمر ﵁ في السوق ومعه الدرة، فخفقني بخفقة لم تصب إلا طرف ثوبي، وقال: أمط عن الطريق - أي لا تزحم الطريق- قال: فلما كان العام المقبل لقيني عمر فقال: يا سلمى أتريد الحج؟ قلت: نعم قال: فأخذ بيدي وانطلق بي إلى منزله ثم أعطاني من ماله ستمائة درهم وقال: استعن بها على حجك واعلم أنها بالخفقة التي خفقتكها في العام الماضي، قلت يا أمير المؤمنين ما ذكرتها قال: والله وأنا ما نسيتها.
ذي المعالي فليعلون من تعالى ... هكذا هكذا وإلا فلا لا
من أراد العدل والإنصاف فليضع نفسه مكان أخيه، وليفعل ما يرضاه لنفسه.
أرض للناس جميعا مثلما ترضى لنفسك ... إنما الناس جميعا كلهم أبناء جنسك
فلهم نفس كنفسك ولهم حس كحسك
стр. 598
شكا رجل عليا ﵁ على عمر ﵁ فلما جلس عمر لينظر في الدعوى قال لعلي: ساو خصمك يا أبا لحسن فتغير وجه علي ﵁. ثم قضى عمر في الدعوى وذهب الخصم فالتفت عمر إلى علي وقال أأغضبتك يا أبا الحسن إذ سويت بينك وبين خصمك؟ قال عليّ: كلا بل لأنك لم تسوي بيني وبينه يا أمير المؤمنين لقد أكرمتني ودعوتني بكنيتي يا أبا الحسن ولم تناد خصمي بكنيته فذلك الذي أغضبني، فقبل عمر رأس علي وقال: لا أبقاني الله بأرض ليس فيها أبو الحسن.
حكموا فكان العدل شرعة حكمهم ... ما الحكم ما السلطان إن لم يعدل
سارت مبادؤهم وسارت خلفها ... أفعالهم في موكب متمثل
شادوا من التقوى أصح مواقف ... وبنوا من الحسنات خير قلاع
* * * * *
الإشارة الثانية عشرة: لا تكن بيتا بلا سقف
بمعنى لا يزال لسانك رطبا رطبا على الطريق بذكر رب العالمين، فلا تكن من الغافلين، إن بيت بلا سقف حري أن يكون مرتعا للغبار والقاذورات ومأوى للهوام والحشارت، كذلك أن بيت لا يذكر الله فيه لا سقف له، خراب بلقع لا داع به ولا مجيب ((مثل البيت الذي يذكر فيه الله والبيت الذي لا يذكر فيه الله مثل الحي والميت)) - كما في صحيح مسلم ﵀.
إن إنسان لا يذكر الله لا سقف له، حي بعظم ميت:
إذا ما الحي عاش بعظم ميت ... فذاك العظم حي وهو ميت
((ومثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره كمثل الحي والميت)) - كما ثبت عند البخاري ﵀.
والناس صنفان: موتى في حياتهم ... وآخرون ببطن الأرض أحياء
فأكثر ذكره في الأرض دأبا ... لتذكر في السماء إذا ذكرتا
فلم أرى غير حكم الله حكماً ... ولم أر دون ذكر الله بابا
خذ ما يسرك دع شيئا تضربه ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
إن جمعا لا يذكر الله فيه لا سقف له مضطرب أرق قلق:
كريشة في مهب الريح ساقطة ... لا تستقر على حال من القلق
стр. 599
((والدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما أو متعلما))، في الزهد لإبن المبارك ﵀. إن أبا مسلم الخولاني ﵀ دخل مسجدا رأى فيه حلقة ظنهم في ذكر فجلس إليهم فإذا هم يتحدثون في الدنيا، فقال سبحان الله هل تدرون يا هؤلاء ما مثلي ومثلكم؟ كمثل رجل أصابه مطر غزير فالتفت فإذا هو بمصارعين عظيمين فقال لو دخلت هذا البيت حتى يذهب عني هذا المطر فدخل فإذا هو بيت بلا سقف، جلست إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على خير وذكر فإذا أنتم أصحاب دنيا.
كم حديث يظنه المرء نافعا ... وبه لو درى يكون البلاء
إنه ليس في جلاء القلوب واطمئنانها من ذكر الله ومناجاته، وليس هناك من هو أولى بملازمة ذكر الله من الداعية إلى الله، وكلنا ذلك الرجل الذي جعل محور حياته خدمة ليدن الله فهو أحرى أن يذكر الله قائما وقاعدا وعلى جنب في كل حين وآن، فذكر الله له يرقق المشاعر ويوقظ القلوب والضمائر ويرهف الإحساس ويشرح الصدور ويسمو بالنفوس ويزكيها، ويترفع بها عن شهواتها ويملك جماحها، ويرفع الدرجات، ويكفر السيئات ومع ذا خفيف على اللسان ثقيل في الميزان حبيب إلى الرحمن فمن الخطورة العظيمة أيها الأحبة أن نتحول على منظرين وخططين ثم لا نكون الربانيين العابدين الأوابين المفردين الذاكرين الله كثيرا والمخبتين فنصبح من المحرومين - نعوذ بالله رب العالمين- المحروم من نعمة ملازمة ذكر الله محروم من الإحساس المرهف، والضمير اليقظ الحي، حياته جمود وعطالة وبطالة وانحطاط، أنى له أن يصل إلى وجهته؟ إن المسلم بصفة عامة وطالب العلم بصفة خاصة جدير بان يذكر الناس بالله حتى إذا ما رؤي ذكر الله تعالى فكيف به إن كان غافلا؟ أيكون جديرا بالتذكير؟! كلا والله، إن فاقد الشيء لا يعطيه.
هل يطلب الماء ممن يشتكي عطشا ... هل يطلب الثوب ممن جسمه عار
يا بانيا بالماء حائط بيته ... فوق العباب أرى البناء مهيلا
стр. 600
أرأيت قبلك عاريا ... يبغى نزال الدارعين
كلا. إن بحر الحياة الدعوية ليست السباحة فيه بالخطب اليسير، فخير للإنسان أن يأوي إلى سفينة مأمونة الغرق، ألا وهي سفينة الإيمان والاطمئنان بذكر الرحمن، كثير ممن يحسنون السباحة غرقوا في هذا البحر وما رأينا سفينة الإيمان وذكر الرحمن تغرق فيه أبدا، وعلى الطريق. (سبق المفردون) إن القلب بذكر الرحمن بلد عامر وحصن محكم مصون، وروضة مباركة لا يكان ينفد نعيمها ولا ينضب معينها، (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (ابراهيم:٢٥).
* الذكر مسك والغفلة رماد.
* الذكر جواد والغفلة حمار.
* فليكن لسان الحال على الطريق ما كنت لأتخطى المسك إلى الرماد.
* ولا أمتطي الحمار بعد الجواد
* وإنما يتيمم من لم يجد الماء.
* ويرعى الهشيم من عدم الجميم.
* ويركب الصعب من لا ذلول له (قد قاله ابن زيدون).
أما لسان المقال:
فالعز داري وبحر العزم راحلتي ... والذكر أنسي ومن والاه إخواني
فيا قدمي لا سرت بي لمذلة ... ولم ترتقي إلا إلى العز سلما
стр. 601
الإشارة الثالثة عشرة: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه
قل خيرا تغنم أو اسكت عن سوء تسلم، إن من شأن الساعي على الطريق أن يقبل على كل أمر ينفعه، وأن يسلك السبل المفضية إلى ما رامه وأمله ويجتنب كل أمر يعوقه ويقطع سيره، ويتأبى بنفسه عن كل ما من شأنه أن ينزل قدره ويقضي على وقته وحياته ورأس ماله، تراه مترفعا هن اللهو واللغو قد شغل نفسه بما يفيدها في آخرتها ودنياها في حدود ما أذن الله له به فإذا عرض له في حياته أمر من اللغو أعرض عنه وأكرم نفسه عنه، إذ زمنه عنده ثمين، فلا متسع عنده للغو ولا لهو مهين، فإليك أخي المسافر العاقل على الطريق هذه اللفتة لابن القيم ﵀ يقول فيها: (اشغل نفسك فيما يعنيك دون ما لا يعنيك فالفكر في ما لا يعني باب كل شر، ومن فكر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه، فأياك ثم أياك أن تمكن الشيطان من أفكارك فإنه يفسدها عليك إفسادا يصعب تداركه ويلقي إليك الوسواس ويحول بينك وبين الفكر فيما ينفعك، أياك ان تعينه على نفسك بتمكينه من قلبك. فمثالك معه كمثال صاحب رحى يطحن فيها الحبوب فأته شخص معه حمل تراب وبعر وفحم وغثاء ليطحنه في طاحونك فإن طردته ولم تمكنه من إلقاء ما معه في الطاحون فقد واصلت على طحن ما ينفعك، وإن مكنته من إلقاء ما معه في الطاحون أفسد عليك ما في الطاحون من الحب فخرج الطحين كله فاسدا).
فيترك ماؤكم من غير ورد ... وذاك لكثرة الأخلاط فيه
فاللبيب يفكر فيما يعنيه بل فوق ذلك قد علم أن كلامه من عمله فقل كلامه إلا فيما يعنيه وينفعه.
وان لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوراته لدليل
لا خير في حشو الكلام ... إذا اهتديت إلى عيونه
والصمت أجمل بالفتى ... من منطق في غير حينه
يقول إبن عباس ﵄: لا تتكلم فيما لا يعنيك فإنه فضل ولا آمن عليك الزور ولا تتكلم فيما يعنيك حتى تجد له موضعا فرب متكلم في أمر يعنيه قد وضعه في غير موضعه فأعنته.
стр. 602
ووضع الندى في موضع السيف ... مضر كوضع السيف في موضع الندى
والأدب النافع حسن السمت ... وفي كثير القول بعض المقت
يقول عطاء بن رباح ﵀: أما يستحي احدكم لو نشرت صحيفته التي أملى في صدر نهاره وليس فيها شيء من أمر آخرته ينفعه واهاً ثم واهاً ..
