← Джавами‘

Джавами‘ · id 7710

دروس للشيخ علي القرني

علي القرني

Полный текст (977 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

زيد بن عمرو بن نفيل وطلب الهداية وفي القدسي: ﴿يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم﴾ يمين الله ملأى سحاء لا يغيضها شيء. سبحانه وسعت آثار رحمته أهل الأراضي وسكان السماوات فمن استهداه هداه، ومن توكل عليه كفاه، يقول ابن عمر ﵁ وأرضاه كما في صحيح البخاري: [[إن زيد بن عمرو بن نفيل -وهو ابن عم عمر بن الخطاب ﵁، أبو سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵁ يقول: إن زيداً هذا خرج إلى الشام يسأل عن الدين -يبحث عن الهداية في وقت فترةٍ من الرسل- من الشام إلى الموصل إلى الجزيرة، فلقي عالماً من علماء اليهود، فسأله عن دينه، فقال: لعلي أن أدين بدينكم، فأخبرني، فقال اليهودي: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله! قال زيد: ما أفرُّ إلا من غضب الله تعالى، ولا أحمل من غضب الله شيئاً أبداًَ، وأنَّى أستطيعه؟! فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفاً، قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولا يعبد إلا الله. فخرج زيد، فلقي عالماً من علماء النصارى، فقال مثله: أخبرني عن دينكم لعلي أن أدين به. فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال: ما أفرُّ إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئاً أبداً، وأنًّى أستطيع؛ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفاً، قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولا يعبد إلا الله. فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم ﵇، خرج وبرز، ورفع يديه لمولاه، وقال: اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم، اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم]]. عبد الله! أن يتجه العبد إلى الله وحده دون سواه؛ طلبةٌ عزيزة منيعةٌ تحتاج إلى اصطبار، وطريقٌ يحتاج إلى مجاهدة ليخلص القلب من اتباع الهوى إلى حب مولاه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] تتلوها لذةٌ لا يعرفها إلا من ذاق طعمها وعرف حلاوتها، لكنها تبقى عزيزةً إلا بمشقة، فإذا تجاوزت تلك المشقة، منحتك عطرها، فتنسمت عرفها وريحها وكنت من أهلها، وإلا: فما أنت من أرض الحجون ولا الصفا ولا لك حظ الشرب من ماء زمزم ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم: ٦٥] فكان زيدٌ وقد ذاق حلاوة الهداية يقول فيما روي عنه: لبيك حقاً حقا تعبداً ورقاً، لبيك حقاً حقا تعبداً ورقاً، ثم يخر لله ساجداً، ويقول: والله لو أعلم أحب الوجوه إليك، لعبدتك به، ثم يخرُّ ساجداً على الأرض، تقول أسماء بنت أبي بكر ﵄: [[رأيت زيداً قائماً مسنداً ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش! والله ما منكم على دين إبراهيم أحدٌ غيري]] وكان يحيي الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يئد ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيك مؤنتها، وحاله: فإن أك مشغولاً بشيءٍ فلا أكن بغير الذي يرضى به الله أشغلُ رأى رسول الله ﷺ ، ولم يدرك بعثته، وكان يتلمس خروجه ليؤمن به ويتبعه، وقد آمن ومات قبل ذلك، وكان يقول ﵀ فيما يقول: وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخراً ثقالا دحاها فلما استوت شدها سواءً وأرسى عليها الجبالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذباً زلالا إذا هي سيقت إلى بلدةٍ أطاعت فصبت عليها سجالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت له الريح تصرف حالاً فحالا سأل سعيد -ابنه- رسول الله ﷺ عن أبيه، فقال ﷺ -واسمع إلى ما قال- قال: ﴿﵀، لقد مات على دين إبراهيم، ولقد رأيته في الجنة يسحب ذيولاً، يبعث يوم القيامة أمةً وحده، فيما بيني وبين عيسى ﵇﴾. فاهنأ بمنزلك الجميل ونم به في غبطةٍ وانعم بخير جوارِ رضي الله عن الرجل، بل عن الرجال، بل عن الأمة زيد بن عمرو، استهدى الله فهداه، ودعاه فأجابه سبحانه. سبحان من لا يشبه الأناما وعزَّ رب العرش أن يناما وكل خلقه له فقيرُ وكل أمرٍ شاءه يسيرُ يهدي الذي يشاء ذاك فضلُ ويبتلي البعض وذاك عدلُ ولا يرد ما به الله قضى وكل أمرٍ في الكتاب قد مضى

стр. 807

قصة سلمان الفارسي في طلب الهداية على الحقيقة وما فيها من عبر أي أخي! هيهات للسيل -أعني سيل الهداية على الحقيقة- هيهات للسيل إذا أتى أن يقف قبل أن يمد مده ويبلغ حده. ومن يسد طريق العارض الهطل؟! أرأيت سلمان ابن الإسلام، سابق الفرس، المنارة الشامخة في طلب الهداية، من تشتاق له الجنة، لو كان الإيمان عند الثريا لتناوله مثله، قال فيه علي ﵁ بسند رجاله ثقات: [[أدرك العلم الأول والعلم الآخر، بحرٌ لا يدرك قعره، وهو منا أهل البيت]] طلب الهداية في مظانها، فوفقه الله ليصحب رسوله ﷺ ، هبت رياح الهداية في بيداء الأكوان، ونجم الخير، وهدأت الريح، فإذا أبو طالب في لجة الهلاك بلا أمان، وسلمان على ساحل السلامة في أمان، والوليد بن المغيرة يقدم قومه في التيه في تيه، وصهيب قد قدم بقافلة الروم في غير ما كبرٍ ولا تيه، والنجاشي في أرض الحبشة يعج بلبيك اللهم لبيك، وبلال على ظهر الكعبة يصدح بالأذان ليسمع الآذان ويوقظ الجنان، لما قضي في القدم سلامة سلمان، أقبل يناظر أباه في دينٍ أباه، فلما علاه بالحجة لم يعرف أبوه جواباً إلا القيد، وهذا جوابٌ مرذولٌ يتداوله أهل الباطل من يوم: ﴿حَرِّقُوهُ﴾ [الإنبياء:٦٨] ويوم ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء:٢٩] فنزل بـ سلمان ضيفُ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ [محمد:٣١]، فنال بإكرامه مرتبة: ﴿سلمان منا﴾. سمع أن ركباً على نية السفر، فسرق نفسه من حرز أبيه وما قطع، ركب راحلة العزم يرجو إدراك السعادة والسيادة، وقف نفسه على خدمة الأدلاء وقوف الأذلاء، ليكون من الأجلاء السعداء وكان، فلما أحسَّ الرهبان بانقطاع دولتهم، سلموا إليه أعلام الإعلان على نبوة نبينا ﵊، وقالوا: إن زمانه قد أظل، فاحذر أن تضل، وإنه يخرج بأرض العرب، ثم يهاجر إلى أرض بين حرتين. فلو رأيتموه قد فلَّ الفلا والدليل شوقه، وخلى الوطن فلم يزعجه تطلعه وتوقه، ورحل مع رفقةٍ لم يرفقوا به، فشروه بثمنٍ بخسٍ دراهم معدودة، ابتاعه يهوديٌ بـ المدينة، فلما رأى الحرتين، توقد حرُّ شوقه، وما علم المنزل بلهفة النازل: أيدري الربع أيُّ دمٍ أراقا وأيُّ قلوب هذا الركب شاقا لنا ولأهله أبداً قلوب تلاقي في جسوم ما تلاقى فبينا هو يكابد ساعات الانتظار، قدم البشير بقدوم البشير النذير والسراج المنير؛ عليه صلوات الحكيم الخبير، وسلمان في رأس نخلة، كاد الفرح أن يلقيه لولا أن الحزم أمسكه، كما جرى يوم: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص:١٠] ثم عجل النزول لتلقي ركب السيارة، ولسان حاله يقول: خليلي من نجدٍ قفا بي على الربى فقد هبَّ من تلك الديار نسيمُ فصاح به مالكه: ما لك ولهذا؟ انصرف إلى شغلك، فأجاب بلسان حاله: كيف انصرافي ولي في داركم شغلُ فأخذ مالكه يضربه، فأخذ لسانه يترنم لو سمع الأطروش الأصم: خليلي لا والله ما أنا منكما إذا علمٌ من آل ليلى بدا ليا فلما لقي الرسول صلوات الله وسلامه على الرسول، عرض نسخة الرهبان بكتاب الأصل فوافق وطابق، فإلى الهداية سيق فسابق، حرر نفسه من هواها، فانتصرت يوم زكاها وحماها، ضعفت الأخلاط، فخفت الأغلاط، وتجدد النشاط، وهدي سلمان إلى سواء الصراط، ما آل كبلال،، وما حقيقةٌ كخيال يا محمد! صلوات الله وسلامه على نبينا محمد، أنت تريد أبا طالب، والله يريد سلمان، أبو طالب إذا سئل عن اسمه قال: عبد مناف، وإذا انتسب فللآباء، وإذا ذكر المال عد الإبل، وسلمان إن سئل عن اسمه، قال: عبد الله، وعن نسبه، قال: ابن الإسلام، وعن لباسه، قال: التواضع، وعن طعامه، قال: الجوع، وعن شرابه، قال: الدموع، وعن وساده، قال: السهر، وعن فخره، قال: ﴿سلمان منا﴾ وعن قصده، قال: يريدون وجهه. قصدنا الله حجتنا يوم يأتي الناس بالحججِ نورٌ مسخ الظلام، وهدىً محق الضلال، وحقٌ محق الباطل. طلع الصباح فأطفئ القنديلا ما حقيقةٌ كخيال الهداية على الحقيقة نورٌ من الله: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥] ومنةٌ وهبةٌ من الله: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:٢٥] ورحمةٌ من الله ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦]. رحمة الله لا تعزُّ على طالبٍ في أي مكان ولا في أي حال، كما يقول صاحب الظلال في تصرف: وجدها إبراهيم ﵇ في النار: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] ووجدها يوسف ﵇ في الجب: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف:١٥] ثم وجدها أخرى في السجن: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٥٤ - ٥٦] ووجدها موسى ﵇ في اليم وهو طفلٌ رضيعٌ مجردٌ من كل قوة ومن كل حراك: ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧] ثم وجدها أخرى في قصر فرعون وهو عدوٌ له متربصٌ به، يبحث عنه ليقتله، فإذا به يغذوه ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٩] وقد ألقى الله عليه المحبة، فما رآه أحدٌ إلا أحبه: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه:٣٩] ووجدها يونس ﵇ في بطن الحوت في الظلمات يوم نادى: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧ - ٨٨] وجدها أصحاب الكهف في الكهف حين افتقدوها في القصور والدور، فقال بعضهم لبعض: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً﴾ [الكهف:١٦] وجدها رسول الله ﷺ وصاحبه في الغار، والقوم يتعقبونهم ويقصون الآثار: ﴿ما ظنك باثنين الله ثالثهما قال: لا تحزن إن الله معنا﴾ وجدها كل من أوى إلى الله يائساً من كل ما سواه، منقطعاً عن كل شبهةٍ في قوة، ومظنةٍ في رحمة، قاصداً باب الله وحده: إلهي وجهت وجهي إليك فحقق منايا وأحلاميا وهب لي من العزم ما أرتجي وحقق بفضلك آماليا وثبت فؤادي في حاضري وتمم قوابل أياميا الهداية على الحقيقة نورٌ وحبور وسرور، والنور لا يحل إلا في قلبٍ صحيحٍ سليمٍ من الهوى والحقد والغل والحسد كما يقول الحميدي، أما القلب المريض، فإنه محجوبٌ عن ذلك النور، ولو كان الفكر في غاية الذكاء والفهم والعلم، فهو أحير من ضب؛ إذا بعد عن جحره خبن، وأهل الصحراء أعلم بذلك. هذه حقيقة عارية، من أنكرها فهو ساعٍ على جسر الخيال، مستبدل بالماء الآل، وما حقيقةٌ كخيال.

стр. 808

إنما يهدي الله من اهتدى هاهو غلامٌ أسودٌ راعٍ يأتي رسول الله ﷺ وهو محاصرٌ لبعض حصون خيبر، معه غنم هو أجيرٌ فيها لرجلٍ من يهود، فقال: يا رسول الله، اعرض عليَّ الإسلام، وكان ﷺ لا يحقر أحداً أن يعرض عليه الإسلام، فعرض عليه الإسلام فأسلم وشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ . وباح الصباح بأسراره وحرُّ الهوى في حشاه استعر قال: يا رسول الله! إني كنت أجيراً لصاحب هذه الغنم، وهي أمانةٌ عندي، كيف أصنع بها؟ فقال ﷺ فيما روي عنه: ﴿اضرب في وجوهها ترجع إلى ربها، فقام فأخذ حفنة من حصى، فرمى بها في وجوه الغنم، وقال: ارجعي، لا أصحبك والله أبداً، فخرجت كأن سائقاً يسوقها حتى دخلت حصن اليهودي، ثم تقدم مع رسول الله ﷺ يقاتل، فأصابه حجرٌ، فقتله وما صلى لله صلاةً قط، لم يكن بين إسلامه وقتله صلاة، فيؤتى به ويوضع خلف رسول الله ﷺ ، ويسجى بشملةٍ كانت عليه، ثم يلتفت إليه رسول الله ﷺ ومعه نفرٌ من أصحابه، ثم يعرض عنه، فقالوا: يا رسول الله! لم أعرضت عنه؟ فقال فيما روي عنه: إن معه الآن زوجتيه من حور العين﴾. تحول عنه الأذى وانتهت صروف الحياة وأشجانها سقاه الغوادي رحمانها وحياه بالخلد رضوانها وحور الجنان وولدانها هكذا يا معاشر المسلمين أبصر نور الهداية أسود راعٍ مملوك، بينما حجبت عن علماء أهل الكتاب في حصونهم مع أنهم يعرفون رسول الله ﷺ كما يعرفون أبناءهم، ليسوا للهداية بأهل: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال:٢٣] اتبعوا الهوى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠] زاغوا: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] وكتموا الحق وهم يعلمون، فبئس ما يصنعون. إذا ما تردى في الضلالة جاهلُ فما عذر من يأبى الهدى وهو عارفُ يظنون ألن ينسف الله ما بنوا ولن يثبت البنيان والله ناسفُ سيلقون بؤساً بعد بؤسٍ ومحنةً فلا العيش فياحٌ ولا الظل وارف

стр. 809

العبرة بالمسميات لا بالأسماء الهداية على الحقيقة لا الخيال استقامةٌ حقةٌ على تكاليف الدين، والتزامٌ بها، وعدم سلوك ما يناقضها. حقيقة الهداية ليست بمجرد الانتساب، أعني: الانتساب إلى الدين مع ارتكاب كل مناقضٍ له: إذا اعتلت الأفعال جاءت عليلةً كحالاتها أسماؤها والمصادر أما إن الحق لا يثبت بالدعوى ولكن بالدليل، وإن العبرة بالمسميات لا بالأسماء فحسب، وبالأفعال لا بالأقوال فقط، ولو أن كل من سمته أمه صالحاً كان صالحاً على الحقيقة، وكل من سمي عادلاً كان عدلاً على الحقيقة، لكنا سعداء بكثرة الصالحين والعدول فينا، ولو أن كل من تسمى حسناً لا يأتي إلا الفعل الحسن، لعظم وطغى الحسن على القبيح، ولكن وراء هذه الأسماء والألقاب الجميلة أفق الواقع تتهاوى فيه كثيرٌ من هذه الأسماء والألقاب، وتنفلق فلا تجد إلا الحقيقة من فعلٍ يصدق ذلك أو يكذبه: ومن يقل الغراب أبو القمارى يكذبه إذا نعب الغرابُ ذكر أبو الفرج أن تأبط شراً الشاعر ثابت بن جابر لقي ذات مرة رجلاً من ثقيف يكنى بأبي وهب، وكان رجلاً أهوج أحمق وعليه حلةٌ جميلة فارهة، فقال أبو وهب لـ تأبط شراً: بم تغلب الرجال يا ثابت: كيف تغلب الرجال وأنت كما أرى دميم ضئيل؟ -نظر إلى المظاهر وترك الحقائق- قال ثابت: أغلبهم باسمي، إنما أقول ساعة ألقى الرجل: أنا تأبط شراً، فينخلع قلبه حتى أنال منه ما أردت. فقال الثقفي: أبهذا فقط؟! قال: ليس إلا. قال: فهل لك أن تبيعني اسمك؟ قال: نعم ولكن ما الثمن؟ قال: هذه حلةٌ جميلة مع كنيتي، قال: أفعل، ففعل، وعندها قال تأبط شراً: لك اسمي ولي اسمك، وأخذ الحلة وأعطاه طمريه، ثم انصرف تأبط شراً وهو يقول مخاطباً زوجة الثقفي: ألا هل أتى الحسناء أن حليلها تأبط شراً واكتنيت أبا وهبٍ فهبه تسمى اسمي وسماني اسمه فأين له صبري على معظم الخطبِ؟! وأين له بأسٌ كبأسي ونجدتي؟! وأين له في كل فادحةٍ قلبي؟! مضى وتركه وهو يعيش باسمٍ دون مسمى، وخيالٍ أشبه بالخبال. وبعض الداء ليس له شفاءُ وداء الحمق ليس له دواءُ لكأنك به عند أول لقاء وقد هزم، وذهبت حلته وبقي له حمقه وكنيته، وحاله: وفي الهيجاء ما جربت نفسي ولكن في الهزيمة كالغزال إخوتي في الله! ليس كل من تزيا بزي الشجعان، وأخذ ألقابهم وأسماءهم وكناهم، وتحدث حديثهم، وردد عباراتهم وشعاراتهم يعتبر شجاعاً، حتى يكون في ذاته وهمه وشعوره، وتصوره وإقدامه وقوة قلبه كالشجعان حقاً، ليس كل من ارتدى مسوح أهل العلم، وإن كان في غاية البلادة في الفهم، والضحالة في العلم، والغباء في الذهن، ورسوخ الجهل؛ يعتبر عالماً حتى يكون في همته وشعوره، وتصوره وإدراكه، وفهمه واتباعه وخشيته كالعلماء حقاً. من ادعى وصف الكرام البررة فاستشهدوا أخلاقه وسيره ليس كل من تزيا بزي المستقيمين المهتدين، ولبس لباسهم، وردد ألفاظهم؛ يعتبر مستقيماً مهتدياً حقاً، حتى يكون في شعوره وولائه، وحبه وبغضه، وهمته وجديته، وسمته وخلقه، وتعامله وكبح جماح نفسه على الخير كالمستقيمين حقاً. ليس كل من ادعى سبيلاً، وتشدق بأبعاده ومراميه يكون من أهل ذلك السبيل؛ حتى يكون بفصيح لسانه وبليغ ما يخط بنانه ويعتقد جنانه حقاً كما قال، فليست العبرة بالمظاهر فحسب، بل بالمظاهر مع الحقائق، فاعلم وعِ: لا يخلبنك بارقٌ متلمعُ إن البروق تكون في ظلمائها

стр. 810

عدي بن حاتم بين دين الحقيقة ودين الخيال إليك عدي بن حاتم يتحدث عن نفسه فيما رواه ابن إسحاق والإمام أحمد في مسنده وروى الشطر الأخير منه البخاري في صحيحه رحم الله الجميع، يقول: كنت امرءاً شريفاً نصرانياً أسير في قومي بالمرباع -يأخذ ربع الغنيمة وهي لا تحل له قبل أن تقسم- وكنت في نفسي على ديني ملكاً في قومي لما يصنع بي، ولما بعث رسول الله ﷺ ، كرهته أشد ما كرهت شيئاً قط. ألقى الشيطان في روعه كره رسول الله ﷺ ، وخيل له أنه سيسلبه ملكه، ليحول الشيطان بينه وبين الملك الكبير ثمة في الجنة، قال الله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ [الإنسان:٢٠]. يقول: فقلت لغلامٍ لي كان راعياً لي إبلي: لا أب لك، اعدد لي من إبلي أجمالاً جللاً سماناً، فاحتبسها قريباً مني، فإذا سمعت بجيش محمد- صلى الله وسلم على نبينا محمد- قد وطئ هذه البلاد، فآذنّي، ففعل، وأتاني ذات غداة، فقال: يا عدي! ما كنت صانعاً إذا غشيتك خيل محمدٍ فاصنعه الآن، فإني رأيت رايات أقبلت، وسألت عنها، فقيل: هذه خيله، قال: فاحتملت أهلي وولدي، وخلفت بنت حاتم في الحاضر، وتخالفني خيل رسول الله ﷺ ، فتصيب ابنة حاتم في السبايا، وقد بلغ النبي ﷺ هربي إلى الشام، ومر رسول الله ﷺ بالسبايا، فقامت إليه، وكانت امرأةً جزلة عاقلةً أصيلة الرأي، فقالت: يا رسول الله! هلك الوالد وغاب الوافد، فامنن عليَّ منَّ الله عليك، قال: ﴿ومن وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم، قال: الفار من الله ورسوله، إني لأرجو الله أن يجعل يده في يدي﴾ ومنَّ عليها بعد أيام، وقدم ركبُ من بلي أو قضاعة فكساها رسول الله ﷺ ، وأعطاها دابةً ونفقة، فخرجت معهم حتى قدمت الشام أقصى أرض العرب مما يلي الروم، يقول عدي: فوالله إني لقاعدٌ في أهلي، إذ نظرت إلى ظعينةٍ تؤمنا وتنحدر إلينا، فقلت: ابنة حاتم، فإذا هي هي، فلما وقفت عليَّ، انسحلت تلوم وتشتم، وتقول: القاطع الظالم، احتملت أهلك وولدك وتركت بقية والدك عورتك، قلت: أي أخيه! لا تقولي إلا خيراً، فوالله ما لي من عذر، ولقد صنعت ما ذكرتِ، فنزلت، فقلت لها وكان امرأةً حازمةً ذات رأي: ما ترين في أمر هذا الرجل؟ يعني: رسول الله ﷺ ، قالت: أرى أن تلحق به سريعاً، إن يكن نبياً فللسابق إليه فضله، وإن يكن ملكاً فلن تذل وأنت عنده، ووصفت له من أخلاق رسول الله ﷺ ومعاملته ما وصفت، وماذا تصف؟!! فما حملت من ناقةٍ فوق ظهرها أبرَّ وأوفى ذمةً من محمدِ صلوات الله وسلامه عليه. يقول عدي: وقد كرهت مكاني أشد مما كرهت مكاني الأول، فقلت: لو أتيته، فسمعته إن كان كاذباً لم يَخْفَ عليَّ، قال: فأتيته، فانتشر في الناس أن قالوا: جاء عدي بن حاتم، ودخلت المسجد، وسلمت، فقال ﷺ : ﴿من؟ قلت: عدي بن حاتم، قال: الفار! ثم أخذ بيدي، وانطلق بي إلى بيته، فوالله إنه لعائد بي إلى بيته، إذ لقيته امرأةٌ ضعيفةٌ كبيرةٌ معها ابنها، فاستوقفته، فوقف لها طويلاً تكلمه، فقلت في نفسي: والله ما هذا بملك -وهو أعرف بحياة الملوك- قال: ثم دخلت بيته، وتناول وسادةً من أدمٍ جلدٍ محشوةً ليفاً، وقال: اجلس، وجلست بين يديه، فما رأيت في بيته شيئاً يرد البصر، قلت: ووالله ما هذا ببيت ملك، وما أمره بأمر ملك، ثم قال- يعني: ﷺ : إيه يا عدي! أسلم تسلم، أسلم تسلم﴾ حاله: إلى الله فارغب يا عدي بن حاتمِ ودع دين من يبغي العمى غير نادمِ فقلت: إني لعلى دين، قال ﷺ : ﴿أنا أعلم بدينك منك، ألست رسوسياً؟ قلت: بلى، قال: ألست ترأس قومك؟ قلت: بلى، قال: ألست تأخذ المرباع؟ قلت: بلى، قال ﷺ : فإن ذلك لا يحل لك في دينك، قال: فلم ألبث أن اتضعت لها، ووجدت عليًّ فيها غضاضة، قلت: نبيٌ مرسل يعلم ما يجهل﴾. كشف أمره، وحصل لديه يقينٌ بنبوة رسول الله ﷺ ، فهو يعلم من دينه ما لا يعلمه من حوله، ثم إن النبي ﷺ أراد أن يزيل بقية العوائق التي تعوق هذا الملك في قومه عن الإسلام، فقال: ﴿يا عدي! لعلك إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجة أهله، فوالله إن طالت بك حياة، ليوشكن أن يفيض المال حتى ترى الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، فلا يجد أحداً يأخذه. لعله إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، والله لئن طالت بك حياة، ليوشكن أن ترى الضعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله. قال: فقلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دُّعار طي الذين سعروا البلاد؟ -أين قطاع الطرق؟ - ثم قال ﷺ : يا عدي لعله إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم- يعني: فارس والروم- وايم والله إن طالت بك حياة، لترين قصور بابل البيض وكنوز كسرى قد فتحت، قلت: كسرى بن هرمز؟! قال: كسرى بن هرمز. قال: فقلت: أشهد ألا إله إلا الله وأنك رسول الله﴾. وكشفت الحجب، وزالت العوائق، ولا غرابة في عودة الشيء إلى أصله وفطرته، فحاله: ومن يعدل بحب الله شيئاً كحب الجاه ضل هوىً وخابا يقول عدي: [[وايم الله لقد رأيت الضعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله، وكنت في أول خيلٍ أغارت على المدائن فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، وايم الله لئن طالت بكم الحياة لترون ما قاله رسول الله ﷺ : ليفيضن المال حتى لا يوجد من يقبله]] إنه حديث رسول الله ﷺ ، مغالب الحق مغلوب، ومحارب الهدى محروب، ولا ينير الدنيا هلال مقنع، وعند غربال السبق خبرٌ يقين، وما حقيقةٌ كخيال، وما آلٌ كبلال معاشر المسلمين! الهداية الحقة ليست بمجرد الانتساب وإظهار الولاء فحسب، إن من يظهر الانتساب للإسلام ولا يطبق أحكامه، ويرتكب ما يناقضه؛ لا يكون مسلماً حقاً كما كان عديٌ على غير دينٍ الحقيقة، ولما كان عدي غير مستقيمٍ على دينه السابق؛ صار دعايةً سيئةً لذلك الدين، ومنفراً عن اعتناقه، فكذلك من ينتسبون إلى الإسلام وسلوكهم يناقض أحكامه وآدابه، هم صادون عنه وإن كانوا يحملون اسمه، فهم كالطائر قص جناحاه، فلا يغنيه مع ذلك أن يكون اسمه طائراً. إن الانتماء إلى الإسلام ليس انتماء وراثة، ولا هوية، ولا مظهر فحسب، وإنما هو انتماء للإسلام، والتزام به، واستقامة على أحكامه، تكيف به في كل مناحي الحياة، كنزٌ ثمين، فلنشد عليه يد الضنين: فلو لم يكن الزهر في البستان ما غرد قمري على الأغصان، وما صدحت الحناجر بأعذب الألحان. منزل الشاهين في أوج السحاب لا له أن يك في وكر الغراب هكذا وإلا: إليك عني إليك عني فلست منك ولست مني

стр. 811

الهداية الحقة احتكام إلى الوحي الهداية على الحقيقة تحولٌ جذري في السلوك والفكر، والتصور والمعتقد، والشعور والانتماء والمعاملة، والظاهر والباطن، إنها باختصار إسلام النفس لله وحكمها بوحي الله، أقوال المهتدي حقاً، وأعماله، وعطاؤه ومنعه، وحبه وبغضه، ومعاملته؛ لوجه الله، لا يريد بذلك جزاءً من الناس ولا شكوراً، ولا ابتغاء جاهٍ عندهم، ولا طلب محمدةٍ ومنزلةٍ في قلوبهم، ولا هرباً من ذمهم، قد عدَّ الناس بمنزلة أهل القبور، لا يملكون ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، عرف الناس فأنزلهم منازلهم، وعرف الله فأخلص له، وأصلح ما بينه وبينه، فمقاله: أسلمت وجهي لله. همه لله لا في غيره ولأجل الله مولاه خضع وحاله: عملٌ أريدَ به سواك فإنه عملٌ وإن زعم المرائي باطلُ فإذا رضيت فكل شيءٍ هينٌ وإذا حصلت فكل شيءٍ حاصلُ هاهو أبو العاص بن الربيع ﵁ زوج زينب بنت رسول الله ﷺ كان رجلاً مأموناً يتاجر في أموال قريش، واقتنع أن دين الله هو الحق، وأسلم سراً عند رسول الله ﷺ ، ورجع ليرد الأموال، فقيل له وهو عازمٌ على أن يؤدي الأمانات إلى أهلها في مكة: هل لك أن تأخذ هذه الأموال، إنما هي أموال المشركين؟ فقال في اعتزاز المسلم وأمانته وطهره، وتحوله عن كل جاهلية: بئس ما أبدأ به إسلامي أن أخون أمانتي. رعدٌ يجلجل يخلب لبك، ويأخذ سمعك، وتحولٌ عظيم يزأر صاحبه وحاله: على المال والجاه حرص الجميع فمن ذا على دينه يحرص؟ ومن يعرف الله لا ينقصُ أنا لله وليٌ لا لعزى أو مناة أنا شمس ليس تطفى بهبوب العاصفات ما حقيقةٌ كخيال، وما آلٌ كبلال.