إن الشجاعة في القلوب كثيرة ... ووجدت شجعان العقول قليلا
دخلوا على أبي دجانة ﵁ وهو مريض فكان وجهه يتهلل فقيل له: ما بال وجهك يتهلل يرحمك الله؟ فقال: ما من عمل شيء أوثق عندي من إثنين كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني وكان قلبي للمسلمين سليما (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت:٣٥).
ودخل رجل فضولي على داود الطائي ﵀ زائرا فقام يتفقد البيت فقال: يا إمام إن في سقف بيتك جذعا مكسوراً، قال: يا ابن اخي إن لي في البيت عشرين سنة ما تأملت سقفه مالك وله رحمك الله، من حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه.
فأولى لكم ثم أولى لكم ... مزيد من الصحو واليقظة
هذا واقعنا؛ حديث بلا فائدة، وأسئلة بلا نهاية، وتفصيل لا يفيد متحدثا، ولا ينفع مستمعا، ولا يزكي نفساً، تضييع للطاقات والعمار سدى، وتلك داهية والله، وأدهى من ذلك من لا يكتفي بتضييع وقته في اللهو واللغو حتى يشتريه بماله فيَضِل به ويُضل إنها الفاقرة ونسأل الله العافية، لقد خلق الله هذه النفس شبيهة بالرحي الدائرة التي لا تقف أبدا ولا تسكن فلا بد لها من شيء تطحنه - كما يقول ابن القيم ﵀ فإن وضع فيها حب طحنته وإن وضع فيها تراب أو حصى طحنته ولن تبقى الرحى معطلة أبدا بل لا بد لها من شيء يوضع فيها فمن الناس من تطحن رخاه حبا يخرج دقيقا ينفع به نفسه وغيره، وأكثرهم يطحن رملا وحصى وتبنا، فإذا جاء وقت العجين والخبز تبين له حقيقة طحنه.
وكل ما يزرع الإنسان يحصده ... فأحسن الزرع يحسن حين يحتصد
стр. 603
ورحم الله ابن بشار يوم قال متحدثا بنعمة الله عليه: منذ ثلاثين سنة ما تكلمة بكلمة أحتاج أن أعتذر عنها. وانظر أخي لأحد السلف يوم أراد أن يطلق زوجته لأمر ما، فقيل له ما يسوؤك منها؟ قال: أنا لا أهتك ستر زوجتي، ثم طلقها بعد ذلك. فقيل له: لما طلقتها؟ قال: مالي ولكلام عن إمرأة أجنبية عني، من حسن اسلام المرء ترك ما لا يعنيه.
مجالسهم مثل الرياض أنيقة ... لقد طاب منها اللون والريح والطعم
كيف لو خطر ببال أحدنا أن يسجل ما يتحدث به في مجلس واحد، إنه بلا شك سيرى كما هائلاً من الأوراق، ولو حاسب نفسه منصفا لوجد كثير من الزلات والسقطات فنسال الله الثبات والعفو والصفح عن الزلات. إن نسيت فلا أنسى أن أنبه أن مما يعنيك بل مما يجب عليك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله على بصيرة ولو كره ذلك الفساق والمجرمون وقالوا لك: من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه، فإن المقياس ليس هواهم بل شرع ربنا ومولاهم.
وما على العنبر الفواح من حرج ... أن مات من شمه الزبال والجعل
دع اخي ما لا يعنيك ولو كان مباحا، فإنه تضييع لزمانك، واستبدال للذي هو ادنى بالذي هو خير، وكم من كلمة بُني بها قصر في الحنة بل هي كنز من كنوز الجنة، وكم من اخرى باعدت بينك وبين السبل المفضية إلى الجنة، رزقنا الله وإياك الجنة بمنه.
لا يضيع يومك في التيه ... كما قد ضاع امسك
االإشارة كن طبيبا رفيقا يضع دواءه حيث ينفع ١٤
стр. 604
بمعنى لا تضع العلم عند غير أهله فتجهل، ولا تمنع العلم أهله فتأثم، من الناس من يطلب العلم لشر كامن ومكر باطن فيستعمله في شبه دينية، وتلبيس دنيء وحيل فقهية فلا يعان على إمضاء مكره وإكمال شره بل مهان غير مكرم يُحرمه، ومنهم من هو بليد الذهن، بعيد الفطنة، فلا يحمل عليه بكثير العلم فيظلم، ولايمنع من اليسير فيحرم، وإنما ينفع سمع الآذان إذا قوي فهم القلوب في الأبدان، وقد صدق القائل ونصح يوم قال:
لا تؤتين العلم إلى إمرءا ... يعين باللب على درسه
ويمنع من كثيره أيضا السفهاء الذين إن سكت لم يسألوك وإن تكلمت لم يعوا عنك وإن رأوا حسنا دفنوه، وإن رأوا سيئا أذاعوه، وإن يعلموا الخير أخفوه، وإن علموا شرا أذاعوا، وإن لم يعلموا كذبوا، وإن حاورتهم شتموا، وعليك جهلوا.
كحمار السوء إن أشبعته ... رمح الناس وإن جاع نهق
فإذا حملت إلى سفيه حكمة ... فلقد حملت بضاعة لا تنفق
هذا كله يحتاج إلى فراسة وممارسة ومران واختبار يتوسم من خلاله المتعلم حقا من غيره، كفراسة ابن عباس ﵁ يوم قال: ما سألني سائل إلا عرفت أفقيه هو أم غير فقيه. أو كفراسة الأعمش ﵀ يوم رأى شعبة ﵀ يحدث قوما يرى أنهم غير أهل للحديث فقال: ويحك يا شعبة تعلق اللؤلؤ على الخنازير.
فإن عناء أن تفهم جاهلا ... فيحسب جهلاً أنه منك أفهم
متى يبلغ البنان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
فلا تحدث بالحكمة عند السفهاء فيكذبوك، ولا تحدث بالباطل عند الحكماء فيمقتوك، إن وضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير اللؤلؤ والجوهر فلكل تربة غرس ولكل بناء أس.
فجرد السيف في يوم يفيد به ... فإن للسيف يوما ثم ينصرم
стр. 605
عرف ذلك العلماء حقا حتى قال قائلهم وهو عكرمة: إن لهذا العلم ثمناً فقدروا له قدره، قيل وما ثمنه؟ قال: أن تضعه عند من يحفظه ولا يضيعه. ورحم الله ابن حزم في ذلك حين قال: (نشر العلم عند من ليس من أهله مفسد لهم. كإطعامك الحلوى من به احتراق وحمى، أو كتشميمك المسك والعنبر من به صداع من احتدام الصفرا).
قالوا نراك طويل الصمت قلت لهم ... ما طول صمتي من عيّ ولا خرس
أأنشر البز فيمن ليس يعرفه ... أم أنشر الدر بين العمى في الغلس
فمن حوى العلم ثم أودعه ... بجهله غير أهله ظلمه
وكان كالمبتني البناء إذا ... تم له ما أراده هدمه
وقد قالها الشافعي ﵀ في مصر مدوية عندما كلمة من لا يرى فقه فقال:
أأنثر در بين راعية الغنم ... وأنشر منظوما لراعية النعم
لئن كنت قد ضُيعت في شر بلدة ... فلست مضيعا بينهم غرر الكلم
فإن فرج الله الكريم بلطفه ... وأدركت أهلا للعلوم وللحكم
بثثت مفيدا واستفدت ودادهم ... وإلا فمخزون لديّ ومكتتم
ومن منح الجهال علما أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم
وقد أحسن أيضا وحلق يوم قال:
العلم جهل عند أهل الجهل ... كما الجهل جهل عند أهل العلم
ومنزلة الفقيه من السفيه ... كمنزلة السفيه من الفقيه
فهذا زاهد في قرب هذا ... وهذا فيه أزهد منه فيه
فعلى الطريقِ أخي ضع العلم في أهله على تفاوت فالذكي يحتاج إلى الزيادة والبليد يكتفي بالقليل والسفيه يمنع ويزجر وذو الشر يذل ويحرم ولا يعان ويكرم والجميع يذكر ويعظ، (كِل على الطريق لكل سالك بمعيار عقله وزن له بميزان فهمه حتى تسلم منه وينتفع بك وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار) ولكل ثواب لابس ولكل علم قابس.
فلا تكون كمن ألقى رحالته ... على الحمار وخلى صهوة الفرس
وقفة جانبية على الطريق: عرض ولا تصرح فالحال ناطقة.
стр. 606
أقول وستر الدجى مسبل ... كما قال حين شكا الضفدع
كلامي إن قلته ضائع ... وفي الصمت حتفي فما أصنع
* * * * *
الإشارة الخامسة عشرة: كل البقل ولا تسل عن المبقلة
بمعنى خذها من أي وعاء خرجت، الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق بها، فلا تحقر على الطريق أحداً أن تأخذ منه الحكمة، فقد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر، والدر در ثمين أينما كانا، ورسول الله ﷺ وهو الأسوة والقدوة قد أقر أبا هريرة ﵁ على أن يأخذ ما فيه نفعه من أخبث مخلوق وهو إبليس الذي كان يسرق من التمر الموكل بحفظه أبو هريرة ثم افتدى نفسه من أبي هريرة بتعليمه آية الكرسي كحافظ له من الشيطان حتى يصبح، فلما أخبر أبو هريرة رسول الله ﷺ بذلك قال: ((صدقك وهو كذوب)).
فالحكمة قد يتلقاها الفاجر وهو لا ينتفع بها وتؤخذ عنه وينتفع بها، والكذاب قد يصدق فاعلم وحقق.
لا تحقرن الرأي وهو موافق ... حكم الصواب إذا أتى من ناقص
فالدر وهو أعز شيء يقتنى ... ما حط قيمته هوان الغائص
* * * * *
الإشارة السادسة عشرة: احترام الحقيقة
وتجنب الاغراق في المبالغة فهي قبيحة تشوه الحقيقة تقرب البعيد وتبعد القريب وتظهر غبشا في الرؤية على الطريق، إنها سماجة واستخفاف بعقل السامع وسخرية من وجدانه (تهويل وتزييف للواقع شطط وتفخيم وتضخيم ضد الحقيقة بل عجز عن رؤية الواقع كما هو عليه).وضعف في مشين.