стр. 812

عبر وعظات

стр. 813

قصة شاب اهتدى بسبب حادثة عبد الله! قف على ساحل بحرٍ لجي من العبر والمثلات؛ في صياغة الهداية على الحقيقة للمرء صياغةً جديدة، قفها مع أحد التائهين يذكر قصة هدايته كما أوردها القاسم حفظه الله، ومضمونها ما يلي في تصرف: في أيام العشر الأواخر من رمضان العيد قاب قوسين أو أدنى، لا أعرف أين أذهب، أنتظر صديق الطفولة بلهفة، الجزء الأكبر من وقتنا ليلاً نقضيه في جولات بين الأسواق والتجمعات والشوارع، وفي النهار نلزم المضاجع، وجاء عبد الرحمن، وركبت معه، وسألني: هل جهزت ثوباً جديداً لقد أقبل العيد؟ قلت له: لا، قال: نذهب للخياط الآن، قلت: بقي ثلاثة أيام أو أربعة على العيد، أين نجد خياطاً يسابق العيد؟ انطلق بنا في سيارته، لم يكلمني حتى توقف أمام خياط، وفاجأني بالسلام الحار على ذلك الخياط، فهو يعرفه منذ زمن، قال له: نريد أن نفرح بالعيد، ونلبس الجديد، فضحك الخياط، وقال له: كم بقي على العيد؟! لماذا لم تأت مبكراً؟ قال عبد الرحمن، وهو يهز يده بحركة تفيد: سنزيد لك في الأجرة، المهم أن ينتهي بعد غد نعم بعد غد. ويدفع جزءاً من الثمن وهو يردد: بعد غد، لا تنس الموعد. قال: وإلى قبيل الفجر ونحن لاهون ساهون غافلون، مضت الليلة كاملة لم نذكر الله فيها مرة واحدة، ولربما كانت ليلة القدر، حياةٌ لا طعم فيها، وسعادةٌ لا مذاق لها. أعيش في قلقٍ حيران مضطربا وإن تخلني هنيء العيش منشرحا ولجنا المعاصي من كل باب، وهتكنا منها كل حجاب، وفي القلب همٌ وغمٌ ونكدٌ وحسرات، ونظهر السعادة، ونملأ المكان بالضحكات. أعمالنا تكشفنا وتفضحُ ما في الوعا على الوعاء ينضحُ افترقنا قبيل الفجر، يجمعنا الليل والسهر والعبث، ويفرقنا النوم الطويل الذي يمتد من الفجر إلى العصر، صيامٌ بلا صلاة، وصلاة بلا خشوع، ساعات الصيام التي أستيقظ فيها قبل المغرب كأنها أيام أقطعها بالمكالمات الهاتفية العابثة، وقراءة الصحف الهابطة، وبينا أنا أنتظر موعد أذان المغرب حادثني بالهاتف أحد الأصدقاء، وصوته متغير، يقول: أما علمت أن عبد الرحمن مريض؟ قلت له: لا مساء البارحة إلى الفجر وهو معي كان بصحةٍ وعافية، قال: إنه مريض وأنهى المكالمة. والأمر لا يعني لي شيئاً سوى معلومةٍ غير صحيحة، فأنا معه إلى الفجر، وإذا بالمؤذن يرفع أذان العشاء، وإذا بالهاتف يرن، إنه شقيق عبد الرحمن الأكبر، قلت في نفسي: إنه سيؤنبني على ما أفعله أنا وعبد الرحمن، فلعل أحداً أخبره بزلةً من زلاتنا وسقطاتنا ويأتي صوته منهكاً مجهداً، عبراته تقطع الحديد، وأخبرني الخبر، وياله من خبر! مات عبد الرحمن!! لا إله إلا الله!! دهشت لم أصدق لا أزال أراه أمامي، صوته يرن في أذني، كيف مات؟!! قال: وهو عائدٌ إلى المنزل ارتطم بسيارة أخرى قادمة، وحمل إلى المستشفى، وفارق الحياة ظهر اليوم، وسنصلي عليه الظهر غداً، أخبر زملائك وقفل الهاتف، أذني لا تكاد تصدق ما تسمع، الليل موعدنا في سوق كذا، وغداً موعد ثياب العيد، لا إله إلا الله! الأمر جدٌ لا هزل فيه، انقضت أيام عبد الرحمن، والموت حق، وغداً موعدنا هناك في المقبرة لا عند الخياط، لقد ألبس الكفن وترك ثوب العيد، عبرٌ تثار، وعبراتٌ تسيل، تسمرت في مكاني، تشتت ذهني، أصبت بدوار في رأسي، التراب يابس، والمرعى عابس، قررت الذهاب إلى منزل عبد الرحمن لأستوضح الفاجعة، ركبت السيارة، فإذا شريط الغناء لم يزل في جهاز التسجيل، أخرجته، ثم فتحت الراديو، فإذا إمام الحرم من المذياع يخاطب الجنان لا الآذان، أنصتُّ بكل جوارحي، أرهفت سمعي، لكأن الدنيا انقلبت والقيامة قامت، أوقفت سيارتي أستمع وأستمع، وكأني لأول مرةٍ أسمع القرآن، وبدأ الإمام بدعاء القنوت، كانت دمعاتي أسرع من صوت الإمام، قلبي يردد صدى تلك العبرات ليعلنها توبةً صادقةً في حسرةٍ وتأسفٍ على ما سلف وفات. كأنما أنا طيرٌ لا جناح له فما استطاع بغير الدمع تبيانا ميلادٌ جديد، حياةٌ جديدة بدأتها بصحبةٍ طيبة، ورفقةٍ صالحة، لله ما أجمل السير في ركاب الصالحين!! من كرهتهم هم أحب الناس اليوم إلي، من تطاولت عليهم هم أرفع الناس في عيني، من استهزأت بهم هم أكرم الناس عندي، كنت على شفا جرفٍ هارٍ، ولكن الله رحمني: يا من عليه اعتمادي في الأمر بعضاً وكلا بك اهتديت ومن لم يرج الهدى منك ضلا إنها الهداية على الحقيقة، تحولٌ جذري حقيقي. فاضرب بسهمٍ في سهام أئمةٍ سبقوك في هذا السبيل القيمِ وافتح مغاليق القلوب لتهتدي وعلى إلهك فاعتمد واستعصمِ يا ويل كل مفرطٍ مستسلمِ! قال: وبعد شهرين فاجأت الخياط، وسألت عن ثوبي، فسأل عن عبد الرحمن، قلت له: مات، قال: لا إله إلا الله! عبد الرحمن؟! قلت له: مات، فأعطاني ثوبه، وبدأت أقول في نفسي، وآخذ شريط الذكريات في ذهني: هل حقاً مات؟! ثوبي بجوار ثوبه! مقعدي في السيارة بجوار مقعده! مضى، وبقي لي أجل لعلي أستدرك فيه ما فات، من يهرب من شيءٍ تركه وراءه إلا القبر؛ فما يهرب منه أحدٌ إلا وجده أمامه، ينتظر غير متململ، وأنت متقدم إليه غير متراجع، فانظر ما أنت عامل، يقول: وما هي سوى فترة من الزمن، وهدوء النفس يزداد يوماً بعد يوم، وتقرُّ عيني، وتطرأ السعادة الحقيقية على قلبي، انشراحٌ في الصدر، وسكينةٌ ووقار، وصدق الله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] حمدت الله كثيراً، ولكن بقي لي أخ لا يزال على عينيه غشاوة، هل أتركه؟ لا، لن أتركه وقد هداني الله، لا أنسى عبد الرحمن، لا، لن أترك هذا الأخ، وقد هداني الله، هناك كتاب، وهناك شريط، وهناك مطوية، وبيني وبينه نصيحة، والدين النصيحة. فمن لم يعش بعد بيت هدى شقيٍ وإن بلغ الفرقدا إذا وجدت النملة ذخيرةً من القوت، أسرعت إلى سربها تحمل لها البشرى، وتأتي بها إلى الغنيمة لترى غزوها وفتحها، ثم يتكاسل ويضعف حامل الهدى! الهنود يغارون على بقر تهان فتطيح الرقاب، ثم لا يغار المسلم على حرمات دينه ويسعى في تبليغه. إنه الهوى من أطاعه هوى شراب الهوى حلوٌ ولكنه يورث الشرغ أرأيت عبد الله كيف تحولت مقاييس هذا الرجل واهتماماته ونظراته! إنها هداية الحقيقة لا الخيال، تحولٌ جذري، وعزلةٌ شعورية كاملةٌ بين ماضي الإنسان في غوايته وحاضره في هدايته، وإنما يكلّ من كان في ريبٍ من أمره. هذا السبيل فأين يذهب من أبى؟ أوليس نور الله قد كشف الدجى؟ بلى ما حقيقةٌ كخيال. الهداية على الحقيقة -معاشر المسلمين- تسرّ صاحبها وترقيه، وتبشره وتهديه، تنفعه وترفعه، فلا يزال يحلق في سماء المعالي حتى لا ينتهي تحليقه دون عليين برحمة أرحم الراحمين، فمن سار مهتدياً على ذكر الحقيقة لا الخيال، رجونا له الوصول وإن طال الدجى: فأول ما يكون الليث شبلٌ ومبدأ طلعة البدرِ الهلال

стр. 814

علي بن أسد يتوب لسماع آية علي بن أسد رحمة الله على ذاك الأسد، مرَّ ليلة بـ الكوفة، فإذا برجل يقرأ في جوف الليل قول الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] صادفت قلباً مزاح العلة، فتمكنت منه، فقال: أعد عليَّ رحمك الله، فأعاد، ثم قال: أعد، فأعاد، ثم عمد إلى بيته فاغتسل، ثم غسل ثيابه، وانطلق وجدَّ على جسر الحقيقة، فلم يزل يرتقي في مدارج العبودية حتى عمشت عيناه من كثرة البكاء من خشية الله، وصارت ركبتاه كركبتي البعير، ويداه كثفن الإبل من كثرة قيامه وسجوده لله رب العالمين، وحاله: قصدي المؤمل في جهري وإسراري ومطلبي من إلهي الواحد الباري شهادةٌ في سبيل الله خالصةٌ تمحو ذنوبي وتنجيني من النارِ تاقت نفسه للجهاد في سبيل الله، فغزا مع المسلمين في البحر، ولقي الروم، فقرن مركبه ومن معه بمركب العدو، ثم قال: آن لك أي علي بن أسد ألا تطلب الجنة بعد اليوم أبداً، والحال الحال: شهادةٌ في سبيل الله خالصةٌ تمحو ذنوبي وتنجيني من النارِ إن المعاصي رجسٌ لا يطهرها إلا الصوارم في أيمان كفارِ فاقتحم بنفسه عليهم في سفائنهم؛ رجلٌ يطلب إعلاء كلمة الله، والموت في سبيل الله لا حيلة فيه، يحب الموت كما يحب أولئك الكفار الحياة، فما زال يضربهم وينحازوا، ويضربهم وينحازوا حتى مالوا في شقٍ واحدٍ من سفينتهم، فانكفأت عليه وعليهم، فغرق وعليه درعه، وغرقوا جميعاً، شتان بين غريق وغريق، غريقٌ في الصد عن سبيل الله، وغريقٌ في سبيل الله، هداة: تقدم في الله أرواحها وتبذل في الله أموالها فحيِّ الأسود وأشبالها أسلافنا -أيها المسلمون- ركبوا البحر غزاةً فاتحين، فكان البحر -وإن غرقوا فيه- لهم عرشاً،، ولما تخلف من تخلف بعدهم عمَّا هم عليه، ركبوا البحر لأغراضهم وشهواتهم، فكان البحر لهم نعشاً، ما تغير البحر، ولكن تغيرت نفوس الراكبين.

стр. 815

محاكمة في العراء لبيان حقيقة الاهتداء عبد الله! من لم يهتد على الحقيقة ويأخذ بأسباب الهداية، ولم تنهض همته لها، لا يزال قلبه في حضيض طبعه محبوساً منكوسا، راعٍ مع الهمل، سائمة مع الأنعام، استطاب لقيمات الراحة والبطالة، واستلان فراش العجز والكسل والبلادة: ليس ضليلٌ حائرٌ كمهتدي

стр. 816

واقع الأمة العقدي عبد الله! لننزع البرقع، وهلم فلنحتكم على سفور وإن كنا لا نبيحه للغانيات. أليس فينا معشر المسلمين من اهتدى اسماً وخيالاً منذ سنين، ولم يزل بعيداً عن هدي القرآن، عاكفاً على القباب والأوهام، ألهته عن دنياه، وأفسدت عليه أخراه، شد لها الرحل، وقدم لها النذر، وسألها ما لا يكون إلا لله الرحيم البر. قد فتن البعض بقبر زينب وتركوا الله مزيل الكربِ وفتن البعض بقبر الهادي وتركوا ذا الطول والأيادي وفتن البعض بقبر المهدي وتركوا من يبتلي ويهدي بقبر عيدروس قد ضل الغبي وتركوا منهاج أحمد النبي صلوات الله وسلامه عليه هل يكون مهتدياً على الحقيقة من هذا حاله؟ كلا. إنه يعيش الخيال، إنه يدفع نفسه إلى بحرٍ لا يجيد السباحة فيه، وإن نهايته الغرق المحتوم ولا شك، ما حقيقةٌ كخيال. دع كل بابٍ غير باب ربي ولذ به وسله كشف الكرب هل يكون مهتدياً على الحقيقة من يأخذ من الدين ما يوافق هواه ويطرح ما عداه؟ كلا. ما عهدنا أن نرى في الليل شمسا أو نرى في وهج القيظ هلالا ما حقيقةٌ كخيال. هل يكون مهتدياً حقاً من يوالي أعداء الله ويتخذهم بطانةً من دون المؤمنين، ولو صلى وصام وحج وزكى؟ يكرم من أهانه الله، ويعز من أذله الله، ويدني من أبعده الله، ثم يدعي هداية الله. لكم يُرتجي ظل الغمامة كلما تبوأ منها للمقيل اضمحلتِ ما حقيقةٌ كخيال.

стр. 817

التعامل مع الله والخلق بين الحقيقة والخيال هل يكون مهتدياً حقاً من ظاهره الاستقامة، ثم في انهزامية مقيتة وبحجة ضغط الواقع يتراجع عن ثوابت ومسلمات؟ أما إن الحق لا ينقلب باطلاً، ولا الباطل يصير حقاً مهما كانت التبعات. هل يكون مهتدياً على الحقيقة من يهمل حقوق الخلق ويسيء في المعاملات، لا يتقبل النصح ويرى ذلك اتهامات، يعيش الفوضى وعدم الانضباط، مضيعاً وقته، غير منتظمٍ في درسٍ، أو محاضرةٍ، أو عملٍ نافعٍ، أو حلقات، ومع ذا منشغلٌ بالملهيات، مغرقٌ في سماع الأناشيد والتمثيليات، سيارته ومكتبه مستودعٌ للأناشيد والطرائف الاحتفالات؛ يحفظها حفظاً يفوق حفظ الأحاديث والآيات، حتى إن بعضهم ليذهب مع اللحن يترنم ويطرب، ثم يبكي ما لا يبكيه عند سماع قوارع الآيات، ولربما صاحبها الدف، وترخص في ذلك، فلم يشعر إلا وهو من أهل الأغنيات؟ فالهبوط سهلٌ والارتقاء صعب التبعات. عفواً إخوتي: من كتم داءه، قتله، آن لنا أن نعلنه لعلنا نتعاون فنصلحه، عظم الاهتمام بالتحسيني والكمالي، وترك الحاجي والضروري، صارت الكماليات عندنا ضروريات، فنأكل الحلوى ونحن في بلوى كما قيل، وبعضنا من هو مهتمٌ بمظهره اهتماماً يفوق اهتمام البنيات، ألف السطحية والمظهرية، فهو تمثال خشبٍ لا يخيف ولا يرهب، يمني نفسه ويسوف، وقد أمن الهرم كما أمن الصيد حمام الحرم. يدٌ فارغة، ويدٌ لا شيء فيها، فضولٌ بلا فضل، وسنٍ بلا سنة، وطولٌ بلا طَول، وعرضٍ بلا عِرض، متساهلٌ في الأمر الخطير، متشددٌ في الأمر السهل اليسير، لم يتخلص من رواسب الجاهلية من صورٍ وقنوات ومجلات، لا يتورع عن المشتبهات، يتهاون بالسنن والمندوبات، ويفرط في الواجبات، جلساؤه قبل أن يهتدي هداية الخيال هم جلساؤه، مع أنهم أخطر شيءٍ عليه إذ هم أعرف الناس بنقاط ضعفه، فهم له كالمجذوم؛ تصافحه تحيةً وسلاما، فلا يبلغه منه إلا الجذام والمرض. ونور الشمس يحجبه الغبارُ فما معنى الخضاب وأنت تدري بأن العيب من تحت الخضاب عاداته، أفكاره، اهتماماته هي هي لم تتبدل، لم يزل مصراً على بعض المال المشتبه، حتى إذا ما تورع عن حرام، لم يزل لسانه يسري في أعراض الأحياء والأموات؛ يشتم ذا ويجرح ذاك ويعدل ذلك. أمانيه، حبه، بغضه، عطاؤه، منعه هي هي، ولاؤه لمصلحته، عداؤه لكل ما يقف في طريقها، نفعيٌّ ذاتي، مستصعب مخالفة الناس والتحيز إلى الله ورسوله: حياته عارضةٌ وصفية فألغين عارض الوصفية أيكون من هذا حاله مهتدياً على الحقيقة؟ كلا إنما هو عش حمامة؛ عودٌ من غرب وعود من ثمامة، بل غيمٌ حمى الشمس ولم يمطر ولم يكف.

стр. 818

حقيقة الهداية والمهتدي أيها المهتدي! الهداية تحولٌ جذري؛ مظهريٌ ومخبري، والله ما يجدر بحامل الهداية أن يظهر بمظهرٍ يرده الشرع، فلو خالف حامل الهداية، لكان كل مخالف أشرف منه، فلطخة في الثوب الأبيض ليست كلطخة في الثوب الأسود كما قيل. أنت للهداية لا للتلبيس ذاك خلق إبليس. أنت للنور لا للظلمة، ربما زلةٍ أهلكت، وعثرةٍ قتلت، وفائت لا يستدرك، لا يبنى على الصلاح إلا صالح، وكل ما بني على الفساد فهو فاسد، ولن يأتي يومٌ فيقول مهتدٍ على الحقيقة لإبليس: ﵁"! بل نعوذ بالله منه. إذا ما الجرح رمَّ على فساد تبين فيه تفريط الطبيب الهداية ليست كلمةٌ تقال، بل هي حقيقةٌ ذات تكاليف، وأمانةٌ ذات أعباء، وجهادٌ يحتاج إلى صبر، وجهدٌ يحتاج إلى احتمال، وما حقيقةٌ كخيال. الهداية على الحقيقة لا الخيال عبوديةٌ مطلقةٌ لله رب العالمين، والعبد المطلق كما يقول ابن القيم في كلامٍ قيم مضمونه في تصرف: لا تملكه رسوم، ولا تقيده قيود، عمله على مراد ربه ولو كانت راحة نفسه في سواه، ملبسه ما تهيأ، مأكله ما تيسر، شغله ما أمر به في وقته، مجلسه حيث انتهى وخالياً وجد، لا تملكه إشارة، ولا يتعبده قيد، ولا يستولي عليه رسم، حرٌ مجردٌ، دائرٌ مع الأمر المأمور به حيث دار، يأنس به كل محب، ويستوحش منه كل مبطل؛ كالغيث حيثما وقع نفع، وكالنخلة لا يسقط ورقها، وكلها منفعةٌ حتى شوكها، حزمٌ مع المخالفين لأمر الله، غضبٌ إذا انتهكت محارم الله، فهو لله وبالله، ومع الله، واهٍ له ما أغربه بين الناس! وما أشد وحشته! وما أعظم أنسه بالله وفرحه وطمأنينته وسكونه، والله المستعان! وعليه التكلان، ما حقيقةٌ كخيال. هذا دأب المهتدي حقيقةً في السير إلى الله، كلما رفعت له منزلة سار إليها واشتغل بها، حتى تلوح له منزلةٌ أخرى، ولم يزل هذا دأبه حتى ينتهي سيره، فإن رأيت العلماء رأيته بذاته معهم، وفي سمتهم وعلمهم وزيهم، وإن رأيت العباد رأيته معهم، وإن رأيت المجاهدين رأيته معهم، وإن رأيت المتصدقين والمحسنين رأيته معهم، وإن رأيت العاكفين الخاشعين المخبتين رأيته معهم: كالليث يسرف في الفعا ل وليس يسرف في الزئير ما حقيقةٌ كخيال. هداية الحقيقة تمثيلٌ للدين في تصريف شئون الحياة، واستخلافٌ للمهتدين في الأرض، وتبديل للخوف بالأمن، وعدٌ واقعٌ ماله من دافع، إنه وعد الله، ووعد الله حق، ولن يخلف الله وعده، قال الله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥] وعدٌ من الله للعصبة المهتدية في كل عصر، وسنةٌ من الله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الفتح:٢٣]. إذا لم يكن الغيث هامياً؛ فلا ترج أن يكون النبت نامياً؛ فما حقيقةٌ كخيال، وما آلٌ كبلال.

стр. 819

قصة للاعتبار بين الحقيقة والخيال ماذا كان العرب قبل الهداية إلى منهج الله وبعثة محمد ﷺ ؟ قد كانوا حفاةً عراةً رعاءً، لا شأن لهم في الأرض، ولا ذكر لهم في السماء، يتقلبون من شدق الأفعى إلى ناب الأفعوان، حتى إن سابور أحد قادة الفرس كان يقوم بتعذيب الأسرى عن طريق نزع أكتافهم، فنزع أكتاف خمسين ألفاً من تميم وبكرٍ وغيرهم، حتى قالت عجوزٌ عربية وهي ترى ذلك المنظر: إن لهذا قصاصاً ولو بعد حين. ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥] * ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:٦] ورفع الله شأن الأمة المهتدية حقاً ببعثة محمدٍ ﷺ ، وإذا بثلةٍ من مهتديها حقاً يقفون أمام يزدجر يدعونه لخيري الدنيا والآخرة الإسلام، وإلا فالجزية، وإلا فالقتال، فيقول وهو يعرف سابق العرب قبل بعثة محمد ﷺ ، يقول -وصدق وهو كذوب-: والله ما أعلم قوماً أشقى منكم، ولا أسوأ ذات بينٍ، ولا أقل عدداً منكم، وقد كنا نوكل بكم قرى الضواحي، فلا تقومون لهم، فإن كثر عددكم فلا يغرنكم، وإن كان إنما هو الجوع والفقر، فرضنا لكم طعاماً وكسوةً وملكنا عليكم من يرفق بكم، إنا لا نشتهي قتلكم ولا أسركم. فقال المغيرة ﵁: دعوني أرد عليه، قالوا: كفءٌ كريم، قال: اختر ولا تكثر، تسلم فتنجو ومن معك، أو الجزية عن يدٍ وأنت صاغر، أو السيف حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين. إن كنت من ريح فيا ريح اسكني أو كنت من لهبٍ فيا لهب اخمدي قال: أتستقبلني بمثل هذا أيها العبد! قال: ما استقبلت إلا من كلمني، ولو كلمني غيرك ما استقبلته، قال: أما إنه لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا حاجة لكم عندي، ارجعوا ليس لكم إلا رستم يدفنكم غداً في خنادق القادسية، قالوا: ستعلم ونعلم. ورجعوا وقد دخل الرعب إلى أعماق قلبه، رأى قوماً صيغوا بالهداية الحقة صياغةً جديدة، فليسوا بالعرب الذين يعرفهم من قبل، وطلب من قائدٍ من قادته أن يكر على المسلمين كرة على غرة ليأسر أضعف المسلمين، ليرى هل هم جميعاً على هذا المستوى، فكروا، ورجع المسلمون متحرفين لقتال، فلحقوا بأضعفهم فاختطفوه أسيراً، وعادوا به لقائدهم، فقال له: ما جاء بكم؟ وماذا تطلبون؟ فقال أضعف المسلمين: جئنا نطلب موعود الله. قال: وما موعود الله؟ قال: أرضكم ودياركم وأبناؤكم ونساؤكم إلا أن تسلموا، أو تسلِّموا، قال: فإن قتلناكم قبل ذلك؟ قال: موعود الله لمن قتل الجنة، ولمن بقي أرضكم ودياركم وأموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، إنا لعلى يقين! قال: إذاً وضعنا الله بين أيديكم؟! قال: ويحك، بل أعمالكم وضعتكم، وبها الله أسلمكم، لا يغرنك من حولك، إنك لست تحارب الإنس، إنما تحارب قضاء الله وقدره، ونحن قضاء الله وقدره. إني وإن كان ردائي خَلِقا قد جعل الله لساني مطلقا فاستشاط غضباً، وأمر بقتله، فقتل ﵀، وبدأ الاستعداد، وقربت ساعة الصفر، وأسرجوا لـ رستم فرساً، وقد كان محارباً بارعاً، وخبيراً عسكرياً مجرباً، فقفز قفزةً واحدةً ليستوي على ظهر جواده دون أن يمس الركاب، ثم قال لجنده عن المسلمين: غداً ندقهم، فقال له رجلٌ: إن شاء الله، فرد عليه في كبرياء مقيتةٍ ومجوسيةٍ بغيضةٍ: وإن لم يشأ، إنما ضغا الثعلب حين مات الأسد، يعني: كسرى، وأخشى أن تكون سنة القرود. له الويل، وبفيه الحجر: فكان كعنز السوء قامت بظلفها إلى مدية تحت التراب تثيرها وطلع النهار، وبدأت المعركة، ووصلت وحدةٌ من جيش الإسلام إلى حيث يوجد رستم، عثرت على سريره ولم يعثروا عليه فوقه، إذ كان بجوار بغلٍ محملٍ بعدلين من مسك، يستظل بالظل ويشم الرائحة، ويدير المعركة، واقترب رجلٌ من المسلمين من بني تيم؛ هلال التيمي، وهو لا يعلم بوجود رستم، فضرب الحبال التي تشد العدلين إلى ظهر البغل فقطعها، فوقع أحد العدلين على ظهر رستم، وكان ثقيلاً جداً، فأصابه إصابةً بالغة أثرت في فقرةٍ من فقار ظهر رستم، ثم ضرب هلال العدل، يريد أن يعرف ماذا يحوي هذا العدل، فضربه بالسيف، فانبعثت رائحة المسك، فعرف أنه رستم، تسلل رستم هارباً نحو النهر، وعرفه هلال وتوجه نحوه، ورماه رستم بسهمٍ فأصابه في قدمه، وهو يقول له بالفارسية: كما أنت، وأوغل في الهرب وهلال خلفه نحو النهر، ولما رأى أن هلالاً سيدركه، بدأ يتخفف من سلاحه وعدته، فرمى بدرعه، ثم رمى بسيفه، ثم قذف بنفسه في النهر، فلم يدع له هلال فرصة النجاة، إذ اقتحم النهر خلفه، وهو يعوم في الماء لم يشعر إلا وهلال يأخذ برجله يجذبه ويسحبه حتى خرج به إلى البر، ثم ضرب جبينه بالسيف ففلق هامته، وضرب أنفه، وحاله: الآن أدقك يا من كان يتبجح بالأمس بغداً ندقهم. لله دره! وبوركت يمينك، أي هلال ما أثبتك! من ذا يجاريك وأنت السيل والسيل فيه غرقٌ وويل والأرض أحوج لدرء العيش منها إلى جلب الحيا والغيث فسحب جثته حتى رمى بها بين أرجل البغال، ثم صعد على سرير رستم، ونادى بأعلى صوته: قتلت رستم ورب الكعبة، إليَّ معشر المسلمين إليَّ، فأطافوا به، ورأوا مصرعه، فكبروا من فوق سريره، وتهدم قلب جيش الفرس، وعمتهم الهزيمة، وبقوا بدون قائد ينظم انسحابهم، فصار همهم النجاة بأنفسهم، ركبهم الذل والهوان، حتى إن الرجل من المسلمين ليدعو الرجل منهم، فيأتي حتى يقوم بين يديه، فيضرب عنقه المسلم بسلاحه، ويأمر أحدهم بقتل صاحبه، فيفعل كما روى الطبري ﵀، ومنهم ثلاثون ألفاً من مغاوريهم -وما فيهم مغوار- قد وطنوا أنفسهم على الموت، فاقترنوا بالسلاسل، وعندما رأوا الهزيمة، تهافتوا في النهر يجر بعضهم بعضاً كالحمر لاقت قسورة، فما أفلت منهم مخبر، ولم تسمع لهم ركزا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٧ - ٩]. من حاد عن هدي الإله تعنتاً يتبدل الأدنى ويلق الأحقرا والله الذي لا إله إلا هو ما من مرة سارت فيها هذه الأمة على هداية الله على الحقيقة؛ ليكون الدين كله لله، إلا تحقق لها وعد الله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج:٤٠] إذا كانت الهداية لمنهج الله سبب استخلاف وتمكين جيل محمد ﷺ وصحبه، فهي كذلك سببٌ استخلاف وتمكين الطائفة التي هي على ما كان عليه محمد ﷺ وصحبه، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، يقول صاحب مدارج العبودية: إن رسول الله ﷺ قد وصف الجيل المؤمن المنتظر وهو يستأصل شأفة اليهود المغضوب عليهم، أحفاد القردة والخنازير، وقتلة الأنبياء؛ لينقذ البلاد والعباد من مكرهم وخبثهم، فقال ﷺ : ﴿لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي وراء الشجر والحجر، فيقول الشجر والحجر: يا مسلم يا عبدالله هذا يهوديٌ خلفي تعال فاقتله﴾. إن الشجر والحجر لينادي ذلك الجيل: يا مسلم يا عبد الله! وأنا أناديك: يا مسلم يا عبد الله! حقق العبودية لله، وأقم منهج الله يكن لك التمكين والاستخلاف، وعد الله قائم، وشرط الله معروف، من أراد الوعد فليقم الشرط، ومن وفى وفّي له: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] ولكنكم تستعجلون. إن هذا لا يعني -يا معشر المسلمين- أن نبقى دون إعدادٍ وتربية؛ منتظرين ظهور المهدي ونزول عيسى ﵇، واليهود يعيشون في أرض المسلمين ينقصونها من أطرافها، ولا يعني أن يستعجل المسلمون موهنين الإعداد والتربية الإيمانية القائمة على تحقيق العبودية، فيؤتى على غراس الإسلام فيستأصل قبل أن يبلغ السعي، بل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة﴾ [الأنفال:٦٠] ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١].

стр. 820

أعظم طاعونين أخلاقيين مرت بهما البشرية يا أيها الجيل! إن العالم لم يكد يشهد مذ أن برأه الله على ظهر البسيطة إفساداً عاماً، وطاعوناً أخلاقياً جارفاً إلا مرتين على كثرة ما شهد من الطواعين الجسمانية، كما يقول صاحب الآثار، إحداها في الجاهلية قبل الإسلام، يوم كان العالم فريسةً للأثرة والاستعباد والاستبداد، والفساد والإفساد، يوم كان العقل عبداً للهوى، والفكر عبداً للوهم، والحقيقة للخرافة، والفطرة رهينة الاعتلال والاختلال، ولكن الله تداركهم بالإسلام، وكتابه القرآن، ورسوله الأمين صلى الله وسلم عليه، فما هي سوى فترة حتى أصبح يمرح ويسبح من النعيم في النعيم. وأما الثانية فهي في عهدنا هذا، ولو أننا استشهدنا التاريخ: أيُّ المرتين كانت أشد وأدهى وأمر؛ لقال غير متجانفٍ لإثم: إن شر المرتين الثانية، الآخرة الحاضرة، الشر في الأولى كان من بعض دواعيه الجهل، أما الشر في الثانية، فكل دواعيه العلم، قد كان الشر يعرض على الناس باسمه وفي ثوبه الحقيقي، فأصبح اليوم يعرض باسم الخير وفي ثوب الخير، كان العالم متباعد الأجزاء، وفي تباعد الأجزاء تقليلٌ من بواعث الشر، واليوم أصبح العالم حياً واحداً الشر فيه يسري ويستشري. لابد من حلٍ ومن علاج من غير تطويلٍ ولا لجاج هذا هو داء العالم، والقرآن دواؤه، هذا مرض العالم العضال، والقرآن طبيبه.