حتى يرى سيئا ما ليس بالسوأى ... وكي يرى حسناً ما ليس بالحسن
стр. 607
الإغراق في المبالغة سلبية في حياة عامة الناس وهي ظاهرة في سلوك المجتمع والأسرة والفرد وقد تعالج بمثلها، داء بداء فأين الدواء؟ وهاك المثال: (جاء طفل مسرع نحو أمه قائلاً: لقد وجدت في الحمام فأرا ياماه مثل الفيل، فردت عليه الأم مؤنبة له: قلت لك مليون مرة لا تبالغ. فقل لي بالله أيهما أكثر مبالغة، أليس الطفل معذورا فيما اخبر به عن أمه؟ بلى) وحالة:
محضتني النصح لكن لست تعمله ... فأنت أولى بذا مني على خجل
هذا على مستوى الأسرة والعامة وتلك والله فاقرة وقبيحة وقاصمة ولكنها في حق طلاب العلم والأخيار ثغرة كبيرة في جدار بنيانهم التربوي لا تكاد تسد.
فكل كسوف في الدراري شنيعة ... ولكنه في الشمس والبدر أشنع
إنها تظهر جلية مشينة في الحكم على الآخرين قدحا ومدحا فهذا يمدح ممدوحه حتى يوصله ذرى الجبال فلا تزال تسمع ما يلي: فلا إبن تيمية عصره وابن حجر زمانه وبخاري أوانه .. ليس له مثال .. علامة فهامة .. حتى إذا ما حصل أمر - أي أمر- تغير وتبدل وصار الأنف ذنباً ونصبت له المجانيق وأرسلت الصواعق وسلت السيوف ورفعت المعاول ومن قمم الجبال إلى حضيض الإهمال فإذا هو مارد خرج من قمقمه فإياك وإياه لا تتبع أقواله .. إنه غاو ومضل ما رق معاند خائن فاسد العقيدة أشر على الإسلام من اليهود والنصارى، حيف وظلم وشطط وجور وعدم اتزان وتدمير جنان.
يا عين سحي يا قلوب تفطري ... يا نفس رقي يا مروءة نادي
إن دام هذا ولم يحدث له غير ... لم يبك ميت ولم يفرح بمولود
يا معشر القراء يا ملح البد ... ما يصلح الملح إذا الملح فسد
ورحم الله القائل يوم قال: والله إن الأمة لن تأخذ موضعها بين الأمم حتى تضع الكلمة في موضعها.
كيف تحيا أمة قد ودعت ... كلمة العدل ولم تدكر
стр. 608
فهيا أخي ... أقبل بقلبك وقالبك واسمع إلى صاحب (كيف تحاور) وهو يخاطبك قائلا: (لتبتعد عن تهوين ما لا يعجبك وتهويل ما يعجبك، فإنك إن اشتهرت بذلك فسنضطر لتفحص عينيك عند سماع جديد الأخبار منك). نعم! إن الحقيقة غالية عند أصحاب النفوس القويمة والعقول المستقيمة ولو كانت في غير صالحهم فهي على مرارتها ثمينة. أما غيرهم فيخدع نفسه ويخدع غيره.
فلا تغل في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم
بالملح نصلح ما نخشى تغيره ... فكيف بالملح إن حلت به الغير
صور العمى شتى وأقبحها إذا ... نظرت بغير عيونهن الهام
دواؤك منك ولا تشعر ... ودواؤك فيك ولا تبصر
* * * * *
الإشارة السابعة عشرة: الأصل في المسلم السلامة
من المبادئ المهمة في التعامل على الطريق بين المسلمين إحسان الظن بهم، وخلع المنظار الأسود عند النظر إلى مواقفهم وأعمالهم فكيف بنياتهم، والحكم على سرائرهم التي علمها عند من لا تخفى عليه خافية ولا يغيب عنه سر ولا علانية، الأصل في المسلم الستر والصيانة حتى تظهر منه الخيانة لكن من الناس من منظاره أسود، أفهام الناس عنده سقيمه ومقاصدهم سيئة، كلما سمع من إنسان خيرا كذبه، وكلما ذكر عنده احد بخير طعن فيه وجرحه.
هم الشوك والورد أقرانهم ... وليس لدى الشوك غير الإبر
فكنت كذئب السوء لما رأى دما ... بصاحبه يوما أحال على الدم
يقولون لي أهلا وسهلا ومرحبا ... ولو ظفروا بي ساعة قتلوني
مبدع؛ لكنه إبداع سلبي، مبدع في تحطيم ما بينه وما بين الناس من جسور الثقة والذي يريد هداية الناس يبني جسور الثقة بينه وبين الناس ليكسب القلوب ليزرع فيها خوف وحب علام الغيوب.
стр. 609
هاهو الشيخ العز بن عبد السلام ﵀ لقي في صنوف الأذى على يدي الأشرف موسى ما لقي ثم رجع الأشرف إلى الحق بعد ما تبين له وأحب الشيخ حباً جماً وقدمه على غيره وعمل بفتاواه ولما مرض الأشرف قال: ياعز اجعلني في حل وادع لي فقال الشيخ: أما محاللتك فإني كل ليلة أحالل الخلق وأبيت وليس عندي لأحد مظلمة وأرى أن يكون أجري على الله لا على عباد الله عملا بقول الله: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (الشورى:٤٠)
صفوح عن الإجرام حتى كأنه ... من العفو لم يعرف من الناس مجرما
وليس يبالي أن يكون به الأذى ... إذا ما الأذى لم يغشى بالكره مسلما
ثم أوصاه الشيخ بالصلح مع أخيه فتم له ذلك ثم ذكره بمنع المنكرات وإبطال ما يمارس العمال من الموبقات من إباحة الفروج وإدمان الخمور وارتكاب الفجور وقال له إن أفضل ما تلقى الله به أن تبطل ذلك في مملكتك فأمر بإبطال ذلك لكه وقال للشيخ: جزاك الله خيرا وجمع بيني وبينك في الجنة بمنه وكرمه ولقي الله فرحمه الله. هكذا -أخي- يجب أن نكون من حسن الظن بالمسلمين حتى نصل بدعوتنا إلى سويداء قلوب المدعوين. فمن وجد الإحسان قيدا تقيدا، وعلينا أن نطرح سوء الظن واتباع الهوى فاتباع الهوى يفرق ويشتت ويمزق لأن الحق واحد والأهواء بعدد قلوب الخلق (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (القصص:٥٠)
كدودٌ كدودِ القز ينسج دائما ... ويهلك غما وسط ما هو ناسج
فخير لك إن أردت النجاة على الطريق أن تسيء الظن بنفسك لا بالمسلمين لأن حسن الظن بالنفس يمنع كمال التفتيش عن عيوبها ويلبس عليك مثالها فترى المساوئ محاسنا والعيوب كمالا.
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا
стр. 610
فلا يسيء الظن بنفسه إلا من عرفها ومن أحسن الظن بنفسه فهو أجعل الناس بنفسه.
لا يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه
فكن أخي مع الناس كالنحل يقع على أحسن الزهور والرياحين فيجتني منها ما يفيده ويخدم به غيره ولا يكن همك تتبع السقطات والعثرات والتغافل عن الحسنات.
صوب نظرك على عنصر الخير في الناس وتعامل معهم على أساسه تَّسعَدْ وتُسعد.
ولا تكن كالذباب يقع على القذر وينشره تَشق وتُشق.
إذا أنت لم تعصي الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال
إذا رأيت الهوى في أمة حكماً ... فاحكم هنالك أن العقل قد ذهبا
* * * * *
الإشارة الثامنة عشرة: من ذا الذي ترضى سجاياه كلها
ما منا أحد إلا وله زلة وخطأ وسقطة ورأي قد يكون فيه كبوة، وزلة المسلم إما أن تعرف وتشاع وتذاع فيستمرؤها صاحبها وينسلخ عنه الحياء فيصعب عليه الرجوع، وإما أن تكون زلته حبيسة في صدره لا يعلمها إلا الله وحده فهذا رجوعه أسرع بإذن الله وأقرب، فلا يكن أحدنا عونا للشيطان على أخيه وليس الذئب يأكل لحم ذئب، ولا يجوز الباب إلا مؤمن عاقل يختار رضوان الله العلي القدير، إن العامل يتعرض لعثرات وقد يحصل منه هفوات ثم ينبري له من سلمه حرب وذلوله صعب يشيع ويذيع لا يقر له قرار ولا ينعم له بال كأنما يتقلب على حسك السعدان أو يتلوى على جمر الغضا ينحب وينبح ويلهث، ينكر جروحا ويثير أشجاناً يرفع عقيرته لا يعجبه أحد، ولا يرتاح لبروز أحد، إرضاءه لا يدرك، أطيش من ذباب.
لو وزنت أحلامه الخفافا ... على الميزان ما وزنت ذبابا
جليد بليد:
وما على الكلب أن يعتاده السعر ... ومن العجائب أن مثل لسانه لم يبتر
فمطالب بإعادة ومطالب ... بزيادة ومهلل ومصفق
كالكلب إن جاع لم يمنعك بصبصة ... وإن ينل شبعاً ينبحك من أشر
فيا عجبا من زائر وهو ثعلب ... يخال سكوت الليث وهنا فيعتدي
стр. 611
غرورا وينسى بأسه حين يغضب
فالتعامل معه كالآتي: لا يلتفت إلى ما في كلامه من طعن ويؤخذ ما فيه من حق إن وجد فإن الحق هو الحق وللداعية خيره وعلى الطاعن شره.
فما الأسد الضرغام يوماً بعاكس ... صريمته إن أنَّ أو بصبص الكلب
يقول شيخ الإسلام إبن تيمية ﵀: بعض الناس لا تراه إلا منتقداً ينسي حسنات الطوائف والأجناس ويذكر مثالبهم فهو مثل الذباب يترك موضع البرء والسلامة ويقع على الجرح والأذى وهذا من رداءة النفوس وفساد المزاج، فاربأ بنفسك أن تكون كصغار الكلب أو شر الطبل على حد قول القائل:
صغار الكلب أكثرها عواءً ... وشر الطبل أكثرها دوياً
صغير العقل بالأعرض يلهو ... ...وذو اللب الرجيح يراه غيا
ومن نظر الأمور بعين عقل ... جرى في هذه الدنيا أبيا
إن الوقيع كإسمها شر وفساد وفرقة وتمكين للعدو وبهتان نهايتها خصومة وقطيعة وقعود وقرار لعين العدو وهلاك على الطريق وهكذا الذباب على الطعام يطير والفراش على الشهاب يساقط.