стр. 821

داء دواؤه القرآن فيا مشفقاً على العالم انصحه بالعودة إلى القرآن، ويا أهل القرآن لستم على شيءٍ حتى تقيموا القرآن، ويا أيها المهتدي على الحقيقة العالم في عذاب وعندك توجد الرحمة، العالم في اضطراب وعندك منبع الأمان، العالم في غمة من الشك وعند مشرط اليقين، فهل يجمل بك أن تكون معه خيالاً لا حقيقة وآلاً لا بلال؟ حققوه في وجودكم يتحقق، وتكونوا أطباء، ويكن بكم دواء. يا أهل القرآن! لستم على شيءٍ حتى تقيموا القرآن أقيموه وهللوا وكبروا فالفجر لاح والديك صاح والعطر عطر الحق فاح ما حقيقةٌ كخيال. أخيراً: أيها الجيل المهتدي على الحقيقة إخواننا في أرض فلسطين، وفي كل صقعٍ مشردون في الفيافي، أبدانهم للسوافي، أشلاؤهم للعوافي، فهل نحن من الرحمة والنصرة والولاء مجربون؟ ما كان لمسلم أن يبخل بماله ومهجته في سبيل الله والانتصار لدينه، وهو يعلم أنه قربةٌ إلى الله، ما كان له أن يرضى الدنية في دينه إذا رضيها في دنياه؟ ألا هل أتى عباد الفلس والطين ما حل ببني دينهم في فلسطين؟ يا أهل القرآن! ما زالت التضحية بالأقوال والأهواء متبعة، فالزعامة زعم، والنصر تصفيق، والفضيلة مائعة، والتذكير سطحي، كما قال صاحب الآثار: قد فرقت منا الليوث، وأكثرت فينا الشياة، وضاعت الهوية أو كادت، إن بين جنبي ألماً يتنزى، وإن في جوانحي ناراً تتلظى، وإن بين فكي لساناً سمته أن يجري فجمح، وأن يسمح فما سمح، وفي ذهني معاني أنحى عليه الهم فتهافتت، وعلى لساني كلمات حبسها الغم فتخافتت. فلو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقت ولكن الرماح أجرت ما آلٌ كبلال، وما حقيقةٌ كخيال. يا أبناء الإسلام! الصراع عقديٌ أبدي: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧] والحل الناجع مواجهتهم بسلاح العقيدة الصحيحة؛ لساناً وسناناً وفعالاً، وحقيقةً لا خيالاً، لاستئصال شرهم، وإبادة خضرائهم؛ جهاداً في سبيل الله في كل ميدان، وما عدا ذلك سرابٌ وصابٌ وعلقمٌ وإذلال. فلكل من رفع علم الجهاد في سبيل الله في الشيشان وفي فلسطين وفي كشمير وفي أندنوسيا، وفي كل بلاد العالمين قد أقدمتم فصمموا، وبدأتم فتمموا، وحذار التراجع؛ فإن اسمه الصحيح الهزيمة، وحذار من التردد، فإنه ثل العزيمة: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤]. لا يخدعنكم وعد، ولا يزعجنكم وعيد، ولا تلهينكم محادثات؛ فكلها ضياع أوقات، وإطالة ذل، ولقد جربتم ولدغتم من جحرٍ واحدٍ مرات ومرات، هذه هي الحقيقة، من أخبركم بغير هذا فقد غشكم، لا تحسبوه شراً لكم!

стр. 822

لسنا على شيء حتى نقيم القرآن ويا أيها المسلمون! إن من العار أن نطلب لهم الحياة ممن يحاول أن يميتهم، ونسأل لهم القوت ممن يجهد بالجوع أن يهلكهم. إن علينا أن نعرف عدونا حق المعرفة من خلال كتاب ربنا، ونتعامل معه بثاقب بصيرة، ولا نأخذ منه ولو من مباحٍ إلا بقدر ما يباح للمضطر من الميتة لإضعافه، والاقتصاد عامل قوة فخذها بقوة، ولنربِّ أنفسنا، ونشد أيدينا على البراءة من عدونا، وبغضهم، والإعداد لهم، فإن أعمالنا ونصرتنا لإخواننا لم تزل إبلاً يوردها سعد، وعواطف لا عضد لها ولا ساعد ولا زند، فلنجرد سيف الحقيقة العقدي من الغمد، فما حقيقةٌ كخيال، وما آلٌ كبلال. فوالذي خلق القلوب مضغاً، وبث فيها شعلاً من نور الإيمان؛ لئن عدنا إلى الله، ليعود الله لنا بالنصر كما وعدنا، ولئن غيَّرنا ليغير، حققوا الشرط معشر المسلمين يحقق الله الجزاء ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧] نصر الله واقعٌ حال لمن اهتدى بهداية القرآن على الحقيقة لا الخيال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩]. يا أهل القرآن! لستم على شيءٍ حتى تقيموا القرآن، يا أهل القرآن! ضعوا الأساس على صخرةٍ وإلا انهار البناء، يا أهل القرآن! إن لم يكن فعال، فليكن حسن فال، ما حقيقةٌ كخيال. يا أهل القرآن! إنه خلق نبينا ﷺ ، فزينوا القرآن بالفعال، ما حقيقةٌ كخيال، يا أهل القرآن. ما خضب رأسٍ كخضبٍ في بنان يدي وحمرة الفجر ليست حمرة الشفق يا شباب القرآن! أربأ بكم ونفسي بالله أن نكون رواد خيال، ما آلٌ كبلال، وما حقيقةٌ كخيال. يا أهل القرآن! لا يستوي المصباح والإصباح. يا أهل القرآن! القرآن القرآن! القرآن القرآن! عملاً وحسن فال، إنما هي غمرات ثم ينجلين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. فيا فالق الإصباح والحب والنوى ويا نافذ التدبير ما شاء يفعلُ ويا هادي النحل إلى بيته. ويا هادي الطفل إلى ثديه، اهدنا بهداية القرآن، واهد بنا ويسر الهدى لنا. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، يا مصرف القلوب اصرف قلوبنا إلى طاعتك، ويا حي يا قيوم، يا قوي يا عزيز، يا من لا يهزم جنده، ولا يغلب أولياؤه، يا ذا العزة التي لا تضام، والركن الذي لا يرام نسألك بأسمائك الحسنى أن تنصر إخواننا في فلسطين وكشمير والشيشان وأندنوسيا، وفي جميع بلاد العالمين، اللهم ارحم ضعفهم، واجبر كسرهم، وتول أمرهم، اللهم أنزل عليهم من الصبر أضعاف ما نزل بهم من البلاء يا سميع الدعاء، اللهم اشدد وطأتك على عدوهم، اللهم أحص عدوهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، أنت حسبنا، ومن كنت حسبه فقد كفيته، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل. اللهم اغفر لعلماء المسلمين، اللهم عوض على الأمة خيراً في علمائها، اللهم اجعل في الأمة من يخلف من ذهب، يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين، أنت مولانا نعم المولى ونعم النصير، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

стр. 823

من أسباب تخلف المسلمين يوم نقلب صفحات ماضينا المجيد، ويوم نتدبر القرآن الكريم؛ نأسى ونتحسر ونحن ننظر إلى واقعنا. فقد كنا قادة الركب وأصبحنا في آخر الركب، بل قد تبرأ منا الركب. ولهذه المشكلة أسباب وآثار ولها حلول. فلتجتنب الأسباب، وليعمل بالحلول عسى الله أن يرفع ما بنا.

стр. 824

حسرات على أحوال المسلمين اليوم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً أدخرها لي ولكم إلى يوم المصير ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسانٍ وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: عباد الله: اتقوا الله ، واعلموا أني مطيلٌ فاصبروا واحتسبوا، وأسأل الله الإعانة لي ولكم، واسألوا وسائلوا: سائلوا التاريخ عنا كيف كنا نحن أسسنا بناءً أحمديا واليوم: اسألوا التاريخ عنا كيف صرنا نحن أصبحنا مثالاً تبعيا سامنا الأعداء ذلاً ومهاناً نال ذاك الشيخ منا والصبيا أيكون المثل اليوم لينين وشارون وريغان الشقيا أنسيتم الصديق والفاروق وذا النورين والصحب الرضيا خاب من يستبدل الخير بشر يا من أنادي يا أخيا إخوتي إن أخانا رافع التوحيد أما من سواه فعديا وإن كان اسمه سعدا رضيا يوم نقلب صفحات الماضي المجيد، ويوم نتدبر القرآن الكريم يوم يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] يوم نقلب ونتدبر ونتأمل؛ نأسى ونتحسر، نتحسر ونحن ننظر إلى واقعنا مع نظرنا لماضينا. نتحسر يوم نجد البون شاسعاً والفرق هائلاً، نتحسر يوم كانت هذه الأمة تهابها فارس والروم، ثم أصبحت غثاءً كغثاء السيل. نتحسر يوم كنا سادةً قادةً، ثم أصبحنا غوغاء أتباعاً. نتحسر يوم صار عددنا ألف مليون مسلم، ثم لا قيمة لهم، ولا وزن، دماء الكلاب أغلى من دمائهم هذه الأيام. نتحسر يوم نسمع بين الناس أخبار السافلين تملؤ الساحات ولا نسمع شيئاً عن أخبار المسلمين. نتحسر يوم يقذف بالمئات كل يوم في ساحات الوغى من المسلمين، والأعداء بنا يتربصون ونحن ساهون لاعبون لاهون. نتحسر يوم يرفع الناس أبطالاً على ساحات الوغى الخضر يلعبون ويقتلون أوقاتهم ويضيعون شبابهم وزهرة أعمارهم، ونتحسر اليوم أن الأبطال الحقيقيين في ساحات الوغى الحمر لا أحد يعلم عنهم، أو يقيم لهم وزناً، جراحٌ على صلبين كل يوم جديد يُنكأ الجرح الذي نكاد ننساه فيجمع من جديد، تلك جراحات الإسلام المحارب في كل أصقاع المعمورة، يتجمع عليه الكفر وأهله، يحاربون الإسلام وأهله ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [البروج:٨]. نتحسر يوم تجد الحيوانات من يناصرها ويؤيدها وينشئ لها الجمعيات التي ترفق بها والمسلمون لا يجدون من يعزيهم في شهدائهم في كل مكان ومآسيهم وجراحاتهم في كل زمان ومكان، بالمئات يموتون يومياً تهراق دماؤهم وتملأ السدود والأنهار، لم تبق بقعةٌ إلا ارتوت بدمائهم، نتحسر ونقول: هل سأل عنها أحد؟ هل قبض على جرحها أحد فداواه؟ هل على الأقل بكينا لأجلها، ولأجل ما يحل بها؟ نتحسر يوم تكون دماء شهدائنا رخيصةً في كل مكان لا لشيء إلا لأنهم ليسوا بفنانين ولا أصحاب قوميات ولا وطنيات، وطنهم لا إله إلا الله، وفنهم سبحان الله، وغناؤهم الله أكبر. نتحسر يوم يرقد مليار مسلم لا يسمعون أنةً ولا صدىً لوقوع الأجساد على تراب فلسطين وأفغانستان، لم يرحم أحد أشلاءهم الممزقة، ولم يرحم أحد أطفالهم الرضع وشيوخهم الركع، لم يرحم أحد ثكالاهم اللائي ما فارقت الدموع مآقيهن، لكن يرحمهم أرحم الراحمين. لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ إن كان في القلب إسلامٌ وإيمانُ نتحسر ونتألم، ونقول: متى ينزاح السواد الحالك من الذلة والمسكنة، والتبعية المخيمة على هذه الأمة؟ متى ينزاح سواد الخنوع والركوع لغير الله جل وعلا؟ متى ينبري خالد وصلاح الدين والقعقاع، فيحرروا المسلمين من عبودية اليهود والنصارى والشيوعيين؟ متى يكون الأمان لأمة محمد ﷺ أن تشهد أن لا إله إلا الله، وتدعو مطمئنةً دون خوف ترصُّد أو ترقُّب؟ لا يكون والله حتى نرى في نفوس المجرمين العلمانيين الذين يسرقون خيرات الأمة، ويدبرون لها المكائد في الظلام ما تقر به عيون الموحدين: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ [الإسراء:٥١] ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم:٢٠]. متى نحيي في قلوبنا سورة (الأنفال) و (براءة) و (آل عمران) لننسف المنافقين والكافرين نسفاً ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ [الإسراء:٥١] لا إله إلا الله! ماذا دهى هذه الأمة ماذا أصابها؟ يوم ننظر لواقعها ونتذكر ماضيها يعصرنا الألم والأسى والحسرة، لا يملك الإنسان إلا أن يقول: أواه أواه لو تجدي أواه! أزماتنا متكررة ونحتاج لعودة للماضي وما تذكرناه إلا ذبنا ألماً. إني تذكرت والذكرى مؤرقة مجداً تليداً بأيدينا أضعناه أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد تجده كالطير مقصوصاً جناحاه كم صرفتنا يدٌ كنا نصرفها وبات يملكنا شعبٌ ملكناه بالله سل خلف بحر الروم من عرب بالأمس كانوا هنا واليوم قد تاهوا سل دمشق وسائل صخر مسجدها عمن بناه لعل الصخر ينعاه هذي معالم خرس كل واحدةٍ منهن قامت خطيباً فاغراً فاه الله يعلم ما قلبت سيرتهم يوماً وأخطأ دمع العين مجراه استرشد الغرب بالماضي فأرشده ونحن كان لنا ماضٍ نسيناه نذوب حزناً، ونقول ونتساءل: لم تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ لم وصلنا إلى ما وصلنا إليه من التخلف والتأخر والانحطاط؟ لم نحن الآن في آخر الركب، بل قد تبرأ منا الركب، وقد كنا قادة الركب فيما مضى؟ فلنبحث عن الأسباب علنا أن نشخص الداء ونجد الدواء، والله المستعان!

стр. 825

أسباب تخلف المسلمين

стр. 826

فصل الدين عن الدولة أعظم سبب يا عباد الله لتخلف المسلمين الآن هو: جعل الدين في المسجد لا صلة له بالدولة ولا الحياة، بمعنى: لا يُحكم البشر بشريعة رب البشر، فإذا أبعدت الشريعة عن الساحة؛ حُكم البشر بسنن البشر، والبشر قاصر وعاجز، وبهذا يحل ما حل من المصائب. وكل يوم نرى للدين نازلة يا أمة الحق لا سمعٌ ولا بصر يزداد الألم يوم نسمع كثيراً من المنتمين لهذا الدين ينادون بفصل الدين عن الدولة، أي: بالعلمنة، أي: بالجاهلية مع أن أهل الجاهلية أنفسهم يئنون تحت وطأتها، هاهو أحد رؤساء الدول الغربية في انتخاباته الرئاسية يرفع الإنجيل، ويقول: آن الأوان لعودة حكم الدولة بالدين، لا إله إلا الله! رجلٌ منحرفٌ يقول هذا! والمسلمون بسخرية وسذاجة يقولون: ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، ونقول: الكل لله، والملك لله، والأمر لله، ولا إله إلا الله! كثيرٌ من المسلمين لا يعون ولا يدركون خطورة هذا الأمر، خطرٌ داهم، وشرٌ قائم، ومع ذلك فالمسلمون في غالبهم الآن يُحكمون بقوانين الشرق والغرب، لا يخضعون لحكم الله. وسنة الله التي لا تتبدل ولا تتغير أن من تخلى عن حكم الله؛ تخلى الله عنه، ثم لا يبالي في أي وادٍ هلك، أفغير دين الله يبغون؟! ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠].