كلام من كان على ذا ومنظره ... مما يشق على الأذان والحدق
فلا تعره اهتماما على الطريق ولا تنتصر لنفسك.
فإن انتصرت لها فأنت كمن بغى ... طفي الحريق بموقد النيران
واعجباً لمسلم قبل أن يتعلم مسألة من مسائل الدين يتعلم كيف يقع في إخوانه المسلمين ثم يريد أن ينجح ويفلح ومتى يفلح؟ متى يفلح من يطعن في أقوام لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة من سنين، متى يفلح من يشفي صدور قوم كافرين بالوقوع في إخوانه المسلمين.
تغشى عيون في النهار فلا ترى ... وترى عيون في الظلام وترقب
ويسير ذو جهل بحكمة غيره ... ويتيه ذو العقل السديد ويسلب
فيا طالب العلم: إن الوقيعة في الناس بضاعة الجبناء وكف اللسان عن الناس سمت العلماء وكل إلى جنسه يحن.
فليكن حنينك إلى العلماء وأخلاق العلماء تكن كالعلماء.
стр. 612
وأنظر وقف: الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ كان ممن لا يغتاب ولا يسمع في مجلسه بغيبة وكذلك العلماء.
يقول: لقتل الأولاد ونهب الأموال أهون عندي من أخذ الحسنات من رجل كبير مثلي، وفي رحلة الحج يسجل هذا الموقف العظيم فيقول:
ثم جئنا آخر النهار بعد الثالثة للقرية المسماة (آتيه)، فالتمسنا عربيا نبيت عنده، فدعانا رجل عربي - والله ما سألت عن إسمه ولا إسم أبيه خوفا من الغيبة -فانزلنا في مكان يعوي منه الكلب، وأغلقه علينا من الخارج، فذكرتني تلك الليلة ليلة النابغة التي قال فيها:
كليني لهمِّ يا أميمة ناصب ... وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب
وليلة المهلهل التي قال فيها:
أليلتنا بذي حسم أنيري ... إذا أنتِ أنقضيتِ فلا تحوري
قد وصف طولها بقوله:
كأن كواكبَ الجوزاء عودُ ... معطفةًُ على رُبع كسيرِ
كأن الجدي في مثناهُ ربقُ ... أسيرُ أو بمنزلةِ الأسيرِ
كواكبُها زواحفُ لاغِباتُ ... كأن سماءها بِيدي مديرِ
إلى أن قال:
وأنقذني بياضُ الصبح منها ... وقد أُنقِذتُ من شيءٍ كبير
وتمثلت قول إمرء القيس:
كأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل
وكان صبح تلك الليلة أحب غائب إلينا
فيا معشر طلاب العلم: هذا ديدن العلماء الربانيين ومن تشبه تشبث.
كيف الوقوف أمام خلاق الملا ... والعلم ظن والحديث مرَّجمُ
إن أي إنسان يستطيع أن يرمي غيره بأي نقيصة لكنه لا يستطيع أن يثبت دعواه إلا إذا كان صادقاً.
وكم على الأرض أشجار مورقة ... وليس يرجم إلا ما به ثمر
كلًٌ يصيد الليث وهو مقيد ... ويعز صيد الضغيم المفكوك
واختلاف الرأي لا يفسد للود لقضية ولو أنه كلما اختلف إثنان تهاجرا وتقاطها لما بقي بين المسلمين أخوة فليتق الله مؤمن في إخوانه، وليتسع صدره لوجهات نظرهم فلا تذهب معه المروءة والمحبة والمؤمن يستر وينصح لا يهتك ولا يفضح.
стр. 613
أمنا التقوى وقد أرضعتنا ... من هواها ونحن نأبى الفطاما
فاشرب من الماء القراح منعماً ... فلكم وردت الماء غير قراح
وهات حديثا كقطر الندى ... يجدد في النفس ما بددا
فيضحي لآمالنا منعشا ... ويمسي لآلامنا مرقدا
وقفة جانبية أخرى على الطريق:
لا تسل لئيما:
لا تسل لئيما فأذل من اللئيم سائله
من كان يأمل أن يرى من ساقط نيلا دنيا ... فلقد رجى أن يرتجي من عوسج رطباً جنياً
* * * * *
الإشارة التاسعة عشرة: ما كل عود ناضر بنضار
ما كل من حَسُن منظره حسن مخبره فلا تغلب المظاهر على الحقائق على الطريق (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:١٣)
فما الحسن في وجه الفتى شرفا له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق
إن من عباد الله على الطريق من تشرئب إليه الأعناق ويسترعى الانتباه لكنه خائر بائر لا خير فيه ولا يغتر به.
لهم منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القبل أسود أسفعُ
فمردود بهاؤهم عليهم ... كما رد النكاح بلا ولي
ومن عباد الله على الطريق من لا تشرئب إليه الأعناق ولا يسترعي الانتباه لكن يُجري الله على يديه الخير الكثير.
متبذل في القوم وهو مبجل ... متواضع في الحي وهو مكرم
((ثبت انه مر رجل على رسول الله ﷺ فقال لرجل عنده جالس ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس حري والله إن خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع فسكت رسول الله ﷺ ، ثم مر رجل آخر فقال رسول الله ﷺ للرجل: ما رأيك في هذا؟ قال: يا رسول الله هذا الرجل من فقراء المسلمين، حري إن خطب ألاّ ينكح وإن شفع ألاّ يشفع وإن قال ألاّ يسمع لقوله، فقال رسول الله ﷺ : هذا خير من ملء الأرض مثل هذا)).
وبعض الناس ماء رباب مزن ... وبعض الناس من سبخ ملاح
стр. 614
والسيف ما لم يلف فيه صيقل ... من طبعه لم ينتفع بصقال
وليس بضائر إذا صح نصل ... السيف ما لقي الغمد
ولا ينفع الأصل من هاشم ... إذا كانت النفس في هاوية
((دخل أعرابي رث الهيئة في عباءة خلقة على معاوية ﵁ وأرضاه فاقتحمته عنيه وغدى ينظر على عباءته الخلقة فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلمك إنما يكلمك من فيها)).
وما ضر نصل السيف إخلاق غمده ... إذا كان غضبا حيث أنفذته برى
فإن تكن الأيام أزرت ببزتي ... فكم من حسام في غلاف مكسرا
فقربه وأدناه وعلم أن في العباءة ما فيها.
عجبت لمن ثوبه لامع ... ولكنما القلب كالفحمة
مظاهر براقة تحتها ... بحار من الزيف والظلمة
وتكلم آخر محتقر عند عبد الملك بكلام ذهب فيه كل مذهب حتى خلب لب عبد الملك وأعجب به فقال له: ابن من أنت؟ قال: أنا ابن نفسي يا أمير المؤمنين التي توصلت بها إليك وأهلتني لأن أتكلم بين يديك أخلب لبك، أبى الله أن أسمو بجد ولا أب.
فما أنا إلا السيف يأكل جفنه ... له حلية من نفسه وهو عاطل
وليست رعوتي من فوق مذق ... ولا جمري كمين في الرماد
قال: صدقت:
فما الفخر بالعظم الرميم وإنما ... فخار من يبغي الفخار بنفسه
إن من أحوال المسلم أن يحتفي وينتعل ويمتشط ويدع ذلك ويلبس اللباس الجميل والحذاء الحسن، ومع هذا لا تتحكم هذه المظهارية فيه ولا يوزن بها ولا تأسر شخصيته، فهو يحكمها ويأسرها خلافا لموازين معكوسة جعلت المظهرية هي الميزان.
قيمة المرء عندهم بين ثوب ... باهر لونه وبين حذاء
ماذا لو خرج العالم حافيا بين الناس أينقص علمه وقدره؟ ماذا لو انتعل الغبي الجاهل أحسن النعال أيصبح فقيها؟ ماذا لو لبس المعتوه أحسن الثياب وأجملها أيغدو ذا لب .. ؟
إذا كان في لبس الفتى شرف له ... فما السيف إلا غمده والحمائل
стр. 615
إن الإكتفاء في المقاييس بارتداء الملابس والامتشاطات الساحرة والعطور المنعشة مع عدم النظر إلى التقوى والعلم والرأي حيف ونكسة.
رب ذي مظهر جميل توارى ... خلف أثوابه فؤاد خؤون
إن المظهر الحسن والترجل والتطيب من الأمور المشروعة وليست هي المقياس في الحكم على الناس، إن التراب مكمن الذهب فلا يغرنك حسن المظهر وحسن الهيئة وجمال الهندام والبزة فكم من ارتداها وهو يحمل بينها نخاعاً ضامراً بائراً وقلباً حائراً فهل يقدم مثل هذا؟ كلا ... وهل تروق دفيناً جودة الكفن، ((رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره)) كما ثبت في صحيح مسلم ﵀.
لا يغرنك البها والصور ... ستة أعشار من تراهم بقر
ولكن أكثر الناس لا يعقلون، فالعبرة كل العبرة بصلاح القلوب والأعمال لا بالصور والأموال ولا بالمظاهر والأشكال (إنما تنصر الأمة بضعيفها بصلاته ودعائه) فلا تغرنك المظاهر وابل الرجال تحبهم أو تبغضهم ومن ثمارهم تعرفونهم.
وعلى الفتى لطباعه ... سمة تلوح على جبينه
لقد عظم البعير بغير لب ... فلم يستغنى بالعظم البعير
يصرفه الصغير بكل وجه ... ويحبسه على الخسف الجرير
وتضربه الوليدة بالهراوي ... فلا غِيَر لديه ولا نكير
فإن كنت في شك من السيف فابله ... فإما تنفِّيه وإما تعده
* * * * *
الإشارة العشرون: بقدر الصعود يكون الهبوط
بمعنى: أحذر العجب والتعالي والغرور فهو دليل السفه ونقص العقل ودنو النفس لا يزال الشيطان بالإنسان إلى أن ينظر إلى نفسه وعمله نظرة إعجاب وغرور وإكبار فيقول له: أنت فعلت وفعلت حتى يلقي في روعه أنه لا مثيل له ولا نظير له فيعجب بنفسه فيغتر فيهلك وهو لا يشعر، ثم يتوقف عن العمل فيشقى، لأن السعادة إنما تدرك بالسعي والطلب والمعجب يرى أنه وصل فلا حاجة للسعي فيقضي العمر كله وهو يراوح مكانه لا يتقدم لمكرمة ولا يرتقي لمنزلة.
стр. 616
ولولا السعي لم تكن المساعي
فما خير برق لاح في غير وقته ... وواد غدا ملآن قبل أوانه
عند ذلك يرفض الحق ويحتقر الخلق ويداوم تزكية النفس أمام الخلق ويفرح بعيوب أقرانه من الخلق ثم يستعصي على النصح ولا يعترف بجهود الآخرين يداوم الحديث عما ينجزه من أعمال ويرفض الرجوع عن الخطأ ويحاول تبرير الخطأ ويستبد برأيه فرأيه صواب لا خطأ فيه لا يستشير أهل التجارب العقلاء ولا يستنير بآراء الأكياس الفطناء يهتم بشواذ المسائل وغريبها ويهمل العمل بأصول المسائل ثم يرفض الجلوس للتعلم في حلقات العلم.
ألجّ لجاجاً من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب
هو الغريق فما يخشى من البلل ... جذ السنام له وجذ الغارب
فحاله ياله من حال: كالصخرة الصماء الضخمة على القمة والسفح تغادرها خيرات السماء حتى تجتمع في الأرض المنخفضة.
* أو كالبرغوث يحيا ما دام جائعا فإذا شبع مات.
* أو كراكب أراق ماءه لرؤية السراب ثم ندم حيث لا ينفع ندم ولا حسرة.
* أو كرجل في قمة جبل يرى الناس في السهل كالنمل ويراه الناس في القمة كالذر وهو لايشعر.
مثل المعجب في إعجابه ... مثل الواقف في رأس الجبل
يبصر الناس صغار وهوفي ... أعين الناس صغيراً لم يزل
أو هو (كالسنبلة الفارغة من الحب بين السنابل المملوءة بالحب تجدها رافعة رأسها تتعالى على صديقاتها وصويحباتها مع أنها لا تصلح إلا علفا للحيوان)، والمملوءة حبا مثقلة بالخير قد انحنت برؤوسها.
إن كريم الأصل كالغصن كلما ... ازداد من خير تواضع وانحنى
العجب بإختصار كلب ينبح في قلب صاحبه والملائكة لا تدخل بيتاً فيه صور أو كلب.
فتنة تضحك أرباب النهى ... من مخازيها وتبكي البشرا
стр. 617
والنتيجة مخزية فنعوذ بالله من الخزي والبوار يحرم المعجب من توفيق الله فالخذلان موافق له ومصاحب له: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) (لأعراف:١٤٦). وتبعا لذلك ينال غضب الله ومقته. ثبت عنه ﷺ أنه قال: ((لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة كبر))، وثبت أيضا: ((من تعظم في نفسه واختال في مشيته لقي الله وهو عليه غضبان)) ثم ينهار المعجب وقت المحنة والشدة لأنه لم يحفظ الله في الرخاء فجدير بأن يخذل وقت المحنة ((تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة))، كما ثبت عنه ﷺ : ثم إن المعجب يخلق بينه وبين مدعويه جفوة وفجوة لا تكاد تردم فالقلوب جبلت على بغض من يتعالى عليها ومن ثم لا تقبل دعوته والمعجب عرضة لإنتقام الله العاجل والآجل ((بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل جمته يختال في مشيته إذا خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة)) كما روي البخاري ومسلم رحمهما الله.
أتت النوى دون الهوى فأتى الأسى ... دون الأُسى بحرارة لم تبرد
خدعتهم الأحلام في سنة الكرى ... ما أكذب الأحلام والتأويلا
له أسباب وبواعث لعل منها ما يلي: - باختصار-
١ - انحراف المربي في هذا الجانب إذ يلمس منه حب المحمدة ودوام تزكية النفس بالحق أو بالباطل فيتأثر به تحت يده.
٢ - ثم المدح في غير ضوابطه الشرعية بأن يكون بالحق وغير مجاوز للحد ومع من لا تخشى عليه الفتنة.
٣ - ثم صحبة المعجبين والمرء على دين خليله والصاحب ساحب - كما قيل-.
стр. 618
٤ - ثم الصدارة قبل النضج والتربية فالتفقه في دين الله ضرورة قبل الصدارة (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة:١٢٢). وقد يكون السبب عراقة الأصل والنسب لبعض العاملين فتحمله على استحسان ما يعمله مع أن النسب لا يقدم ولا يؤخر (كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (آل عمران:٥٩). ((لينتهين أقوتم يفتخرون بآبابئهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من العجلان)) (أبو داود). وبعد هذا كله فإني أعرض عليك نقاطا عدة لعل فيها العلاج لمن أصيب بهذا الداء عافانا الله وإياكم منه.
أولاً: العلم واليقين بأن المنة لله فيما أعطيته من مواهب وقدرات والله قادر أن يسلبكها ما بين غمضة عين وانتباهتها (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (ابراهيم:٧). (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ َ) (النحل:٥٣).
ثانيا: دوام حضور مجالس العلم والعلماء تلميذاً فإن في ذلك تطهير للنفس من ذلك الداء وتعريفا لها بقدرها وذلك هو الدواء.
стр. 619
يقول أحمد ابن يوسف الشيرازي في "أربعين البلدان" له: (لما رحلت إلى شيخنا رحلة الدنيا ومسند العصر أبي الوقت، قدر الله لي الوصول إليه في آخر بلاد كرمان، فسلمت عليه، وقبلته، وجلست بين يديه، فقال لي: ما أقدمك هذه البلاد؟ قلت: كان قصدي إليك، ومعولي، بعد الله عليك، قد كتبت ما وقع إلىَّ من حديثك بقلمي، وسعيت إليك بقدمي، لأدرك بركة علمك، وأحضى بعلو إسنادك، فقال: وفقك الله وإيانا لمرضاته، وجعل سعينا له، وقصدنا إليه، ولو كنت عرفتني حق معرفتي، لما سلمت عليَّ، ولا جلست بين يدي، ثم بكى بكاءً طويلا، وأبكى من حضره، ثم قال: اللهم استرنا بسترك الجميل، واجعل تحت الستر ما ترضى به عنا).
مجالسة العلماء طيب، ولو كنت تاجرا ما اخترت غير الطيب، إن فاتني ربحه لم يفتني ريحه، فاعلم وعِ:
ثالثا: خدمة من هم دونك علما ومرتبة وقدرا ومجالستهم ومؤاكلتهم وشعارك: مسكين بين ظهراني مساكين، فمن وضع نفسه دون قدره رفعه الناس فوق قدره.
رابعا: النظر إلى من هم فوقك علماً ومنزلة وعملا ورأياً وتفكيرا (إن أعجبت بعقلك ففكر في كل فكرة سوء تحل بخاطرك فإنك تعلم نقص عقلك حينئذ، وإن أعجبت برأيك فتفكر في سقطاتك فاحفظها ثم أنظر إلى من هو أعلى منك رأيا، وإن أعجبت بعلمك فاعلم أنه هبة من الله وانظر إلى من هو أعلى منك علماً وفوق ذي كل علم عليم.
خامسا: تأمل عيوب نفسكم ثم جد في محاسبتها أولاً بأول وأنت أعرف بنفسك، (كل منا يصف أواني بيته ومحتوياته ورب البيت أدرى بما فيه وأهل مكة أدرى بشعابها والصيرفي أعرف بنقد الدينار)، (إن خفيت على المرء عيوبه حتى ضن ألا عيب فيه فليعلم أن مصيبته إلى الأبد وأنه أتم الناس نقصا وأعظمهم عيوبا وأضعفهم تميزا -كما يقول ابن حزم- فالعاقل من ميز عيوب نفسه وجاهدها وسعى في قمعها والأحمق من جهل عيوب نفسه).
стр. 620
وأحمق منه من يرى عيوبه خصالاً يعجب بها. من أنت؟ هل أنت إلا عبد مكلف موعود بالعذاب إن قصر مرجو بالثواب إن ائتمر مؤلف من أقذار مشحون بأوضار سائر إلى جنة إن أطاع وإلا نار - أجارك الله من النار -.
كيف يزهو من رجيعه ... أبد الدهر ضجيعه
وهو منه وإليه ... وأخوه ورضيعه
وهو يدعوه ... إلىالحش بصغر فيطيعه
لو فكر الناس فيما في بطونهم ... ما استشعر العجب شبان ولا شيب
هل في ابن آدم غير الرأس مكرمة ... وهو ببضع من الآفات مضروب
انف يسيل وأذن ريحها سهك ... والعين ممرضة والثغر ملعوب
يابن التراب ومأكول التراب غدا ... أقصر فإنك مأكول ومشروب
وأتم الناس أعرفهم بنفسه كما قيل:
سادسا: اجلس دائما حيث ينتهي بك المجلس فذلك أدعى لكسر نخوة النفس وعجبها واتباع للسنة وأنعم بها خلة.
إذا لم يكن صدر المجالس سيدا ... فلا خير فيمن صدرته المجالس
سابعا: إن التعويل على رحمة الله لا على العمل فحسب يقول ﷺ كما جاء في صحيح البخاري: ((لن ينجى أحداً منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته).
ثامنا: تعويد النفس علىالفرار من الشرف حتى تعتاده فمن فر منه وهب له ومن تواضع لله رفعه ومن تكبر وضعه.
يقول المدائني: رأيت رجل من باهلة يطوف بين الصفا والمروة على بغلة في تيه وعجب ثم رأيته في سفر يمشي راجلا متعبا منهكاً يحمل متاعه على ظهره فقلت له: أراجل في هذا الموضع وأنت من يطوف بالبغلة بين الصفا والمروة! قال: نعم ركبت حيث يمشي الناس فكان حقا على الله أن أمشي حيث يركب الناس ومن تواضع لله رفعه.
تاسعا: الاستعانة بالله واللجوء إلى الله أن يطهرك من هذه الآفة ومن استعان بالله أعانه الله.