стр. 827

الهزيمة النفسية وسبب آخر وهو هزيمتنا النفسية، هزيمتنا أمام عدونا سببٌ لتخلفنا وانحطاطنا، لأن هذا الداء ما تسلط على أمةٍ إلا ساقها إلى الفناء والزوال والسقوط، سُئل علي ﵁ ذلك الشجاع المقدام: يا أمير المؤمنين! إذا هجمت على عدوك نجد أنك تكبر تكبيرةً تنخلع لها القلوب، فلم؟ قال: [[إني أفعل ذلك لأني أقدم على عدوي وأنا موقنٌ بأني سأقتله، عندي من الثقة بالله ثم بنفسي ما يجعلني أثق بقتله، وهو لديه ثقةٌ بأني سأقتله، فأكون أنا ونفسه عليه، فكيف ينتصر؟]] الهزيمة النفسية أشد من السرطان على الأمة، والأمة والله قد أصيبت بها، وما دخل علينا الأعداء إلا يوم أصبنا بالهزيمة النفسية، أصبح لدى كثيرٍ من المسلمين قناعة أنه لن يُهزم أعداؤنا أبداً؛ مع أنه -ويا للأسف- من أمة تُنصر بالرعب مسيرة شهر كما أخبر بذلك نبيها محمد ﷺ ، لكن متى تُنصر بالرعب؟ إذا تمسكَتْ بهدي محمد ﷺ . وسبب تخلفنا سببٌ واحد نشأت عنه أسباب كثيرة لما حل بأمتنا اليوم من تجرع لكئوس الذل والهوان، وعامل نتج عنه عوامل كثيرة ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه ومن أسباب تخلفنا: إعجابنا بالغرب، واعتباره القدوة الصالحة، إعجاباً يبينه ويظهره البعض ويبيته البعض الآخر ويخفيه، حتى وصل الإعجاب بنا بالغرب أن أصبح الذهاب إلى بلادهم أمنية يتمناها كثيرٌ من شباب المسلمين، أصبحنا نبحث عن العلم في بلاد الغرب، وبعضنا يدرس الشريعة في بلاد الغرب، ولا إله إلا الله! يشعر البعض منا بنقصٍ إذا قال أحمل شهادةً من بلد إسلامي، لكنه يرفع رأسه إذا حمل شهادة من بلاد أوروبا والغرب كله. وصل الهوان بنا أنه لو تبرع لاعب نصراني لأحدنا (بفانيلة) لاعتبرها كنزاً لا يفنى، ووالله إنها لمهزلة ما بعدها مهزلة ومأساة ما بعدها مأساة إن رضينا بذلك، فهي العقوبة لا تبقي ولا تذر. بفحش وقلة حياء يتسابق شبابنا لتوقيع ورقة تذكار من لاعب نصرانيٍ كافر، ويعتبرون هذا التوقيع أجل من مخطوطات المسلمين جميعها، ثم نرجو النجاة أواه! أي فحشٍ مظل وعن فساد القوم نم أي خيبة هبطت لها هذه الأقوام والأمم إعجابنا بالغرب طغى على الأولاد، لو اشتهر منهم رجلٌ برذيلة، يقلَّد عندنا بعد ساعات، يسأل أحد الشباب: ما مثلك الأعلى؟ فيقول: مارادونا؛ وهو لاعبٌ كافر، والفتيات من مثلهن الأعلى؟ إنها ديانا، لا إله إلا الله حقائق تنطق بإعجابنا بالغرب، وهواننا على الله يا أحفاد محمد بن عبد الله! يا أمة الإسلام! أمتي كم صنم مجدته لم يكن يحمل طهر الصنم لا يلام الذئب في عدوانه إن يك الراعي عدو الغنم

стр. 828

إفساد بعض المسلمين ومن أسباب تخلفنا وانحطاطنا وتأخرنا وهواننا: الإفساد من البعض في الإصلاح والتطور وعدم الأخذ على أيديهم ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١١ - ١٢] قدوتهم فرعون يوم يقول: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦] ولا إله إلا الله باسم الإصلاح انتُزعت أهم خصائص مؤسسات الأمة الإسلامية! باسم التطور ضاعت جامعات من أعرق جامعات العالم الإسلامي! باسم التطور تنتهك حرمات الله! باسم التطور يضرب بأوامر الله عرض الحائط! ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢]. عباد الله: الأعداء متفرقون متشتتون بطبعهم، ذاك قول الله: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤] لكنهم مع تفرقهم يجتمعون علينا ويتفقون جميعاً على ضرب الإسلام، وعلى ما يهيننا ويذلنا، ونحن نختلف في كل شيء إلا في الولاء لهم إلا من عصم الله، هذا يلجأ لذاك، وذاك يلجأ لهذا، وما لجأنا إلى الله، ناسين أو متناسين ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] فحصل التأخر والتخلف من أمة مسلمة، ووالله لن ترتفع وتعزَّ الأمة إلا بما عزَّ به أسلافها. بعضنا ذهب إلى أوروبا وجاء لينشر ما تعلمه هناك على أنها مُثل لا تقبل النقاش والجدل، فالأمر ما أمروا والعلم ما ذكروا، يقول أحدهم: علينا أن نلحق بـ فرنسا حتى في لباسنا، ومنهم من تولى مناصب قيادية في الأمة المسلمة، فقادوا المسلمين إلى الهاوية، قادوهم إلى التأخر والتقهقر والتدهور باسم التطور، وهم يعيشون بيننا الآن ويتكلمون بلغتنا، أسماؤهم محمد وعبد الله، والله منهم براء ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:١٠]. في قومنا من يدعي صدق الهوى ودم الهوى في عرقه يتخثر

стр. 829

ضعف القدوة وخيانة بعض المسلمين من أسباب تخلف المسلمين: ضعف القدوة لدى طلبة العلم والعلماء والقادة، لم يعد كثيرٌ من هؤلاء أهلاً للاقتداء بهم، ولذلك اقتدى الناس بالمنحرفين، وحمَّلوا الأمة الهوان والذل. يا معشر القراء يا ملح البلد من يُصلح الملح إذا الملح فسد ومن أسباب تخلفنا: خيانة بعض المسلمين لدينهم وأمتهم، أصبحوا عملاء للشرق والغرب، فخانوا الله والرسول وأماناتهم، فحسيبهم الله الذي لا إله إلا هو.

стр. 830

تفرق المسلمين إلى أحزاب وجماعات وجماع هذه الأسباب، بل من أعظم هذه الأسباب التي أدت إلى التأخر والتخلف: نشوء العصبيات والقوميات والوطنيات، والإقليميات. تعلمون -أيها الإخوة- أن العرب أمةٌ مشتتةٌ مفرقة حتى جاء الإسلام فجمعها، فهل اجتمعت تحت لواء قريش؟ لا. هل اجتمعت تحت لواء الأوس أو الخزرج؟ لا. إنما جمعتهم ووحَّدتهم لا إله إلا الله، ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال:٦٣] دان الشرق والغرب كله لهذه الكلمة، وأهان ذلك الأعداء، فرأوا أن أحسن طريقٍ لبُعدنا عن ديننا نشوء العصبيات، فأنشئوا القوميات، ثم جاءوا بالوطنيات، ثم جاءوا بالإقليميات حتى أصبح أهل الوطن الواحد يتفرقون إلى شيع وأحزاب، ولا زال ينحدر كثير من الناس في هذا الطريق، ذبحونا بعشق الوطن والكلمات المائعة عن الوطن حتى قال قائلهم: بلادك قدِّمها على كل ملةٍ ومن أجلها أفطر ومن أجلها صُم وقال الآخر: وطني لو شغلت بالخلد عنه لنازعتني إليه في الخلد نفسي لا إله إلا الله ما أحلمك يا رب! ما أكرمك! أيُقدَّم الوطن على الجنة؟! إنها الوطن الذي نسعى إليه، لكنه ليس لها بأهل، ولن يكون الأول والآخر ممن يتكلم بهذا، وطننا وأرضنا وسماؤنا وهواؤنا وتنفسنا هو: لا إله إلا الله، من عمل بمقتضاها فهو أخٌ حميم ولو كان عبداً حبشياً، ومن رفضها فهو عدوٌ لدودٌ ولو كان حراً قرشياً. أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيسٍ أو تميمِ إن يختلف ماء الوصال فماؤنا عذبٌ تحدَّر من غمامٍ واحدِ أو يفترق نسب يؤلف بيننا دين أقمناه مقام الوالد عباد الله: والجبن والخوف والهلع وحب الدنيا وكراهية الموت وترك الجهاد أدت بنا إلى ما نحن فيه من التخلف والانحطاط. هذه -يا عبد الله- بعض أسباب الضعف والانحطاط التي حلت بالمسلمين، وغرزت فيهم الهزيمة التي استطاع الشاعر أن يعبر عنها بقوله: كم صرفتنا يدٌ كنا نصرفها وبات يملكنا شعبٌ ملكناه

стр. 831

آثار تخلف المسلمين

стр. 832

انحراف في الفكر عرفنا أسباب التخلف والتأخر، فما الآثار التي نتجت عن هذا التأخر والتخلف؟ لا إله إلا الله ما أعظم الآثار! لكن قلوبنا غلف، نتج عن ذلك انحراف في الفكر، يتمثل في الإلحاد وانتشار المذاهب الهدامة -وما الحداثيون منا ببعيد- وفساد بعض المناهج في البلاد الإسلامية، وخللٌ اجتماعيٌ اعترى الأسر حتى صارت أوضاع الأسر مؤلمة محزنة، ولو ذهبنا لمراكز التربية الاجتماعية أو المحافل لوجدنا ما يدمي القلوب من المشاكل الاجتماعية. المرأة استخدمت سلاحاً فتاكاً للقضاء على القيم والمثل، استغلها أعداؤنا استغلالاً بشعاً، الإسلام صانها وأكرمها، وفي عصرنا لا دين، ولا حمية، ولا غيرة، وجهوا لها السهام، واستغلوها أبشع استغلال؛ أكثر من ستين مجلة على غلاف كل واحدة منها امرأة، هذا ما يرى، وما يمنع دخوله كثير وكثير، استخدمت المرأة للدعاية حتى على الحراثات -استخدمت صورة المرأة مع الحراثة للدعاية- فيا سبحان اللهَ! هل في الحراثة جمال؟ لا. وهل في المرأة قوة؟ لا. إذاً ليس الهدف جمالاً ولا قوةً، ولكنه استغلالٌ بشعٌ للمرأة باسم المدنية لتحقيق مخططاتهم وأغراضهم، ونجحوا في ذلك. أوضاع كثيرٍ من نسائنا مؤلمة، ضعيفات كُذِب عليهن فصدقن وطبقن فكانت الكارثة، وكان الخلل، وهو من آثار التخلف والانحطاط. أين القوامة يا رجال؟! أمانةٌ شرفٌ أليس لكم إباءٌ يذكر وفي المقابل انحراف كثيرٍ من الشباب يوم يذهبون لبلاد العهر والكفر ليقضوا أوقاتهم على كأس وغانية، ويموت بعضهم في أحضان باغية، ماذا دهانا؟! إنه أثرٌ من آثار تخلفنا وانحطاطنا. وقليلٌ -يا عباد الله- في هذا العالم من يعمل بنظام الاقتصاد الإسلامي، ما عرفنا الرأسمالية والشيوعية إلا بعد تدهورنا وتخلفنا، أين تستثمر أموال الأمة المسلمة يا عباد الله؟ إنها تستثمر في بلاد النصارى. إن مشروعاتنا تقوم بها شركات شرقية أو غربية، إن أرصدتها عند أعدائها، لو سحبت أرصدة المسلمين من أوروبا وأمريكا لانهارت بعد ساعات، لأنهم يشتغلون بأموال الأمة، وذلك منشؤه التخلف والتأخر ولا تيئسوا. ستظل طائفةٌ على إيمانها منصورة تبني الكيان الأكبرا يا أمة الإسلام وجهك لم يزل بالرغم من هول الشدائد مسفرا

стр. 833

ذلة المسلمين في كل مكان من آثار تخلفنا: أن المسلم لم يصبح كما كان، كان مهاباً عزيزاً كريماً، وأصبح ذليلاً مهاناً، يُتَنَدَّر عليه ويُسْخَر منه، بل أصبح رمز السخرية والضعف والهزيمة، يقول ولا يفعل، بل يفعل عكس ما يقول. قومٌ يثيرون الكلام قنابلاً فليشتك مما نقول المنبر نزع الله المهابة من قلوب أعدائنا لنا، لأننا لم نخف الله ولم نطعه، ولم نحفظه، فتحولنا من سادة وقادة إلى ما يسمى بالعالم الثالث والعالم النامي، وسمانا بذلك من؟ أعداؤنا، ونرددها ببلاهةٍ وهوانٍ وضعف، هانوا على الله فأذلهم، ولو عزوا عليه لعصمهم وأعزهم. يئس الناس وقنطوا، وتبلدت أحاسيسهم بمشكلات الأمة، وانشغل كل فرد بمستقبله عن مستقبل أمته، همُّ الواحد أن يملك بيتاً وزوجةً ومالاً ورغيفاً، ولا إله إلا الله ما أرخصها من أمنية! أين أمنية التحرير لبلاد المسلمين؟ أين أمنية للمخرج مما نحن فيه؟ أين أمنية لرفع راية الجهاد وإعلاء كلمة الله؟ عباد الله: هذه بعض أسباب وآثار تخلف المسلمين وتقدم غيرهم، فعودة عودة إلى الله أيها المسلمون! إن كلامنا هذا منطلق مما نراه ونشاهده من إعراضٍ وتيهٍ رغم كل الأحداث، ورغم إحاطة البلاء بالأمة، ورغم حاجتنا الملحة إلى الله، فعودةً وتوبةً وأوبةً إلى الله، صحوةً منظَّمةً، فضحاً فضحاً لأعداء الأمة، وإبطالاً إبطالاً لكيدهم، ونصراً لله تنصروا. يا أمتي أصبحتِ في دائرة مستحكمة ما بين إلحادٍ له أطماعه المقتسمة وبين بعثٍ ظالمٍ يحني ظهور الظلمة يا أمتي لا تخدعي بالشفة المبتسمة أخشى على أمتنا من فتنة محتدمة أقسمت بالله الذي أسدى علينا نعمه لن يدفع الشر الذي صب علينا حممه إلا يقينٌ صادقٌ إخلاصنا فيه سمة نطلب فيه النصر من ذي القوة المنتقمة. اللهم ارفع ما بالمسلمين من بلاءٍ وخورٍ وتأخر، اللهم ارفع ما بهم من ضعفٍ وهوان، اللهم أعد للإسلام والمسلمين عزهم وقوتهم ومجدهم إنك على كل شيءٍ قدير، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 834

حلول مشكلة تخلف المسلمين الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: عباد الله: تتوالى على المسلمين النكبات والهزائم، وستظل تتوالى ما بقي المسلمون على حالهم من حربهم لله ولرسول الله وتركهم الجهاد في سبيل الله ﴿ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا﴾ وما انتصر المسلمون الأوائل بالعدد ولا بالعدة، ولكن انتصروا بالله، فلنراجع صلتنا بالله ونحن نعيش في هذا الزمن العصيب الدقيق، الذي فيه: دم المصلين في المحراب ينهمر والمستغيثون لا رجعٌ ولا أثرُ والقدس في قيدها حسناء قد سلبت عيونها في عذاب الصمت تنتظرُ سل الملايين من أبناء أمتنا كم ذُبحوا وبأيدي خائنٍ نُشروا سلوا بلاداً من الأفغان ما برحت دماؤنا في ثراها بعدُ تستعرُ وسائل الليل والأفلاك ما فعلت جحافل الحق لما جاءها الخبرُ هل جُهزت لحياض الدين أبنيةٌ هل في العراق ونجدٍ جلجل الغُيُرُ هل قام مليون مهديٍ لنصرتها؟ هل قامت الناس؟ هل أودى بها الضجرُ هل أجهشت في بيوت الله عاكفةً كل القبائل والأحياء والأسرُ آمالنا من صلاح الدين يعتقنا وقد تكالب في استعدادنا الغجرُ يا أمة الحق إنا رغم محنتنا إيماننا ثابتٌ بالله نصطبرُ غداً بين يدي الجبار سيسألكم الله حكاماً وشعوباً ماذا عملتم تجاه دينكم؟ ما دوركم في عز هذا الدين بعد أن تخلف المسلمون وانحطوا اليوم عن دينهم وبعدوا؟ إن الدور عظيم، والمواقف المنتظرة منكم هي المواقف المنتظرة من رجال الأمن. ما العلاج لما نحن فيه؟

стр. 835

العودة الصادقة إلى الإسلام إن العلاج لتخلفنا نحن المسلمين يتمثل في عودةٍ صادقةٍ إلى الإسلام، وتحكيمٍ لشرع الله، فوالله لا حياة، ولا عز، ولا فخر إلا بالعودة إلى الله وتحكيم شرع الله في أرض الله، ومتى ما تخلينا عن ذلك تخلى الله عنا: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].