فسل العياذ من التكبر والهوى ... فهما لكل الشر جامعتان
وهما يصدان الفتى عن كل طرق ... الخير إذ في قلبه يلجان
стр. 621
والله لو جردت نفسك منهما لأتت ... إليك كل وفود كل تهاني
ومن استعان بالله أعانه الله.
عاشرا: المجاهدة: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:٦٩).
حادي عشر: أحذر أنا، لي، عندي.
يقول ابن القيم: (وليحذر كل الحذر من طغيان أنا ولي وعندي فإن هذه الألفاظ الثلاثة ابتلى بها إبليس، وفرعون، وقارون، فأنا خير منه لإبليس، ولي ملك مصر لفرعون، وإنما أوتيته على علم عندي لقارون، وأحسن ما وضعت أنا في قول العبد أنا العبد المذنب المخطئ المستغفر ونحوه، ولي في قوله لي الذنب ولي الجرم ولي المسكنة ولي الفقر والذل وعندي في قوله: أغفر لي جدي وهزلي وخطأي وعمدي وكل ذلك عندي.
ثاني عشر: إذا أعجبت بمدح إخوانك ففكر في ذم أعدائك إياك، فإن لم يكن لك عدو فوالله لا خير فيك فلا منزلة أسقط من منزلة من لا عدو له فليست إلا منزلة من ليس لله عنده نعمة يحسد عليها عافانا الله اياكم - كما يقول ابن حزم ﵀.
ثالث عشر: التدبر والنظر في سيرة الرسول ﷺ والصحابة من بعدهم ففيهما لمن تدبر عظة وذكرى، ثبت عنه ﷺ وهو سيد ولد آدم وخير من دب على الثرى وهو الأسوة أنه كان يجلس على الأرض. ويأكل على الأرض. ويعتقل الشاة. ويجيب دعوة المملوك ويركب الحمار. ويقول: إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، ويقف بين يديه رجل يرعد كما ترعد السعفة فيقول: هون عليك فإنما انا إبن إمرأة من قريش كانت تأكل القديد. يمر بالصبيان ويسلم عليهم.
قسم التواضع في الأنام جميعهم ... فذهبت أنت فقدته بزمامه
стр. 622
صلوات الله وسلامه عليه، يقول أنس: إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد النبي ﷺ فتنطلق به حيث شاءت. كان يكون في مهنة أهله فإذا حضر وقت الصلاة خرج إلى الصلاة. كان يخيط ثوبه ويخصف نعله. ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم. وإذا صافح الرجل لم ينزع يده من يده حتى يكون هو الذي ينزع يده. لا يأنف ﷺ أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة، وكان يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم. ويعود مرضاهم. ويشهد جنائزهم يدعونه إلى خبز الشعير فما يردهم كما ثبت ذلك كله عنه.
فكل فعل كريم كان فاعله ... يحي القلوب ويحي ميت الهمم
صلوات الله وسلامه عليه:
يلين لكل ذي ضعف وعجز ... وكم لان لذي جهل فلانا
رسول يحمل الأطفال لطفا ... ويجعل عاتقيه لهم حصانا
ويختصر القراءة حين يبكي ... ...صبي والموفق من ألانا
يلاطف أهله أكرم بزوج ... يعف الأهل يغمرهم حنانا
يقاسمهم متاعبهم معينا ... ويخدمهم فكم وضع الجفانا
فكم خصف النعال وخاط ثوبا ... وكم من شأنه ملأ الجفانا
زعيم القوم خادمهم فطوبى ... لمن خدم الرعية أو أعانا
تشبه بالرسول تفز بدنيا ... وأخرى والشقي من استهانا
فأخلاق الرسول لنا كتاب ... وجدنا فيه أقصى مبتغانا
وعزتنا بغير الدين ذل ... وقدوتنا شمائل مصطفانا
صلوات الله وسلامه عليه:
стр. 623
ويأتي من بعده كوكبة من أتباعه الذين رباهم صلوات الله وسلامه عليه لينهجوا نهجه ويستنوا بسنته فإذا أنت بخير من دب على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين: أبي بكر ﵁ وأرضاه يبعث وينفذ جيش أسامة ضاربا بكل مثبط عرض الحائط ليخرج في وداعه ما شيا وأسامة راكب يقول أسامة: يا خليفة رسول الله لتركبن أو لأنزلن فيقول: والله لا ركبت ولا نزلت وما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة فإن شئت أن تعينني بعمر بن الخطاب فافعل ثم يقولها أخرى: لو يعلم الناس ما أنا فيه أهالوا عليَّ التراب.
عضب العزيمة في المكارم لم يدع ... في يومه شرفا يطالبه غدا
وروى الفاروق:
(أنه لقيه أحد الصحابة وهو يحمل قربة على عاتقه فقال له يا أمير المؤمنين أغناك الله وأرضاك وخولك وأعطاك فما يحملك على ما أنت فيه قال: إن ما تقوله حق لكن لما جائتني الوفود سامعة مطيعة دخلتني نخوة فأردت أن أكسر تلك النخوة في قلبي ثم مال بالقربة إلى حجرة أرملة من النصار فأفرغها في جرارها.
فمن يباري أبا حفص وسيرته ... ومن يحاول لفاروق تشبيها
ثم ينادي عمر يوماً: الصلاة جامعة فلما اجتمع الناس وكثروا قالوا: الأمر خطب عظيم. صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على نبيه ﷺ ثم قال: (أيها الناس لقد رأيتني وأنا أرعى غنيمات لخالات لي من بني مخزوم على قبضة من تمر أو قبضة من زبيب فأظل يومي وأي يوم وأستغفر الله لي ولكم ثم نزل من على المنبر فقال ابن عوف ﵁: ويحك يا أمير المؤمنين ما زدت على أن قمئت نفسك وعبتها أمام الرعية فقال: ويحك يابن عوف لقد خلوت بنفسي فحدثتني وقالت: أنت أمير المؤمنين من ذا أفضل منك فأردت أن أذلها وأعرفها قدرها).
كذلك أخلاقه كانت وما عهدت ... بعد أبي بكر أخلاق تحاكيها
لعل في أمة الإسلام نابتة ... تجلو لحاضرها مرآة ما ضيها
стр. 624
وأخرج أبو نعيم في الحيلة عن الحسن قال: رأيت عثمان ﵁ نائما في المسجد في ملحفة ليس حوله أحد وهو أمير المؤمنين.
ظهر الحيا وانهل ذاك البارق ... ونداك فياح ومجدك سابق
وتقسم الناس الحياء مجزءاً ... فذهبت أنت برأسه وسنامه
رضي الله عن عثمان وعن صحابة رسول الله ﷺ .
ويخرج ابن عساكر عن زاذان أن عليا ﵁ كان يمشي في الأسواق وحده وهو خليفة يرشد الضال وينشد الضال ويعين الضعيف ويمر البياع والبقال فيفتح عليه القرآن ويرد في (صفوة الأخبار) أنه اشترى لحما بدرهم فحمله في ملحفة فقال له رجل أحمل عنك يا أمير المؤمنين قال: لا أبو العيال أحق أن يحمله، (ما تواضع أحد الله إلا رفعه).
فرعا سما في سماء العز متخذا ... أصلا ثوى في قرار المجد مغروسا
وخالد ... ما خالد؟! أعني ابن الوليد ﵁ وأرضاه، ما هزم في جاهلية ولا إسلام، وهو في اوج انتصاراته (يأتيه خبر عزله من قبل أمير المؤمنين عمر عن قيادة الجيش لمصحة رآها أمير المؤمنين فيقول خالد: والله لو ولىّ عليَّ أمير المؤمنين عمر عبداً أسود اللون لسمعت له وأطعت ما دام يقودني بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
لانت مهزَّته فعزّ وإنما ... يشتد بأس الرمح حين يلين
وقيل لعمر بن عبد العزيز ﵁: لو أوصيت بدفنك بجوار عمر ﵁ في حجرة رسول الله ﷺ ، فقال: والله لأن ألقى الله بكل ذنب غير الشرك أحب إليَّ من أن أرى نفسي أهلا لتلك المنزلة، (اللهم إن عمر ليس أهلاً لأن ينال رحمتك لكن رحمتك أهل أن تنال عمر).
ينسى صنائعه والله يظهرها ... إن الكريم إذا أخفيته ظهرا
ويأتيك الإمام مالك يبرق بثوب التواضع يرفل عزا فيقول: ما رأيت مسلما إلا ظننت أنه خير مني.
وكذا السحائب قلما تدعو إلى ... معروفها الرواد إن لم تبرق
стр. 625
واسمع إلى ابن القيم وهو يحدث عن شيخه ابن تيمية ﵀ فيقول: كان كثير ما يردد مالي شيء ما مني شيء ولا في شيء أنا المكدّي وابن المكدّي وهكذا كان أبي وجدي ويكتب بخط يده:
أنا الفقير إلى رب البريات ... أنا المسكين في مجموع حالاتي
أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي ... والخير إن ياتينا من عنده يأتي
لا أستطيع لنفسي جلب منفعة ... ولا عن النفس لي دفع المضرات
والفقر لي وصف ذات لا زم أبداً ... كما الغني أبدا وصف له ذاتي
وهذه الحال حال الخلق أجمعهم ... وكلهم عنده عبد له آتي
يثني عليه في وجهه فيقول: والله إني لإلى الآن أجدد إسلامي في كل وقت وما أسلمت بعد إسلاماً جيدا ﵀.
كأن القائل يعنيه حين قال:
فصعدت في درج العلا حتى إذا ... جئت النجوم صعدت فوق الفرقد
على هذا سار صحابة رسول الله ﷺ والصالحون من بعدهم لم يتسلل العجب إلى نفوسهم ولم يدخل الغرور إلى قلوبهم تواضعوا لله فرفعهم الله في الدنيا وفي الآخرة يكرمهم بإذن الله (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) (الأنعام:٩٠)
بتنا نعيش على كرام فعالهم ... هيهات ليس الحر كالمستعبد
اين الجبال من التلال أوالرَُبا ... أين القوي من الضعيف المقعد
لا القوم منا لا ولا أنا منهم ... إن لم أفقهم في العلا والسؤدد
إن عد قوم في التقى كانوا أئمة ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
لا يستطيع جواد بُعد غايتهم ... ولا يدانيهم قوم وإن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت ... والأسد أسد الشرى والبأس محتدم
стр. 626
إلى من عمى في شمس نهاره، وعثر في ذيل اغتراره، وسقط سقوط الذباب على الشراب، وتهاتف تهاتف الفراش على الشهاب إن العجب أكذب ومعرفة النفس أصوب- كما قيل- ولا شيء والله أنفع لها من الافتقار إلى باريها.
بقدر الصعود يكون الهبوط ... فإياك والنفخة العاتية
وكن في مكان إذا ما وقعت ... تقوم ورجلاك في عافية
* * * * *
الإشارة الحادية والعشرون: لا تكن يائساً
فالمستقبل لدين الله والعزة لأولياء الله. منا من رأى تفشي الشر والمنكر وانتشاره واستفحاله رأى العدو تبجح وتقوى وتحت ظل هذه الرؤية رأى أنه مهما عملنا فلن نغير من الواقع شيء ولن نجني سوى التعب والمشقة فليس إذا في السعي فائدة. فإذا بك تنظر إليه متهجم الوجه عاقد الحاجبين مقطب الجبين رافعاً راية: لو أسلم حمار آل الخطاب ما أسلم عمر يحسب يوم الجمعة الخميسا مردداً حين يطلب منه خدمة دينه -ولو بالكلمة-: أنت تؤذن في خرابة لا أحد حولك تنفخ في قربة مقطوعة وغيرها من عبارات:
تصدا بها الأفهام بعد صقالها ... وترد ذكران العقول إناثاً
هلك الناس ... هلك الناس في نظره وقد هلك، وصف النبي ﷺ وصفا دقيقا كما في صحيح مسلم: ((إن قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم)).
معاشر المؤمنين: مما لا شك فيه أن حقائق اليوم هي أحلام الأمس. وأحلام اليوم هي حقائق الغد. والضعيف لا يظل ضعيفا أبد الآبدين. والقوي لا يظل قوي أبد الآبدين. (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص:٥ - ٦).
стр. 627
إننا نملك إيمانا بنصر الله لنا وثقة بتأييديه لنا ويقينا بسنة الله في إحقاق الحق وإبطال الباطل ولو كره المجرمون واطمئنانا إلى وعده الذي وعد به عباده المؤمنين (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً) (النور:٥٥).
إنه وعد يشحذ الهمم ويستثير العزائم ويملأ الصدور ثقة واطمئنانا إن الدور لنا لا علينا والتاريخ معنا (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ) (الصافات:١٧٢). سنة الله رب العالمين قال ﷺ : ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون))، ((وليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيتا مدر ولا بر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل)) كما ثبت عنه ﷺ . فانت أيها المؤمن أجير عند الله كيفما أراد ان تعمل عملت وقبضت الأجر لكن ليس لك ولا عليك أن تتجه الدعوة إلى أي مصير ذاك شأن صاحب الأمر لا شأن الأجير، وحسبك أن من الأنبياء من ياتي يوم القيامة ومعه الرجل ومعه الرجلان والثلاثة ويأتي من ليس معه أحد (فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ) (الشورى:٤٨).
(وآية الآيات في هذا الدين أنه أشد ما يكون ٌقوة وأصلب ما يكون عودا وأعظم ما يكون رسوخاً وشموخاً حين ننزل بساحته الأزمات وتوصد عليهم المنافذ حينئذ يحقق الإسلام معجزته ينبعث الجثمان الهامد يتدفق الدم في عروق أبنائه ينطلق ينتفض).
يقول فيسمع ويمشي فيسرع ... ويضرب في ذات الإله فيوجعُ
стр. 628
فإذا النائم يصحوا وإذا الغافل يفيق وإذا الجبان يتشجع وإذا الضعيف يتقوى وإذا الشتيت يتجمع وإذا بهذه القطرات المتابعة المتلاحقة من هنا وهناك من جهود القلة تكون سيلاً عارماً لا يقف دونه حاجز ولا سد).
لا يزخر الوادي بغير شعاب ... وهل شمس تكون بلا شعاع
إن هذه الأمة تمرض لكنها لا تموت وتغفو لكنها لا تنام وتخبو لكنها لا تطفأ أبداً.
حين غزا التتار ديار المسلمين ودخلوها كالريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم دمروا المدن وخربوا العمران وأسالوا الدماء وأسقطوا الخلافة وعطلوا الصلوات وألقوا أسفار المكتبات في نهر دجلة حتى اسودّ ماؤه من كثر ما سال من مداد الكتب حتى أصبحت حضارة الإسلام والبشرية مهددة من هذا الغزو الوحشي الذي لا يبقي ولا يذر والذي يذكر بما جاء في وصف يأجوج ومأجوج حتى أحجم بعض المعاصرين للحدث عن الكتابة فيه منهم ابن الأثير ﵀ الذي يقول ليت أمي لم تلدني ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا. مما رأى. من هول الفاجعة التي حلت بالمسلمين. ظن اليائسون حينها أن راية الإسلام نكست ولن ترتفع بعد ذلك اليوم أبداً وأن أمة الفتح والنصر قد حقت عليها الهزيمة فهيهات أن تعود إلى الميدان من جديد، ولم يمض سوى سنوات حتى تحققت معجزة الإسلام فإذا بهؤلاء الجبابرة الغازين للإسلام يغزوهم الإسلام فتسقط سيوفهم في صف المؤمنين تحت تأثير العقيدة الإسلامية فإذا بهم يدخلون بهم في دين المغلوبين على خلاف ما هو معروف أن المغلوب مولع دائما بتقليد الغالب المنصور (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) (الروم:٤). (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (الجاثية:٢٦). (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً) (فاطر:٤٤)
стр. 629
لا تيأسوا إن تستردّوا عزكم ... فلرب مغلوب هوى ثم ارتقى
وتجشموا للعز كل عظيمة ... إني رأيت العز صعب المرتقى
إن قراءة متأنية لتاريخ الصلبيين وبيت المقدس تعطي الأمل بان الواقع سوف يتغير فاسمع إلى ابن كثير (في البداية والنهاية) وغيره من أهل السير وهم يسردون لك هذا الحدث: (وفي ضحى يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان سنة اثنين وتسعين وأربعمائة للهجرة دخل ألف ألف مقاتل بيت المقدس وصنعوا فيه ما لا تصنعه وحوش الغاب وارتكبوا ما لاترتكب أكثر منه الشياطين لبثوا فيه أسبوعا يقتلون المسلمين حتى بلغ عدد القتلى أكثر من ستين ألفا منهم الأئمة والعلماء والمتعبدون والمجاورون وكانوا يجبرون المسلمين على إلقاء أنفسهم من أعالي البيوت لأنهم يشعلون النار عليهم وهم فيها فلا يجدون مخرجا إلا بإلقاء أنفسهم من السطوح جاسوا فيها خلال الديار وتبروا ما علوا تتبيرا، وأخذوا أطنان الذهب والفضة والدنانير ثم وضعت الصلبان على بيت المقدس وأدخلت فيه الخنازير ونودي من على مآذن لطالما أذن بالتوحيد من عليها: أن الله ثالث ثلاثة- جل اله وتبارك- فذهب الناس على وجوههم مستغيثين إلى العراق وتباكى المسلمون في كل مكان لهذا الحدث وظن اليائسون ألا عودة لبيت المقدس أبداً إلى حظيرة المسلمين.
كم طوى اليأس نفوسا لو رأت ... منبتا خصبا لكانت جوهرا
ويمضي الزمن ويعد الرجال وفي سنة ثلاثة وثمانين وخمسمائة للهجرة أعد صلاح الدين جيشا لإسترداد بيت المقدس وتأديب الصلبيين على مبداهم هم: إن القوي بكل أرض يتقي وفي وقت الإعداد تأتيه رسالة على لسان المسجد الأقصى تقول:
يا أيها الملك اذي ... لمعالم الصلبان نكس
جاءت إليك ظلامة تسعى ... من البيت المقدس
كل المساجد طهرت وأنا ... على شرفي أنجس
فانتخى وصاح وا إسلاماه وامتنع عن الضحك وسارع في الإعداد ولم يقارف بعدها ما يوجب الغسل.
стр. 630
من ذا يغير على الأسود بغبها ... أو من يعوم بمسبح التمساح
وعندها علم الصلبيون أن هذا من جنود محمد ﷺ فتصالح ملوك النصارى وجاؤا بحدهم وحديدهم وكانوا ثلاثة وستين ألف فتقدم صلاح الدين إلى طبريا ففتحها بلا إله إلا الله فصارت البحيرة إلى حوزته استدرجهم إلى الموعد الذي يريده هو ثم لم يصل إلى الكفار بعدها قطرة ماء إذ صارت البحيرة في حوزته فصاروا في عطش عظيم.
وعندها تقابل الجيشان وتواجه الفريقان وأسفر وجه الإيمان وأغبر وجه الظلم والطغيان ودارت دائرة السوء على عبدة الصلبان عشية الجمعة واستمرت إلى السبت الذي كان عسيرا على أهل الأحد إذ طلعت عليهم الشمس واشتد الحر وقوي العطش وأضرمت النار من قبل صلاح الدين في الحشيش الذي كانت تحت سنابك خيل الكفار فاجتمع عليهم حر الشمس وحر العطش وحر النار وحر السلاح وحر رشق النبال وحر مقابلة أهل الإيمان.
وقام الخطباء يستثيرون أهل الإيمان ثم صاح المسلمون وكبروا تكبيرة اهتز لها السهل والجبل ثم هجموا كالسيل الدفاع لينهزم الكفار ويؤسر ملوكهم ويقتل منهم ثلاثون ألفاً حتى قيل لم يبق أحد ويؤسر منهم ثلاثون ألفا حتى قيل لم يقتل أحد، فلم يسمع بمثل هذا اليوم في عز الإسلام وأهله إلا في عهد الصحابة، حتى ذكر ان بعض الفلاحين رؤي وهو يقود نيفا وثلاثين أسيرا يربطهم في طنب خيمته، وباع بعضهم أسيرا بنعل يلبسها، وباع بعضهم أسيرا بكلب يحرس غنمه.