стр. 836

التربية الجهادية وعليكم بالتربية الجهادية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن لنتساءل: هل ربينا أبناءنا على حب الجهاد؟ هل ربيناهم على الاستعداد للموت في سبيل الله؟ لا والله، تركنا الجهاد، وأخذنا وراء الدنيا نلهث ونركض، فحل بنا ما حل من تأخر وتخلف وفساد: [[لن يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها]] وبمَ صَلُح أولها؟ بالجهاد في سبيل الله. أعداؤنا يحيكون المؤامرات، ونخشى أن يقضوا علينا بين عشيةٍ وضحاها، أحاطوا بنا إحاطة السوار بالمعصم، فأين المهرب؟ أين المفر يا عباد الله؟ ففروا إلى الله، وعودوا إلى الله، وربوا الشباب على الرجولة، شبابنا في غالبهم مائعٌ ضائع لا يتحمل لسعة الهواء، ولا ضربة الشمس، هل هؤلاء على استعداد ليواجهوا عدوهم؟ في ملعب من الملاعب يجتمع أكثر من ثلاثين ألف متفرج لمشاهدة مباراة، ويتساءل المسلم لو نادى منادي الجهاد: حي على الجهاد! كم سينطلق من هؤلاء الذين ناداهم منادي إبليس فأجابوه. والله لئن بقي شبابنا على أساليب تربيتهم الآن، فهي الكارثة، فلا تلوموا إلا أنفسكم: [[نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله]].

стр. 837

وقاية المجتمع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتجتمع كلمة المسلمين، وليلتف الشباب حول العلماء وطلبة العلم، ولتُصْلَح المناهج والوسائل، ولننصح ولنأمر ولننه لا نخشى إلا الله، أطالبكم: من رأى منكراً في صحيفة، أو جهاز، فليكتب إلى المسئولين، لا نستكين ولا نلين، فكلٌ منا على ثغرة، فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبلك يا عبد الله! ثم لنهتم بالأسرة: ﴿فكلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته ﴿وما من راعٍ استرعاه الله رعية، فبات غاشاً لهم إلا حرم الله عليه رائحة الجنة﴾ القائد مسئول، والأب مسئول، والكل مسئول، والأم مسئولة، والأم مسئوليتها تعظم وتعظم هذه الأيام، نريد أماً صادقة تضحي في سبيل دينها بكل شيء، لا في سبيل ما يريد أعداؤها منها من غزوٍ في أزيائها، وخروجٍ بها إلى الشوارع سافرة، وتضييعٍ لبناتها مع السائقين والخدم. والأم مدرسةٌ إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراقِ والأم مدرسةٌ إذا أفسدتها أفسدت شعباً طيب الأعراقِ نريد أماً قدوتها عائشة وحفصة وخديجة وزينب، ونعم القدوة هن، انتبهوا لنسائكم يا عباد الله! أصابهن الداء، والبعض منا لا يدري. فإن كنت لا تدري فتلك مصيبةٌ وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُ تخلينا عن قيادتنا في بيوتنا، تركناها لآلات اللهو والخدم، وأصبح الأب يمارس بطل مسرحية الضياع في بيته، النار فيه تلتهب وهو جالس لا يحس أين العقول؟ أما لديكم حكمةٌ؟ أين القلوب، أما تحس وتشعرُ؟ لابد من وقاية المجتمع، لابد من تطهيره إن أردنا العزة والمنعة والمجد، والإسلام عزيزٌ بدونكم، محفوظٌ بدونكم، واعلموا أنه باقٍ ما بقي الليل والنهار ومهما تطاولت الأيدي، ومهما كثر الأذناب والخونة والمجرمون والمنافقون الذين يملأ الجبن قلوبهم، لا يقاتلون مبارزة، بل يطعنون من الخلف، ويتقنعون بالإسلام والإسلام منهم براء، نحن نقول هذا: والله لا نخاف على الإسلام بقدر خوفنا عليكم -أيها المسلمون- أن يتزعزع إيمانكم ويصل اليأس إليكم فتتزلزل قلوبكم، أو يصيب الوهن عزائمكم، لأنكم ترون الخذلان يجتمع عليكم من كل صوب، وترون شراسة العدو وخيانة الصديق، لكن اعلموا أن الكفر كله تجمع يوم الأحزاب يريد القضاء على دين الله، فخاب وخسر ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب:١٠ - ١١] وما ظن المؤمنون بالله إلا خيراً ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾ [الأحزاب:٢٢] ماذا قالوا؟ ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٢٢]. الله أكبر! انظر أخي المسلم وأنت تعيش الفتنة كيف إيمان هؤلاء؟ وكيف تعلقهم بالله؟ كيف كانت عاقبتهم يوم تجمع الأحزاب عليهم؟ ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:٢٥] والذين ظاهروهم ماذا عمل فيهم؟ ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً * ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ [الأحزاب:٢٦ - ٢٧]. يا عباد الله: ألا لا يداخلنكم ريبٌ في ذلك ولا شك، فما ترونه اليوم من علو للباطل، فإنما هو سرابٌ خادع وابتلاءٌ من الله، والله أغير منا على دينه وهو حكيمٌ عليم غير غافلٍ عما يعمل الظالمون، لكن كل ذلك ليميز الخبيث من الطيب، وليبتلي ما في صدوركم، وليمحص ما في قلوبكم، ويمحق الكافرين، فالكفر ذليل مهما حاول كسب العزة: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ [النساء:١٣٩]. نحن والله لا نقول هذا الكلام تيئيساً، فإننا والله نعلم أن العاقبة للمتقين، لكن حزننا اليوم على أنفسنا أن لم نكن أهلاً لحمل راية الله، ولا لحمل صفات المتقين. حزننا على غفلتنا عن عقيدتنا وعن إخوةٍ لنا في كل مكان لا نسمع أنينهم ولا نواسيهم، حزننا وخشيتنا أن يستبدل الله قوماً غيرنا ثم لا يكونوا أمثالنا، حزننا أننا على اللهو عاكفون والسُّخف، وأعداؤنا يخططون ويدبرون ويمكرون، والله خير الماكرين. أنا أقسمت بالذي برأ الكون من عدم وكسا ثوب عزةٍ كل من بالهدى اعتصم ورمى مدمن الضلال بسوطٍ من النقم إن قنعنا بسُخطنا وركنا إلى النعم فخطا الخصم ماضيات من القدس للحرم عندها يندم الجميع ولا ينفع الندم اللهم ارفع ما حل بالأمة المسلمة، اللهم ارفع ما حل بالأمة المسلمة، اللهم ارفع ما حل بها من انحطاط وذل وهوان، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم وأهلك الطغاة والمجرمين والمنافقين، وأرنا فيهم يوماً أسوداً كيوم فرعون وهامان وقارون، نجعلك اللهم في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام بسوءٍ، فأشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميره يا أكرم الأكرمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منا وما بطن، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ربنا وارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيءٍ يا أرحم الراحمين. اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 838

أبو بكر الصديق ٢،١ الوقوف على أخبار رجال الإسلام الأعلام يمثل نقطة البداية لسلوك طريقهم واقتفاء آثارهم. وعند الوقوف على شخصية كشخصية أبي بكر الصديق يستشعر المرء أنه أمام عملاقٍ عظيم ورعاً وتقوى، علماً وعملاً، تضحية وفداء. ولعل ذلك هو ما أهله ليكون ثاني اثنين إذ هما في الغار، وليكون بعد ذلك أول خليفة للمسلمين، ولقد سجل لنا التاريخ مواقف رائعة لهذا الرجل العظيم. هذا ما احتوته هذه المحاضرة، وفي آخرها نبذة عن عمر بن الخطاب، وفضائله.

стр. 839

رجال الإسلام وأهمية الوقوف على أخبارهم الحمد لله الذي نشر بقدرته البشر، وصرف بحكمته وقدر، وابتعث محمداً إلى كافة أهل البدو والحظر، فأحل وحرم وأباح وحظر، وابتلاه في بداية النبوة بمداراة من كفر، فدخل دار الأرقم فاكتسى واستتر، إلى أن أعز الله الإسلام برجال كـ أبي بكر وعمر، فصلوات الله عليه وعلى جميع أصحابه الميامين الغرر، وعلى تابعيهم بإحسان على السنة والأثر، صلوات الله عليه ما هطلت الغمائم بتثان المطر، وهدلت الحمائم على أفنان الشجر، وسلم تسليماً كثيراً على سيد البشر. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته من جمع التقى حباً في ذكر الله، وحيا الله قلوباً أقبلت تئرز إلى بيوت الله، وعلى حبكم أيها الجمع أشهد الله، وأسأله أن يجمع قلوبنا على تقواه، وأن يظلنا تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، اللهم اجعل هذا الجمع في صحائف الحسنات، في يوم تعز فيه الحسنات، واغفر اللهم لنا ما يكون من زلات، اللهم بك نعتضد، ومن فيض جودك نستمد، اللهم اجعل هذه الكلمات خالصة لوجهك الكريم، ووصلة للفوز بجنات النعيم، وانفع بها من تلقاها بالقبول، وبلغنا وسامعها من الخير أجل المأمول، أنت أكرم مسئول على الدوام، وأحق من يرتجى منه حسن الختام. صور وعبر: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١]. اقرءوا التاريخ إذ فيه العبر ضلَّ قوم ليس يدرون الخبر سائلوا التاريخ عنا كيف كنا نحن أسسنا بناءً أحمديا أيها الأحبة في الله! إن أمر آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها، ولا يشك عاقل يؤمن بالله ورسوله أن أصحاب النبي ﷺ هم خير الخلق بعد رسول الله، وأنه ﷺ سيد ولد آدم، وصحابته أفضل قرن من أمة وجدت على وجه الأرض، وإن معرفة أحوالهم وأخلاقهم وسيرهم لتضيء الطريق أمام المؤمن الذي يريد أن يعيش أسوة محمد ﷺ ، ومن هنا كان لزاماً علينا معرفة أخبارهم وسيرهم، ونشرها بين المسلمين عظة وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع، لماذا؟ لأنهم نقلوا الإسلام إلينا نقلاً صحيحاً؛ ولأن المحافظة على الإسلام تستوجب العناية بتاريخهم، لئلا يجد أعداء الإسلام سبيلاً للطعن في الإسلام عن طريق الطعن في نقلته. ولما كان الأمر كذلك دعت الحاجة إلى تبيين فضائلهم؛ ليكون ذلك ردعاً للموتورين الذين كفروا الصحابة وضللوهم، وأسقطوا عدالتهم كي يهدموا الإسلام من قواعده وأنى لهم ذلك؟ لكنهم قوم لا يفقهون!! كناطح صخرة يوماً ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل ولعل ديننا القويم قد تميز عمن سبقه من الأديان بمعجزة تتجدد في كل وقت وآن، ألا وهي معجزة الرجال الذين عاشوا حياتهم للإسلام فلم يعرفوا للراحة طعماً، ولم يعرف الخمول إلى نفوسهم طريقاً، فكانوا حركة مشبوبة لا تهدأ ولا تفتر ولا تكلُّ ولا تملُّ، لا يهمها من الحياة مالٌ أو متاع، ولا تشغلها دون غايتها زخارف الدنيا وبهجتها، وحدوا همتهم في إرضاء الله، محقوا من بواطنهم كل نية تشوبها الشوائب فكانوا خالصين لله، فأكرمهم بأن جعلهم من معجزات نبيه الكريم، ليثبتوا للدنيا كلها أن دين الله تام كامل، وأن شرع الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن الله متم نوره ولو كره الكافرون، ولو كره المنافقون والظالمون والفاسقون. إن أخبار هؤلاء الأخيار دواء للقلوب، وجلاء للألباب من الدنس والعيوب، وقدوة في زمن كادت القدوات أن تغيب، فمنهم مثال يحتذى، ونبراس يقتدى، ليعرف المتأخر للمتقدم فضله، ويسعى على دربه ونهجه. بالوقوف على أخبار هؤلاء الأخيار تحيا القلوب، وباقتفاء آثارهم تحصل السعادة، وبمعرفة سيرهم ومناقبهم تحيا القلوب، وبمعرفة مناقبهم تحصل السعادة، وبمعرفة مناقبهم تكون القدوة بجميل الخصال ونبيل المآثر والفعال، فهيا أيها الجمع الكريم إلى الصور ذات العبر، ولست مدعياً ولست زاعماً أني سأبين العبرة من كل صورة، بل إن البعض منها سيسرد سرداً تتبين فيه العبرة من خلال الصورة، فاللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً.

стр. 840

أبو بكر الصديق أول خطيب في الإسلام فإلى صورة رجل من أولئك الأخيار، رجل عظيم القدر رفيع المنزلة، عَبَدَ الله متأسياً برسول الله، وجاهد في الله، وأنفق كل ماله في سبيل الله، نصر الرسول يوم خذله الناس، وآمن به يوم كفر به الناس، وصدقه يوم كذبه الناس، جهل فعله الكثير من أبناء المسلمين، بخسوه حقه، وهضموه منزلته، ولم يقدروه قدره، بعض أجيالنا يعرف عن مغنية أو ممثلة أو تافهٍ رخيص أو ساقط أو ساقطة أكثر مما يعرفون عن هذا العلم، تجاهله لا أقول حتى العامة بل تجاهله الخطباء والوعاظ والكتاب، ربما لأنه عظيم بجوار من هو أعظم، وكريم بجوار من هو أكرم، فطغت عظمة صاحبه وقدره ومنزلته على عظمته وقدره ومنزلته. إنه أفضل الصحابة، ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على خير منه، إنه أول من آمن من الرجال على الصحيح، إنه لو وزن إيمانه بإيمان الأمة لرجح إيمانه، إنه الورع الحيي، الحازم الرحيم، التاجر الكريم، صاحب الفطرة السليمة من أدران الضلال، لم يؤثر عنه أنه شرب خمراً قط، ولم يؤثر عنه أنه سجد لصنم قط، ولم يتعامل برباً قط، ولم يؤثر عنه كذبٌ قط، كان شبيهاً بالرسول ﷺ ، وأنعم به من شبه، رجل لا كالرجال وسيرة لا كالسير، إنه من لا يخفى عليكم، ولا على مثلكم من المؤمنين، إنه أبو بكر ﵁ وأرضاه، ولعن الله من أبغضه وعاداه. إنه من دعي إلى الإسلام فما كبا ولا نبا ولا تردد، وإنما بادر إلى الإسلام وما تلبث وما تلعثم، وما كان لأصحاب الفطر السليمة أن يتلبثوا عن خير دعوا إليه، وكيف يتلبث وقد صحب رسول الله ﷺ قبل البعثة، وعلم صدقه وأمانته وحسن سجاياه، وكرم خلقه، علم عدم كذبه على الخلق فكيف يكذب ﷺ على الخالق، إذ كان لسان حال أبي بكر ﵁ يوم دعي إلى الله من جانب رسول الله: ما جربت عليك كذبا. أما لسان مقاله: فأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فتمتد يده إلى المصطفى ﷺ لتبايعه، فتكون أول يد تمتد إلى المصطفى ﷺ ، فحسبي وحسبكم هذه الليلة أن نقف مع بعض صور من حياة هذا العلم، وقفة تذكر وتدبر وعظة وعبرة، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى سير هؤلاء، والحال في الغالب قد تسر العدو وتحزن الصديق، كل هذا ليعلم أن ما نحن فيه بسبب بعدنا عن منهج أبي بكر وغيره من صحابة رسول الله ﷺ ، وكل ذلك بما كسبت أيدينا ويعفو الله عن كثير، لنعلم أنه يوم توارى أمثال هذا الرجل ظهر الفساد، وتطاول الأقزام، ونطق الرويبضة. وجدير إذا الليوث تولت أن تلي ساحها جموع الثعالب .

стр. 841

صورة من معاناة الصديق في سبيل الدين الصورة الأولى: قال الصديق: لا إله إلا الله، وقد أدرك ماذا تعني لا إله إلا الله، علم أنها تعني أن يسلم النفس كاملة لله ، اسمع إلى ابن كثير في سيرته يوم يقول: عن عائشة ﵂ قالت: لما اجتمع أصحاب النبي ﷺ ، ألح أبو بكر على الرسول ﷺ في الظهور وعدم الاختفاء، فقال ﷺ : يا أبا بكر! إنا قليل، فلم يزل أبو بكر يلح على إظهار النور حتى وافقه ﷺ على ذلك، وظهر رسول الله والمسلمون، وتفرقوا في نواحي المسجد، وقام أبو بكر خطيباً في الناس -فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسول الله ﷺ ثار عليه المشركون، وثاروا على المسلمين معه، فضربوا أبا بكر ضرباً شديداً، حتى إن عتبة دنا منه فجعل يضرب وجهه بنعلين مسقوفتين، ثم يجثو على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه ﵁ وأرضاه. وجاء بنو تيم قوم أبي بكر، وأجلوا عنه المشركين، وقالوا: لئن مات لنقتلن عتبة ثأراً لـ أبي بكر، أما أبو بكر فمغمى عليه لا يتكلم بكلمة، رجع إليه قومه ليكلموه فما تكلم إلا آخر النهار، ترى بما تكلم! قال: ما فعل رسول الله ﷺ ؟! همه الرسول والرسالة، سبه قومه وعذلوه إذ هم مشركون ثم تركوه. أما أمه فقامت تلح عليه أن يطعم شيئاً وهو يقول: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فتقول: والله يا بني ما لي من علم بصحابك، قال: اذهبي إلى أم جميل فاطمة بنت الخطاب فسليها، خرجت إليها، فقالت: إن ابني يسأل عن محمد، قالت أم جميل: أتحبين أن اذهب معك إلى ابنك -تريد سرية الأمر لئلا تفتن هي به كما فتن هو وغيره- قالت: نعم. فمضت إلى أبي بكر فوجدته صريعاً، فقالت: والله إن قوماً نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم. ﵏ ورضي عنهم؛ لقد كانوا يأوون إلى ركن شديد، فيقول أبو بكر: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالت أم جميل: هذه أمك تسمع -ولم تكن آمنت بعد، وهذا وعي عظيم من فاطمة ﵂ على سرية الدعوة فلا تتكلم أمام مشركة، حتى ولو كانت أم أبي بكر ﵁ وأرضاه- قال: لا عليك يا فاطمة! قالت: إنه سالم صالح بحمد الله، قال: أين هو؟ قالت: في دار ابن أبي الأرقم، قال: فإن لله علي ألا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى آتي رسول الله ﷺ . أحب رسول الله حباً يفوق حب النفس والمال والأهل والولد، وهكذا يجب أن يكون المؤمنون، انتظروا حتى هدأت الرجل وسكن الناس، ثم خرجت أمه وأم جميل يتكأ عليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله ﷺ ، فلما رآه ﷺ قبله، وأكب عليه المسلمون، ورق له رسول الله ﷺ رقة شديدة لما يرى منه، فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي ليس بي من بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي يا رسول الله، ثم قال: يا رسول الله! هذه أمي برت بولدها وأنت مبارك، فادع الله لها وادعها إلى الله أن يستنقذها من النار، فدعاها ودعا لها رسول الله ﷺ ، فشهدت أن لا إله إلا الله. همه ﵁ أن يستنقذ الناس من النار، والأقربون أولى بالمعروف، والأم أقرب إنسان إليه، فما كان منه إلا أن دعاها فأسلمت، وكان من أعظم البر بأمه أن يدعوها إلى الله جل وعلا. أرأيتم لهذا الموقف يا عباد الله! والله لموقف أبي بكر هذا مع رسول الله في سبيل الحق ساعة، أفضل من عبادة أحدنا عمره كله، يقول بكر بن عبد الله المزني بإسناد صحيح: إن أبا بكر لم يفضل الناس بكثرة صلاة ولا صيام، وإنما فضلهم بشيء وقر في قلبه، إنه الإيمان وكفى به هادياً ودليلاً إلى القلوب، وحادياً إلى جنات النعيم. بشرها دليلها وقالا غداً ترين الطلح والجبالا

стр. 842

دور الصديق في الدعوة إلى الإسلام صورة أخرى: عَلِمَ أبو بكر أن من أول مقتضيات لا إله إلا الله الدعوة إليها، فالدعوة ليست وظيفة محمد ﷺ فقط، بل هي وظيفة الأمة في مجموعها. علم ذلك أبو بكر فخرج من عند نبيه ورسوله محمد ﷺ ، خرج وهمه نصرة هذا الدين ونشره في العالمين، خرج وعمره في الإسلام لا يتجاوز بضعة أيام، وبعد أيام يعود فبم عاد أبو بكر؟ عاد وهو يقود الكتيبة الأولى من كتائب هذه الأمة، خرج صادقاً مبلغاً فعاد وقد أدخل في دين الله ستة من العشرة المبشرين بالجنة فيما بعد. فيا لله! يأتي أبو بكر يوم القيامة وفي صحيفة حسناته ستة من العشرة المبشرين بالجنة، يعود وقد أسلم على يديه عثمان وطلحة الزبير وسعد وعبد الرحمن وأبو عبيدة ﵃ أجمعين. أرأيتم عطاءً للإسلام كهذا العطاء! قد يعيش الإنسان منا ستين عاماً أو سبعين عاماً أو أقل أو أكثر، لكنها والله لا تعدل في ميزان الحق ساعة من ساعات أبي بكر، قد لا يكون الصديق حفظ بضع سور من القرآن في ذلك الوقت، ولم يكن حفظ بضع آيات، وبعضنا يحفظ القرآن، ويحفظ من السنة الكثير، ويستمع إلى عشرات المحاضرات، ويستمع إلى عديد من الأشرطة، ويقرأ عشرات الكتب، وينقضي عمره وما هدى الله على يديه رجلاً واحداً، ما السبب؟ إنه نقص الإيمان، أو نقص الصدق لضعف الإيمان في القلوب. حصان إخلاصنا ما زال يُسمعنا صهيله غير أنا ما امتطيناه فهلا صدقنا الله، وهلا أخلصنا النوايا لله، لتنقاد القلوب لنا كما انقادت لـ أبي بكر وسلفنا، نرجو الله أن يَمنَّ علينا بذلك، فـ ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾.

стр. 843

دور الصديق في نصرة المستضعفين من المسلمين صور أخرى: تلفت أبو بكر وقد استغرق الإسلام عليه وقته، فوجوده للإسلام، وهويته ورسالته الإسلام، تجرد لله بكل خاطرة في قلبه فلم يستبق في نفسه بقية، استعبدها لله، تلفت فإذا ميدان جديد قد هتك، وإذ بالمستضعفين من المسلمين قد صب عليهم طغاة الكفر وصناديد الشركة وسدنة الوثنية سوء العذاب، حبسوهم، جوعوهم، عطشوهم، عذبوهم ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨]. ويا أيها الأحبة في الله! إن الضلال والجهل والكفر والنفاق بكل زمان لا يمتلك الإقناع والحجة والبرهان، قد يمتلك القوة والبطش لكن أنَّى لقلوب تسلل إليها النور أن تتدثر بالضلال بعد أن تسلل إليها النور، رأى أبو بكر نفوساً مؤمنة أمضها العذاب، وأعيتها المعاناة، وآلمها التعذيب، جروا في الرمضاء، ضربوا بالسياط، البسوا أدرع الحديد، طفروا في الشمس، كووا بالنار. في السيرة لـ ابن كثير يقول ابن عباس: إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه ويسحبونه على وجهه في الرمضاء، حتى ما يقدر أن يستوي جالساً من شدة الضر الذي نزل به، حتى يقولوا له: اللات والعزى إلاهان من دون الله؟ فيقول: نعم. افتداء منهم وقلبه مطمئن بالإيمان، ففي مثل هذا أنزل الله ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]. الابتلاء سنة من سنن الله في هذا الكون لا تتوقف، ليميز الله الخبيث من الطيب، وهاهو رسول الله ﷺ كما في الصحيح يخبر فيقول: ﴿لقد كان في من كان قبلكم يؤتى بالرجل فتحفر له الحفرة فيوضع فيها، ثم يوضع المنشار على مفرق رأسه، ثم يشق شقين فيمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب﴾ فالابتلاء سنة ماضية ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]. أبو بكر يرى هذه المناظر من الابتلاءات فآلمه ما يرى، جمع أمواله وصفى تجاراته مباشرة، وكان من أكثر قريش تجارة، ثم انطلق يشتري الأرقاء، ويعتقهم لوجه الله لا يريد منهم جزاءً ولا شكوراً، كل ذلك حماية لدينهم أن يفتنوا فيه، فينفق من أمواله أربعين ألف دينار في سبيل الله، ليحقق الشعور بالجسد الواحد والبناء الواحد والأمة الواحدة. يسمع أبو بكر ويرى بلالاً يئن تحت وطأة التعذيب، وهو يقول: أحد أحد قد هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه فصاروا يطوفون به شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد، صخور عظيمة في حماء الظهيرة في رمضاء مكة -وأهل مكة أعرف بـ مكة - توضع على صدره ثم يقول له أمية: لا تزال على هذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، ولسان حال بلال وهو الثابت يقول: أهفو إلى جنة الفردوس محترقاً بنار شوقي إلى الأفياء والغرف وقد أمر على الدنيا وسادتها من الطغاة مروراً ليس بالجيف أما لسان مقاله: فأحد أحد، لم يظفروا منه بكلمة الكفر ﵁ وأرضاه، يسمعه أبو بكر وهو يقول ذلك، فيقول: لينجينك الواحد الأحد، ويذهب أبو بكر إلى أمية، ويقول: أتبيع بلالاً؟ قال: أبيعه لا خير فيه، فباعه من أبي بكر بعبد أسود لـ أبي بكر، وقيل: بخمس أواق من ذهب، ليعتقه أبو بكر لوجه الله تعالى، ونعم المال الصالح للعبد الصالح. يقول أمية: يا أبا بكر! لو أبيت إلا أوقية واحدة لبعتك بلالاً لا خير فيه، فيقول أبو بكر: [[والله لو أبيت إلا مائة أوقية ذهباً لأعطيتكها]]. إعلاناً من أبي بكر للبشرية كلها، أن له موازين ومعايير ومقاييس غير مقاييس أمية وحزبه من الكفرة، أعتق أبو بكر بلالاً وعامراً وأم عمير وزنيرة و p=١٠٠٠٠٧١> النسية وابنتها وغيرهم كثير، اعتق الله رقبته من النار وبيض الله وجهه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. ويأتي أبوه وهو شيخ كبير ما زال حينها على دين قومه، فيقول: يا بني! أما وقد أبيت إلا أن تضيع مالك فهلا أنفقته على رجال أشداء جلداء ينفعونك ويمنعونك في وقت الشدائد، فيقول: يا أبتي إنما أريد ما أريد، ماذا يريد أبو بكر؟ أيريد السمعة؟! أيريد الرياء؟! أيريد الشهرة؟! والله لو يريدها لوضعها في الأشراف والكبار بمقاييسهم، لكنه يريد وجه الله والدار الآخرة، وشتان بين طالب الدنيا وطالب الآخرة. ويأتي المنافقون: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة:٧٩] ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة:٥٨] يأتون في كل زمان ليهونوا من شأن أي عمل يقوم به المسلمون الصادقون، فيقولون: إنما أعتق أبو بكر بلالاً ليدٍ كانت لـ بلال عنده، أي: لمعروف كان لـ بلال عنده. وأبو بكر ليس في حياته متسع لمجادلة أصحاب مثل هذا الفكر المظلم العفن النتن، وهذه النظرات القاصرة الخاسرة، تركهم ولم يرد عليهم، ولسان حاله يقول: الله يعلم ما في قلبي، هو عالم السر وأخفى، لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وتتنزل الآيات من فوق سبع سماوات من رب العزة والجلال لترد على هؤلاء، ومن على شاكلتهم إلى قيام الساعة كما ذكر ذلك غير واحد من المفسرين، يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:١٩ - ٢١] أي متاع يساوي: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾؟! أي زخرف يساوي: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾؟! أي دنيا تساوي: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾؟! لا الدنيا ولا متاعها ولا زخرفها ولذائذها وزينتها، بل هي بحذافيرها لا تساوي: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾؟! من الذي وعده بالرضى؟ إنه أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، وديان يوم الدين، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، ولسوف يرضى في يوم يقل فيه من يرضى، ولسوف يرضى في يوم يكثر فيه الفزع: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٣٠].

стр. 844

أعلى درجات التصديق والثقة صورة أخرى: ويسرى برسول الله ﷺ إلى بيت المقدس، ويعرج به إلى السماوات العلى في ليلة، ويعود في الصباح ليخبر الخبر وهو الصادق ﷺ ، ويطير الخبر في مكة، ويسري سريان النار في الهشيم، ويكذب المصطفى ﷺ ، ويضطرب بعض المسلمين لهذا الخبر، ثم يذهبون لـ أبي بكر يريدون أن يزعزعوا عقيدته، يريدون أن يهزوا إيمانه، فيخبرونه الخبر وهم على ثقة أنه لن يصدق رسوله ﷺ بعدها وسيرتد عن دينه. فما موقف هذا الرجل؟ وقف أمامهم كالطود الشامخ ليقول في كلماته الخالدة التي حددت منهج الإيمان في حياته: [[إن كان قال فقد صدق، والله إنه ليأتي بالخبر من السماء في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، أفلا أصدقه الآن]] أو كما قال، وانظروا إلى الوضوح في الرؤية، وإلى الثبات على المبادئ، عاد هؤلاء خائبين خاسرين، واستحق أبو بكر أن يلقب بـ الصديق. أيها الأحبة في الله! لقد علمنا أبو بكر كيفية التعامل مع ما يأتي عن الله وعن رسوله، فلا مجال للرأي بعد ثبوت النقل ولا جدال، بل آمنا وصدقنا وعملنا، سمعنا وأطعنا فوالله ما خرج من بين شفتي رسول الله ﷺ إلا الحق.

стр. 845

دور الصديق وأسرته في الهجرة صورة أخرى: لما أذن رسول الله ﷺ لصحابته بالهجرة إلى المدينة، تجهز أبو بكر يريد أن يكون الأول في كل شيء، يسابق إلى الخيرات، واتجه إلى النبي ﷺ يطلب الإذن بالهجرة، فقال ﷺ له: ﴿لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً﴾ يدخره رسول الله ﷺ لحدث ومنزلة لا يتكرر عبر تاريخ الحياة كلها، فقام بإعداد الرواحل، وقام يعلفها من ورق التمر استعداداً للهجرة، وكان من عادة المصطفى ﷺ أن يأتي بيت أبي بكر كل يوم مرتين بكرة وعشياً، قالت عائشة: ﴿وبينما نحن جلوسٌ يوماً في نحر الظهيرة، وإذ برسول الله ﷺ متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها أبداً، فيقول أبو بكر: فداء له أبي وأمي ما جاء إلا لأمر، فدخل رسول الله ﷺ ، فجلس على سرير أبي بكر وقال: اخرج من عندك يا أبا بكر! قال: إنما هم أهلك بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال: فإن الله قد أذن لي بالهجرة، قال أبو بكر وهو يبكي من الفرح: الصحبة يا رسول الله! قال: الصحبة يا أبا بكر! قالت عائشة: والله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح، حتى رأيت أبي يبكي يومئذٍ من الفرح﴾ أخرجه البخاري. يا لله! هل يبكي فرحاً بمنصب؟! هل يبكي فرحاً بمال؟! بجاه؟! بوظيفة؟! لا والله الذي لا إله إلا هو إنه ليعلم أن السيوف تنتظره، وأن القلوب الحاقدة تتلهف للقبض عليه، وأن الجوائز العظيمة تعلن للقبض عليه وعلى صاحبه، لكن. فما لجرح إذا أرضاكم ألم. أولئك حزب الله آساد دينه بهم عصب الطاغوت تشقى وتعطب أولئك أنصار النبي ورهطه لهم يتناهى كل فخر وينسب أولئك أقوام إذا ما ذكرتهم جرت عبرات العين حراً تصبب جزى الله خيراً شيخ تيم وجنده فراياته في الخير والبر تضرب
следующие страницы →