стр. 631
ثم أمر السلطان صلاح الدين جيوشه أن تستريح لتتقدم إلى فتح بيت المقدس، ففي هذه الإستراحة كيف كانت النفوس المؤمنة التي لا تيأس؟: الرؤوس لم ترفع من سجودها، والدموع لم تمسح من خدودها، يوم عادت البيع مساجداً، والمكان الذي قال فيه: إن الله ثالث ثلاثة صار يشهد فيه: أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم سار نحو بيت المقدس ليفتح من الجهة الشرقية ويخرجهم منه فكان له ذلك على أن يبذل كل رجل منهم –ويخرج ذليلا- عن نفسه عشرة دنانير وعن المرأة خمسة وعن الطفل دينارين ومن عجز كان أسيرا للمؤمنين، فعجز منهم ستة عشر ألفاً كانوا أسراء للمسلمين.
ودخل المسلمون بيت المقدس، وطهروه من الصليب وطهروه من الخنزير، ونادى المسلمون بالآذان ووحدوا الرحمن وجاء الحق وبطلت الأباطيل وكثرت السجدات وتنوعت العبادات وارتفعت الدعوات وتنزلت البركات وتجلت الكربات وأقيمت الصلوات وأذن المؤذنون وخرس القسيسيون وأحضر منبر نورالدين الشهيد عليه رحمة الله الجليل الذي كان يأمل أن يكون الفتح على يديه فكان على يدي تلميذه صلاح الدين، ورقى الخطيب المنبر في أول جمعة بعد تعطل للجمعة والجماعة في المسجد الأقصى دام واحد وتسعين عاما، فكان مما بدأ به الخطيب خطبته بعد أن حمد الله أن قال: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:٤٥)، (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) (الروم:٤).
معاشر المسلمين: إن الأقصى لم تعطل فيه الجمعة ولم تعطل فيه الجماعة ومع ذا:
يئست أنفس ونامت عيون ... فجراح تغدو وتأتي جراح
فأين النجم من شمس وبدر ... وأين الثعلبان من الهزبر
стр. 632
المؤمن لا يعر ف اليأس ولا يفقد الرجاء إذ هو واثق بربه ثم هو واثق بحق نفسه ثم هو واثق بوعد الله، إن مرت به محنة اعتبرها دليل حياة وحركة فإن الميت الهامد لا يضرب ولا يؤذى وإنما يضرب ويؤذى المتحرك الحي المقاوم- كما قيل – كالذهب والحديد يدخل النار فيستفيد إذ يذهب خبثه ويبقى بهاؤه.
يؤلف إيلام الحوادث بيننا ... ويجمعنا في الله دين ومذهب
إن علينا –معشر المسلمين- أن نكون بحجم التحديات بصبر وثبات ولسان حال كل واحد منا:
فيقصر دون باعي كل باع ... ويحصر دون خطبتي الخطيب
إني أبيٌَ أبيُ ذو مغالبة ... وابن أبيّ أبيّ من أبيين
إن الوصول إلى القمة ليس الأهم لكن الأهم البقاء فيها، إن الإنحدار إلى القاع ليس هو الكارثة لكن الكارثة هو الاعتقاد أنه لا سبيل إلى الخروج من القاع، ليس والله الدواء في بكاء الأطلال وندب الحظوظ إنه في الترفع عن الواقع بلا تجاهل له، فالاستعلاء النفسي عليه في تحرر للفكر من إرهاقه ويأسه وخباله، بإرادة قوية حرة أبية يمكن تحويل عوامل الضعف إلى القوة باذن رب البرية (إن الرسول ﷺ حين حصل في أحد ما حصل شج وجهه وكسرت رباعيته وانخذل عنه من انخذل وإذا به يزيل الآثار النفسية من قلوب المؤمنين بنقلهم إلى مواجهة جديدة في حمراء الأسد لملاحقة المشركين الذين لو كانوا حقا منتصرين لما ولوا الأدبار قافلين ولقضوا على البقية الباقية من المسلمين وهذا يدل على حكمة الرسول الأمين عليه صلوات الله رب العالمين، وأبو بكر ﵁ يأتي من بعده وقد تربى على سنته بعد أن كادت نواة الإسلام تضيع في طوفان الردة، فإذا به ينقل الأمة نقلة من واقع إلى واقع بتأب عن اليأس وترفع على الهزيمة وحاله:
فليس يجلي الكرب رأي مسدد ... إذا هو لم يؤنس برمح مسدد
стр. 633
إن المستقبل لهذا الدين بدون منازع ولكنه لا يتحقق بالمعجزات السحرية ولكنه بالعمل والبذل والدعوة إلى الله من منطلقات صحيحة على منهج أهل السنة والجماعة (ووعد الله لن يتخلف لكنه لن يتحقق أبدا على يد أقوام لا يستحقونه ولا يفهمون سننه ولا يضحون من أجله).
فإذا حاولت في الأفق منىً ... فاركب البرق ولا ترضى الغماما
وما السيف إلا زبرة لو تركته ... على الخلقة الأولى لما كان يقطع
ألا أنني لا أركب اليأس مركبا ... ولا أكبر البأساء حين تغير
نفسي برغم الحادثات فتية ... عودي على رغم الحوادث مورق
أيها اليائس مت قبل الممات ... فإذا شئت حياة فالرجا
لا يذيق ذرعك عند الأزمات ... إن هي اشتدت فأمل فرجا
البيض تصدأ في الجفون إذا ثوت ... والماء يأسن إن أقام طويلاً
صانع السيف كمن يشهره ... في سبيل الله بين الجحفل
حقق الله لنا آمالنا ... وعلى الله بلوغ الأمل
الإشارة الثانية والعشرون: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث
أو (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا) (الأنعام:١٥٢). ما أحوجنا إلى العدل على الطريق وحاجتنا أشد له في النقد ومعالجة الخطأ.
ويجدر بنا أن نذكر هنا المنهج العادل والطريقة المثالية لمعالجة الخطأ، وذلك حسبما رسمه لنا من أمرنا الله بأن تكون لنا أسوة حسنة فيه ﷺ ، وما أكثر المواقف العادلة في سيرته ﷺ ، بل أن سيرته ﷺ كلها عدل، ونكتفي هنا بمثال واحد ألا وهو موقفه ﷺ من صنيع حاطب بن أبي بلتعة ﵁ في فتح مكة، ويحسن أن نذكر القصة بتمامها؛ ليتضح لنا ذلك القسطاس المستقيم الذي انتهجه الرسول ﷺ في معالجة هذا الخطأ، رغم شناعته وخطورته.
стр. 634
روي الإمام البخاري ﵀ في صحيحه، عن علي ﵁، قال: بعثني رسول الله ﷺ وأبا مرثد والزبير- وكلنا فارس- قال: انطرقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها إمراة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين، فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله ﷺ ، فقلنا: الكتاب، فقالت ما معي من كتاب فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتاباً، فقلنا: ما كذب رسول الله ﷺ لتخرجن الكتاب وإلا لنجردنك، فلما رأت الجد أهوت إلى حجرتها –وهي محتجزة بكساء – فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله ﷺ ، فقال عمر: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه.
فقال النبي ﷺ : ما حملك على ما صنعت؟ قال حاطب: والله ما بي ألا أكون مؤمنا بالله ورسوله ﷺ ، أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا وهناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله، فقال ﷺ : صدق ولا تقولوا إلا خيرا. فقال عمر إنه قد خان الله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه، فقال أليس من أهل بدر؟ لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة – أو فقد غفرت لكم-، فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم.
من هذه الحادثة نستطيع ان نحدد ثلاثة مراحل للمعالجة العادلة للخطأ، مهما كانت ضخامته:
المرحلة الأولى: مرحلة التثبت من وقوع الخطأ:
في هذه الحادثة قد تم التثبت عن طريق أوثق المصادر ألا وهو الوحي، حيث أوحى الله إلى رسوله ﷺ بخبر الكتاب الذي أرسله حاطب مع المرأة، وأين هي المرأة.
المرحلة الثانية: مرحلة التثبت من الأسباب التي دفعت إلى ارتكاب الخطأ:
стр. 635
وهذا الأمر متمثل في قوله ﷺ لحاطب: ما حملك على ما صنعت؟ وهذه المرحلة مهمة؛ لأنه قد يتبين بعد طرح هذا السؤال أن هناك عذرا شرعيا في ارتكاب الخطأ، وتنتهي القضية عند هذا الحد، فإذا لم تنته عند هذا الحد مثل ما ظهر في قضية حاطب، وأن العذر الذي أبداه لرسول الله ﷺ لم يكن مقنعا لكنه طمأن رسول الله ﷺ على صدق حاطب، وأنه لا زال مسلما، نقول: إذ لم يكن العذر مقنعا من الناحية الشرعية، فإنه يصار إلى:
المرحلة الثالثة: وفيها يتم جمع الحسنات والأعمال الخيرة لمرتكب الخطا وحشدها إلى جانب خطأه، فقد ينغمز هذا الخطأ أو هذه السيئة في بحر حسناته: وهذا هو الذي سلكه رسول الله ﷺ ، مع حاطب ﵁؛ حيث قال ﷺ لعمر عندما استأذن في مقتل حاطب: أليس من أهل بدر؟ فقال: لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة – أو فقد غفرت لكم-.
وقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀ كلاما جيدا حول هذا الموضوع؛ حيث قال في رده على من قال: إن الله يعافي الجهال ما لا يعافي العلماء:
فالواجب: أن هذا الذي ذكرتموه حق لا ريب فيه، ولكن من قواعد الشرع والحكمة أيضا من كثرة حسناته، وعظمت وكان له في الإسلام تأثير ظاهر، فإنه يحتمل له ما لا يحتمل من غيره، ويعفى منه ما لا يعفى عن غيره؛ فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث؛ بخلاف الماء القليل فإنه يحمل أدنى الخبث.
ومن هذا قول النبي ﷺ لعمر: وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: أعملوا ما شئتهم فقد غفرت لكم.وقد ارتكب مثل هذا الذنب العظيم، فأخبر النبي ﷺ أنه شهد بدرا، فدل على أن مقتضى عقوبته قائم لكن منع من ترتيب أثره عليه ما له من المشهد العظيم؛ فقوعت تلك السقطة العظيمة مغتفرة في جنب ما له من الحسنات.
следующие страницы →